← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

عن صلاة الليل؟ فقال: "مثنى مثنى، فإذا خفتَ الصبحَ، فأوتر بركعة" (١). فإن قيل: المراد: الجلوس في كل ركعتين. قيل له: هذا لا يصح من وجوه: أحدها: أنه يسلم في كل ركعتين، وهذا يجب أن يُحمل على السلام المعهود الذي يخرج به من الصلوات. والثاني: لو أراد هذا، لبيَّن مقدار الركعات التي يسلم فيها؛ لأنه ﷺ سئل عن ذلك، فلما لم يبين، دل على أنه أراد: أن يسلم من كل مثنى. الثالث: أنه إنما يقال: صلى مثنى مثنى: إذا سلم من كل ركعتين، فأما إذا جمع بين ركعات بإحرام واحد، لا يجوز أن يقال: صلى مثنى مثنى، ولهذا لم يقل أحد: إن النبي ﷺ صلى الظهر مثنى مثنى، وصلى العصر مثنى مثنى، وصلى العشاء الآخرة مثنى. الرابع: أن هشام بن عروة يقول: حدثني أبي: أن عائشة ﵂ حدثته: أن النبي ﷺ كان يرقد، فإذا استيقظ، صلى ثماني ركعات، يجلس في كل ركعتين، ويسلم (٢).

стр. 667

وهذا يدل على أن المراد بقوله: "مثنى مثنى": بتسليمه من كل ثنتين (١). وروى الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى أن ينصدع الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ثنتين، ويوتر بواحدة (٢). ولا يجوز أن يكون فعله مخالفًا لقوله، فدل على أن المراد به: مثنى مثنى بالتسليم. والقياس: أنها صلاة تطوع مشفوعة، فالأفضل أن تكون ركعتين؛ قياسًا على ركعتي الفجر، وتحية المسجد، وصلاة التراويح. فإن قيل: ركعتا الفجر ثبت في الأصل كذلك، فلم تجز الزيادة عليها، وما اختلفنا فيه تطوع مبتدأ، فالأفضل المتابعة فيه. قيل له: فلهذا المعنى قسنا، وهو أنه ثبت في الأصل على هذا الوجه، وهي نافلة، فيجب أن تُحمل بقية النوافل على ذلك. فإن قيل: ليس من حيث كان بعض النوافل ركعتين يجب أن يكون جميعها كذلك؛ كالفروض.

стр. 668

قيل له: لا يمتنع أن تختلف الفروض، وتتفق النوافل؛ بدليل: أن المغرب ثلاث، والنفل لا يكون ثلاثًا. واحتج المخالف: بما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بعد العشاء أربع ركعات، لا تسلْ عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، لا تسلْ عن حسنهن وطولهن" (١)، وظاهره: أنه كان يصلي أربعًا بتسليمة واحدة؛ ولأنه لو كان يسلم في كل ركعتين، لقالت: كان يصلي ركعتين. والجواب: أنه يجوز أن يكون المراد به: أربع ركعات بتسليمتين، ثم ينام، ثم يقوم ويأتي بأربع ركعات بتسليمتين، ثم يوتر بثلاث، يدل عليه: ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أنه قال: بتُّ في بيت خالتي ميمونةَ بنتِ الحارث، فصلى النبي ﷺ العشاء، ثم جاء فصلى أربعًا، ثم نام، ثم قام فصلى (٢)، ويحتمل أن يكون صلى أربعًا بتسليمتين، ثم إنه كان يسلم من كل ركعتين. واحتج: بما روي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثمان ركعات، لا يجلس إلا في آخرهن، ثم

стр. 669

يصلي ركعة أخرى (١)، ومعلوم أنها أرادت: الجلوسَ للسلام لا يفارق الجميع، على أن مِن السنة الجلوسَ في كل ركعتين. والجواب: أن المخالف لا يجوز أن يحتج به؛ لأنه لا يجوز الوتر عنده هكذا، ولا يجوز أن يزاد على ثلاث ركعات، وعنده: أن الأفضل أن يجلس في كل ركعتين، فإن يسلم، فلم يكن فيه حجة، ولأن ظاهر الخبر أنه كان يسرد الركعات الثمانية من غير جلوس في كل ركعتين، وهذا غير مستحب، فعلم أنه قصد بهذا بيان الجواز، وأن الأفضل غيره، وقد نص أحمد ﵀ على جواز هذا، فقال في رواية أبي طالب: من صلى خمسًا أو سبعًا، لم يجلس إلا في آخرهن (٢)، وكذلك نقل جعفر بن محمد عنه: أنه قال: إذا كان يوتر بتسع، لم يجلس إلا في الثامنة، ولا يسلم إلا في التاسعة (٢). واحتج في رواية أبي طالب: بحديث عائشة ﵂: أوتر خمسًا لم يجلس إلا في آخرهن (٣)، ......................

стр. 670

وبتسع جلس في الثامنة (١). فإن قيل: فإذا كان قد روي عن النبي ﷺ : أنه كان يصلي بالليل ثماني ركعات لا يجلس إلا في آخرهن، فلِمَ كَرِهَ أحمد أن يتنفل بالليل بأربع بسلام واحد، ولم يكره ذلك بالنهار، حتى قال: إذا نهض إلى ثالثة في صلاة الليل، رجع فجلس (٢)؟ قيل: أما صلاة النبي ﷺ ثماني ركعات بسلام واحد، فإنما أوترها، فجاز ذلك اتباعًا (٣) لفعله ﵇، فأما التطوع الذي لا يقصد به الوتر، فإنما كره الجمع بسلام واحد؛ بخلاف نوافل النهار؛ لأن الأخبار لم تختلف في نوافل الليل أنها مثنى، إلا ما جاء في الوتر، واختلف في نوافل النهار في الأربع قبل الظهر بسلام واحد، وبما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عمر ﵃: أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى، وبالنهار أربعًا أربعًا، ويسلِّم (٤).

стр. 671

واحتج: بما روي عن عمر ﵁: أنه قال: من صلى بعد العشاء الآخرة أربع ركعات، كُنَّ كمثلهن من ليلة القدر (١)، ومقادير أبواب الأعمال لا تُعلم إلا من طريق التوقيف، فصار كأنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. والجواب عنه: أنه ليس فيه أربع (٢) بسلام واحد، ويحتمل أن يكون بسلامين؛ بدليل: ما ذكرنا. واحتج: بما روى وكيع عن عبيدة بن معتب (٣) عن إبراهيم (٤)، عن سهم بن منجاب (٥)، ..........................................

стр. 672

عن قزعة (١)، عن قرثع الضَّبِّي (٢)، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: أن النبي ﷺ كان يصلي أربعًا قبل الظهر إذا زالت الشمس، يقرأ فيهن، لا يفصل بينهن بتسليم، وقال: "إن أبواب السماء تفتح … " (٣)، وظاهره يقتضي: أنه كان يصلي بتسليمة واحدة؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لوجب أن يقول الراوي: كان يصلي ركعتين. والجواب: أن هذا خبر ضعيف، طَعَن في رجاله أحمد ﵀، وغيره، ثم أئمة أصحاب الحديث (٤)، فقال أحمد بن أصرم المزني: سمعت أحمد بن خازم المعروف بأبي جعفر الإمام (٥) - وكان من أصحاب أحمد المتقدمين - قال: رأيت أبا عبد الله يومًا وإسحاق بن أبي إسرائيل (٦)

стр. 673

قائمًا في المسجد، جاءا جميعًا قبل الصلاة، فصلى أبو عبد الله قبل الصلاة عشر ركعات، ركعتين، ركعتين، وصلى إسحاق ثماني ركعات، أربعًا، أربعًا (١)، لم يفصل بينهن بسلام، فقلت لإسحاق: صليت أربعًا؟! فقال: حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ : أنه كان يصلي قبل الظهر أربعًا لا يفصل بينهن بتسليمة واحدة. قال: فجئت إلي أبي عبد الله، فقلت له: رأيتك صليت قبل الجمعة عشر ركعات، ركعتين، ركعتين؟! فقال: حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (٢)، فقلت له: حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ في الأربع؟ فقال: هذا رواه قرثع، وقزعة، مَن قرثع؟ ومَن قزعة؟ (٣). وقال ابن خزيمة: عبيدة بن معتب (٤) لا يحتج به (٥). قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد القطان: لو حدثت عن عبيدة بن المعتب بشيء (٦)، لحدثت عنه بهذا الحديث (٧) ........................................

стр. 674

قال ابن خزيمة: سمعت أبا قلابة (١) [يحكي عن] (٢) هلال بن يحيى (٣)، قال: سمعت يوسف بن خالد السمتي (٤) يقول: قلت لعبيدة بن معتب: هذا الحديث ترويه عن إبراهيم سمعتَه كلَّه؟ قال: منه ما سمعتُه، ومنه ما أقيس عليه. قال: قلت: حدثْني بما سمعتَ؛ فإني أعلمُ بالقياس منك (٥). وعلى أنه لو صحَّ، فليس فيه أنه صلاها بسلام واحد، وهذا كما روت أم هانئ ﵂: أن النبي ﷺ صلى الضحى ثماني ركعات (٦)، ولا يدل على أنها كانت بتسليمة واحدة، كذلك ها هنا، وقد قال أحمد ﵀ (٧) في رواية أبي جعفر محمد بن موسى

стр. 675

البرار (١)، وذكر قول أبي حنيفة ﵀: لو أن رجلًا صلى ثماني ركعات، لم يسلم إلا في آخرها، كان مصيبًا؛ لحديث (٢) أم هانئ ﵂: أن النبي ﷺ صلى ثماني ركعات لم يسلم إلا في آخرهن، قيل (٣) لأبي حنيفة: ليس في الحديث: لم يسلِّم. وعلي أنه لو كان فيه أنها بسلام واحد، فالخبر يدل على فضيلة هذه الصلاة في نفسها، ولا يدل على أنها أفضل من غيرها، ونحن لا نمنع فضلها، وإنما خلافنا فيما هو أفضل منها. واحتج: بما روت أم حبيبة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من حافظ على أربعِ ركعات قبل الظهر، وأربعِ ركعات بعدها، حُرِّم على النار" (٤).

стр. 676

وروت أيضًا أم حبيبة ﵂ عن النبي ﷺ : أنه قال: "من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة، بنى الله له بيتًا في الجنة: أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد صلاة المغرب، وركعتين بعد صلاة العشاء، وركعتين قبل صلاة الصبح" (١). والجواب عنه: ما تقدم، وأنه لا دلالة فيه على أنها بسلام واحد أم سلامين، كما لم يدل حديث أم هانئ في صلاة الضحى أنه بسلام واحد. واحتج: بأن المتابعة بين المغرب صفة زائدة فيها قربة، ألا ترى أن الله تعالى أمر بصيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار، وكفارة القتل، فلولا أن التتابع في صوم الشهرين قُربة، لما أمر به، وكذلك لو قال: لله عليَّ أن أصلي أربع ركعات بتسليمة واحدة، لم يكن له أن يصليها بتسليمتين، ولو قال: بتسليمتين، جاز له أن يصليها بتسليمة، ولو قال: لله عليَّ أن أصوم أربعة أيامٍ متتابعات، لم يكن له أن يفرقه، ولو قال: متفرقًا، جاز له أن يتابعه، فإذا ثبت أن التتابع في الفرض أفضلُ من التفريق، وجب أن يكون أربعُ ركعات بتسليمة، أفضلَ منها بتسليمتين. والجواب عن قولهم: إن المتابعة صفة في القربة، فتبطل بالزيادة

стр. 677

على أربع ركعات بتسليمة واحدة بالنهار، وعلي ثماني ركعات بتسليمة واحدة بالليل، وأما الصوم، فإن التتابع فيه لا يختص بعدد محصور، ويخالف الصلاة؛ لأنه لا يختص عند المخالف بأربع بالنهار، وبالثماني ركعات بالليل، فافترقا، وأما النذر، فينظر، فإن نذر أن يصليهما بتسليمة واحدة، احتمل أن يجوز أن يصليهما بتسليمتين؛ كما إذا نذر أن يحج ويعتمر قِرانًا، جاز أن يفرد إحداهما عن الأخرى؛ لأن الإفراد عندنا أفضل من القران. ثم نقول للمخالف: ما تقول إذا نذر أن يصلي عشر ركعات بتسليمة واحدة، هل يجوز أن يفرق، أم لا؟ وكل جواب له، فهو جوابنا عما قاله. واحتج: بأنه إذا لم يسلم في الثنتين، كان قيامه إلي الثالثة من أفعال الصلاة، وإذا سلم، لم يكن القيام بعد السلام من أفعالها، وأفعال الصلاة أفضلُ من غيرها. والجواب: أنه يلزمهم - على هذا - الزيادةُ على ثماني ركعات، وعلى أنه إذا سلم في الثنتين، حصل له زيادة تسليم، وتكبير، ودعاء في التشهد. واحتج: بأن في فرائض النهار أربعًا، فجاز أن يكون في التطوع أربع بحذائها الفروض. والجواب: أن في فرائض الليل ثلاثًا، وليس في تطوع ثلاثٌ، فبطل اعتبار أحدهما بالآخر، والله أعلم. * * *

стр. 678

٨٢ - مَسْألَة: الوتر سنة مؤكدة، وليست بواجبة: نص على هذا في رواية ابن القاسم (١)، ومحمد بن عبد الملك (٢) الدقيقي (٣)، واللفظ لابن القاسم، قال: قيل لأبي عبد الله: أليس يروون (٤): أن النبي ﷺ قال: "زادكم الله صلاة، وهي الوتر" (٥)، فقال أحمد ﵀: الفرض إذًا ست صلوات، الوتر سنةٌ، عملَها رسولُ الله ﷺ والمسلمون. فقد صرح بالقول: إنها سنة غير واجبة، وقد علَّق القول في رواية صالح (٦)، .................................................

стр. 679

والفضل بن زياد (١)، وجعفر بن محمد (٢)، واللفظ لجعفر: في رجل يترك الوتر متعمدًا، فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل شهادته؛ فإنه لا شهادة له. فظاهر هذا: أنه واجب، وليس هذا على ظاهره، وإنما قال هذا: فيمن يداوم [على] ترك الوتر طول عمره، أو أكثره؛ فإنه يفسق بذلك، وكذلك جميع السنن إذا داوم على تركها؛ لأنه بالمداومة يحصل (٣) راغبًا عن السنة، وقد قال النبي ﷺ : "من رغب عن سنتي، فليس مني" (٤)، ولأنه إذا داوم على تركها، لحقته التهمة في أنه غير معتقد لكونها سنةً، وهذا (٥) ممنوع، ولهذا قال النبي ﷺ : "أنا بريءٌ من كل مسلم بين ظهرانَي المشركين لا تراءى نارهم" (٦)، وإنما قال ذلك؛ لأنه متهم في أنه يُكَثِّر

стр. 680

جمعهم، ويقصد نصرَهم، ويرغب في دينهم، فكلام أحمد خرج على هذا، وأنه يمنع من المداومة على تركها، وإلا، فهو في الأصل سنة غير واجب، وبه قال مالك (١)، والشافعي (٢)، وداود (٣) ﵏. وقال أبو حنيفة ﵀: الوتر واجب (٤). دليلنا: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] يعني: العصر عندنا (٥)، وعندهم (٦)، فلو كان الوتر واجبًا، لصارت الصلوات ستًا، ولم يكن لها وسطى؛ لأن الست لا وسط لها. وأيضًا: روى طلحة بن عبد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، تسمع دويَّ صوته، ولا تفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : "خمسُ صلواتٍ

стр. 681

كتبهن الله على عباده في اليوم والليلة"، قال: هل عليَّ غيرُهن؟ قال: "لا، إلا أن تطوَعَّ" … إلى أن قال: واللهِ! لا أزيد على هذا، ولا أنقص، فقال: "أفلح إن صدق" (١)، وروي: "أفلح - والله - إن صدق" (٢)، وروي: "دخل الجنة - والله - إن صدق" (٣)، ففي هذا الخبر دليلٌ على نفي وجوب الوتر من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قال: "خمس صلوات كتبهن الله على عباده"، فدل على أن السادسة غير مكتوبة عليهم، والثاني: أن غيرها تطوع، والثالث: أن الأعرابي لما قال: لا أزيد عليها، قال النبي ﷺ : "أفلح - والله - إن صدق"، فلو كان الوتر واجبًا، لزمه أن يزيد عليها. فإن قيل: الخبر ينفي كونَ الوتر مكتوبة، ونحن نقول: إنه ليس بمكتوبة، فلا يلزمنا. قيل له: الكتابة عبارة عن الثبوت، وما يأثم بتأخيره، ويجب فعله، والذي يدل عليه مكتوب في اللوح، ومنه قوله: "جرى القلم بما هو كائن

стр. 682

إلي يوم القيامة" (١)، وما هو مكتوب في اللوح فهو يعمُّ الفرض، وغيرَه، فيجب أن يكون قوله: "لم يكتب عليكم" نفيًا في مقابلة ذلك الإثبات، فيعم النفي جميع المكتوب، والذي يبين صحة هذا: قوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثٍ" (٢)، ومعناه: رفع الواجب، والفرض. كذلك قوله: "ولم يكتب" نفيٌ للثبوت، فهو عام في نفي كل ثابت، ولأن معنى الكتابة في اللغة: هو الثبوت، فيحصل معنى: يثبت علي، ولم يثبت عليكم. فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا الخبر قبل إيجاب الوتر، ثم أوجب الوتر بعد ذلك بقوله: "إن الله زادكم صلاة"، قالوا: وهذا الجواب يمنع الاحتجاج به من الوجوه الثلاثة.

стр. 683

قيل له: لا نسلم لك أن ها هنا ما يدل على إيجاب الوتر، بل عندنا أنها غير واجبة، وما تذكره من الأخبار التي تعتقد أنها على الوجوب، فنحن نتكلم عليها - إن شاء الله تعالى -. وأيضًا: ما روى أبو بكر بإسناده، وأبو داود أيضًا (١) عن ابن محيريز (٢): أن رجلًا من كنانة - يُدعى المُخْدِجي (٣) - سمع رجلًا بالشام - يُدعى أبا محمد (٤) - يقول: (الوتر واجب)، فقال المخدجي: فَرُحْت إلى عبادة بن الصامت ﵁، فأخبرته، فقال: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله تعالى على العباد، فمن جابهن لم يُضيِّع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن، كان له عند الله عهدٌ (٥) أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه،

стр. 684

وإن شاء أدخله [الجنة] (١) " (٢). وهذا يدل على أن الوتر لا يجب. وأيضًا: ما روى أحمد ﵀ في المسند (٣) قال: نا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك، عن أبي بكر بن عمر (٤)، عن سعيد بن يسار (٥)، عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ أوتر على البعير (٦)، وعند المخالف لا يجوز فعله على الراحلة؛ لكونه واجبًا، فدل على أنه غير واجب. وروى أبو بكر النجاد قال: نا محمد بن عبد الله (٧) قال: نا محمد

стр. 685

ابن العلاء (١) قال: نا خالد بن مخلد (٢) عن العمري (٣)، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه ﵁: أن النبي ﷺ كان يوتر على راحلته (٤)، وهذا إخبار عن دوام الفعل. فإن قيل: يقابل هذا بما روى جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على الراحلة حيثما توجهت به، فإذا أراد المكتوبة، أو الوتر، نزل (٥).

стр. 686

قيل: نحن نقول بهما جميعًا، فنقول: يجوز على الراحلة، ويجوز نازلًا عنها. وروى ابن المنذر بإسناده (١) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الوتر حق وليس بواجب، فمن أحب أن يوتر بخمس، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة، فليفعل" (٢)، وهذا نص. وروى أبو بكر النجاد في كتابه قال: نا محمد بن عبد الله قال: نا محمد بن حرب (٣) قال: ............................

стр. 687

نا شجاع بن الوليد (١)، عن أبي جناب (٢)، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث هنَّ عليَّ فريضة، وهنَّ لكم تطوعٌ: الوتر، والتهجد، وركعتا الفجر" (٣)، فسماها تطوعًا في حقنا، وعندهم: أنها واجبة، والتطوع لا يعبر به عن الواجب. ولأنه إجماع الصحابة ﵃. وروى أبو بكر بإسناده عن عاصم بن ضمرة (٤) عن علي ﵁ قال:

стр. 688

الوتر ليس بحتم، ولكن سنة سنَّها رسول الله ﷺ (١). وروى أيضًا بإسناده عن عبادة بن الصامت ﵁: أنه سئل عن الوتر؟ فقال: حسن (٢) جميل، قد عمل به رسولُ الله ﷺ ، [والمسلمون من] (٣) بعده، وليس عليكم بواجب (٤). وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن يحيى بن سعيد (٥): أن رجلًا سأل ابن عمر ﵄ عن الوتر، أواجب هو؟ قال: فقال ابن عمر: قد أوتر رسول الله ﷺ ، حتى إذا كثر عليه، قال: أواجب هو! أواجب هو! (٦).

стр. 689

والقياس: أنها صلاة لم يشرع لها الإقامة، فلم تكن واجبة على الأعيان، أصله: ركعتا الفجر، وعكسه: سائر الصلوات الواجبة على الأعيان، وفيه احتراز من صلاة الجنازة؛ لأنها لا تجب (١) على الأعيان، وإنما هي فرض على الكفاية، وفيه احتراز عن الصلاة المنذورة؛ لأنها ليست على الأعيان، وإنما تجب على الناذر. فإن قيل: يؤذن ويقيم للعشاء وللوتر جميعًا؛ لأنهما صلاتان جمعهما وقت واحد؛ كصلاتي عرفة، ومزدلفة. قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه لو جاز أن يقال هذا في الوتر، لجاز أن يقال في الركعتين بعد المغرب، وبعد الظهر: إن الأذان لها وللفرض؛ لأنها تابعة للفرض، وتفعل في وقتها، ولأن الوتر قد يؤخر عن نصف الليل، ويفعل في آخر الليل، ولا يجوز تأخير العشاء إلى ذلك الوقت، فكيف يقال: بأن هذا أذان للصلاة، ويفعل في وقت آخر. وقد قيل: هي صلاة ليست بفرض، فلم تكن واجبة على الأعيان؛ كسائر الصلوات، ولأن الوتر أحد نوعي الصلاة المرتبة، فكان منه تطوع، أصله: الشفع، ولأن الفرائض لما انقسمت إلى: شفع، ووتر، كذلك

стр. 690

يجب أن تنقسم النوافل، ولا يجب وتر (١) في النوافل إلا هذا؛ بعلة أنها أحد نوعي الصلاة. فإن قيل: يقابل هذا بمثله، فيقول: لما كانت صلاة النهار ثلاثًا، يجب أن تكون صلاة الليل ثلاثًا، وليس ها هنا ثالثة إلا الوتر. قيل: هذا لا يصح على أصلك؛ لأنك فرقت بين الليل، والنهار فيما يرجع إلى النوافل، وقلت في نوافل الليل: إن شاء أربعًا، وإن شاء ستًا، وإن شاء ثمانيًا بسلام واحد، وفي نوافل النهار بخلافه؛ ولأنك فرقت بينهما فيما يرجع إلى الفرض، فقلت: في النهار ثلاث فرائض، وفي الليل فرضان، ولأن الوتر عنده ليس بفرض، كذلك ها هنا. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "أوتروا يا أهل القرآن" (٢)، وهذا أمر، وأمره على الوجوب. والجواب: أنا نحمله على أمر الاستحباب، لا الإيجاب؛ بدليل: ما ذكرنا، وقد قال في ركعتي الفجر ما هو آكدُ من هذا، رواه أبو داود

стр. 691

بإسناده (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تدعوهما ولو طردَتْكُم الخيل" (٢)، وفي لفظ آخر رواه النجاد بإسناده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تدعْ ركعتي الفجر وإن كان الخيلُ في طلبك" (٣). وروى أيضًا بإسناده عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها" (٤). وروى بإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدعوا ركعتي الفجر؛ فإن فيهما الرغائب" (٥)، وكان ذلك على سبيل

стр. 692

الحث، والاستحباب. واحتج: بما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نام عن الوتر، أو نسيه، فليصلِّه إذا ذكره" (١)، وهذا أمر. والجواب: أنه أمر استحباب؛ كما قال: "من لم يصلِّ ركعتي الفجر حتى طلعت الشمس، فليصلِّهما" (٢). واحتج: بما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "من لم يوتر، فليس منا" (٣)، وهذا خارج مخرجَ الذمِّ على ترك الوتر، والذمُّ لا يستحق إلا بترك الواجب، وهذا كما قال: "من غَشَّنا فليس منا" (٤)، ودل ذلك على وجوب تركه. والجواب: أن المراد به: ليس من أخيارنا؛ كما قال: "من لم يرحمْ صغيرنا، .....................................

стр. 693

ولم يوقِّرْ كبيرنا، فليس منا" (١). واحتج: بما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عقبة بن عامر الجهني ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله قد زادكم صلاة هي خيرٌ لكم من حُمْر النَّعَم: الوتر، وهي لكم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر" (٢)، والزيادة تقع على الواجبات، لأن النوافل لا غاية [لها]، فتقع الزيادة عليها (٣). واحتج: أنه ليس بفرض، فلا يجوز أن تكون على الفرائض، وعلى أنه تحمل هذه الزيادة على النوافل المرتبة، وهي محصورة. واحتج: بما روى أبو داود بإسناده (٤) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: أن النبي ﷺ قال: .............................

стр. 694

"الوتر حقٌّ على كل مسلم" (١)، وليس في ألفاظ الوجوب آكد من قوله: "حقٌّ عليه"، ألا ترى أن شاهدين لو شهدا على أن لفلان على فلان كذا وكذا حق، قُبلت شهادتُهما، مع أن الشهادة لا يقبل فيها الألفاظ المختلفة المعاني؟ والجواب: أنه أراد: أن فعله حق على كل مسلم ندبًا واستحبابًا، وهذا كما روى طاوس عن أبي هريرة ﵄، عن النبي ﷺ : أنه قال: "حق على كل مسلم أن يغتسل كل سبعة أيام، وأن يمس طيبًا إن وجده" (٢)، وهذا استحباب، ويدل عليه: أن أبا بكر بن المنذر روى (٣) من طريق بكر بن وائل (٤) عن الزهري، ............................

стр. 695

عن عطاء بن يزيد الليثي (١)، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "الوتر حق، وليس بواجب، فمن أحب أن يوتر (٢) بخمس، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة، فليفعل" (٣). واحتج: بأن الكرخي روى عن أبي أيوب الأنصاري: أنه قال: "الوتر حق واجب، فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة، ومن غلب إلى أن يومئ، فليومئ" (٤)، قالوا: وهذا فيه دلالة على وجوبه من وجوه: أحدها: قوله: "حق". والثاني: قوله: "واجب".

стр. 696

والثالث: قوله: "فليومئ"، وهذا أمر. والرابع: أنه نقل إلى الإيماء عند العجز، وأجراه مجرى سائر الواجبات التي لا تسقط بالعجز عن القيام. والجواب: أن أبا الحسن الدارقطني ذكره في كتابه (١) من طريق محمد بن حسان الأزرق (٢)، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب الأنصاري، عن النبي ﷺ . قال (٣): ولا أعلم أحدًا قال هذه الكلمة (٤) غير محمد بن حسان الأزرق. ولا تحفظ عن الزهري، ولا عن ابن عيينة، ولو صح، حملنا قوله: "حق على كل مسلم" ندبًا، واستحبابًا على ما تقدم تأويله، وكذلك قوله: "واجبًا" وجوب استحباب، كما روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "غُسل الجمعة واجب على كل محتلم" (٥)، وقد قيل في الواجب عن جميع الأخبار التي ذكروها: إن الوتر مما تعم به البلوى، وما هذا طريقه يجب

стр. 697

بيانه عامًا، ولو بيّنه عامًا، نقل نقلًا عامًا، وأخبارهم نقلت نقلًا خاصًا، وهذا لا يثبت عندهم به حكم تعم به البلوى. واحتج: بأنها صلاة، وهي وتر، فوجب أن تكون واجبة؛ دليله: المغرب. والجواب: أن المغرب لم تكن واجبة لأنها صلاة وتر؛ لأن عشاء الآخرة واجبة، ولم تشرع وترًا، وكذلك الظهر، والعصر، فامتنع أن يكون علة الأصل ما ذكروا، ولأن النبي ﷺ منع من تشبيه الوتر بالمغرب، وهي ما روى أبو سلمة والأعرج عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا تُشبِّهوا الوتر بصلاة المغرب" (١)، وإذا امتنع من التشبيه، لم يجز القياس عليها، وعلى أن المعنى في المغرب: أنه قد سُن لها الإقامة، وليس كذلك ها هنا. واحتج: بأن الوتر يستحب تأخيره إلى بعد نصف الليل، ويكره تأخير العشاء إلى ذلك الوقت، فلما اختص بوقت لا يشاركه غيره فيه من الصلوات، وجب أن يكون واجبًا كسائر الصلوات. والجواب: أن جميع الليل في الاستحباب سواء، فلا نسلم ما ادعاه،

стр. 698

والذي يدل عليه: ما روى أبو بكر بإسناده عن علي قال: من كلِّ الليل أوترَ رسول الله ﷺ ؛ من أوله، ووسطه، وآخره، وانتهى وتره إلى السحر (١). وروى أحمد ﵀ في المسند (٢) بإسناده عن سعد بن أبي وقاص: أنه كان يصلي العشاء الآخرة في مسجد رسول الله ﷺ ، ثم يوتر بواحدة لا يزيد عليها، فيقال [له] (٣): أتوتر (٤) بواحدة لا تزيد (٥) عليها؟ فيقول: نعم، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الذي لا ينام حتى يوتر حازم" (٦). ورُوي عن أبي قتادة قال: تذاكرَ أبو بكر وعمر ﵄ بالوتر عند

стр. 699

رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر ﵁: أما أنا، فأوتر أول الليل، فإذا استيقظت، صليت، قال عمر ﵁: أما أنا، فأوتر آخر الليل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "أخذت بالحزم"، وقال لعمر: "أخذت بالقوة" (١)، فلو كان مستحبًا تأخيره، لما قدمه أبو بكر ﵁. وروى أبو هريرة (٢)، وأبو ذر (٣) ﵄: أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاث، وقال أبو ذر: أوصاني حِبِّي بثلاث: بركعتي الصبح، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والوتر قبل النوم. وهذا كله يدل على أنه سواء في الاستحباب، وقد قال أحمد

стр. 700

- ﵀ في رواية حنبل: إن كان يصلي بالليل، أوتر من آخر الليل؛ لأن آخره أفضلُ لمن قدر على ذلك، فإن لم يقدر على آخر الليل، فأوله، ولا ينام إلا على وتر (١)، ونحو ذلك نقل الفضل بن زياد (٢). وجواب آخر، وهو: أنه، وإن أخر إلى نصف الليل، فإنه على وجه التبع للعشاء الآخرة، لا أنه وقت يختصه، ألا ترى أنه لا يجوز فعله في ذلك الوقت، إلا أن يتقدمه عشاء الآخرة، وأما سائر الصلوات، فقد أجبنا عنها، والله أعلم. * * * ٨٣ - مَسْألَة: أقلُّ الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، يسلِّم من كل ركعتين، ويوتر بركعة، وإن كان الوتر بثلاث بسلام واحد، جاز، إلا أنه يجلس عقيب الثانية، ويقوم إلى الثالثة، وإن كان الوتر بخمس أو سبع بسلام واحد، لم يجلس إلا في الأخيرة، وإن أوتر بتسع بسلام، جلس عقيب الثامنة، ثم يقوم فيأتي بالركعة، ويسلم:

стр. 701

نص على هذا في مواضع، فقال في رواية عبد الله (١): لا يعجبني الوتر بواحدة إلا أن يكون قبلها صلاة، إما أربع، أو ركعتان، أو ست، والذي أذهب إليه، وآخذ به: يسلم في ركعتين، ويوتر بواحدة، وكذلك نقل يوسف بن موسى: لا تعجبني واحدة (٢)، قيل له: فكم؟ قال: ثلاث، ويسلِّم في الثنتين (٣). فقد بين أن المختار ثلاث يسلِّم من اثنتين. ونقل أبو طالب عنه (٤): لا يجلس في الخمس والسبع إلا في آخرهن، وذكر حديث عائشة ﵂: أنه صلى خمسًا لم يفصل بينهن (٥)، وذلك إذا عمد إلى الوتر، لم يفصل بينهن، وكذلك نقل أبو داود عنه (٦): إذا أوتر بتسع، فلا يقعد إلا في الثامنة، وكذلك نقل

стр. 702

جعفر بن محمد (١): إذا أوتر بتسع، فلا يجلس إلا في الثامنة، ولا يسلم إلا في التاسعة. فقد بين جواز الوتر بأكثر من ثلاث بسلام واحد. وقال في رواية علي بن سعيد (٢): أما أنا، فأوتر بركعة إذا صليت قبلها عشر ركعات. وهذا يدل على أن الأفضل هذا، ونقل حنبل عنه (٣): لا بأس أن يوتر الرجل بركعة إذا كان قبلها صلاة متقدمة، وإن أوتر بركعة على ما فعل سعد (٤)، كان جائزًا. وكذلك نقل يوسف، وأحمد بن الحسين عنه (٥): في الرجل يفجؤه الصبح، ولم يكن صلى بعد العتمة شيئًا، ولا أوتر؟ قال: يوتر بواحدة. قيل له: ولا يصلي قبلها شيئًا؟ قال: لا. فقد بين جواز الوتر بركعة واحدة، وليس قبلها صلاة. وقال أبو حنيفة ﵀: الوتر ثلاث ركعات، لا يسلِّم إلا في آخرهن، لا يزيد عليهن، ولا ينقص منهن (٦).

стр. 703

وقال مالك ﵀: الوتر ثلاث يسلم في الركعتين (١). وقال الشافعي ﵁: الذي أختاره: أن يُصلي إحدى عشرة (٢) ركعة، يسلِّم من كل ركعتين، ويوتر بركعة (٣). فالدلالة على جواز الوتر بركعة منفردة، وعلى جوازه بأكثر من ثلاث، خلافًا لأبي حنيفة: ما روى أحمد - رحمهما الله -، وذكره أبو بكر في كتابه: قال: نا أحمد الزبيري قال: نا عبد العزيز بن أبي رَوَّاد عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله عن صلاة الليل، فقال: "صلاة الليل مثنى مثنى، يسلِّم في كل ركعتين، فإذا خفتَ الصبحَ، فصلِّ (٤) ركعة توتِرُ لك ما قبلها" (٥)، وهذا نص في أنه يكون ركعة منفردة. فإن قيل: نحمل قوله: "يسلِّم في كل ركعتين" على أن المراد به: التشهد في كل ثنتين؛ كما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "وفي كل ركعتين فسلم" (٦)؛ يعني: فتشهد، يبين صحة هذا: قوله: "توتر [لك] ما قبلها"،

стр. 704

وإنما يصح هذا إذا كانت متصلة بما قبلها. قيل له: أما حملُه على أن المراد بالسلام: التشهد في كل ثنتين، فلا يصح؛ لأن السلام إذا أُطلق، عقل منه: الذي يُتحلل به من الصلاة، ألا ترى أنه قال: "تحليلها التسليم" (١)؟ فعُقل منه السلام المعهود، وهو الذي يقع به التحلل منها، فمن حمله على غير ذلك، أزاله عن ظاهره، وأما قوله: "توتر ما قبلها"، فكذا نقول؛ لأنه لا يصح إلا أن ينوي بالثلاثة وترًا عند الاستفتاح، فأما إن صلى ركعتين من صلاة الليل، وينوي بالثالثة (٢) الوتر، فلا، وقد تكون صلاة واحدة تفصل بعضها عن بعض بسلام، ألا ترى أن التراويح عشرون ركعة، ويسلم من كل ركعتين، واسم التراويح يقع على الجميع، كما أن اسم الوتر يقع على الجميع. وروى أحمد ﵀ في المسند (٣) قال: نا حسين بن محمد (٤) قال: ثنا ابن أبي ذئب عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يصلي ما بين العشاء الآخرة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، ...................................

стр. 705

يسلّم في كل اثنتين ويوتر بواحدة (١). وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ أوتر بواحدة (٢). وروى أبو بكر النجاد قال: نا إبراهيم بن عبد الله (٣) قال: نا محمد بن كثير (٤) قال: نا همام عن قتادة: عن أبي مجلز (٥) قال: سألت ابن عمر ﵄ عن الوتر؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ركعة من آخر الليل" (٦)، وسألت ابن عباس ﵄، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
следующие страницы →