← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أصح الروايتين (١): نقلها المروذي (٢)، فقال: سألت أبا عبد الله عن المرأة تؤم النساء في الفريضة؟ فقال: نعم، وتقوم في وسطهن، قيل: فالتطوع؟ قال: إذا كان في الفرض، فالتطوعُ أسهل. وكذلك نقل أبو طالب عنه (٣): أنه سأله: تؤم المرأة النساء؟ قال: نعم، في الفرض (٤)؟ نعم، واحتج بحديث عائشة ﵂ أنها أمّت (٥)، وأم سلمة (٦)، ...........

стр. 772

وأم ورقة (١) ﵅. وبهذا قال الشافعي ﵁ (٢). وروى حنبل - وقد سأله: تؤم المرأة النساء؟ - قال: تقوم وسطهن، قيل: في المكتوبة؟ قال: لا، التطوع (٣). فظاهر هذا: كراهةُ صلاة الفريضة في جماعة لهن. وهو قول أبي حنيفة (٤)، ومالك (٥) - رحمهما الله -. قال الخلال: أخطأ حنبل فيما حكى من قوله: أن تؤمهم (٦)،

стр. 773

ولا تؤمهم الفرض (١)، والعمل على ما رواه الباقون (٢). فالدلالة على أن ذلك مستحب: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفَذَّ بسبع وعشرين درجة" (٣)، وهذا عامٌّ في الرجال والنساء إلا ما خصه الدليل. وروى النجاد بإسناده عن عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري (٤) عن أم ورقة الأنصارية ﵂: أن النبي ﷺ كان يزورها، ويقول: "انطلقوا نزور الشهيدة"، وأمر أن يؤذن لها، ويقام، وأن تؤم دارها في الفرائض (٥). وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس على النساء أذان ولا إقامة، وتصلي معهن في الصف، ولا تقدمهنَّ" (٦).

стр. 774

وروى النجاد بإسناده عن قتادة عن أم الحسن (١): أنها رأت أم سلمة ﵂ تؤم النساء، تقوم معهن في صفهن (٢). وروى بإسناده عن عطاء: أن عائشة ﵂ كانت تؤم النساء، تقوم معهن في الصف (٣)، وفي لفظ آخر: كانت تؤم النساء في الفريضة (٤)، وفي لفظ آخر عن زياد بن لاحق (٥) قال: حدثتني جدتي (٦) قالت: صلت بنا عائشة الظهر والعصر، تقوم بيننا في الصف (٧). والقياس: أن النساء من أهل فرض الصلاة، فوجب أن يكنّ من أهل الجماعة؛ قياسًا على الرجال، ولا يلزم عليهن الحائض، والصبي،

стр. 775

والمجنون؛ لأنهم ليسوا من أهل الفرض، وإن شئت قلت: من كان من أهل فرض الصلاة، سُنَّت له الجماعة فيها كالرجال، ولأن المرأة والرجل في أحكام الصلاة سواء، إلا فيما فيه تكشُّف، وتركُ الستر، وليس في فعل الصلاة جماعة تركُ الستر، فوجب أن يكونا سواء. واحتج المخالف: بما روى النجاد بإسناده عن [ابن] (١) أبي ذئب عن مولًى لبني هاشم، عن علي قال: المرأة لا تؤمُّ، ولا تؤذِّن، ولا تُنْكِح، ولا تشهد النكاح (٢). والجواب: أنا نحمل قوله: "لا تؤم" الرجالَ. واحتج: بأن النساء يُكره لهن الأذان، فوجب أن يكره لهن الجماعة. والجواب: أن الصلاة قد يستحب فيها الجماعة، وإن لم يستحب لها الأذان؛ كالتراويح، وصلاة العيدين، والاستسقاء، وصلاة الكسوف، وصلاة العشاء الآخرة بالمزدلفة، وصلاة العصر بعرفات، فلم يجز اعتبار الجماعة بالأذان واحتج: بأنه لو استحب لهن الجماعة، لوجب أن يكون في المسجد أفضل، كالرجال.

стр. 776

والجواب: أن البروز من البيوت ترك للستر، فكان الجماعة في البيوت أفضل. والله أعلم. * * * ٩٢ - مَسْألَة: المريض إذا لم يقدر أن يصلي قاعدًا، فإنه ينام على جنبه الأيمن، ووجْهُه إلى القبلة، كما يوضع في اللحد، ويصلي نائمًا، وإن صلى مستلقيًا على قفاه، ووجهه، ورجلاه إلى القبلة، جاز، إلا أن المستحب ذلك: نص على هذا في رواية الأثرم (١)، وإبراهيم بن الحارث (٢)، فقال: إن شاء. كما قال ابن المسيب (٣): رجلاه إلى القبلة وهو مستلقٍ، وإن شاء منحرفًا (٤) على يمينه إلى القبلة، وكأنه إلى الانحراف أميل.

стр. 777

وقال أبو حنيفة (١): يصلي مستلقيًا على قفاه، ووجهُه ورجلاه إلى القبلة، ولم يخيره في ذلك. واختلف أصحاب الشافعي ﵃، فمنهم من قال: يصلي مستلقيًا، ومنهم من قال: يصلي على جنبه، من غير تخيير (٢). دليلنا: أنه متوجه إلى القبلة في الحالين جميعًا، أما إذا صلى على جنب، فإن وجهه وصدره إلى القبلة، وإذا جلس على الصفة التي هو عليها من غير تغيير، حصل مستقبلًا للقبلة، وكذلك إذا كان مستلقيًا؛ لأن وجهه يكون للقبلة (٣)، ونظره يقع إليها، ألا ترى أنه لو نهض على هيئته تلك، لحصل متوجهًا إليها، وإن كان مستقبلًا لها في الموضعين، كان مخيرًا في أيهما شاء، وإنما اخترنا الكون على الجنب؛ لأن الشرع نطق به، وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "يصلي المريض قائمًا، فإن لم يستطع، فعلى جنبه، فإن لم يستطع، فالله أولى بالعذر" (٤)، فنص على الجنب، ولأنها حالة يقصد فيها جهة القبلة، فأشبه حالة الدفن، وأجمعنا أنه يدفن على جنب، ويوجَّه إلى

стр. 778

القبلة، كذلك ها هنا. فإن قيل: قول النبي ﷺ : "على جنب" الجنب: هو الضلع، فإذا صلى مستلقيًا، فهو على جنبه. قيل له: هذا خلاف اللغة؛ لأنه يقال: صلى [على] (١) جنبه، وصلى على ظهره. فإن قيل: إذا صلى على جنب، صار وجهه إلى المشرق، ووقع نظره وإيماؤه إليه، ألا ترى أنه لو نهض على هيئته، حصل متوجهًا إلى ناحية المشرق. قيل له: قد بيّنا أنه متوجه (٢) إلى القبلة، فسقط هذا، ولو جاز أن يقال هذا في الجنب، جاز أن يقال في المستلقي: إنه مستقبل بوجهه إلى السماء، وليس تلك جهة القبلة، ولكن لما أجمعنا على فساد هذا، وقلنا: بل هو مستقبل للقبلة بالإيماء، كذلك في الجنب، ولا فرق بينهما، وعلى هذا يُوجب أن لا يكون المدفون في اللحد متوجهًا إلى القبلة؛ لأنه لو جلس، كان على غير القبلة، والله أعلم. * * * ٩٣ - مَسْألَة لا يصح ائتمام القادر على القيام بالعاجز عنه إلا في موضع،

стр. 779

وهو: إذا كان إمامَ الحيِّ، وكان عجزُه لعلة يُرجى زوالها، وأما إن كان غيرَ إمام الحيِّ، أو كان إمامَ الحيِّ، لكن عجزُه لعلة لا يُرجى زوالُها؛ مثل: الزَّمِن (١)، لم تصح إمامته بمن يقدر على القيام: نص على هذا في رواية صالح (٢)، فقال: لا يؤمهم المقعَد إلا أن يكون كان يؤمهم، فمرض أيامًا؛ كما فعل جابر (٣)، وأسيد (٤)، إذا كان مثل الخليفة، أو مثل إمام يصلي جماعة، صلوا خلفه. وقال أبو حنيفة (٥)، والشافعي (٦) - رحمهما الله -: تجوز إمامة الجالس بمن يقدر على القيام بكل حال.

стр. 780

واختلفت الرواية عن مالك ﵀ (١)، فرُوي عنه: الجوازُ على الإطلاق، مثل قولهما، ورُوي عنه: المنعُ على الإطلاق في إمام الحي، وغيره. فالدلالة على أنه لا يجوز إمامته على الوجه الذي ذكرنا: ما رُوي عن النبي ﷺ قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه" (٢)، ومن يجيز إمامة الجالس، يقول: يصلون خلفه قيامًا، وهذا اختلاف عليه. وروى أيضًا أبو بكر النجاد قال: نا عبد الله بن محمد (٣) قال: حدثني علي بن الجعد (٤) قال: أنا قيس (٥) عن جابر، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمّن أحدٌ بعدي جالسًا" (٦).

стр. 781

وروى الدارقطني أيضًا بإسناده بهذا اللفظ (١). قال أبو بكر النجاد: نا محمد بن غالب (٢) قال: نا أبو حذيفة (٣) قال: نا سفيان الثوري عن جابر، عن الشعبي ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يؤم الرجلُ جالسًا" (٤). فإن قيل: جابر الجعفي ضعيف، والشعبي عن النبي ﷺ مرسل. قيل: جابر روى عنه الثوري، وذلك تعديل، والشعبي عن النبي ﷺ مرسل، والمرسَل عندنا حجة.

стр. 782

فإن قيل: يُحمل النهي على الصفة التي صلاها النبي ﷺ في وقته، وهو أنه صلى بهم جالسًا، وهم جلوسٌ، فيكون قوله: "لا يؤمن أحدٌ بعدي جالسًا" على تلك الصفة. قيل له: من حمل النهيَ على ظاهره وإطلاقِه أولى ممن أضمر فيه؛ لأن الإضمار تركُ حقيقة، ودخولٌ في المجاز، وعلى قولهم يحصل قوله: "لا يؤمن أحدٌ بعدي" قاعدًا بقعود، وعلى أن النهي انصرف إلى الإمام، وإذا حملوا الخبر على صلاة المأموم، حصل النهي منصرفًا إلى المأمومين؛ لأن الإمام غير مؤاخَذ بجلوسهم، وإنما ينصرف النهي إلى إمامته جالسًا بقيام. والقياس: القيام ركن من أركان الصلاة، جاز أن يمنع القادر من الاقتداء بالعاجز عنه؛ دليله: القارئ لا يجوز أن يقتدي بالأمي، أو نقول: فجاز أن يؤثر في منع الإمامة، ولا يلزم عليه إذًا اقتداء بإمام الحي؛ لأن التعليل للجواز، فلا يلزم عليه الأحوال، ولا يلزم عليه المتيمم إذا صلى بالمتطهرين أنه يجوز، وإن كان الإمام عاجزًا عنه؛ لقولنا: ركن، والطهارة لا توصف بأنها ركن، وإنما هي شرط لتقدمها على الصلاة. فإن قيل: لنا في الاقتداء بالأمي قولان: أحدهما: الجواز، فلا نسلم الأصل. قيل له: إنما قال في القديم: يصح، وفي الجديد: لا يصح، وهو الصحيح عنه (١).

стр. 783

فإن قيل: إنما لم يصح اقتداء القارئ بالأمي؛ لأن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم على حسب اختلاف الناس، فعلى قولكم: يتحملها عن جميع الصلاة، وعلى قولنا: يتحملها إذا أدركه راكعًا، وإذا كان أميًا، فليس من أهل التحمل، فلهذا لم تصح إمامته، وليس كذلك القيام، فإنه لا يتحمله عن المأموم، فعجزُه عنه لا يمنع الاقتداءَ به. قيل له: قد يتحمل القيام عندك، وهو إذا أدركه راكعًا، فإنه يسقط عنه ذلك القيام بعد أن كان واجبًا عليه؛ بدليل: أنه لو أدركه قائمًا، لزمه القيام، ومع هذا، فقد تحمله في تلك الحال، وعلى أن هذا يؤكد ما نقول؛ لأن القراءة إذا كان التحمل يدخلها، دلَّ على ضعفها، ثم العجز عنها يمنع صحةَ الاقتداء، والركوعُ والسجود لا يدخله التحمل يدلُّ على تأكيده، فأولى أن يمنع العجزُ عنه صحةَ الاقتداء. وقياس آخر: وهو أنه غير قادر على القيام، فجاز أن لا يكون إمامًا للقادر عليه؛ دليله: المومئ؛ فإن أبا حنيفة ﵀ قد قال: لا تصح إمامته (١)، والمربوط على خشبة، فإنه لا تصح إمامته عند الشافعي ﵀ (٢). فإن قيل: فيه وجهان. قيل: الصحيح: أنه لا يصح.

стр. 784

فإن قيل: إنما لم يصح هناك؛ لأن تلك الصلاة لا يُعتد بها، ألا ترى أنه يجب عليه الإعادة؟ وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يُعْتد بتلك الصلاة. قيل: لا نسلِّم لك في الأصل أنه لا يُعتد به، وعلى أن هذا يبطل بالمحدِث، فمانه لا يُعتد بصلاته، وقد صحت إمامته (١)، وأما في الفرع، فلا يمتنع أن يعتد به، ولا يصح الاقتداء؛ كالأمي يُعتد بصلاته، ولا تصح إمامته، وكالمرأة تصح صلاتها، ولا يصح اقتداءُ الرجل بها، وكالمستحاضة. فإن قيل: إنما لم يصح الاقتداء بالمومئ؛ لأن المومئ لا ركوع ولا سجود له، والركوع والسجود [لا يسقط] (٢) في غير حال العذر بحال، فلم يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه، وليس كذلك القيام؛ لأنه يسقط في غير حال العذر بحال، وهو في صلاة النافلة، فصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه. قيل له: القيام لا يسقط في صلاة الفرض في غير حال العذر بحال، كما لا يسقط الركوع، فلا فرق بينهما. فإن قيل: فالركوع والسجود من شرطه مشاركة المأموم الإمام فيه، ألا ترى أنه إذا أدركه وقد رفع، لم يُعتد بتلك الركعة؟ فلهذا لم يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه؛ لأنه ليس له إمام يقتدي به فيما هو شرط في الاقتداء، وليس كذلك القيام؛ لأنه ليس من شرط صحة الاقتداء

стр. 785

مشاركة المأموم، ألا ترى أنه لو أدركه وقد ركع، صح اقتداؤه به، وكان مدركًا للركعة؟ فلهذا صح اقتداؤه به، وإن كان عاجزًا عنه. قيل له: إنما كان من شرط صحة الاقتداء في الركعة المشاركة في الركوع لا للمعنى الذي ذكرتموه، وهو أن الركوع آكدُ من القيام، لكن لأجل أنه يحصل بإدراك الركوع مدركًا لمعظم الركعة، وإذا [أدركه] (١) وقد رفع، فقد فاته معظم الركعة، فأما أن تكون العلة فيه أن الركوع آكدُ، فلا، ألا ترى أنه لو أدرك الإمام قائمًا، لزمه متابعته فيه، ومتى ترك المتابعة مع الإدراك، لم تصح صلاته؟ واحتج المخالف: بما روى أحمد ﵀ في المسند (٢) قال: نا عباد بن عباد المهلبي (٣) عن محمد بن عمرو (٤)، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنما الإمام ليؤتَمَّ به، فإذا كَبَّر، فكبروا، وإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعين" (٥).

стр. 786

وروى أيضًا في المسند (١) قال: نا أبو جعفر محمد بن جعفر المدائني (٢) قال: نا ورقاء (٣) عن منصور (٤)، عن سالم بن أبي الجعد (٥)، عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: وثئت (٦) رِجْل رسول الله ﷺ ، فدخلنا عليه، فخرج علينا (٧) أو وجدناه في حجرته بين يدي غُرفة، فصلى جالسًا، وقمنا خلفه، فصلينا، فلما قضى الصلاة، قال: "إذا صليتُ جالسًا، فصلُّوا جلوسًا، وإذا صليتُ قائمًا، فصلوا قيامًا، ولا تقوموا كما تقوم فارس لجبابرتها، أو لملوكها" (٨).

стр. 787

وروى أيضًا في المسند (١) قال: نا يحيى (٢) عن هشام بن عروة: حدثني أبي قال: حدثتني عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ دخل عليه الناس في مرضه يعودونه، فصلى بهم جالسًا، فجعلوا يصلون قيامًا، فأشار إليهم: أنِ اجلسوا، فلما فرغ، قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا رفع، فارفعوا، وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا" (٣). وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا، فصرع منه، فجُحِش شقُّه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، وصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به، فإذا صلى قائمًا، فصلُّوا قيامًا، وإذا ركع، فاركعوا، وإذا رفع، فارفعوا"، وفي لفظ آخر قال: "وإذا صلَّى قاعدًا، فصلُّوا قعودًا" (٤).

стр. 788

وروى النجاد أيضًا بإسناده عن حصين (١) - من ولد سعد بن معاذ - عن أسيد بن حضير ﵁: أنه كان يؤمهم، فجاء رسول الله ﷺ يعوده، فقالوا (٢): يا رسول الله! إن إمامنا مريض، قال: "إذا صلَّى قاعدًا، فصلوا قعودًا" (٣). وروى النجاد بإسناده عن القاسم بن محمد قال: حج معاوية ﵁، فقال على المنبر (٤): قال رسول الله ﷺ ، جاء بلال ليؤذنه بالصلاة، فقال:

стр. 789

"مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس"، فذكر الحديث، فصلى بالناس، فلما دخل يُهادى (١) بين رجلين، ورجلاه تَخُطَّان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر ﵁ حِسَّه، ذهب ليتأخرَ، فأومأ إليه رسول الله ﷺ : أن أقم كما أنت، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ﵃ أجمعين (٢) -. وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ حين جاء أخذ القراءة من موضع بلغ أبو بكر (٣).

стр. 790

قالوا: فهذه الأخبار تدل على جواز إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليه. والجواب: أنا نقول بهذه الأخبار كلها؛ لأن بعضها فعل النبي ﷺ ، وكان إمام وقته، ونحن نجيز لإمام الحيِّ مثلَ ذلك، وبعضُها قول، وهو قوله: "إذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا"، ونحن نحمل ذلك على إمام الحيّ، وخلافنا فيما وراء ذلك. واحتج: بأنه إجماع الصحابة ﵃، روى النجاد بإسناده عن كثير بن السائب (١): أن أسيد بن حضير كان وَجِعًا، فوجد خِفَّةً، فتحامل (٢) إلى المسجد، فصلى بأصحابه، فأقعدهم قعودًا خلفه (٣). وروى بإسناده عن قيس (٤) قال: قال أبو هريرة ﵁: الأمير إمام، فإن صلى قائمًا، فصلُّوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا، فصلُّوا قعودًا (٥).

стр. 791

قال أحمد ﵀ في رواية صالح (١): قد رُوي في ذلك عن أصحاب النبي ﷺ : أن جابرًا صلى بهم وهو جالس، وهم جلوس، وأسيد بن حضير، وأبا هريرة ﵄، قد ثبت هذا عن ثلاثة من الصحابة. والجواب: ما تقدم. واحتج: بأن العجز عن القيام لا يمنع صحة الاقتداء؛ دليله: إمام الحي. والجواب: أن القياس هنا يمنع أيضًا، لكن تركناه للأثر، وعلى أن إمام الحي له مزية، ألا تراه أحقَّ بالتقدم، ويمنع غيره من أن يؤذن، ويقيم، ويؤم في المسجد؟ فإن قلنا: لا يؤم إذا كان جالسًا، سقطت مزيته؛ لأنه يمنع الناس من الصلاة معه. واحتج: بأنه من لا يُرجى منه القيامُ أكثرُ ما فيه: أنه عاجز عن القيام، وهذا لا يمنع، ألا ترى أن من يرجى منه القيام تجوز إمامته، وإن كان عاجزًا في الحال؟ والجواب: أن القياس اقتضى المنع في الموضعين، وإنما أجزناه في أحدهما؛ للأثر، والأثرُ ورد في عجزٍ كان يُرجى معه القيام، وعلى أنا قد بيّنا أن لإمام الحي مزيةً، وأما الفرق بين أن يكون عجزه يرجى زواله، وبين أن لا يرجى، فهو أنه غير ممتنع أن يختلف الحكم عندنا

стр. 792

باختلاف صفته، كما اختلف عندكم باختلاف الأركان، فقال الشافعي (١) ﵀: عجزه عن القراءة يمنع الائتمام به، وعجزه عن الركوع والسجود لا يمنع. وعند أبي حنيفة ﵀: عجزه عن القيام لا يمنع، وعجزه عن الركوع والسجود يمنع (٢). واحتج: بأن من جاز أن يؤم الجالس، جاز أن يؤم القائم؛ دليله: القيام. والجواب: أنه ليس إذا جاز أن يؤم مثله، جاز أن يؤم من هو أكمل منه؛ بدليل: الأمّي، والمستحاضة، والمصلون تجوز إمامتهم لمثلهم، ولا تجوز لمن هو أكمل منهم، كذلك ها هنا. فإن قيل: لما جاز أن يؤم المتيمم للمتطهر مع نقص طهارته، جاز أن يؤم العاجز عن القيام بالقادر. قيل: المتيمم قد أتى ببدل الطهارة، والبدل يقوم مقام المبدل، وليس كذلك العاجز عن القيام؛ فإنه لم يأت ببدل عنه، والله أعلم. * فصل: والدلالة على مالك ﵀ في قوله: لا تجوز إمامته بحال، وإن كان إمامَ الحيّ: ما تقدم من الأخبار (٣): حديث أنس، وجابر، وأبي

стр. 793

هريرة، وعائشة، وأسيد بن حضير، ومعاوية، وقصة أبي بكر ﵃ أجمعين -، وهذا نص في جواز الاقتداء بإمام الحي في حال الجلوس. فإن قيل: خروج النبي ﷺ لم يُزل إمامةَ أبي بكر ﵁، بل كان أبو بكر على إمامته، والنبي ﷺ يأتمُّ به. قيل: هذا لا يصح؛ لأن النبي ﷺ وقف على يسار أبي بكر، وأخذ القراءة من حيث بلغ، ولو كان مأمومًا، وقف على يمينه، ولم يأخذ القراءة منه، وعلى أن هذا التأويل لو صح على قصة أبي بكر ﵁، فلا يتوجه على بقية الأخبار؛ ولأن الصلاة تفتقر (١) إلى شرائط وأركان، ثم ثبت أن فقد بعض الشرائط - وهو الطهارة - لا يمنع الائتمام به لمن هو متطهر، كذلك الأركان. فإن احتجوا بما تقدم (٢) من حديث الشعبي عن النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدٌ بعدي قاعدًا"، فهو محمول على غير إمام الحي، وإن قاسوا على غير إمام الحي بأنه عاجز عن القيام. فالجواب عنه: ما تقدم، وهو أن القياس اقتضى ما ذكرت، ولكن تركناه للسنة الظاهرة، والقياس يُطرح لمثل ذلك، وعلى أنا قد بيّنا أن لإمام الحي مزية.

стр. 794

واحتج: بأن ما يمنع الائتمام من غير إمام الحي، يمنعه من إمام الحي؛ دليله: الحدث، والعجز عن الركوع والسجود، وعن القراءة. والجواب عنه: ما تقدم من الفرق بين الإمام وغيره، وبين أن يُرجى (١)، كما فرقوا في الأركان، والله أعلم. * فصل: فإذا صلى بهم إمام الحي جالسًا، صلَّوا خلفه جلوسًا، نص على هذا في رواية صالح (٢)، وحنبل (٣)، والميموني (٤)، وابن القاسم (٣)، فإن صلَّوا قيامًا، فقال عمر بن بدر المغازلي (٥)، فيما حكاه أبو حفص البرمكي عنه: الصلاة [صحيحة] (٦)، قال: لأن أحمد ﵀ قال في رواية

стр. 795

ابن إبراهيم (١): إذا لم يكن إمام الحي، وكان يحضر مرة، ويغيب مرة، فإذا صلى جالسًا، صلَّى مَنْ خلفَه قيامًا. فجعل العلة في القعود كونَه إمام الحيّ، لا أنه قاعد. وقال أبو حنيفة (٢)، والشافعي (٢)، ومالك (٢) ﵏: في الرواية التي تجيز إمامة القاعد، وداود (٣): يصلون قيامًا، فإن صلَّوا جلوسًا، بطلت صلاتهم. دليلنا: ما تقدم (٤) من حديث أنس، وجابر، وعائشة، وأبي هريرة، ومعاوية، وأُسيد بن حُضير ﵃، هؤلاء ستة رووا عن النبي ﷺ فعلًا وقولًا: أنهم يصلون جلوسًا، وهو إجماع الصحابة ﵃ روي عن ثلاثة: جابر، وأبي هريرة، وأسيد بن حضير ﵃: أنهم فعلوا ذلك وقالوه، ولم يظهر عن أحد منهم خلافه، فدل على أن المسألة إجماع. فإن قيل: يحتمل أن تكون صلاة النبي ﷺ نافلة. قيل: أجاب عنه أبو عبد الله محمد بن عقيل البلخي (٥) في الرد على

стр. 796

الثلجي (١)؛ بأنه قد حدثنا ابن [أبي] (٢) شيبة (٣) قال: نا جعفر بن عون (٤) قال: نا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: صُرِع رسول الله ﷺ عن فرس له بالمدينة على جذع نخلة، فانفك قدمه، فقعد في بيت عائشة ﵂، فأتيناه نعوده، فوجدناهُ يصلي تطوعًا قاعدًا ونحن

стр. 797

قيام، ثم أتيناه فوجدناه يصلي صلاة مكتوبة، فقمنا خلفه، فأومأ إلينا، قال: فجلسنا، فلما قضى صلاته، قال: "ائتموا بالإمام، فإن صلى قاعدًا، فصلُّوا قعودًا، وإن صلى قائمًا، فصلُّوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل (١) فارس بعظمائهم" (٢). وعلى أن قوله: "إذا صلى الإمام جالسًا"، ظاهر هذا ينصرف إلى الفرض؛ لأن العادة: أن الإمام إنما يصلي الفرض. فإن قيل: يحمل قوله: "إذا صلى قاعدًا، فصلوا قعودًا" يعني: إذا قعد للتشهد، فصلوا قعودًا. وأجاب عنه أبو عبد الله (٣): بأنه قد رُوي مفسرًا، أنا: عبد الرزاق (٤) أنا: معمر عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: سقط رسول الله ﷺ من فرس، فجُحِش شِقُّه الأيمن، فدخلوا عليه، فصلى بهم جالسًا، وأشار إليهم: أن اجلسوا، فلما سلم، قال: "إنما جعل الإمام ليؤتَمَّ به"، وقال:

стр. 798

"إذا صلى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا" (١)، والتشهدُ لا يسمَّى صلاة، ألا ترى أنه لا يقال: صلى التشهد؟ فإن قيل: هذه الأخبار منسوخة بما تقدم (٢) من حديث أبي بكر ﵁، وأن النبي ﷺ استخلفه في مرض موته، فلما خرج، صلى جالسًا، وأبو بكر والصحابة ﵃ كانوا قيامًا، وكان النبي ﷺ هو الإمام، وهذا في آخر الأمر منه. وبما تقدم (٣) من حديث الشعبي ﵁ عن النبي ﷺ : "لا يؤمَّنَّ أحدٌ بعدي قاعدًا"، ومعناه: بقعود. قيل: لا يجوز ادعاء النسخ مع إمكان التأويل والاستعمال، أما حديث الشعبي، فهو محمول على نهي إمامة القاعد في الجملة، لكن لغير إمام الحي، وأما قصة أبي بكر ﵁، فلا تنسخ ما تقدم من الأخبار؛ لأن أبا بكر ﵁ افتتح بهم الصلاة وهو قائم، ثم طَرَتْ إمامةُ النبي ﷺ وهو جالس في أثناء الصلاة، وعندنا: إذا صلى بهم قائمًا، ثم اعتلَّ في أثناء الصلاة، وجلس، أتموا خلفه قيامًا، ولم يجز لهم الجلوس، فأحمد ﵀ جمعَ بين الأخبار، واستعمل حديث جابر، وعائشة، وأنس ﵃ على ظاهره، في أنهم يصلون جلوسًا إذا صلى جالسًا من أول الصلاة، وحديث أبي بكر ﵁ على ظاهره إذا صلى بهم قائمًا، ثم اعتل

стр. 799

فجلس، فإنهم يصلون قيامًا، وإذا أمكن التأويل والاستعمال، لم يكن ادعاء النسخ. ولأن أركان الصلاة ضربان: أفعال، وأقوال، ثم ثبت أن من الأقوال ما يسقط بمتابعة الإمام مع إدراك محله، وهو: القراءة، جاز أن يكون من الأفعال ما يسقط بمتابعة الإمام مع إدراك محلَّه، إلا القيام. فإن قيل: القراءة قد أتى بها الإمام، فلهذا يحملها، وها هنا لم يأت به. قيل: لو صلى الإمام، وأدركه المأموم راكعًا، سقط عنه القيام، وإن لم يأت به الإمام، ولأنه لا يدرك إمامه قائمًا، فلم يلزمه القيام؛ دليله: إذا أدركه راكعًا. فإن قيل: هناك لم يدرك كل القيام، فلهذا سقط عنه. قيل له: كان يجب أن لا يعتد به؛ كما إذا أدركه وقد رفع من الركوع، لا يُعتد به، وإن لم يدرك محلَّه. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال لعمران بن حصين ﵁: "صلَّ قائمًا، فإن لم تطق، فنائمًا" (١)، وهذا قادر على القيام.

стр. 800

والجواب: أنه محمول على المنفرد؛ بدليل: ما ذكرنا. واحتج: بأنه مستطيع للقيام، فلم يجز له تركُه في صلاة الفرض؛ دليله: إذا كان الإمام قائمًا، أو كان منفردًا. والجواب: أنه لا يجوز اعتبار المنفرد بالمأموم في القيام، كما لا يجوز اعتباره به في القراءة، ولأن الاقتداء قد يؤثر تخفيفًا لا يؤثره الانفراد؛ بدليل: أن فرض العبد والمرأةِ الظهرُ يومَ الجمعة، ولو اقتدوا بالإمام، تغير فرضهما فيما يرجع إلى التخفيف، وهو نقصان ركعتين، كذلك ها هنا، وأما إذا صلى الإمام قائمًا، لم يجز له الجلوس؛ لأن الإمام فعلها على وجه الكمال، فلم يجز له فعلها على وجه النقصان مع القدرة؛ كما لو نوى الإمام المسافر [الإتمام] (١)، لم يجز للمأموم المسافر أن ينوي القصر؛ لأن إمامه على حال الكمال. واحتج: بأن عجز الإمام عن القيام لا يسقط ذلك عن المأموم؛ دليله: لو ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، ثم اعتلَّ وجلسَ، فإنهم يصلون قيامًا. والجواب: أنه لا يمتنع أن يلزمه إدراكُ بعضه، ولا يلزمه إذا لم يدرك بعضه، ألا ترى أنه لو أفاق في بعض اليوم، لزمه صيامه، ولو طبق به، لم يلزمه؟

стр. 801

وجواب آخر، وهو: أنه إذا أدركه قائمًا، فإن تحريمه وتحريم إمامه تضمنت وجوب القيام عليهما، فإذا عجز الإمام في أثنائها، فقد وجب في حقه عذرٌ أسقط القيام، ولم يوجد في حقهما، فلم يسقط عنهما، كما قلنا في المأموم إذا اقتدى بمقيم، ثم أحدث الإمام، فاستخلف مسبوقًا، وكان المستخلف مسافرًا، فإنه يُتِمّ بهم ما بقي عليهم من صلاة الإمام، ويبني هو على صلاة قصر؛ لأن العذر في حقه. واحتج: بأنه ركن من أركان الصلاة، فلا يسقط عنه بعجز الإمام؛ كالركوع. والجواب: أن عجز الإمام عن الركوع يمنع صحة الاقتداء به عندنا، وعلى أنا لا نقبل القياس في هذه المسألة؛ لأن السنة الظاهرة تعارضه، وتسقطه. واحتج: بأن صلاتهم جلوسًا لا يخلو إما أن يكون رخصة في حقهم، أو عزيمة، ولا يجوز أن يكون رخصة؛ لأنه لم يوجد سببُ الرخصة في حقهم؛ لأنهم قادرون على القيام، غيرُ عاجزين عنه، ولا يجوز أن يكون عزيمة؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب إذا تركوا الجلوس، وصلَّوا قيامًا، أن لا تصح صلاتهم، وقد قلتم: إن صلاتهم صحيحة. والجواب: أنا نقول: إن جلوسهم رخصة، وليس بعزيمة، وأنهم إذا صلوا قيامًا، صحت صلاتهم، وقد نص على هذا أبو حفص عمر بن بدر المغازلي (١)، وأفردها مسألة، وأكثر القول فيها، نقلتها من خط أبي

стр. 802

حفص البرمكي، فاستدل على أنها رخصة: بأنه لما كان رخصة في حق الإمام، وليس بواجب؛ بدليل: أنه لو تحمل المشقة، وصلى قائمًا، صحت صلاته، كذلك المأموم إذا ترك الرخصة، وصلى قائمًا، أن تصح، ولأنه لو كان عزيمة، لاستوى فيه جميع الأئمة، إمامُ الحيِّ، وغيرُه، وإذا ابتدأ بهم قائمًا، أو جالسًا، ولما اختص ذلك بإمام مخصوص، وحالة مخصوصة، دل على أنه رخصة، ألا ترى أن متابعته في القيام لما كان واجبًا، استوى فيه جميع الأئمة؟ وقولهم: إن سبب الرخصة لم يوجد في حقه، غيرُ صحيح؛ لأن متابعة الإمام يجري مجرى العذر في باب الإسقاط؛ بدليل: القراءة عندنا في جميع الصلاة، وعند مخالفنا إذا أدركه راكعًا، وبدليل: سجود السهو يسقط بمتابعة الإمام، ويلزم بالانفراد. واحتج بعضهم: بأنه لما لم يسقط عن المقيمين بائتمامهم بالمسافرين الركعتان مع سقوطهما عن الإمام، كذلك في القيام. وأجاب عنه أبو عبد الله البلخي: بأن سقوط القيام أخف من سقوط عدد الركعات؛ بدليل: المريض، يسقط عنه القيام، ولا يخفف عنه في عدد الركعات، وكذلك الخائف، لا يسقط عنه العدد، ويسقط عنه القيام، ولو فاتته صلاة في الحضر، فقضاها في السفر، أتمها أربعًا، ولو فاتته صلاة وهو صحيح، فقضاها (١) وهو مريض جالسًا، أجزأت عنه، فدل

стр. 803

على الفرق بينهما، والله أعلم. * * * ٩٤ - مَسْألَة: لا يجوز أن يأتم القادر على الركوع والسجود بالمومئ بحال، سواءٌ كان إمامَ الحيِّ، أو غيرَه (١): نص على هذا في رواية الميموني (٢)، فقال: إذا صلى بهم من أول الصلاة جالسًا، صلَّوا جلوسًا، قيل له: فإن أومأ يومئون؟ قال: لا، ليس له معنى. وكذلك قال في رواية بكر بن محمد عن أبيه (٣) عنه: في المقيَّدِ يؤم المُطْلَقين إذا أمكنه الركوع. وفي رواية أبي الحارث (٣)، وصالح (٤)، وإبراهيم (٣)، ويعقوب (٣): إن أمكنه التورك. فقد اعتبر القدرة على الركوع والسجود، وهو قول أبي

стр. 804

حنيفة (١)، ومالك (٢)، والشافعي (٣) ﵁: تجوز إمامة المومئ بمن يقدر على الركوع والسجود. دليلنا: ما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه" (٤)، وإذا كان المأموم يركع ويسجد، والإمام لا يركع ولا يسجد، فهو اختلاف عليه، فوجب بحق الظاهر أن لا تصح متابعته. وأيضًا ما تقدم (٥) من حديث الشعبي: أن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدٌ بعدي قاعدًا"، أو: "لا يؤم الرجل جالسًا"، وإذا نهى عن إمامة القاعد، كان فيه تنبيه على المومئ؛ لأنه أضعف حالًا من الجالس. والقياس: أن الركوع والسجود ركنان (٦) من أركان الصلاة، فجاز أن يُمنع القادرُ عليه من الائتمام بالعاجز عنه؛ دليله: القراءة، وله على

стр. 805

هذه العلة اعتراضات، وقد أجبنا عنها في المسألة التي قبلها، وإذا (١) أحرم بصلاة لا ركوع فيها ولا سجود، فلا يجوز أن يكون إمامًا لمن يصلي بركوع وسجود؛ دليله: إذا أحرم بصلاة الجنازة، والمربوط على خشبة، فإنه لا يصح أن يكون إمامًا لمن يقدر على الركوع، كذلك ها هنا، وإن شئت قلت: صلاة ليس لها ركوع وسجود، فلم يجز بناء صلاة الفرض التي لها ركوع وسجود على تحريمتها؛ دليله: ما ذكرنا. فإن قيل: المعنى في الأصل، وهو: صلاة الجنازة، والمربوط: أنه ليس فيها ركوع، ولا ما يقوم مقام الركوع، وليس كذلك ها هنا، وإن لم يكن فيها ركوع، فإن فيها ما يقوم مقام الركوع، وهو الإيماء؛ فلهذا فرق (٢) بينهما. قيل له: لا نسلم أن الإيماء يقوم مقام الركوع، ولا بدلٌ عنه، وإنما الإيماء بعض الركوع والسجود، وليس ببدل عنه، ولا يقوم مقامه، ألا ترى أنه من الإيماء يصير إلى الركوع؟ ويأتي الكلام على هذا الفصل. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ (٣): "صلوا خلف من

стр. 806

قال: لا إله إلا الله" (١)، وقوله ﵇: "صلاة الجماعة تفضُل على صلاة الفَذَّ بخمس وعشرين درجة" (٢)، ولم يفرق. والجواب: أن هذا كله محمول عليه إذا كان الإمام يركع ويسجد؛ بدليل ما تقدم. واحتج: بأن هذه حالة يجوز للمريض أن يصلي فيها، فجاز أن يكون إمامًا فيها؛ دليله: الصحيح الذي يقدر على الركوع والسجود، وكل من جاز أن يكون إمامًا لمن يُصلي بالإيماء، جاز أن يكون إمامًا لمن يصلي بالركوع والسجود؛ دليله: الصحيح. والجواب: أنه ليس إذا جازت صلاته لنفسه، أو جازت بمن هو في عذره، يجب أن تجوز بمن هو أكملُ منه؛ بدليل: الأمي، والمستحاضة، والمومئ، تصح في حقهم، ولا تصح في حق غيرهم ممن ليس مثلهم، وكذلك المرأة تصح صلاتها في حقها، ولا تصح بالرجال، وأما الأصل، فالمعنى فيه: أنه يأتي بالصلاة على كمال أركانها، فجاز أن تصح إمامته، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يأتي بأركانها المقصودة، فهو كالأمي، والمربوط، والمستحاضة.

стр. 807

واحتج: بأن الإيماء قائم مقام الركوع والسجود، وبدل عنه، فإذا صح الاقتداء به في الركوع والسجود، صح فيما قام مقامه؛ كالمتيمم يؤم المتوضئين؛ لأن التيمم يقوم مقام الوضوء. والجواب: أنا لا نسلِّم أن الإيماء قائم مقام الركوع والسجود، ولا بدلٌ عنه، وإنما هو بعضُه من الوجه الذي ذكرنا، وهو: أنه من الإيماء يصير إلى الركوع، وليس كذلك التيمم؛ لأنه بدلٌ عن الوضوء، فصار كالغاسل يقتدي بالماسح على الخفين. فإن قيل: فإذا كان بعض الشيء يقوم مقام الشيء، فبعض الشيء أولى. قيل له: ولم قلت هذا، وقد وجدنا في الأصول بعض الشيء لا يقوم مقام جميعه، وبدله يقوم مقامه، ألا ترى أن كسوة خمسة (١) مساكين لا تقوم مقام كسوة عشرة مساكين، وصوم ثلاثة أيام يقوم مقام كسوة العشرة أو إطعامهم؛ لأنه بدل عن الإطعام أو الكسوة؟ كذلك الإيماء إذا كان بعض الركوع لا يجب أن يقوم مقام الركوع. فإن قيل: أليس قد قام مقام الركوع والسجود في صحة صلاة المومئ، فلِمَ لا يقوم مقامها في صحة صلاة المأموم خلفه؟ قيل له: لا نقول: إن الإيماء قام مقام الركوع والسجود في صحة صلاة المومئ، وإنما نقول: إن صلاة المومئ صحيحة بغير ركوع

стр. 808

وسجود، كما نقول: إن صلاة الأمّي صحيحة بغير قراءة، ولا يجب - من حيث قلنا: إن صلاة المومئ صحيحة - أن نقول: صلاة المأموم إذا كان يركع ويسجد صحيحة، كما لم يجب من حيث قلنا: إن صلاة القارئ خلفه صحيحة، وكذلك صلاة المرأة صحيحة، ولا يجب أن يكون صلاة الرجل خلفها صحيحة. فإن قيل: فالدليل على أن الإيماء يقوم مقام الركوع: أنه يقوم مقامه في محل الذكر الذي فيه، فيقول: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى، والمدرك للإيماء في موضع الركوع مدرك للركعة، ومن فاته الإيماء، فاتته الركعة، ولأنه لو كان جزءًا من الأصل، وإنما سقط عنه ما عجز عنه، لوجب أن يكون الإيماء بالركوع والسجود سواء (١)؛ لأنه يجب لكل واحد منهما أن يأتي بما يقدر عليه إلى أن يستوفيه، ولما أجمعنا على أنه يجعل السجود أخفض من الركوع، دل على أن الأدنى أقيم مقام السجود، والأعلى أقيم مقام الركوع. قيل له: إنما قام مقامه في محل الذكر، وفي إدراك الركعة بإدراك الإيماء، وفي أنه يختلف مقدار الإيماء؛ للمعنى الذي ذكرنا، وهو أنه بعض الركوع، فلهذا كان محل حكمه في محل الذكر، والإدراك، ونحوه، وهذا هو الدليل على أنه بعضٌ منه؛ لأنه وافقه في أحكامه، ولو كان بدلًا عنه، لخالفه في بعضها؛ كما خالف التيمم الماء. فإن قيل: فإذا قام مقامه في هذه الأحكام، يجب أن يقوم مقامه

стр. 809

في صحة الاقتداء. قيل له: ولم كان ذلك، وبعضُ الفاتحة يقوم مقام جميعها في إسقاط الفرض، وغيره من الأحكام، ولا يقوم مقام جميعها في الاقتداء؟ وجواب آخر: عن أصل الدليل، وهو: أن الطهارة لا يقع فيها الاشتراك حتى يعتبر فيها المساواة، والأركان يعتبر فيها الاشتراك، ألا ترى أنه لو انفرد المأموم بالركوع قبل إمامه، لم يجز؛ لعدم متابعته له؟ فإن قيل: هلا قلتم: يجوز لإمام الحي أن يؤتم به، كما جاز إذا كان عاجزًا عن القيام. قيل: القياس يقتضي في العاجز عن القيام أن لا يؤم، لكن تركناه؛ للخبر، ولا خبر في المومئ، والله أعلم. * * * ٩٥ - مَسْألَة: إذا صلى ركعة بإيماء، ثم صح، بنى على ما مضى: وقد قال في رواية صالح (١)، والفضل بن زياد (٢)، وأبي الحارث (٢):

стр. 810

في مريض صلى قاعدًا، ثم صار خِفًّا في بعض صلاته: يصير إلى ما يقدر عليه، وقد أجزأه ما مضى من صلاته؛ فقد نص على البناء في المصلي جالسًا، وحكمُ المومئ حكمُ الجالس عنده؛ لأن العجز عن القيام يمنع الإمام عنده، كالعجز عن الركوع والسجود، وبه قال الشافعي ﵀ (١). وقال أبو حنيفة ﵀ في الرواية المشهورة: [يستقبل] (٢) الصلاة. دليلنا: أن كل حالة يجوز للمريض أن يصلي فيها، فإنه إذا صح، جاز له البناء عليها؛ قياسًا على المريض إذا صلى قاعدًا، ثم قدر على القيام: أنه يقوم ويبني، وإن شئت قلت له: أن يبتدئ عقيب زوال عذره، فجاز له البناء، وكذلك العريان إذا وجد السترة، وكانت بعيدة منه، لا يصح منه الابتداء بالصلاة، فلهذا لم يصح البناء.
следующие страницы →