← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قال: لا إله إلا الله" (١)، وقوله ﵇: "صلاة الجماعة تفضُل على صلاة الفَذَّ بخمس وعشرين درجة" (٢)، ولم يفرق. والجواب: أن هذا كله محمول عليه إذا كان الإمام يركع ويسجد؛ بدليل ما تقدم. واحتج: بأن هذه حالة يجوز للمريض أن يصلي فيها، فجاز أن يكون إمامًا فيها؛ دليله: الصحيح الذي يقدر على الركوع والسجود، وكل من جاز أن يكون إمامًا لمن يُصلي بالإيماء، جاز أن يكون إمامًا لمن يصلي بالركوع والسجود؛ دليله: الصحيح. والجواب: أنه ليس إذا جازت صلاته لنفسه، أو جازت بمن هو في عذره، يجب أن تجوز بمن هو أكملُ منه؛ بدليل: الأمي، والمستحاضة، والمومئ، تصح في حقهم، ولا تصح في حق غيرهم ممن ليس مثلهم، وكذلك المرأة تصح صلاتها في حقها، ولا تصح بالرجال، وأما الأصل، فالمعنى فيه: أنه يأتي بالصلاة على كمال أركانها، فجاز أن تصح إمامته، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يأتي بأركانها المقصودة، فهو كالأمي، والمربوط، والمستحاضة.

стр. 807

واحتج: بأن الإيماء قائم مقام الركوع والسجود، وبدل عنه، فإذا صح الاقتداء به في الركوع والسجود، صح فيما قام مقامه؛ كالمتيمم يؤم المتوضئين؛ لأن التيمم يقوم مقام الوضوء. والجواب: أنا لا نسلِّم أن الإيماء قائم مقام الركوع والسجود، ولا بدلٌ عنه، وإنما هو بعضُه من الوجه الذي ذكرنا، وهو: أنه من الإيماء يصير إلى الركوع، وليس كذلك التيمم؛ لأنه بدلٌ عن الوضوء، فصار كالغاسل يقتدي بالماسح على الخفين. فإن قيل: فإذا كان بعض الشيء يقوم مقام الشيء، فبعض الشيء أولى. قيل له: ولم قلت هذا، وقد وجدنا في الأصول بعض الشيء لا يقوم مقام جميعه، وبدله يقوم مقامه، ألا ترى أن كسوة خمسة (١) مساكين لا تقوم مقام كسوة عشرة مساكين، وصوم ثلاثة أيام يقوم مقام كسوة العشرة أو إطعامهم؛ لأنه بدل عن الإطعام أو الكسوة؟ كذلك الإيماء إذا كان بعض الركوع لا يجب أن يقوم مقام الركوع. فإن قيل: أليس قد قام مقام الركوع والسجود في صحة صلاة المومئ، فلِمَ لا يقوم مقامها في صحة صلاة المأموم خلفه؟ قيل له: لا نقول: إن الإيماء قام مقام الركوع والسجود في صحة صلاة المومئ، وإنما نقول: إن صلاة المومئ صحيحة بغير ركوع

стр. 808

وسجود، كما نقول: إن صلاة الأمّي صحيحة بغير قراءة، ولا يجب - من حيث قلنا: إن صلاة المومئ صحيحة - أن نقول: صلاة المأموم إذا كان يركع ويسجد صحيحة، كما لم يجب من حيث قلنا: إن صلاة القارئ خلفه صحيحة، وكذلك صلاة المرأة صحيحة، ولا يجب أن يكون صلاة الرجل خلفها صحيحة. فإن قيل: فالدليل على أن الإيماء يقوم مقام الركوع: أنه يقوم مقامه في محل الذكر الذي فيه، فيقول: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى، والمدرك للإيماء في موضع الركوع مدرك للركعة، ومن فاته الإيماء، فاتته الركعة، ولأنه لو كان جزءًا من الأصل، وإنما سقط عنه ما عجز عنه، لوجب أن يكون الإيماء بالركوع والسجود سواء (١)؛ لأنه يجب لكل واحد منهما أن يأتي بما يقدر عليه إلى أن يستوفيه، ولما أجمعنا على أنه يجعل السجود أخفض من الركوع، دل على أن الأدنى أقيم مقام السجود، والأعلى أقيم مقام الركوع. قيل له: إنما قام مقامه في محل الذكر، وفي إدراك الركعة بإدراك الإيماء، وفي أنه يختلف مقدار الإيماء؛ للمعنى الذي ذكرنا، وهو أنه بعض الركوع، فلهذا كان محل حكمه في محل الذكر، والإدراك، ونحوه، وهذا هو الدليل على أنه بعضٌ منه؛ لأنه وافقه في أحكامه، ولو كان بدلًا عنه، لخالفه في بعضها؛ كما خالف التيمم الماء. فإن قيل: فإذا قام مقامه في هذه الأحكام، يجب أن يقوم مقامه

стр. 809

في صحة الاقتداء. قيل له: ولم كان ذلك، وبعضُ الفاتحة يقوم مقام جميعها في إسقاط الفرض، وغيره من الأحكام، ولا يقوم مقام جميعها في الاقتداء؟ وجواب آخر: عن أصل الدليل، وهو: أن الطهارة لا يقع فيها الاشتراك حتى يعتبر فيها المساواة، والأركان يعتبر فيها الاشتراك، ألا ترى أنه لو انفرد المأموم بالركوع قبل إمامه، لم يجز؛ لعدم متابعته له؟ فإن قيل: هلا قلتم: يجوز لإمام الحي أن يؤتم به، كما جاز إذا كان عاجزًا عن القيام. قيل: القياس يقتضي في العاجز عن القيام أن لا يؤم، لكن تركناه؛ للخبر، ولا خبر في المومئ، والله أعلم. * * * ٩٥ - مَسْألَة: إذا صلى ركعة بإيماء، ثم صح، بنى على ما مضى: وقد قال في رواية صالح (١)، والفضل بن زياد (٢)، وأبي الحارث (٢):

стр. 810

في مريض صلى قاعدًا، ثم صار خِفًّا في بعض صلاته: يصير إلى ما يقدر عليه، وقد أجزأه ما مضى من صلاته؛ فقد نص على البناء في المصلي جالسًا، وحكمُ المومئ حكمُ الجالس عنده؛ لأن العجز عن القيام يمنع الإمام عنده، كالعجز عن الركوع والسجود، وبه قال الشافعي ﵀ (١). وقال أبو حنيفة ﵀ في الرواية المشهورة: [يستقبل] (٢) الصلاة. دليلنا: أن كل حالة يجوز للمريض أن يصلي فيها، فإنه إذا صح، جاز له البناء عليها؛ قياسًا على المريض إذا صلى قاعدًا، ثم قدر على القيام: أنه يقوم ويبني، وإن شئت قلت له: أن يبتدئ عقيب زوال عذره، فجاز له البناء، وكذلك العريان إذا وجد السترة، وكانت بعيدة منه، لا يصح منه الابتداء بالصلاة، فلهذا لم يصح البناء.

стр. 811

فإن قيل: اقتداء القائم بالقاعد جائز، كذلك إذا قدر القاعد على القيام، جاز أن يبني، وليس كذلك من يركع ويسجد؛ لأنه ليس له أن يبتدئ بالمومئ، وإذا قدر على الركوع والسجود، لم يجز له أن يبني. قيل له: علة لا نسلِّمها (١)؛ لأن عندنا: اقتداءُ القائم بالقاعد لا يجوز من الوجه الذي ذكرنا، وأما علةُ الفرع، فلا يمتنع أن يصح الاقتداء به في هذه الحال، ويصح البناء؛ بدليل: أن نفسين لو اختلفا في جهة القبلة، لم يجز لأحدهما أن يتبع صاحبه، ثم لو اختلف اجتهاد أحدهما إلى غير الجهة، جاز له أن يستدبر، ويبني فعل بعضه على بعض، وإن لم يجز لغيره البناء، وكذلك لو أحدث في أثناء الصلاة، جاز أن يتوضأ، ويبني على تحريمته، ولا يجوز للمأموم أن يبني عندك على تلك التحريمة، ولأن حالة الإمامة حالُ كمال، فجاز أن لا يبني المأموم صلاته على صلاة ناقصة، وليس كذلك في حق نفسه؛ لأنه لا يعتبر هذا المعنى، ألا ترى أن المرأة تصح صلاتها في حقها، وإن لم تصح إمامتها بالرجال؟ وكذلك العبد تصح صلاته في الجمعة مأمومًا، وإن لم تصح إمامته في الجمعة، كذلك ها هنا. فإن قيل: القاعد على هيئة من هيئات الصلاة، فإذا قدر على القيام، فقام، فقد انتقل من هيئة إلى هيئة، فلم تبطل صلاته، وليس المومئ على هيئة من هيئات الصلاة، فإذا قدر على ما هو هيئة، بطلت صلاته.

стр. 812

قيل: القعود (١) ليس بهيئة في صلاة الفرض، وإنما هو هيئة في صلاة النفل، والإيماء هيئة في النفل أيضًا؛ لأنه يصلي راكبًا ويومئ. فإن قيل: القعود هيئة في التشهد. قيل: هو هيئة في غير محل القيام، وكلامنا فيه إذا أتى به في محل القيام، وأيضًا: زوالُ العذر إذا لم يورث زمنًا طويلًا في الصلاة، لم يمنع البناء عليها؛ قياسًا على القاعد إذا قدر على القيام، والأَمَة إذا أُعتقت في الصلاة: أنها تأخذ القناع، وتبني، وفيه احتراز من المستحاضة إذا برأت، وإذا وجد العريان ما يستر به عورته، وكان بعيدًا؛ لأن ذلك يورث عملًا طويلًا. فإن قيل: الأَمَة إذا أُعتقت وهي في الصلاة، فإنما جاز لها أن تبني؛ لأنه قد كان لها أن تبتدئ بالصلاة بغير قناع مع القدرة على السترة، فإذا أعتقت، لزمها فرضٌ في الحال، فجاز لها أن تبني، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن فرض الركوع والسجود لازم له في الأصل، وإنما يجوز له تركه؛ للعجز عنه، فإذا قدر عليه، لم يجز له أن يبني. قيل له: فالقيام لازم له في الأصل، وإنما يجوز تركه للعجز عنه، ثم إذا قدر عليه، جاز له البناء، وعلى أن الأمة إنما جاز لها أن تبتدئ الصلاة بغير قناع مع القدرة على السترة؛ لأن الستر غير لازم لها، والعاجز عن الركوع والسجود غير لازم له في حال عجزه، فلا فرق بينهما، ولأنه

стр. 813

لو كان قائمًا، فعجز عنه، كان له أن يجلس، وهو انتقال من كمال إلى ما هو دونه، فإذا عجز عن الركوع والسجود، ثم قدر، أولى أن يبني؛ لأنه انتقال إلى كمال. واحتج المخالف: بأن من يركع ويسجد لا يقتدي بمن يومئ، لا يبني صلاة بركوع وسجود على تحريمة المومئ، كذلك إذا افتتحها بايماء، ثم قدر على الركوع والسجود، لم يجز له أن يبني؛ لهذه العلة. والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه لا يمتنع أن لا يصح الاقتداء به في هذه الحال، ويصح البناء من الوجه الذي ذكرنا. واحتج: بأن الركوع فرض لا يجوز تركه إلا حالَ العجز عنه، ألا ترى أنه إذا كان قادرًا عليه، لم يجز له تركه، وإذا تركه للعجز، ثم قدر عليه، لم يجز له أن يبني، ولزمه أن يستقبل، كالمستحاضة إذا برأت في الصلاة. والجواب: أنه يبطل بالقاعد إذا قدر على القيام؛ لأن القيام لا يجوز تركُه في غير حال العجز في صلاة الفرض بحال، وإنما يجوز في صلاة النافلة، والركوع والسجود مثلُه لا يجوز تركُه في صلاة الفرض (١)، ويجوز تركُه في النافلة إذا صلى على الراحلة، فلا فرق بينهما، وأما المستحاضة إذا انقطع دمها، فذكر شيخنا أبو عبد الله (٢) فيها وجهين؛ بناءً على المتيمم

стр. 814

إذا رأى الماء في الصلاة، هل تبطل صلاته، أم لا؟ على روايتين، كذلك المستحاضة على وجهين: أحدهما: لا تبطل، وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية ابن القاسم (١)، وقيل له: هؤلاء يقولون: إذا توضأت، ثم انقطع الدم، فقال: لست أنظر إلى انقطاعه (٢) حين توضأت، سال أو لم يَسِلْ، إنما آمرها أن تتوضأ لكل صلاة، فتصلي بذلك الوضوء النفل، والصلاة الفائتة، حتى يدخل وقت صلاة أخرى. فظاهر هذا: أنه لم يمنع من البناء. والوجه الثاني (٣): تبتدئ؛ لأن زوال عذرها يورث عملًا طويلًا، وليس كذلك المومئ؛ فإنه يبني من غير عمل طويل، فبان الفرق بينهما، والله أعلم. * * * ٩٦ - مَسْألَة: العاري إذا وجد في صلاته ما يستر به عورته، وكان قريبًا، ستر عورته، وبنى على صلاته:

стр. 815

وقد قال أحمد ﵀ في رواية بكر بن محمد عن أبيه (١) - في الوليدة تعتق وهي تصلي -: تقنَّع، وتتمُّ ما بقي من صلاتها، ولا تعيد الصلاة، قيل له: يدخل على هذا المتيمم يرى الماء وهو في الصلاة؟ قال: ليس بمنزلته. وبهذا قال الشافعي ﵀ (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: تفسد صلاته (٣). دليلنا: أن زوال (٤) [العذر] (٥) إذا لم يورث زمنًا طويلًا، لم تبطل الصلاة؛ قياسًا على القاعد إذا قدر على القيام، ولأن وجوب ستر العورة في الصلاة لا يبطل الصلاة، قياسًا على الأَمَة إذا دخلت في الصلاة مكشوفة الرأس، ثم عتقت فيها، فإنها تأخذ القناع، وتبني على صلاتها، وافق أبو حنيفة ها هنا، تبين صحة هذا: أن العريان افتتح الصلاة مكشوفَ

стр. 816

العورة للضرورة، والأَمَة افتتحت الصلاة مكشوفة لغير ضرورة، فإذا جاز للأمة أن تبني على صلاتها، فلأن يجوز للعريان أولى، ولأن القادر على الستر حالَ افتتاح الصلاة أولى بالتفريط، وأقربُ إليه من العاجز عنه، والأَمَة كانت قادرة عليه في حال افتتاح الصلاة، ولا يمنعها ذلك من البناء، فأولى أن لا يمنع ها هنا. واحتج المخالف: بأن المكتسي لا يقتدي بالعاري. لا تُبنى صلاة المكتسي على تحريمة العاري، كذلك إذا افتتحها عاريًا، ثم قدر على الستر، لا يبني؛ لهذه العلة. والجواب: أنا لا نعرف الرواية في إمامة العاري بالمكتسي، ولكن قياس المذهب: أنه لا يجوز؛ لأنه يصلي عندنا جالسًا، وإمامة الجالس بالقادر لا تجوز على الصفة التي ذكرنا، ولكن ليس يمتنع أن يصح الاقتداء به في هذه الحال، ويصح البناء من الوجه الذي ذكرنا. واحتج أيضًا: بأن ستر العورة فرض لا يجوز تركه إلا في حال العجز عنه، فإذا تركه للعجز عنه، ثم قدر عليه، لم يجز له أن يبني؛ كالمستحاضة إذا برأت في الصلاة. والجواب عنه: ما تقدم في المسألة التي قبلها، فلا وجه لإعادته، والله أعلم. * * *

стр. 817

٩٧ - مَسْألَة: من يقدر على القيام، ولا يقدر على الركوع والسجود، فإنه يصلي قائمًا، ويومئ إيماءً بالركوع، وفي السجود يجلس فيومئ: وقد قال أحمد ﵀ في رواية عبد الله (١)، وإسحاق بن إبراهيم (٢)، وأبي طالب (٣): في المريض يصلي قاعدًا إذا كان القيام يوهنه ويضعفه. فأسقط القيام عند العجز عنه، وظاهر هذا: أنه متى لم يكن عاجزًا لم يسقط عنه، لعجزه عن الركوع والسجود، وهو قول مالك (٤)، والشافعي ﵄ (٥). وقال أبو حنيفة ﵀: يصلي قاعدًا يومئ إيماءً، فإن صلى قائمًا، أجزأه (٦).

стр. 818

دليلنا: ما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال لعمران بن حصين ﵁: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع، فقاعدًا، فإن لم تستطع، فعلى جنب تومئ" (١)، وهذا مستطيع للقيام، فيجب أن يلزمه، ولأنه مستطيع للقيام في الصلاة المفروضة من غرِ مشقة، ولا متابعة، ولا كشف عورة، فلم يجز له تركُه؛ قياسًا على المستطيع للركوع والسجود، ولا يلزم عليه المريض؛ لقولنا: من غير مشقة، ولا صلاة النافلة؛ لقولنا: فريضة، ولا صلاة المأموم إذا صلى إمامه جالسًا؛ لقولنا: ولا متابعة، ولا العريان؛ لقولنا: ولا كشف عورة، وإن شئت قلت: مستطيع للقيام أشبهَ القادرَ على الركوع، ولا يلزم العريان، والمؤتمَ بالجالس؛ فإنه يستوي فيه الفرع والأصل، ولأن القيام ركن من أركان الصلاة، فلم يسقط بعجزه عن الركوع والسجود؛ قياسًا على القراءة وغيرها من الأركان. واحتج المخالف: بأن فرض القيام لم يثبت في الأصول إلا مع الركوع والسجود، فإذا سقط، سقط القيام؛ بدلالة: الراكب لما سقط عنه الركوع، سقط عنه القيام، ولأن الركوع آكدُ من القيام؛ بدليل: أنه يجب في موضع يسقط فيه القيام؛ كالتطوع، ثم اتفقنا على أن فرض الركوع ها هنا ساقط، ففرض القيام أولى. والجواب: أن صلاة الجنازة يسقط فيها الركوع، ولم يسقط فيها القيام، وعلى أن القيام لم يسقط في النافلة لسقوط الركوع، ألا ترى أنه

стр. 819

قبل أن يركب الراحلة إذا صلى على الأرض، لا يجب عليه أن يقوم فيها، ويجوز أن يصلي قاعدًا؟ ولأنه لو كان الفرض إذا لم يجب فيه الركوع، لا يجب فيه القيام؛ اعتبارًا بالنافلة على الراحلة، لوجب أن لا يجب السجود؛ اعتبارًا بها، فلما وجب السجود، وخالف النوافل على الراحلة، ولأن المعنى المسقِطَ للركوع في صلاة النافلة على الراحلة موجود في القيام، وهو: تعذر القيام على الراحلة؛ كتعذر الركوع والسجود، وليس كذلك؛ لأن العجز يختص الركوع، ولا يتعداه إلى القيام، فيجب أن لا يسقط غيره. وقد روى مهنا (١) عن أحمد ﵀ فيمن طعن دبره، ومتى سجد، خرجت منه الريح؟ قال: يسجد ولا يومئ. فقد أوجب السجود، ولم يسقطه لأجل الطهارة؛ لأنه حدث مستديم، فلا يسقط معه السجود؛ كالمستحاضة. * * * ٩٨ - مَسْألَة: إذا عجز المريض عن الإيماء برأسه، أومأ بعينيه وحاجبيه أو قلبه، ولا يسقط عنه فرض الصلاة: وقد قال أحمد ﵀ في رواية عبد الله (٢): في مريض غلب

стр. 820

على عقله؟ يعيد إذا أطاق الصلاة على قدر طاقته. وإذا ثبت من مذهبه أنه لا يسقط الفرض مع الإغماء، فأولى أن لا يسقط مع زواله. وبهذا قال الشافعي ﵀ (١). وقال أبو حنيفة ﵀ (٢): إذا عجز عن الإيماء برأسه، سقط عنه فرض الصلاة، ولم يجب عليه الإيماء بعينيه وحاجبيه. دليلنا: قول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: "صل قائمًا، فإن لم تستطع، فقاعدًا، فإن لم تستطع، فعلى جنب تومئ إيماء" (٣)، ولم يفرق. وروى الساجي في كتابه اختلاف الفقهاء بإسناده عن جعفر بن محمد (٤) عن أبيه (٥)، عن علي بن الحسين (٦) بن علي بن أبي طالب، [عن

стр. 821

الحسين بن علي، عن علي] (١) ﵃ وأرضاهم - عن النبي ﷺ قال: "يصلي المريض قائمًا، فإن لم يستطع، صلى جالسًا، فإن لم يستطع السجود، أومأ، وجعل السجودَ أخفضَ من الركوع، فإن لم يستطع، صلَّى على جنبه الأيمن مستقبلًا (٢) القبلة، فإن لم يستطع، صلى على قفاه مستلقيًا، وجعل رجليه مستقبل القبلة، وأومأ بطرفه" (٣)، وهذا نص. والقياس: أنه مرض لم يزل عقله، فوجب أن لا يسقط عنه فرض الصلاة، أصله: إذا كان قادرًا على الإيماء برأسه، وفيه احتراز من الجنون؛ لأن هناك زال عقله، ولأنه قادر على الصلاة بإيماء، فلزمه، دليله: إذا كان قادرًا على الإيماء برأسه، ولا يلزم عليه الإيماء بيديه أنه لا يمتنع أن يلزمه ذلك، وقد قال أحمد ﵀ (٤): يصلي مضطجعًا،

стр. 822

ويومئ إيماء، ولا يسجد على مِرفَقَة (١)، وعلى شيء يرفعه. فأوجب الإيماء على الإطلاق، ولم يخصه ببعض الأعضاء. واحتج المخالف: بأنه عاجز عن الإيماء برأسه، فلا ينتقل إلى الإيماء إلى غيره، كما لا ينتقل إلى يديه. والجواب: أنا قد بينا أنه لا يمتنع أنه يجب عليه ذلك، وعلى أن الطرْف من موضع (٢) الإيماء، واليدان لا مدخل لهما في الإيماء بحال، فافترقا، والله أعلم. * * * ٩٩ - مَسْألَة: إذا كان بعينيه مرض، فقال الأطباء: إن صليت مستلقيًا، زال، جاز له الاستلقاء (٣): وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي جعفر أحمد بن الحسين

стр. 823

- ابن أخي حميد بن غلام -: [فيمن] (١) أصابه الفالج (٢)، فوقع إحدى شقيه، وهو يعالج، وقد أدركه رمضان، وهو مستطيع الصوم، غير أن المعالِج ذكر أن الصوم مما يمكِّن العلة، ولا بد أن يسقيه دواء، فقال: يفطر ويطعم، فقد أجاز له الفطر بقول الطبيب (٣). وقال الشافعي ﵀: لا يجوز أن يصلي مستلقيًا (٤). دليلنا: أن القيام فرض من فروض الصلاة، فجاز تركه لخوف الضرر؛ كاستقبال القبلة، ولأن الصائم إذا خاف الضرر بالصوم، وكان يرجو الصحة بالفطر، جاز له الفطر لأجل الضرر، فإذا جاز ترك الصوم

стр. 824

لخوف الضرر، فترك قيامه (١) أولى. ولا يجوز أن يقال: إنه ينتقل إلى بدل كامل، وفي الصلاة إلى بدل ناقص؛ لأنه لا فرق بينهما، ألا ترى أن فعل الصوم في غير رمضان أنقصُ منه في رمضان؟ ولهذا يتعلق بالوطء في إحداهما الكفارة دون الأخرى (٢). واحتج المخالف: بما رُوي عن ابن عباس ﵄: أنه لما كُفّ بصرُه، أتاه رجل فقال: إن صبرت سبعة أيام لم تصلِّ إلا مستلقيًا، رجوتُ أن تبرأ، فأرسل إلى أبي هريرة، وغيره من أصحاب النبي محمد ﷺ ، ورضي عنهم، فكلهم قالوا: إن مت في هذه الأيام ما الذي تصنع بالصلاة؟ فترك معالجة عينه (٣). والجواب: أن ابن عباس إنما كان يرجو بحدوث العلاج عودَ بصره، فكرهوا له التعرض بما يحتاج إلى ترك القيام، والخلاف في

стр. 825

غير هذا الموضع، وهو: إذا فعل الذي يحتاج معه إلى ذلك يجوز ترك القيام، أم لا؟ وهذا لم ينقل عنه. ومحصول الجواب: أن ابن عباس ﵄ كان قد ذهب بصره، فلا يرجى عودُه، فلا يجوز له تركُ القيام لأجله، وخلافنا فيمن لم يذهب بصره، لكنه كان يرجو عودَه بترك القيام. واحتج: بأنه يتمكن من القيام في صلاة الفرض، فوجب أن لا يجوز تركه لمن ليس بعينه رمد. والجواب: أنا لا نسلم أنه متمكن من القيام إذا لحقه به ضرر، واعتباره بمن لا رمد بعينه ليس بصحيح؛ لأن من لا ضرر به، لا يجوز له ترك الصوم، فلذلك لم يترك القيام، ولما جاز في مسألتنا ترك الصوم، كذلك ترك القيام، والله أعلم. * * * ١٠٠ - مَسْألَة: إذا صلى في سفينة سائرةٍ (١) صلاةَ الفرض قاعدًا، وهو قادر على القيام، لم تجزئه صلاته: نص عليه أحمد ﵀ في رواية جعفر (٢): في رجل صلى

стр. 826

في السفينة قاعدًا، فعليه الإعادة، وقال في رواية أبي داود (١): أَحَبُّ إليّ أن يعيد. وقال مالك (٢)، والشافعي (٣)، وأبو حنيفة (٤) ﵃: تجزئه صلاته، إلا أن تكون واقفة، فيجب عليه القيام، فإن صلى جالسًا، يعيد عنده. دليلنا: قول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: "فإن لم تستطع، فقاعدًا" (٥)، وهذا عام في السفينة وغيرها. وروى أبو بكر من أصحابنا في كتابه بإسناده عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ أمر جعفر بن أبي طالب ﵁ أن يصلوا في السفينة قيامًا، إلا أن يخافوا الغرق (٦).

стр. 827

وروى الساجي، والدارقطني (١) عن ابن عمر، وابن عباس ﵃: أنهما قالا: لما بعث النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب ﵁ إلى الحبشة، فقال: يا رسول الله! كيف أصلي في السفينة؟ قال: "صلِّ قائمًا، إلا أن تخاف الغرق" (٢). وهذا نص. فإن قيل: يحمل هذا في حال وقوفها. قيل: لا يصح؛ لأنه أمره بالقيام إلا أن يخاف الغرق، وإنما يخاف الغرق في حال السير، فأما في حال وقوفها، فلا، والقياس: أنه مستطيع للقيام من غير مشقة، ولا متابعة، ولا كشف عورة في صلاة مفروضة، فلا يجوز له تركه، أصله: إذا لم يكن في السفينة، وفيه احتراز من المريض، وإذا خاف الغرق، ومن المأموم إذا صلى إمامه جالسًا، ومن العريان، وإن شئت قلت: مستطيع للقيام من غير مشقة، فلزمه، كما لو لم يكن فيها، ولا يلزم عليه العريان، والمؤتم بالقاعد؛ لأنه يستوي

стр. 828

فيه الأصل والفرع، وكل من لزمه فرض القيام في غير السفينة لزمه في السفينة؛ كما لو كانت (١) مربوطة، ولأنه فعل من أفعال الصلاة، فوجب أن لا يسقط بفعل الصلاة في سفينة سائرة؛ دليله: أفعال الصلاة. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ قال: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم" (٢)، فأثبتها صلاة، ولم يفرق. والجواب: أن هذا محمول على صلاة النافلة؛ بدليل ما تقدم. واحتج: بما رُوي عن ابن سيرين (٣) قال: خرجنا مع أنس بن مالك ﵁ إلى يثق سيرين (٤)، حتى إذا كنا بدجلة (٥)، حضرت الصلاة،

стр. 829

فصلى بنا أنس قاعدًا على بساط السفينة، وإن السفينة لَتُجَرُّ جرًّا، ولو شئنا، لخرجنا إلى الجُدّ (١). وروى أبو يوسف عن حصين (٢) بن عبد الرحمن (٣)، عن مجاهد قال: كنا مع جُنادة (٤) بن أبي أمية في البحر، فكنا نصلي قعودًا نتحرى

стр. 830

القبلة في السفينة (١) (٢). والجواب: أنه يحتمل أن يكون خافوا الغرق، فصلوا جلوسًا، ونحن نجيز ذلك، وقد قال أحمد ﵀ في رواية أحمد بن الحسين ﵀ (٣): يصلي في السفينة قائمًا إلا أن [لا] (٤) يستطيع، أو لعل السفينة تكفأ. وأما حديث أنس ﵁، فظاهره يقتضي أنهم كانوا يأمنون ذلك؛ لأنه قال: كنا نجرُّها جرًا، ولكن يحتمل أن يكون صلى بهم صلاة النافلة. فإن قيل: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أن صلاة النافلة لا تصلى جماعة.

стр. 831

والثاني: قال: (فلما حضرت الصلاة)، وهذا يقتضي الصلاة التي لها وقت، وهي صلاة الفرض. قيل: أما قولك: إن صلاة النافلة لا تصلى جماعة، فغير صحيح؛ لأن عتبان بن مالك ﵁ قال لرسول الله ﷺ : وددت بأنك تأتيني فتصلي في بيتي مكانًا أتخذه مصلًّى، فقال رسول الله ﷺ : "سأفعل"، فغدا عليّ رسول الله ﷺ وأبو بكر بعد ما امتد النهار، فاستأذن عليّ النبي ﷺ ، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: "أين تحب أن أصلي لك من بيتك؟ "، فأشرت إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ ، فكبر، وصففنا وراءه، فركع ركعتين، ثم سلَّم، وسلَّمنا حين سلَّم (١). وروى الدارقطني بإسناده (٢) عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى في بيته سُبْحَة (٣) الضحى، فقاموا وراءه، فصلوا (٤).

стр. 832

وروى أبو بكر بإسناده عن أنس ﵁: أن جدته ﵂ دعت النبي ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال رسول الله ﷺ : "قوموا فلنصلِّ بكم"، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ ، فصففت أنا ويتيم من ورائه، والعجوز من ورائنا (١). وروى ابن عباس ﵄: أنه بات عند خالته ميمونة ﵂، فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمتُ عن يساره، فأدارني عن يمينه (٢). وأما قولهم: إن الخبر يقتضي صلاة لها [وقت] (٣)، فلا يصح أيضًا؛ لأن من التطوع ما هو مؤقت، فإذا دخل وقتها، يقال: حضرت، ألا ترى أن صلاة الضحى لا تصلَّى إلا في الضحى، فإذا دخل وقتها، فقد حضرت صلاة الضحى. واحتج: بأن فرض القيام لم يثبت في الأصول إلا في حال الاستقرار، ألا ترى أن الراكب في الحال التي يجوز فيها الصلاة راكبًا، ليس عليه فيها فرض القيام؛ لأجل عدم الاستقرار؟ فلما جازت الصلاة

стр. 833

في السفينة - وهي سائرة -، دل على أنه ليس فرض القيام إليها، وربما قالوا: كل صلاة جاز أداؤها في حال السير، فإن فرض القيام يسقط فيها في تلك الحال؛ دليله: الصلاة على الراحلة. والجواب: أنا لا نسلم أن القيام لم يثبت في الأصل إلا في حال الاستقرار، بل يثبت في حال القدرة من غير مشقة، ولا متابعة، ولا كشف عورة، والموضع الذي ذكروا من صلاة النافلة، فلم يسقط هناك القيام لعدم الاستقرار، لكن لعدم الفرض، ألا ترى أنه يسقط القيام فيها في حال الاستقرار؟ وها هنا هي صلاة مفروضة. واحتج: بأنه إذا قام في السفينة يدور رأسه، فيكون ذلك عذرًا في ترك القيام. والجواب: أن أبا حنيفة ﵀ (١): لا يعتبر العذر، ولا دوران الرأس، وإنما نحن نعتبر العذر، فلم يصح ما قاله. واحتج: بأن القيام إنما يجب بالشرع، وقد أجمعنا على وجوبه في حال الاستقرار، واختلفنا على وجوبه في حال السير، وليس هناك شرع يوجبه، فلم يجز ادعاء وجوبه. والجواب: أن كل شرع ورد في وجوب القيام في الصلاة الفريضة، فهو عام في سائر الأحوال؛ من حال الاستقرار، وحال السير، فمن ادعى تخصيصه، فإنه يحتاج إلى إقامة دليل، ألا ترى أن وجوب القيام أُخِذَ

стр. 834

من قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وحديث عمران بن حصين ﵁: "صل قائمًا، فإن لم تطق، فجالسًا" (١)، وهذا عام في سائر الأحوال، وعلى أنا قد دللنا على ذلك من وجوه الشرع بحديث جعفر بن محمد ﵄ (٢)، وبالقياس، ثم نقابل هذا الاستصحاب بمثله، فنقول: أجمعنا على أن ذمته قد اشتغلت بفرض الصلاة، فإذا صلاها من قعود، فقد اختلفنا في براءة ذمته، فمن ادعى براءتها بعد اشتغالها وارتهانها، فعليه الدليل، والله أعلم. * * * ١٠١ - مَسْألَة: لا يجوز اقتداء المفترِض بالمتنفِّل، ولا من يصلِّي الظهر بمن يصلِّي العصر في أصح الروايتين: نص عليها في رواية أبي الحارث (٣): في إمام صلى بقوم، وهو ينوي النافلة، ومَنْ خلفَه يريد الفرض؟ لا تجزئهم صلاتهم، وإذا كان الإمام يصلي الظهر، وهو يريد العصر؟ يعيد الصلاة، ولا تجزئه. ونحو

стр. 835

هذا نقل المروذي (١): إذا كان الإمام في صلاة التراويح، والمأموم في الفرض. وكذلك نقل حنبل (٢)، ويوسف بن موسى (٣)، وقال في رواية يوسف بن موسى - وقد ذكر له حديث معاذ ﵁ (٤) -، فقال: قد كنا نسهل فيه، وما يعجبنا، وهذا يدل على رجوعه عن القول بالجواز. وهو قول أبي حنيفة (٥)، ومالك (٦) - رحمهما الله -. وفيه رواية أخرى: يجوز، نص عليها في رواية إسماعيل بن سعيد (٧): لا بأس أن يؤم الرجل القوم في صلاة قد صلاها، وإذا صلَّى

стр. 836

خلف إمام وهو ينوي العصر، والإمام ينوي الظهر، جاز، وقال: مما يقوي حديثَ معاذ: حديثُ النبي ﷺ في صلاة الخوف، صلَّى بطائفتين ركعتين ركعتين (١)، ونحو ذلك نقل صالح (٢)، قال: لا أعلم شيئًا يدفع حديثَ معاذ، وإن ذهب إليه ذاهب، لم أَعِبْه. وبهذا قال الشافعي ﵀ (٣). وجه الرواية الأولة: ما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٤)، والائتمام به: هو: أن يفعل ما يفعل الإمام، فإذا نوى المأموم فرضًا، والإمام نفلًا، فلم يفعل مثل ما فعل، فلا يكون مؤتمًا به. فإن قيل: أراد به: الائتمام في ظاهر أفعاله، ألا ترى أنه قال: "إذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا"؟ قيل له: ظاهره يقتضي الائتمام به في جميع أفعاله، وقوله: "إذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا" تخصيصُ بعضِ ما شمله العموم،

стр. 837

وذلك لا يوجب تخصيصه. فإن قيل: كيف يلزم الائتمام به في النية، وهو لا يعلم بنيته؟ قيل له: المسألة [فيمن] قد علم أن إمامه متنفل، فنوى هو الفرض، واقتدى به، ويدل عليه أيضًا: قوله ﵇: "لا تختلفوا على إمامكم" (١)، وهذا قد اختلف عليه، فوجب أن لا يجزئه، والقياس: أن المصلي إذا افتتح النافلة، ثم ذكر أن عليه فريضة، لم يجز أن يبني عليها فريضة، كذلك إذا كان المأموم في فرض، والإمام في نفل، يجب أن لا يجوز الاقتداء به؛ لأنه يبني فرضًا على تحريمة النفل، وتبين صحة هذا على أصلنا: أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام، وتفسد بفسادها، فلم يصح هذا في حق الإمام، كذلك في حق المأموم، ولأن إمامه متنفل، فلم يصح أن يأتم به للفرض؛ دليله: إذا كان في صلاة الكسوف، واستسقاء، وكل من لم تصح صلاته بنية إمامه لم يصح الاقتداء به؛ دليله: إذا نوى صلاة الجمعة، فإنه لا يجوز أن يقتدي بمن يصلي الظهر؛ لأن نية الظهر لا يؤدى بها الجمعة، فإذا نوى الإمام الظهر، والمأموم الجمعة، لم يصح اقتداؤه، كذلك ها هنا، ولا يلزم عليه المتنفل إذا اقتدى بالمفترض؛ لأن نية الفرض تصح أن يؤدى بها النفل، ألا ترى أن من دخل في صلاة على أنها عليه، ثم تبين أنها ليست عليه، كان له أن يمضي فيها، وتكون له نافلة؟ وكذلك لو أحرم بصلاة الفرض منفردًا، ثم حضر جماعة، فقلبها نفلًا ليدخل في الجماعة، فإنها تكون نفلًا، وإن كان قد

стр. 838

انعقد بنية الفرض (١)، وإذا كانت نية الإمام مما يصح أن يؤدى بها صلاة المأموم، صح اقتداؤه به، ولا يلزم عليه اقتداء المقيم بالمسافر أنه جائز على اختلاف الروايتين؛ لأن نية المسافر يجوز أن يؤدي بها صلاة المقيم، ألا ترى أنه لو دخل في صلاة مسافر، ثم نوى الإقامة، بنى عليها صلاة مقيم؟ ولو أن مسافرًا فاتته صلاة، فاقتدى فيها بمقيم، صح اقتداؤه به؛ لأن نية المقيم يجوز أن يُؤدي بها المسافر، ألا ترى أن المسافر لو صلى بنية التمام، صحت صلاته؟ ولا يلزم عليه إذا صلى الظهر خلف من يصلها قضاءً، فإن فيها روايتين: نقل ابن منصور ﵀ (٢): الجواز؛ لأنه قد تصح صلاته بنية إمامه على وجهٍ، وهو: إذا غلب على ظنه أن الوقت قد خرج، فأحرم بالصلاة ينوي القضاء، فبان أن الوقت باقٍ، فإنه يتم صلاته بتلك النية، ونقل صالح ﵀ (٣): المنع، وهو أصح؛ لأنه لا تصح صلاته بنية إمامه، وهو نية القضاء، ولا يلزم عليه المريض إذا [صلى] (٤) بمرضى الظهر يوم الجمعة، ثم شهد الجمعة، ولم يشهد الجماعة (٥)، كانت صلاته نفلًا له، وفرضًا للقوم؛ لأنها صارت نفلًا للإمام بعد الفراغ من الصلاة، فهو في حال الإمامة تصح صلاته بنية إمامه،

стр. 839

ولا يلزم عليه إذا أدرك الإمام وهو في التشهد؛ لأن أصحابنا ﵏ اختلفوا في ذلك، فالخرقي ﵀ قال (١): ينوي صلاة الظهر. فعلى هذا لا يدخل في العلة بقضاء. وقال أبو إسحاق بن شاقلا ﵀: ينوي الجمعة، وهو المذهب (٢)، فعلى هذا: لا يلزم؛ لأنه تصح صلاته بنية إمامه؛ لأنه حين يدخل معه ينوي الجمعة، وإنما تصير ظهرًا فيما بعد ذلك من طريق الحكم، ولا يلزم عليه إذا أحرم بالجمعة مع الإمام، ثم زُحم عن الركعتين؛ لأن في ذلك روايتين (٣): إحداهما: يبني عليها ظهرًا. والثانية، وهو اختيار أبي بكر الخلال، وأبي [بكر] (٤) عبد العزيز - رحمهما الله -: يبني عليها جمعة. فإن قيل: من يصلي ركعتي الفجر يجوز أن يقتدي فيهما بمن (٥) يصلي الفرض، وإن لم يصح أداؤهما بنية الفرض، فما أنكرتم أيضًا أن

стр. 840

يصح اقتداء من يصلي الفرض بمن يصلي النفل، وإن لم يجز أداء الفرض بنية النفل. قيل له: ركعتا الفجر تطوع، ويجوز أداء التطوع بنية الفرض (١)، وقد بينا ذلك، فجاز اقتداء من يصلي ركعتي الفجر بمن يصلي الفرض، ونية النفل لا يصح أن يؤدّى بها الفرض بحال، فلا يجوز اقتداء من يصلي الفرض بمن يصلي النفل، على أن حنبل ﵀ روى عنه: من صلى ركعتي الفجر في جماعة لا تجزئ صلاة الجماعة من ركعتي الفجر. فإن قيل: يجوز أن يُصلي المتطهر بالماء خلف المتيمم، وإن كانت طهارة الإمام لا تصلح لصلاة المأموم، ولا يؤدى بها، وكذلك صلاة القائم خلف القاعد، وإن كان القعود لا يؤدى به صلاة القادر على القيام، لذلك يجوز أن يصلي الفرض خلف المتنفل، وإن كانت نية صلاة الإمام لا تصلح لنية صلاة المأموم. قيل: لا يمتنع أن يختلفا في الطهارة، والقيام، ولا يختلفا في النية؛ بدليل: صلاة الجمعة، يجوز أن يكون الإمام فيها جالسًا (٢)، والمأموم متوضئًا قائمًا، ولا يجوز أن يصلي الجمعة خلف من يصلي الظهر. فإن قيل: من شرط الجمعة أن تكون مع الإمام، ولا تجوز منفردًا،

стр. 841

فكان من شرطها أن يكون الإمام في صلاة الجمعة، وليس كذلك سائر الصلوات، فإنه ليس من شرط صحتها فعلُها مع الإمام، ويجوز فعلها منفردًا، فلم يكن من شرط صحتها اتفاق النيتين. قيل له: كون الجمعة شرطها إمام، والظهر ليس من شرطها إمام، لا يمنع بناء أحدهما على الآخر عندك، ألا ترى لو خرج وقت الظهر، وهو في الصلاة، بنى الظهر على الجمعة؟ وعلى أن هذا يبطل بصلاة الفرض خلف من يصلي الاستسقاء، والكسوف، لا يصح، وإن لم يكن من شرطها إمام. آخر الجزء السادس عشر من أجزاء المصنف - رحمة الله عليه، وعلى كاتبه ووالديه وجميع المسلمين يا رب العالمين -. واحتج المخالف: بما روى جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ : "كان يصلي بالناس ببطن نخل (١) صلاة الخوف، فصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، ثم جاءت طائفة أخرى، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم" (٢)،

стр. 842

ومعلوم أن الركعتين الأخيرتين كانتا نفلًا للنبي ﷺ وفرضًا للطائفة الثانية، فهذا يدل على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل. والجواب: أنه ليس في الخبر أن النبي ﷺ كان نوى سفرًا تقصر فيه الصلاة، ويجوز أن يقال: إنه كان مقيمًا، وكان فرضه أربع ركعات فصلى بكل طائفة ركعتين، فكانت له أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتان، ثم قضت كل طائفة ركعتين. فإن قيل: ففي الخبر ما يمنع هذا التأويل، وهو أنه صلى بطائفة ركعتين وسلم، وبطائفة أخرى ركعتين وسلم. قيل: يحتمل أن يكون أراد بالسلام التشهد كما في حديث عائشة ﵂ "وفي كل ركعتين فسلم" (١) يعني: فتشهد. فإن قيل: لم يرو أن كل واحدة من الطائفتين قضت ركعتين، ولم

стр. 843

ينقل كما روى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف ركعتين، فكان لهم ركعة ركعة، وللنبي ﷺ ركعتين (١)، ومعلوم أن كل طائفة قضت، وإن لم ينقل إلينا، كذلك هذا، وعلى أنا لو سلمنا أن النبي ﷺ كان مسافرًا، لم يكن في الخبر دلالةٌ على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك في وقت كان يعاد فيه الفرض مرتين في يوم واحد، فكان النبي ﷺ ينوي بالصلاة الثانية فرضًا، والطائفة الثانية أيضًا كذلك. فإن قيل: لم يرو في شيء من الأخبار: أنه كان يعاد الفرض في وقت من الأوقات. قيل له: بلى رُوي في حديث عمرو بن شعيب عن خالد بن أيمن (٢) ﵄ قال: كان أهل العوالي يصلون في منازلهم، ثم يصلون مع

стр. 844

النبي ﷺ ، فنهاهم أن يعيدوا الصلاة في يوم مرتين، قال عمرو: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: صدق (١). ورُوي عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ نهى أن تعاد صلاة في يوم مرتين (٢). فإن قيل: فلو سلمنا لكم إعادة الفرض في ذلك الوقت، لكان السؤال عليكم قائمًا؛ لأن عندكم: أن الثانية كانت (٣) تكون فريضة، والأولى تصير نفلًا، وهي للمأموم فريضة، وهذا يوجب جواز اقتداء المفترض بالمتنفل. قيل له: صلاته في حال اقتداء الفرض فيه كانت مؤداة بنية الفرض،

стр. 845

وإنما كانت تصير نفلًا بعد إعادتها، وذلك لا يغير حكم صلاة المأمومين، ألا ترى أنا نقول في المعذور إذا صلى بقوم الظهر يوم الجمعة، وهم معذورون، ثم شهد الجمعة، ولم يشهد القوم: إن صلاته تصير نفلًا، وصلاة القوم فريضة؟ ولا يغير ذلك حكم صلاة القوم؛ لأنهم حين اقتدوا به كانت صلاته مؤداة بنية الظهر، وإنما خرجت من أن تكون فرضًا له بعد ذلك، فلم يغير حكم صلاة القوم. واحتج أيضًا: بما روى الحسن عن أبي بكرة ﵄: أن النبي ﷺ صلى بالقوم المغربَ ثلاث ركعات، ثم انصرف، وجاء آخرون، فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبي ﷺ ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث (١).
следующие страницы →