← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

فكان من شرطها أن يكون الإمام في صلاة الجمعة، وليس كذلك سائر الصلوات، فإنه ليس من شرط صحتها فعلُها مع الإمام، ويجوز فعلها منفردًا، فلم يكن من شرط صحتها اتفاق النيتين. قيل له: كون الجمعة شرطها إمام، والظهر ليس من شرطها إمام، لا يمنع بناء أحدهما على الآخر عندك، ألا ترى لو خرج وقت الظهر، وهو في الصلاة، بنى الظهر على الجمعة؟ وعلى أن هذا يبطل بصلاة الفرض خلف من يصلي الاستسقاء، والكسوف، لا يصح، وإن لم يكن من شرطها إمام. آخر الجزء السادس عشر من أجزاء المصنف - رحمة الله عليه، وعلى كاتبه ووالديه وجميع المسلمين يا رب العالمين -. واحتج المخالف: بما روى جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ : "كان يصلي بالناس ببطن نخل (١) صلاة الخوف، فصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، ثم جاءت طائفة أخرى، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم" (٢)،

стр. 842

ومعلوم أن الركعتين الأخيرتين كانتا نفلًا للنبي ﷺ وفرضًا للطائفة الثانية، فهذا يدل على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل. والجواب: أنه ليس في الخبر أن النبي ﷺ كان نوى سفرًا تقصر فيه الصلاة، ويجوز أن يقال: إنه كان مقيمًا، وكان فرضه أربع ركعات فصلى بكل طائفة ركعتين، فكانت له أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتان، ثم قضت كل طائفة ركعتين. فإن قيل: ففي الخبر ما يمنع هذا التأويل، وهو أنه صلى بطائفة ركعتين وسلم، وبطائفة أخرى ركعتين وسلم. قيل: يحتمل أن يكون أراد بالسلام التشهد كما في حديث عائشة ﵂ "وفي كل ركعتين فسلم" (١) يعني: فتشهد. فإن قيل: لم يرو أن كل واحدة من الطائفتين قضت ركعتين، ولم

стр. 843

ينقل كما روى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف ركعتين، فكان لهم ركعة ركعة، وللنبي ﷺ ركعتين (١)، ومعلوم أن كل طائفة قضت، وإن لم ينقل إلينا، كذلك هذا، وعلى أنا لو سلمنا أن النبي ﷺ كان مسافرًا، لم يكن في الخبر دلالةٌ على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك في وقت كان يعاد فيه الفرض مرتين في يوم واحد، فكان النبي ﷺ ينوي بالصلاة الثانية فرضًا، والطائفة الثانية أيضًا كذلك. فإن قيل: لم يرو في شيء من الأخبار: أنه كان يعاد الفرض في وقت من الأوقات. قيل له: بلى رُوي في حديث عمرو بن شعيب عن خالد بن أيمن (٢) ﵄ قال: كان أهل العوالي يصلون في منازلهم، ثم يصلون مع

стр. 844

النبي ﷺ ، فنهاهم أن يعيدوا الصلاة في يوم مرتين، قال عمرو: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: صدق (١). ورُوي عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ نهى أن تعاد صلاة في يوم مرتين (٢). فإن قيل: فلو سلمنا لكم إعادة الفرض في ذلك الوقت، لكان السؤال عليكم قائمًا؛ لأن عندكم: أن الثانية كانت (٣) تكون فريضة، والأولى تصير نفلًا، وهي للمأموم فريضة، وهذا يوجب جواز اقتداء المفترض بالمتنفل. قيل له: صلاته في حال اقتداء الفرض فيه كانت مؤداة بنية الفرض،

стр. 845

وإنما كانت تصير نفلًا بعد إعادتها، وذلك لا يغير حكم صلاة المأمومين، ألا ترى أنا نقول في المعذور إذا صلى بقوم الظهر يوم الجمعة، وهم معذورون، ثم شهد الجمعة، ولم يشهد القوم: إن صلاته تصير نفلًا، وصلاة القوم فريضة؟ ولا يغير ذلك حكم صلاة القوم؛ لأنهم حين اقتدوا به كانت صلاته مؤداة بنية الظهر، وإنما خرجت من أن تكون فرضًا له بعد ذلك، فلم يغير حكم صلاة القوم. واحتج أيضًا: بما روى الحسن عن أبي بكرة ﵄: أن النبي ﷺ صلى بالقوم المغربَ ثلاث ركعات، ثم انصرف، وجاء آخرون، فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبي ﷺ ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث (١).

стр. 846

والجواب: أنه لو ثبت هذا الخبر، احتمل أن يكون في الوقت الذي كان يعاد فيه الفرض مرتين. واحتج: بما روى عمرو بن دينار عن جابر ﵄: أن معاذًا ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم ينصرف إلى قومه، فيصلي بهم (١)، فهي له تطوع، ولهم فريضة. والجواب: أن معاذًا ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ النفل، ويصلي بقومه الفرض، والدليل على ذلك: أن قومه شكوه إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! إنا نظل في أعمالنا طول النهار، ثم نصلي خلف معاذ، فيقرأ بالبقرة وآل عمران، فقال النبي ﷺ : "أفتانٌ أنت يا معاذ؟! إما أن تخفف بهم الصلاة، وإما أن تجعل صلاتك معنا" (٢)، فأشار إلى صلاته المعهودة، وصلاته المعهودة هي صلاة الفريضة، فلو كان ما يفعله معاذ خلف النبي ﷺ فريضة له، لما قال له النبي ﷺ : "وإما أن تجعل صلاتك معنا"؛ لأنه كان يجعل صلاته معهم، فدل هذا على صحة ما قلناه، وهو أنه كان يصلي خلف النبي ﷺ نفلًا، ثم يصلي بقومه فرضًا. فإن قيل: قول جابر: ثم ينصرف إلى قومه، فيصلي بهم، وهو له

стр. 847

تطوع، ولهم فريضة (١)، يُبطل ما ذكرت. قيل له: هذه الزيادة غير صحيحة؛ لأن أحمد ﵀ قال في رواية يوسف بن موسى (٢): حديث معاذ أخشى أن لا يكون محفوظًا؛ لأن ابن عيينة يزيد فيه كلامًا لا يقوله أحد (٣)، وعلى أنه يجوز أن يكون جابر قال ذلك ظنًا منه.

стр. 848

فإن قيل: كيف يجوز أن يظن بمعاذ: أنه كان يترك فضيلة أداء الفرض خلف النبي ﷺ ، ويؤدي خلفه النفلَ، ومع قومه [الفرضَ] (١). قيل له: يجوز أن يكون النبي ﷺ أمره أن يؤم قومه، ويصلي بهم الفرض، فكان امتثاله لأمره أفضل من أداء فرضه معه، وعلى أنه لو ثبت أن معاذًا كان يصلي مع النبي ﷺ الفرض، ثم يصلي بقومه بعد ذلك، لم يكن في الخبر دلالة على موضع الخلاف؛ لأنه ليس فيه أن النبي ﷺ علم بذلك، فأقره عليه، وفعلُ الصحابي لا يثبت به حجة، إلا أن يعلم به النبي ﷺ ، فيقره عليه، ألا ترى أن عمر ﵁ قال لرفاعة بن رافع حين أخبره أنهم كانوا يجامعون على عهد رسول الله ﷺ ، ولا يغتسلون إلا بعد الإنزال: أفأخبرتم النبي ﷺ بذلك، فرضيَه (٢)؟ فأخبر أن فعلهم ليس بحجة إلا بعد إقرار النبي ﷺ . ورُوي عن سعد بن وقاص ﵁: أنه قال: كان منا من يرمي بست، ومنا من يرمي بسبع (٣). ولم يكن ذلك حجة؛ لأنه لم يقره النبي ﷺ

стр. 849

عليه، وعلى أنه يحتمل أن يكون ذلك في وقت كان يعاد فيه الفرض مرتين، وهذا جواب شيخنا أبي إسحاق، ذكره في تعاليقه على كتاب العلل. واحتج: بأنهما صلاتان متفقتان في الأفعال، يجوز الانفراد بكل واحد منهما، فجاز أن يؤدي إحداهما خلف الأخرى؛ قياسًا على فرضين متفقتين (١)، أو نفل خلف فرض، وفيه احتراز عن الجمعة خلف من يصلي الفرض؛ لأن الانفراد لا يجوز، ومن الظهر خلف من يصلي صلاة الكسوف، أو صلاة الجنازة؛ لأنهما مختلفتان في الأفعال. والجواب: أن الاتفاق (٢) في الأفعال الظاهرة لا يدل على صحة الاقتداء؛ بدليل: أن صلاة المرأة توافق صلاة الرجل في الأفعال، ولا يدل ذلك على جواز الاقتداء، وكذلك المومئ عندك يؤم القادر على الركوع والسجود، وإن كانا لا يتفقان في الأفعال الظاهرة، وإذا كان الإمام في صلاة المغرب أو الفجر، والمأموم في صلاة العصر، صح عنده، وإن اختلفا في الأفعال، وأما إذا كان الإمام في فرض، والمأموم في نفل،

стр. 850

فالمعنى فيه: أنه بنى أنقص الصلاتين على أكملهما، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه بنى أكمل الصلوات على أنقصهما، فلم يجز؛ كما لو أحرم بالنفل لنفسه، ثم نوى الفرض، ولأن النفل قد يصح أداؤها بنية الفرض، وهذا معدوم في مسألتنا؛ لأن نية الإمام لا تصح أن يؤدَّى بها صلاة المأموم، فأشبه من يصلي الجمعة خلف من يصلي الظهر، ومن يصلي الظهر خلف من يصلي الكسوف. واحتج: بأنه لو سجد الإمام سجدة، ثم قدم مسبوقًا بركعة: أن المقدَّم يفعل هذه السجدة نفلًا، والمأموم فرضًا. والجواب: أنه يفعلها فرضًا بحكم المتابعة، ولو تركها، فسدت صلاته. واحتج: بأنه لو صلى بقوم الظهر يوم الجمعة، ثم شهد الجمعة، ولم يشهد القوم، كانت صلاته نفلًا، وفرضًا للقوم. والجواب: أنا قد أجبنا عن هذا، وهو: أنها إنما صارت نفلًا للإمام بعد الفراغ من الصلاة، وخروجه عن حال الإمامة، وما يطرأ على الإمام بعد الفراغ، وخروجه عن حال الإمامة، مما لو كان موجودًا في حال أدائها، منعَ صحتها، وجوازَ الاقتداء به فيها، فإنه لا يؤثر في صلاة القوم بمشاركتها في حال الاقتداء في الفرض. فإن قيل: فما تقولون في المسبوق إذا أدرك الإمام في الركعة الخامسة، وكان الإمام قد سهى، فصلى خمسًا، هل يعتد بها ركعة؟.

стр. 851

قيل له: لا يعتد بها على فرضه؛ لأنه نافلة في حقه، وقد نص أحمد ﵀ في رواية المروذي (١): في رجل دخل مع الإمام، وقد فاتته ركعة من الظهر، فصلى الإمام خمس ركعات ساهيًا: لا يجزئ هذا الذي فاتته ركعة صلاته، يعيد الصلاة. فقد نص على أنه لا يعتد بالركعة مع الإمام، وقوله: يعيد الصلاة، يعني به: إذا لم يقض هذه الركعة حتى تطاول الفصل، والله أعلم. * * * ١٠٢ - مَسْألَة: لا تصح إمامة الصبي في الفرض، رواية واحدة (٢)، وفي النفل على روايتين: إحداهما: لا تصح أيضًا، وهو أصح: نص عليه في رواية أبي طالب (٣): في غلام لم يحتلم لا يصلي بهم، قيل له: ولا التطوع؟ قال: ولا التطوع، هي صلاة لا يصلي بهم غلام لم يحتلم إلا بإحدى ثلاث، وكذلك نقل جعفر بن محمد (٤) - وقد سئل:

стр. 852

يصلي بهم تطوعا؟ -، قال: لا، حتى يحتلم. والثانية: تصح إمامته في التطوع: نص عليه في رواية حنبل: لا يعجبني أن يصلي بهم الفرض، قال: وكنتُ أصلي بأبي عبد الله في شهر رمضان التراويح، وأنا غلام مراهق، وكان هو يصلي بهم المكتوبة (١)، وبهذا قال مالك ﵀ (٢). وقال أصحاب أبي حنيفة ﵏: لا يؤم في الفرض، ولا في التطوع (٣). وقال أصحاب الشافعي ﵏: يؤم في الفرض والتطوع (٤). فالدلالة على أنه لا تصح إمامته في الفرض: ما رواه أبو بكر النجاد في كتابه قال: نا محمد بن يحيى (٥) قال: .............

стр. 853

نا ضرار بن صرد (١) قال: حدثني يحيى بن يعلى (٢) عن عبد الله بن زيد (٣)، عن حرملة بن موسى (٤)، عن عبد العزيز بن عبد الله القرشي (٥)، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقَدِّموا صبيانكم في صلاتكم، ولا على جنائزكم (٦)؛ فإنهم وُفودُكُم إلى الله " (٧). وروى أبو بكر الأثرم بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: كان

стр. 854

يقول: لا يؤم الغلام حتى يحتلم (١). وروى الأثرم بإسناده عن أبي هاشم الرُّمّاني (٢) قال: قال ابن مسعود ﵁: لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود (٣). فإن قيل: يعارض هذا بما روى عكرمة عن عائشة ﵂: أنها قالت: كنا نأخذ الصبيان من [الكُتّاب] (٤)، فنقدمهم، فيصلون لنا (٥). قيل: هذا وارد في صلاة النفل، وعلى إحدى الروايتين يجوز ما رويناه عن ابن عباس، وابن مسعود ﵃ عامٌّ في الفرض والنفل، وعلى أنه يحتمل أن يكون أراد بالصبيان، يعني: قريبي العهد بالبلوغ، فسمتهم

стр. 855

صبيانًا؛ لقرب عهدهم، ولأن صلاة الصبي تقع نافلة، والمتنفل لا يؤم المفترض على أصلنا، وهذا مبني على ذلك الأصل، ولأن الصغر نقص يؤثر في الشهادة، فأثَّر في الإمامة؛ دليله: الرق يمنع صحة الإمامة في الجمعة، ونقص الأنوثية يمنع صحة الإمامة بالرجال، كذلك يجب أن يؤثر هذا النقص في الإمامة، بل هذا النقص آكد؛ لأنه يمنع التكليف، ونقص الرق، والأنوثية لا يمنع التكليف. واحتج المخالف: بما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله" (١)، ولم يفرق بين الصبي والبالغ. والجواب: أنه محمول على البالغ. واحتج: بما رُوي عن عمرو بن سلمة ﵁: أنه قال: كنت غلامًا حافظًا، فحفظت من ذلك قرآنًا كثيرًا، فانطلق أبي وافدًا إلى رسول الله ﷺ في نفر من قومه، فعلمهم الصلاة، فقال: "يؤمكم أقرؤكم"، وكنت أقرأَهم، فقدموني، فكنت أؤمهم، وعليّ بردةٌ صغيرة، فكنت إذا سجدت، تنكشف عني، فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورةَ قارئكم، فاشتروا لي قميصًا، فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به، فكنت أؤمهم وأنا

стр. 856

ابن سبع سنين، أو ثمان سنين (١)، وروى أبو داود (٢) هذا الحديث، وزاد فيه: قال: فما شَهِدْتُ مَجْمعًا من جَرْم إلا كنتُ إمامَهم، وكنت أُصلِّي على جنائزهم إلى يومنا هذا. والجواب: أن أبا بكر النجاد ذكر في كتابه: قال أحمد ﵀ في إمامة الغلام: لا أقول شيئًا، قيل له: فحديث عمرو بن سلمة؟ قال: دعه، ليس بشيء (٣). وظاهر هذا: أنه حديث ضعيف، ولا يلزم قبوله، وأجاب عنه أحمد ﵀ في حديث (٤) جعفر بن محمد، فقال: كان هذا في أول الإسلام من ضرورة (٥). وجواب آخر: وهو أنه ليس في الخبر أنهم قدموه بأمر النبي ﷺ ، أو علم بذلك، وأقرَّهم، وفعلُهم ذلك لا حجة فيه؛ لأنه ليس معناه أنهم كانوا ممن يُعتد بفعلهم، ولو كانوا أصحابه، لم يكن في فعلهم حجة؛ لأن فعل الصحابي على عهد النبي ﷺ لا يصير حجة إلا أن يقره النبي ﷺ .

стр. 857

فإن قيل: لا يجوز أن يخفى هذا على النبي ﷺ ؛ لأنهم صلوا خلفه سائر صلاتهم، ولأنه (١) قال: ما شهدتُ مجمعًا من جرم إلا كنت إمامهم. قيل له: ويجوز أن لا يعلم النبي ﷺ بذلك؛ لأنهم لم يكونوا معه في المدينة، وإنما كانوا في ناحية منها، وفي بلد آخر، ويحتمل أن يكونوا قدموه في صلاة النفل. واحتج: بأن من صحت إمامته في النفل، صحت إمامته في الفرض؛ دليله: البالغ. والجواب: أنه ليس إذا جاز في النفل جاز في الفرض، ألا ترى أن النفل يجوز ترك القيام فيه، ولا يجوز ذلك في الفرض؟ ولأن النفل غير واجب على البالغ، فجاز أن يكون إمامًا فيه، وليس كذلك ها هنا؛ لأنها صلاة مفروضة، والصبي ليس من أهل الفرض، وإنما هو متطوع بها، وقد بينا أن المتطوع لا يؤم المفترض، ولأن البالغ مفترض، فجاز أن يؤم المفترض، وهذا بخلافه. * فصل: والدلالة على صحة إمامته في النفل خلاف أبي حنيفة ﵀: أن المسألة مبنية على أن للصبي صلاة صحيحة، ويدل عليه ما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر" (٢)،

стр. 858

ولا يجوز أن يؤمر بالصلاة، وهي باطلة، وأيضًا: فإنا قد روينا للمخالف حديث عمرو بن سلمة، وحديث عائشة ﵂، ولا وجه له إلا النفل، ولأنه تصح طهارته، فصحت صلاته كالبالغ، ولأنه لو وقف بالغٌ إلى (١) جنب صبية في الصلاة، بطلت صلاته، وبنى المخالف هذا على أنه ليست له صلاة صحيحة، ودل عليه بأنه غير مكلف، فأشبه المجنون. والجواب: أن المجنون لا تصح طهارته، ولأن المجنونة إذا كانت صبية، فوقفت إلى جنب رجل في الصلاة، لم تبطل صلاة الرجل، والصغيرة إذا وقفت، بطلت صلاته. والله أعلم. * * * ١٠٣ - مَسْألَة: إذا صلى أميّ بقارئ، فسدت صلاة القارئ، ولم تفسد صلاة الأمي: ذكر الخرقي هذا في مختصره (٢)، فقال: وإن أمّ أميٌّ أميًّا وقارئًا، أعاد القارئ وحدَه، وقد أومأ إليه أحمد في رواية المروذي، ويوسف بن موسى: إذا كان يصلي بقوم، ويلحن لحنًا فاحشًا، لا يُصلى خلفه (٣)،

стр. 859

وبه قال مالك ﵀ (١). وقال أبو حنيفة ﵀: تبطل صلاة الأمي، والقارئ جميعًا (٢). وقال الشافعي ﵀: صلاة الأمي صحيحة، وصلاة القارئ قولان: في الجديد: قال: تبطل، وفي القديم: هي (٣) صحيحة (٤). فالدلالة على أن صلاة القارئ باطلة خلافًا للشافعي في أحد القولين: ما روى أبو مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله " (٥)، فأمر بتقديم الأقرأ، فإذا قدم الأمي، خولف الأمر، ودخل تحت النهي، والنهي يقتضي الفساد. وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن الزهري ﵁ (٦) قال: مضت السنَّة: أنه لا يؤم الناسَ من ليس معه (٧) ...............................

стр. 860

من القرآن شيء (١)، فظاهر هذا: أنه أراد سنَّة النبي ﷺ ، ولأن الإمام يتحمل عن المأموم القراءة، على حسب اختلاف الناس في ذلك، فعند أحمد (٢)، ومالك (٣)، وأبي حنيفة (٤) ﵏: يتحمل عنهم في جميع الصلوات، وعند الشافعي ﵀ (٥) في القول القديم (٦): في الصلاة التي يجهر فيها، وفي القول الجديد: إذا أدركه راكعًا، فإن كان أميًا، فليس من أهل التحمل، فلم تصح إمامته، كما أن الحكم لما كان القصد منه الفصل بين الخصوم، والنظر في أحوال الشهود وتزكيتهم، فإذا لم يكن الحاكم من أهل هذه الأشياء، لم ينعقد له الحكم. فإن قيل: أليس لو ائتم بجُنب، ولم يعلم بحاله، فإن ائتمامه يصح، وإن لم يكن من أهل القراءة. قيل له: القياس عندنا: أنه إذا صلى بقوم، وهو محدِث، وذكر بعد فراغه: أن صلاتهم باطلة، ولكن تركنا القياس هناك للأثر، وما استُثني من القياس لا يُلزم بقضاء، ولهذا نقول: لو علم بحدث الإمام في أثناء

стр. 861

الصلاة: إن صلاتهم باطلة. وأجاب عن هذا قوم، فقالوا: الجنب من أهل القراءة في الجملة، وإن لم توجد منه القراءة، فصح الائتمام به؛ كما لو ائتم بقارئ ولم يقرأ، والأمي ليس من أهل القراءة بحال، فلم يصح الائتمام به، وهذا لا يجيء على أصلنا؛ لأن القارئ إذا لم يقرأ، لا تصح إمامته، وإن كان من أهلها، نص عليه أحمد ﵀ في رواية [ابن] مشيش (١): فيمن صلى بقوم ولم يقرأ؟ يعيد ويعيدون، فإن كان جنبًا، يعيد ولا يعيدون، ويمكن أن نجيب نحن بهذا الجواب على وجه آخر: أن الجنب من أهل القراءة في الجملة، وقد أتى بها في هذه الحالة، وإن لم يكن من أهلها، فوجب أن يعتد بها؛ كما قلنا في الجنب إذا خطب، وقرأ في خطبته، فإنه يعتد بذلك، وإن كان ممنوعًا من القراءة في هذه الحال، وأيضًا: فإن القراءة شرط من شرائط الصلاة، فلم يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه؛ دليله: الطهارة، لا يصح اقتداء المتطهر بمن به حدث لا يرقأ؛ كالمستحاضة، ومن به سلس البول، والريح، وقد نص أحمد على هذا في رواية أبي حامد الخفّاف (٢): في الذي يسيل منه الدم الفاحش لا يضبطه: لا يعجبني

стр. 862

أن يؤم الناس، إنما يعذر من نفسه. فإن قيل: المستحاضة، ومن به سلس البول عليه نجاسة، لم يأت ببدل يقوم مقام إزالتها. قيل له: والأمي لم يأت ببدل يقوم مقام القراءة في باب التحمل، وعلى أن هذا المعنى يوجب عليه إعادة الصلاة إذا زال العذر بعد الفراغ من الصلاة، ولا خلاف أنه لا إعادة عليها، فكان يجب أن نقول: تصح إمامتها؛ لصحة الصلاة في حقها، وهذه المسألة مبنية على أن العاجز عن القيام، والركوع، والسجود، والستارة لا تصح إمامته بمن هو قادر عليها. واحتج المخالف: بأن القاعد يؤم القائم، والمتيمم يؤم المتطهر، كذلك لا يمتنع أن يؤم الأمي للقارئ. والجواب: أن القاعد لا يؤم القائم إلا في موضع، وهو إمام الحي إذا كان يرجى برؤه استحسانًا. والقياس: أنه مثل مسألتنا أنه لا يصح، على أن القراءة آكد؛ بدليل: أنها لا تسقط في صلاة النفل، ويسقط القيام فيها، وأما المتيمم، فقد أتى ببدل عن الطهارة، وبدلُ الشيء يقوم مقامه، وهذا لم يأت ببدل الصلاة، ولأن الطهارة لا يتحملها، والقراءة يتحملها، ولأن هذا يلزم عليه من به سلس البول.

стр. 863

فإن قيل: فيجب عليه إذا أتى الأمي ببدل القراءة، وهو: سبحان الله، والحمد لله، أن يصح الاقتداء به، كما يصح اقتداء المتوضئ بالمتيمم؛ لأن البدل يقوم مقامه. قيل: الطهارة لا يتحمل، والقراءة يتحمل. * فصل: والدلالة على أن صلاة الأمي لا تبطل: قوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى" (١)، فيجب أن تحصل للأمي صلاته التي نواها أن يأتم بغيره، والقياس: أن كل من لو ائتم بغيره صحت صلاته، فإذا أمَّه يجب أن يصح؛ كالأمي إذا أمّ أميًّا، والقارئ إذا أمّ قارئًا، والمرأة إذا أمّت امرأة، ولا يلزم عليه المرأة إذا أمت الرجال في صلاة الجمعة، فإن صلاتها تبطل؛ لأنه لا يصح أن يأتم بغيرها في هذه الصلاة، ألا ترى أنه لو تم العدد بامرأة، لم تصح صلاتها؟ فلو صح أن تكون مأمومة في هذه الصلاة، لصحت صلاتها في هذه الحال؛ كسائر الصلوات المفروضات يصح أن تأتم بالرجل، وإنما صحت صلاتها إذا كمل العدد على طريق التبع للرجال، ولأن كل من صحت صلاته إذا صلى منفردًا، فإذا أمّ من لا يجوز أن يكون إمامًا، لم تبطل صلاته بذلك؛ كالمرأة إذا أمت الرجال،

стр. 864

ولأنه لو بطلت صلاته إذا علم بالقارئ خلفه، بطلت، وإن لم يعلم؛ كما لو ترك قراءة نفسه ناسيًا، وقد قال أبو بكر الرازي (١): لا يجب عليه أن يتبع المساجد، كما لا يجب عليه طلب الماء، ولكن إن علم أن معه في المسجد قارئًا، بطلت صلاته، وإن لم يعلم، لم تبطل؛ كما لا تبطل بنسيان الماء في رحله، وقد كان يجب أن يعتبر هذا بقراءة نفسه؛ لأنه نظيره، وفي حكمه، ويدل عليه: أنه لا يجب عليه أن يصلي خلف غيره، إذا كان عالمًا به: بما روى إبراهيم السكسكي (٢) عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، فعلَّمه خمسَ كلمات، فقال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (٣)، ولم يأمره أن يصلي خلف القارئ،

стр. 865

فدل على أنه لا يجب ذلك. واحتج المخالف: بأن الأمي يمكنه أن يقتدي بقارئ، فيؤدي صلاته بقراءة؛ لأن قراءة الإمام قراءة له، فإذا أمكنه ذلك، فلم يفعل، لي تصح صلاته، وإذا لم تصح صلاته، لم تصح للمأموم (١). والجواب: أن هذا تبطل به إذا وجد جماعة في مسجد آخر؛ فإنه قادر على أن يؤدي صلاته بقراءة، ومع هذا، لا يلزمه ذلك، ولأن طهارة الإمام شرط في صحة صلاة المأموم، كما أن قراءة الإمام شرط في صحة صلاة المأموم، فكان يجب على المتوضئ أن يصلي خلف متوضئ؛ لأنه يمكنه ذلك، وقد قال: لا يلزمه، كذلك في مسألتنا. واحتج: بأن القارئ يصح له الدخول في صلاة الأمي؛ لأنهما متساويان في حال الدخول فيها؛ لأن حال الدخول لا يحتاج إلى القراءة، فإذا صح دخوله (٢) في صلاته، لزم الإمامَ حينئذ أن يتحمل القراءة عن القارئ من طريق الحكم، فإذا لم يتحملها، فسدت صلاته؛ كالقارئ إذا ترك القراءة في صلاته، فإذا فسدت صلاته، فسدت صلاة المأموم القارئ.

стр. 866

الجواب: أنه لا يصح أن يلزمه تحمل القراءة عن المأموم، وهو غير قادر عليها، ولا يصح أن يؤمر بها، وإذا لم يلزمه التحمل، لم تبطل صلاته، فلم يترك شيئًا واجبًا. فإن قيل: لا يمتنع أن يكون حكم التكليف قائمًا عليه في فساد صلاته بتركها، وإن لم يصح (١) أن يؤمر بها في هذء الحال؛ كالناسي للقراءة لا يؤمر بها في حال نسيانه، وحكمُ الفرض قائم عليه في باب فساد صلاته بتركها، وكذلك الناسي للركوع والسجود. قيل له: يجوز أن يكون حكم التكليف قائمًا في حال النسيان، ويسقط (٢) في حال العجز؛ بدلالة المصلي في نفسه، أو نسي القراءة، لم يسقط فرضها، ولو عجز عنها، سقط فرضها، وأجزأه، كذلك لا يمتنع أن لا يسقط حكم التكليف في النسيان في حق غيره، ويسقط حكمه في حال العجز، والله أعلم. * * * ١٠٤ - مَسْألَة إذا أحسَّ (٣) الإمام برجل، وهو راكع، استُحِبَّ له انتظارُه،

стр. 867

ما لم يطل على المأمومين: نص على هذا في رواية أبي داود (١)، والأثرم (٢)، وإبراهيم بن الحارث (٢)، فقال: ينتظره ما لم يشق على من خلفه، وقد صرح بالاستحباب في رواية عبد الله - وقد سأله (٣): ينتظرهم أحبُّ إليك أم لا يزيد على ركوعه؟ -، فقال: ينتظرهم ما لم يشق على من خلفه. وللشافعي ﵁ قولان حكاهما (٤): أحدهما: مثل هذا. والثاني: يكره ذلك (٥). وهو قول أبي حنيفة (٦)، ومالك (٧) - رحمهما الله -.

стр. 868

دليلنا: ما رُوي: أن النبي ﷺ انتظر في صلاة الخوف (١)؛ لأجل إدراك الناس فضيلة الجماعة، وهذا تنبيه على غيره. فإن قيل: صلاة الخوف لم تسن في الأصل إلا هكذا. قيل: لا نسلم لك أنه غير مسنون في غيرها من الصلوات، بل هو مشروع لانتظار المأموم ليلحق الجماعة؛ كما هو في صلاة الخوف. فإن قيل: الخبر وارد في صلاة الخوف، ونحن نقول بموجبه فيما ورد فيه، وخلافنا في غيره. قيل: ورود الخبر في صلاة الخوف تنبيهٌ على غيره من الصلوات؛ إذ لا فرق بينهما؛ لأنه ﵇ إنما انتظر في صلاة الخوف؛ ليحصل لهم فضيلة الجماعة، وهذا موجود في غيرها. وأيضًا: روى عصمة بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ صلى الظهر، وقعد في المسجد، إذ دخل رجل يصلي، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجلٌ يقوم فيتصدَّقُ على هذا، فيصلي معه؟ " (٢)، فجعل رسول الله ﷺ سبب إدراكه فضيلةَ الجماعة صدقةً يستحق بها الثواب، ولم يجز أن يقال: إن

стр. 869

القائم إلى الصلاة معه لم يبتغِ بذلك وجه الله تعالى، وإنما ابتغى حقَّ الآدمي، بل كان جامعًا بين أجر العبادة، وأجرِ إدراك أخيه المسلم فضيلةَ الجماعة؛ كذلك الإمام الذي هو في الصلاة، يجوز أن ينتظر أخاه المسلم؛ ليدرك فضيلة الجماعة معه. فإن قيل: هذا الخبر منسوخ؛ لأنه يقتضي إعادة الجماعة في المسجد بعد أن صلِّي فيه الفرض، فهو محمول على الوقت الذي كان يعاد (١) فيه الفرض مرتين. قيل له: لا نسلم أن هذا منسوخ، بل هو جائز، وقد قال أحمد ﵀ في رواية الحسين بن حسان (٢): في قوم جاؤوا إلى المسجد، ولم يجمَّع فيه: ليس لهم أن يجمِّعوا، فإن كان أهله قد جمَّعوا فيه، يجمِّعون، إلا مسجدين: مسجد الحرام، ومسجد المدينة. فقد نص على أن المسجد إذا كان له إمام راتب، كُره عقد الجماعة فيه قبل صلاة الإمام؛ لأنه يؤدي إلى تفريق الكلمة على إمام المسجد، وأن يتحلل الجماعة عنه، ولا يكره ذلك بعد صلاته؛ لأن هذا المعنى معدوم، وكره ذلك في

стр. 870

المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ في إحدى الروايتين (١)؛ لئلا تتفرق الجماعات، والفضيلة تُحصل في توفيرها؛ لأن أهل مكة والمدينة يتوفرون للصلاة في هذين المسجدين دون غيرهما من الأماكن طلبًا لفضيلتهما، والفضلُ في توفر الجماعة الواحدة، وكثرة الجمع فيها، فلو أجزنا تكرر الجماعة، أدى ذلك إلى تقليل الجمع، وتفريقه، فيؤدي إلى فوات تلك الفضيلة، وهذا المعنى لا يوجد في سائر البلاد؛ لأنهم لا يتوفرون على مسجد واحد، وإنما قلنا: إن توفر الجماعة تحصل به فضيلة؛ لما روى أُبَيُّ بن كعب ﵁: أن النبي ﷺ قال: "صلاة المرء مع الرجل أزكى من صلاته وحدَه، وصلاة المرء مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل (٢)، وما كَثُر، فهو أحبُّ إلى الله " (٣)، ولأن كلما كثر الجمع، كان أكثر في التضرع والابتهال والدعاء، ويكون أرجى للإجابة، وإذا كان كذلك، لم يعلم ما ادعوه من النسخ. وأيضًا: بما روى أحمد ﵀ في المسند (٤) بإسناده عن

стр. 871

عبد الله بن أبي أوفى ﵁: أن النبي ﷺ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وَقْعَ قدم (١)، وهذا دليل على جواز الانتظار؛ لأن النبي ﷺ كان يطوِّل الركعة الأولى (٢)؛ ليدرك الناس فضيلة الجماعة. فإن قيل: هذا الخبر متروك؛ لأن السنةَ التسويةُ بين الركعة الأولى، والثانية. قيل: ليس كذلك، بل عند أحمد ﵀ (٣): أن السنة أن يُطيل الأولى من الظهر؛ كما يُطيل في الأولى من الفجر انتظارًا لامرئ يجيء، فلو عرض الانتظار في الركعة الثانية، انتظر كما ينتظر في الأولى، ووجدت في جملة أخبار جمعها (٤) أبو بكر الروشناني (٥) عن جابر بن

стр. 872

عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ كان إذا ركع، فسمع حِسًّا خلفه، لم يرفع رأسه حتى لا يسمع حسًا (١)، وهذا نص، وذكر أبو بكر النجاد في كتابه قال: نا أحمد بن يحيى (٢) قال: نا يحيى بن عبد الحميد (٣) قال: نا شريك عن أبي إسحاق قال: أدركتُ أئمة المساجد من الفقهاء وغيرهم من أصحاب عبد الله، وأصحاب علي ﵃، إذا سمعوا خفق نعل رجل، والإمامُ راكع، انتظروه (٤). وهذا يدل على إجماعهم، ولأنه انتظار على المأموم لإدراك الركعة في ذلك، فلم يكره؛ دليله: انتظاره على الطائفة الثانية في صلاة الخوف، ولأن في ذلك رفقًا بالداخلين، ومعرفةً لحقهم من غير إضرار بالباقين، فلم يكره. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ قال لمعاذ ﵁: "إما أن تخفف بهم الصلاة، وإما أن تجعل الصلاة معنا" (٥)، وإطالةُ الركوع لأجل الداخل ضد التخفيف.

стр. 873

والجواب: أن هذا محمول على الإطالة التي تلحق فيها المشتقة، نحو ما فعل معاذ ﵁؛ بدليل ما ذكرنا. واحتج: بأنه لو لم يكن للداخل، لكان يرفع، فإذا طوّل، فقد فعل جزءًا من الركوع لأجله، وهذا لا يجوز، ولهذا قال أبو حنيفة ﵀ (١): أخاف أن يكون شركًا؛ أي: يكون قد شرك بين الخالق والمخلوق في العبادة. والجواب: أن الركوع لله تعالى، وإن كان يقصد به إدراك المأموم الركعة، وهذا كما أمر النبي ﷺ الرجل أن يصلي مع الذي فاتته الجماعة، فكانت صلاته لله تعالى، وإن كان يقصد أن يدرك صاحبه الجماعة، وكذلك الإمام يرفع صوته إذا كثرت الصفوف واتصلت؛ مثلما يكون يوم الجمعة في الجوامع، ولا يكون شرطًا، وإن كان قصد به الإعلام، كذلك ها هنا، وقد رُوي عن أحمد ﵀ ما يشهد لهذا - ذكره أبو إسحاق في تعاليق كتاب العلل بإسناده - عن أبي بكر المروذي قال: قلت لأحمد: الرجل يدخل [المسجد] (٢)، فيصلي، فيرى فيه قومًا، فيحسن صلاته، هل عليه في ذلك شيء؟ قال: لا، تلك بركة المسلم على المسلم (٣). واحتج: بأن إطالة الركوع لأجل الداخل، فوجب أن يكره، كما لو

стр. 874

أطال على الحاضرين، ولحقهم المشقة. والجواب: أنه إنما يكره ذلك؛ لما فيه من إلحاق الضرر، وها هنا لا ضرر عليهم، وفيه مراعاة لحقه، وتحصيل الجماعة له. واحتج: بأنه لما لم ينتظر في السجود، كذلك في الركوع وما قبله. والجواب: أنه لا فائدة للمأموم في الانتظار في السجود؛ لأنه لا يحتسب به غير فرضه، والله أعلم. * * * ١٠٥ - مَسْألَة: إذا صلى الكافر، حُكم بإسلامه، سواء كان في جماعة، أو فرادى: نص على هذا في رواية ابن مشيش (١)، والأثرم (٢)، وبكر بن محمد (٣)، - واللفظ لبكر -: في يهودي صلى بقوم وهم لا يعلمون: يُجْبر (٤) اليهودي على الإسلام؛ لأنه قد صلى، فإن أبى، استتبته ثلاثًا، فإن تاب، وإلا، ضربت عنقه. فقد حكم بإسلامه، وعلل بأنه قد صلى،

стр. 875

وهذا التعليل يعم الجماعة والفرادى، وقال أيضًا في رواية أحمد بن نصر (١): إذا صلى، وشهد، أجبر على الإسلام (٢). وظاهر هذا: أنه يجبر على ذلك، سواء صلى في جماعة، أو فرادى. وقال أبو حنيفة ﵀ (٣): إن صلى بجماعة، أو في جماعة، حكم بإسلامه، وإن صلى فرادى، لم يحكم بإسلامه. وقال مالك (٤)، والشافعي (٥)، وداود (٦) ﵏: لا يحكم بإسلامه، سواء صلى بجماعة، أو فرادى. فالدلالة على أنه يحكم بإسلامه: ما ذكره شيخنا في كتابه عن المعتمر بن سليمان (٧) عن أبيه (٨)، ........................

стр. 876

عن الحضرمي (١)، عن أبي السوار (٢)، عن جندب ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، [وأكل ذبيحتنا] (٣) فهو المسلم، له ذمةُ الله وذمة رسوله" (٤)، وروي في لفظ آخر: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، له مالنا، وعليه ما علينا" (٥). فإن قيل: هذا لم يصلِّ صلاتنا؛ لأن صلاتنا أن يتقدمها في اعتقاد الإسلام.

стр. 877

قيل له: قول ﵇: "من صلى صلاتنا"، معناه: من صلى مثلَ صلاتنا في الهيئات، والأفعال؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لم يكن للخبر فائدة؛ لأنه إذا تقدمها الإسلام، كان مسلمًا قبل أن يصلي، والنبي ﷺ حكم له بالإسلام إذا صلى، ولأنه لو كان كذلك، لصار تقدير الخبر كأنه قال: "من صلى صلاتنا وهو مسلم"، وهذا لغو في الكلام. فإن قيل: فالنبي ﷺ علق الحكم بإسلامه بالصلاة، وأكلِ الذبيحة جميعًا، وأنتم تعلقونه بفعل الصلاة، ولا تعتبرون الآخر. قيل له: لو خُلِّينا وظاهرَ الخبر، لجعلناهما شرطًا، إلا أنهم لما أجمعوا على سقوط اعتبار أحدهما، أسقطناه، واعتبرنا الآخر، ولم تقم الدلالة على سقوط اعتباره، ومن جهة النظر أنه فعل ما يختص به أهل الإسلام، فوجب أن يكون ظاهره دلالةً على الإسلام؛ كالشهادتين، والتبري من كل دين سوى دين الإسلام، ولا تجب عليه الزكاة، والصيام؛ لأنه لا يختص به أهل الإسلام؛ لأن أهل الذمة يزكون ويتصدقون كما يتصدق المسلمون، ويصومون كما يصوم المسلمون، ولا يلزم عليه الحج؛ لأنا لا نعرف الرواية عن أصحابنا - رحمة الله عليهم -، ولكن إن رأيناه يتجرد في إحرامه كما يتجرد المسلمون، ويطوف بالبيت، فذلك إسلام، وإن رأيناه كذلك في سوق أو غيره، فليس بإسلام؛ لأن هذا الفعل لا يختص به أهل الإسلام، والطواف بالبيت يختص به أهل الإسلام، وكذلك لو أذن في مئذنة، أو حيث يؤذن المسلمون للصلاة، فهو إسلام، وإن كان بحيث لا يؤذن للصلاة، احتمل أن لا يكون إسلامًا؛ لجواز أن

стр. 878

يكون مستهزئًا (١)، أو حاكيًا؛ كما رُوي أن أبا محذورة ﵁ وأصحابه أذَّنوا في طريق حُنين على طريق الحكاية لمؤذن النبي ﷺ (٢) فلم يجعل ذلك إسلامًا منهم. فإن قيل: الصلاة لا تختص شرعنا؛ لأنهم يصلون. قيل له: لا يصلونها على الصفات التي نصليها من ركوع واحد، وسجودين في كل ركعة، والأركان المشروعة فيها، والقبلة التي يتوجه إليها، ولأنه كافر صلى مثل صلاتنا، فوجب أن نحكم بإسلامه؛ كالمرتد إذا صلى في دار الحرب. فإن قيل: لا احتمال هناك، وفي دار الإسلام احتمال أن يكون فعلها تقيَّة. قيل: يبطل بالشهادتين، إذا فعلها في دارنا، يحتمل أن تكون تقية، ونحكم بإسلامه بفعلها، وأيضًا: فإن السِّيما (٣) قد ثبت له حكم في الأصول، ألا ترى أنا إذا رأينا رجلًا عليه زُنَّارًا (٤) ...............

стр. 879

أو عسليًا (١)، فإنا نحكم بكفره في الظاهر، وكذلك قال أحمد ﵀ في رواية علي بن سعيد (٢): في الرجل يوجد مقتولًا في أرض العدو، وقد قطع رأسه، ولا يُدرى من المسلمين أم من العدو، يستدل عليه بالختان والثياب، فإن لم يعرف، لا يصلى عليه. فثبت أن للسيما حكمًا في هذه المواضع في باب الحكم بالإسلام والكفر، كذلك في مسألتنا، وبعضهم ينكر هذا، ولا يسلّمه (٣). واحتج المخالف: بما رُوي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لأبي بكر ﵁: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" (٤)؟ وهذا لم يقل، فوجب أن يكون قتاله مباحًا. وروى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلوا صلاتنا، ويستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، فإذا فعلوا ذلك، حرمت

стр. 880

علينا أموالهم ودماؤهم إلا بحقها، ولهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين" (١). ورُوي: أن [ابن] (٢) عمر ﵁ قال: [قال رسول الله ﷺ ] (٢): "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابُهم على الله تعالى" (٣). وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرُم عليَّ دماؤهم وأموالهم، وحسابُهم على الله تعالى" (٤)، فدل هذا على أن من شرط الإسلام تقديم الشهادتين.
следующие страницы →