← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

عن الحضرمي (١)، عن أبي السوار (٢)، عن جندب ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، [وأكل ذبيحتنا] (٣) فهو المسلم، له ذمةُ الله وذمة رسوله" (٤)، وروي في لفظ آخر: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، له مالنا، وعليه ما علينا" (٥). فإن قيل: هذا لم يصلِّ صلاتنا؛ لأن صلاتنا أن يتقدمها في اعتقاد الإسلام.

стр. 877

قيل له: قول ﵇: "من صلى صلاتنا"، معناه: من صلى مثلَ صلاتنا في الهيئات، والأفعال؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لم يكن للخبر فائدة؛ لأنه إذا تقدمها الإسلام، كان مسلمًا قبل أن يصلي، والنبي ﷺ حكم له بالإسلام إذا صلى، ولأنه لو كان كذلك، لصار تقدير الخبر كأنه قال: "من صلى صلاتنا وهو مسلم"، وهذا لغو في الكلام. فإن قيل: فالنبي ﷺ علق الحكم بإسلامه بالصلاة، وأكلِ الذبيحة جميعًا، وأنتم تعلقونه بفعل الصلاة، ولا تعتبرون الآخر. قيل له: لو خُلِّينا وظاهرَ الخبر، لجعلناهما شرطًا، إلا أنهم لما أجمعوا على سقوط اعتبار أحدهما، أسقطناه، واعتبرنا الآخر، ولم تقم الدلالة على سقوط اعتباره، ومن جهة النظر أنه فعل ما يختص به أهل الإسلام، فوجب أن يكون ظاهره دلالةً على الإسلام؛ كالشهادتين، والتبري من كل دين سوى دين الإسلام، ولا تجب عليه الزكاة، والصيام؛ لأنه لا يختص به أهل الإسلام؛ لأن أهل الذمة يزكون ويتصدقون كما يتصدق المسلمون، ويصومون كما يصوم المسلمون، ولا يلزم عليه الحج؛ لأنا لا نعرف الرواية عن أصحابنا - رحمة الله عليهم -، ولكن إن رأيناه يتجرد في إحرامه كما يتجرد المسلمون، ويطوف بالبيت، فذلك إسلام، وإن رأيناه كذلك في سوق أو غيره، فليس بإسلام؛ لأن هذا الفعل لا يختص به أهل الإسلام، والطواف بالبيت يختص به أهل الإسلام، وكذلك لو أذن في مئذنة، أو حيث يؤذن المسلمون للصلاة، فهو إسلام، وإن كان بحيث لا يؤذن للصلاة، احتمل أن لا يكون إسلامًا؛ لجواز أن

стр. 878

يكون مستهزئًا (١)، أو حاكيًا؛ كما رُوي أن أبا محذورة ﵁ وأصحابه أذَّنوا في طريق حُنين على طريق الحكاية لمؤذن النبي ﷺ (٢) فلم يجعل ذلك إسلامًا منهم. فإن قيل: الصلاة لا تختص شرعنا؛ لأنهم يصلون. قيل له: لا يصلونها على الصفات التي نصليها من ركوع واحد، وسجودين في كل ركعة، والأركان المشروعة فيها، والقبلة التي يتوجه إليها، ولأنه كافر صلى مثل صلاتنا، فوجب أن نحكم بإسلامه؛ كالمرتد إذا صلى في دار الحرب. فإن قيل: لا احتمال هناك، وفي دار الإسلام احتمال أن يكون فعلها تقيَّة. قيل: يبطل بالشهادتين، إذا فعلها في دارنا، يحتمل أن تكون تقية، ونحكم بإسلامه بفعلها، وأيضًا: فإن السِّيما (٣) قد ثبت له حكم في الأصول، ألا ترى أنا إذا رأينا رجلًا عليه زُنَّارًا (٤) ...............

стр. 879

أو عسليًا (١)، فإنا نحكم بكفره في الظاهر، وكذلك قال أحمد ﵀ في رواية علي بن سعيد (٢): في الرجل يوجد مقتولًا في أرض العدو، وقد قطع رأسه، ولا يُدرى من المسلمين أم من العدو، يستدل عليه بالختان والثياب، فإن لم يعرف، لا يصلى عليه. فثبت أن للسيما حكمًا في هذه المواضع في باب الحكم بالإسلام والكفر، كذلك في مسألتنا، وبعضهم ينكر هذا، ولا يسلّمه (٣). واحتج المخالف: بما رُوي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لأبي بكر ﵁: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" (٤)؟ وهذا لم يقل، فوجب أن يكون قتاله مباحًا. وروى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلوا صلاتنا، ويستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، فإذا فعلوا ذلك، حرمت

стр. 880

علينا أموالهم ودماؤهم إلا بحقها، ولهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين" (١). ورُوي: أن [ابن] (٢) عمر ﵁ قال: [قال رسول الله ﷺ ] (٢): "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابُهم على الله تعالى" (٣). وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرُم عليَّ دماؤهم وأموالهم، وحسابُهم على الله تعالى" (٤)، فدل هذا على أن من شرط الإسلام تقديم الشهادتين.

стр. 881

والجواب: أن معناه: حتى يقولوا: لا إله إلا الله، أو ما يقوم مقامه؛ بدلالة ما قدمناه. واحتج: بأنه كافر لم يأت بالشهادتين، فلم نحكم بإسلامه بنفسه، أصله: إذا صام وزكّى، وفيه احتراز من الصبي، إذا حكم بإسلام أحد أبويه؛ لأنه تابع، ولم نحكم بإسلامه بنفسه، وإن شئت قلت: الصلاة من فروع الإسلام؛ لأنه لا تجب إلا بعد الإسلام، فلم نحكم بإسلامه بفعله؛ دليله: ما ذكرنا، وفيه احتراز من الشهادتين؛ لأنها أصل الدين. والجواب: أنه منتقض بما ذكره الشافعي ﵀ في المرتد المكره (١)، وهو أنه قال (٢): إذا شهد شاهدان على رجل أنهما سمعاه يرتد، وقالا: ارتد مُخَلًّى آمِنًا حين ارتد، [كانت] (٣) تلك ردةً، وغُنم ماله إذا مات، وإن قال ورثته: [إنه] (٤) رجع إلى الإسلام، لم يُقبل منهم إلا ببينة، فإن أقاموها أنهم رأوه بعد هذه الشهادة عليه بالردة يصلي صلاة المسلمين، قبلتُ ذلك منهم، وورثتهم ماله، فإن كان هذا في بلاد الإسلام، والمرتد ليس في حال ضرورة، لم أقبل هذا منهم حتى يشهد شاهدان بالتوبة بعد الردة؛ فقد صرح بأن صلاة المرتد في دار الحرب

стр. 882

يحكم بإسلامه بها، وإن صلى في دار الإسلام، لا يحكم بإسلامه، فإذا كان كذلك، كانت العلل منتقضة، وقد قال أبو الطيب (١) الطبري (٢): الصحيح عندي: أنه يجب أن يكون الكافر الأصلي في دار الحرب مثل المرتد، ولا فرق بينهما، فإن احترزوا عن هذا، وقالوا: مقيم في دار الإسلام لم يأت بالشهادتين، فلم يحكم بإسلامه؛ كما لو صام وزكَّى، انتقض بمن لا يُعرف منه كفر متقدم، وقد رأيناه يصلي، فإنه يحكم بإسلامه، وعلى أنه لا تأثير لقولهم: في دار الإسلام في الأصل؛ لأنه لو صام أو زكى في دار الحرب، لم يحكم بإسلامه، فلا معنى لهذا، ثم المعنى في الأصل ما ذكرناه، وهو أنه لا يختص شرعنا، وهذا يختص شرعنا، فهو كالشهادتين. واحتج: بأن الصلاة دلالة على الإسلام، وليس بصريح في الإسلام، وإذا كان في دار الإسلام، احتمل أن يكون قد فعل للتقية، واحتمل أن يكون قد فعل تقربًا وتوددًا إلى المسلمين؛ كما كان أهل الذمة يصومون معهم شهر رمضان تقربًا إليهم، ويصلون على النبي ﷺ ، وما أشبه ذلك،

стр. 883

وهذا كما يقول: إن النبي ﷺ إذا فعل فعلًا لا يدل على الوجوب، احتمل أن يكون فعله ندبًا، أو واجبًا، أو مباحًا، ويخالف هذا: إذا صلى في دار الكفر؛ لأنه قد زال عنه وجوه الاحتمال؛ لأنه لا يحتمل أن يكون تقية، ولا أن يكون تقربًا إلى المسلمين، فاستدل على إسلامه، واعتقاده له، ولا يلزم عليه الشهادتان؛ لأنها صريح، وليست بكناية، فهو كصريح الطلاق وكنايته. والجواب: أنه لا فرق بين الصلاة، وبين الشهادتين؛ لأن الشهادتين إنما هي دلالة على اعتقاده للإيمان؛ لأن الإيمان يحصل باعتقاده، والشهادة دلالة عليه، والصلاة بهذه المثابة دلالة على إيمانه، وقولهم: إن الشهادة صريح، ليس بصحيح من الوجوه التي ذكرنا. فإن قيل: فيقولون (١): إن هذه الصلاة صحيحة أم باطلة؟ قيل: في ظاهر الحكم نحكم بصحتها؛ لأننا قد بينا أنها يستدل بها على إسلام سابق؛ كما قالوا هم في الصلاة في دار الحرب في حق المرتد، ويحمل أمره على الصحة، وأن الإسلام قد سبق، وإن أخبرنا عن حاله، وقال: لم يتقدم هذه الصلاة إسلام، قلنا: هي باطلة؛ لعدم شرطها الذي هو الإيمان، ولكن يلزمه الإيمان، كما قلنا في صلاة المرتد في دار الحرب، إذا قال: لم يسبق مني إيمان، حكم ببطلانها، وحكم بإسلامه، لأننا لا نصدقه في ذلك.

стр. 884

واحتج: بأن كلَّ ما لا يكفر بتركه، لم يحكم بإسلامه بفعله؛ كالطهارة. والجواب: أنا لا نسلم الوصف؛ لأن عندنا: يكفر بتركها، ولا ينتقض بالشهادتين؛ لأنه لا يتركها، وإنما يكفر بجحدها، ويحكم بإسلامه بفعلها، وعلى أن الطهارة لا تختص شرعنا؛ لأن كل أحد يتطهر، ويتنظف، ولأن الطهارة من موانع العبادات. * فصل: والدلالة على أنه إذا صلى منفردًا في غير المسجد، أنه يحكم بإسلامه؛ خلافًا لأبي حنيفة: ما تقدم (١) من قوله ﷺ : "من صلى صلاتنا، فهو مسلم"، ولم يفرق بين أن يصليها منفردًا في غير المسجد، وفي جماعة، ولأن كل صلاة لو صلاها في جماعة، حكم بإسلامه بها، فإذا صلاها منفردًا، حكم بإسلامه. دليله: إذا صلاها في المسجد منفردًا، أو في جماعة (٢). فإن قيل: إذا صلى منفردًا، لم يختص شرعنا؛ لأن أهل الذمة يصلون أيضًا، فأما الصلاة في جماعة، أو في مسجد، فإنه يختص شرعنا. قيل له: إذا صلى منفردًا، صلى كل ركعة منها بسجدتين على قبلتنا، فإن هذا يختص شرعنا، فيجب أن يحكم بإسلامه، وذهب المخالف إلى

стр. 885

هذا السؤال، وقد أجبنا عنه، والله أعلم. * * * ١٠٦ - مَسْألَة: لا تصح إمامة الفاسق، سواء كان فسقه في اعتقاده، أو في أفعاله في أصح الروايتين: وقد نص على المنع من الصلاة خلف الفاسق في عدة مواضع، وصرح بالإعادة في رواية أبي الحارث (١)، فقال: لا تصلِّ (٢) خلف الفاجر، ولا خلف مبتدع، ولا مرجئ، ولا رافضي، ولا فاسق، إلا أن تخافهم (٣)، فتصلي، ثم أعد صلاتك. وقال أيضًا في رواية يعقوب بن بختان (٤): إذا صليت خلف المبتدع، فأعد، قيل له: فتعيد أنت يوم الجمعة؟ قال: نعم. وقال أيضًا في رواية أبي داود (٥) - وقد سئل: إذا صلى خلف رجل، ثم علم أنه يسكر؟ -، قال: يعيد، قال: أيهما صلاته؟ قال: التي صلَّى وحده.

стр. 886

فقد صرح بالإعادة، وبهذا قال مالك ﵀ (١). وقال في كتاب السنة (٢) فيما رواه حرب: والصلاة خلف كل بر وفاجر (٣)، وقال أيضًا في رواية أبي الحارث (٤) - وقد سئل عمن يغتاب الناس هل يصلَّى خلفه؟ -، فقال: لو كان كل من عصى الله لا يصلَّى خلفه، متى كان يقوم الناس (٥) على هذا؟ وظاهر هذا: جواز إمامته، وهو قول أبي حنيفة (٦)، والشافعي (٧) - رحمهما الله -.

стр. 887

والرواية الأولة: أصح، وهي اختيار الخرقي، وأبي بكر عبد العزيز (١)، فقال الخرقي (٢): ومن صلى خلف من يعلن ببدعة، أو بسكر (٣)، أعاد، وقال أبو بكر: وإذا منع العلم أفعاله، بطلت الصلاة خلفه. والدلالة على أنه لا تصح إمامته: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]، فنفى المساواة بينهما، وهذا عام في الإمامة، وغيرها، إلا ما خصه الدليل. فإن قيل: المراد بهذا: الكافر. قيل له: هو عام في الكافر، والمسلم الفاسق، إلا ما خصه الدليل. وأيضًا: روى أبو بكر النجاد في كتابه بإسناده عن مرثد بن عبد الله الغنوي ﵁، - وكان بدريًا - قال: قال رسول الله ﷺ : "إن سرَّكم (٤) أن تقبل صلاتُكم، فليؤمَّكم خيارُكم؛ فإنهم وفدُكم فيما بينكم (٥) وبين

стр. 888

ربكم " (١) وروى النجاد بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله القرشي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقدِّموا سفهاءكم في صلاتكم، ولا على جنائزكم؛ فإنهم وفدكم إلى الله " (٢). وروى النجاد بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليؤمَّكم خيارُكم، وليؤذِّنْ لكم قُرَّاؤكم" (٣). وروى أبو بكر، وشيخنا بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر: "يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا إليه بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصِلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وبكثرة الصدقة في السر والعلانية، تُرزقوا وتُنصروا وتُجبروا … " وذكر الخبر إلى أن قال: "ولا تؤمُّ المرأة

стр. 889

رجلًا، ولا يؤمّن فاجر بَرًّا"، وفي لفظ آخر: "فاسق مؤمنًا، ولا أعرابي مهاجرًا، إلا أن يخاف سيفَه أو سوطه" (١)، فوجه الدلالة: قوله: "لا يؤمّن فاجر برًا"، وفي لفظ آخر: "فاسق مؤمنًا"، والنهي يدل على فساد المنهي عنه. والقياس: أنه لا تصح شهادته لمعنى في دينه، فلا تصح إمامته، دليله: الكافر، وإن شئت قلت: لأنه فاسق في دينه أشبهَ الكافر. فإن قيل: ليس له صلاة صحيحة، وليس كذلك الفاسق؛ لأن له صلاة صحيحة. قيل له: ليس إذا صحت صلاته يجب أن تصح إمامته؛ كالمرأة تصح صلاتها، ولا تصح إمامتها للرجال، والعبد تصح صلاته، ولا تصح إمامته في الجمعة، والأمي تصح صلاته، ولا تصح إمامته، ولأنه نقص (٢) يؤثر في الشهادة مع قدرته على التحمل، فأثر في الإمامة (٣)؛ دليله: نقص الأنوثية، والرق، ويؤثر في إمامة الرجال، وفي إمامة الجمعة؛ ولا يلزم

стр. 890

عليه العمى؛ لقولنا: مع قدرته على التحمل، ولأن الإمامة يتعدى حكمها إلى غيره، ولا تصح من الكافر، فكان من شرطها العدالة؛ كالشهادة، ولا يلزم عليه في حق نفسه؛ لأنها لا يتعدى حكمها، ولا يلزم عليه البيع، والوكالة؛ لأنه من الكافر تصح. فإن قيل: إنما لم تصح شهادة الفاسق؛ لأنه متهم في الشهادة بالزور ليجر إلى نفسه نفعًا بذلك، فهو غير متهم في باب الإمامة؛ لأنه لا يقع له في أن يصلي بغير طهارة، فلهذا المعنى لم يؤثر في إمامته ذلك. قيل له: يبطل بأخبار الديانات، والشهادة على رؤية الهلال، فإن الفسق ينافيهما، وإن لم تلحق التهمة، ولأنه قد يُتهم، يصلي بالناس ليستر على نفسه الفسق لتقبل شهادته، ويظن الناس قد رجع عما كان عليه، ولأنه يقصد إفساد صلاة غيره؛ لعلمه أنهم يردون شهادته وإمامته، ولأن من لا ينزع (١) عن الزنا وشرب الخمر لا ينزع عن أن يكون الخمر في ثيابه وفي فمه (٢)، فالتهمة تلحقه في ذلك، فلا فرق بينهما، ولأنها إحدى الإمامتين، فنافاها الفسق؛ دليله: إمامة الكبرى، وليس لهم أن يقولوا: بل أكمل، ألا ترى أنه يعتبر فيها النسب، والذكورية، والحرية، والفقه؟ لأنه ليس يمتنع أن لا تعتبر هذه الشرائط في الإمامة في الصلاة، ويعتبر فيها العدالة؛ كالشهادة لا يعتبر فيها هذه الأشياء، ويعتبر فيها

стр. 891

العدالة، وكذلك أخبار الديانات، ولأنه ائتم بفاسق، فلم يصح الاقتداء به، كما لو لم يقرأ خلفه، وليس لهم أن يقولوا به لو كان عدلًا لم يصح الاقتداء به إذا لم يقرأ؛ لأنا لا نسلم لهم هذا، بل نقول: يصح الاقتداء به، فسقط هذا، ولا يلزم على هذا إذا ائتم فاسق بفاسق؛ لأنا لا نعرف الرواية، ولا يمتنع أن نقول: لا يصح؛ بخلاف الأمي يصح أن يؤم أميًا مثله، وكذلك المحدِث؛ لأن الأمي والمحدث لا يمكنه رفع ما هو عليه من النقص، والفاسق يمكنه رفع فسقه في الحال بالتوبة (١)، ولهذا المعنى قلنا: لا يجوز للمسافر سفر معصية أن يأكل الميتة، وإن كان سبب إباحتها الضرورة، وليس ذلك بمعصية؛ لأن السفر سبب في تلك الضرورة، ويمكنه قطعه بفسخ النية. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" (٢)، وهذا عام في العدل، والفاسق. والجواب: أن الفاسق لا يدخل تحت هذا؛ لأن الكلام خرج من النبي ﷺ مخرج الحث، والترغيب في الفضل، ومعلوم أن الفاسق لا يجب على أحد تقديمه، ولا يُرغب فيه؛ لأن عندهم تكره إمامته. واحتج: بقوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٣)، والائتمام ممكن، فيجب أن تصح إمامته.

стр. 892

والجواب: أن المراد بهذا الخبر: بيان تلك الاختلاف (١) على الإمام، ألا ترى أنه قال: "إذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" (٢)، ولم يقصد بيان من تجوز إمامته؟ وعلى أنا نحمله على العدل؛ بدليل ما ذكرنا. واحتج: بما روى أبو بكر في كتاب الجمعة بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله" (٣). والجواب: أنا نحمل ذلك على العدل منهم، أو نحمل قوله: "صلوا خلف من قال"، بمعنى: صلوا على من قال: لا إله إلا الله؛ لأن حروف الصفات ينوب بعضها عن بعض، وقد ورد هذا مفسرًا في حديث آخر، فروى أبو بكر في كتاب الجنائز بإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا على من قال: لا إله إلا الله" (٤).

стр. 893

واحتج: بما روى الدارقطني بإسناده (١) عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره (٢)، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا فيما وافق الحق، وصلوا وراءهم". والجواب: أن هذا لا يصح، وقد قال يعقوب بن بختان: سئل أحمد ﵀ عن هذا الحديث: "الصلاة خلف كل بر وفاجر" (٣)، فقال: ما سمعنا بهذا (٤). ولو صح، فتأويله ما تقدم من أن المراد به: صلِّ على [كل] (٥) بر وفاجر، وقد قيل: المراد به: صلاة الجمعة، ويعيد الصلاة. واحتج: بأنه إجماع الصحابة، والتابعين ﵃، فروي عن ابن عمر، وأنس ﵃: أنهم كانوا يصلون خلف الحجاج (٦).

стр. 894

وروى جعفر بن محمد [عن أبيه] (١): أن الحسن والحسين ﵄ كانا يصليان خلف مروان (٢)، قال: فقالا: ما كانا يصليان إذا رجعا إلى منازلهما، فقال: لا والله! ما كانا يزيدان على صلاة الأئمة (٣). والجواب: أنه قد رُوي عن ابن عمر ﵄: أن صلى خلف

стр. 895

الحجاج، وأعاد (١). وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن حبيب بن عمر (٢) قال: حدثني أبي (٣) قال: سألت واثلة بن الأسقع ﵁ عن الصلاة خلف القدري؟ فقال: لا تصل خلفه، ولو صليتُ خلفه، أعدتُ صلاتي (٤). وإذا كان كذلك، احتمل أن تكون صلاتهم تقية، وأعادوها، ويبين صحة هذا: أنه قيل للقاسم بن محمد ﵀: أنت تنهى عن الصلاة خلفهم وتصلي؟ فقال: أنا إذا تأخرت، قيل: تأخر القاسم، وأنت فلا تعرف (٥). وهذا يدل على أن حضوره كان تقية، وتأولوا في ذلك ما روى أبو

стр. 896

ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر! كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة؟ "، قال: قلت: يا رسول الله! فما تأمرني؟ قال: "تصلي الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فصلها، فإنها لك نافلة" (١)، وقد تأول أحمد ﵀ هذا الحديث في حضور الجمعة في رواية المروذي (٢)، وقد سئل: إيش الحجة في يوم الجمعة أن أحضر وأنا أعتقد أن أعيد؟ فاحتج: بحديث النبي ﷺ : "يكون عليكم أمراء" (١). واحتج: بأن كل من صحت صلاته صحت إمامته؛ كالعدل. والجواب: أنه لا يمتنع أن تصح صلاته، ولا تصح إمامته؛ كالمرأة تصح صلاتها، ولا تصح إمامتها؛ كالمرأة بالرجل، والعبد تصح صلاته الجمعة مأمومًا، ولا تصح إمامًا، وكذلك الأمي، وكذلك الفاسق يصح أن يلي في ماله، ولا يصح أن يلي في مال غيره، وكذلك يقبل في النكاح لنفسه، ولا يزوج غيره، وأما العدل، فتصح شهادته، وليس كذلك ها هنا، لا (٣) تصح شهادته لمعنى في دينه، أشبه الكافر. واحتج: بأن كل من انعقدت به الجمعة، صحت إمامته؛ كالعدل، ومعناه: أنه لو كان واحدًا من العدد فاسقًا، صحت الجمعة، كذلك

стр. 897

إذا كان إمامًا. والجواب: أنه ليس إذا انعقدت به الجمعة جاز أن يكون إمامًا؛ بدليل: أن المرأة تنعقد بها جماعة الرجل، وكذلك الأمي تنعقد به الجمعة، ومع هذا، فلا يصح أن يكون إمامًا فيها، وأما العدل، فقد أجبنا عنه. واحتج: بأن من جاز أن يكون إمامًا في الجمعة، جاز أن يكون إمامًا في غيرها؛ دليله: العدل. [والجواب] (١): أن في ذلك روايتين: إحداهما: تنعقد، نص عليه في رسالته (٢) التي رواها عبدوس بن مالك العطار، فقال: ودفع الصدقات إليهم جائزة، برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفه جائزة، ومن أعادها، فهو مبتدع (٣). وفيه رواية أخرى: لا تنعقد إمامته في الجمعة، بل يتبع فيها، ويعقد الصلاة (٤)، وقد نص أحمد على هذا في مواضع: في رواية يعقوب بن بختان (٥)، والمروذي (٦)، وغير ذلك. وقال في رواية بكر بن محمد

стр. 898

عن أبيه (١) عنه: أنا أصلي الجمعة، ثم أقوم فأصلي الظهر أربعًا، فإن كانت تلك الصلاة فرضًا، فلا تضر صلاتي، وإن لم تكن، كان تلك الصلاة ظهرًا أربعًا، وكذلك روى عنه أبو طالب (٢) - وقد سأله: أيما أحبُّ إليك: أصلي قبل الصلاة، أو بعدها؟ -، فقال: بعد الصلاة، ولا أُصلي قبل. وقال أيضًا في رواية الفضل بن زياد (٣): لا يصلَّى خلف الجهمي، إلا أن تكون الجمعة، فإذا صليت خلفه، فأعد الصلاة. فقد نص على اتباعهم؛ للخبر الذي رواه أبو ذر ﵁ (٤). ولأن الجمعة من أعلام الدين الظاهرة، وتختص بإمام، فلم يتركها؛ لئلا يؤدي إلى تعطيلها، ويعيد الصلاة؛ لأن الفرض لم يسقط بها، ويفعل الظهر بعد صلاة الجمعة، إلا أنه إذا صلى الظهر قبل الجمعة، وقع الفرض مختلفًا في صحته؛ لأن من الناس [من] يرى جواز إمامة الفاسق، فيؤدي إلى أن يصلي الظهر مع قدرته على الجمعة، فإذا صلى الفوات، خرج من الخلاف، والله أعلم. * * *

стр. 899

١٠٧ - مَسْألَة: القارئ أولى بالإمامة من الفقيه، وهو أن يكون أحدهما يحسن جميع القرآن، ومن الفقه ما يتعلق بأحكام الصلاة، والآخر يحسن من القرآن ما يجزئ به الصلاة، ومن الفقه شيئًا كثيرًا: نص عليه في رواية صالح (١)، وعبد الله (٢): في رجلين: أحدُهما: حافظ القرآن، ولا فقه له، والآخر ليس بحافظ، وهو فقيه؟ قال: يؤمهم أقرؤهم للقرآن (٣). وقال أبو حنيفة (٤)، ومالك (٥)، والشافعي (٦) ﵃: الفقيه أولى. دليلنا: ما روى أبو بكر في كتابه باسناده عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمُهم بالسنة، فإن كانوا بالسنة سواء، فأقدَمُهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأكبرُهم سنًا" (٧)، وهذا نص.

стр. 900

فإن قيل: محمول على أنهم تساووا في الفقه، وانفرد بعضهم بالقرآن؛ لأن القوم كانوا يتعلمون القرآن بأحكامه. قيل له: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أن هذا الكلام لم يخرج مخرج المواجهة للصحابة ﵃، وإنما هو خطاب عامٌّ لهم ولغيرهم. والثاني: أنه رتب، فقال ﵇: "فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة"، فعلم أن أول الخبر لم يقتض مساواتهم في الفقه. وأيضًا: روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليؤذِّنْ لكم خيارُكم، وليؤمَّكُم أقرؤكم" (١). وروى أيضًا باسناده عن عمرو بن سلمة ﵁ قال: كنا بحاضر يمرُّ بنا الناس إذا أتوا النبيَّ ﷺ ، فكانوا إذا مروا بنا، فأخبرونا أن رسول الله ﷺ قال: كذا، وكنت غلامًا حافظًا، فحفظت من ذلك قرآنًا كثيرًا، فانطلق أبي وافدًا إلى رسول الله ﷺ في نفر من قومه، فعلَّمهم الصلاة، وقال: "يؤمُّكم أقرؤكم"، فكنت أقرأهم؛ لما كنت أحفظ، فقدَّموني، فكنت أؤمهم وعليَّ بردةٌ … الخبر (٢). وروى أيضًا بإسناده عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ : "إذا كانوا

стр. 901

ثلاثة، فليؤمَّهم أحدُهم، وأحقُّهم بالإمامة أقرؤهم" (١). وروى أيضًا بإسناده عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله " (٢). ولأنه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -. روى النجاد بإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين، وأصحابَ رسول الله ﷺ من الأنصار ﵃ في مسجد قباء، منهم (٣): أبو بكر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة ﵃ (٤). وروى بإسناده في لفظ آخر عن نافع، عن ابن عمر ﵃ قال: لما قدم المهاجرون، نزلوا العقبة قبل مقدَم رسول الله ﷺ ، وكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم (٥) قرآنًا، وفيهم عمر بن الخطاب،

стр. 902

وأبو سلمة بن عبد الأسد (١) ﵃ (٢). وأيضًا: فإن القارئ ساوى الفقيه في معرفة ما يلزم فعله من أركان الصلاة، وانفرد بزيادة القراءة، وتلك الزيادة يؤتى بها في الصلاة على وجه الاستحباب؛ لأن ما زاد على القادر مستحب، والفقيه انفرد بمعرفة أحكام السهو إذا طرأ عليه، وذلك المعنى غير متحقق وجوده؛ لأنه يمكنه أن يتحفظ منه، وكثير ممن لا يسهو، فيجب أن يحمل أمره على السلامة، فكانت مزية القارئ أولى؛ لأنه قد يحتاج إليها لا محالة، وتلك المزية لا يحتاج إليها، فعلى هذا: إذا كان أقرأ من غيره، قُدِّم، سواء كان يختم القرآن، أو لا يختمه بعد أن يزيد على غيره في الحفظ، ولأن الفقه ليس بشرط في صحة الصلاة، فلا يتقدم على القارئ، أصله: الشرف، والسن. واحتج المخالف: بما روى النجاد بإسناده عن عقبة بن عامر (٣) ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "ليؤم القومَ أعلمُهم بالسنة، فإن كانوا في السنة

стр. 903

سواء، فأقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا سواء، فأقدمهم سنًا، ولا يؤم أحدًا في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه" (١). والجواب: أن أبا بكر عبد العزيز روى بإسناده عن عقبة بن عامر (٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن، وأقرؤكم لكتاب الله، فإن كانت القراءة واحدة، فأقدمكم هجرة، فإن كانت الهجرة واحدة، فأقدمكم سنًا" (٢)، وإذا اختلف لفظ الحديث، كان ما رويناه أولى؛ لأنه يعضده حديث أبي مسعود، وغيره من الأخبار التي ذكرناها، ويعضده إجماع الصحابة. واحتج: بأن الصلاة تنوب فيها أحوال من ترك مفروض، ومسنون، ومستحب، وسهو، فيحتاج الإمام أن يكون فقيهًا؛ ليعرف كيف يتخلص من ذلك. والجواب: أنا قد بينا أن ما يطرأ من السهو مظنون، وفضيلة القراءة

стр. 904

متحققة، فكان المتحقق أولى، والله أعلم. * * * ١٠٨ - مَسْألَة: إذا افتتح الصلاة منفردًا، ثم ائتم بغيره، فسدت صلاته في أصح الروايتين: نص عليها في رواية حنبل (١): في رجل دخل المسجد، فصلى ركعتين أو ثلاثًا ينوي الظهر أو العصر، ثم جاء مؤذن فأذن وأقام: لم يدخل معهم، فإن دخل معهم في الصلاة، لم تجزئه حتى ينوي بها الصلاة مع الإمام ابتداء الفرض (٢). وبهذا قال أبو حنيفة (٣)، ومالك - رحمهما الله - (٤). وعنه رواية أخرى: تجزئه، وتصح صلاته، نص عليه في رواية بكر بن محمد عن أبيه، عنه (٥): إذا صلى ركعتين من فرض، ثم أقيمت الصلاة، فإن شاء دخل مع الإمام، فإذا صلى ركعتين، سلم، وأعجبُ

стр. 905

إليَّ أن يقطع الصلاة، ويدخل (١) مع الإمام (٢). فظاهر هذا جوازُ ذلك. واختلف أصحاب الشافعي في تحصيل مذهبه (٣)، فقال المزني (٤): إن ائتم به قبل أن يركع، أجزأه، وإن ائتم به بعد أن ركع، لم يجزئه، ومنهم من قال: قبل الركوع قولان، وبعد الركوع قول واحد: لا يجوز. دليلنا: ما رُوي عن النبي ﷺ قال: "لا تختلفوا على إمامكم" (٥)، وهذا قد اختلف عليه حين كبّر قبله، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ولأن تحريمته سبقت تحريمة الإمام، فلم يصح ائتمامه به؛ كما لو أراد أن يدخل مع الإمام في الصلاة، فكبر قبله، وقال لي أبو بكر الشامي (٦): في هذا الأصل قولان كمسألتنا، ولا فرق بينهما، وقال: هذا منصوص

стр. 906

لنا، وعلى أنه ينتقض بالمسبوق بثلاث ركعات إذا استخلف، فإنه يصلي بهم ما بقي عليهم، وإن كان تحريم المأمومين قد سبقت تحريمته، ولأنه ركن سبق به الإمام، فلم يعتد له به من غير عذر، أصله: من فرغ من ركوعه قبل إمامه، تبين صحة هذا: أن التكبير آكد؛ لأنه يدخل به في الصلاة، والركوع يدخل في إثباتها، ولا يلزم عليه إذا استخلف مسبوقًا أنه يصير إمامًا له وقد سبقه بأركان، هناك عُذر في الاستخلاف. وقيل: إن صلاة المنفرد مخالفة لصلاة المأموم؛ لأن المنفرد يلزمه حكم سهوه، والمأموم لا يلزمه حكم سهوه، ويلزمه حكم سهو غيره، والمنفرد لا يلحق فساد صلاته من جهة غيره، والمأموم تلحق فساد صلاته تارة من جهته، وتارة من جهة غيره - وهو الإمام - أخرى، وإذا ثبت اختلاف الصلاتين، قلنا: إذا افتتح الصلاة منفردًا، فقد انعقدت صلاته على صفة من الصفات، وجهة من الجهات، فلم يجز له أن يصرفها بنية إلى جهة أخرى مخالفة لها؛ كما لو افتتح صلاة الجمعة، لم يجز له أن يصرفها بنيته إلى الظهر، وكذلك لو افتتح الظهر، لم يجز له أن يصرفها إلى الجمعة، والنفل إلى الفرض، وهذا ينتقض على أصلنا بالمسافر، له أن يصرف صلاته من الجهة التي انعقدت عليها إلى جهة أخرى مخالفة لها؛ بأن يجعلها صلاة مقيم، وإن كانا مختلفين، وكذلك المستخلف يصرف صلاته عن الجهة التي انعقدت، وهي كونه مأمومًا إلى جهة أخرى مخالفة لها، وهي كونه إمامه، وكذلك المفترض له صرفها إلى النفل - وهي جهة أخرى - إذا حضرت جماعة، وكان قد أحرم بها منفردًا،

стр. 907

يصيّرها نافلة، ويسلِّم؛ ليدخل معهم في الفرض، ولكن يمكن أن يقال: أحرم بالصلاة الفرض منفردًا، فلم يجز له صرفها إلى الجماعة، أو نقول: فلم يصح أن يصير مأمومًا فيها؛ دليله: إذا أحرم منفردًا، ثم قلبها إلى الجمعة، فصار مأمومًا. فإن قيل: إنما لم يصح ذلك في الجمعة؛ لأن من شرط الإحرام وجودَ الجماعة في عدد مخصوص، وهذا معدوم في غيرها. قيل له: الظهر والعصر ليس من سر الإحرام بها الجماعة، ولا يصح بناء إحداهما على الأخرى، وعلى أن كون الجماعة شرطًا لا يمنع أن يكون منفردًا في بعضها؛ كآخرها، وهو المسبوق بركعة. فإن قيل: إنما لم يجز أن يبني الظهر على صلاة الجمعة؛ لأنه ينقل الكاملة - وهي الظهر - إلى الناقصة في عدد الركعات - وهي الجمعة -، فلهذا لم يجز، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه ينقل الناقصة - وهي الانفراد - إلى الكاملة - وهي الجماعة -، فلهذا جاز، ألا ترى أن المسافر: يجوز له أن ينقل صلاة السفر - وهي الناقصة - إلى التامة - وهي صلاة الحضر -، ولا يجوز له نقل الإتمام إلى القصر؛ لنقصانها، ولهذا نقول في العبد، والمرأة، والمسافر: إذا أحرموا بالجمعة خلف الإمام، جاز لهم نقلها إلى الظهر؛ لأنه نقل من نقصان إلى تمام، وأما الظهر، والعصر، فإنهما صلاتان مختلفتان، فلهذا لم يجز صرف إحداهما إلى الأخرى، وليس كذلك ها هنا؛ لأنها صلاة واحدة، فلهذا جاز بناء إحداهما على الأخرى.

стр. 908

قيل له: فإذا بنى الفرض على نية النفل، نقل الناقص - وهي النفل - إلى الكامل - وهي الفرض -، ولا يجوز، وكذلك إذا بنى الجمعة على نية الظهر مع بقاء الوقت، لم يجز، وإن كان قد نقل الناقصة في عدد الركعات إلى الكاملة، وهي الظهر، ولأنه لو بنى الظهر على العصر، أو العصر على الظهر، لم يجز، وإن كانا سواء في الكمال، فلم يصح هذا، وأما قوله: إن الظهر والعصر صلاتان مختلفتان، فقد بينا أن الجماعة، والانفراد مختلفان في الأحكام أيضًا، فلا فرق بينهما. فإن قيل: إحدى الصلاتين لا يجوز أداؤها بنية الأخرى، فإذا صرف إحداهما إلى الأخرى، بطلت نية الأولى، ولم تحصل نية الأخرى، ومن شرط النية: أن تحصل من أولها، فتبطل صلاته، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن نية الجماعة والانفراد واحدة، فلم يضره أن يبتدئها جماعة، ثم ينفرد عنها. قيل له: قد يجوز أداء النافلة بنية الفرض، ألا ترى أنه لو دخل في صلاة على أنها عليه، ثم تبين أنها ليست عليه، صارت تطوعًا، وله أن يؤديها بتلك النية؟ وكذلك يجوز أداء الظهر بنية الجمعة عند مخالفنا؛ مثل: أن يخرج الوقت وهو في الجمعة: أنه يصلي الظهر بتلك النية، فبطل ما قاله. واحتج المخالف: بما رُوي: أن النبي ﷺ افتتح بالناس الصلاة، ثم ذكر أنه جنب، فقال: "على رِسْلِكم"، ودخل منزله فاغتسل، ثم خرج

стр. 909

ورأسه يقطر ماء، وصلى بهم (١)، فوجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ افتتح بهم الصلاة وهو جنب، فلم تنعقد، وانعقدت صلاةُ القوم، وكانوا منفردين، ثم جاء واستأنف التكبير، وصلى بهم. والجواب: أنا قد بينا - فيما تقدم - (٢) أن القوم لم يكونوا قد كبروا، على أن مخالفنا يقول: إذا كان الإمام حاضرًا، وكبر القوم، واقتدوا به، ثم كبر الإمام بعد ذلك: أنه لا يصح اقتداؤهم به؛ لأنهم قد اقتدوا بمن ليس في الصلاة، فكيف يحتج بهذا الخبر في مسألتنا؟ واحتج: بأن النبي ﷺ أمر أبا بكر ﵁ ليصلي بالناس، فتقدَّم وكَبَّر، ثم وجد خفَّة، فخرج وتقدم، فصار النبي ﷺ إمامًا، [و] أبو بكر ﵁ مأمومًا (٣)، وكذلك القوم، وقد كان سبق تكبيرُهم تكبيرَ النبي ﷺ ، ومع ذلك، فقد اقتدوا به. والجواب: أن القوم كبروا بتكبير الإمام، ثم خرج الإمام عن الإمامة بعذر، وهو خروج النبي ﷺ ، فجاز لأبي بكر ﵁ والقوم أن يقتدوا؛ كما نقول في الإمام إذا افتتح بالناس الصلاة، ثم سبقه الحدث، فاستخلف رجلًا من القوم: أن لهم أن يقتدوا به على إحدى الروايتين، فإذا كان كذلك، قلنا بموجبه، ولم يكن فيه دلالة على موضع الخلاف.

стр. 910

فإن قيل: فأي عذر هناك، وقد كان يجوز للنبي ﷺ أن يصلي وراء أمته، وقد صلى وراء عبد الرحمن بن عوف ﵁ (١)؟ قيل له: العذر كان في حق أبي بكر ﵁ الذي كان إمامًا، ولم نقل: إن العذر في حق النبي ﷺ ، وذلك أن خروج النبي ﷺ كان عذرًا في حق أبي بكر، وهو امتناعه من التقدم على النبي ﷺ ، ولهذا قال: لم يكن لابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله، فأقره النبي ﷺ على ذلك (٢). واحتج: بأن للصلاة طرفين: الابتداء، والانتهاء، ثم جاز أن تكون صلاته في الطرف الأول في جماعة، وفي الطرف الثاني منفردًا، وهو أن يفتتح الصلاة خلف الإمام، وقد سبقه بركعة، ففرغ الإمام قبله: أنه يقضي الركعة وحده، كذلك يجوز أن يكون في الطرف الآخر، وهو الأول: منفردًا، وفي الثاني: جماعة. والجواب: أنا نسوي بين الطرف الثاني، وبين الطرف الأول في الحكم الذي تنازعنا فيه؛ لأن الخلاف فيمن افتتح (٣) الصلاة منفردًا، ثم

стр. 911

يصرفها بنيته عن الجماعة التي انعقدت عليها، فينفرد بها عن الإمام لغير عذر: أن صلاته تفسد أيضًا، فأما إذا كان مسبوقًا بركعة، فصار منفردًا بعد فراغ الإمام، فليست هذه من مسألتنا في شيء؛ لأن صلاته انقلبت في الثاني عن الجهة التي انعقدت في الابتداء إلى جهة أخرى مخالفة لها من طريق الحكم، وهذا لا يدل على جواز نقلها بنيته عن الجهة التي انعقدت إلى جهة أخرى مخالفة لها من طريق الحكم، ألا ترى أن من افتتح الجمعة جاز أن تصير صلاته في الثاني ظهرًا عند مخالفنا من طريق الحكم، وهو أن يخرج الوقت، فيبني الظهر على تحريمة الجمعة؟ ولو أراد أن ينقل صلاته بنيته إلى الجمعة، أو الجمعة إلى الظهر، لم يصح، وكذلك من دخل في الظهر، جاز أن تصير صلاته نفلًا من طريق الحكم، وهو أن يتبين له بعد ما دخل فيها بنية الظهر أنه كان صلاها: أنها تصير نافلة، ويجوز له أن يبنيها على تحريمة الفرض، ولو افتتح صلاة نافلة، ثم [أراد] (١) أن يصرفها بنيته إلى الفرض، أو الفرض إلى النافلة لغير عذر، لم يصح. وجواب آخر، وهو أصح،: أنه إنما صار منفردًا في آخر الصلاة لعذر، وهو خروج الإمام من صلاته، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا، وللعذر تأثير على ما نبينه فيما بعد - إن شاء الله تعالى -. واحتج: بأنها صلاة واحدة خير في فعلها بين صفتين لا تختلفان

стр. 912

في العدد، إذا أحرم بها على إحدى الصفتين، جاز له نقلها إلى الأخرى، أصله: إذا أحرم بصلاة التطوع قائمًا، وصلى ركعة، جاز له أن يصلي الأخرى قاعدًا، وإن أحرم بها قاعدًا، وصلى ركعة، جاز له يصلي الركعة الأخرى قائمًا، وفيه احتزار من القصر، والإتمام؛ لأنهما يختلفان في عدد الركعات. والجواب: أن أحكام صلاة القائم والقاعد أحكام واحدة غير مختلفة، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنهما مختلفان في الأحكام من الوجه الذي ذكرنا، والله أعلم. * * * ١٠٩ - مَسْألَة: فإن افتتح الصلاة منفردًا، ثم صار إمامًا، فسدت صلاته في أصح الروايتين: نص عليها في رواية حمدان بن علي الوارق (١)، والفضل بن عبد الله

стр. 913

الأصبهاني (١) (٢)، وابن القاسم (١)، وإبراهيم بن الحارث (١)، وأبي طالب (١)، بألفاظ مختلفة: فيمن أحرم بالصلاة منفردًا لا ينوي أن يؤم أحدًا، فجاء رجل يأتم به، فلا يعجبني، وفي لفظ آخر: لا يجزئه ذلك في الفرائض، وأما في التطوع، فلا بأس، إلا أن يكون إمامَ حيٍّ يؤذن ويقيم، فإنه قد دعا إلى الناس. فقد منع من ذلك في الفرض، وأجازه في النفل، وقوله: إلا أن يكون إمام حي، يعني به: إذا علم حين دخوله في الصلاة أن هناك من يأتم به، فنوى الإمامة، فيجوز؛ لأن تحريمته انعقدت على الإمامة، فأما إن لم يعلم أن هناك من يأتم به، لم تصح نيته، وقد تبين هذا في رواية أبي طالب، فقال (١): إذا أذن وأقام، ثم جاء رجل فوقف إلى جنبه، جاز، فإن صلى وحده، ولم يكن مؤذنًا ولا إمامًا، فجاء رجل فصلى معه، لم يجزئه؛ لأنه قد دخل في الصلاة وهو لا ينوي أن يؤم أحدًا، قيل

стр. 914

له: فإن نوى وهو يصلي، فإن جاء إنسان، أمَّه؟ قال: لا أدري. ويتخرج رواية أخرى (١): جواز ذلك بناءً على إحدى الروايتين في المسألة التي قبلها، وهو إذا أحرم منفردًا، ثم ائتم بغيره: أنه يجزئه على رواية بكر بن محمد، كذلك ها هنا (٢). وبهذا قال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥) ﵃. والدلالة على أنه لا يجزئه: أنه أحرم بالصلاة الفرض منفردًا، فإذا صار إمامًا في أثنائها، لم يجزئه؛ دليله: إذا أحرم منفردًا، ثم صار إمامًا في صلاة الجمعة، فإنه لا يجزئ، كذلك ها هنا، تبين صحة هذا: أن نية الجمعة يجب أن تقارن التحريمة، وكذلك عندنا نية الإمامة يجب أن تقارن التحريمة، وقد تأخرت عنها، فيجب أن لا تجزئه. فإن قيل: إذا أتوا الجمعة، فقد نقل الصلاة من التمام إلى النقصان، وها هنا نقلها من نقصان إلى تمام. قيل له: قد أجبنا عنه فيما تقدم (٦). فإن قيل: إن كان القياس عليه إذا أحرم بالجمعة منفردًا، ثم صار

стр. 915

إمامًا، لم تنعقد له تحريمة، فلهذا لم يبن عليها جماعة، وإن كان القياس عليه إذا أحرم بالظهر منفردًا، ثم صار إمامًا في الجمعة، فإنما لم يجز ذلك؛ لأن الظهر والجمعة صلاتان مختلفتان، فلهذا لم يبن إحداهما على الأخرى، وما اختلفنا فيه صلاة واحدة. قيل له: اختلافهما لا يمنع البناء ها هنا، كما لا يمنع البناء عندك إذا خرج وقت الظهر، وهو في صلاة الجمعة، فعندهم: يبني عليها ظهرًا، ولأن صلاة الإمام مخالفة لصلاة المنفردين؛ لأن الإمام سُن له الجهر بالقراءة، والمنفرد لم يسن له عندنا، وعند أبي حنيفة ﵀ (١)، وقد حكينا كلام أحمد ﵀ فيما تقدم (٢) في رواية حرب: في رجل فاتته صلاة يجهر فيها بالقراءة في الجماعة، فصلى وحده، فإن شاء، لم يجهر؛ لأن الجهر في الجماعة، وكذلك لو فاتته صلاة بالليل مما يُجهر فيها بالقراءة، فصلاها وحده بالنهار، ونحو ذلك نقل الأثرم (٣)، ولأن الإمام يتحمل القراءة والسهوَ عن المأموم، والمأموم لا يتحمل القراءة والسهوَ عن غيره، والمنفرد لا تبطل صلاته من جهة غيره والإمام قد تبطل صلاته من جهة غيره، عند أبي حنيفة ﵀، وهو: إذا نوى إمامة المرأة، ووقفت بجنبه، بطلت صلاته (٤)، وإذا اختلفا في الأحكام
следующие страницы →