← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

يصرفها بنيته عن الجماعة التي انعقدت عليها، فينفرد بها عن الإمام لغير عذر: أن صلاته تفسد أيضًا، فأما إذا كان مسبوقًا بركعة، فصار منفردًا بعد فراغ الإمام، فليست هذه من مسألتنا في شيء؛ لأن صلاته انقلبت في الثاني عن الجهة التي انعقدت في الابتداء إلى جهة أخرى مخالفة لها من طريق الحكم، وهذا لا يدل على جواز نقلها بنيته عن الجهة التي انعقدت إلى جهة أخرى مخالفة لها من طريق الحكم، ألا ترى أن من افتتح الجمعة جاز أن تصير صلاته في الثاني ظهرًا عند مخالفنا من طريق الحكم، وهو أن يخرج الوقت، فيبني الظهر على تحريمة الجمعة؟ ولو أراد أن ينقل صلاته بنيته إلى الجمعة، أو الجمعة إلى الظهر، لم يصح، وكذلك من دخل في الظهر، جاز أن تصير صلاته نفلًا من طريق الحكم، وهو أن يتبين له بعد ما دخل فيها بنية الظهر أنه كان صلاها: أنها تصير نافلة، ويجوز له أن يبنيها على تحريمة الفرض، ولو افتتح صلاة نافلة، ثم [أراد] (١) أن يصرفها بنيته إلى الفرض، أو الفرض إلى النافلة لغير عذر، لم يصح. وجواب آخر، وهو أصح،: أنه إنما صار منفردًا في آخر الصلاة لعذر، وهو خروج الإمام من صلاته، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا، وللعذر تأثير على ما نبينه فيما بعد - إن شاء الله تعالى -. واحتج: بأنها صلاة واحدة خير في فعلها بين صفتين لا تختلفان

стр. 912

في العدد، إذا أحرم بها على إحدى الصفتين، جاز له نقلها إلى الأخرى، أصله: إذا أحرم بصلاة التطوع قائمًا، وصلى ركعة، جاز له أن يصلي الأخرى قاعدًا، وإن أحرم بها قاعدًا، وصلى ركعة، جاز له يصلي الركعة الأخرى قائمًا، وفيه احتزار من القصر، والإتمام؛ لأنهما يختلفان في عدد الركعات. والجواب: أن أحكام صلاة القائم والقاعد أحكام واحدة غير مختلفة، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنهما مختلفان في الأحكام من الوجه الذي ذكرنا، والله أعلم. * * * ١٠٩ - مَسْألَة: فإن افتتح الصلاة منفردًا، ثم صار إمامًا، فسدت صلاته في أصح الروايتين: نص عليها في رواية حمدان بن علي الوارق (١)، والفضل بن عبد الله

стр. 913

الأصبهاني (١) (٢)، وابن القاسم (١)، وإبراهيم بن الحارث (١)، وأبي طالب (١)، بألفاظ مختلفة: فيمن أحرم بالصلاة منفردًا لا ينوي أن يؤم أحدًا، فجاء رجل يأتم به، فلا يعجبني، وفي لفظ آخر: لا يجزئه ذلك في الفرائض، وأما في التطوع، فلا بأس، إلا أن يكون إمامَ حيٍّ يؤذن ويقيم، فإنه قد دعا إلى الناس. فقد منع من ذلك في الفرض، وأجازه في النفل، وقوله: إلا أن يكون إمام حي، يعني به: إذا علم حين دخوله في الصلاة أن هناك من يأتم به، فنوى الإمامة، فيجوز؛ لأن تحريمته انعقدت على الإمامة، فأما إن لم يعلم أن هناك من يأتم به، لم تصح نيته، وقد تبين هذا في رواية أبي طالب، فقال (١): إذا أذن وأقام، ثم جاء رجل فوقف إلى جنبه، جاز، فإن صلى وحده، ولم يكن مؤذنًا ولا إمامًا، فجاء رجل فصلى معه، لم يجزئه؛ لأنه قد دخل في الصلاة وهو لا ينوي أن يؤم أحدًا، قيل

стр. 914

له: فإن نوى وهو يصلي، فإن جاء إنسان، أمَّه؟ قال: لا أدري. ويتخرج رواية أخرى (١): جواز ذلك بناءً على إحدى الروايتين في المسألة التي قبلها، وهو إذا أحرم منفردًا، ثم ائتم بغيره: أنه يجزئه على رواية بكر بن محمد، كذلك ها هنا (٢). وبهذا قال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥) ﵃. والدلالة على أنه لا يجزئه: أنه أحرم بالصلاة الفرض منفردًا، فإذا صار إمامًا في أثنائها، لم يجزئه؛ دليله: إذا أحرم منفردًا، ثم صار إمامًا في صلاة الجمعة، فإنه لا يجزئ، كذلك ها هنا، تبين صحة هذا: أن نية الجمعة يجب أن تقارن التحريمة، وكذلك عندنا نية الإمامة يجب أن تقارن التحريمة، وقد تأخرت عنها، فيجب أن لا تجزئه. فإن قيل: إذا أتوا الجمعة، فقد نقل الصلاة من التمام إلى النقصان، وها هنا نقلها من نقصان إلى تمام. قيل له: قد أجبنا عنه فيما تقدم (٦). فإن قيل: إن كان القياس عليه إذا أحرم بالجمعة منفردًا، ثم صار

стр. 915

إمامًا، لم تنعقد له تحريمة، فلهذا لم يبن عليها جماعة، وإن كان القياس عليه إذا أحرم بالظهر منفردًا، ثم صار إمامًا في الجمعة، فإنما لم يجز ذلك؛ لأن الظهر والجمعة صلاتان مختلفتان، فلهذا لم يبن إحداهما على الأخرى، وما اختلفنا فيه صلاة واحدة. قيل له: اختلافهما لا يمنع البناء ها هنا، كما لا يمنع البناء عندك إذا خرج وقت الظهر، وهو في صلاة الجمعة، فعندهم: يبني عليها ظهرًا، ولأن صلاة الإمام مخالفة لصلاة المنفردين؛ لأن الإمام سُن له الجهر بالقراءة، والمنفرد لم يسن له عندنا، وعند أبي حنيفة ﵀ (١)، وقد حكينا كلام أحمد ﵀ فيما تقدم (٢) في رواية حرب: في رجل فاتته صلاة يجهر فيها بالقراءة في الجماعة، فصلى وحده، فإن شاء، لم يجهر؛ لأن الجهر في الجماعة، وكذلك لو فاتته صلاة بالليل مما يُجهر فيها بالقراءة، فصلاها وحده بالنهار، ونحو ذلك نقل الأثرم (٣)، ولأن الإمام يتحمل القراءة والسهوَ عن المأموم، والمأموم لا يتحمل القراءة والسهوَ عن غيره، والمنفرد لا تبطل صلاته من جهة غيره والإمام قد تبطل صلاته من جهة غيره، عند أبي حنيفة ﵀، وهو: إذا نوى إمامة المرأة، ووقفت بجنبه، بطلت صلاته (٤)، وإذا اختلفا في الأحكام

стр. 916

من هذا الوجه، لم يصح بناء إحداهما على الأخرى، كما قال أبو حنيفة، ومالك - رحمهما الله -: إذا أحرم بالصلاة منفردًا، ثم ائتم بغيره (١)، وكما قالوا جميعًا (٢): إذا أحرم بالظهر، ثم نوى بها العصر، أو الظهر، فنوى بها الجمعة، فإنه لا يصح، كذلك ها هنا. واحتج المخالف: بما روى ابن عباس ﵄ قال: بتُّ عند خالتي ميمونة ﵂، فقام النبي ﷺ يصلي بالليل، فقمت فوقفت على يساره، فأدارني عن يمينه (٣)، فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان قد أحرم بالصلاة منفردًا، ثم صار إمامًا. والجواب: أن تلك الصلاة كانت نافلة من صلاة الليل، ونحن نجيز ذلك، وخلافنا في صلاة الفرض. واحتج: بأنها صلاة افتتحها فرادى، ثم صار فيها إمامًا، فصحت؛ دليله: صلاة النافلة. والجواب: أنه يبطل به إذا أحرم بالظهر منفردًا، ثم صار إمامًا في الجمعة، وعلى أن القياس في النفل كان يقتضي أن لا يجوز، لكن تركنا

стр. 917

القياس هناك لحديث ابن عباس ﵄، ولأن صلاة النفل تفارق صلاة الفرض فيما يرجع إلى الانتقال من النقصان إلى الكمال، ألا ترى أنه يجوز أن يحرم بالصلاة جالسًا نافلة، ثم يقوم فينتقل من نقصان إلى كمال، ولا يجوز مثل هذا في الفرض؟ فبان لهذا: أن حكم النفل أوسعُ في بابه من الفرض. واحتج: بأن صلاة الإمام والمنفرد سواء، فيما يرجع إلى الواجبات، بل الإمام أكمل، فيجب أن يصح بناء الأكمل على الأنقص؛ كالإتمام على القصر. والجواب عن هذا: ما تقدم في المسألة التي قبلها، وعلى أن الظهر والعصر سواء فيما يرجع إلى الواجبات، ولا يجوز بناء إحداهما على الأخرى، والفرض أكمل من النفل، ولا يجوز بناء الفرض على نية النفل، فبطل ما قاله. فإن قيل: فما تقولون فيه إذا صلى منفردًا، ونوى أنه إمام في أول صلاته، وليس معه أحد يؤمه؟ قيل: لا تجزئه صلاته، نص عليه (١) في رواية مهنا (٢): في رجلين

стр. 918

أمَّ كلُّ واحد منهما صاحبه: ما أشبه أن تكون صلاتهما فاسدة. فقد نص على فساد صلاتهما؛ لأن كل واحد منهما نوى الإمامة، ولأن معه من يأتم به. فإن قيل: فما تقولون إذا نوى الإمامة (١) من يأتم به، ثم نوى الانفراد. قيل: لا نعرف الرواية في ذلك، وقياس المذهب: أن صلاته لا تصح؛ للاختلاف الذي ذكرنا، والله أعلم. * * * ١١٠ - مَسْألَة فإن اقتدى بالإمام، ثم انفرد بصلاة نفسه بعذر، صحت صلاته (٢)؛ مثل: أن يكون مدافعًا للأخبثين، أو على باب المسجد له دابة يخاف ضياعها، أو سمع حريقًا في داره، وإن كان لغير عذر، فإنه يُخرّج على روايتين هما على المسألتين اللتين قبلها، وهو إذا أحرم منفردًا، ثم ائتم بغيره، وإذا أحرم منفردًا، ثم صار إمامًا، فإن في تلك الروايتين، كذلك ها هنا يخرج على

стр. 919

روايتين (١): إحداهما: تفسد، وهو أصح. الثانية: تصح. وقد نص أحمد ﵀ على صحة ذلك في العذر في صلاة الخوف؛ فإن الطائفة الأولى تسلِّم قبل إمامها، ونص أيضًا فيه: إذا أحدث الإمام وخرج، إن شاؤوا استخلفوا، وإن شاؤوا أتموا لأنفسهم وحدانًا (٢)، فحكم بصحة صلاتهم في حال الانفراد، نص عليه في رواية عبد الله (٣)، فقال: إن استخلف الإمام، فقد استخلف عمر (٤)، وعلي (٤) ﵄، وإن لم يستخلف كما فعل النبي ﷺ ، فلا بأس (٥)، وإن صلوا وحدانًا، فقد طُعن معاوية (٥)، وصلى الناس وحدانًا من حيث طعن أتموا صلاتهم. فقد حكم بصحة صلاتهم، وإن كانوا منفردين لأجل العذر. وقال أبو حنيفة ﵀: إذا انفرد بصلاة نفسه، بطلت صلاته، سواء كان لعذر، أو غيره (٦).

стр. 920

وقال الشافعي ﵀: إن كان الانفراد لعذر، صحت، وإن كان لغير عذر، فعلى قولين: أصحهما عنده: أن الصلاة صحيحة (١). فالدلالة على أن الصلاة تبطل إذا كان لغير عذر: ما رُوي عن النبي ﷺ قال: "لا تختلفوا على إمامكم" (٢)، فإذا انفرد بصلاة نفسه، فصار يركع قبل الإمام، فقد اختلف عليه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ولأن صلاة المنفرد (٣) مخالفة لصلاة المأموم؛ بدلالة ما قدمناه في المسألة التي قبلها، فإذا كان كذلك، قلنا: إذا افتتح الصلاة في جماعة، فقد انعقدت صلاته على صفة من الصفات، وجهةٍ من الجهات، فلا يجوز صرفها بنيته إلى جهة أخرى مخالفة لها؛ كما لو افتتح صلاة الجمعة، لم يجز أن يصرفها بنيته إلى الظهر، وكذلك الظهر إلى الجمعة، والعصر إلى الظهر، والنفل إلى الفرض، ولأنه التزم الجماعة، فإذا انفرد بنيته، جاز أن تبطل صلاته؛ كما لو أحرم بالجمعة، ثم انفرد، ولا يلزم عليه حال العذر؛ لأن التعليل للجواز. فإن قيل: إنما لم يصح ذلك في الجمعة؛ لأن من شرطها صحة هذا الجماعة (٤). قيل له: لا يمتنع أن تكون الجماعة شرطًا في صحتها، ثم الانتقال

стр. 921

عنها إلى صلاة أخرى مخالفة لها في الحكم يُبطلها؛ كما لو نوى بها نفلًا، أو نوى بالظهر عصرًا، أو العصر ظهرًا؛ لأن المسبوق بركعة في الجمعة ينفرد، وتصح. واحتج المخالف: بما رُوي: أن معاذًا ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم، فأخّر النبي ﷺ العشاء ذاتَ ليلة، فصلى معاذ معه، ثم رجع فأمَّ قومه، فابتدأ بسورة البقرة، فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده، فقال: نافقتَ، فقال: لا، ولكني آتي النبي ﷺ ، فأتاه فقال: يا رسول الله! إنك أخرت العشاء، وإن معاذًا صلى معك، ثم رجع فأمنا، فافتتح بسورة البقرة، فلما رأيت ذلك، تأخرت فصليت، وإنما نحن أصحاب [نواضح] (١) نعمل بأيدينا، فأقبل رسولُ الله ﷺ على معاذ فقال: "أفتان أنت يا معاذ؟! اقرأ بسورة كذا وكذا" (٢)، ولم يأمر الرجل بإعادة الصلاة. والجواب: أنه يحتمل أن يكون الرجل خرج عن صلاة الإمام، وقطعَها، واستأنف الصلاة منفردًا، وليس في الخبر أنه بنى على التحريمة الأولى، وإذا احتمل ما ذكرنا، سقط التعلق (٣) به.

стр. 922

واحتج: بأن ما لا تبطل الجماعة إذا فعله لعذر، لم يبطلها إذا فعله لغير عذر؛ قياسًا على العمل القليل. والجواب: أن للعذر تأثيرًا (١)، ألا ترى أن في صلاة الخوف يجوز ترك القبلة، والعمل الكثير، ولا يجوز في غير ذلك؟ وأما الخطوة والخطوتان، فلا يمكن الاحتراز منها، ولأن الإمام لو كان صحيحًا، والمأموم مريضًا، صلى جالسًا، فإنه يخالف إمامه في الأفعال الظاهرة لأجل العذر، كذلك ها هنا. واحتج: بأنها لو بطلت إذا خرج لغير عذر، لبطلت بالعذر؛ كما لو خرج من صلاة الجمعة بعذر، وكما لو خرج بأكل في الصيام (٢) لعذر. والجواب: أنا قد بينا أن للعذر تأثيرًا (٣)؛ بدليل: صلاة الخوف، وله أيضًا تأثير عندهم في الجمعة، وهو إذا خرج الوقت، بنى على ظهر، ولا يجوز مثل ذلك مع بقاء الوقت. واحتج: بأنه لما جاز أن يدخل في صلاة الجماعة، وهو يعلم أنه يصير منفردًا في آخر صلاته، وهو إذا سبقه الإمام بركعة، فلو لم يجز الخروج من صلاة الإمام، لم يجز أن يدخل في صلاة إمام، وهو يعلم أنه يصير منفردًا في آخرها، ألا ترى أن صوم الشهرين لما وجب فيه

стр. 923

التتابع، لم يجز أن يدخل فيهما في وقت يعلم أنه يخرج منهما قبل إتمامهما؛ مثل: أن يدخل فيهما في شعبان، أو ذي القعدة، فإنه يحتاج أن يخرج لصوم رمضان، أو لفطره في يوم النحر، وأيام التشريق. والجواب: أنه يجوز له عندنا الدخول في صوم الشهرين في وقت يعلم أنه يتخللهما ما يقطعهما، فدخوله مع الإمام - مع علمه أنه يصير منفردًا - بمثابة دخوله في صيام يعلم أنه يتخلله ما يقطعه، فلا فرق بينهما، على أن هذا يبطل به إذا بقي من وقت الجمعة مقدار ركعة؛ فإنه يجوز الدخول فيها، وإن كان يعلم أنه يتخللها ما يقطعها، وهو خروج الوقت؛ لأن عنده يبني عليها ظهرًا. واحتج: بأن الائتمام أفاد الفضيلة دون جواز؛ بدلالة: أنه لو صلى منفردًا، صحت صلاته، فانفراده بصلاة نفسه يسلبه الفضيلة التي استفادها دون الجواز. الجواب: أن الائتمام يكسبه الفضيلة، وأحكامًا أُخرَ مخالفةً لصلاة المنفرد، وقد بينا ذلك، فإذا انفرد بصلاة نفسه، فقد نقلها من الجهة التي انعقدت إلى جهة أخرى مخالفة لها في الأحكام، فصار بمنزلة من افتتح الجمعة، ثم نقلها إلى الظهر، أو افتتح الظهر، ثم نقلها إلى الجمعة. * فصل: والدلالة على أنه إذا كان خروجه لعذر لا تبطل صلاته: ما رُوي أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بذات الرقاع (١)، فصلى بطائفة ركعة،

стр. 924

وانتظرهم حتى أتموا، ثم مضوا ووقفوا في وجه العدو (١)، وهذه الطائفة فارقت الإمام، ولم تبطل صلاتها بذلك؛ لأنه لعذر، ولأن الإمام لما جاز له أن يخرج من الإمامة لعذر؛ كخروج أبي بكر ﵁، وخروج المحدِث، جاز للمأموم أيضًا أن يخرج للعذر؛ لأن صلاة الجماعة تفتقر إلى كل واحد منهما، ولأن المسبوق بركعة إذا استخلفه الإمام، فصلى ثلاث ركعات، فإن صلاة المأمومين قد تمت، ويبقى عليه ركعة، فيفارقه المأموم، ولا تبطل صلاته؛ لأنها مفارقة لعذر، كذلك ها هنا. فإن قيل: تلك المفارقة لا من جهة النية. قيل له: بل تلك من جهة النية؛ لأنه يُسلّم، ويعتقد المفارقة بالسلام، وقد كان يمكنهم انتظاره في التشهد حتى يسلم بهم، وذهب المخالف إلى الأسْوِلة (٢) التي تقدمت، وقد أجبنا عنه بما فيه كفاية، والله أعلم. * * *

стр. 925

١١١ - مَسْألَة: إذا تعمد المأموم سَبْقَ الإمام بركن، بطلت صلاته (١): أومأ إليه في كتاب الرسالة إلى من أساء في صلاته (٢)، فقال (٣): ليس لمن سبقَ الإمامَ صلاة. بذلك جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ ، وقال: بعده في موضع آخر: احذروا - يرحمنا الله وإياكم - سَبْقَ الإمام؛ فإنه لا صلاة لمن سَبْقَ الإمام؛ ومن ركع مع الإمام، وسجد معه، وخفض معه، فصلاته ناقصة غير تامة، وقال بعض العلماء: لا صلاة له، وإنما تمام الصلاة: أن يكون الركوع بعد الإمام، والسجود بعده. فقد بيّن أن السبق يُبطل الصلاة، والركوع والسجود معه لا يُبطلها، لكن ينقص فضلها، وقال بعده في موضع آخر (٤): ينبغي له أن لا يعجل بالتسبيح؛ فإنه إذا عجل بالتسبيح، وبادر به، لم يدرك من خلفه التسبيح، وصاروا مبادرين إذا بادر، وسابقوه، ففسدت (٥) صلاتهم، وكان عليه مثلُ وزرهم جميعًا.

стр. 926

خلافًا لأصحاب الشافعي ﵀ في قولهم: لا تبطل (١). دليلنا: ما رُوي عن النبي ﷺ قال: "لا تختلفوا عليه" (٢)، وهذا اختلاف، والنهي يدل على الفساد. وقوله ﷺ : "إذا ركع فاركعوا" (٣)، أمر بالركوع بعده، والأمر يقتضي الوجوب. وأيضًا: ما احتج به أحمد ﵀ من الحديث عن ابن مسعود ﵁: أنه نظر إلى من سبق الإمام، فقال له: [لا وحدَكَ صليتَ، ولا بإمامك اقتديتَ] (٤)، والذي يصلي وحده (٥)، ولم يقتد بإمامه: فذلك لا صلاة له (٦). ولأنه ترك المتابعةَ في ركن وجب عليه متابعتُه فيه، فبطلت صلاته؛

стр. 927

دليله: لو سبقه بركنين. واحتج المخالف: بما رُوي أن النبي ﷺ صلى بعُسْفان (١)، فصفهم صفين، فكبر بهم، وركع بهم وسجد بأحد الصفين، ووقف الصف الآخر حتى رفعوا، ثم سجد وقام فلحقهم (٢)، فقد سبق النبيُّ ﷺ أهل (٣) الصف الآخر بالسجود، والسجدتان ركن واحد؛ لأن فعلهما متقارب، ولا فرق بين سبق الإمام للمأموم، وبين سبق المأموم للإمام؛ لأن فيه ترك المتابعة في الحالين. والجواب: أن ذلك السبق كان لعذر، وضرورة، وبهذا لما صلى بهم بذات الرقاع، فارقوه بركعة، وسلَّموا قبله؛ لأنها حال ضرورة، والله أعلم. * * * ١١٢ - مَسْألَة إذا كان الأمام في المسجد، والمأموم خارج المسجد، وبينه

стр. 928

وبين الإمام طريق أو نهر، لم تجزئه صلاته، وإن كانت الصفوف متصلة، فصلاته جائزة (١): نص عليه في رواية أبي الحارث (٢): في قوم يصلون، وبينهم وبين الإمام نهر يجري؟ فقال: إن كان تجري فيه السفن، فهو طريق، وإن كان صغيرًا، فلا بأس. وقال أيضًا - في رواية أبي طالب - (٣): في رجل يصلي فوق السطح بصلاة الإمام: فإن كان بينهما طريق أو نهر، فلا. قيل له: فأنس صلى يوم الجمعة في غرفة بعد ما كبر (٤)؟ فقال: يوم الجمعة لا يكون طريقًا للناس، فقال له أبو طالب: فإن الناس يصلون خلفي في رمضان فوق سطح بيتهم؟ قال: ذلك تطوع. فقد نص على ما ذكرنا.

стр. 929

وهو قول أبي حنيفة (١). وقال مالك (٢): إذا كان بينهم نهر، أو طريق قريب لا يمنعهم الصفوف، وسماع التكبير، جاز، ولم يمنع ذلك الائتمام. وقد رُوي (٣) عن أحمد ﵀ نحوُ هذا، فنقل حرب (٤) عنه: في امرأة تصلي فوق بيت بصلاة الإمام، وبينها وبين الإمام طريق: أرجو أن لا يكون به بأس (٥)، وذكر حديث أنس ﵁. وقال الشافعي ﵁: إذا كان بينه وبين الإمام ثلاث مئة ذراع أو دونها، فصلاته جائزة في الحالين جميعًا، سواء اتصلت الصفوف، أو لم تتصل (٦). دليلنا: ما روى أبو بكر في كتابه بإسناده عن نعيم بن أبي هند (٧) قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: من صلى وبينه وبين الإمام نهر، أو جدار، أو طريق، .......................................

стр. 930

فلم يصل مع الإمام (١). وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي عبد الرحمن (٢) عن علي ﵁: أنه رآهم في الرحبة، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: ضعفة الناس، قال: لا صلاة إلا في المسجد (٣). وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة ﵁ قال: لا جمعة لمن صلى في رحبة (٤) المسجد (٥). وروى أيضًا بإسناده ...............................

стр. 931

عن عقبة بن صُهْبان (١)، عن أبي بكرة ﵁: أنه رأى قومًا يصلون في رحبة المسجد يوم الجمعة، فقال: لا جمعة لهم (٢). ومعلوم أن الصفوف إذا كانت متصلة، فإن الصلاة في الرحبة جائزة، فعلم أنهم أرادوا به: إذا كان بينه وبين الإمام طريق، فقد ثبت هذا عن أريعة من الصحابة: عمر، وعلي، وأبي هريرة، وأبي بكرة ﵃، ولا نعرف لهم مخالفًا، فدل على أنه إجماع. فإن قيل: فقد خالفهم أنس ﵁، فروى أبو بكر بإسناده عن عطاء بن أبي ميمونة (٣) قال: كنت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، قال: فلم نستطع أن نزاحم على أبواب المسجد، فقال: اذهب إلى عبد ربه بن مخارق (٤)، فقل له: إن أبا حمزة يقول لك: أتأذن لنا أن نصلي في دارك؟ فقال: نعم، قال: فدخل، فصلى بصلاة الإمام (٥).

стр. 932

قيل: يحتمل أن تكون الصفوف متصلة، وإلى هذا المعنى أشار أحمد في رواية أبي طالب (١)، وقد روى بعض من نصر هذه المسألة عن النبي ﷺ : أنه قال: "من صلى في الرحبة يوم الجمعة، فلا صلاة له" (٢). وروي عن النبي ﷺ قال: "من كان بينه وبين الإمام طريق، فليس مع الإمام" (٢)، ولا نعرف هذا متصلًا، وإنما هو موقوف على عمر (٣)، وأبي هريرة (٤) ﵄. والقياس: إن كان بينه وبين الإمام طريق، والصفوف غير متصلة، فأشبه إذا كان بينه وبين الإمام أكثر من ثلاث مئة ذراع، وإذا صلى في داره بصلاة الإمام. فإن قيل: ذكر أبو علي (٥) في الإفصاح (٦): إذا صلى في داره بصلاة

стр. 933

الإمام، فصلاته صحيحة إذا كان بينهما ثلاث مئة ذراع فما دونها؛ كما إذا وقف في الصحراء (١). قيل له: قد حُكي عن الشافعي ﵁: أنه قال: إذا صلى في سطح داره، والإمام في المسجد، لم تصح (٢). فإن قيل: فإن سلمنا لكم ذلك، فالفرق بينهما: أن الدار لم تبن لأداء الصلاة فيها بصلاة الإمام، فلم يجز أن يصلي فيها بصلاة الإمام، وليس كذلك الطريق؛ لأنه جعل لمنافع المسلمين، ومن منافع المسلمين الصلاةُ فيها. قيل له: فيجب أن لا يُصلي في داره بصلاة الإمام الذي في المسجد، وإن كانت الصفوف متصلة؛ للمعنى الذي ذكرت، وهو أن داره لم تبن لأداء الصلاة فيها بصلاة الإمام. فإن قيل: الثلاث مئة ذراع فما دونها في حد القرب؛ لأنه مقدار رمية سهم الذي يحتاج المسلمون إليه إذا صلوا في حال الخوف من المشركين، فلهذا جعل في حد القرب، وما زاد عليه في حد البعد، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر؛ لأنه لا بد من حد فاصل بين القريب والبعيد. قيل له: لم كان الثلاث مئة ذراع في حد القريب بأولى من أن تكون

стр. 934

الثلاثة أذرع في حد القريب، وقد وجدنا أن خيار الشرط يقدر بالثلاث عندهم، وجعلوه في حد القريب، وكذلك عندهم مدة الإقامة في حق المسافر، وأقل الجمع، وخيار المُصَرَّاة، ونحو ذلك. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا" (١)، ولم يفرق. والجواب: إنا نحمله على من لم يكن بينه وبين الإمام طريق؛ بدلالة ما قدمنا. واحتج: بأن الطريق تصح الصلاة فيه، فوجب أن لا يكون حائلًا؛ قياسًا على غير الطريق من صحن المسجد. والجواب: أن هذا باطل به إذا صلى في داره بصلاة الإمام الذي في المسجد، وإذا كان بينهما أكثر من ثلاث مئة ذراع، فإن هذا المعنى موجود، ولا تصح الصلاة. واحتج: بأن الصفوف لو اتصلت، لصحت صلاتهم بالإجماع، وبين الصفين طريق. والجواب: أن ما بين الصفين بهم حاجة إليه للركوع والسجود، فعفي عنه، وهذا المعنى معدوم فيما زاد على ذلك. واحتج: بأن المكان النجس ليس بحائل، فالطريق الطاهر أولى بذلك.

стр. 935

والجواب: أن هذا يوجب صحة صلاته إذا [صلى في] (١) داره بصلاة الإمام، أو كان بينهما أكثر من ثلاث مئة ذراع. واحتج: بأن البئر ليست بحائل، كذلك النهر. والجواب: أن البئر في العادة يمنع الاستطراق، وليس كذلك النهر؛ فإنه لا يمنع الاستطراق في السفن. واحتج: بأن بينهما مسافة قريبة، وليس هناك حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة، فصح ائتمامه به؛ كما لو لم يكن طريق، أو اتصلت الصفوف. والجواب: أن قوله: بينهما مسافة قريبة، لا تأثير له في الأصل؛ لأنه إذا لم يكن طريق هناك، أو كانت الصفوف متصلة، فلا فرق بين قرب المسافة وبعدها، وعلى أنه يبطل به إذا صلى [في] (٢) سطح داره، والإمام في المسجد، وهو يراه، والله أعلم. * * * ١١٣ - مَسْألَة: فإن كان المأموم في سفينة، والإمام في أخرى، لم يصح ائتمامه به (٣)، وكان الماء حائلًا وطريقًا:

стр. 936

نص عليه في رواية أبي جعفر محمد بن يحيى المتطبب (١)، وقد سئل: هل يكون [في] سفينتين واحد؟ قال: لا (٢)، وبهذا قال أبو حنيفة (٣). وقال الشافعي ﵀: يجوز (٤). دليلنا: ما تقدم في المسألة التي قبلها، وهو أن الماء طريق، والصفوف غير متصلة، فأشبه إذا كان بينهما أكثر من ثلاث مئة ذراع، وتبين صحة هذا: أن الماء قد يراد للحائل، فكان حائلًا في الإمامة؛ كالحائط. وذهب المخالف إلى ما تقدم ذكره في المسألة التي قبلها، وقد أجبنا عنه. * * * ١١٤ - مَسْألَة إذا صلى في بيته بصلاة الإمام في المسجد، وهو لا يرى

стр. 937

الإمام، ولا مَنْ خلفه، وهو أن يحول بينهما حائط المسجد، لم تصح صلاته: نص عليه في رواية أبي طالب (١)، والمروذي (٢)، وإسحاق بن إبراهيم (٣)، واللفظ لأبي طالب: في قوم كانوا في دار في الرحبة، وأغلق عليهم الباب، وهم يسمعون التكبير: يعيدون الصلاة أربعًا، ولو كان الباب مفتوحًا يرون الناس، كان جائزًا (٤). وكذلك نقل أبو الحارث (٥): في الذين يصلون خارج المسجد في الطريق إذا لم يكن بينهم باب يغلق، فلا بأس. وكذلك [نقل] (٦) جعفر بن محمد (٧): في الحوانيت إذا لم يغلق بينهم بابه، فلا بأس، كان أنس ﵁ يصلي فوق غرفة يوم الجمعة بصلاة الإمام (٨)، قيل له: فترى أن تصلي فوق السطح بصلاة الإمام؟ قال:

стр. 938

نعم. فقد نص على المنع إذا كان هناك حائلٌ، وأجازه مع عدم الحائل إذا لم يكن هناك طريق. وقد أطلق القول في رواية حنبل (١)، فقال: إذا [صلى الرجل] (٢) وهو يسمع قراءة الإمام في داره، أو فوق سطح بيته، كان ذلك مجزئًا عنه. وهذا محمول على أنه يشاهد الإمام، أو مَنْ خلفَه. وقال أيضًا في رواية أبي داود (٣): إذا صلى يوم الجمعة خارج المسجد، وأبوابُ المسجد مغلقة، أرجو أن لا يكون به بأس. وهذا أيضًا محمول على أنهم شاهدوا الإمام، أو مَنْ خلفه من شُباك هناك، ويحتمل أنه لم يجعل سور المسجد حائلًا؛ كالأساطين، والسواري، وبهذا قال مالك (٤)، والشافعي (٥) - رحمهما الله -. وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز الائتمام به ما لم يكن بينهم وبينه طريق (٦).

стр. 939

دليلنا: ما رُوي عن عائشة ﵂: أن نساء كُنَّ يصلينَ في حجرتها، فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام؛ فإنكن دونه في حجاب (١)، ذكره شيخنا في كتابه. ولأنه على خارج المسجد، وبينه وبين الإمام ومن يأتم به حائل يمنع المشاهدة، فلم يصح ائتمامه به؛ دليله: إذا كان بينه وبين المسجد طريق، وقولنا: صلى خارج المسجد، احتراز منه إذا كان في المسجد، أو من وراء حائل؛ فإنه يصح على اختلاف الروايتين؛ لأنه قال في رواية أبي طالب: إذا صلوا في دار في الرحبة، وأغلق عليهم الباب، وهم يسمعون، لم يصح، وحكمُ الرحبة حكمُ المسجد، وقد منع من صحة الصلاة فيها من دون حائل اعتبارًا به إذا كان خارج المسجد، وقال في رواية أبي داود: إذا صلى يوم الجمعة خارج المسجد، والأبواب مغلقة، فلا بأس. فقد أجاز الصلاة خارج المسجد، ولم يعتبر أن يشاهد الإمام، فأولى أن يجيز في المسجد؛ لأن المسجد جُعل للجماعة الواحدة، والبقعة والواحدة، ولا يلزم عليه إذا كان الحائل شباكًا، وكان خارج المسجد؛

стр. 940

فإنه لا يمنع على ظاهر كلام أحمد ﵀؛ لأنه اعتبر المشاهدة، وهذا موجود في الشباك. فإن قيل: إذا كان هناك طريق أو ماء، فإنه يمنع الائتمام، سواء كان هناك حائل، أو لم يكن، فلا معنى لهذا في الأصل. قيل: تأثيره فيه إذا لم يكن هناك حائل، ولا طريق، وتأثيره أيضًا إذا اتصلت الصفوف في الطريق، وهناك حائل؛ فإنه يمنع، ولو لم يكن حائل، لم يمنع، وعلى أنه إذا كان هناك طريق، امتنع لعلتين، وها هنا لعلة. واحتج المخالف: بما رُوي عن عائشة ﵂ قالت: صلى رسول الله ﷺ في حجرته، والناس يأتمون به من وراء الحجرة يصلون بصلاته (١)، وفي حديث آخر قالت: كان لنا حصير (٢) نبسطه بالليل يصلى إليه، فبات الناس يصلون بصلاته (٣).

стр. 941

والجواب: أن علي بن سعيد (١) قال: سألت - يعني: أحمد - عن حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يصلي في الحجرة، والناس يأتمون به من وراء الحجرة، قال: كأنه على صلاة الليل، أو تطوع. فقد بين أحمد ﵀: أن هذا لم يكن في صلاة الفرض، ومن أصحابنا من أجاز ذلك في صلاة النفل (٢)، والصحيح عندي: أن الفرض والنفل سواء، ويُحمل الخبر على أن باب الحجرة كان مفتوحًا؛ بحيث يشاهد النبي ﷺ ، أو يشاهد من خلفه؛ بدليل ما ذكرنا. واحتج أيضًا: بما روى أبو بكر بإسناده عن محمد بن عمرو بن عطاء (٣) قال: صليت مع ابن عباس ﵄ في حجرة ميمونة زوجِ النبي ﷺ بصلاة الإمام يوم الجمعة (٤). والجواب: أنه محمول على اتصال الصفوف. واحتج: بأنه ليس بينه وبين الإمام ما ليس بمحل للصلاة، فصح ائتمامه به؛ كما لو صلى خلف سارية، أو حائط في المسجد. والجواب: أنه باطل به إذا كان بينهما شارع؛ لأن الشارع محل

стр. 942

للصلاة، ألا ترى أن الصفوف إذا اتصلت به، صحت الصلاة؟ وعلى أن المعنى في السارية: أنها لم تُبْن للحائل، وحائط الحجرة بُني للحائل، فلهذا فرقنا بينهما، والله أعلم. * * * ١١٥ - مَسْألَة: يكره أن يكون موضع الإمام أعلى من موضع المأموم (١): نص عليه في رواية حنبل (٢)، ويعقوب بن بختان (٣)، واللفظ ليعقوب، وقد سئل: عن الإمام أرفع من موضع مَنْ خلفَه؟ فقال: لا، ولكن لا بأس أن يكون مَنْ خلفَه أرفعَ. وبهذا قال أبو حنيفة (٤)، ومالك (٥) - رحمهما الله -. وقال الشافعي ﵁ (٦): أختار للإمام الذي من خلفه الصلاة (٧): أن يصلي على موضع مرتفع، فيراه من وراءه.

стр. 943

دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عدي بن ثابت قال: حدثني رجل: أنه كان مع عمار بن ياسر ﵁، فقام على دكان يصلي، والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة ﵁، فأخذ على يديه، فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار (١) من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ قال: "إذا أم الرجل القوم، فلا يقوم مقامًا أرفعَ من مقامهم"؟ قال عمار: فلذلك اتبعتك حين أخذتَ على يدي (٢)، فقد روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذلك، وأخذ بظاهر الخبر. فإن قيل: يحمل هذا النهي عليه إذا لم يقصد به تعليم مَنْ خلفه الصلاة. قيل له: النهي عام، فلم يجز تخصيصه إلا بدلالة، ولأن موضع الإمام أعلى من موضع المأموم، فوجب أن يكره ذلك، أصله: إذا لم يرد أن يعلِّم مَنْ خلفه، ولأنه إذا كان الإمام أعلى، لم يمكنه أن يقتدي به إلا بعد رفع رأسه إليه، وهو منهي عن ذلك. واحتج المخالف: بما روى سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن

стр. 944

النبي ﷺ صلى بنا وهو على المنبر، فركع، ورجع القهقرى حتى نزل وسجد، ثم رقى، فلما فرغ قال: "إنما فعلتُ ذلك لتأتموا بي، ولتعلّموا (١) صلاتي" (٢)، قال الشافعي: إنما نزل، لأنه لم يتمكن من السجود على المنبر، لتضايقه (٣). والجواب: أن هذا الخبر أفادنا الجواز، والكراهية استفدناها بما روينا؛ كما أن النبي ﷺ أخّر المغرب اليوم الثاني حين بَيَّنَ المواقيت (٤)، فأفاد بذلك الجواز، وإن كان مَنْ أخرها إلى ذلك الوقت كان مؤدِّيًا لها في وقتها، واستفدنا كراهيةَ التأخير إلى ذلك الوقت بدلالة أخرى. فإن قيل: في الخبر ما يمنع من هذا، وهو قوله ﵇: "إنما فعلتُ ذلك، لتأتموا بي، ولتعلموا (١) صلاتي"، فامتنع أن يكون القصد به الجواز. قيل له: فالخبر أفاد الجواز في حق من أراد أن يعلِّم مَنْ خلفه، وأن ذلك جائز، واستفدنا جواز ذلك في حق من لم يرد التعليم من موضع آخر.

стр. 945

فإن قيل: فلا يصح حملُه على الجواز؛ لأن التعليم بالفعل المكروه لا يجوز؛ لأنه يكون قد فعل ما فيه إثم، وإنما يجوز ذلك بالقول. قيل له: ويجوز ذلك بالفعل أيضًا؛ كما بينا في تأخيره صلاة المغرب في اليوم الثاني. واحتج: بأن المأموم يكره له أن يرفع الصوت بالتكبير، فإذا أراد إعلامَ مَنْ وراءه من المأمومين ليقتدوا بالإمام، استحب له أن يرفع صوته بها لهذا المعنى، كذلك في الموقف. والجواب: أنا نقول له: ولم وجب هذا؟ وما العلة الجامعة بينهما؟ ثم يقال له: إذا أمكن القوم أن يعلموا صلاة الإمام يرفع صوته بالتكبيرات، أو رفع صوته بعض المأمومين (١)، ما الذي يُحْوِجه (٢) إلى أن يقوم في موضع هو أعلى من موضع المأمومين؟ والله أعلم. * * * ١١٦ - مَسْألَة: إذا وقف قدام الإمام، لم يصح اقتداؤه به: نص عليه في رواية أبي طالب (٣): فيمن صلى بين يدي الإمام يوم

стр. 946

الجمعة: يُعيد، وكذلك نقل ابن إبراهيم (١): في رجل صلى بقوم، فصلى بعضهم قدامه: يعيدون، وكذلك نقل عبد الله (٢). وبهذا قال أبو حنيفة ﵀ (٣). وقال مالك (٤)، والشافعي - رحمهما الله - في القديم (٥): تصح الصلاة. دليلنا: ما رُوي في حديث معاذ ﵁: أنه قال للنبي ﷺ : ما كنت أجدك على حال إلا أتابعك عليها، فقال النبي ﷺ : "سَنَّ لكم معاذ، وكذلك فافعلوا" (٦)، فأمر باتباع الإمام، وإذا قام قدامه، لم يكن تابعًا له، بل يكون متبوعًا. وقوله ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به" (٧)، والائتمام: الاتباع، وكونه قدامَ إمامه يمنع أن يكون تابعًا، ويوجب أن يكون متبوعًا.

стр. 947

فإن قيل: الائتمام به أن يكون مقتديًا به، قاصدًا أن يفعل مثلَ فعله، وذلك لا يقتضي التأخر عنه؛ لأنه يجوز أن يكون متقدمًا عليه، ويفعل مثل فعله. قيل له: قد بينا أن الائتمام هو: الاتباع، وهذا يقتضي أن يكون تابعًا له في الأفعال، والمقام، وكونُه أمامَه يمنع أن يكون تابعًا، وأصله (١). وأيضًا: فإنه قد أخذ علينا اتباع الإمام في المقام، وفي الأفعال؛ لأنه قيل له: ليكن مقامك وراء الإمام، أو معه، وأفعالك بعد أفعاله، أو معه، ألا ترى أنه إذا تقدم، فقد أساء؟ ثم اتفقوا أنه لو تقدم الإمام في أفعال الصلاة؛ مثل: الركوع، والسجود، لم يصح، كذلك إذا تقدمه في المكان، وتحرير هذا أن نقول: تقدم الإمام فيما أُخذ (٢) عليه اتباعه فيها يمنع صحة صلاته؛ كما لو سبقه بالركوع، والسجود، ونحو ذلك. فإن قيل: ليس إذا سبق الإمام فركع ثم ركع الإمام، وسجد ثم سجد الإمام، لم تبطل صلاته، ولم يفسد إلا هذا، وإن فعل ذلك في جميع أفعال الصلاة، كذلك ها هنا. قيل له: إنما افترقا من هذا الوجه؛ لأن هذا القدر من السبق لا يمكن الاحتراز منه؛ لأن العادة أن المأموم قد يسبق الإمام في القدر اليسير، فعفي عنه، وليس كذلك في التقدم في الموقف؛ لأنه يمكن الاحتراز منه،

стр. 948

فلا حاجة به إليه. واحتج المخالف: بأنه ليس في التقدم على الإمام أكثر من مخالفة الموقف المسنون، وهذا لا يمنع صحة الاقتداء، ألا ترى أن المأموم إذا وقف عن يسار الإمام، أو خلفَه فذًا خلف (١)، أو كانا اثنين، فوقفا مع الإمام، صح اقتداؤهم، أو وقفت امرأة إلى (٢) جنب رجل؟ كذلك ها هنا. والجواب: أنه إذا وقف عن يسار الإمام، أو خلف الصف، فإن صلاته باطلة، وأما إذا وقف الإمام في وسطهم، أو وقف إلى جنب امرأة، فإنما لم تبطل؛ لأنه موقف مؤتم بحال، وهو إذا صلى بالعُراة، أو صلت امرأة بنساء، فإن الإمام يقف في وسطهم، وكذلك إذا كان الإمام رجلًا - وهو عريان -، والمأموم امرأة، فإنها تقف إلى جنبه، وعلى أنه قد تقدم الإمام فيما أُخذ (٣) عليه اتباعه، وذلك يمنع صحة الاقتداء، كما قلنا في الأفعال. واحتج: بأنه لو استدار الناس حول الكعبة، وكان الإمام من البيت على ذراعين، والذين في مقابلته من الجانب الآخر على ذراع منه، صحت صلاتهم، وهم لا محالة قدام الإمام. والجواب: إنما يكونون قدامه إذا كانوا في الجانب الذي يكون فيه الإمام، وظهرُهم إليه، فأما إذا كانوا في الجانب الآخر، ووجوههم

стр. 949

على وجه الإمام، فإنهم لا يكونون قدامه، وقد أومأ أحمد ﵀ إلى جواز ذلك بمكة، قال أبو طالب (١): سألت أبا عبد الله عن الإمام يدورون حوله يصلي بهم؟ فقال: الأمصار غير مكة، فقيل له: إن أبا ثور (٢) يقول: يصلون خلفه مثل البيت، فقال: هذا قول سوء، البيت قبلتهم. فإن قيل: أليس قد قال أحمد ﵀ في رواية المروذي (٣): في المرأة تؤم الرجل في شهر رمضان؟ إذا كان الرجل لا يحسن أن يقرأ في التراويح، يتقدم الرجل، وتقرأ هي من ورائه، وكذلك نقل أبو طالب عنه (٤): يؤم الرجل المرأة، والمرأة تقرأ، فإذا قرأت، ركع وركعت، يكون هذا في التطوع، لا يكون في الفرض. قالوا: فقد نص على أن المرأة تكون إمامًا للرجل في صلاة النفل إذا كانت أقرأ منه، وتكون من ورائه، والرجل أمامها. قيل له: إنما جاز إمامتها في القراءة، لا في الصلاة؛ لأنه قد صرح بذلك في رواية أبي طالب، فقال: إذا قرأت، ركع وركعت، فقدَّم ركوعَ الرجل على ركوعها، وإذا كان الرجل هو الإمام في الصلاة، فلم يجئ

стр. 950

منه تقدم المأموم على الإمام في الصلاة، وإنما أجاز اقتداء الرجل بالمرأة في القراءة في صلاة النفل؛ لما روى أبو بكر المروذي بإسناده عن أبي خلاد الأنصاري قال: سألتْ أم ورقة ﵂ رسولَ الله ﷺ ، قالت: إني أصلي، ويصلي بصلاتي أهلُ داري ومواليَّ، وفيهم رجال (١) ونساء يصلون بقراءتي، وليس معهم قرآن؟ فقال رسول الله ﷺ : "قدِّمي الرجالَ أمامك، وقومي مع النساء، ويصلون بصلاتك" (٢)، ولأنه لما جاز الإخلال بركن من أركان الصلاة في صلاة النفل - وهو القيام -، جاز الاقتداء بها بركن؛ إذ ليس الاقتداء بأضعف من تركه، ولأنه لما جاز أن يؤم الشخص في صلاة دون صلاة - وهو العبد -، جاز أن يؤم في ركن دون ركن. وأجودُ ما يجاب عن هذا: بأن القياس كان يقتضي أن تبطل صلاتهم، لكن تركنا ذلك لدليل هو أقوى منه، وهو الخبر، ولأنه غير ممتنع أن يختلف مقام الإمام لأجل المأمومين؛ بدليل: أن العراة يقوم في وسطهم، ويخالف مسنون الموقف في التقدم، وكذلك يقوم في وسطهم، وكان المعنى فيه: أنه أسترُ للإمام بوقوفه في وسطهم، ومثلُ هذا تأخرُ المرأة خلف الرجال أسترُ لها، والله أعلم. * * *
следующие страницы →