← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الجمعة: يُعيد، وكذلك نقل ابن إبراهيم (١): في رجل صلى بقوم، فصلى بعضهم قدامه: يعيدون، وكذلك نقل عبد الله (٢). وبهذا قال أبو حنيفة ﵀ (٣). وقال مالك (٤)، والشافعي - رحمهما الله - في القديم (٥): تصح الصلاة. دليلنا: ما رُوي في حديث معاذ ﵁: أنه قال للنبي ﷺ : ما كنت أجدك على حال إلا أتابعك عليها، فقال النبي ﷺ : "سَنَّ لكم معاذ، وكذلك فافعلوا" (٦)، فأمر باتباع الإمام، وإذا قام قدامه، لم يكن تابعًا له، بل يكون متبوعًا. وقوله ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به" (٧)، والائتمام: الاتباع، وكونه قدامَ إمامه يمنع أن يكون تابعًا، ويوجب أن يكون متبوعًا.

стр. 947

فإن قيل: الائتمام به أن يكون مقتديًا به، قاصدًا أن يفعل مثلَ فعله، وذلك لا يقتضي التأخر عنه؛ لأنه يجوز أن يكون متقدمًا عليه، ويفعل مثل فعله. قيل له: قد بينا أن الائتمام هو: الاتباع، وهذا يقتضي أن يكون تابعًا له في الأفعال، والمقام، وكونُه أمامَه يمنع أن يكون تابعًا، وأصله (١). وأيضًا: فإنه قد أخذ علينا اتباع الإمام في المقام، وفي الأفعال؛ لأنه قيل له: ليكن مقامك وراء الإمام، أو معه، وأفعالك بعد أفعاله، أو معه، ألا ترى أنه إذا تقدم، فقد أساء؟ ثم اتفقوا أنه لو تقدم الإمام في أفعال الصلاة؛ مثل: الركوع، والسجود، لم يصح، كذلك إذا تقدمه في المكان، وتحرير هذا أن نقول: تقدم الإمام فيما أُخذ (٢) عليه اتباعه فيها يمنع صحة صلاته؛ كما لو سبقه بالركوع، والسجود، ونحو ذلك. فإن قيل: ليس إذا سبق الإمام فركع ثم ركع الإمام، وسجد ثم سجد الإمام، لم تبطل صلاته، ولم يفسد إلا هذا، وإن فعل ذلك في جميع أفعال الصلاة، كذلك ها هنا. قيل له: إنما افترقا من هذا الوجه؛ لأن هذا القدر من السبق لا يمكن الاحتراز منه؛ لأن العادة أن المأموم قد يسبق الإمام في القدر اليسير، فعفي عنه، وليس كذلك في التقدم في الموقف؛ لأنه يمكن الاحتراز منه،

стр. 948

فلا حاجة به إليه. واحتج المخالف: بأنه ليس في التقدم على الإمام أكثر من مخالفة الموقف المسنون، وهذا لا يمنع صحة الاقتداء، ألا ترى أن المأموم إذا وقف عن يسار الإمام، أو خلفَه فذًا خلف (١)، أو كانا اثنين، فوقفا مع الإمام، صح اقتداؤهم، أو وقفت امرأة إلى (٢) جنب رجل؟ كذلك ها هنا. والجواب: أنه إذا وقف عن يسار الإمام، أو خلف الصف، فإن صلاته باطلة، وأما إذا وقف الإمام في وسطهم، أو وقف إلى جنب امرأة، فإنما لم تبطل؛ لأنه موقف مؤتم بحال، وهو إذا صلى بالعُراة، أو صلت امرأة بنساء، فإن الإمام يقف في وسطهم، وكذلك إذا كان الإمام رجلًا - وهو عريان -، والمأموم امرأة، فإنها تقف إلى جنبه، وعلى أنه قد تقدم الإمام فيما أُخذ (٣) عليه اتباعه، وذلك يمنع صحة الاقتداء، كما قلنا في الأفعال. واحتج: بأنه لو استدار الناس حول الكعبة، وكان الإمام من البيت على ذراعين، والذين في مقابلته من الجانب الآخر على ذراع منه، صحت صلاتهم، وهم لا محالة قدام الإمام. والجواب: إنما يكونون قدامه إذا كانوا في الجانب الذي يكون فيه الإمام، وظهرُهم إليه، فأما إذا كانوا في الجانب الآخر، ووجوههم

стр. 949

على وجه الإمام، فإنهم لا يكونون قدامه، وقد أومأ أحمد ﵀ إلى جواز ذلك بمكة، قال أبو طالب (١): سألت أبا عبد الله عن الإمام يدورون حوله يصلي بهم؟ فقال: الأمصار غير مكة، فقيل له: إن أبا ثور (٢) يقول: يصلون خلفه مثل البيت، فقال: هذا قول سوء، البيت قبلتهم. فإن قيل: أليس قد قال أحمد ﵀ في رواية المروذي (٣): في المرأة تؤم الرجل في شهر رمضان؟ إذا كان الرجل لا يحسن أن يقرأ في التراويح، يتقدم الرجل، وتقرأ هي من ورائه، وكذلك نقل أبو طالب عنه (٤): يؤم الرجل المرأة، والمرأة تقرأ، فإذا قرأت، ركع وركعت، يكون هذا في التطوع، لا يكون في الفرض. قالوا: فقد نص على أن المرأة تكون إمامًا للرجل في صلاة النفل إذا كانت أقرأ منه، وتكون من ورائه، والرجل أمامها. قيل له: إنما جاز إمامتها في القراءة، لا في الصلاة؛ لأنه قد صرح بذلك في رواية أبي طالب، فقال: إذا قرأت، ركع وركعت، فقدَّم ركوعَ الرجل على ركوعها، وإذا كان الرجل هو الإمام في الصلاة، فلم يجئ

стр. 950

منه تقدم المأموم على الإمام في الصلاة، وإنما أجاز اقتداء الرجل بالمرأة في القراءة في صلاة النفل؛ لما روى أبو بكر المروذي بإسناده عن أبي خلاد الأنصاري قال: سألتْ أم ورقة ﵂ رسولَ الله ﷺ ، قالت: إني أصلي، ويصلي بصلاتي أهلُ داري ومواليَّ، وفيهم رجال (١) ونساء يصلون بقراءتي، وليس معهم قرآن؟ فقال رسول الله ﷺ : "قدِّمي الرجالَ أمامك، وقومي مع النساء، ويصلون بصلاتك" (٢)، ولأنه لما جاز الإخلال بركن من أركان الصلاة في صلاة النفل - وهو القيام -، جاز الاقتداء بها بركن؛ إذ ليس الاقتداء بأضعف من تركه، ولأنه لما جاز أن يؤم الشخص في صلاة دون صلاة - وهو العبد -، جاز أن يؤم في ركن دون ركن. وأجودُ ما يجاب عن هذا: بأن القياس كان يقتضي أن تبطل صلاتهم، لكن تركنا ذلك لدليل هو أقوى منه، وهو الخبر، ولأنه غير ممتنع أن يختلف مقام الإمام لأجل المأمومين؛ بدليل: أن العراة يقوم في وسطهم، ويخالف مسنون الموقف في التقدم، وكذلك يقوم في وسطهم، وكان المعنى فيه: أنه أسترُ للإمام بوقوفه في وسطهم، ومثلُ هذا تأخرُ المرأة خلف الرجال أسترُ لها، والله أعلم. * * *

стр. 951

١١٧ - مَسْألَة: إذا أَمَّ رجلًا أو امرأة، فمن (١) شرط صحة الائتمام: أن ينوي إمامة من يؤمُّه: نص عليه في رواية صالح (٢)، وابن منصور (٣): في رجل ائتم برجل، ولم ينو ذلك الرجل أن يكون إمامَه، تجزئ الإمامَ صلاتُه، ويعيد هو. وقال أبو حنيفة ﵀ (٤): إن كان المأموم رجلًا، فلا حاجة به إلى النية، وإن كانت امرأة، فعليه أن ينوي ذلك. وقال الشافعي ﵁ (٥): ليس عليه ذلك، سواء كان المأموم رجلًا أو امرأة. دليلنا: ما رُوي عن النبي ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما

стр. 952

لامرئ ما نوى" (١)، وهذا الإمام لم ينو الإمامة، فيجب أن لا يحصل له ذلك، ولأن الجماعة تفتقر إلى إمام ومأموم، وأجمعنا على أن المأموم لا بد أن ينوي إمامة من يأتم به، يجب أيضًا في حق الإمام أن ينوي إمامة من يؤمه، والعلة فيه: أن الإمام أحدُ من تنعقد به الجماعة. فإن قيل: الفرق بينهما: أن المأموم يلزمه اتباع الإمام، فلا بد من أن يقصد ذلك، ولا يجب على الإمام اتباع المأمومين، فلا يجب عليه أن ينوي أن يكون إمامًا لهم. قيل له: كما يلزم المأمومَ نية المتابعة، كذلك يجب على الإمام نية التحمل لسجود السهو، والقراءة، وفساد صلاة الغير بفساد صلاته. وقياس آخر: وهو أنه إمام لم ينو إمامة من يؤمه، فلم يصح الاقتداء به؛ دليله: إذا أمَّ امرأة، فإن أبا حنيفة ﵀ قد قال: من شرط الإمام أن ينوي أنه يؤمها، كذلك في الرجل. فإن قيل: الفرق بينهما: أن الإمام قد يلحقه فساد صلاته من جهة المرأة، وهو إذا وقفت بجنبه، فسدت صلاته، فلهذا لم يصح ائتمامها إلا بنية كالمأموم؛ لما لحقه فساد صلاته من جهة الإمام، لهذا افتقر إلى النية، وليس كذلك الرجل؛ لأنه لا يلحق الإمام فساد من جهته، فلهذا لم يفتقر إلى النية. قيل له: لا نسلم لك أن الإمام يلحقه فساد صلاته من جهة المرأة

стр. 953

بوقوفها بجنبه، وقد مضى الكلام على ذلك (١)، وعلى أن المأموم قد يلحقه الفساد من جهة المرأة إذا وقفت بجنبه، ثم لا يعتبر نيته في صحة ائتمامها كالإمام، وكذلك الإمام في صلاة الجمعة تبطل صلاته بانفضاض المأمومين عنه قبل أن يتم الركعة، ولا يعتبر نية الإمام في اقتداء المأمومين به، كذلك الإمام إذا سبقه الحدث، ومضى ليتوضأ، فقدَّم (٢) القوم رجلًا يصلي بهم قبل أن يخرج الإمام الذي سبقه الحدث عنده، وكذلك إذا سبقه الحدث، وليس معه إلا مأموم واحد، تعينت الخلافة فيه، وإن لم ينوه الإمام الأول، وإن شئت قلت: ما يعتبر في صحة ائتمام المرأة للرجل اعتبر في صحة ائتمام الرجل بالرجل؛ قياسًا على كون الإمام من أهل التحمل، وهو أن لا يكون أميًا، ولا يكون مستدام الحدث، وأن يكون من أهل الركوع والسجود، وعكسه: ما لا يعتبر في صحة ائتمام الرجل بالرجل؛ كالحرية، والرق، والعلم. واحتج المخالف: بما روى ابن عباس ﵄ قال: كنت عند خالتي ميمونة ﵂، فجاء النبي ﷺ ، فقام فتوضأ ووقف يصلي، فقمت وتوضأت، ثم جئت فوقفت على يساره، فأخذ بيدي فأدارني (٣)

стр. 954

عن يمينه (١)، فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ لما استفتح الصلاة بالليل، لم ينو أن يؤم غيره؛ لأنه كان وحده، فلما جاء ابن عباس ﵄ يأتم به، لم يمنعه، فدل على أن نية الإمامة (٢) غير معتبرة في الإمامة. والجواب: أن هذا الخبر يدل على أن النبي ﷺ لم ينو الإمامة حين دخوله في الصلاة، وليس فيه أنه لم يحدث نية عند دخول ابن عباس معه، ويجوز أن يكون قد أحدث نية الإمامة، ونحن نجيز مثل هذا في صلاة النفل، وقد نص عليه أحمد ﵀ في رواية الجماعة (٣)، منهم: حمدان بن علي الوراق: في الرجل يدخل في الصلاة، وهو لا ينوي أن يؤم أحدًا، فجاء رجل، فأتم به؟ قال: لا يعجبني في الفريضة، فأما في التطوع، فلا بأس، وذكر حديث ابن عباس ﵄. فإن قيل: فلو كانت نية الإمام شرطًا في صحة الإمامة، لوجب اعتبارها من أول الصلاة. قيل له: نحن نعتبر ذلك من أول الصلاة في صلاة الفرض، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، وقلنا: إذا أحرم بالصلاة منفردًا، لم يصح أن يكون إمامًا في الثاني، وإنما لا يعتبر ذلك في صلاة النفل، وقد بينا الفرق بينهما، يبين صحة الفرق: أن صوم النفل تتأخر النية فيه عن ابتدائه، كذلك ها هنا، وعلى أنه لا يمنع أن تكون نية الإمام شرطًا في صحة الإمامة، وإن

стр. 955

لم تعتبر في ابتداء الصلاة، كما قلتم في نية المأموم: هي شرط في صحة الائتمام، ويجوز أن يوجد في أثناء الصلاة، وهو إذا أحرم بالصلاة منفردًا، ثم ائتم بغيره، فإنه يجوز ذلك عند الشافعي (١)، كذلك ها هنا. فإن قيل: فالإمام لا يجب عليه اتباع المأمومين، فلا يجب عليه أن ينوي أن يكون إمامًا لهم، ويفارق المأموم؛ فإنه يلزمه اتباع الإمام، فلا بد من أن يقصد ذلك. قيل له: قد أجبنا عن هذا السؤال في أول المسألة بما فيه كفاية، والله أعلم. * * * ١١٨ - مَسْألَة: صلاة الفَذِّ خلف الصف وحدَه باطلة: نص عليه في رواية الأثرم (٢)، وعبد الله (٣)، وأبي الحارث (٤)، وحنبل (٤)، .................................................

стр. 956

وصالح (١)، وهكذا إذا وقف على يسار الإمام، وليس عن يمينه أحد، نص عليه أيضًا في رواية أبي طالب (٢)، فقال: إذا صلى على يسار الإمام، يعيد الصلاة؛ لأنه خالف فعل النبي ﷺ . وقال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥) ﵃: صلاته صحيحة. دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن زياد بن أبي الجعد (٦) عن وابصة بن معبد الأسدي ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة (٧).

стр. 957

وروى أيضًا بإسناده عن هلال بن يساف (١) عن وابصة (٢) بن معبد قال: سئل رسول الله ﷺ عن رجل صلى خلف الصف وحده؟ قال: "يعيد الصلاة" (٣). وروى أيضًا بإسناده عن محمد بن الحنفية ﵁: أن النبي ﷺ رأى رجلًا قد صلى وحده خلف الصفوف، فأمره أن يعيد (٤). وروى أيضًا بإسناده عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان (٥) عن أبيه قال: صلى بنا النبي ﷺ ، ورجل قد صلى خلف الصف، فقال رسول الله ﷺ : "استقبل صلاتك، لا صلاة لفرد خلف الصف" (٦)، فمن

стр. 958

هذه الأخبار دليلان: أحدهما: أنه أمره بالإعادة، والأمر بذلك يدل على الفساد ووجوب الإعادة. والثاني: أنه علل في حديث علي بن شيبان (١)، فقال: "لا صلاة لفرد خلف الصف". فإن قيل: فقد روى الأثرم بإسناده عن علي بن شيبان عن أبيه ﵄: أنه صلى مع النبي ﷺ ، فانصرفَ ورجلٌ يصلي خلف الصف، فوقف النبي ﷺ حتى انصرف الرجل، فقال له النبي ﷺ : "استقبل صلاتك، فلا صلاة لفذ خلف الصف"، قالوا: فلولا أن الصلاة صحيحة، لم يقف عليه حتى يتمها. قيل له: يحتمل أن يكون وقوفه عليه حتى يفرغ القوم من ركوعهم، فيقع البيان لهم عامًا، لا لأن صلاته صحيحة، ويحتمل أن يكون انتظر حتى يفرغ؛ خوفًا أن لا يجيبه؛ كما رُوي أنه ﵇ نادى أبا سعيد بن المعلى وهو يصلي، فلم يجبه (٢). فإن قيل: يحتمل أن يكون أمره بالإعادة في الوقت الذي كان يعاد فيه الفرض مرتين.

стр. 959

قيل له: قوله ﵇: "فلا صلاة لفرد خلف الصف" تعليلٌ يقتضي أن الإعادة وجبت لكونك فذًا، وعلى ما قالوه وجبت الإعادة؛ لأن الفرض كان يعاد. فإن قيل: يحمل قوله: "لا صلاة" كاملة. قيل: يجب أن يحمل النفي على أصل الصلاة، لا على وصفها (١)؛ كقوله: لا رجل في الدار، يقتضي نفيه أصلًا، لا نفي صفاته، ومثله أجابوا عن قوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي" (٢)، ولأنه تأخر عن الإمام فيما أُخذ عليه متابعته فيه، فبطلت صلاته؛ كما لو تأخر عنه في المتابعة في الركوع والسجود، وذلك أنه مأمور بالوقف في الصف، أو عن يمينه، فإذا وقف فذًا، فقد تأخر عما أُمر به، ولأنه لو صلى قُدّام الإمام، لم تصح صلاته في قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي - رحمهما الله تعالى - (٣)،

стр. 960

والمعنى فيه: فيما أخذ عليه التأخر فيه، فإذا صلى فذًا، يجب أن تبطل أيضًا؛ لأنه تأخر فيما أخذ عليه التقدُّم فيه، ولأنه صلى فذًا عن الصف، فيجب أن تبطل صلاته؛ دليله: لو لم يقرأ خلف الإمام، أو وقف إلى جنب امرأة. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لو كان في الصف، بطلت صلاته، كذلك إذا كان فذًا. قيل له: لا نسلم هذا (١)، بل نقول: لو كان في الصف، لم تبطل صلاته بترك القراءة، لا بوقوفه إلى جنب امرأة، وأجودُ ما يقال في ذلك: أنه قام مقامًا لا يجوز أن يقومه مع اختصاصه بالنهي لأجل صلاته، ففسدت صلاته؛ دليله: إذا قام قدام الإمام، ولا يلزم عليه إذا وقف إلى جنب امرأة؛ لأنه غير مختص بالنهي، بل هما مشتركان (٢) فيه، وكذلك إذا وقف الإمام في وسط الصف، هو غير مختص بالنهي، بل الجميع مشتركون في النهي، ولا يلزم عليه (٣): إذا وقف الإمام خلف المأمومين أن صلاته لا تفسد؛ لأن ذلك النهي ليس لأجل صلاته، وإنما نهي لأجل غيره، وهو أن ذلك يفسد صلاة المأمومين؛ بدليل: أنه لو كان منفردًا، وقف حيث شاء، ولو حذفنا الوصف الثالث، جاز؛ لأنه إذا صلى

стр. 961

خلفهم، أخرج نفسه من الإمامة، فتبطل. واحتج المخالف: بما روى أبو بكر بإسناده عن أنس بن مالك ﵁: أن جدته ﵂ دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال رسول الله ﷺ : "قوموا فلنصَلِّ بكم"، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِس، فنضحْتُه بماء، فقام رسول الله ﷺ ، وصففت أنا ويتيم، والعجوزُ من ورائنا، فصلى بنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف (١)، قالوا: فوجه الدلالة: أن الصبي مع الرجل ليس بصف، ومع هذا، فالنبي ﷺ قد أقرهما على ذلك. والجواب: أن هذا كان في صلاة النافلة؛ لأنه ﵇ صلى بهم في دارهم، ولأنه صلى بهم ركعتين، وقد أجاز أحمد ﵀ موقف الرجل مع الصبي في صلاة النافلة، فقال في رواية صالح (٢) - وقد سئل: أيصلي الرجل وخلفه رجل وغلام؟ -، فقال: أما الفريضة، فلا يصلي حتى يدرك، وأما التطوع، فلا بأس به. وإذا كان كذلك، فقد قلنا بظاهره، وعلى أنه يحتمل أن يكون اليتيم بالغًا، وقد كانت العرب تقول: يتيم أبي طالب؛ يعنون: النبيَّ ﷺ (٣). واحتج: بما روى أبو بكر بإسناده عن الحسن عن أبي بكرة ﵁

стр. 962

قال: أتيت المسجد، والنبي ﷺ راكعٌ، فركعت، ثم مشيت حتى دخلت الصف، فلما انصرف النبي ﷺ ، قال: "من فعل هذا؟ "، قال: أنا، قال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد" (١)، فوجه الدليل: أنه صار فذًا في تكبيرة الإحرام، وأقره النبي ﷺ على ذلك. والجواب: أن أبا بكرة كان جاهلًا في حكم الفذ، وقد أجاز أحمد ﵀ صلاة من جهل ذلك إذا كَبَّر دون الصف، ودخل في الصف، فقال في رواية مهنا (٢) - وقد سئل عن رجل ركع ركعة، وسجد سجدتين دون الصف، ثم جاء الناس، فقاموا إلى جنبه في الثلاث ركعات؟ -، فقال: يعيد الصلاة كلها، ولو كان ركع وحدها، ولم يسجد السجدتين، لم يكن عليه إعادة، لأن أبا بكرة ركع دون الصف، ولم يسجد. وكذلك نقل إبراهيم بن الحارث (٣): في رجل كبر خلف الصف وحده، ثم ركع الإمام، فركع معه، فلحقه رجل، فدخل معه قبل أن يرفع الإمام، تجزئه صلاته، ولو لحقه بعد ما رفع الإمام، أعاد الصلاة، وكذلك نقل بكر بن محمد عنه (٣): في رجل كبر خلف الإمام وحده، ثم جاء آخر: يجزئه، إلا أن يكون الركوع؛ يعني: فلا يجزئه، فقد نص على أنه

стр. 963

إن أكمل الركوع خلف الإمام، لم تصح صلاته، وإن لم يكمل الركوع، لكنه كبر ووقف، ثم دخل في الصف في حال الركوع: أنه يجزئه، وإذا كان كذلك، فقد قلنا بموجب الخبر. واحتج: بما روى ابن عباس ﵄ قال: بتُّ عند خالتي ميمونةَ بنتِ الحارث ﵂ ليلةً، ورسولُ الله ﷺ عندها، فقام يصلي من الليل، فقمت عن يساره لأصلي بصلاته، فأخذ بذؤابة كانت لي، أو برأسي، حتى جعلني عن يمينه (١)، قالوا: فالنبي ﷺ لم يحكم ببطلان صلاته، وقد كَبَّر عن يساره. والجواب: أن هذا الخبر لا حجة فيه، لأنه ليس فيه أنه كبر، وإنما قال: قمت عن يساره لأصلي، ويحتمل أن يكون لم يكبر، ولو ثبت أنه كبر، فإنها صلاة نافلة، وقد حكينا عن أحمد ﵀: أنه يقف في صلاة النفل خلف الإمام مع صبي، ولأنا قد بيّنا أن تكبيرة الإحرام خلف الصف لا تمنع البناء، فلم يكن في هذا حجة، وعلى أنه حجة لنا؛ لأن النبي ﷺ أداره عن يمينه، كان فيه نهيٌ عن الوقوف على يساره، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. واحتج: بأن هذا موقف مؤتم بحال، أشبهَ إذا وقف في الصف. والجواب: أنه، وإن كان موقف مؤتم بحال، وهو إذا وقف إلى جنبه رجل، فليس هو في هذه الحال موقف مؤتم، ويجب أن يساوي

стр. 964

وقوفه قدام الإمام الذي ليس بموقف مؤتم بحال، ومثل هذا ما قلناه: إن العقد على المعتدة، والعقد على ذوات المحارم لا يصح، وهما سواء في فساد العقد، وإن كانا يفترقان في الجواز في حالة أخرى، وهو أن المعتدة تباح بحال، وهو بعد انقضاء العدة، وذوات المحارم لا تباح بحال، وكذلك لا يصح بيع الخمر، والبول؛ لأنهما نجسان (١) في الحال، وإن كان للخمر حالة يطهر فيها، وهو إذا زالت (٢) الشدة، والبول ليس له حالة للتطهير، وكذلك قلنا نحن (٣)، والشافعي (٤) ﵀: إن الولد لا يلحق للمشرقي (٥) من المغربية، وقسناه على زوجة الصبي إذا جاءت بولد يعلمه أنه لا يمكن أن يكون منه، وإن كنا نعلم أن الصبي ليس له فراش أصلًا، والمشرقي له فراش في الجملة، لكن لما اتفقا في هذه الحالة، تساويا في نفي النسب، كذلك الفذ قد ساوى المتقدم على الإمام في الحال، وإن اختلفا من الوجه الذي ذكرته، ولأن المعنى في الأصل: أنه لم يخالف مسنون الموقف، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه انفرد عن الصف، أو نقول: ليس كذلك ها هنا؛ لأنه لم يتأخر عن الإمام فيما أُخذ عليه التقدم فيه.

стр. 965

واحتج: بأن مخالفة مسنون الموقف لا يبطل، كما لو وقف إلى جنب امرأة، أو وقف الإمام في وسطهم. والجواب: أن الرجل لم ينفرد بالمخالفة، بل شاركته المرأة، ولم تبطل صلاتها، وكذلك أهل الصف لم يتفردوا بالمخالفة، بل شاركهم الإمام، ولا تبطل صلاته، وها هنا انفرد الفذ بالمخالفة والوقوف على يساره، فبطلت صلاته؛ كما لو وقف قدام الإمام. واحتج: بأن الركعة من الصلاة، فإذا صلى فذًا، لم تبطل صلاته؛ دليله: تكبيرة الإحرام؛ فإنه قد نص على جواز ذلك، وكما لو كانا نفسين خلف الصف، فكبر أحدهما قبل صاحبه، فإن الصلاة صحيحة، نص عليه في رواية الأثرم (١)، وإبراهيم بن الحارث: في رجلين وقفا خلف الإمام، فكبر أحدهما قبل صاحبه، يخاف أن يدخل في الصلاة خلف الصف؟ فقال: ليس هذا من ذاك، إنما ذاك في الصلاة بكمالها، أو ركعة كاملة، وما شابه ذلك. والجواب: أنه لا يمتنع أن نقول: إذا استدام الانفراد عن الصف، أبطل، وإذا كان يسيرًا، لم تبطل؛ كما قلنا في كثير العمل في الصلاة يبطله (٢)، وقليله لا يبطل، ولأن هذا قياس المنصوص عليه، على المنصوص عليه وهذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط أحد النصين،

стр. 966

وذلك حديث أبي بكرة ﵁ يقتضي جواز التكبيرة، وحديث وابصة ﵁ يقتضي ما زاد عليها، ففي صحة هذا القياس إبطال أحد النصين، وهذا لا يجوز. وجواب آخر: وهو: أنه إنما تصح صلاته إذا كان جاهلًا بالحكم، والجاهل كالناسي عند مخالفنا في النهي عنه في المنهي، جاز أن يكون حكمه عندنا حكم الناسي في العفو في المأمورات ما لم يمنع دليل، ولهذا قالوا: لو تكلم في الصلاة جاهلًا، أو أكل في الصيام جاهلًا بذلك، لم تبطل صلاته، ولا صيامه، كذلك عندنا ها هنا. واحتج بعضهم: بأنه لو وقف إلى جنبه غيره، صحت صلاته، فإذا وقف وحده، صحت؛ كالإمام، والمنفرد. والجواب: أنه ليس إذا انضم إليه صحت صلاته، يجب أن تصح إذا انفرد؛ بدليل: الشاهد الواحد إذا انضم إليه غيره، قبلت شهادته، ولو انفرد، لم تقبل، وكذلك الإيجاب إذا انضم إليه القبول، صح، ولو انفرد، لم يصح العقد، ثم المعنى في الأصل: أنه أصاب مسنون الموقف، وها هنا قام مقامًا لا يجوز أن يقومه مع اختصاصه بالنهي لأجل، فهو كما لو وقف قدامه. واحتج: بأنه لو وقف إلى جنب (١) صبي، صحت صلاته، والصبي ليس من أهل الصف، فدل على أن الفذ لا تبطل صلاته.

стр. 967

والجواب: أننا ننظر، فإن وقف إلى جنب صبي في صلاة الفرض، لم تصح صلاته، وإن وقف إلى جنبه في صلاة النفل، صحت، وكان المعنى فيه: أن الصبي لا يصح أن يكون إمامًا للرجل في الفرض، فلهذا لم يصافه؛ كالمرأة، وليس كذلك في صلاة النفل؛ لأنه يصح أن يكون إمامًا له فيها على إحدى الروايتين، فلهذا جاز أن يصافَّه، وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية صالح: في الرجل يصلي، وخلفه رجل وغلام؟ فقال: أما الفريضة، فلا يصلي حتى يدرك، وأما التطوع، فلا بأس به (١). وكذلك نقل أبو الحارث (٢): إذا صلى رجل وغلام في الصف، لم يدرك الغلام؟ يعيد. وإذا ثبت أن الصبي لا يصاف الرجل في الفريضة، فاين يقوم الصبي؟ فيه روايتان: إحداهما: يقوم عن يسار الإمام، والرجل عن يمينه، نص عليه في رواية أبي طالب (٣): في رجل صلى مع رجل، فجاء صبي لم يبلغ، فلا يقوم الرجل مع الصبي خلف الإمام، وليقُمْ عن يسار الإمام. والثانية: أنه مخير، إن شاء أقامه عن يساره، وإن شاء أقامه عن يمينه مع الرجل، نص عليه في رواية حرب (٤): في إمام حضره رجل وغلام ابن عشر سنين،

стр. 968

فإن قام في وسطهما، أو أقامهما عن يمينه، فلا بأس؛ فقد خير في ذلك. واحتج: بأنه لو صلى إلى جنب محدِث، وهو لا يعلم بحدث نفسه، ثم علم، فإن صلاة من صلى إلى جنبه صحيحة، وإن كان فذًا. والجواب: أن المذهب على هذا، وأن صلاته صحيحة، نص عليه في رواية العباس بن محمد بن موسى (١)، فقال: إذا كان أحدهما محدثًا، يعيد المحدث، وصلاة الآخر تجزئه (٢)، وكان المعنى فيه: أنه يصح أن يكون إمامًا له على هذه الصفة، ولهذا جاز أن يصافه، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، وأن المحدث إذا صلى بغيره، ولم يعلم بحدث نفسه: أن صلاة المأموم صحيحة، كذلك إذا صافه؛ لأن حال (٣) الإمامة أكمل، وقد صحت كذلك ها هنا، ولهذا نقول: لو صلى إلى جنب كافر، وهو لا يعلم، ثم علم: أن صلاته باطلة؛ لأنه لا يصح أن يكون إمامًا له على هذه الصفة، وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية المروذي (٤):

стр. 969

إذا صلى إلى جنبه جهمي، فلم يعلم حتى فرغ: يعيد، إنما كان وحده. فإن قيل: أليس قد قال الخرقي (١): وإن أم أميًا وقارئًا، أعاد القارئ وحده، ومعلوم أنه إذا حكمنا ببطلان صلاة القارئ، حصل الأميّ فذًا، والفذ خلف الصف تبطل صلاته. قيل: المسألة محمولة على أن الأمي عن يمين الإمام، فإذا بطلت صلاة القارئ، لم تبطل صلاته، أو يحمل على أنهما خلفه، ومع الأمي أمي آخر، فإذا بطلت صلاة القارئ، لم تبطل صلاة الأمي. فإن قيل: فما تقولون فيه إذا صلى منفردًا عن الصف في صلاة النافلة؟ قيل له: صلاته باطلة كالفريضة، وقد نص أحمد ﵀: على أنه إذا وقف إلى جنب صبي في صلاة النفل، تصح صلاته؛ بخلاف الفرض، فيحتمل أن تجوز صلاة النفل فذًا؛ لأن النفل أخف، ولهذا يجوز على الراحلة. فإن (٢) قيل: فقد روى مهنا عن أحمد ﵀: في رجل صلى يوم الجمعة مع الإمام ركعة وسجدتين في الصف، ثم زحموه، فصلى الركعة الأخرى خلف الصف وحده: يعيد الركعة التي صلاها وحده (٣).

стр. 970

قالوا: وهذا يدل على أن صلاته فذًا لا تبطل الصلاة من أصلها، وإنما يمنع الاعتداد بها، ويبني على تحريمته. قيل له: قد صرح بالبطلان في رواية الأثرم (١)، وصالح (٢)، وعبد الله (٣)، وأبي الحارث (٤)، وما نقله مهنا فهو محمول على أحد وجهين: أحدهما: ما أومأ إليه أبو بكر: وأن الصلاة في هذه الحال انعقدت في الصف، وإنما صار [فذًا] (٥) في أثنائها، ولا يمتنع أن ينافي الابتداء، ولا ينافي الاستدامة؛ كالعدة، والردة، والإحرام في عقد النكاح، والرجعة. والوجه الثاني: أنه في هذا الحال صار فذًا بغير اختياره، وهو أنه

стр. 971

زُحم فيه؛ بحيث لا يمكنه المقام في الصف، ولا عن يمين الإمام، وليس يمكنه أن ينفرد بفعل هذه الصلاة، فكانت هذه حال ضرورة، فجاز أن نحكم بصحتها؛ كما جاز ذلك في حق المريض يصلي قاعدًا، أو العادم للماء يصلي متيممًا. واحتج: بأنه صلى فذًا، فلا تبطل صلاته؛ كالمرأة. والجواب: أننا ننظر، فإن انفردت عن صف النساء، بطلت صلاتها، وإن انفردت عن صف الرجال، لم تبطل؛ لأن ذلك مسنون موقفها؛ بدليل: أم سلمة ﵂، وليس كذلك الرجل؛ لأنه موقف لا يجوز أن يقفه بحال مع اختصاصه بالنهي، والله أعلم. * * * ١١٩ - مَسْألَة: لا بأس بقتل القملة ودفنها في الصلاة: نص عليه في رواية حرب (١): في الرجل يكون في الصلاة، فيأخذ القملة، فإن قتلها، فلا بأس، وإن دفنها، فلا بأس.

стр. 972

وبه قال أبو حنيفة ﵀ (١). وقال أبو يوسف: قد أساء، وصلاته تامة (١). دليلنا: ما رُوي عن ابن مسعود ﵁: أنه أخذ قملة في الصلاة، فدفنها، ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦] (٢). وأيضًا: سئل النبي ﷺ عن تسوية الحصى في الصلاة؟ فقال: "مرة واحدة، أو دع" (٣)، فأباح تسوية الحصى في الصلاة مرة، وطرح القملة

стр. 973

ليس بأكثر من تسوية مرة، وقد نص على هذا في رواية أبي طالب (١) - وقد سأله عن مسح الحصى في الصلاة؟ -، فقال: مرة واحدة، وأبو ذر سأل النبي ﷺ ، فقال: "مسحة واحدة، أو دع". ولأنه لو حك بدنه، لم يكره له، كذلك إذا طرحها ليس بأكثر من حك البدن. واحتج المخالف: بقول النبي ﷺ : "كفوا أيديكم في الصلاة" (٢)، وقال: "اسكنوا في الصلاة" (٢)، وقتل القملة ودفنها ينافي السكون، فوجب أن يكره له ذلك. والجواب: أنا نخص الخبرين، ونحملهما على غير هذه الحال؛ بدلالة ما قدَّمنا. واحتج: بما رُوي: أن النبي ﷺ قال في النخامة في المسجد: "إنها خطيئة، وكفارتها دفنها" (٣)، فجعل التنخم فيه خطيئة، والناس ينفرون من

стр. 974

القمل أكثر مما ينفرون من النخامة، فلأن يصان عن قتل القمل فيه ودفنها أولى. والجواب: أن النبي ﷺ جعل دفن النخامة كفارة لها، فإذا دفنها، صار كأنه لم يتنخم، كذا إذا دفن القملة يجب أن يصير كأنه لم يفعل في صلاته شيئًا، وقد روى إسحاق (١) قال: رأيت أحمد ﵀ في الجامع يبزق في التراب، ويدفنه. واحتج: بأن قتلها ودفنها اشتغال عن الصلاة بما ليس منها، فوجب أن يكون كالالتفات، والعبث في الثياب، ونحو ذلك (٢). والجواب: أن هذا باطل بحك البدن، وقتل العقرب، والله أعلم. * * * ١٢٠ - مَسْألَة: لا يكره عدُّ الآي (٣) في صلاة الفرض والنفل:

стр. 975

نص عليه في رواية الأثرم (١)، وإبراهيم بن الحارث (١)، وقد سئل: عن عدِّ الآي (٢) في الصلاة؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأسٌ. وقال أبو حنيفة: يكره ذلك في الصلاة (٣).

стр. 976

وقال أبو يوسف: يكره في الفرض، لا في النفل (١). دليلنا: ما أخبرني الخطيب (٢) بإسناده (٣) عن واثلة بن الأسقع ﵁: أن النبي ﷺ قال: "عدُّ الآي في الفريضة والتطوع" (٤)، ولأن النبي ﷺ قرأ فاتحة الكتاب في صلاته، فعدَّها سبع آيات عد الأعراب (٥).

стр. 977

وأيضًا: ما روى وكيع أبو بكر محمد بن خلف (١) في كتاب العدد (٢) بإسناده عن أنس ﵁: قال: كان رسول ﷺ يعقد الآي في الصلاة، قال: أنس وأنا أعقد الآي في الصلاة (٣). وروى أيضًا بإسناده عن أبي إمامة، وواثلة ﵄: أن النبي ﷺ سئل عن عدد الآي في الصلاة؟ فلم ير به بأسًا في التطوع (٤).

стр. 978

وروى بإسناده عن عائشة ﵂ كانت تعد الآي في الصلاة بخاتمها، تحوله في أصابعها (١). ولأنه لا يغير هيئة المصلي أشبهَ حكَّ البدن، وقتلَ العقرب، وقتل القملة، ولا يلزم عليه الالتفات، والعبث بالثياب؛ لأنه يغير هيئة المصلي، ولأنه قد يقصد ذلك في الصلاة ليعرف قدر القراءة المسنونة؛ فإنه قد رُوي: أن النبي ﷺ قرأ في الظهر بنحو (٢) ثلاثين آية (٣). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، والخشوع السكون، وعدُّ الآي ينافي السكون. ورُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "كفوا أيديكم في الصلاة" (٤)، وقال: "اسكنوا في الصلاة" (٤).

стр. 979

والجواب: أن هذا محمول على غير هذه الحال؛ بدليل ما ذكرنا. واحتج: بما روى وكيع بإسناده عن أبي أمامة، أو (١) واثلة ﵄: أن النبي ﷺ سئل عنه؟ فكرهه في صلاة الفرض (٢). والجواب: أنا قد روينا عن واثلة: أن النبي ﷺ قال: "عدُّ الآي في الفريضة والتطوع" (٣). واحتج: بأنه فعلٌ في الصلاة ليس منها، فكان منهيًا عنه؛ كالعبث بالثياب واللحية. والجواب: أنه يبطل بقتل القملة، والعقرب، وحك البدن. فإن قيل: فما تقولون في عدّ (٤) التسبيح؟ قيل: نقل إبراهيم بن الحارث (٥) عن أحمد ﵀: أنه قال: أما عدّ (٦) الآي، فقد سمعناه، وأما التسبيح، فما سمعناه، قال أبو بكر

стр. 980

عبد العزيز ﵀: لا بأس به؛ لأنه في معنى عدّ (١) الآي في الصلاة (٢). والله أعلم. * * * ١٢١ - مَسْألَة: إذا كان الأنين في الصلاة من وجع، فإنه يقطع الصلاة، وإن كان من خوف الله تعالى، فإنه لا يقطع (٣): وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي الحارث (٤) - وقد سأله عن الأنين في الصلاة؟ -، فقال: إذا كان عاليًا (٥)، أكرهه. وهذا محمول على الأنين من وجع.

стр. 981

وقد قال في رواية محمد بن ماهان (١): في الرجل يقرأ في الصلاة، فيمر بالآية، فيغلبه البكاء حتى ينتحب؟ فقال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يُسمع نشيجُه (٢) وهو في الصلاة (٣)، فقيل له: صلاته تامة؟ قال: نعم، وهذا محمول على أنه من الخوف، ورأيت في تعاليق أبي حفص العكبري عن أبي عبد الله بن بطة: أنه قال (٤) في الرجل يتأوه في الصلاة؟ فقال: إن تأوه من النار، فلا بأس، وإن تأوه لغير ذلك؛ مثل أن يصيبه حجر، فيقول: أوّه، وما أشبه هذا؛ فإنه يفسد صلاته، وبه قال أبو حنيفة (٥). وقال أبو يوسف: لا يقطع، سواء كان من وجع، أو من خوف الله تعالى (٦).

стр. 982

وقال الشافعي ﵁: يقطع الصلاة بكل حال (١). دليلنا: التأوه يقع على الهجاء، ويدل بنفسه على المعنى، فيصير كلامًا، والكلام إذا كان على غير وجه الذكر لله تعالى، يفسد الصلاة؛ بدلالة سائر كلام الناس، ولا يلزم عليه إذا كان من خوف الله تعالى؛ لأنه يصير ذكرًا لله تعالى، ألا ترى أنه قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]؟ رُوي في التفسير (٢): أنه كان يتأوه من الخوف لله تعالى، فمدحه على ذلك، فدل على أنه إذا كان من خوف الله تعالى، يجري مجرى ذكر الله تعالى، فلا يفسد الصلاة، ويبين صحة هذا: ما احتج به أحمد ﵀ من حديث عمر: كان يسمع نشيجه في الصلاة، ومعناه: يرفع الصوت بالبكاء في الصلاة حتى يُسمع، هكذا ذكره أبو عبيد (٣)، ولا يلزم عليه التنحنح؛ لأنه لا يدل بنفسه على المعنى، وإنما يفهم به المراد إذا كان على وجه الجواب، أو قصد به الخطاب؛ كالتصفيق ونحوه، مع أنه قد رُوي في التنحنح روايتان، نقل أبو طالب عنه (٤): لا يتنحنح؛ فإن النبي ﷺ قال: "إذا نابكم شيء، فليسبح الرجال، ولتصفق النساء" (٥)، هو من غير الصلاة مثل السلام، ونقل المروذي قال: كنت

стр. 983

آتي أبا عبد الله وهو يصلي، فيتنحنح في صلاته؛ لأعلم أنه يصلي (١). ولا يلزم عليه النفخ؛ لأن فيه روايتين: نقل عبد الله (٢)، وصالح (٣)، وحنبل (٤)، وأبو طالب (٥): أنه إن نفخ، فسدت صلاته، وهو أصح؛ لأنه يقع على الهجاء، ويدل بنفسه على المعنى، ونقل ابن منصور (٦): الكراهة، إلا أني أقول: لا يقطع الصلاة؛ كالنحنحة. واحتج أبو يوسف: بأنه بمنزلة التنحنح، وقد بينا الفرق بينهما. واحتج أصحاب الشافعي ﵃: بقوله ﵇: "صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" (٧)، وهذا ليس بواحد منها. والجواب: أنا نقول: أو الأنين؛ بدليل ما ذكرنا.

стр. 984

واحتج: بأنه ليس بذكر، أشبهَ خطابَ الآدمي. والجواب: أنا لا نسلم ذلك؛ لما بيناه، والله أعلم. * * * ١٢٢ - مَسْألَة: أقل السفر الذي يباح فيه القصر، والإفطار، والمسح ثلاثًا: ستة عشر فرسخًا (١)، ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي (٢): نص عليه في رواية الأثرم (٣)، والمروذي (٤)، وحرب (٤)، وهو قول

стр. 985

مالك (١)، والشافعي (٢) ﵄. وقال أبو حنيفة ﵀: أقل مسيرة ثلاثة أيام سير الإبل، ومشي الأقدام (٣). وقال داود: لا حدَّ له، ويقصر في قصير السفر وطويله (٤). دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وظاهر هذا: أن كل ضرب في الأرض يجوز فيه القصر، إلا ما خصه الدليل. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، هو عام في كل ما يسمى سفرًا. وأيضًا: ما روى أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب مختصر المختصر (٥) عن عطاء بن رباح عن عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "يا أهل مكة! لا تقصروا في أدنى من أربعة بُرُدٍ من
следующие страницы →