← Каваид фикха

Каваид фикха · id 127669

القواعد للحصني

تقي الدين الحصني

Полный текст (1 662 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(١) بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى جبريل (٢) الحمد لله الفاتح أبواب المعارف (٣) لطالبها، المانح أسباب العوارف (٤) لراغبها، وأشهد أن لا إِله إِلا الله شهادة تنجي قائلها من الكرب، وتدفع عن قائلها أعباء النصب (٥) والوَصَب (٦)، وأحمده حمدًا يليق بجلاله، وأشكره وهو (٧) من جملة آلائه، وأصلي على سيد الأولين والآخرين (٨) والمرسل مِنْ مَنِّ الله تعالى رحمة للعالمين.

стр. 177

وبعد: فإِنَّ العلم أشرف المطالب وأعلاها، وأهم ما بذلت فيه النفوس وأولاها، وقد بين الله تعالى شرفه وفضله، ومَيَّزَ في الشهادة له بالوحدانية حَمَلَتَه وأَهلَه، فقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ (١) الآية، والآيات في ذلك كثيرة (٢). وقال ﷺ : (إِنَّ العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب) (٣). والأحاديث في ذلك كثيرة (٤).

стр. 178

وقال أبو مسلم الخولاني (١) ﵁: (مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء، إِذا بدت للناس اهتدوا، وإِذا خفيت عليهم تحيروا) (٢). وقال أبو هريرة (٣)

стр. 179

وأبو ذر (١) ﵄: (باب من العلم نتعلمه أحب إِلينا من ألف ركعة تطوع) (٢). وقال عمر ﵁: (لموت ألف عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت العالم البصير بحلال الله وحرامه) (٣). والآثار في هذا كثيرة جدًا. ثم أفضل العلوم بعد معرفة الله تعالى معرفة تكاليفه وأحكامه، وما يتعبد به المكلف في نقضه (٤)

стр. 180

وانبرامه (١)، وهو علم الفقه المستنبط من الكتاب والسنة، لما فيه من النفع العام لجميع الأنام، وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين) (٢) وقال ﵊: (ما عبد الله بشيء أفضل من فقهٍ في الدين) (٣).

стр. 181

وقال ابن عيينة (١): (لم يعط أحد بعد النبوة شيئًا أفضل من العلم والفقه) (٢). ولما كان الفقه بهذه المرتبة الشريفة والمزايا المنيفة، كان الاهتمامُ به هو المقصد الأعلى، وبذلُ النفوس فيه هو الأولى. ثم من أحسن ما يعانيه الفقيه المتقن، والنبيه المحسن، معرفة القواعد الكلية والمعاقد المرعية، وما يتخرج من الفروع عليها ويرجع من الشوارد المتفرقة إِليها، وهي لا توجد إِلا غير مجتمعة، ومع ذلك فليست بموضحة ولا مقنعه، فأردت جمعها (٣) بعد تشتيت شملها. ثم الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية [الفرعية] (٤) عن أدلتها التفصيلية (٥). وبيان

стр. 182

هذا مقرر في موضعه (١). وهذه الأحكام منحصرة في جلب المصالح ودرء المفاسد، لأن الشريعة كلها مبنية على ذلك (٢)، ثم جلب المصالح إِما أن يكون المقصود الأعظم من تحصيلها في الآخرة، أو في الدنيا. النوع الأول: العبادات بأنواعها، فمنها: الصلوات بأنواعها، وكذا الزكاة، والصيام والحج، والجهاد، والعتق بأنواعه، وسائر أنواع البر. والنوع الثاني: الذي يكون المقصود الأعظم منه في الدنيا: هو المعاملات (٣). * * *

стр. 183

[تقسيم الحكم الشرعي إِلى حكم تكليفي، وحكم وضعي] اعلم أن الحكم الشرعي قسمان: خطاب تكليف، وخطاب وضع، هذا هو الراجح عند الآمدي (١) وابن الحاجب (٢) وغيرهما (٣)

стр. 184

من المحققين (١)، وهو بناء على أن الحد (٢) الصحيح للحكم الشرعي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع (٣)، و "أَوْ" هنا للتقسيم لا للترديد. واختار الإِمام فخر الدين (٤) واتباعه إِسقاط

стр. 185

الوضع (١) وردوا ذلك إِلى أن الحاصل من خطاب الوضع يرجع إِلى معنى الاقتضاء والتخيير، لأن معنى كون الشيء سببا إِيجاب الشيء عند ذلك، وكون الشيء شرطًا حرمة ذلك الشيء بدون الشرط، وكون الشيء مانعًا كذلك أيضًا، وهكذا سائر أنواعه (٢). ومنهم من منع تسمية هذه الأشياء الوضعية كلها أحكامًا، وقالوا: هي علامات للأحكام ولوازمها (٣). وهو ضعيف، إِذ لا تخرج بذلك عن كونها حكمًا مشروعًا،

стр. 186

فلله تعالى في الزاني حكمان، أحدهما: تحريم ذلك عليه. والثاني: جعل زناه سببًا لوجوب إِقامة الحد عليه. وبهذا عرف أن الاقتضاء والتخيير غير متعلقين بهذه الأمور الوضعية، بل بما هي متعلقة به (١)، فَنَصْبُ الشيء سببًا وشرطًا ومانعًا غيرُ كونِ السببِ والمشروطِ مطلوبًا أو ممنوعًا منه أو مخيرًا فيه، فالاقتضاء والتخيير غير متوجهَين إِلى السبب والشرط وأمثالهما. ومما يبين الفرق بينهما: أن خطاب التكليف لا بد فيه من علم المكلف وقدرته وشعوره به. وأما خطاب الوضع، فمنه: ما هو كذلك، كعقد النكاح والبيع وتعاطي الزنى ونحوه. ومنه: ما لا يشترط فيه ذلك (٢)، كما إِذا مات قريب الإِنسان وهو لا يشعر فإِن التركة تدخل في ملكه، وإِن كان فيها من يعتق عليه [عتق] (٣)، وكذا يجب الضمان بإِتلاف النائم والمجنون والمغمى عليه في أقوالهم وإِن لم يكن ذلك بقصدهم ولا معلومًا لهم، بل ولا بتعاطيه (٤) كإِيجاب الدية على العاقلة. إِذا تقرر انقسام الحكم الشرعي إِلى هذين القسمين فلنشر إِلى أنواع كل منهما علي وجه الاختصار. * * *

стр. 187

[أنواع الحكم التكليفي] أما خطاب التكليف: فهو يتنوع إِلى الأحكام الخمسة، التي هي الإِيجاب والتحريم والندب والكراهة والإِباحة، لأن الاقتضاء إِما اقتضاء الفعل أو اقتضاء الكف، وكل منهما إِما مع المنع من النقيض أوْ لا، فاقتضاء الفعل مع قيد المنع من الترك هو الوجوب (١)، واقتضاؤه لا مع المنع من الترك هو الندب، واقتضاء الكف مع قيد المنع من الفعل هو التحريم، واقتضاؤه لا مع المنع من الفعل هو الكراهة، والتخيير بين الفعل والترك هو الإِباحة، وربما عبر عنه برفع الحرج عن الفعل والترك (٢). [الواجب] فخاصية الواجب (٣) الذم وترتيب العقاب على الترك، والثواب عند قصد

стр. 188

الامتثال. وإِن لم يقصد الامتثال، وكان الفعل مما يفتقر إِلى النية، لم يخرج عن العهدة إِلا بها، كالصوم والصلاة وأمثالهما على ما يأتي، وإِن لم يفتقر إِلى نية، كأداء الديون ورد المغصوب، خرج عن العهدة بدونها. نعم: لا يثاب إِلا إِذا قصد التقرب. [المندوب] وخاصية المندوب: الثواب (١) على الفعل، وعدم الذم على الترك (٢). [الحرام] وخاصية الحرام: الذم وترتب العقاب على الفعل (٣). نعم: يخرج [عن] (٤) عهدته بمجرد الترك، فإِن كف نفسه وقصد الامتثال أثيب، وإِلا فلا. [المكروه] وخاصية المكروه: أن لا يذم فاعله، وإِذا كف نفسه عنه امتثالًا أثيب (٥).

стр. 189

[المباح] وخاصية المباح: أن لا يتعلق به ثواب ولا ذم (١). نعم: إِن قصد به التوصل إِلى فعل الطاعة أثيب، كما أنه إِذا قصد به التَّقَوِّي على المعصية يأثم، [كمن يأكل لقصد التَّقَوِّي على العبادة، أو لمعصية] (٢) وكذا النوم وأمثاله. [أنواع الحكم الوضعي] وأما خطاب الوضع فحقيقته: الخطاب الإِنشائي المتعلق لا بالاقتضاء ولا بالتخيير. وهو أنواع. [السبب] منها: الحكم على الوصف بكونه سببًا، والسبب في اللغة: عبارة عما [يمكن] (٣) التوصل به إِلى مقصود ما (٤). وفي الاصطلاح: كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفًا لإِثبات حكم شرعي (٥).

стр. 190

وحقيقته: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم (١). فإِن تَخَلَّف الحكم فذاك إِما لفقد شرط، أو لوجود مانع. وإِن وجد الحكم عند عدمه فذاك لأنه خَلَفُه سببٌ آخر. ثم السبب صنفان (٢). أحدهما: الوقتي، وهو الوصف المعرِّفُ للحكم غيرَ مستلزمٍ حكمةً باعثة عليه (٣) كجعل زوال الشمس سببًا لوجوب الظهر في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ

стр. 191

الشَّمْسِ﴾ (١) وطلوعِ الهلالِ سببًا لوجوب صوم رمضان بقوله ﵊: (صوموا لرؤيته) (٢). والثاني: السبب المعنوي، وهو أن يكون الوصفُ في تعريفه للحكم مستلزمًا لحكمة باعثة على شرعية الحكم المسبب، كالزنى فإِنه سبب للعقوبة، والإِسكار في سببيته للجلد، والملك في كونه سببًا للانتفاع، والإِتلاف في أنه سبب للضمان، ونحوه من الأسباب المعنوية. والمستند في كون ذلك أسبابًا: إِما ورود الشرع به منصوصًا عليه، وإِما الحكمة الملازمة للوصف مع اقتران الحكم بها في صورة (٣).

стр. 192

[الشرط] ومنها: الحكم على الوصف بأنه شرط، وهو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته (١)، كالطهارة بالنسبة إِلى الصلاة، والحول بالنسبة إِلى الزكاة. وهو ينقسم إِلى: شرط السبب، وشرط الحكم (٢): فالأول: ما يكون عدمُه مُخِلًا بحكمة السبب، كالقدرة على التسليم، فإِنها شرطُ البيع الصحيح الذى هو سببُ ثبوت الملك المشتملُ على مصلحة، وهي حاجة الانتفاع بالمبيع، وهي متوقفة على القدرة على التسليم، فكان عدمه (٣) مخلًا بحكمة المصلحة التي شرع لها البيع. والثاني: ما اشتمل [عدمه] (٤) على حكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب، كالطهارة في باب الصلاة فإِن عدم الطهارة مع حال القدرة عليها، مع الإِتيان بالصلاة يقتضي نقيض حكم الصلاة وهو العقاب فإِنه نقيض وصول الثواب (٥).

стр. 193

[المانع] ومنها: الحكم على الوصف بكونه مانعًا، وهو ينقسم إِلى: مانع الحكم، ومانع السبب (١): فالأول: كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة المسبَّب (٢)، كالأبوة في القصاص مع القتل العمد العدوان، لاشتمال الأبوة على ما يقتضي عدم القصاص الذي هو حكم (٣) القتل العمد العدوان، والحكمة التي اشتملت الأبوة عليها (٤) هي: كون الوالد سببًا لوجود الولد، وذلك يقتضي عدم القصاص، لئلا يصير الولد سببًا لعدمه. (٥) والثاني: فهو كل وصف وجودي يخل وجوده بحكمة السبب (٦)، كالدين في الزكاة مع ملك النصاب عند من يقول بأنه يمنع الزكاة.

стр. 194

واعلم أن الموانع الشرعية ثلاثة أقسام (١): أحدها: ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره، كالرضاع يمنعُ صحةَ النكاح ابتداء ويقطعُ دوامًا. الثاني: ما يمنعه ابتداء دون الدوام، كالعدة تمنع صحة النكاح لغير من هي منه، ولو طرأت على نكاح صحيح بوطء شبهة لم تقطعه. الثالث: ما اختلف فيه (٢)، كالإِحرام بالنسبة إِلى ملك الصيد. فهذه الأنواع متفق على كونها من خطاب الوضع عند القائلين به. [أنواع أُخَر]: وزاد الآمدي وغيرُه أربعةَ أنواع وهي: الصحة والبطلان والعزيمة والرخصة (٣). وزاد القرافي (٤) نوعين آخرين؛ أحدهما: التقديرات

стр. 195

الشرعية (١)، الثاني: الحجاج (٢): أما الأول: فهو إعطاءُ الموجودِ حكمَ المعدوم والمعدوم حكم الموجود: مثال الأول (٣): الماء في حق المريض عند خوف استعماله فوات (٤) عضو أو منفعة فإِنه يباح له التيمم ويجعل الماء كالمعدوم. ومثال الثاني (٥): كالمقتول تورث عنه الدية، وإِنما تجب بموته، ولا تورث عنه إِلا إِذا دخلت في ملكه، وبعد موته لا يصلح لدخول شيء في ملكه، فيقدر دخولها في ملكه قبل موته في الزمن (٦) الفرد (٧)، حتى تنتقل إِلى ورثته وتقضى منها ديونه، فقدرنا المعدومَ موجودًا للضرورة، وله أمثلة تأتي إِن [شاء] (٨) الله تعالى (٩).

стр. 196

وأما الحجاج: فهي التي يستند إِليها القضاة في الأحكام، كالبينة والإِقرار، فيجب على الحاكم الحكم بها وهي في الحقيقة راجعة إِلى السبب. (١) واعلم: أنه قد يجتمع خطاب الوضع وخطاب التكليف في ذات واحدة، وقد ينفرد، خطاب الوضع في شيء واحد (٢)، وأما انفراد خطاب التكليف عن خطاب الوضع فقليل، إذ لا تكليف بشيء إلا وله سبب أو شرط أو مانع، أو هو سبب لغيره أو شرط فيه أو مانع من شيء آخر، إِلا في صور تأتي إِن شاء الله تعالى. مثال اجتماعهما: الزنى والسرقة فهما محرمان، وهما سببان للعقوبة المشروعة. وكذا الوضوء والستارة هما واجبان، وهما شرطان لصحة الصلاة، وكذا الإِحرام [واجب أو مندوب، و] (٣) هو شرط لصحة الحج والعمرة، ومانع من تعاطي المحرمات ومن صحة النكاح إِلى [غير] (٤) ذلك من الأحكام التي اجتمع فيها كلا الأمرين. ومثال انفراد الخطاب الوضعي: زوالُ الشمس وجميع أوقات الصلوات، فإِنها أسباب لوجوبها ولا يتعلق بنفس الوقت خطاب تكليفي. وكذا رؤية الهلال (٥). ودَوَرَانُ الحولِ شرطٌ في وجوب الزكاة. والحيضُ مانعٌ من الصوم والصلاة وغيرهما. وضابط هذا القسم: ما لا يكون في قدرة المكلف تحصيله. ومثال انفراد خطاب التكليف الصوم والحج والزكاة، فإِنها ليست أسبابا لشيء آخر

стр. 197

ولا شرطًا (١) ولا موانع (٢). واعلم أنه قد يكون الشيء أولًا من خطاب التكليف، وإِذا وقع صار سببًا لشيء آخر، كالعدة فإِنها واجبة أولًا، ثم يصير التلبس بها مانعًا من صحة العقد. وبهذا تبين أن أبواب (٣) الفقه كلها أربعة أقسام (٤): أحدها: ما اجتمع فيه خطاب التكليف وخطاب الوضع جميعًا، كالطهارة عن الحدث والخبث. وثانيها: ما كان خطاب وضع فقط ولا تكليف فيه، كالحيض والاحتلام. وثالثها: ما كان خطاب تكليف وليس سببًا لشيء آخر ولا شرطًا فيه ولا مانعًا، كالتطوعات (٥). ورابعها: ما كان من خطاب التكليف أولًا ثم صار من خطاب الوضع بعد الوقوع، كالأضحية والعقيقة (٦)، لأنهما بعد الوقوع سببان في المنع من بيع اللحم والجلد.

стр. 198

(القواعد الأربع) قال الهروي (١): "رد (٢) القاضي حسين (٣) جميع مذهب الشافعي إِلى

стр. 199

أربع قواعد: الأولى: اليقين لا يُزال بالشك، وأصلها (١) قوله ﵊: (إِن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته فيقول له: أحدثت أحدثت. فلا ينصرفَنَّ حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) (٢). الثانية: أن المشقة تجلب التيسير، وأصلها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣) وقوله ﵊: ("بعثت بالحنيفية السمحة) (٤).

стр. 200

الثالثة: الضررُ مُزَال، وأصلها قوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) (١). الرابعة: تحكيم العادة والرجوع إليها. وأصلها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ (٢) الآيات (٣)، وقوله ﷺ لحمنة بنت جحش (٤) ﵂: (تَحيَّضِي في

стр. 201

[علم] (١) الله ستًا أو سبعًا كما تحيض النساء وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن) (٢) رواه الترمذي وصححه وكذا الحاكم (٣). وزاد (٤) بعض الفضلاء قاعدة

стр. 202

خامسة وهي: أن الأمور بمقاصدها، لقوله ﵊: (إِنما الأعمال بالنيات) (١). وهو حسن جدًا، فقد قال الشافعي (٢) ﵁ في هذا الحديث: "إِنه يدخل فيه ثلث العلم" (٣).

стр. 203

القاعدة الأولى وهي: الأمور (١) بمقاصدها (٢) يعني أن الاعتبار بحسب النية للحديث (٣)، وفي الجملة الأولى من الحديث مقدر لا بد منه ليتم به الكلام تقديره: إِنما صحة الأعمال بالنيات، أو اعتبار الأعمال ونحو ذلك.

стр. 204

وفي قوله ﷺ : (وإِنما لكل امرئ ما نوى) معنيان، أحدهما: أن كل من نوى شيئًا حصل له. والثاني: أن (١) من لم ينو شيئًا لم يحصل له. فيدخل في هذين شيء لا يكاد يحصى من مسائل الفقه، ويرجع إليه كثيرُ أكبرِ أبواب الفقه (٢) كما ترى. أما ربع العبادات: فلا شك في اعتباره بالنية، فمنه: الوضوء والغسل والتيمم بأنواعها (٣)، وكذا: الصلوات بأنواعها العين والكفاية والسنة الراتبة والنافلة، ومن ذلك: الزكوات. وصدقة التطوع، ومنه: الصوم فرضًا أو نفلًا، ومنه: الحج والعمرة، وكذا: الضحايا والهدايا والنذور، والكفارات، وتدخل أيضًا في الجهاد، والعتق والتدبير (٤) والكتابة (٥)، بمعنى أن حصول الثواب في هذه الأمور متوقف على قصد التقرب لله تعالى، وكذا: فصل الخصومة بين المتداعين، وإِقامة الحدود على الجناة، وسائر (٦) جميع ما يتعاطاه الحكام، وكذا: في تحمل الشهادات وأدائها، ويسري ذلك إِلى سائر المباحات إِذا قصد بها التَّقَوِّي على العبادة، كالأكل والنوم وكذا النكاح إِذا قَصَدَ به الإِعفافَ له ولزوجته أو تحصيلَ الولد الصالح لتكثير الأمة إِلى غير ذلك مما لا يحصى.

стр. 205

و [كما دخل كل ذلك تحت] (١) قوله ﵊: (إِنما الأعمال بالنيات) خرج به التروكُ المجردة، كترك الزنى والسرقة وسائر المعاصي، فإِن مقصود الشارع ﷺ (٢) يحصل بمجرد تركها وإِن لم يخطر بالبال، ولهذا لم تشترط النية في إِزالة النجاسة لأنها بالتروك أشبه، بدليل أن الثوب المتنجس إِذا وقع في ماء كثير بلا قصد طهر، وفي وُجَيْهٍ (٣) تشترط النية (٤). نعم: إِن نوى غسلها تقربًا لأجل أداء الصلوات ونحوه أُثِيْبَ، كما أن من خطر له المعصيةُ فكفَّ نفسه عنها لله تعالى أثيب؛ لأن الكفَ فعلٌ. [حكم النية] إِذا تقرر: فقد اختلف الأصحاب (٥) في أن النية في العبادات (٦) ركن أو شرط.

стр. 206

وفيه وجهان (١)، اختار الأكثرون أنها ركن (٢). واختار القاضي أبو الطيب (٣) وابن الصباغ (٤): أنها شرط (٥). واختلف كلام

стр. 207

الغزالي (١)، فقال في الصلاة: "هي بالشرط أشبه" (٢)، وعدها ركنًا في الصوم (٣) واختلفوا في تفسيرهما (٤): فقيل: هما بمعنى [واحد] (٥)، أي: لا بد منهما، إِلا أن الشرط أعم، فكلُ ركنٍ شرطٌ، ولا ينعكس. وقيل: يفترقان افتراق الخاصين؛ فالشرط: ما تقدم على العبادة كالطهارة وستر العورة، والركن: لا يتقدم عليها (٦).

стр. 208

وأورد الرافعيُ (١) على ذلك: تركَ الكلام والأفعال الكثيرة في الصلاة، فإِن ذلك شرط ولا يتقدم على الصلاة (٢). فعلى هذا: ينبغي أن تكون النيةُ في الصوم شرطًا؛ لتقدمها عليه، بل لا تصح مقارنتها لأول الصوم على الصحيح. وفي الصلاة هي ركن، إِذ لا تصح فيها إِلا مقارنة لأولها، ويأتي هذا مبسوطًا (٣). ويمكن أن يقال كل ما كانت النية معتبرة في صحته فهي ركن فيه، وما يصح بدونها، ولكن يتوقف حصول الثواب عليها، كالمباحات والكف عن المعاصي، فنية التقرب شرط في الثواب.

стр. 209

[ما شُرِعت النية لأجله] واعلم أن الغرضَ الأهم من النية تمييزُ العبادات عن العادات، وتمييزُ العبادات بعضها عن بعض. الأول (١): كالوضوء والغسل كل منهما متردد بين التبرد والتنظف والتداوي والعبادة فشرعت النية لتمييز ذلك، وكذا الإِمساك عن المفطرات قد يكون للحمية وغيرها (٢)، وكذا دفع الأموال قد يكون هبة أو هدية أو وديعة وقد يكون للتقرب لله تعالى كالصدقات والكفارات والزكوات فشرعت النية لِتُمَيِّزَ ذلك، وكذا ذبح الذبائح قد يكون لتَغَذِّي الأبدان [أو] (٣) للضحايا إِلى غير ذلك. نعم: إِن كانت العبادة لا تلتبس بالعادة لم تحتج إِلى نية، كالإِيمان والعرفان (٤) والخوف والرجاء وأمثال ذلك؛ لأنها متميزة لله تعالى بصورتها. وكذا الأذكار والأذان وتلاوة القرآن لا يحتاج شيء منها إِلى نية التقرب، بل إِلى مجرد القصد لها، ولهذا لما كان الركوعُ والسجودُ الصلاة غير ملتبسين بغيرهما لم يجب فيهما ذكر (٥)، بخلاف القيام والقعود للتشهد فإِن كلا منهما ملتبس بالعادة [فـ]ـوجب (٦) فيهما

стр. 210

القراءة والتشهد (١). مثال تمييز رتب العبادات بعضها عن بعض: الصلاة، فإِنها تنقسم إِلى فرض ونفل، والنفل ينقسم إِلى راتب وغير راتب، والفرض ينقسم إِلى منذور وغيره، وغير المنذور ينقسم إِلى ظهر وعصر ومغرب وعشاء وصبح، وإِلى أداء وقضاء، فوجبت النية لتمييز هذه الرتب، فلا يكفي مجرد نية القربة مطلقًا، ولا يكفي مطق الراتبة، بل لا بد من تعيين الراتبة بالإِضافة إِلى الصلاة التي شرعت تابعة لها. وكذا في الكسوف والاستسقاء والعيدين لا بد من إِضافتها إِلى أسبابها لتمييز رتبها (٢)، ولا خلاف في شيء من ذلك (٣). إِلا في نية القضاء والأداء، ففيها (٤) أربعة أوجه (٥): أحدها: لا يشترط ذلك بل

стр. 211

يصح كل منهما بنية الآخر، وصححه الشيخان (١). ونقله الرافعي عن الأكثرين (٢). والثاني: يشترطان. والثالث: تشترط نية القضاء دون الأداء. والرابع: إِن كان عليه فائتة اشترطت نية الأداء وإِلا فلا، وبه قطع الماوردي (٣). واختار إِمام الحرمين (٤) الوجه الثاني طردًا لقاعدة الحكمة التي شرعت لها النية؛

стр. 212

لأن رتبةَ إِقامة الفرضِ في وقته تخالف رتبةَ تدارك الفائتة فلا بد من التعرض لذلك، وهو متجه. والقائلون بالأول: اجتهدوا بنص الشافعي في أنه لو اجتهد في يوم غيمٍ، وصلى، [ثم] (١) بان أنه صلى بعد الوقت، أجزأه (٢). وبأن الأسيرَ إِذا اشتبهت عليه الشهور، فصام شهرًا بالاجتهاد بنية الأداء، ثم تبين أنه كان بعد رمضان، يجزيه (٣). فصَحَّح القضاءَ فيهما بنية الأداء. وهذا يبين أن مرادهم بصحة كل منهما عن الآخر: فيما إِذا اجتهد فغلط؛ وبه صرح النووي (٤)، لا أنَّه يصح ذلك مع العلم لأنه

стр. 213

تلاعب (١)، فالأوقات ليست قربة ولا صفةً للقربة. وإِنما تذكر في النية لتمييز المرتبة، وكذلك (٢) تُمَيِّزُ الأسباب (٣). فإِذا نوى الكفارة (٤) ولم يذكر سببها أجزأه، لأن العتق في كفارة الظهار مثله في كفارة القتل أو الجماع في رمضان، فإِذا (٥) تَمَيَّزَ عن المُتَطَوَّعِ به بنية الكفارة أجزأه. بخلاف رتب الصلوات فإِنها مختلفة، ولذلك شُرِعَ في بعضها [ما] (٦) لم يُشْرَع في

стр. 214

الآخر كالجهر والإِسرار وغير ذلك. قال البندنيجي (١) والماوردي: "العبادات ثلاثة أقسام (٢)، أحدها: ما يشترط فيه نية الفعل دون الوجوب والتعيين وهو الطهارة (٣) والحج والعمرة. والثاني: ما يشترط فيه نية الفعل والوجوب [دون التعيين] (٤) وهو الكفارات والزكوات. والثالث: ما يشترط فيه نية الفعل والتعيين دون الوجوب وهو الصلاة والصوم". قال ابن عبد السلام (٥): لو تساوت مقاصدُ الصلاة من كل وجه، كما تساوت

стр. 215

مقاصد العتق، لما افتقرت إِلى تمييز بالنية". ثم تردد في صلاتي العيدين؛ لتساويهما من كل وجه. واختار أنه: "لا تحتاج إِلى أن تخص بفطر ولا أضحى" (١). حتى قال في صلاة الجمعة (٢): "إِنه لا تحتاج إلى قصد الاقتداء كما في غيرها؛ لأن الاقتداء شرط في الجمعة، فلا يفرد بالنية كسائر الشروط والأركان". فلم يكن ذكرُ الاقتداء فيها مُمَيِّزًا عن غيرها. قال: "وإِنما شرعت النية في التيمم وإِن لم يكن مُتَلَبِّسًا (٣) بالعادة لتمييز رتبه، فإِن التيمم عن الحدث الأصغر عين التيمم عن الأكبر، وهما مختلفان" (٤).
следующие страницы →