← Каваид фикха

Каваид фикха · id 127669

القواعد للحصني

تقي الدين الحصني

Полный текст (1 662 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ومنها: لو نوى أخذ الوديعة لنفسه لم يضمن بذلك على الصحيح، إلا أن يتصل بنيته نقل من الحرز (١). وقال ابن سريج (٢): "يضمن بمجرد النية" (٣) ولو نوى ألا يردها وقد طلبها المالك ففيه هذا الخلاف، وقيل: يضمن قطعًا، واختاره الماوردي (٤). وكذا لو كان الثوب في صندوق غير مقفل، ففتح رأس الصندوق ليأخذ الثوب، ثم بدا له (٥)، فيه الوجهان (٦). إِلي غير ذلك من الصور المشبهة لهذا.

стр. 247

ومنها: قصد الخيانة في اللقطة (١)، هل يقوم مقام الخيانة حتى يصير ضامنًا؟ فيه الوجهان في الوديعة. ومنها: إِذا أحيا أرضًا (٢) [بنية] (٣) جعلها مسجدًا فبمجرد النية صارت مسجدًا، ولا تحتاج إِلى لفظ كما في الوقف، قاله الماوردى (٤). ومنها: لو اشترى شاة (٥) بنية التضحية أو الإهداء، صارت كذلك: عند أبي حنفية (٦) ومالك (٧)، وفي التتمة (٨) وجه

стр. 248

كمذهبهما (١). قال الرافعي: "وغالب الظن أن هذا الوجه صدر عن غفلة، بل هو الوجه في دوام الملك يعني المتقدم" (٢). ويعبر عن هذه المسائل: بأن ما نصبه الشارع سببًا من قول أو فعل، هل تقوم النية مقامه أم لا؟ (٣). * * *

стр. 249

[أبواب أُخَر تدخل فيها النية] وبهذا تعرف أن النية لا تختص بالعبادات، بل تدخل في أبواب كثيرة غير ما ذكرنا: فمنها: العقود القابلة للكنايات إنما تنفذ كناياتها بالنية (١)، ثم التصرفات على ضربين (٢): ضرب: يستقل به الشخص، ولا يحتاج إِلى لفظ من الجانبين، كالطلاق والعتاق والإبراء وما جرى مجراها، فينعقد بالكناية مع النية كالصريح، ويلحق به الوقف والوصية والفسوخ والرجعة إِذا لم يشترط فيها الإشهاد وهو الأصح، وكذا الظهار. الضرب الثاني: ما لا يستقل به الشخص، بل لايد فيه من إِيجاب وقبول، وهو على أقسام: أحدها: ما يفتقر إِلى الإشهاد، كالنكاح وبيع الوكيل المشروط عليه فيه الإشهاد، فلا ينعقد بالكناية مع النية قطعًا (٣)، وللرافعي فيه احتمال (٤).

стр. 250

والثاني: ما يقبل مقصوده (١) التعليق، كالكتابة والخلع، فينفذان بالكناية مع النية، وقد نص الشافعي على أنه: "لو قال لامرأته: أنت بائن بألف. فقبلت، ونويا، صح الخلع" (٢). الثالث: ما لا يقبل التعليق، ولا يفتقر إِلى الإشهاد، كالبيع والإجارة والمساقاة والمزارعة، وفي انعقادها بالكناية مع النية وجهان: أصحهما: تنعقد. قال الرافعي (٣): "قال الإِمام: ومحل الخلاف إِذا انعدمت القرائن، أما إِذا توفرت وأفادت التفاهم ليجب القطع بالصحة". ولو كان اللفظ كناية في معنيين ونواهما معًا، كما إِذا نوى الطلاق والظهار بقوله: أنت على حرام. فالأصح: أنه يخير (٤)، ومنهم من رجح الطلاق: لقوته لأنه يزيل الملك. ومنهم من رجح الظهار؛ لأن الأصل بقاء النكاح (٥). أما الصريح: فلا يحتاج إِلى نية الإيقاع، لكن يحتاج إِلى قصد اللفظ (٦)،

стр. 251

احترازًا (١) عن النائم، وعمن سبق لسانه إِلى لفظ الطلاق (٢) في محاورته، وذكر القرينة على أنه لم يقصد اللفظ القاطع للنكاح، (٣) كما إذا كان اسمها طالقًا (٤)، فناداها به وقصد النداء، أو أطلق (٥) على الأصح وكذا لو كان يحلها من وثاق (٦)، ثم قال: أنت طالق. وادعى أنه من الوثاق، فإِنه يقبل على الأصح في الظاهر. وان لم يكن قرينة لم يقبل ويُدَيَّن. وفي فتاوى الغزالى (٧): "أنه لو مر على

стр. 252

المكاس (١)، ومعه عبد، وخاف المكس، فقال: إِنه حر وليس بعبد. بقصد الأخبار، ولم يعتق فيما بينه وبين الله تعالى" (٢). قال الرافعي: "مقتضاه: أنه لا يقبل ظاهرًا" (٣): وكذا لو زاحمته امرأة فقال: تأخرى يا حرة. وكانت أمته وهو لا يشعر، فأفتى الغزالي (٤): "بأنها لا تعتق". * * *

стр. 253

(تخصيص العام) [بالنية] وأما (١) تخصيص اللفظ العام (٢) بالنية ففيه صور: منها: إِذا حلف لا يسلم على فلان، فسلم على قوم هو فيهم، واستثناءه بقلبه: فالمشهور: عدم الحنث. ومنها: إذا قال: لا أدخل على فلان: فدخل على قوم هو فيهم، واستثناءه بقلبه وقصد الدخول على غيره: فالأصح: الحنث. والفرق: أن الدخول فعل لا يدخله الاستثناء، ولا ينتظم (٣) أن يقال: دخلت عليكم إِلا على فلان. ويقال: سلمت عليكم إِلا على فلان (٤). ومنها: لو حلف لا يكلم أحدًا، ثم قال: أردت زيدًا أو من سوى زيد. أو لا يأكل طعامًا ونوى طعامًا بعينه: قال الرافعي (٥): "تخصصت اليمين بما نوى". ومنها: إِذا حلف لا يدخل الدار، ثم قال: أردت شهرًا أو يومًا. فيقبل ظاهرًا

стр. 254

وباطنًا، وتتخصص اليمين بما نوى إذا كانت بالله تعالى ولم تتعلق بحق آمي (١). فإِن كانت اليمين في الصورتين بالطلاق (٢) أو (٣) العتاق (٤) أو بالله في الإيلاء (٥)، لم يقبل في الحكم، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى. لكن نص الشافعي فيما إِذا قال: "إن كلمت زيدًا فأنت طالق. ثم قال: أردت التكليم شهرًا. أنه يقبل" (٦) قال الغزالي وغيره: "أراد القبول الباطن، حتى لا يقع في الباطن إِذا كان التكليم بعد شهر". وفي مختصر المزني (٧) قال الشافعي: "لو قالت له: طلقني، فقال: كل امرأة لي

стр. 255

طالق. طلقت امرأته التي سألت، إِلا أن يكون قد عزلها بنيته" (١). قال الرافعي: "وظاهر هذا النص: أنه إذا قال: نسائي طوالق أو كل امرأة [لي] (٢) طالق. وعزل بعضهن بالنية، أنه لا يقع عليه طلاق". ثم حكى خلافًا في ذلك بين الأصحاب: "وأن الأكثرين قالوا: لا يقبل ظاهرًا. وحملوا النص على أنها لا تطلق فيما بينه وبين الله تعالى". وقال ابن الوكيل (٣): "يقبل ظاهرًا سواء اعتضد بقرينة أم

стр. 256

لا" (١). قال (٢): "والأظهر عند المعتبرين والقفال (٣) لا يقبل في الظاهرِ إن لم يكن قرينة، ويقبل إن وجدت قرينة، وهو اختيار الروياني". ومن القرائن: ما إِذا قالت له: تزوجت علي. فقال: كل امرأة لي طالق، وقال: أردت غير المخاطبة. وفرق القاضي حسين بين أن يقول: كل امرأة لي طالق، أو نسائي طوالق. فيقبل

стр. 257

في الثانية دون الأولى. والفرق: قوة العموم في (كل) وشمولها الأفراد بالتنصيص. وأجروا هذا الخلاف فيما إِذا قال: إن أكلت خبزًا أو تمرًا فأنت طالق. ثم فسر ذلك بنوع خاص (١). وفرق هؤلاء بين هذه الصور (٢) وبين ما إِذا قال: أنت طالق، ثم قال: أردت إِن دخلت الدار. حيث لا يقبل ظاهرًا بالاتفاق، بل يدين: بأن اللفظ (٣) عام في الأشخاص والأزمان فقبل التخصيص دون هذه الصورة قال الرافعي: "وقد يقابل بمثله فيقال: اللفظ عام في الأحوال إِلا أنه خصصه بحال دخول الدار". [النيةُ المُخَصِّصَةُ، والنيةُ المؤكدَة] واعلم أن القرافي قد اعترض على قولهم: لا أكلم أحدًا، وقال: أردت زيدًا أَو: لا ألبس ثوبًا ونوى به الكتان بأن النية تخصص ذلك. وقال: (٤) هذه نية مؤكدة لبعض ما دل عليه اللفظ لا مخصصة، إِلا أن ينوى إِخراج غير ما نواه عن يمينه: لأن المخصِّصَ لا بد وأن يكون مخالفًا لحكم العام، كما إِذا قال: اقتلوا المشركين. ثم قال: لا تقتلوا بني تميم. فأما إِذا كان موافقًا لحكمه فهذا هو ذكر بعض ما تناوله العام، كحديث: (شاة ميمونة) (٥). مع قوله ﷺ : "أيما إِهاب دبغ فقد

стр. 258

طهر) (١) والجمهور على أن مثل ذلك لا يقتضي التخصيص. خلافًا لأبي ثور (٢).

стр. 259

ثم أورد على ذلك ما إذا قال: والله لا لبست ثوبًا، ونوى الكتان وغفل عن غيره فهو بمنزلة ما (١) إِذا قال: لا لبست ثوبًا كتانًا وهو غافل عن غير ذلك فلا يحنث في هذا إِلَّا بالكتان، فكذا إِذا نواه (٢). وأجاب عنه (٣): بأن قاعدة العرب: أن اللفظ المستقل بنفسه إِذا أُلْحِقَ به ما لا يستقل صير الأول غير مستقل. كما في الاستثناء ونحوه: فإِنه إذا قال: له على عشرة دراهم وسكت لزمته، فلو وصل بها قوله (٤): إِلا ثلاثة لم يلزمه إلا سبعة (٥): لأن هذا الملحق (٦) لا يستقل بنفسه فيقيَّد الأول، فكان الكلام بآخره. بخلاف ما إِذا قال: له عليَّ عشرة، وقد أديتها. حيث لا يقبل منه ذلك: لأن الملحق (٧) مستقل بنفسه، فلم

стр. 260

يكن مبينًا لكلامه الأول. فإِذا قال: لا لبست ثوبًا كتانًا تقيد أو تخصص ذلك اللفظ بالكتان؛ لعدم استقلال لفظ الكتاب بنفسه، فكان هو المحلوف عليه ولا يحنث إِلا به. وأما النية فلا يعمل بها ذلك، ولا تشملها هذه القاعدة. ثم أورد (١) على هذا أن الصفة الملفوظ بها قد تكون لتأكيد بعض ما تناوله اللفظ، ويبقى ما عداه مندرجًا تحت العموم حتى يحنث به أيضًا (٢)، فلم رجح القول بأنها مخصصة على كونها مؤكدة؛ وهلا قيل [في النية] (٣): إِنها تكون مخصصة أيضًا؟ وأجاب (٤): بأن الفرق: أن الصفة لها مفهوم مخالفة يقتضي التقييد (٥) نفي الحكم عما عداها، والنية ليس لها هذا (٦) ولا على وجه التضمن أو الالتزام؛ لأنها معنى من المعاني، والمعاني مدلولات لا دالات. ثم اعترض (٧): بأنه يلزم أن هذا لا يجيء إِلا عند من يقول بالمفهوم. وأجاب بما قدمه: من أن الصفة لما لم تستقل بنفسها صيرت الكلام بآخره.

стр. 261

[حكم من تعاطى فعل شيء حلال له، وهو يعتقد عدم حله، والعكس] ومما تدخل فيه النية: ما إِذا تعاطى فعل شيء حلال له، وهو يعتقد عدم حله، كمن وطئ امرأة يعتقد أنها أجنبية وأنه زان بها، وهي زوجته أو أمته. أو قتل من يعتقد عصمته فبان أنه مستحق لدمه. أو أتلف مالًا يظنه لغيره فكان ملكه. قال ابن عبد السلام (١): "يجرى عليه حكم الفسق؛ لجرأته (٢) على الله تعالى (٣) لأن العدالة إِنما شرطت في الشهادات والولايات لتحصل الثقة بصدقه وأداء الأمانة، وقد انخرمت الثقة بذلك. وأما الآخرة فلا يعذب تعذيب زان ولا قاتل ولا حمل مالا حرامًا؛ لأن عذاب الآخرة مرتب على رتب المفاسد في الغالب، كما أن ثوابها مرتب على رتب المصالح في الغالب؛ والظاهر أنه لا يعذب تعذيب من ارتكب صغيرة، لأجل جرأته وانتهاكه الحرمة، بل عذابًا متوسطًا بين الصغيرة والكبيرة". قلت: وعكس هذا: من وطئ أجنبية بشبهة يظنها زوجته لا يترتب عليه شيء من العقوبات المترتبة على الزاني: اعتبارا بنيته (٤): وقد رُوِيَ أنه ﵊ قال: -

стр. 262

(نية المؤمن خير من عمله) (١). وفُسِّر ذلك: بأن المؤمن يخلد في [الجنة] (٢) وإن كانت مدة عمله الصالح متناهية؛ لأن نيته كانت أنه لو بقي أبد الآباد مستمر على الإيمان فَجُوزِىَ على ذلك بالخلود في الجنة، كما أن الكافر يخلد في النار؛ مقابلة لنيته أنه لو عاش ما عاش مستمر على الكفر (٣) وبالله التوفيق. * * *

стр. 263

القاعدة الثانية اليقين (١) لا يزال بالشك (٢)

стр. 264

وأن الأصل (١) بقاء ما كان على ما كان عليه (٢)

стр. 265

تقدم حديث: (إذا شك) (١). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: (إِذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه؛ أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) (٢). والإجماع منعقد على: أن من شك في امرأة هل تزوجها أم لا؟ لم يكن له وطؤها

стр. 266

استصحابًا لحكم التحريم إِلى أن يتحقق تزويجها، وأن من شك في زوجته هل طلقها أم لا؟ لم يلزمه شيء وكان له وطؤها إلى أن يتحقق الطلاق استصحابًا للنكاح المتقدم (١). ثم هذا المعنى معتبر أيضًا في الاستدلال بالأدلة؛ فالأصل في الألفاظ أنها للحقيقة، وفي الأوامر أنها للوجوب، وفي النواهي أنها للتحريم، ولا يخرج منها شيء عن أصله إلَّا بدليل خاص يقتضي ذلك الموضع (٢). وقولهم: هذا خلاف الأصل (٣). يحتمل معانيَ (٤). أحدها: ما ذكرنا (٥)، ويكون المراد بالأصل: ما وضع اللفظ له أولًا وهو حقيقة فيه. الثاني: أن يراد به أنه على خلاف مقتضى الدليل (٦).

стр. 267

الثالث: أن يراد بالأصل القاعدة المستقرة. الرابع: أن يراد بالأصل الأغلب (١). الحامس: أن يراد بالأصل الاستصحاب (٢). وهذا هو المقصود بهذه القاعدة، وهذا على أنواع: الأول: استصحاب النفي في الأحكام الشرعية إلى أن يرد دليل، فنستصحب البراءة الأصلية؛ وهذا متفق عليه عند أهل السنة، ويقولون: لا حكم إلَّا للشرع. الثاني: استصحاب حكم العموم حتى يرد مخصص، وحكم النص حتى يرد ناسخ: وهذا -أيضًا- متفق عليه. الثالث: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته حتى يثبت معارض راجح يرفعه؛ وهذا أيضًا من مقصود هذه القاعدة (٣). وهو متفق عليه عند الفقهاء: قال الرازى:

стр. 268

"الاستصحاب متفق على اعتباره من حيث الجملة في الدين والشرع والعرف" (١). ومسائل المذهب طافحة (٢) بالترجيح بالأصل المستصحب إِلى أن يتبين خلافه: فمنها: إِذا اختلف الزوجان في التمكين، فقالت: سلمت نفسي إليك من وقت كذا. وأنكر، فإِن قلنا بالجديد الأصح: إِن النفقه تجب بالتمكين، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدمه وعليها البينة. وإن قلنا: تجب بالعقد، فالقول قولها؛ لأن الأصل بقاء ما وجب، والأصل عدم المسقط. ومنها: إِذا ولدت المرأة، وطلقها الزوج، واختلفا، فقال الزوج: طلقتك بعد الولادة فلي الرجعة. وقالت: بل قبلها فلا رجعة لك. ولم يعينا وقتا للولادة ولا للطلاق، فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل بقاء النكاح. فإِن اتفقا على يوم الولادة، كيوم الجمعة مثلًا؛ فقال: طلقتك يوم السبت. وقالت: بل يوم الخميس. فالقول قوله لأن الأصل استمرار النكاح يوم الخميس، وعدم الطلاق فيه.

стр. 269

وإن اتفقا على يوم الطلاق، واختلف في وقت الولادة؛ فقالت هي: بعد الطلاق. وقال الزوج: (١) قبله (٢). فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم الولادة يوم الخميس (٣). ومنها: لو أَسْلَمَ (٤) إليه في لحم، فجاء به، فقال: المُسْلِمُ: هذا ميته. وأنكر المُسْلِمُ إِليه، فالقول قول المُسْلِمُ القابض؛ لأن الشاة في حال الحياة محرمة فيتمسك به إلى تحقق زوال التحريم (٥). وكذا لو اشترى ماء فيه قلتان (٦)، فقال المشترى: أرده بعيب القذارة (٧). وأنكر البائع، فالقول قوله؛ لأن الأصل طهارة الماء.

стр. 270

ومنها: إِذا أكل الكلب المعلم (١) من الصيد، لم نحرم ما مضى؛ استصحابًا للحل الثابت قبل الأكل. ومنها: أنه لا يُقضىَ على الناكل (٢) بمجرد نكوله؛ لأن الأصل براءة ذمة المدعى عليه، فلا يبطل ذلك بمجرد نكوله حتى يحلف المدعي. ومنها: ادعى اثنان دارًا كل منهما يدعيها كلها، وهي في يد ثالث يدعيها، وأقاما بيِّنتين: تعارضتا وبقيت في يد الثالث؛ استصحابًا لليد وإن لم تقم بينة. ومنها: إِذا اختلفا في قيمة المتلف، فالقول قول الغارم، سواء في ذلك المستعير والمستام والغاصب وغيرهم؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد. ونحو هذا من الصور. وإذا خالف ذلك شيء فليس لإبطال هذا الأصل: بل إِما لمعارضة أصل آخر راجح، أو معارضة ظاهر رَجَح. (تعارض الأصلين) فمن تعارض الأصلين (٣): ما إِذا وقع في ماء نجاسة لم تغيره، وشكَّ هل هو قلتان

стр. 271

أو أقل، فوجهان؛ أحدهما: وبه جزم الماوردى وآخرون: أنه نجس (١)؛ لأن الأصل عدم بلوغه قلتين. والثاني: طهارته؛ لأنها الأصل وشككنا في تأثره بالنجاسة والأصل عدم ذلك. قال (٢) في الروضة (٣): "وهذا هو الصواب" (٤). ومنها: إِذا أدرك المسبوقُ الأمامَ وهو راكع، وشك هل فارق (٥) حد الراكعين (٦) قبل ركوعه أم لا؟ قولان؛ أحدهما: يدرك؛ لأن الأصل بقاء الركوع. والثاني: لا؛ لأن الأصل عدم الإدراك. وهذا هو الأصح. ومنها: إِذا غاب العبد وانقطعت أخباره، ففي فطرته (٧) قولان، أحدهما: تجب؛ لأن الأصل بقاء الحياة. والثاني: [لا تجب] (٨) لأن الأصل براءة ذمة السيد. والأول

стр. 272

أصح؛ لشغل ذمة سيده قبل غيبته فيستصحب. ومنها: جواز عتقه عن الكفارة، وفيه هذا الخلاف؛ لأن الأصل بقاء الحياة، والأصل (١) اشتغال ذمة السيد (٢). إِلا أن الأصح هنا: عدم الإجزاء. ومنها: إِذا تنازعا في تخمير (٣) العصير المشروط رهنه في بيع، فقال الراهن: تخمر عندك. وقال المرتهن: بل سلمته إلِيَّ بعد ما تخمر فلي الخيار في فسخ البيع. وفيه قولان؛ ينظر في أحدهما إلى أصل بقاء البيع، وفي الآخر إِلى أصل عدم القبض الصحيح. ومنها: لو كان العصيرُ هو المبيعَ وتخمر، فقال البائع: عندك صار خمرًا. وقال المشتري: بل كان عندك خمرًا. فقولان، والأصح: (٤) قول البائع ترجيحًا لأصل البيع (٥). وكذا المسألة التي قبلها. ومنها: إذا رأى المبيع قبل العقد، وهو مما يحتمل تغيره، ثم اختلفا بعد العقد؛ فقال البائع هو بحاله. وقال المشتري: بل تغير. فوجهان: أحدهما: أن القول قول البائع؛ لأن الأصل عدم التغير. وأصحهما: أن القول قول المشترى؛ لأن البائع يدعي عليه الاطلاع على المبيع على هذه الصفة، والمشترى ينكر ذلك (٦). وبهذا يحصل الفرق بين هذه

стр. 273

المسألة واللتين قبلها، مع أن الأصل عدم القبض الصحيح (١). ومنها: إذا سلم الدار المستأجرة، ثم ادعى المستأجر أنها غصبت، فالأصح: أن القول قول المؤجر؛ لأن الأصل عدم الغصب. ووجه (٢) الآخر (٣): أن الأصل عدم الانتفاع. ويقوى الأول: أنه بعد التسليم بقي (٤) أصل لوجوب الأجرة حتى يبين المسقط. ومنها: إذا شك في انقضاء الحولين للطفل، فارتضع خمس رضعات، فوجهان: أحدهما: تحرم؛ لأن الأصل بقاء الحولين. والثاني: المنع؛ لأن الأصل عدم التحريم. ورجحه الغزالي (٥)، وفيه نظر؛ لأنه إذا اجتمع مبيح ومحرم فالمحرم أولى. ومنها: إِذا قَدَّ (٦) ملفوفًا بنصفين (٧)، وادعى الولي أنه حي وطلب القصاص، وزعم القاد أنه ميت، فقولان: أحدهما: أن القول قول (٨) القاد؛ لأن الأصل براءة

стр. 274

ذمته. والثاني: قول الولي؛ لأن الأصل بقاء الحياة، وهذا هو الأظهر عملًا بالاستصحاب. وفي ثالث اختاره الإمام: يفرق بين كونه في ثياب الأحياء أو الأموات (١). وهذا: ترجيح أحد الأصلين بظاهر يعتضد به، كما أنه يترجح أحد الظاهرين بأصل على ما يأتي. ومنها: إِذا تيقن الطهارة وشك في الحدث، فالشافعي وجمهور العلماء: يُعْمِلُون أصل الطهارة (٢). والمالكية: يرون وجوب الوضوء (٣)؛ لأن الأصل شغل ذمته بالصلاة فلا تسقط إِلا بطهارة متيقنة. والراجح الأول عملًا بالحديث السابق (٤). قال ابن القاص (٥): (٦) "كل من شك في شئ هل فعله أم لا فهو غير فاعل فى

стр. 275

الحكم (١)، ولا يزال اليقين بالشك إِلَّا في أحدى عشرة مسألة: إِحداها: إِذا شك ماسح الخف، هل انقضت المدة أم لا؟ الثانية: إِذا شك هل مسح في الحضر أم في السفر؟ يحكم في المسألتين بانقضاء المدة وإن كان الأصل عدم الانقضاء. الثالثة: إِذا شك المسافر، هل نوى الإقامة أم لا؟ لم يترخص مع أن الأصل عدم نيته الإقامة. الرابعة: إِذا أحرم بنية القصر خلف من لا يدري أمسافر أم مقيم لم يجز له القصر. الخامسة: المستحاضة المتحيرة (٢) يلزمها الغسل عند كل صلاة تشك في انقطاع الدم قبلها، مع أن الأصل عدم انقطاعه. السادسة: من به سلس البول أو سلس الاستحاضة، إذا توضأ ثم شك هل انقطع حدثه أم لا؟ فصلى بطهارته لم يصح، بل لا بد من طهارة أخرى، مع أن الأصل بقاء السلس. السابعة: إِذا تيمم، ثم رأى شيئًا لا يدري أسراب هو أم ماء؟ يبطل تيممه، مع أن الأصل عدم كونه ماء.

стр. 276

الثامنة: إِذا رمى صيدًا فجرحه، ثم غاب عنه، ثم وجده ميتًا، وشك هل مات بسبب آخر من حجر أو غيره؟ لم يحل أكله في أحد القولين، مع أن الأصل عدم ذلك الشيء. التاسعة: بال حيوان (١) في ماء كثير، ثم لما وصل اِليه وجده متغيرًا، ولم يدر أتغير بالبول أم بغيره: فهو نجس. نص عليه الشافعي (٢)، مع أن الأصل عدم تغيره بالبول. العاشرة: من أصابه نجاسة في بدنه أو ثوبه، ولم يعرف موضعها، يلزمه غسله كله، مع أن الأصل في غير ذلك الموضع من البدن والثوب الطهارة. الحادية عشرة: إِذا شك المسافر هل وصل بلده أم لا؟ لم يجز له القصر ولا غيره من رخص السفر، مع أن الأصل عدم وصوله وأصل (٣) بقاء السفر. وزاد الإمام مسألة وهي: إِذا شكوا في انقضاء وقت الجمعة فإِنه يلزمهم الظهر، مع أن الأصل بقاء الوقت (٤). وزاد النووى مسألتين (٥): إِحداهما: إِذا توضأ، ثم شك بعد الفراغ هل مسح رأسه أم لا؟ وفيه وجهان، أصحهما: صحة وضوئه، مع أن الأصل عدم المسح.

стр. 277

الثانية: إذا سلم من صلاته، ثم شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فالصحيح الذى قطع به العراقيون (١): أنه لا أثر لهذا الشك، وإن كان الأصل عدم فعل الركعة. والتحقيق أن جميع هذه المسائل غير مستثناة، بل إنما ترك الأصل المستصحب. لمعارضة أصل آخر راجح، أو ظاهر ترجح إعماله على إعمال الأصل (٢): فالمسألة الأولى والثانية: إنما وجب غسل الرجل فيهما لأنه الأصل، والمسح رخصة بشرط، فما لم يتحقق يرجع إلى الأصل. وأما مسائل المسافر الثلاث: فهي مبنية على قاعدة الشافعي: من أن الأصل الإتمام، والقصر رخصة بشرط. كما قلنا في مسح الخف.

стр. 278

وأما المستحاضة (١): فلأن الأصلَ وجوبُ الصلاة عليها ووجوبُ الغسل عن الحيض المحقق، فمتى صلت بلا غسل لم تتحقق البراءة من الصلاة. وكذا القول في (٢) السلس: فإِنه لا يحل له الصلاة مع الحدث إِلا للضرورة، فإِذا شك في انقطاع الحدث، فقد شك في السبب المجوز للصلاة مع الحدث، فرجع إِلى أصل وجوب الصلاة بطهارة كاملة. وأما المتيمم: فإِنه عند رؤية السراب يجب عليه الطلب، فإِذا توجه (٣) بطل تيممه. وأما مسألة الصيد: فلأنَّ الأصلَ عدمُ الحل، وشُكَّ في السبب المجوز، فلم يزل الأصل إِلا بيقين الحل. وأما مسألة الإمام: فلأن الأصل الظهر، ولا تصح الجمعة إِلا بشروط منها بقاء الوقت، فإِذا لم يتحقق رجعنا إِلى الأصل وهو الظهر. وكذا من لم يعرف موضع النجاسة: فإِن البراءة بيقين متوقفة على غسله كله، ففيه إِعمال أصل يقين النجاسة، ولا يزال إِلا بيقين مثله. كمن فاتته صلاة لا يعرف عينها لا يبرأ شغل ذمته بيقين إِلا بما يفيد اليقين (٤).

стр. 279

وأما بقية المسائل (١): فإِنما ترك فيها الأصل لمعاوضة ظاهر رجح (٢). وقد قال القاضي حسين والمتولي والهروي وغيرهم: "كل مسألة تعارض فيها أصل وظاهر ففيها قولان (٣) ". وأنكر المحققون هذا الإطلاق (٤): فإن من المسائل ما يعمل فيها بالظاهر بلا خلاف (٥):

стр. 280

منها: إِذا شهد عدلان بشغل ذمة المدعى عليه، فإِن هذا الظاهر مقدم على أصل براءة الذمة قطعًا بل بالإجماع. ومنها: إِذا أخبر ثقة بنجاسة ماء، وهو موافق في المذهب (١)، أو عين تلك النجاسة، فإِن الظاهر مقدم على أصل طهار الماء بلا خلاف. ومنها: مسألة الظَّبْيَة (٢)، فإِن الشافعي أعمل فيها الظاهر وهو البول (٣)؛ لا قول له غير ذلك، نعم في المسألة وجه (٤). ومنها: أن الأصحاب اتفقوا على أنه لو سلم، فرأى على ثوبه نجاسة لا يعفى عنها، واحتمل مقارنتها لجزء من صلاته أو حدوثها بعده، أنه مضت على الصحة؛ لأن الظاهر صحة أعمال المكلف وجريانها على الكمال.

стр. 281

[مسائل اجتمع فيها أصل وظاهر، ويرجح أحدهما] واعلم أن مسائل الأصل والظاهر لا تكاد تحصى ويرجح تارة الأصل وتارة الظاهر (١): [مسائل ترجح فيها الظاهر] فمنها: مسألة المتوضئ وكذا المصلي إذا شكا بعد الفراغ في ترك ركن ففيهما خلاف كما مر: والمذهب: المضي على الصحة. ورجح الظاهر هنا على الأصل؛ لأن الظاهر من أفعال الإنسان أن تكون على الكمال. وترك هذا فيما إذا شك في أثناء الوضوء أو الصلاة الأحاديث الدالة على الأخذ باليقين فيها (٢)، أو بالاجتهاد على اختلاف المذهبين (٣). ومنها: إِذا تيقن الحدث، وظن الطهارة، فالذى اختاره الرافعي: أنه يعمل بالظن (٤). لكن المشهور خلافه.

стр. 282

ومنها: إِذا تمعط (١) شعر الفأرة في البئر فإِنه ينزح حتى يغلب على الظن خروج الشعر كله، وإن غلب على الظن بعد ذلك أنه لا تخلو كل دلو عن شيء من النجاسة؛ لكنه لم يره ولا تيقنه، قال الرافعي: (٢) "فجواز الاستعمال على القولين في الأصل والغالب (٣) ". ومنها: إِذا كان فم الكلب رطبًا وأدخله في إِناء ولم نعلم هل ولغ أم لا؟ فالأصح: طهارته؛ لأن الأصل عدم الولوغ. والآخر: التنجيس. قال النووى: "وهو الظاهر" (٤) فعلى هذا أعملنا الظاهر. ومنها: إِذا جومعت المرأة، غير نائمة ولا مُكْرَهَة، وهي بالغ، فقضت شهوتها، ثم اغتسلت، ثم خرج منها مبني الرجل، فالظاهر: خروج منيها معه. والأصل عدم ذلك. والأصح: أنه يجب غسلها؛ ترجيحًا لأعمال الظاهر. ومنها: إِذا قال رب الدابة: أجرتكها بكذا فعليك الأجرة. وقال الراكب: بل أعرتني. فقولان؛ أحدهما: أن القول قول الراكب؛ لأن الأصل براءة ذمته (٥)،

стр. 283

وصححه الهروي (١). وأصحهما عند الجمهور: أن القول قول المالك إِذا مضت مدة لمثلها أجرة والدابة باقية؛ لأن الظاهر يقتضي الاعتماد على قوله في الأذن، فكذا في صفته. ومنها: لو اختلفا في شرط يفسد العقد فقولان، أحدهما: أن [القول] (٢) قول مدعيه؛ لأن الأصل عدم لزوم الثمن وبقاء ملك البائع وعدم العقد الصحيح. والثاني، وهو الصحيح: أن القول قول مدعي الصحة، عملًا بالظاهر. قال الرافعي (٣): "الظاهر في العقود الصحة وعدم الشرط المذكور". ومنها: لو اختلفا بعد البيع في رؤية المبيع: فأنكرها المشترى، وأثبتها البائع، قال الغزالي في فتاويه (٤): "القول قول البائع؛ لأن المشترى له أهلية الشراء وقد أقدم عليه). يعني: فالظاهر صحة العقد. قال الرافعي (٥): "ولا ينفك عن خلاف" وقد ذكر الخلاف ابن أبي الدم (٦)، وعلل بأن الأصل

стр. 284

عدم الرؤيه" (١). ومنها: أنه لو قد بطن امرأة ميته، فوصل السيف إِلى ولد في جوفها فانقطع، فهل [تجب] (٢) الغُرة (٣): قال القاضي أبو الطيب (٤): "نعم؛ لأن الأصل بقاء حياته". واعتُرِضَ عليه: بأن الحياة لم تتيقن حتى تستصحب. وهو اعتراض ضعيف؛ لأن نمو الجنين (٥) دليل الحياة. والأصح: عدم وجوب الغرة؛ لأن الظاهر هلاكه بموت الأم. وحكاه الرافعي

стр. 285

عن البغوى (١). ومنها: لو ألقاه في ماء أو نار فمات، وقال الملقي: كان يمكنه الخروج. وقال الولي: لم يمكنه. فأيهما يصدق؟ فيه قولان، ويقال: وجهان؛ أحدهما: الملقي؛ لأن الأصل براءة ذمته. والثاني: الولي؛ لأن الظاهر أنه لو تمكن لخرج. وهذا ما صححه النووي (٢). فهذه الصور مما ترجح فيها الظاهر. [مسائل ترجح فيها الأصل] وأما ما ترجح فيها الأصل (٣): فمسائل، منها. ما (٤) لا تتيقن نجاسته لكن يغلب في مثله النجاسة، فهل تستصحب طهارته؟ أم يؤخذ بنجاسته؟ فيه قولان: وذلك في مسائل (٥): منها: المقبرة المشكوك في نبشها (٦)، والمنبوشة حيث لا تتحقق النجاسة. ومنها: أواني (٧) الكفار المتدينين باستعمال
следующие страницы →