← Каваид фикха

Каваид фикха · id 127669

القواعد للحصني

تقي الدين الحصني

Полный текст (1 662 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

[مسائل اجتمع فيها أصل وظاهر، ويرجح أحدهما] واعلم أن مسائل الأصل والظاهر لا تكاد تحصى ويرجح تارة الأصل وتارة الظاهر (١): [مسائل ترجح فيها الظاهر] فمنها: مسألة المتوضئ وكذا المصلي إذا شكا بعد الفراغ في ترك ركن ففيهما خلاف كما مر: والمذهب: المضي على الصحة. ورجح الظاهر هنا على الأصل؛ لأن الظاهر من أفعال الإنسان أن تكون على الكمال. وترك هذا فيما إذا شك في أثناء الوضوء أو الصلاة الأحاديث الدالة على الأخذ باليقين فيها (٢)، أو بالاجتهاد على اختلاف المذهبين (٣). ومنها: إِذا تيقن الحدث، وظن الطهارة، فالذى اختاره الرافعي: أنه يعمل بالظن (٤). لكن المشهور خلافه.

стр. 282

ومنها: إِذا تمعط (١) شعر الفأرة في البئر فإِنه ينزح حتى يغلب على الظن خروج الشعر كله، وإن غلب على الظن بعد ذلك أنه لا تخلو كل دلو عن شيء من النجاسة؛ لكنه لم يره ولا تيقنه، قال الرافعي: (٢) "فجواز الاستعمال على القولين في الأصل والغالب (٣) ". ومنها: إِذا كان فم الكلب رطبًا وأدخله في إِناء ولم نعلم هل ولغ أم لا؟ فالأصح: طهارته؛ لأن الأصل عدم الولوغ. والآخر: التنجيس. قال النووى: "وهو الظاهر" (٤) فعلى هذا أعملنا الظاهر. ومنها: إِذا جومعت المرأة، غير نائمة ولا مُكْرَهَة، وهي بالغ، فقضت شهوتها، ثم اغتسلت، ثم خرج منها مبني الرجل، فالظاهر: خروج منيها معه. والأصل عدم ذلك. والأصح: أنه يجب غسلها؛ ترجيحًا لأعمال الظاهر. ومنها: إِذا قال رب الدابة: أجرتكها بكذا فعليك الأجرة. وقال الراكب: بل أعرتني. فقولان؛ أحدهما: أن القول قول الراكب؛ لأن الأصل براءة ذمته (٥)،

стр. 283

وصححه الهروي (١). وأصحهما عند الجمهور: أن القول قول المالك إِذا مضت مدة لمثلها أجرة والدابة باقية؛ لأن الظاهر يقتضي الاعتماد على قوله في الأذن، فكذا في صفته. ومنها: لو اختلفا في شرط يفسد العقد فقولان، أحدهما: أن [القول] (٢) قول مدعيه؛ لأن الأصل عدم لزوم الثمن وبقاء ملك البائع وعدم العقد الصحيح. والثاني، وهو الصحيح: أن القول قول مدعي الصحة، عملًا بالظاهر. قال الرافعي (٣): "الظاهر في العقود الصحة وعدم الشرط المذكور". ومنها: لو اختلفا بعد البيع في رؤية المبيع: فأنكرها المشترى، وأثبتها البائع، قال الغزالي في فتاويه (٤): "القول قول البائع؛ لأن المشترى له أهلية الشراء وقد أقدم عليه). يعني: فالظاهر صحة العقد. قال الرافعي (٥): "ولا ينفك عن خلاف" وقد ذكر الخلاف ابن أبي الدم (٦)، وعلل بأن الأصل

стр. 284

عدم الرؤيه" (١). ومنها: أنه لو قد بطن امرأة ميته، فوصل السيف إِلى ولد في جوفها فانقطع، فهل [تجب] (٢) الغُرة (٣): قال القاضي أبو الطيب (٤): "نعم؛ لأن الأصل بقاء حياته". واعتُرِضَ عليه: بأن الحياة لم تتيقن حتى تستصحب. وهو اعتراض ضعيف؛ لأن نمو الجنين (٥) دليل الحياة. والأصح: عدم وجوب الغرة؛ لأن الظاهر هلاكه بموت الأم. وحكاه الرافعي

стр. 285

عن البغوى (١). ومنها: لو ألقاه في ماء أو نار فمات، وقال الملقي: كان يمكنه الخروج. وقال الولي: لم يمكنه. فأيهما يصدق؟ فيه قولان، ويقال: وجهان؛ أحدهما: الملقي؛ لأن الأصل براءة ذمته. والثاني: الولي؛ لأن الظاهر أنه لو تمكن لخرج. وهذا ما صححه النووي (٢). فهذه الصور مما ترجح فيها الظاهر. [مسائل ترجح فيها الأصل] وأما ما ترجح فيها الأصل (٣): فمسائل، منها. ما (٤) لا تتيقن نجاسته لكن يغلب في مثله النجاسة، فهل تستصحب طهارته؟ أم يؤخذ بنجاسته؟ فيه قولان: وذلك في مسائل (٥): منها: المقبرة المشكوك في نبشها (٦)، والمنبوشة حيث لا تتحقق النجاسة. ومنها: أواني (٧) الكفار المتدينين باستعمال

стр. 286

النجاسة (١) كالمجوس (٢)، ومن لا يتدين لكن ينهمكون في مباشرة النجاسة كالنصارى (٣) في الخمر والخنزير. ومنها: ثياب مدمني الخمر (٤)، ومن يغلب عليه مخامرة (٥) النجاسة من المسلمين كالقصابين. ومنها: طين الشوارع حيث لا تتيقين النجاسة، والأصح في جميع هذه الصور: القول بالطهارة؛ استصحابًا للأصل، وتقديمًا له على الظاهر. وقال مالك بالنجاسة في الجميع ترجيحًا للظاهر الغالب على الأصل (٦).

стр. 287

ومنها: إذا تنحنح الإمام فظهر منه حرفان، فهل يلزم المأمومَ المفارقةُ؟ بناء على أن هذه الصلاة بطلت. أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: نعم: إِعمالًا للظاهر المقتضي للبطلان. وأصحهما: لا؛ لأن الأصل بقاء صلاته (١). ولعله معذور في التنحنح، فلا يزال الأصل إِلَّا بيقين. ومنها إِذا قذف مجهولًا، وادعى رقه، وأنكر المقذوف، فقولان (٢)؛ أصحهما: أن القول قول القاذف؛ لأن الأصل براءة ذمته، والثاني: قول المقذوف؛ لأن الظاهر الحرية، فإِنها الغالب فى الناس ومنها: إِذا ارتدت المنكوحة بعد الدخول، ثم قالت في مدة العدة: أسلمت في وقت كذا فلي النفقة. وأنكر الزوج، فقولان؛ أحدهما: أن القول قول الزوج؛ لأن الأصل عدم الرجوع إلى الإسلام، وعدم وجوب النفقة، ورجحه (٣) في الإشراف (٤).

стр. 288

والثاني: قول الزوجة؛ لأن الظاهر يقتضي الرجوع إليها في وقت الإسلام. ومنها: إذا اشترى عبدين، وتلف أحدهما في يده أو باعه، ثم وجد بالآخر عيبًا، فالصحيح: أنه يرده ويسترد من الثمن حصته. فلو اختلفا في قيمة التالف؛ فادعى المشتري ما يقتضي زيادة الواجب على ما اعترف به البائع، فقولان؛ أصحهما وهو نصه (١) في اختلاف العراقيَّين (٢): أن القول قول البائع؛ لأنه ملك جميع

стр. 289

الثمن بالبيع فلا رجوع عليه إِلا بما اعترف به (١). والثاني: قول المشترى (٢)؛ لأنه تلف في يده فأشبه الغاصب (٣) مع المالك إذا اختلفا في قيمة المغصوب، فإِن القول قول الغاصب الذي حصل الهلاك في يده. ومنها: لو اختلفا بعد التفرق؛ فقال أحدهما: فسخت البيع قبل التفرق. وأنكر الآخر، فالأصح: أن القول قوله (٤)؛ لأن الأصل عدم الفسخ. وقال صاحب التقريب (٥): "القول قول مدعي الفسخ؛ لأنه أعلم بتصرفه، فالظاهر

стр. 290

الرجوع إِليه" (١). ومنها: لو ادعى المديون أنه معسر، وأنكر الغريم، فإِن لزمه الدين في مقابلة مال كابتياع واستقراض فلا يقبل قوله إِلا ببينة، استصحابًا لبقاء المال. وإن لزمه لا في مقابلة مال فثلاثة أوجه، أصحها: يقبل قوله مع اليمين؛ لأن الأصل العدم. والثاني: لا بد من البينة؛ لأن الظاهر من حال الحر أنه يملك شيئًا. والثالث: إِن لزمه الدين باختياره كالضمان والصداق لم يقبل إِلا ببينة، وإن لزمه لا باختياره كأرش الجناية وغرامة المتلف قبل قوله مع اليمين؛ لأن الظاهر أنه لا يشغل ذمته ولا يلتزم (٢) مالا يقدر عليه. وطريقة الغزالي وابن عبد السلام: أنه إِن: عُهِدَ له مال فلا يقبل إِلا بالبينة، وإلا فالأوجه الثلاثة (٣). تَبِعَا في ذلك الاِمام، وحكاها عن الأصحاب. واستشكل ابن عبد السلام كون الخلاف لم يجيء فيما إِذا عرف له مال، وطالت المدة، وكان ضعيفًا عن الكسب، فإِن الظاهر أنه ينفق ما عهدناه على نفسه وعلى عياله، فكان ينبغي إِذا مضت مدة تستوعب نفقتُها المالَ: أنا لا نحبسه لمعارضة الظاهر (٤).

стр. 291

قال: "وهذا السؤال مشكل جدًا وهو ظاهر ولعل الله تعالى ييسر حله" (١). ومنها: لو امتشط المحرم، فانفصلت من لحيته شعرات، فوجهان، وقال الإمام والغزالي: قولان (٢): أصحهما: عدم وجوب الفدية؛ لأن النتف لم يتحقق، والأصل براءة الذمة. والثاني: تجب؛ لأن الامتشاط سبب ظاهر فيضاف إِليه كإِضافة الإجهاض (٣) إِلى الضرب. ومنها: دم الحامل، والأصح: أنه دم حيض؛ لأن الأمر متردد بين كونه دم علة (٤) أو دم جبلة (٥)، والأصل السلامة. ووجه القول الآخر: [أن] (٦) المغالب

стр. 292

في الحامل عدم الحيض. ومنها (١): لو اتفق الراهن والمرتهن على جريان عقد الرهن والمرهون في يد المرتهن، فادعى الراهن: أنه لم يقبضه عن الرهن، بل قال: أعرتكه أو أجرتكه مثلًا. وقال المرتهن: قبضته عن الرهن. فالأصح المنصوص: أن القول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم اللزوم، وعدم الإذن في القبض. ووجه الآخر: أن الظاهر قبضه عن جهة الرهن لتقدمها. ومنها: إِذا قطع لسان الصغير كَمَا (٢) وُلِدَ، ولم تظهر أمارة صحة لسانه في النطق ولا عدم ذلك؛ فالأصل: براءة الجاني. والظاهر: الصحة، إِلحاقًا للفرد بالأعم الغالب. وحكي الإمام اتفاق الأصحاب على عدم وجوب الدية (٣). وحكى الرافعي الاتفاق على عكسه (٤)، كما تجب الدية في يده ورجله وإن لم يكن بطش (٥) في الحال. ثم

стр. 293

نقل عن ابن القطان (١) أنه نقل في المسألة قولين (٢). ومنها: إِذا قلنا بالصحيح: إِنه إِذا انتبه ولم ير إِلَّا الثخانة والبياض (٣) أنه لا غسل عليه. فلو غلب على ظنه أنه مني (٤)؛ لأن الودي (٥) لا يليق بصاحب الواقعة، أو لتذكر وقاع تخيله، قال الإمام: "يجوز أن يقال: يستصحب يقين الطهارة (٦)، ويجوز

стр. 294

أن يحمل الأمر على غالب ظنه" (١). قال الرافعي (٢): "والاحتمال الأول أوفق لكلام المُعْظَم" (٣). ومنها: لو اختلف الزوجان الوثنيان أو المجوسيان (٤) قبل الدخول (٥): فقال الزوج: أسلمنا معًا فالنكاح باق. وأنكرت المرأة، فالقول قوله على الأظهر: إِذ الأصل بقاء النكاح. ووجه الآخر (٦): إن التساوق (٧) في الإسلام الظاهر خلافه؛ لأنه نادر. ومنها: لو أصدقها تعليم قدر معين من القرآن، فادعي أنه علمها، وادعت أنها تعلمته من غيره، فالأصح: أن القول قولها. قال الرافعي (٨): "وبناء القولين فيما ذكر بعضهم على قولي تعارض الأصل والظاهر".

стр. 295

ومنها: إذا جنى على عضو، وادعى الجاني شلل العضو، وادعى المجني عليه سلامته، فقولان؛ لأن (١) الأصل براءة الجاني من الدية وبدنه من القصاص. (٢) والظاهر أن (٣) الغالب في الناس السلامة. وفصل بعضهم بين العضو الظاهر والباطن، فَصَدَّقَ المجنيَ عليه في الباطن؛ لتعذر إِقامة البينة عليه، فهو نظير التعليق بالولادة إِذا ادعتها المرأة تحتاج إِلى البينة (٤)، بخلاف الحيض (٥)، وهذا هو الذى رجحه الرافعي (٦)، وهو ترجيح لأحد المتعارضين بأمر خارجي. وفي المراد بالظاهر والباطن وجهان (٧): أحدهما: أن الباطن العورة، والظاهر ما عداها. والثاني وإليه مال الرافعي: أن الباطن ما يعتاد ستره إِقامة للمروءة، والظاهر ما لا يستر غالبًا [مسائل اجتمع فيها أصلان واعتضد أحدهما بالظاهر] واعلم أن هنا مسائل يكون فيها أصلان ويعتضد أحدهما بالظاهر (٨). فمن ذلك:

стр. 296

ما إذا قلع سن صغير لم يُثْغِر (١) فإِنه لا يستوفي حتى يُوْأَس (٢) من نباتها (٣)، فلو مات قبل أن نتبين الحال، ففي وجوب الأرش وجهان، وقيل: قولان (٤): أحدهما: يجب: لأن الجناية قد تحققت والأصل عدم العود. والثاني: المنع؛ لأن الأصل براءة الذمة، والظاهر أنه لو عاش لعادت. قال الرافعي: "وهذا أقوى على ما قاله ابن كج (٥) وغيره". ومنها: إذا قال رب المال: بعته ثم اشتريته ولم يحل عليه [الحول] (٦). وما أشبه ذلك مما يخالف الظاهر (٧)، لكون المال في يده مجموع الحول، فهنا أصلان، أحدهما:

стр. 297

بقاء ملكه. والثاني: براءة ذمته (١). واعتضد الأصل الأول بأن الظاهر (٢) على وفقه، فمقتضاه أنه يحلف وجوبًا، وهو اختيار صاحب التنبيه (٣)، لكن رجح النووي الاستحباب (٤). ومنها: لو كان مقطوعَ بعضِ الذَكَرِ أو خَصِيًّا (٥)، وأجلناه بسبب العنة (٦) سنة،

стр. 298

ثم ادعى الوطء في المدة، وأنكرت المرأة وادعت عجزه عن ذلك، فوجهان؛ أحدهما: أن القول قوله؛ لأن الأصل في العقد اللزوم وعدم ثبوت ما يقتضي تسليطها على الفسخ. والثاني قاله أبو إِسحاق المروزي (١): "أن القول قولها؛ لأن الأصل عدم الوطء، واعتضد بالظاهر فإن النقصان الذى لحقه يورث ضعف الذكر فَتَقَوَّى جانبها". لكِنْ الأكثرون رجحوا الأول بأن إقامة البينة على الوطء مما يعسر، فكان الظاهر يقتضي الرجوع إلى قوله. ولهذا قطعوا في سليم [الذكر] (٢) والأنثيين (٣): أنه إذا ادعى الوطء في المدة المضروبة، وأنكرت، أن القول قوله مع يمينه: ترجيحًا لأحد الأصلين بالظاهر المشار إليه.

стр. 299

فلو ثبتت بكارتها رجعنا إِلى تصديقها قطعًا؛ لاعتضاد أحد الأصلين بظاهر قوي يخالف الصورة السابقة، فإن الظاهر لم يقو كل القوة. (١) فلو طلقها فقالت: طلقتني بعد المسيس فلي كمال المهر. وأنكر الزوج، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الإصابة، وعليها العدة مؤاخذة بقولها، ولا نفقة لها ولا سكنى. فلو أتت بولد لزمان محتمل ثبت النسب، وقوي به جانبها، فنرجع إلى تصديقها، ونطالب الزوج ببقية المهر إِذا حلفت على الإصابة؛ لأن ثبوت النسب لا يقتضي الإصابة ولا بد. إِلَّا أن يلاعن الزوج وينفي الولد؛ لأنه يزول المرجح، فنعود إِلى تصديقه. قال الأصحاب: "وحيث قلنا: القول قول من ينفي الإصابة فذاك إذا لم يسلم جريان الخلوة، فإِن اتفقا عليها فقولان؛ أصحهما: أن الحكم كذلك؛ ترجيحًا لأصل عدم الإصابة. والثاني: قول من يدعيها؛ لأن الظاهر من الخلوة الإصابة" (٢).

стр. 300

ومن المعاني الرشيقة (١) في ذلك قصة ذي اليدين (٢)، فمن قال: قصرت الصلاة. أعمل الظاهر جزمًا؛ لأن الغالب من أفعال النبي ﷺ عدم السهو، وأن تكون للتشريع، والوقت باق قابل للنسخ. وذو اليدين (٣) ﵁ أعمل الاستصحاب، وهو استمرار حكم الصلاة؛ ولذلك قال: "أقصرت الصلاة أم نسيت".

стр. 301

ومنهم من سكت ومنهم الصديق والفاروق ﵄ فلم يستفهموا مع علمهم بأنه لا يقر على خطأ (١). [المراد بالشك عند الفقهاء والأصوليين] واعلم أن قولنا: "اليقين لا يزال بالشك" ما المراد بالشك؟ قال النووي (٢): "مراد الفقهاء بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والعتق والطلاق وغيرها هو: التردد بين وجود الشيء وعدمه سواء كان الطرفان في التردد سواء أو أحدهما راجحًا. فهذا معناه في استعمال الفقهاء وكتب الفقه. أما أصحاب الأصول فإنهم فرقوا وقالوا: التردد بين الطرفين إِن كان على السواء فهو الشك، وان كان أحدهما راجحًا فالراجح ظن والمرجح وهم". والله أعلم (٣). [أضرب الشك باعتبار الأصل الذي يطرأ عليه الشك] قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني (٤): "الشك على ثلاثة أضرب؛ شك طرأ على أصل حرام. وشك طرأ على أصل حلال. وشك لا يعرف أصله:

стр. 302

فالأول: مثل أن نجد شاة في بلد فيها مسلمون ومجوس، فلا تحل حتي نعلم أنها ذكاة مسلم؛ لأن الأصل الحرمة، وشككنا في الذكاة المبيحة. فلو كان الغالب فيها المسلمين جاز الأكل؛ عملًا بالغالب المفيد للظهور. والثاني: أن يجد ماء متغيرًا، واحتمل تغيره بنجاسة أو بطول المكث، يجوز التطهير به، عملًا بأصل الطهارة. والثالث: مثل معاملة من أكثر ماله حرام، ولم يتحقق أن المأخوذ عين الحرام، فلا تحرم مبايعته؛ لإِمكان الحلال وعدم تحقق التحريم، ولكن تكره خوفًا من الوقوع في الحرام" (١). * * *

стр. 303

القاعدة الثالثة (١) المشقة (٢) تجلب التيسير (٣)

стр. 304

والأصل فيها مع ما تقدم (١) [قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) و] (٣) قوله ﷺ : " (إِن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إِلا غلبه؛ فسددوا وقاربوا) (٤). رواه البخاري من رواية أبي هريرة ﵁. وعن أنس (٥) ﵁ قال:

стр. 305

قال رسول الله ﷺ : (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا) (١) رواه مسلم. والآيات والأخبار في ذلك كثيرة. وعلى هذه القاعدة يتخرج جميع رخص الشرع، ومجامعها ترجع إلى سبعة أنواع: الأول: ما يتعلق بالعبادات. الثاني: التخفيف في المعاملات. الثالث: التخفيف في المناكحات. الرابع: التخفيف في الظهار والأيمان. الخامس: التخفيف عن الأرقاء. السادس: التخفيف في القصاص. النوع السابع: التيسير على المجتهدين (٢).

стр. 306

النوع الأول: المتعلق بالعبادات فمنه ما مشروعيته عامة، كالمسح على الخف حضرًا وسفرًا للحاجة، وكالقعود في صلاة التطوع مع المقدرة على القيام لإكثار النوافل. ومنه ما هو مختص بالسبب الذي توجد معه مشقة، ك رخص السفر والمرض والإكراه وغير ذلك. [رخص السفر] أما السفر فقد ذكر النووي: "أن رخصه ثمانية (١): منها ما يختص بالطويل (٢): وهي قصر الصلاة، والفطر في رمضان، والمسح على الخف ثلاثة أيام. واثنان (٣) لا يختصان بالطويل: وهما ترك الجمعة، وأكل الميتة عند الاضطرار. وثلاثة (٤) فيها خلاف: وهي الجمع بين الصلاتين، والتنفل على الدابة، وإسقاط الفرض بالتيمم.

стр. 307

والأصح في الجمع: أنه يختص بالطويل. وفي الأخيرين: عدم الاختصاص بل يجريان في الطويل والقصير والله أعلم (١). وزاد ابن عبد السلام تاسعة (٢)، صرح بها الغزالي (٣)، وهي: "ما إِذا كان له

стр. 308

نسوة، وأراد السفر، فإِنه يقرع بينهن، ويأخذ من خرجت لها القرعة، ولا يلزمه (١) القضاء لضراتها إذا رجع. وهل يختص بالسفر الطويل أم لا؟ وجهان؛ أصحهما: عند الغزالي [نعم] (٢) قال الإمام: "والوجه القطع به". وأصحهما [عند] (٣) المتولي والبغوي والأكثرين أنه لا يختص (٤)، وحكاه جماعة من العراقيين عن نص الشافعي (٥). وحملوه هؤلاء (٦) على ظاهره، والأولون حملوه على أنه أراد القصير (٧).

стр. 309

[رخص المرض] وأما المرض (١) فمن رخصه: التيمم عند مشقة استعمال الماء، وكذا عند الجراحة. والقعود في الصلاة. والجمع بين الصلاتين على وجه اختاره النووي (٢). والفطر في رمضان. والصلاة مضطجعًا عند العجز عن القعود، وبالإيماء عند عجز تعاطي الأفعال. وإباحة ما يحتاج إليه من محظورات الحج مع الفدية. والاستنابة في رمي الجمار عند العجز. والتداوى بالنجاسات على المذهب إذا لم يقم غيرها مقامها (٣). وبالخمر على وجيه (٤). واتفق الأصحاب على جواز إساغة اللقمة بها إذا غص ولم يجد غيرها (٥). وترك الجمعة والجماعة مع ثبوت أجرهما إذا كانت عادته الصلاة في جماعة، لقوله ﵊: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا) (٦) رواه البخارى والله أعلم.

стр. 310

[رخص الإِكراه] وأما الإِكراه: فقد نص القرآن العزيز على جواز التلفظ بكلمة الكفر عند الإِكراه، والقلب مطمئن بالإيمان (١). وإذا أكره الصائم على الأكل والشرب أو فعل ما ينافي الصوم ففي (٢) بطلانه وجهان: الأصح، أنه لا يبطل عند النووي. والأصح عند الرافعي: البطلان (٣). وحكوا فيمن أكره حتى تكلم في الصلاة قولين، أصحهما: أن صلاته تبطل؛ لأنه عذر نادر، كما لو أُكره على الصلاة بلا طهارة، وعلى الصلاة إلى غير القبلة، وكذا لو أكثره على فعل ما يناقض الصلاة كالمشي والأكل (٤). واعلم أنه لا يختص الإِكراه بالعبادات، بل يجري أيضًا في العقود والإيقاعات (٥) وغيرها، كما يأتي في موضعه (٦).

стр. 311

[أنواع أخر من الرخص] ومن الأسباب المقتضية للتخفيف الكبر بالنسبة إلى الصوم في جواز الفطر للشيخ الهِمِّ (١) مع الفدية، وفي الاستنابة في الحج للمعضوب (٢) والمريض الذي لا يرجى برؤه. والمطر في جواز الجمع بين الصلاتين، وترك الجمعة والجماعة. والحر في الإبراد بالظهر. وهل هو سنة أو رخصة؟ فيه وجهان، أصحهما: أنه سنة ويستحب التأخير (٣). وكذا العزم على النكاح يبيح النظر إِلى المخطوبة (٤). وهل هو مستحب أو مباح؟ وجهان: ومنها: الاضطرار في إِباحة أكل الميتة، وأكل مال الغير مع ضمان البدل.

стр. 312

والنسيان والسهو في الصلاة، والجهل بالأحكام. وستأتي مسائله إِن شاء الله تعالى مفصله (١). ومنها: عموم البلوى، كالصلاة مع لطخات (٢) القروح (٣) والدماميل (٤) والبراغيث، وكذا الصلاة في شدة الخوف مع القتال والحركات الكثيرة. إِلى غير ذلك من الأسباب. [أقسام التخفيفات الشرعية] وقد قسم الشيخ عز الدين التخفيفات الشرعية إِلى ستة أقسام (٥): الأول: تخفيف الإسقاط، كإِسقاط الجمعة والحج والعمرة بالأعذار المعروفة. الثاني: تخفيف التنقيص، كقصر الصلاة، وتنقيص ما عجز عنه المريض من أفعالها، كالركوع والسجود. الثالث: تخفيف الإبدال، كإِبدال الوضوء والغسل بالتيمم، والغسل بالمسح في الخف، وإبدال القيام في الصلاة بالقعود، والقعود بالاضطجاع، والاضطجاع بالإيماء،

стр. 313

وإبدال الصوم في حق الهم بالإطعام، وكإِبدال بعض واجبات الحج والعمرة بالفدية عند قيام الأعذار. الرابع: تخفيف التقديم، في الجمع (١)، وكتقديم الزكاة على حولها، والكفارة على حنثها، وزكاة الفطر في شهر رمضان. الخامس: تخفيف التأخير، في الجمع (٢)، وصيام رمضان إلى ما بعده في حق المريض والمسافر والحامل والمرضع، وكذا تأخير الصلاة في حق منقذ الفريق، أو دفع (٣) صائل عن نفس، أو لصلاة على ميت خيف انفجاره، وكذا من خشي فوات الوقوف بعرفة على أحد الأوجه للمشقة العظيمة في القضاء. السادس: تخفيف الترخص، كصلاة المتيمم مع الحدث، وصلاة المستجمر مع بقية النجو (٤)، والصلاة مع لطخات الدماميل والقروح، وكأكل النجاسات للتداوي، وإِساغة اللقمة بجرعة خمر، وأشباه ذلك. والله أعلم. وبقي قسم سابع: وهو تخفيف التغيير، كتغيير نظم الصلاة في الخوف (٥).

стр. 314

وفي القسم الأول مما ذكره الشيخ عز الدين نظر؛ لأن الجمعة لم تسقط لا إِلى بدل (١). وأما الحج فمن فقد شروط الحج لم يجب عليه، ومن وجدها لم يسقط عنه ولو مات. والله أعلم. [أقسام الرخص من حيث حكمها] واعلم: أن الرخصة قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد يكون تركها أفضل (٢). الأولى: كمن غص بلقمة، ولم يجد [ما] (٣) يسيغها بها إِلا الخمر، فإِنه يجب عليه ذلك. وكذا: المضطر إِلى الميتة وغيرها من النجاسات يلزمه أكلها على الصحيح الذى قطع به الجمهور؛ لأن حرمة النفس عظيمة، ومفسدة فواتها تزيد على مفسدة

стр. 315

أكل الميتة، فاحتمل أخف المفسدتين لدفع أقواهما (١). الثانية: رخصة مستحب فعلها، كقصر الصلاة في السفر، والفطر فيه لمن شق عليه الصوم، وكذا المريض إذا لم يكن يخاف من الصوم ضررًا في نفسه أو عضو، فإن خاف فإِنه حينئذ يجب الفطر، وتكون من الأولى. ولو صام في هذه الحالة ففي صحة صومه في هذه الحالة احتمالان (٢) للغزالي (٣). وعد النووي من هذه الإبراد بالظهر (٤). والثالثة: رخصة تركها أفضل، كالمسح على الخف. والتيمم لمن وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المثل وهو قادر عليه. والفطر لمن لا يتضرر بالصوم. وعد المتولي والإمام والغزالي (٥) من هذه الجمع بين الصلاتين في السفر (٦)، وفرق بينه وبين القصر بوجوه:

стр. 316

أحدها: الخروج من الخلاف، فإِن أبا حنيفة يوجب القصر (١)، ولا يُجَوِّزُ الجمعَ إِلا بمنى وعرفة ومزدلفة (٢). الوجه الثاني: أن الجمع يلزم منه إِخلاء العبادة عن وقتها بخلاف القصر (٣). الوجه الثالث: أن الأحاديث الواردة في الجمع ليس فيها إلَّا مجرد فعله ﵊، وذلك يدل على الجواز، ولا يلزم منه الاستحباب. وفي الثالث نظر؛ لأن الراجح من مذهب الشافعي: أن فعله ﷺ يقتضي الندب فيما ظهر فيه قصد القربة (٤). وقد يمنع أن مطلق الجمع ظهر فيه قصد القربة، وقد صرح الصحابي بأنه عليه

стр. 317

الصلاة [والسلام] (١): (أراد أن لا يحرج أمته) (٢). وذكر الرافعي: أن مسح الرأس رخصة (٣) لمشقة الغسل، وبناء على ذلك أنه لو غسله أجزأه على الراجح،، لإنه مسح وزيادة. فعلى هذا لا يستحب الغسل قطعًا. وهل يكره (٤)؟ وجهان: اختيار القفال والغزالي: لا (٥). ورجح الأكثرون:

стр. 318

الكراهة (١): لمخالفة السنة، وللإسراف في الماء. فعلى هذا تجيء رخصة رابعة، وهي: رخصة يكره تركها (٢). والله أعلم. النوع الثاني: التخفيف في العاملات لأجل المشقة ولها وجوه كثيرة، منها: أن الغرر منهي عنه ومقتضٍ لبطلان العقد، لما فيه من أكل المال بالباطل، ثم الغرر على ثلاث مراتب (٣): الأولى: ما لا يعسر اجتنابه فلا يعفى عنه كبيع الملاقيح (٤)، والمضامين (٥)، وما لا يقدر على تسليمه ونحو ذلك. الثانية: ما يعسر اجتنابه ولا بد من تحمله، كبيع البيض في قشره والرمان والبطيخ، والفستق والبندق في قشرهما (٦) الأسفل (٧). وكذا النظر إِلى أساس الدار، فإِن ذلك لا يشترط للعسر.

стр. 319

المرتبة الثالثة: متوسطة، فمنه: ما تعظم مشقته ولا يعسر اجتنابه فيلحق بالمرتبة الأولى في البطلان، كبيع الجوز واللوز في قشريه (١)، وإبهام المبيع من الثياب والعبيد، وكذا بيع الأعيان الغائبة التي لم تُرَ في الجديد. ومنه: ما يخف الضرر فيه وتعظم المشقة في اجتنابه فعُفِيَ عنه ويلحق بالمرتبة الثانية، كالاكتفاء برؤية ظاهر الصُبرة (٢)، وأُنموذج (٣) المثليات. والاكتفاء في بدو الصلاح في الثمار بظهور مبادئ النضج والحلاوة دون الانتهاء الكامل. ومنه: مشروعية الخيار في البيع؛ لوقوعه غالبًا مباغتة بلا ترو ويحصل الندم، فيشق على العاقد، فسهل الشارع ذلك عليه بجواز الفسخ. ومنها: مشروعية الأجارة والمزارعة (٤) والمساقاة (٥) والقراض (٦)؛ فإِنها معاملة على معدوم، لكن الحاجة العامة دعت إِلى ذلك. وكذا القول في السلم والقرض والحوالة لما في ذلك من التيسير.

стр. 320

ومنها: جواز العقد الجائزة (١)، كالشركة والوكالة والعارية ونحوها؛ لأن لزوم هذه العقود يشق ويكون سبيًا لعدم تعاطيها. إِلى غير ذلك من الوجوه المعتبرة. النوع الثالث من التخفيفات: في المناكحات فمنه: جواز عقد النكاح على غير المنظورة؛ لمشقة لا يحتملها الولي في ابنته أو أخته ونحوهما (٢)، فناسب ذلك عدم اشتراط النظر. بخلاف البيع فليس فيه ذلك. ومنها: تيسير مشروعية الطلاق (٣)؛ لمشقة بقاء الزوجية عند تنافر الزوجين. وكذا الخلع. وكذا كل موضع شرع فيه خيار الفسخ لها؛ لما في صبرها على تلك الحالة من المشقة، حيث لم يجعل الشرعُ الطلاقَ بيدها. ومنها: مشروعية الرجعة في العدة؛ لغلبة وقوع الطلاق عند المخاصمة والجرج (٤)، فيسَّر عليه الرجعة (٥) في طلقتين، ولم يشرع ذلك دائمًا لما فيه من المشقة على الزوجة (٦).
следующие страницы →