← Каваид фикха

Каваид фикха · id 127669

القواعد للحصني

تقي الدين الحصني

Полный текст (1 662 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أحدها: الخروج من الخلاف، فإِن أبا حنيفة يوجب القصر (١)، ولا يُجَوِّزُ الجمعَ إِلا بمنى وعرفة ومزدلفة (٢). الوجه الثاني: أن الجمع يلزم منه إِخلاء العبادة عن وقتها بخلاف القصر (٣). الوجه الثالث: أن الأحاديث الواردة في الجمع ليس فيها إلَّا مجرد فعله ﵊، وذلك يدل على الجواز، ولا يلزم منه الاستحباب. وفي الثالث نظر؛ لأن الراجح من مذهب الشافعي: أن فعله ﷺ يقتضي الندب فيما ظهر فيه قصد القربة (٤). وقد يمنع أن مطلق الجمع ظهر فيه قصد القربة، وقد صرح الصحابي بأنه عليه

стр. 317

الصلاة [والسلام] (١): (أراد أن لا يحرج أمته) (٢). وذكر الرافعي: أن مسح الرأس رخصة (٣) لمشقة الغسل، وبناء على ذلك أنه لو غسله أجزأه على الراجح،، لإنه مسح وزيادة. فعلى هذا لا يستحب الغسل قطعًا. وهل يكره (٤)؟ وجهان: اختيار القفال والغزالي: لا (٥). ورجح الأكثرون:

стр. 318

الكراهة (١): لمخالفة السنة، وللإسراف في الماء. فعلى هذا تجيء رخصة رابعة، وهي: رخصة يكره تركها (٢). والله أعلم. النوع الثاني: التخفيف في العاملات لأجل المشقة ولها وجوه كثيرة، منها: أن الغرر منهي عنه ومقتضٍ لبطلان العقد، لما فيه من أكل المال بالباطل، ثم الغرر على ثلاث مراتب (٣): الأولى: ما لا يعسر اجتنابه فلا يعفى عنه كبيع الملاقيح (٤)، والمضامين (٥)، وما لا يقدر على تسليمه ونحو ذلك. الثانية: ما يعسر اجتنابه ولا بد من تحمله، كبيع البيض في قشره والرمان والبطيخ، والفستق والبندق في قشرهما (٦) الأسفل (٧). وكذا النظر إِلى أساس الدار، فإِن ذلك لا يشترط للعسر.

стр. 319

المرتبة الثالثة: متوسطة، فمنه: ما تعظم مشقته ولا يعسر اجتنابه فيلحق بالمرتبة الأولى في البطلان، كبيع الجوز واللوز في قشريه (١)، وإبهام المبيع من الثياب والعبيد، وكذا بيع الأعيان الغائبة التي لم تُرَ في الجديد. ومنه: ما يخف الضرر فيه وتعظم المشقة في اجتنابه فعُفِيَ عنه ويلحق بالمرتبة الثانية، كالاكتفاء برؤية ظاهر الصُبرة (٢)، وأُنموذج (٣) المثليات. والاكتفاء في بدو الصلاح في الثمار بظهور مبادئ النضج والحلاوة دون الانتهاء الكامل. ومنه: مشروعية الخيار في البيع؛ لوقوعه غالبًا مباغتة بلا ترو ويحصل الندم، فيشق على العاقد، فسهل الشارع ذلك عليه بجواز الفسخ. ومنها: مشروعية الأجارة والمزارعة (٤) والمساقاة (٥) والقراض (٦)؛ فإِنها معاملة على معدوم، لكن الحاجة العامة دعت إِلى ذلك. وكذا القول في السلم والقرض والحوالة لما في ذلك من التيسير.

стр. 320

ومنها: جواز العقد الجائزة (١)، كالشركة والوكالة والعارية ونحوها؛ لأن لزوم هذه العقود يشق ويكون سبيًا لعدم تعاطيها. إِلى غير ذلك من الوجوه المعتبرة. النوع الثالث من التخفيفات: في المناكحات فمنه: جواز عقد النكاح على غير المنظورة؛ لمشقة لا يحتملها الولي في ابنته أو أخته ونحوهما (٢)، فناسب ذلك عدم اشتراط النظر. بخلاف البيع فليس فيه ذلك. ومنها: تيسير مشروعية الطلاق (٣)؛ لمشقة بقاء الزوجية عند تنافر الزوجين. وكذا الخلع. وكذا كل موضع شرع فيه خيار الفسخ لها؛ لما في صبرها على تلك الحالة من المشقة، حيث لم يجعل الشرعُ الطلاقَ بيدها. ومنها: مشروعية الرجعة في العدة؛ لغلبة وقوع الطلاق عند المخاصمة والجرج (٤)، فيسَّر عليه الرجعة (٥) في طلقتين، ولم يشرع ذلك دائمًا لما فيه من المشقة على الزوجة (٦).

стр. 321

النوع الرابع: التخفيف في الظهار والأيمان بشرعية الكفارات تيسيرًا على المكلفين؛ لما في التزام موجب اليمين من المشقة على الحالف عند ندمه، وكذا في حق المظاهر. ومثله في نذر اللجاج والغضب: حيث شرع له التخيير بين الوفاء بما نذر وبين الكفارة، لما في الالتزام بالمنذور لجاجًا من المشقة. النوع الخامس: التخفيف عن الأرقاء وساداتهم بإسقاط الجمعة والحج والتزام الأموال في ذممهم لما في ذلك من المشقة على الجانبين (١) بمشروعية الكتابة، ليتوصل الرقيق إِلى تحرير رقته، لما في دوام الرق من العسر، فيرغب الشيخ الذي لا يسمح بالعتق مجانًا بما يبذل له من النجوم. النوع السادس: التخفيف في القصاص بشرعية التخيير لمستحق ذلك بين القصاص وأخذ الدية، تيسيرًا عليه وعلى الجاني، وإليه الإِشارة بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٢). فقد قيل: إِنه كان في شرع موسى ﵊ تحتم القصاص، وفي شرع عيسى ﵊ أخذ الدية فقط. فخفف الله تعالى عن هذه الأمة بالتخيير نجين الأمرين، لما في التزام أحدهما من المشقة (٣).

стр. 322

النوع السابع: التيسير على المجتهدين أما في الأحكام الشرعية: فبإِسقاط الأثم عنهم عند الخطأ، والتيسير عليهم بالاكتفاء بالظنون، إِذ لو كلفوا الأخذ باليقين لشق ذلك. وأما في غير ذلك: فكالاجتهاد في الأواني والثياب التي تنجس بعضها. وكذا في خطأ الحجيج في يوم عرفة، إِذ وقفوا في العاشر، حيث أجزأهم لمشقة القضاء، ولم يجيئ ذلك في الشرذمة اليسيرة، لعدم المشقة العامة، ولتقصيرهم بانفرادهم بالوقوف عن الجمع العظيم، ولا فيما إِذا كان غلطهم بالوقوف في اليوم الثامن على الأصح لندرة ذلك. وأما في الولايات: فبالتيسير فيها من جهة الاكتفاء بالظون المستفادة من الظاهر بالعدالة والأمانة ونحو ذلك؛ إِذ لو شرط العلم به لكان في غاية العسر. ويتخرج على هذا غالب مسائل الفقه؛ لأن مبني غالبها على الظن لا القطع. [قيام الحاجة مقام المشقة في حل النظر المحرم] واعلم أنه قد تقوم الحاجة مقام المشقة في حل لنظر المحرم لولا تلك الحاجة (١).

стр. 323

وذلك في صور (١): منها: أن يريد نكاح امرأة فينظر إِليها للحديث فيه (٢). وهو مستحب: على الأصح. وقيل: مباح، والأمر فيه للإرشاد. ومحله الوجه والكفان: على الصحيح. وفي [وجه] (٣): كنظر الرجل إِلى الرجل. وفي الأمة وجوه (٤): أحدهما: ما يرى من العبد. والثاني: ما يبدو عند المهنة.

стр. 324

والثالث: الوجه والكفين (١). والأصح الأول. ومنها: إذا عامل امرأة ببيع أو غيره، أو تحمل شهادة علبها، جاز النظر إلى وجهها فقط، وتكلف الكشف حالة الأداء أيضًا. واعتراض بعضهم: بأنهم ذهبوا إِلى جواز النظر إِلى الوجه والكفين بلا حاجة، ففي الحاجة أولى، فَلِمَ اقتصروا هنا على الوجه؟! ويمكن أن يجاب: بأن النظر هناك ما يكون عن غير قصد وتأمل، ولذلك جزموا بتحريمه عند خوف الفتنة؛ وفي هذه الصورة ليس له حاجة إِلى الكفين، فلا ينبغي تأملهما. أو يكون ذلك على القول بأنه لا يباح النظر عند غير الحاجه (٢)؛ وهو اختيار كثيرين، منهم: الأصْطخْري (٣) وأبو على

стр. 325

الطبري (١) والشيخ أبو محمد (٢) والإمام وقطع به صاحب المهذب (٣) والروياني.

стр. 326

ومنها: جواز النظر واللمس لفصد (١) والحجامة ومعالجة العلة. والأصح: أنه يشترط أن لا يكون هناك امرأة تعالج. ثم أصل الحاجة كاف في النظر إِلى الوجه والكفين. وفي سائر الأعضاء (٢) يشترط تأكدها، وضبطه الإمام: "بالقدر الذي يجوز فيه الانتقال من الماء إِلى التيمم وفاقًا وخلافًا، وفي النظر إِلى السوأتين يعتبر مزيد تأكد". وضبطه الغزالي: "بأنه الذي لا يعد التكشف بسببه هكتًا للمروءة، ويعذر فيه في العادة" (٣). وعن الروياني أنه طرد معنى الحاجة من غير تفاوت في جميع الأعضاء. ومأخذ الأولين: أن الشارع ﷺ لما فاوت بينها في النظر مطلقًا، فأباحه في عضو وحرمه في آخر، كان أمر ما حُرِّمَ النظر إِليه أغلظَ مما أبيح فيه، فناسب عند الحاجة أن يعطى كل عضو حكمه. ومنها: أنه يجوز النظر إِلى فرج الزانيين: على الأصح لتحمل الشهادة، وإلى فرج المرأة للشهادة على الولادة، وإلى (٤) ثديها للشهادة على الرضاع؛ لظهور

стр. 327

الحاجة إِلى ذلك. وقال الإصطخرى (١): "لا يجوز؛ أما في الزنى فلأنه ندب إلى ستره. وأما في [الولادة] (٢) والرضاع فشهادة النساء فيهما (٣) مقبولة، فلا تحتاج إِلى الرجال". وقيل: يجوز في الزنى دون غيره؛ لأنه بالزنى هتك الحرمة. وقيل: بالعكس؛ لأن الحد مبني على الإسقاط (٤). والله أعلم. * * *

стр. 328

القاعدة الرابعة (١) الضرر (٢) مزال (٣)

стр. 329

والأصل في ذلك قوله ﵊: (لا ضرر ولا ضرار) (١) مع أحاديث أخر. وقد اختلف في اللفظتين في الحديث، فقيل: الضرر ما كان من فعل واحد، والضرار ما كان من اثنين كل منهما بالآخر وإن كان الثاني على وجه المجاز (٢)، كما في قوله ﵊: (أد الأمانة إِلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) (٣) (٤). وقيل: الضرر ما تضرر به صاحبك وتنتفع به أنت، والضرار مضرة الغير من غير أن تنتفع به (٥). وقيل غير ذلك. وهذه القاعدة يبني عليها كثير من أبواب الفقه ومسائل لا تكاد تحصى.

стр. 330

[أبواب مبنية على هذه القاعدة] فمن الأبواب: رد المعيب في البياعات (١)؛ لما في إلزام المشترى بالمبيع من الضرر، إِذ لم يدخل إِلا على مبيع سالم. وكذا ثبوت الخيار له عند اختلاف الصفة المشروطة. وللبائع عند خلف ما شُرِطَ من الرهن والضمين. وكذا فسخ النكاح عند العيوب؛ لما في المقام على ذلك من الضرر اللازم، لا سيما في جانب الزوجة، لعدم تمكنها من الطلاق. ومن الأبواب: التفليس؛ لأن الحجر عليه لدفع ضرر الغرماء، وأخذ عين ماله (٢). وحجر الصغر والسفه لضرر تضييع المال. ومن الأبواب: الشفعة لدفع ضرر مؤنة القسمة (٣). وكذا تضمين الغاصب بأعلى القِيَم، زجرًا عن التعدي. والقصاص في النفس والأطراف لهذا المعنى. وأبواب الحدود: فشرعية حد الزنى؛ لدفع مفسدة خلط الأنساب. وشرع حد السارق؛ لدفع ضرر أخذ أموال الناس. وكذا المحارب (٤). وحد القذف؛ لدفع مفسدة

стр. 331

انتهاك الأعرض (١). وحد الشرب؛ لما يترتب عليه عند زوال العقل من الوقوع في كثير من هذه المفاسد، كما أشار إِليه رسول الله ﷺ بقوله: (الخمر أم الخبائث) (٢). وقتل المرتد، لما في ذلك من مفسدة التعدي على الدين، وهذه هي الضروريات المرعية بالحفظ في جيمع الملل (٣). ولما نظم المعرى (٤) البيت الذى شكك به على الشريعة في الفرق بين الدية والقطع

стр. 332

في السرقة وهو: يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها (١) قطعت في ربع دينار (٢) أجاب القاضي عبد الوهاب المالكي (٣) ﵁ بقوله: وقاية النفس أغلاها وأرخصها ... وقاية المال فافهم حكمة الباري وهو جواب بديع معناه: أن اليد لو كانت تودى بما تقطع فيه، أو بما يقاربه (٤)،

стр. 333

لكثرت (١) الجنايات على الأطراف، لسهولة الغرامة، فغلظ ذلك حفطا لها. ولو كانت لا تقطع إِلَّا في سرقة ما تودى به لكثرت الجنايات على الأموال، وقل من تبلغ جنايته خمسمائة دينار، فحفظه الشارع ﵊ بتقليل ما تقطع فيه، حفظًا للأموال، ودفعًا لضرر الجناية. ومن هذه القاعدة: نصب الإمام الأعظم، ونوابه من الأمراء والقضاة، (٢) لدفع الظلمة عن الضعفاء بالجناية، وإيصال الحقوق إلى أهلها. وكتابُ قتال المشركين؛ لدفعهم عن الاستيلاء على المسلمين. وكذا قتال البغاة؛ لدفع مفسدتهم. وكذا [دفع] (٣) الصائل من الآدمي والحيوان. وكذا كتابُ الدعاوى والبينات؛ لدفع ضرر الاستيلاء على الحقوق. وباب القسمة؛ لدفع ضرر النزاع بين الشركاء. ومن ذلك إيجاب الزكاة؛ لدفع ضرر حاجة الفقراء. إِلى غير ذلك. [فروع مخرجة على هذه القاعدة] ويتخرج على هذه القاعدة وهي أن الضرر مزال فروع: منها: بيع العبد المسلم من الكافر. وكذا المصحف. وبيع السلاح من أهل الحرب.

стр. 334

وقطاع الطريق. وبيع العصير ممن يتخذ الخمر. وأشباه ذلك، لاشتمال العقد على مفسدة قريبة تترتب عليه. أما بيع العبد [المسلم] (١) من الكافر فهو حرام بلا خلاف (٢). وفي صحته قولان (٣)، أصحهما عند الجمهور: بطلان البيع (٤)، لضرر استذلال المسلم (٥) وقهره. وهذا جار في عقد السلم عليه، وهبته، والوصية به. وأما بيع المصحف من الكافر ففيه طريقان (٦)، إحداهما: على القولين (٧). والثانية: القطع بالبطلان، وصححها جمع (٨). والفرق أن المصحف لا يدفع عن نفسه

стр. 335

الامتهان، بخلاف العبد، فإِنه يدفع بالاستعانة والإخبار. وبجرى الطريقان في كتب الحديث، وكتب العلم المتضمنة الاستدلال بالحديث وآثار السلف. وشذ الماوردى فقال: "يصح ذلك" (١). [مسائل دخول العبد المسلم في ملك الكافر] قال المحاملي (٢): (٣) "لا يدخل العبد المسلم في ملك الكافر (٤) إلَّا في ست مسائل (٥): إِحداهما: الإرث. الثانية: الرجوع بإفلاس المشترى.

стр. 336

الثالثة: رجوع الوالد فيما وهب من ولده. الرابعة: الملك الضمني على الصحيح، كقوله: أعتق عبدك عني على ألف. الخامسة: الرد بالعيب على الصحيح. السادسة: تعجيز المكاتب نفسه (١). والله أعلم. واعتراض النووي على السادسة (٢): بأن المكاتب لم يزل الملك عنه. واستدرك سابعة (٣)، وهي: ما إِذا اشترى من يعتق عليه إِما باطنًا أو ظاهرًا، كما [إِذا] (٤) أقر بحرية عبد (٥)، ثم اشتراه، فإِنه يصح تعويلًا على صاحب اليد، ويعتق عليه (٦). واخْتلِفَ في هذا العقد هل هو شراء أو فداء؟ والراجح أنه شراء من جانب

стр. 337

البائع، وفداء من جانب المشتري. ولهذا قال بعضهم: إِن صحة البيع في هذه الصورة أولى من صحته فيمن يعتق باطنًا؛ لأنه لا يُقَدَّر دخوله في ملكه بخلاف شراء القريب. وَعَكَس الإِمامُ؛ لأن ملكه للقريب حَصَّلَ العتقَ للمسلم قطعًا، وهناك لا عتق إلا في الظاهر (١). واستدرك ابن الوكيل (٢) ثامنة: وهي: ما إذا باع الكافرُ العبدَ المسلمَ من مسلم، ثم تقايلًا، وقلنا: الإقالة فسخ على الجديد الصحيح. قال الأصحاب: تصح على الأصح - وهو سبب اختياري في تملك الكافر المسلم - لأن الملك فيها كالمستدام، بدليل أنه لا

стр. 338

تتجدد فيه الشفعة (١). وبقيت أيضًا مسائل: إحداها (٢): إذا جاز له نكاح الأمة بشرطه، وكانت لكافر، هل يجوز؟ فيه وجهان، الصحيح: الجواز. وينعقد الولد مسلمًا تبعًا لأبويه، وينعقد على ملك الكافر (٣) قهرًا كالإرث، ثم يؤمر بإِزالة ملكه عنه. الثانية: إذا وطئ الأبُ جاريةَ الولد، واستولدها؛ فإِنه لا فرق بين المسلم والكافر الذمي (٤)، فيثبت الاستيلادُ على الأظهر وان كان المستولِدُ ذميًا والابنُ مسلمًا وكذلك أمته (٥)، ويقدرُ دخولها في ملكه (٦) قهرًا كالإرث، ثم يكون حكمها حكم

стр. 339

[أم] (١) الولد للذمي إِذا أسلمت عنده، إِذْ يُحَال بينهما، ويؤمر بالنفقة عليها إِلى أن يعتقها أو تموت (٢). الثالثة: إِذا كان بين مسلمٍ وكافرٍ عبدٌ مشترك (٣) فاعتق الكافر نصيبَه، وهو موسر، فإِنه يقوم عليه نصيب شريكه ويسرى العتق إِليه، سواء قلنا يقع العتق بنفس الإعتاق أو بأداء القيمة؛ لأن هذا ملك قهري. ذكرها البغوى (٤). الرابعة: إِذا أُوْصِيَ له به (٥)، وقلنا: تملك الوصية بمجرد الموت، فإِنها تدخل في ملكه كالإرث. كذا عدها المتولي زائدة على ما تقدم (٦). والذي جزم به الماوردى: أنه إن أسلم الموصَى له قبل موت الموصي ثبتت الوصية، وإلا فلا. وحكاه العمراني وجهًا. الخامسة: إِذا أصدقها الذميُّ عبدًا، ثم أسلم العبد في يد المرأة، ثم وجد الزوج بها

стр. 340

عيبًا، ففسخ النكاح، فإِنه يرجع العبد إِلى ملكه. كما مَرَّ في نظائره. السادسة: إِذا طلقها قبل الدخول، بعدما أسلم العبد في يدها، فإنه يرجع إِليه نصفه ويؤمر بإِزالته (١). السابعة: إِذا أسلمت المرأة قبل الدخول، وقد أسلم العبد أيضًا، فإِنه يرجع إِلى ملك الزوج، لسقوط مهرها، إِذ (٢) الفرقة من جهتها. والله أعلم. وجه استثناء جميع هذه الصور من القاعدة؛ لأن منها: ما لا تتحقق المفسدة فيه، كالمستعقَب للعتق. ومنها: ما تندفع المفسدة فيها بالأمر بإِزالة ملكه عنه. ويَعِنُّ (٣) من ذلك: ما (٤) إِذا اشترى الكافر عبدًا كافرًا من مسلم، ثم أسلم العبد قبل قبضه، هل يبطل البيع؟ في وجه: نعم، كمن اشترى عصيرًا فتخمر قبل قبضه. والأصح: أنه لا يبطل، وينصب القاضي من يقبض العبد ويزيل الملك فيه. وأما بيع السلاح من أهل الحرب فكذلك أيضًا لا يصح على المذهب الصحيح (٥) لما فيه من المفسدة بتمكينهم منه. وكذا بيعُ العصيرِ ممن يُتَحَقَق منه اتخاذه خمرًا. أو السلاح ممن يقطع به الطريق (٦)

стр. 341

لا يصح على الأصح (١). فإن لم يتحقق ذلك، ولكن كان هذا شأنه، فيكره ولا يبطل. والله أعلم. وأعلم أن حاصل هذه القاعدة يرجع إِلى تحصيل المصالح أو تقريرها، وإلي دفع المفاسد، واحتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما (٢). ونذكر لذلك أمثلة.

стр. 342

[أمثلة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما] منها: ما مر فيمن غص بلقمه، ولم يجد ما يسيغها به، إلَّا الخمرة (١)؛ لأن مفسدة تناول الخمر أخف من مفسدة فوات الروح. وكذا: أكل مال الغير مع ضمان البدل عند الاضطرار؛ لأن فوات المهجة أشد من فوات مال الغير. وكذا: التداوي بالنجاسات إِذا تعين بقول أهل الخبرة؛ لأن مفسدتها أخف من دوام الألم الذى لا يحتمل مثله. ومُنِعَ التداوي بالخمر لقوله ﵊: (إنها ليست بدواء ولكنها داء) (٢).

стр. 343

(١) يمنع حصول الشفاء. وفُرِّقَ بين التداوى والإساغة: بتحقق حصول المطلوب في الإساغة. ومنها: إِذا وجد المضطر إنسانا ميتًا جاز له أكله؛ لأن مفسدة أكله ميتًا أخف من مفسدة تلاف (٢) حياة الإنسان (٣). ومنها: مسائل الإكراه؛ فإِذا أكرَه مسلمٌ مسلمًا على قتل مسلم بغير حق، وكان بحيث لو امتنع المكرَه قُتِل، فلا يجوز له الإقدام على قتله؛ لأن صبره على القتل أخف مفسدة من الإقدام على قتل المسلم بلا حق. ويوضح ذلك أن الإجماع منعقد على تحريم القتل بغير حق، واختلفوا في جواز الاستسلام للقتل (٤)؛ فقدموا درء (٥) المفسدةِ المجمع على وجوب درئها على درء المفسدة المختلف في درئها. ومثل ذلك: لو أكره بالقتل على الزنى واللواط (٦).

стр. 344

ولو كان الإِكراه على شهادة الزور بالقتل، أو على حكم بباطل (١)؛ فإِن كان المشهودُ به أو المحكومُ به قتلًا أو إِحْلالَ بضع محرم، لم يجز تعاطي ذلك؛ لأن الاستسلام للقتل أخف من مفسدة التسبب إِلى قتل بغير حق أو إِحلال بضع محرم. وإن كانت الشهادة أو الحكم يتضمنان إِتلاف مال أو تسليمه لغير مستحقه، لزمه الإتيان بما أكره عليه؛ لأن حفظ مهجته أولى من حفظ المال، ومفسدة إِتلاف المال أخف من مفسدة فوات المسلم. وكذا لو كان الإِكراه على شرب الخمر. [الاستدلال على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما] وأصل هذه القاعدة (٢): قصة الحديبية (٣)، ومصالحة النبي ﷺ للمشركين على الرجوع عنهم، وأن ما جاء من أهل مكة مسلمًا رده إِليهم، ومن راح من المسلمين إِليهم

стр. 345

لا يردونه (١). وكان في ذلك إِذلال للمسلمين، وإِعطاء الدنِية في الدين. ولذلك استشكله عمر ﵁ (٢). إِلا أنه احتمل لدفع مفاسد أعظم، وهي: قتل المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا خاملين (٣) بمكة، فاحتملت أخف المفسدتين لدفع أقواهما. وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ

стр. 346

تَعْلَمُوهُمْ﴾ الآية. (١) ومن ذلك حديث الأعرابي (٢): الذي بال في مسجد رسول الله ﷺ ، فزجره [الصحابة] (٣) فنهاهم ﷺ عن ذلك بقوله: (لا تزرموه) (٤)، فلما قضى بوله أمر ﷺ بذنوب (٥) من ماء وطهر به ذلك الموضع؛ (٦) لأن منعه حال البول يودي إِلى مفاسد أشد من بوله في ذلك الموضع، من تنجس بدنه وثيابه واحتباس بقية البول عليه.

стр. 347

[اجتماع المفاسد مع تساويها] أما إِذا تساوت رتب المفاسد من كل وجه، فقد يتخير بينها في بعض الصور، وقد يتوقف إِذا لم يمكن دفع جميعها: فمن مسائل التخيير: ما إِذا أكره على إِتلاف درهم من درهمين، إِما لرجل أو لرجلين، فإِنه يتخير. وكذا: إِذا وجد المضطر حَرْبيَّين متساويَين (١)، واحترزنا بالمتساويَين عما إذا كان أحدُهما قريبَه، فإِنه يقدم الأجنبي. ومن أمثله ما يتوقف فيه: ما إِذا وقع رجل على أطفال مسلمين، إِن أقام على أحدهم قتله، وإن انتقل إلى آخر قتله (٢)، قال بعض العلماء: "ليس في هذه المسألة حكم شرعي، وهي باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل ورودها، فإِن الشريعة لم تجئ في التخيير بين هاتين المفسدتين" (٣). ومن أمثلة ذلك ما إِذا اغتلم البحر (٤) بحيث علم ركاب السفينة أنهم لا يخلصون إِلا بتغريق شطرهم لتخفف السفينة، فإنه لا يجوز إلقاء أحد منهم بقرعة ولا بغيرها؛ لأنهم مستوون في العصمة، وإن أدى ذلك إلى إِهلاك الجميع. ولو كان معهم مال وحيوان محترم، وجب اِلقاء المال ثم الحيوان، دفعًا لمفسدة تلاف (٥) الآدميين.

стр. 348

ولو كان في مسألة الأطفال فيهم أطفالُ كفارٍ، فقد اختلف في أنه: هل يلزمه الانتقال عن المسلم إِلى الطفل المحكوم بكفره؟ قال الشيخ [عز] (١) الدين: "الأظهر عندي: أنه يلزمه؛ لأن مفسدةَ قتله أخفُ من مفسدة قتل المسلم، بدليل أنه يجوز قتل أطفال الكفار عند التترس بهم، حيث لا يجوز ذلك في أطفال المسلمين" (٢). وهذا في أطفال (٣) معصومين بالذمة. أما أطفال أهل الحرب فيجب عليه الانتقال إِليهم (٤)، وفيه احتمال ضعيف. * * *

стр. 349

[اجتماع المصالح والمفاسد] ولو اجتمعت المصالح والمفاسد؛ فإِن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد تعين ذلك. وإن لم يمكن الجمع فهنا مجال النظر، وهو ثلاثة أنواع: الأول: غلبة المفسدة على المصلحة: فيقدم درء المفسدة ولا مبالاة بفوات المصلحة (١)، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٢) فحرمهما الله تعالى حين غلبت مفسدتهما على ما فيهما من المنافع: ومسائل هذا النوع كثيرة (٣). النوع الثاني: أن تكون المصلحة أعظم من المفسدة (٤): وأمثلته كثيرة جدًا (٥): منها: الصلاة مع اختلال أحد شروطها من طهارة وغيرها، ففيه مفسدة، لما فيه من الإخلال بجلال الله تعالى في أنه لا يناجى إِلا على أكمل

стр. 350

أحواله (١). فمتى تعذر شيء من ذلك، أو شق تعاطيه، جازت الصلاة بدونه، تقديمًا لمصلحة الصلاة على هذه المفسدة (٢). ومنها: نكاح الحرِ الأمة، فيه مفسدة رِقِّ الولد، لكنه جاز عند خوف العنت، وفقد طول الحرة؛ لمصلحة الناكح في إِعفاف فرجه، ودفع مفسدة وقوعه في الزنى. ومنها: الكذب مفسدة محرمة، ومتى تضمن مصلحة تزيد على المفسدة جاز، مثل كذب الرجل لزوجته لإصلاحها وحسن عشرتها، والكذب للإِصلاح بين الناس أولى بالجواز، لعموم مصلحته (٣). ومنها: نبش الأموات مفسدة محرمة، لكنه واجب إِذا دفن من غير غسل، (٤) و

стр. 351

إلى غير القبلة؛ لأن مصلحة غسلهم وتوجيههم إلى القبلة أعظم من توقيرهم بترك نبشهم. وكذا: إِذا كان في جوف الميتة ولد ترجى حياته، فإِنه يشق جوفها؛ لأن مصلحة حياته أعظم من مفسدة انتهاك أمه بشق جوفها. ومنها: مفسدة نظر العورات (١) بمصلحة التداوى: ومنها: مفسدة إِتلاف أموال المسلمين من أهل الحرب، ولا نُضَمِّنُهُم، لمصلحة ترغيبهم في الدخول في الإِسلام، ودرء مفسدة تنفيرهم. إلى غير ذلك من الصور. النوع الثالث: أن تتساوى المصالح والفاسد: فتارة: يقال بالتخيير، وتارة: يقال بالوقف، وتارة: يقع الاختلاف، بحسب تفاوت المفاسد في نظر المجتهدين (٢). * * *

стр. 352

القاعدة الخامسة (١) وهي اعتبار (٢) العادة (٣) والرجوع إِليها (٤)

стр. 353

والأصل فيها مع ما تقدم (١): قوله ﵊ (المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة) (٢). رواه أبو داود: بإِسناد صحيح. وجه الدلالة أن أهل المدينة لما كانوا أصحاب نخيل وزرع اعتبر عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة كانوا أهل متاجر فاعتبرت عادتهم في الوزن. ومنها حديث محيصة (٣) رضي الله [عنه] (٤): أن ناقة للبراء بن

стр. 354

عازب (١) دخلت حائطًا، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ : (أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل) (٢). روه أبو داود، وصححه جماعة، وهو أدل شيء على اعتبار العادة في الأحكام الشرعية (٣). فهذه مع ما تقدم تفيد القطع باعتبار العادة، وترتب الأحكام الشرعية عليها.

стр. 355

[بعض السائل المبينة على قاعدة العادة] وينبني على هذه القاعدة من المسائل الفقهية ما لا يكاد يَتَعَدَّد (١)، وعليها اعتمد الشافعي ﵁ في أقل سن الحيض، ووقت إِمكان البلوغ، وفي قدر أقل الحيض، وأكثره، وغالبه، وفي قدر أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين، وأقل النفاس، وأكثره وغالبه. ومنها: الرجوع إلى العادة في كثرة الأفعال المنافية للصلاة المقتضية للبطلان، وقلتها. وفي التأخير [الذي يمنع] (٢) الرد بالعيب، والذي لا يمنع. وفي قبض الأعيان المرهونة والموهوبة، وغير ذلك مما يترتب فيه على القبض أحكام شرعية؛ فإن العادة تختلف في القبض بحسب اختلاف المال، فيرجع فيه إلى العادة؛ فما كان يتناول باليد اشترط فيه حقيقة القبض، ولو جاء به البائع وقال له المشتري ضعه فوضعه بين يديه حصل القبض؛ لدلالة العادة في مثله. وما كان لا يتناول بالعادة من المنقولات، فلا يكفي فيه التخلية: على الصحيح المشهور، بل لابد فيه من النقل والتحول على العادة. وإن كان لا ينقل كالعقار والأشجار فالتخلية فيه كافية. ومنها: الرجوع إليها في أحراز (٣) الأموال المسروقة، حيث يترتب على ذلك الحد،
следующие страницы →