← Каваид фикха

Каваид фикха · id 127669

القواعد للحصني

تقي الدين الحصني

Полный текст (1 662 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

إلى غير القبلة؛ لأن مصلحة غسلهم وتوجيههم إلى القبلة أعظم من توقيرهم بترك نبشهم. وكذا: إِذا كان في جوف الميتة ولد ترجى حياته، فإِنه يشق جوفها؛ لأن مصلحة حياته أعظم من مفسدة انتهاك أمه بشق جوفها. ومنها: مفسدة نظر العورات (١) بمصلحة التداوى: ومنها: مفسدة إِتلاف أموال المسلمين من أهل الحرب، ولا نُضَمِّنُهُم، لمصلحة ترغيبهم في الدخول في الإِسلام، ودرء مفسدة تنفيرهم. إلى غير ذلك من الصور. النوع الثالث: أن تتساوى المصالح والفاسد: فتارة: يقال بالتخيير، وتارة: يقال بالوقف، وتارة: يقع الاختلاف، بحسب تفاوت المفاسد في نظر المجتهدين (٢). * * *

стр. 352

القاعدة الخامسة (١) وهي اعتبار (٢) العادة (٣) والرجوع إِليها (٤)

стр. 353

والأصل فيها مع ما تقدم (١): قوله ﵊ (المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة) (٢). رواه أبو داود: بإِسناد صحيح. وجه الدلالة أن أهل المدينة لما كانوا أصحاب نخيل وزرع اعتبر عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة كانوا أهل متاجر فاعتبرت عادتهم في الوزن. ومنها حديث محيصة (٣) رضي الله [عنه] (٤): أن ناقة للبراء بن

стр. 354

عازب (١) دخلت حائطًا، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ : (أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل) (٢). روه أبو داود، وصححه جماعة، وهو أدل شيء على اعتبار العادة في الأحكام الشرعية (٣). فهذه مع ما تقدم تفيد القطع باعتبار العادة، وترتب الأحكام الشرعية عليها.

стр. 355

[بعض السائل المبينة على قاعدة العادة] وينبني على هذه القاعدة من المسائل الفقهية ما لا يكاد يَتَعَدَّد (١)، وعليها اعتمد الشافعي ﵁ في أقل سن الحيض، ووقت إِمكان البلوغ، وفي قدر أقل الحيض، وأكثره، وغالبه، وفي قدر أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين، وأقل النفاس، وأكثره وغالبه. ومنها: الرجوع إلى العادة في كثرة الأفعال المنافية للصلاة المقتضية للبطلان، وقلتها. وفي التأخير [الذي يمنع] (٢) الرد بالعيب، والذي لا يمنع. وفي قبض الأعيان المرهونة والموهوبة، وغير ذلك مما يترتب فيه على القبض أحكام شرعية؛ فإن العادة تختلف في القبض بحسب اختلاف المال، فيرجع فيه إلى العادة؛ فما كان يتناول باليد اشترط فيه حقيقة القبض، ولو جاء به البائع وقال له المشتري ضعه فوضعه بين يديه حصل القبض؛ لدلالة العادة في مثله. وما كان لا يتناول بالعادة من المنقولات، فلا يكفي فيه التخلية: على الصحيح المشهور، بل لابد فيه من النقل والتحول على العادة. وإن كان لا ينقل كالعقار والأشجار فالتخلية فيه كافية. ومنها: الرجوع إليها في أحراز (٣) الأموال المسروقة، حيث يترتب على ذلك الحد،

стр. 356

أو درؤه (١) لكون الحرز ليس حرزًا لذلك المال في العادة، فالاصطبل حرز للدواب وإن كانت نفيسه، دون الثياب والنقود. وعرصة الدار (٢) والصفة (٣) حرز للأواني، دون الحلي والنقود؛ لأن حرزها الصناديق ونحوها. والمتبن حرز للتبن (٤)، دون الفرس ونحوها. ومنها: أن من زفت له زوجته وهو لا يعرفها، يجوز له وطؤها، اعتمادًا على العادة المطردة في مثله، وبُعْد التدليس فيه. وكذا: الأكل من الهدى المشعور (٥). وكذا تقديم الطعام إِلى الضيفان (٦)، تنزيلًا للدلالة الفعلية منزلة الدلالة القولية في ذلك. ومنها: دخول الحمام، على الوجه المأذون، عند فتح صاحبه جائز؛ للعادة. ثم يجب عليه ما جرت به العادة، وللأصحاب خلاف في المبذول في مقابلة ماذا؟ (٧).

стр. 357

وكذا دخول دور القضاة والولاة بلا إِذن، جريًا على العادة. ومنها: الشربُ وسقُي الدواب من الجداول والأنهار المملوكة المجرى، إذا كان الشرب لا يضر بمالكها: جائزٌ، إِقامةً للعرف (١) مقام الإِذن اللفظي. وكذا ما جرت

стр. 358

العادة بالإعراض عنه من الثمار الساقطة بالطرق من الأشجار المملوكة. ومنها: الهدية إذا بعثها في ظرف لم ترد العادة برده، كقوصرة (١) التمر، فإِنه يكون هدية أيضًا، وتتبع العادة في الأكل منه، إن كان ذلك معتادًا، وإِلا فيلزم التفريغ. إلى غير ذلك من الصور الكثيرة، والعرفُ العادى فيها قائمٌ مقام اللفظ (٢). [تخصيص العام و] (تقييد المطلق بالعادة) ومن ذلك تخصيص العموم، وتقييد المطلق (٣)، وله صور:

стр. 359

منها: التوكيل في البيع المطلق، فإِنه يتقيد بثمن المثل، وبغالب نقد البلد، تنزيلًا للعادة الغالبة منزلة صريح اللفظ، فكأنه قال: بيع هذا بثمن مثله وبنقد البلد الغالب. وكذا التوكيل في الإجارة ونحوها. ومنها: حمل الإذن في النكاح على الكفو ومهر المثل كالوكالة في البيع، فلو سكتت (١) عن (٢) مهر، ففعل ولم يذكر مهرًا، فهل يكون تفويضًا (٣) صحيحًا؟ فيه خلاف؛ والأصح على ما قاله الإِمام (٤): المنع؛ لأن العادة تقتضي التزويج بالمهر وان سكتت (٥). فلا يكون تفويضًا، إلا إذا صَرَّحَت بنفي المهر؛ فعلى هذا ينعقد ابتداء بمهر المثل. ومنها: لو جرى الخلع بلا ذكر مال، فهل ينزل مُطْلقُهُ على استحقاق المال، حتى يجب مهر المثل؟ وجهان، أصحهما: الوجوب (٦)؛ لاقتضاء العرف ذلك. وقع في كلام القاضي حسين والإِمام والغزالي: تنظير هذا الخلاف بما لو ساقاه أو قارضه ولم يذكر مالًا؛ هل

стр. 360

يستحق عند العمل، أم لا؟ (١) وهو ظاهر. ومنها: إِذا باع ثمرة قد بدا صلاحها، فإِنه يجب إِبقاؤها إِلى أوان الجذاد، والتمكينُ من سقيها (٢) بمائها؛ لأن هذين مشروطان بالعرف، فكانا كالمشروطين باللفظ. ومنها: حمل الألفاظ في الودائع والأمانات على حرز المثل الذي جرت به العادة في أنواع الوديعة، فلا يحفظ الجوهر النفيس والفضة والذهب في الأحراز التي تحفظ فيها الأحطاب، فلو حفظها المودَع فيها ضمن؛ تنزيلًا للعرف منزلة التصريح بحفظها في حرز مثلها. ومنها: تنزيل الصناعات على صناعة المثل في محلها، فإِذا استأجر الخياط لخياطة الكِرباس (٣) الغليظ، أو البِزْار (٤) الرفيع، حملت خياطة كل منهما على ما يليق به؛ حتى لو خاط الرفيع بما يخاط به الكرباس الغليظ لم يستحق أجرة، ولو زاد في خياطة الكرباس على ما جرت به العادة، ولم يأمره صاحبه لم يستحق أجرة الزائد. وكذا

стр. 361

الاستئجار على الأبنية (١)، وسائر الصنائع. ومنها: الرجوع إِلى العادة في ألفاظ الواقف، وألفاظ الموصي، كما إِذا أوصى لمسجد فإِنه يحمل على الصرف في عمارته ومصالحه. وكذا الوصية للعلماء، والفقهاء، والفقراء، والمساكين، والعلويِّة (٢) ونحو ذلك، والوقف عليهم يرجع فيه كله إلى العرف والعادة. ومنها: الرجوع إِليها في ألفاظ الأيمان التي تختلف عادات الناس في المحلوف عليه، كمن حلف لا يأكل الرؤوس فإِنه يحمل على الرؤوس المعتاد بيعها منفردة. وكذلك سائر الألفاظ في هذا الباب، كالفاكهة، والدخول، والبيوت (٣) وغير ذلك. فلو كان في شيء منها عرف خاص لأهل بلد الحالف فسيأتي ذكره إِن شاء الله تعالى. ومنها: تنزيل إِطلاق النقد في المعاملة على ما جرت به عادة ذلك البلد؛ حتى إِذا

стр. 362

كان فلوسًا (١) حمل عليها, وليس للبائع المطالبة بغيرها، إِلا أن يعينه في العقد (٢). فلو غلب التعامل بجنس من العروض أو نوع منه، فهل ينصرف الثمن اِليه عند الإطلاق؟ فيه وجهان؛ أصحهما ينصرف كالنقد. وحكى ابن الصباغ (٣) عن عمه أبي نصر (٤) أنه قال (٥): "إِذا قال: بعتك هذا بعشرة أثواب. وأطلق، وكان للناس عرف (٦) ينصرف إليه كالنقدين". فلو كان النقد مختلفًا ولا غالب لم يكف الإطلاق، ولزم التعيين. ومنها: إذا كان للرماة عادة في مسافة الغرض المرمي إليه، ينزل المُطْلَق على ذلك في عقد المسابقة، إلى غير ذلك مما يطول به الكلام.

стр. 363

ومنها: إِذا اطردت عادة المتبارزين بالأمان، ولم يجر بينهما شرط، فهل تنزل العادة منزلة الشرط؟ فيه وجهان؛ الأصح: نعم. والله أعلم. وقد شذ عن هذه القاعدة مسألتان (١)، على ظاهر مذهب الشافعي الذي نص عليه: إِحداهما: استصناع الصناع الذين (٢) جرت عادتهم: أنهم لا يعملون إِلا بأجرة لمن استصنعهم (٣)، كالغسال والحلاق ونحوهما، فقال الشافعي: "إِذا لم يجر استئجار لا يستحقون شيئًا". وفي المذهب ثلاثة أوجه: أحدها: الاستحقاق مطلقًا، وإِن لم تجر عادة الصناع بذلك. والثاني: إِن بدأه العامل لم يستحق شيئًا، وان بدأ المصنوع له وأمره بذلك استحق عليه أجرة المثل. والثالث: إِن كان عادتهم: لا يعملون ذلك إِلا بأجرة وجبت (٤). وصححه الشيخ

стр. 364

عز الدين (١)، واستحسنه النووى (٢)، وأفتى به جماعة من شيوخنا المتأخرين؛ لدلالة العرف وقيامه مقام اللفظ، كما في أمثاله كما مر. ونص الشافعي ليس فيه التعرض لما إِذا كانت لهم عادة جارية بذلك. وعلى هذا فما الذي يجب للعامل؟ قال النووي وغيره: "أجرة المثل" (٣). وهو ظاهر. وقال الشيخ عز الدين (٤): "يجب له الأجرة التي جرت بها العادة لذلك العامل، وإن زادت على أجرة المثل؛ اعتبارًا للعادة في ذلك". الثانية: صحة البيع بالمعاطاة، وقد نص الشافعي على أنه: لا يصح إِلا بالإيجاب والقبول. وخرج ابن سريج قولًا: إِنه ينعقد بالمعاطاة (٥). والجمهور خصصوا ذلك عنه

стр. 365

بالمحقرات (١). وقال المتولي (٢) وغيره: "قال ابن سريج: كل ما جرت العادة بالمعاطاة فيه وعدوه بيعًا فهو بيع، وما لم تجر العادة فيه بالمعاطاة كالجوارى والدواب والعقار لا يكون بيعًا". قال المتولي (٣): "وهذا هو المختار في الفتوى". وكذا ابن الصباغ (٤) والبغوي والروياني وكان بفتي به (٥). وقال النووى: "هو المختار؛ لأن الله تعالى أحل البيع، ولم يثبت في الشرع لفظ له، فوجب الرجوع إلى العرف، فكل ما عده الناس بيعًا كان بيعًا، كما في القبض والحروز وإِحياء الموات وغير ذلك من الألفاظ المطلقة، فإنها كلها تحمل على

стр. 366

العرف" (١). واختلفوا مما خرج ابن سريج هذه المسألة: فقيل: من مسألة الهدى، إِذا عطب (٢) قبل المحل، فإِنه ينحر ويُعْمِل (٣) نَعْله (٤) في دمه، فيحل بذلك للمساكين (٥). وقيل: من مسألة الخلع، إِذا قال لها: أنت طالق إِن أعطتني ألفًا (٦). وَوَضَعَتْها (٧)

стр. 367

بين يديه، فإِنها تطلق، ويملك الألف، مع أنها لم يصدر منها لفظ يدل على التمليك. وكان الشيخ عز الدين يرجح تخريجه من هذه المسألة (١). ومنهم من فرق بين هاتين المسألتين، وبين البيع: بأن الهدي من باب الإباحات، وهو معقود على المسامحة؛ فاغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره. والخلع فيه شائبه التعليق، وشائبة المعاوضة، فلا يصح الحاق المعاوضة المحضة بما فيه الشائبتان. وذكر بعضهم: أن مسألة المعاطاة (٢) من مسألة الغسال (٣). وهو ضعيف؛ لأن القول بالوجوب (٤) وجوه (٥)، فلا يخرج للشافعي منها (٦). بل ذكر الهروي: أن مسألة الغسال مخرجة من مسألة المعاطاة، وهذا هو الأظهر. وخرج الهروي عليها (٧) فرعا آخر، وهو: ما إِذا قال المدعي للحاكم: أدعي على هذا بأن لي عنده كذا وكذا. ولم يطلب منه سؤال المدعى عليه، فهل يلزم الحاكمَ سؤالُ المدعى عليه؟ وجهان؛ وجه الوجوب: أن العادة تقتضي في مثله طلبَ السؤال من المدعى عليه،

стр. 368

والزمَه اِذا توجه الحكم عليه (١). [ما تثبت به العادة] إِذا تقرر ذلك فهل من شرط العادة التكرر، أم تكفي المرة (٢)؟ وذلك يختلف باختلاف الصور: فمنها: عادة المرأة في الحيض. وفيها أربعة أوجه؛ أصحها: تثبت بمرة مطلقًا (٣)، وهو ظاهر نص

стр. 369

البويطي (١). والثاني: لا بد من مرتين. والثالث: لا بد من ثلاث، قال النووي "وهو شاذ مردود" (٢). وقد نقل جماعة (٣) اتفاق الأصحاب على ثبوتها بمرتين، وإِنما الخلاف في المرة الواحدة. والرابع: تثبت في حق المبتدأة بمرة، ولا تثبت في حق المعتادة اِلا بمرتين. حكاه السرخسي (٤) عن ابن سريج (٥)، وقواه الماوردي وغيره،

стр. 370

واستغربه النووى (١). ولم يعتبر أحد من الأصحاب تكرار عادة يُغَلِّبُ الظن (٢) أن ذلك صار عادة (٣). ومنها: الأمور المشروطة في التعلم في كلب الصيد، لا خلاف أنه لا تكفي المرة، فقيل: تكفي المرتان (٤). وقيل: ثلاث. والمذهب الذي قاله الجمهور: أنه لا بد من تكرار يُغَلِّب على الظن حصول التعلم. ومنها: ما يرد به المبيع من العيوب، ففي الزنى يثبت الرد بمرة؛ لأن تهمة الزنى لا تزول عنه وإِن تاب؛ ولذلك لا يحد قاذفه. وكذا: الإِباق قال القاضي (٥) وغيره: "تكفي المرة في يد البائع وإِن لم [يوجد] (٦) إِباق في يد المشتري". قال الرافعي (٧): "والسرقة قريبة من هذين. وأما البول في الفراش فالأظهر اعتبار الاعتياد فيه". ومنها: القائف (٨)، لا خلاف في اشتراط التكرار فيه، فقيل: تكفي المرتان. وقيل:

стр. 371

لا بد من ثلاث، ورجحه الشيخ أبو حامد وأصحابه (١). وقال الإمام: "لا بد من تكرار يغلب على الظن به أنه عارف". ومنها: اختبار الصبي قبل البلوغ بالمماكسة (٢) فيما يختبر مثله فيه، قالوا: لا بد من مرتين فصاعدًا، حتى يغلب على الظن رشده. والله أعلم. فائدة: قال الإمام والغزالي وغيرهما: العادة في باب الحيض على أربعة أقسام (٣): أحدها: ما تثبت فيه بمرة بلا خلاف، وهو الاستحاضة؛ لأنها علة مزمنة، إِذا وقعت فالظاهر دوامها، وسواء في ذلك المبتدأة والمعتادة والمميزة (٤). الثاني: ما تثبت فيه العادة بمرتين، وهل تثبت بمرة؟ وجهان؛ أصحهما: الثبوت. وهو قدر الحيض.

стр. 372

الثالث: ما لا تثبت بمرة ولا مرات على الأصح، وهو التوقف (١) بسبب تقطع الدم، إِذا كانت ترى يومًا دمًا ويومًا نقاء. الرابع: ما لا تثبت العادة فيه [بمرة ولا مرات] (٢) بلا خلاف، وهي المستحاضة إِذا تقطع دمها، فرأت يومًا دمًا ويومًا نقاء، واستمر لها أدوار هكذا، ثم أطبق الدم على لون واحد، فإنه لا يلتقط (٣) لها قدر أيام العادة بلا خلاف (٤)، وإن قلنا باللقط لو لم يطبق الدم. وكذا: النفاس؛ فلو ولدت مرارًا، ولم تر نفاسًا (٥) أصلًا، ثم ولدت وأطبق الدم، وجاوز ستين يومًا؛ لم يَصِرْ عدمُ النفاسِ عادةً بل هذه مبتدأة في النفاس. والله أعلم.

стр. 373

(العرف الخاص هل يلحق بالعرف العام ؟) واعلم: أن من أقسام العادة العرف الخاص (١)، وفيه (٢) خلاف (٣)، وبيانه بصور:

стр. 374

منها: اِذا كانت عادة امرأة في الحيض أقل من الذي استقرئ من عادات النساء، فهل الاعتبار بعادتها، أم بعادة النساء؟ فيه أوجه (١): أحدها: تعتبر عادتها. وإِليه ذهب أبو منصور (٢) والقاضي حسين، عملًا بظاهر الحديث (٣)، فإِن فيه تعليق الحكم على عادتها لا مطلق العادة. والأصح (٤): أن الاعتبار بالغالب؛ لأن الأولين أعطوا البحث حقه، وبحثهم أولى، واحتمال عروض دم فساد أقرب من انخراق العادات المستمرة، والحديث خرج مخرج الغالب، فإِن كون المرأة بهذه الصفة نادر.

стр. 375

والثالث: إن وافق عادتها مذهب أحد من السلف صرنا إليه، وإلا فلا. ومنها: المبتدأة الفاقدة شروط التمييز (١)، إِذا قلنا: تلحق بعادة نساء عشيرتها، من الأبوين، أو من العصبات، أو من أهل بلدها على الخلاف فيه، فلو خالفت عادة هؤلاء عادة باقي النساء في أقل الحيض، أو في أكثره، أو في غالبه، أو في مقدار الطهر، فيه وجهان، أحدهما: ترد إلى عادتهن. والأصح: أنها (٢) تلحق بالأقرب إلى عادتهن. مثاله: كان حيضهن أقل من ست، أو أكثر من سبع؛ فترد إلى الست في الصورة الأولى، وإلي السبع في الثانية. ومنها: إذا حصره السلطان ظلمًا، أو بدين، وهو معسر لا يتمكن من أدائه، بعد ما أحرم (٣)، فهل يتمكن من التحلل (٤)؟ قولان: أصحهما: نعم، كالحصر العام، إذ مشقة كل واحد لا تختلف بين أن يتحمل غيره مثلها أو لا يتحمل. ومنهم من قطع بالأصح وهم العراقيون.

стр. 376

ومنها (١): لو جرت عادة قوم بقطع الثمار قبل النضج، كالحصرم (٢) في بلاد لا تحلو فيها، فهل تنزل عادتهم منزلة العرف العام، حتى يصح بيعه من غير شرط القطع؟ فيه وجهان؛ أصحهما: لا. وقال القفال: "نعم" (٣). ومنها: (٤) لو جرت عادة قوم الانتفاع (٥) بالمرهون، فهل تنزل منزلة الشرط؟ فيه خلاف. ويترتب على تنزيله منزلة الشرط بطلان الرهن. ومنها: إِذا اتفقوا على مهر في السر، وعقدوا في العلانية بأكثر منه، فيه خلاف (٦). والأصح: أن الصداق ما عقد به. وهما قولان للشافعي (٧). واختلفوا في محلهما؛ فقيل: هو فيما إِذا كان الاتفاق على أن الصداق ألف،

стр. 377

ولكن اصطلحوا على أن يعبروا في العلانية عن ألف بألفين. فعلى هذا يكون أحد القولين (١) أن الاعتبار بما تواضعوا عليه اصطلاحًا لهم. ومنها: إذا اشتهر في العرف استعمال لفظ الحرام في الطلاق، فهل ينزل منزلة الطلاق، حتى يقع بلا نية؟ الأصح: نعم. وبه أفتى القفال والقاضي حسين، وجزم به البغوي (٢)؛ لغلبة الاستعمال وحصول التفاهم. ومنها: إذا كان في عرف بعضهم الترجيح في النكاح بالانتساب إلى عظماء الدنيا والظلمة ونحو ذلك، فهل يعتبر في الكفاءة؟ قال الإمام: "لا عبرة به" (٣). وذكر الرافعي (٤): "أن كلام النقلة لا يساعده، وأن المتولي قال (٥): إن للعجم عرفًا فيعتبر عرفهم" (٦).

стр. 378

ومنها: لو جرت عادة قوم: أن المقترض يرد أكثر مما أخذ. فهل ينزل ذلك منزلة الاشتراط؟ فيه خلاف، كما في قطع الثمار (١). ومنها: إِذا جرت عادة قوم بحفظ زرعهم ليلًا، وامساك [مواشيهم] (٢) نهارًا، فهل ينزل ذلك منزلة العرف العام، في العكس من ذلك الذي دل عليه الحديث (٣)؟ فيه وجهان، والأصح: نعم. ومنها: ما قاله الماوردى (٤): أن العبد إِذا تزوج، فللسيد أن يستخدمه نهارًا إِن التزم المهر والنفقة، وأن يخليه للاستمتاع ليلًا. فلو كان صنعة سيده بالليل كالحدادين انعكس الحال. وكذا: إِذا كانت صناعة بعضهم بالليل كالحارس ونحوه، وسكونه بالنهار؛ قالوا: ينعكس القسم بين زوجاته، وينزل على عادته (٥). ولم يذكروا فيه الخلاف المتقدم في المواشي والزروع. ومنها: قال الماوردى (٦): "إِذا لم تجر عادة أهل القرى بأن تلبس نساهم (٧) في

стр. 379

أرجلهن شيئًا لم يلزم الزوج لأرجلهن شيئًا. وإطلاق الجمهور يخالفه". ومنها: (١) إذا حلف لا يأكل الرؤوس، وجرت عادة أهل البلد ببيع رؤوس الحيتان والصيود منفردة، حنث بأكلها هناك. وفي غيره من البلاد خلاف، الأرجح عند الشيخ أبي حامد والروياني: عدم الحنث. وأقواهما عند الرافعي، وأقربهما إِلى ظاهر النص: الحنث. وهل يعتبر في القطع بالحنث كون الحالف من أهل ناحية بلد العرف الخاص، أو كونه فيها؟ وجهان حكاهما السرخسي. ومنها: لو حلف لا يأكل الخبز. فالمشهور: أنه يحنث بأكل جميع أنواع الخبز. وحكى الغزالي عن الصيدلاني (٢): أنه إِنما يحنث بخبز الأرز بطرستان (٣) فقط،

стр. 380

لاعتيادهم أكله (١). واستغربه الرافعي، ثم قال: "ينبغي أن تكون جيلان (٢) كطبرستان"، وحكى عن السرخسي نقل وجهين في الحنث به بغيرهما. والراجح عنده الحنث مطلقًا. وهذان الفرعان (٣) على خلاف فروع هذه (٤)، من جهة القطع فيهما باعتبار العرف الخاص بموضعه بلا خلاف، وجريان الخلاف في غير بلد ذلك العرف. وبقية المسائل على العكس (٥).

стр. 381

وقالوا فيما إذا حلف لا يأكل البيض: إِن اليمين تحمل على ما يزايل (١) بائضه وهو حي (٢)؛ فيدخل فيه ببيض الدجاج والنعام والأوز. وحكى المحاملي وجهًا: "أنه يختص ببيض الدجاج فقط" (٣). وقال الإِمام: "الطريقة المرضية: أنه لا يحنث إِلا بما يفرد بالأكل في العادة، دون بيض العصافير والحمام وغيرها". وهذا كله تنزيلًا (٤) للفظ الحالف على العرف، فهلا جاء مثله في الخبز؟ فإِن خبز الأرز والباقلاء (٥) ونحو ذلك غير معتاد في غالب البلاد. والله أعلم. * * *

стр. 382

[العرف الذي تحمل عليه الألفاظ] وأعلم أن العرف الذي تحمل عليه الألفاظ وتتقيد به إنما هو العرف المقارن، حتى يجعل كالملفوظ به. أما الطارئ بعد ذلك فلا أثر له، ولا تنزل الألفاظ السابقة عليه (١): ويبنى على ذلك مسألتان عمت الحاجة إليهما: إِحداهما: بطالة (٢) المدارس، وقد سئل ابن الصلاح (٣) عنها فأجاب (٤): "بأن ما وقع منها في رمضان ونصف شعبان لا يمنع الاستحقاق، حيث لا نص من الواقف على اشتراطه الاشتغال في المدة المذكورة. وما يقع قبلها يمنع؛ لأنه ليس فيها عرف مستمر،

стр. 383

ولا وجود لها في أكثر المدارس والأماكن. فإِن اتسق (١) بها عرف في بعض البلاد، واشتهر غير مضطرب، فيجرى فيها في ذلك البلد الخلاف في: أن العرف الخاص هل ينزل في التأثير منزلة العام؟ والظاهر تنزيله في أهله بتلك المنزلة. والله أعلم" (٢). وسمعت بعض الشيوح ينقل خلافًا في العرف الطارئ، في أنه: هل تخصص به الألفاظ المتقدمة؟ ولم أجده منقولًا، ولا يقتضيه النظر الفقهي. والله أعلم. المسألة الثانية: نقل الرافعي (٣) عن ابن عبدان (٤) أنه: "لا يجوز بيع شيء من كسوة الكعبة ولا شراؤه. ومن حمل منه شيئًا لزمه رده". ولم يعترض عليه. وحكى

стр. 384

النووى نحوه (١) عن الحليمي (٢) وابن القاص (٣). وقال ابن الصلاح: (٤) "الأمر فيها إلى الإمام، يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعًا وعطاء". واستحسنه النووى (٥). والذي ينبغي القول به في هذه الأزمان جواز شرائها؛ لأن العادة استقرت بأنها تبدل كل سنة، ويأخذ بنو (٦) شيبة سدنة الكعبة شرفها الله تعالى تلك العتيقة،

стр. 385

يتصرفون فيها بالبيع وغيره، وتقرهم الأئمة في كل عصر على ذلك. وبقي ذلك عرفًا مستمرًا، كأنه مأذون فيه لهم من جهة الإمام؛ لعدم الاعتراض عليهم مع عملهم به، فلا يتردد في جواز ذلك. وأما بعد ما اتفق، من وقف الإمام ضيعة على أن يصرف ريعها في كسوة الكعبة، فلا يتردد في جواز ذلك؛ لأن الوقف بعد استقرار هذه العادة المعلومة، فَيُنَزّل (١) لفظ الواقف عليها، وهذا ظاهر لا يعارضه المنقول المتقدم؛ لتغيير الحال بعده. والله أعلم. فائدة مهمة: صرح جماعة من الأصوليين: بأن التخصيص والتقييد إِنما يقع بالعادة القولية (٢)،

стр. 386

دون الفعلية (١)، ومثلوا للقولية: بما إذا غلب في العرف استعمال الدابة في بعض ما يدب، كالحمار مثلًا؛ فإِن لفظ المُطلِق للدابة ننزله عليه. أما لو كان فعلًا مجردًا، كما لو كان عادتهم: أنهم لا يأكلون إلا طعامًا خاصًا. ثم ورد حكم يتعلق بلفظ الطعام، فإِنه لا ينزل ذلك اللفظ على الطعام الذي لم تجر عادتهم إِلا بأكله دون غيره (٢). ونقل الآمدي عن أبي حنيفة أن العرف الفعلي كالقولي (٣). وبالغ القرافي في رده وقال: "طالعت ستة وثلاثين مصنفًا في أصول الفقه فلم أجد أحدًا صرح بالخلاف فيه، إِلا الآمدي" (٤). ونسبه فيه

стр. 387

إلى الوهم (١) ثم قال: "والظاهر انعقاد الإجماع على أنه لا تخصيص بالعادة الفعلية، وأى تعارض بين الفعل والوضع حتى يقضي عليه؟! " (٢). وتأول ما نقل في ذلك (٣) (٤). * * *

стр. 388

قاعدة (١) الأصل (٢) في الألفاظ الحقيقة (٣) عند الإِطلاق (٤)

стр. 389

فلا تحمل على المجاز (١) إلا بدليل (٢). وكذلك أيضًا [تَوَحُّد] (٣) المعنى الحقيقي هو الأصل، فلا يصار إلى الاشتراك (٤) إلا بدليل (٥). ثم الحقائق ثلاثة (٦)؛ لغوية، وعرفية، وشرعية وهي: التي نقلت في عرف الشرع عن موضوعها اللغوى إلى معنى خاص؛ لا تستعمل عند الإطلاق إِلا فيه. ثم أنواع الكلام ثلاثة:

стр. 390

حروف: ولم ينقل (١) منها شيء عن مدلولها (٢) في الشرع (٣). وإنما يترتب الخلاف فيما اتصلت به بحسب المدلول اللغوي (٤). وأسماء (٥): فمنها: الماهيات الجعلية (٦)، مثل الصلاة والزكاة والحج والعقود، وهي مشهورة أنها حقائق شرعية، ويأتي الكلام فيها. ومنها: الأسماء المشتقة المتصلة بالأفعال (٧)، كالمصدر واسم الفاعل واسم المفعول. أما اسم الفاعل ففي الطلاق اتفاقًا: في قوله: أنت طالق. وفي الضمان؛ في قوله:
следующие страницы →