← Каваид фикха

Каваид фикха · id 127669

القواعد للحصني

تقي الدين الحصني

Полный текст (1 662 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

خزيمة (١)، وقواه ابن المنذر (٢). والواجبات: اثنان متفق عليهما، وهما: الأحرام من الميقات، والرمي. وأربعة مختلف فيها، وهي: الجمع في الوقوف بعرفة بين الليل والنهار لمن أمكنه ذلك، والمبيت بمزدلفة، والمبيت ليالي منى، وطواف الوداع، والأصح في الثلاثة الأخيرة: الوجوب. دون الجمع بين الليل والنهار فإِن الأصح: أنه مستحب. وأما السنن: فما عدا ذلك. أما الأركان: فالصحة متوقفة عليها. وأما الواجبات: فتجبر بالدم، ولا تتوقف

стр. 562

عليها صحة ولا تحلل. وهذا ليس تفرقة بين الفرض والواجب، بل هو تقسيم للواجبات إِلى: ما قوى اعتباره حتى توقفت الصحة عليه للأدلة الدالة على ذلك، فعبر عنها بالأركان. وإلى ما لم يكن كذلك، فسميت واجبات. وأما في الصلاة فهو تقسيم للسن لا للواجبات، إِذ الواجب فيها لا بد من فعله، وَلمَّا ثبت أنه ﵊ سها عن التشهد الأول، وأتم صلاته، وسجد للسهو (١)، ثَبَتَ عدمُ وجوبه، فقسموا السنن إِلى ما يتأكد فعله (٢) فجبر (٣) بالسجود، وإلى ما ليس كذلك (٤). ولهذا (٥) قال كثير من أئمة الأصول: إِن المندوب والسنة والتطوع والمستحب والمرغب فيه والنفل ألفاظ مترادفة. وهو وجه للأصحاب (٦). والثاني (٧)، أن النفل والتطوع مترادفان، وهما ما سوى الفرائض. والسنةُ

стр. 563

والمستحبُ ونحوهما أنواعٌ لها. والثالث (١): ما عدا الفرائض ثلاثة أقسام، سنة: وهو ما واظب (٢) عليه رسول الله ﷺ . ومستحبات: وهي التي فعلها أحيانا. قلت (٣): ويلتحق ما أمر به ولم ينقل أنه ﵊ فعله. وتطوعات: وهو ما لم يرد فيه بخصوصه نقل، بل يفعله الإنسان ابتداء، كالنوافل المطلقة. والله أعلم. [ما ثبت في الفرض على خلاف الدليل، هل يثبت في النفل؟] (٤). واعلم أن ما ثبت في الفرض على خلاف الدليل، هل يثبت في النفل؟ فيه خلاف في صور: منها: سجود السهو، ثبت في الفرض فكذا في النقل؛ لأنه محتاج إِلى الجبر، وللشافعي قول: أنه لا يشرع فيه (٥). ومنها: التيمم على خلاف الدليل في الفرض، والمذهب: إِنه يشرع في النفل. ومنها: النيابة في الحج، هل تجيء في النفل؟ قولان (٦)، الأصح: الصحة كالفرض.

стр. 564

فائدة [عن سنة الكفاية] كما أن الفرض ينقسم إِلى فرض عين وكفاية، كذا السنن (١)، فمن سنن الكفاية (٢): ابتداء السلام، كما إِذا لقي جماعة واحداً فسلم واحد منهم كفى. ومنها: تشميت العاطس، فإِنه سنة على الكفاية كالسلام، وظواهر الأحاديث تقتضى أنه: فرض كفاية (٣)، وبه قال مالك (٤) ﵁. ومنها: الأذان والإِقامة على الأصح. ومنها: ما يُفْعَل بالميت مما ندب إِليه. ومنها: الأضحية، فإِذا ضحِّيَ بشاة تأدى عن أهل البيت (٥).

стр. 565

مسألة [الحرام المُخَيَّر] قال الآمدى: "يجوز أن يكون المحرمُ أحدَ أمرين لا بعينه (١) " كما في الواجب الخير في خصال الكفار، وتبعه ابن الحاجب (٢) (٣)، وكذا الرازى (٤)، وزاد بأن قال (٥): " النهي عن أشياء: إِما على الجمع، أو عن الجمع. وإِما نهياً عنها على البدل، أو عن البدل، والنهي عن الجَمْع بأن يقول: لا تجمع بين كذا وكذا. فله فعل أحدهما لا بعينه. والنهي على (٦) البدل بأن يقول لا تفعل هذا إِن فعل ذاك ". وَمُثِّل (٧) لذلك:

стр. 566

بالنهي عن الجمع بين الأختين، وكذا الأم مع ابنتها بالنسبة إِلى أصل التزويج، فإِذا تزوج إِحداهما (١) حرمت الأخرى على التأبيد، بخلاف الأختين (٢). واستشكل (٣) القرافي القول: بأن النهي يرد مع التخيير بين أمرين فصاعداً، وفرق بينه وبين الأمر بواحد من أشياء: (٤) " بأن الأمر هناك متعلق بمفهوم أحدها، الذى هو قدر مشترك بينها؛ لصدقه على كل واحد منها. ومتعلق التخيير الخصوصيات، ولا يلزم من إِيجاب المشترك إِيجاب الخصوصيات، كما في إِيجاب رقبة مطلقة في العتق؛ لا يلزم منه إِيجاب رقبة معينة. وأما النهي فإِنه متعلق بمشترك، [والقاعدة تقتضي: أن النهي متى تعلق بمشترك] (٥) حَرُمَتْ أفراده (٦) كلها، (٧) ويلزم فيه (٨) [من] (٩) تحريم المشتركات تحريم الخصوصيات.

стр. 567

ثم أجاب عن الجمع بين الأختين ونحوهما: بأن التحريم إِنما تعلق بالمجموع عيناً لا بالمشترك بين الأفراد، والمطلوب (١) أن لا تدخل ماهية في الوجود هي (٢) المجموع، والماهية تنعدم بانعدام جزء منها (٣) ". ويتخرج على ذلك ما إِذا قال لامرأتيه: إِحداكما طالق. ولا يقصد واحدة بعينها، فإِنه يمسك عنهما إِلى أن يعين واحدة للتطليق؛ لأن المحرم اختلط بالمباح فيمنع من الكل

стр. 568

- كما لو اختلطت أخته من الرضاع بأجنبية فإنه يمتنع نكاحهما جميعا -ويلزمه التعيين على الفور. ونطر ذلك: (١) ما لو صلى صلاتين، ثم تيقن أنه أحدث في إِحداهما، ولم يعرف عينها، يلزمه أن يصليهما معا. ونطر مسألة الطلاق: العتق (٢). والله أعلم.

стр. 569

قاعدة (الحظر والإِباحة) إِذا اجتمع حظر (١) وإباحة غلّب جانب الحظر (٢). إِلا في مسائل (٣): منها: إِذا رمى سهماً إِلى طائر فجرحة، ووقع على الأرض فمات، فإِنه يحل. وكذا: لو وقع في بئر ليس فيه ماء، وإِن كان يمكن إِحالة الموت على الوقوع على الأرض؛ لأن ذلك لابد منه فعفي عنه. وكذا: لو أصاب السهم الصيد، فوقع على الأرض بجنبه، أو كان على جبل فلما أصيب تدحرج إِلى أسفل من جنب إِلى جنب. ومنها: إِذا رمى الطير وهو على الماء بسهم فأصابه، ومات فيه، حلّ مع إِمكان إِحالة الشركة في موته على الماء. ومنها: إِذا أصاب (٤) الأرض أو الحائط، فازدلف (٥)، وأصاب الصيد ونحوه،

стр. 570

فوجهان بناء على القولين في المسابقة (١)، والأظهر: الحل (٢). ومنها: إِذا أكل الكلب (٣) المعلم من الصيد (٤) قبل قتله أو بعده في موضعه، ففيه قولان منصوصان (٥)؛ لتعارض الأحاديث في ذلك. ففي حديث عدى بن حاتم (٦) ﵁ " أنه ﵊ قال:

стр. 571

(كل مما أمسكن عليك وإن قتلن، إِلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإِني أخاف أن يكون أمسك على نفسه). متفق عليه (١). وفي حديث أبي ثعلبة الخشني (٢) -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل وإن أكل منه) (٣).

стр. 572

ورجح الجمهور التحريم؛ لأن حديثه في الصحيحين (١)، ولأن ذلك يبطل كون الكلب معلما أو يظن، فيجتمع الحل والحرمة. وقال الإِمام (٢): "وددت لو فرق فارق بين أن يَنْكَفَّ زمانًا ثم يأكل، وبين أن يأكل بنفس الأخذ؛ لكن لم يتعرضوا له". وقد صرح بهذا الفرق جماعة منهم: الجرجاني (٣) وابن الصباغ (٤) والعمراني (٥) والدارمي (٦)، فخصوا القولين بما إِذا أكل منه عقب العقر، فإِن أكل بعد طول الفصل فهو حلال قطعاً. ولا ريب في [أنّ] (٧) حمل الحديثين على هاتين الحالتين للجمع أولى من الترجيح، وكذا ينبغي الجمع بين قولي الشافعي. ومنها: إِذا رمى صيداً فأصابه، ثم غاب عنه، ثم وجده ميتاً وليس فيه أثر غير

стр. 573

سهمه، فقولان (١)، ورجح الجمهور: التحريم، عملاً بالقاعدة. وصحح البغوى والغزالي في الإِحياء (٢): الحل (٣). فال النووى (٤): "وهو الصحيح؛ لصحة الأ حاديث الواردة بالاباحة (٥)، وعدم المعارض الصحيح لها". والله أعلم.

стр. 574

فصل: فيه أبحاث الأول: [في الفرق بين السبب والعلة، وتقسيم الأسباب] إِن الفرق بين السبب والعلة (١): أن العلة لابد وأن تكون مناسبة للحكم المترتب عليها (٢)، سواء قلنا: العلة باعثة، أو معرفة. وأما الأسباب: فتارة تكون كذلك، وتارة لا تظهر المناسبة.

стр. 575

فالأول (١): كوجوب غسل النجاسة (٢)، وإقامة الحدود، وقتل الجانى (٣) عمداً، وفسق المرتكب كبيرة مع العلم بها. ومثال الثاني: غسل أعضاء الوضوء عند خروج الخارج أو اللمس أو المس أو النوم، وإِيجاب الصلاة عند الزوال، ونحو ذلك من الإِحكام التعبدية التي لا يهتدى العقل إِلى وجه الحكمة المقتضية لنصب هذه الأشياء أسباباً دون غيرها، أو شروطاً، أو موانع: والحكمة فيها لمجرد الإِذعان والانقياد المحض. * * *

стр. 576

[أقسام الأسباب من حيث نوعها] ثم الأسباب تنقسم إِلى قولية وفعلية (١): فالقولية: كالبيع، والإِجارة، والهبة، وسائر العقود، والتلفظ بالطلاق، والظهار، والرجعة، ونحو ذلك. والفعلية: كالاصطياد، والاحتطاب، وإحياء الموات، والزنى، والسرقة، وقتل النفس، ونحو ذلك. وأى النوعين أقوى؟ قيل: السبب الفعلي أقوى، بدليل صحته من المحجور عليه بخلاف القولى، ألا ترى أن السفيه إِذا وطئ أمته وأحبلها صارت أم ولد (٢)، ولو أعتقها لم ينفذ. وقيل: إِن القولي أقوى، ألا ترى أنه يستعقب مسببه (٣)، كالتلفظ بكلمة العتق (٤). والفعلي قد يتأخر (٥)، كما في عتق أم الولد. وفى هذا نظر؛ لأن المترتبَ على الاحبال أُمِّيَّةُ (٦) الولد، وهو (٧) لم يتأخر، وأما العتق: فهو سبب عن صيرورتها أم ولد لا عن الاحبال.

стр. 577

[اقسام الأسباب باعتبار اقتران أحكامها بها أو تقدمها عليها أو تأخرها عنها] وأعلم أن الأسباب على ثلاثة أقسام (١): الأول: ما تقترن أحكامه بأسبابه. والثاني: ما تتقدم أحكامه على أسبابها. والثالث: ماختلف فيه، هل يقع معه أو عقبه؟ مثال الأول: حيازة المال (٢) بالاستيلاء عليه، كالصيد، والحشيش، والموات عند الإِحياء (٣)، ونحو ذلك. وكالزنى، والسرقة يترتب عليها حدودها مع التفسيق. وكذا وقوع ما علق عليه الطلاق والعتق من دخول الدار ونحوه، فإِن أحكامه تترتب عليه مقرونة به على الصحيح، وفيه خلاف.

стр. 578

والتحقيق في مثل هذا: أنه إِنشاء للتعليق؛ لا تعليق الإِنشاء (١)؛ لأن الإِنشاء يستحيل تعليقه (٢) كما يستحيل تعليق الإِخبار، فالموقوف على دخول الدار هو الطلاق لا التطليق، فإِن الطلاقَ -[و] (٣) هو انقطاع العصمة- ناشئٌ عن التعليق ووجود الصفة. وهذا معنى قولهم: الصفة وقوعٌ لا إِيقاع (٤). (٥) وقولهم: التعليق مع وجود الصفة تطليقٌ. ليس معناه: أن الصفةَ جزءٌ من التطليق الذي هو فعل الزوج، وإنما معناه: أنه عند ذلك يصدق التطليق؛ لأن التطليق فعل الزوج ويصدر منه تارة بالتنجيز، وتارة بالتعليق، فإِن وجد منجزاً سمي تطليقاً، وإن وجد معلقاً سمي تطليقاً بشرط. القسم الثاني: الذى تتقدم فيه الأحكام على أسبابها. وأصل ذلك: ما ثبت أنه ﵊: (أمر الضحاك بن قيس (٦) ﵁: أن يورث امرأة أشيم

стр. 579

الضبابي (١) من دية زوجها) (٢). فإِنّ الدية إِنما تجب بعد موت القتيل، وعند ذلك لا يتصور نقلها إِلى ورثته، إِذا لا يورث عن الميت اِلا ماكن مَلكَهُ قبل الموت، فيقدر ثبوت الدية قبيل موته؛ لتنتقل عنه إِلى ورثته. وهذا هو التقدير على خلاف التحقيق. وله أمثلة تأتي (٣). القسم الثالث: المختلف فيه وهو على ضربين: أحدهما: ما يستقل به المتكلم، كالطلاق والعتق والإِبراء والرجعة. واختلف فيها الأصحاب: فقال بعضهم: إِن أحكامها تترتب مقترنة بآخر حرف، كالقاف من طالق، والراء من حر ونحوه. وهو اختيار الأشعرى (٤)

стр. 580

والحُذَّاق (١) كالإمام والغزالي وابن عبد السلام (٢) والمتأخرين. وقال آخرون: تقع الأحكام عقب اللفظ بلا تخلل زمان. وهو اختيار الشيخ أبي حامد واتباعه (٣). وكذا القول فى الضرب الثاني: من (٤) المعاوضات المفتقرة إِلى الإِيجاب والقبول (٥). وكذا: الايقاعات المعلقة على شرط (٦)، فيه (٧) هذا الخلاف. ويترتب

стр. 581

عليه مسائل: منها: ما إِذا قال: كلما ولدت ولداً فأنت طالق. فأتت بولد بعد ولد؛ فعلى القول بالترتب (١): تبين بالولد الثاني؛ لا نقضاء العدة وتقع طلقة واحدة. وعلى قول المقارنة (٢): تقع طلقتان، ويكتفى بمصادفته (٣) آخر العدة. ومنها: ما إِذا قال العبد لزوجته: إِذا مات سيدى فأنت طالق. وقال السيد لعبده: إِذا مِتُّ فأنت حر. فوقوع الطلقتين وعتقُ العبد يتعلقان معاً بموت السيد، فهل يحل له نكاحها قبل زوج آخر؟ أو لا يحل حتى تنكح زوجا آخر؛ لأنها بانت بالطلقتين؟ فيه وجهان يرجعان إِلى هذا الخلاف، [وظاهر] (٤) كلام الرافعي: إِن الوجهين يجريان وإن قلنا بالمقارنة؛ لأنه [وَجَّهَ] (٥) القول بانها لا تحرم بالبينونة الكبرى وهو

стр. 582

الأصح: (١) " بأن العتق والطلاق وقعا معاً، ولم يكن رقيقاً بعد وقوع الطلاق، حتى يحكم بالتحريم ". وَوجَّهَ الثاني: " بأن العتق لم يتقدم وقوع الطلاق، فصار كما لو طلقها اثنتين ثم عتق ". ثم قال (٢): " والأولى أن يقال: العتق كما لم يتقدم لم يتأخر، وإِذا وقعا (٣) جاز أن نغلب حكم الحرية، فصار كما لو أوصى لأم ولده بشيء، والثلث يحتمله، فإِن العتق واستحقاق الوصية يتقارنان، فتصح الوصية، وتجعل كما لو تقدم العتق ". ومثلها: إِذا تزوج من له نكاح الأمة رقيقة مُوَرِّثِهِ ثم قال لزوجته (٤): إِذا مات سيدك فأَنت طالق. فمات السيد، و (٥) الزوج يرثه، فالطلاق والفسخ يقعان جميعا بالموت، فأيهما يقع؟ وجهان، قال الشيخ أبو حامد: " يقع الطلاق أولاً (٦) لأن الموت يوجب ثبوت الملك للوارث، ثم الملك يقتضي الانفساخ، فكان الانفساخ مرتبا على ما يترتب على

стр. 583

الموت، والطلاق يترتب على الموت، فكان الطلاق سابقاً بمرتبة ". وقال ابن الحداد والأكثرون: "يحكم بالفسخ؛ لأنه أقوى من الطلاق، بدليل أنه يثبت قهراً والطلاق يقع بالاختيار، كما في حجة الإسلام مع النذر (١)، وإِذاً (٢) فإِذا اجتمعا (٣) لم يقع الطلاق، كما لو قال أنت طالق مع موتي. ومنها: إِذا نكح الكافر لابنه الصغير بالغة، ثم [أسلم] (٤) الأب والمرأة معاً، قال (٥) في التهذيب (٦): "يبطل النكاح؛ لأن إِسلام الولد يحصل عقب إِسلام الأب،

стр. 584

فيحصل إِسلامها قبل إِسلام الزوج". واستشكله الرافعي (١). ويظهر تخريجه على الخلاف المتقدم. وخرج الرافعي على الأصل المتقدم: ما إِذا باع المحجور عليه (٢) مالَه من غريمه بمالَهُ عليه (٣) من الدين، وقلنا: إِن الحجر يرتفع عنه بوفاء ديونه. وقد جزم جماعة من الأصحاب في هذه الصورة بصحة البيع. قال الرافعي: (٤) " صحة البيع: إِما أن تفتقر إِلى تقدم ارتفاع الحجر، أو لا تفتقر، فإِن افتقرت وجب أن نجزم بعدم صحة البيع للدور، فإِنه لا يصح ما لم يرتفع الحجر، ولا يرتفع ما لم يسقط الدين، ولا يسقط الدين ما لم يصح البيع. وإن لم تفتقر فغاية الممكن: اقتران صحة البيع بارتفاع الحجر، فيتخرح على الخلاف". وأشار إِلى القاعدة (٥).

стр. 585

ومنع ابن الرفعة صحة هذا التخريج؛ لأن الحجر على المفلس لحق من له عليه الدين، فهو خاص بما يضر بحقه، وهو التصرف فيه مع الغير، فلا يدخل فيه تصرفه مع الغريم الذى حجر عليه من أجله. كما في المرهون: فإِنه يصح بيعه من المرتهن؛ لأن التوثقة كانت لحقه بالنسبة إِلى الغير لا مع نفسه. وهنا خلاف في شيء آخر: وهو أنه إِذا قال لامرأته المدخول بها: أنت طالق وطالق، وقعت طلقتان على الترتيب. ولو قال: أنت طالق ثلاثاً، فوجهان: الأصح: أنه تقع الثلاث عند الفراغ من ثلاثاً"، أو عقيبه بلا مهلة على الخلاف المتقدم. والثاني: يتبين بالفراغ (١) وقوع الثلاث بقوله (٢): [أنت طالق] (٣). قال الإمام: (٤) " وهذا الخلاف مأخوذ من الخلاف فيما إِذا قال أنت طالق، وماتت المرأة قبل أن يقول: ثلاثاً، فإِن قلنا هناك: لا يقع شيء، فهنا: تقع الثلاث بالفراغ من قوله ثلاثا: وإِن قلنا هناك: تقع الثلاث، فيتبين وقوع الثلاث (٥) بقوله: أنت طالق ". قال (٦): " وقياس من قال: إِنه تقع طلقة بقوله: يا طالق، أن تقع طلقة هنا بقوله: أنت طالق، ثم تقع تتمة الثلاث بقوله ثلاثاً. لكنه ضعيف؛ لأنه لا خلاف أنه لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثاً، أنه تقع الثلاث. وذلك يدل على أنها لا

стр. 586

تمع مرتبة (١) ". أما إِذا كان السبب المعلق عليه له أول وآخر، وحقيقته تتم بآخره كالحيض، ففيه ثلاثة أوجه (٢)، أحدها: يجب الغسل بخروجه (٣)، وهو اختيار العراقيين. والثاني: بانقطاعه (٤)، وبه قطع جمهور الخراسانيين. والثالث: بالمجموع، فيجب بخروجه، ولا يتحقق إِلا عند انقطاعه. وتظهر فائدة الخلاف: فيما إِذا استشهدت الحائض قبل الانقطاع، وقلنا: الشهيد الجنب يغسل. فإِن قلنا: بجب بمجرد الخروج، غسلت، وإِلا فلا. وفيما إِذا أجنبت قبل الحيض، وفرعنا على القول الضعيف: أن الحائض تقرأ القرآن. فإِن قلنا: يجب الغسل [بالانقطاع] (٥)، فلها أن تغتسل للجنابة ثم تقرأ. أما إِذا علق طلاقها على الحيض ففيه وجهان (٦)، أحدهما: لا يحكم بالوقوع بأول الخروج. فإِذا بلغ حد أقل الحيض تبين الوقوع من ظهور الدم (٧)، واختاره الإِمام. والثاني: أنا نحكم بالوقوع كما (٨) ظهر الدم، وهو الأصح؛ لأن الظاهر أنه حيض. فإِذا انقطع قبل أن يبلغ أقل الحيض، ولم يعد إِلى خمسة عشر، تبينا أن الطلاق لم يقع.

стр. 587

البحث الثاني (١) في أقسام الأسباب والمسبّباب باعتبار تعددها أو توحدها السبب قد يكون واحداً وقد يكون أكثر، وكذا المسببات، ثم الأسباب قد تقع دفعة وقد تقع مترتبة، وقد يكون مسببها واحداً وقد يكون أكثر، ثم قد تتداخل الأسباب (٢) أو المسببات وقد تتباين. القسم الأول: أن تتعدد الأسباب ومسبّبها واحد ، كأسباب الوضوء والغسل (٣)، وتجزئ عنها طهارة واحدة قطعا. نعم: لو نوى رفع حدث واحد منها ففيها أوجه، اصحها: يرتفع حدثه مطلقاً (٤). والثاني: المنع مطلقاً. والثالث: إِن نوى رفع الأول صح، وإِلا فلا. والرابع: إِن نوى رفع الآخر صح، وإِلا فلا. والخامس: إِن تعرض لغير ما نواه بالنفي لم يصح،

стр. 588

وقالوا: فيمن نوى بوضوئه استباحة صلاة معينة ثلاثة أوجه، أصحها: يستبيح غيرها. والثاني: لا يستبيح غير ما نواه، قاله ابن سريج (١)، وغلطوه (٢). والثالث: الفرق بين أن ينفي غير ما نواه أو لا ينفيه (٣). واتفقوا على أن المرأة إِذا كان عليها جنابة وحيض، فاغتسلت لأحدهما، يجزيها عنهما (٤). وفرقوا (٥): بأن تعيين النية في الأحداث غير مشروع (٦) ولا معتاد، فأثر فيها التعيين؛ لتقصير الناوى. بخلاف الحائض، فإِن العادة أن تنوى ذلك. وفي الفرق نظر. ومن القسم: تعدد الوطء بالشبهة والموطوءة واحدة، فإِنها تتداخل ولا يجب إِلا مهر واحد.

стр. 589

القسم الثاني: تعدد المسبّب (١): فتارة يمكن الجمع، بأن يندرج أحدهما في الآخر، فيقال به، كاندراج تحية المسجد في صلاة الفرض والنفل الراتب (٢). وتارة لا يمكن، كما إِذا قتل واحدٌ جماعة، فإِن وقع ذلك مرتبا قُتِلَ بالأول، وللباقين الدية، فإِن عفا [ولي الأول] (٣) قتل بالثاني، وهكذا على الترتيب، وإن لم يعف ولم يقتص لم يُعْتَرَض عليه، ولم يكن ل [ولي] (٤) الثاني المبادرة إِلى قتله. وإِن قتلهم دفعة، بأن جرحهم فماتوا جميعا، أقرع فمن خرجت له القرعة قتل به، وكانت الدية للباقين، والقرعة واجبة على ما رجحه الأكثرون، ومستحبة على وجه اختاره ابن كج والروياني (٥)، وظاهر النص (٦) يقتضيه (٧)؛ فعلى هذا: للإِمام أن يقتله بمن شاء ويأخذ الدية للباقين. لان لم يُدْرَ: أقتلهم دفعة أم مرتباً؟ جُعِلَ كما لو قتلهم دفعة وأُقْرِعَ.

стр. 590

القسم الثالث: أن يتحد السبب ويتعدد المسبب، إِلا أنه يندرج أحدهما في الآخر ، وفيه صور: منها: الجناية على الأطراف، إِذا أفضت إِلى الموت فإِن دية الأطراف تندرج في دية النفس (١). ومنها: الإيلاج يقتضي الوضوء والغسل، ويجزيه الغسل عنهما على الصحيح. ومنها: الزنى يوجب [الحد] (٢) ويحصل معه الملامسة والمفاخذة (٣) وذلك يقتضي التعزير، فيندرج التعزير [فى الحد] (٤). ومنها: زنى المحصن يقتضي الرجم، ومطلق الزنى يقتضي الجلد والتغريب، فيندرج ذلك في زني المحصن. ومنهم من قال: يجمع ببن الجلد والرجم لحديث فيه (٥)، وهو قول الإمام أحمد (٦)، واختاره ابن المندر (٧) من أصحابنا، وحجة الجمهور: الأحاديث الصحيحة (٨) في

стр. 591

رجم ماعز (١) والغامدية (٢) [والتي يظهر منها أنه] (٣) لم يُجْلَد واحدٌ منهما. ومنها: خروج المني يوجب الغسل دون الوضوء على المذهب (٤)، وإن قلنا: إِن المنى نجس. واختار القاضي أبو الطب وجوب الوضوء أيضا (٥). ومنها: الحيض والنفاس يوجبان الغسل ولا يوجبان الوضوء، صرح به ابن خيران (٦).

стр. 592

وعبر الأصحاب عن كل هذه المسائل بقاعدة وهي: أن ما أوجب أعظم الأمرين بخصوصه لا يوجب أهونهما بعمومه (١). القسم الرابع (٢): أن تتعدد المسببات عن سبب واحد، وهو على ضربين: الأول: أن تترتب على السبب دفعة واحدة، وله صور: منها: قتل الخطأ يترتب عليه الدية والكفارة. ومنها: إِتلاف مال الغير عمداً يترتب عليه الضمان والتعزير. ومنها: قذف المحصنة سبب للجلد والنفسيق.

стр. 593

ومنها: الحدث الأصغر سبب لتحريم الصلاة والطواف ونحوهما. وتزيد الجنابة: تحريم القراءة، واللبث في المسجد. ويزيد الحيض: تحريم الصوم، والوطء، والطلاق، إلى تمام عشرين حكماً. وعقد النكاح: يترتب عليه أربعون حكماً. وأكثرُ شيءٍ تترتب عليه الأحكام الكثيرة الوطءُ: فإنه يتعلق به مائة ونيف وعشرون حكماً (١). والضرب الثاني من الأسباب: ما تترتب عليه الأحكام على وجه الترتيب، كالحنث في اليمين (٢)، والوطء في نهار رمضان، والظهار (٣)، والتمتع بالعمرة إلى الحج (٤). ونحو ذلك. القسم الخامس: قد تتعدد الأسباب لسبب واحد بالنسبة إِلى أصله (٥) لا تفاصيله (٦)، مثاله (٧): الإِرث: فإِن أسبابه أربعة: قرابة، ونكاح، وولاء، وجهة الإِسلام، فهي أسباب لأصل واحد (٨). ثم جعلُ جهةِ الإسلام أحدَ أسباب الإرث: هو المشهورُ، وفيه

стр. 594

قول هو وجه لبعض الأصحاب: أنه (١) يوضع في بيت المال كالمال الضائع، ويصرف في المصالح. ويتخرج على القولين (٢) مسائل: منها: أنه لا يجوز صرفه إِلى المكاتبين على المشهور (٣)، ويجوز على الآخر (٤). ومنها: جواز (٥) صرفه إِلى القاتل، وفيه وجهان (٦)، وجه الجواز: أن تهمة استعجال الإرث لا تتحقق هنا؛ لجواز صرفه إِلى غيره. ومنها: جواز صرفه إِلى من أُوْصِيَ له بشيء، وهو جائز على القول الثاني. وعلى اللأول وجهان، أحدهما: لا يصح؛ لئلا يجمع بين الوصية والإرث، ويخير بينهما. والثاني: يجوز؛ لأنه ليس وارثاً معيناً، وإِرثه (٧) غير محقق، إِذ يجوز صرفه إِلى غيره، بخلاف الإِرث (٨). ومنها: جواز الوصية ممن لا وارث له لبعض المسلمين، وذلك أيضا

стр. 595

جائز على الضعيف، وكذا على المشهور؛ للتعليل السابق. وفي وجيه: أنه لا يصح أصلاً؛ لأنه وصية لوارث. ومنها (١): إِذا أوصى من لا وارث له بأكثر من الثلث، فعلى المشهور: هي (٢) باطلة على الصحيح؛ لأن الزائد على الثلث متوقف على إِجازة الوارث الخاص، والوارث هنا المسلمون، وإِجازتهم ممتنعة. وعلى الآخر تجوز (٣). واختلفوا على الأول: هل يجيز الامام؟ وهو مبني على أن إِجازة الوارث الخاص للزائد على الثلث: هل هو (٤) تنفيذ (٥)، أم ابتداء عطية؟ وفيه وجهان، الأصح: الأول. فعلى الثاني: للإِمام ذلك، كما يجوز له (٦) أن يُمَلِّكَ طائفةً من المسلمين قطعةً من بيت المال، إذا رآه مصلحة، وأما على [القول بأن] (٧) الإجازة [تنفيذ] (٨): فينبني على أن الإِمام هل يعطى حكم الوارث الخاص، أم لا؟ وفيه خلاف، الذى صححه القاضي حسين، وجزم به الروياني: صحة إِجازة الإِمام في هذه الصورة. وجزم جمهور العراقيين: بالمنع. وهو الأصح، والله أعلم.

стр. 596

البحث الثالث (١) (الفعل هل يقوم مقام القول؟) قد علمت أن الأسباب تنقسم إِلى قولية وفعلية. والغالب في الفعلية: أن تكون نصبت ابتداء للسببية، وقد يجيء منها أفعال قائمة مقام السبب القولى. وذلك في صور: منها: تقديم الطعام للضيف، فإِنه يقوم مقام الإِذن القولي. وفيه وجيه (٢). ومنها: إِرسال الهدية إِلى المهدى إِليه، فإِذا قبلها ملكها بمجرد ذلك على الصحيح. وفي وجيه: يشترط الإِيجاب والقبول. ومنها: إِعطاء الفقير الصدقة تطوعًا. هي كالهدية. ومنها: خلعة (٣) الأمير على من يعطيه كسوة (٤) ممن هو دونه؛ لا تحتاج إِلى تمليك. وفي كلام الزبيرى (٥): إِلحاق الكسوة بها.

стр. 597

وفيه نظر، وفرّق بين الخلعة والكسوة بوجهين: أحدهما: أن الخلعة تكون من الأعلى للأدنى، ولا تكون غالباً إِلا على وجه التشريف لمن خلعت عليه. والكسوة تقال: لكل من أعطى غيره ملبوساً على غير هذا الوجه، كالوالد لولده. والثاني: أن الخلعة لا تكون إِلا مخيطة، والكسوة تقال للمخيطة وغيرها. ومنها: إِذا نحر الهدى، وغمس نعله (١) في دمه، وضرب صفحة سنامه (٢)، هل يجوز الأكل منه بمجرد ذلك؟ قولان؛ الأصح: عند البغوي: الجواز (٣). ومنها: المعاطاة (٤) فيما جرت به العادة على الخلاف السابق.

стр. 598

ومنها: استصناع من جرت عادته بالعمل للغير كالغسال، وفيه (١) الخلاف السابق (٢). ومنها: تسليم العوض في الخلع إِذا قال: إِن أعطيتنى ألفاً [فأنت طالق] (٣) فوضعتها بين يديه، فإِنه يملكها بذلك، وتطلق. ومنها: لو تضرع (٤) من عليه القصاص؛ ليؤخذ منه الفداء، واحضره وأخذه المستحق بلا لفظ، هل يكون ذلك عفواً، ويملك به المأخوذ؟ فيه وجهان، الأصح في الروضة: أنه يقوم مقام العفو (٥). ومنها: إِذا أشعر بدنة، وقلدها، ونوى أنها هدى أو أضحية، أو ذبح شاة، ونوى بها الأضحية، ولم يتلفظ بشيء (٦)، القديم: تجزيه وتقع الموقع (٧). والجديد: لابد من التلفظ، وهو الصحيح. واحتج للقديم بفعله ﵊ في بُدْنِهِ: وأنه لم يتلفظ. ومنها: إِذا استحق القصاص في اليمين، فقال: أخرج يمينك. فاخرج اليسار عمدًا،

стр. 599

وقطعها؛ والخرج يعلم أن اليسار لا تجزى عن اليمين، وقصد الإِباحة، ولم يتلفظ، فالمشهور: أنه لا يجب القصاص ولا الدية (١)، نص عليه الشافعي (٢)، وتبعه جمهور الأصحاب (٣). وفي وجه (٤): يجب الضمان؛ لأنه لم يأذن لفظاً. وأحتج الجمهور (٥): بأن الفعل يقوم مقام اللفظ، واستشهدوا بتقديم الطعام إِلى الضيف، وبأنه لو قال له: ناولني متاعك لألقيه في البحر. فناوله كان كما لو نطق بالأذن، حتى لا يجب الضمان إِذا ألقاه في البحر. ومنها: لو قصد قطع يد الغير ظلمًا، فمكنه ذاك (٦) منها (٧)، فهل يكون ذلك إِهدارًا؟ وجهان (٨)؛ أصحهما: لا؛ إِذ لم يوجد منه لفظ ولا فعل، فهو كما لو أتلف ماله وهو ساكت. والثاني: نعم؛ لأنه سكت في موضع يحرم فيه السكوت، فدل على الرضا. ومنها: إِذا قطع المقتص اليسار بدلاً عن اليمين في الصورة المتقدمة. وقال: قطعتها على ظن أنها تجزئ عن اليمين، فوجهان، أحدهما: لا تجزئ عن قصاص اليمين.

стр. 600

وأصحهما، وبه قطع الجمهور، منهم القاضي أبو حامد (١) والقاضي حسين: أنه يسقط قصاص اليمين، كما يجعل الإِخراج مع قصد الإِباحة كالتصريع بالإِباحة. فعلى هذا: يعدل مستحق اليمين إِلى الديةِ، واليسارُ هدرٌ بالإباحة. ومنها: إِذا وطئ البائع الجارية المبيعة في مدة الخيار، فالصحيح وبه قطع جماعة: يكون فسخًا. وقيل: لا، كوطء الرجعية (٢). وقيل: إِن نوى به الفسخ حصل، وإلا فلا. والفرق على الأصح بينه (٣) وبين الرجعة (٤): أن الرجعة خعِلتْ لتدارك ملك [النكاح] (٥) وابتداؤه لا يكون بالفعل، بل إِنما يحصل بالقول، فكذا تداركه. والفسخ لتدارك ملك اليمين، وابتداؤه يحصل بالفعل في الجملة كالاصطياد وإحياء الموات، فكذا تداركه. وعليه: لو قَبَّلَ أو باشر فيما دون الفرج، فيه وجهان، أصحهما: لا يكون فسخًا. ومنها: لو وطئ المشترى في هذه الصورة، وفيه أربعة أوجه؛ أصحها: أن يكون
следующие страницы →