← Каваид фикха

Каваид фикха · id 127669

القواعد للحصني

تقي الدين الحصني

Полный текст (1 662 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الصلاة والسلام، كأكلِ الحلواء (١) والعسل (٢)، وَتَتبع الدُّباءِ (٣)، ولبْس الجُبَّةِ

стр. 807

الشاميةِ (١)، والعمامة السوداء (٢)، وأشباه ذلك. وقد أنكر الغزالي ذلك في المنخول (٣). وتَردُ عليه هذه الصورة (٤)، فإنها متفق عليها (٥). والمعروف من عادة الصحابة رضى الله عنهم [استحباب] (٦) التشبه به في سائر

стр. 808

أفعاله؛ لا سيما ابن عمر (١) رضى الله عنهما، فإِنه كان شديد المحافظة على ذلك في الأمور الجبلية (٢). ومنها: ذهابه ﵊ في العيد في طريق ورجوعه في آخر (٣)، واختلف الأصحاب في معناه (٤)، فقيل: كان يذهب في أطول الطريقين ويرجع في أقصرهما؛ لأن الذهاب أفضل من الرجوع، وهذا هو الراجح عند الأكثرين (٥) وقيل: ليتصدق فيهما. وقيل: ليسوى بين أهل الطريقين، وقيل: ليشهد له الطريقان. وقيل: ليزور المقابر فيهما. وقيل: ليغيظ المنافقين بإِظهار الشعار. وقيل: غير ذلك (٦).

стр. 809

وهذه تلتفت إلى قاعدة أخرى (١): وهي أنه ﵊: إِذا فعل فعلاً لمعنى، ووجد ذلك المعنى في غيره فلا خلاف أن حكم ذلك الغير كحكمه، أخذا من قاعدة التأسي (٢). وإن لم يوجد في غيره، فهل يكون حكم غيره كحكمه؟ نظراً إِلى مطلق التاسي. أم لا؟ لانتفاء المعنى. فيه خلاف، قال: ابن أبي هريرة وجماعة يستحب. وقال أبو إِسحق المروزى: لا يستحب. يظهر أثر الخلاف في مسألة الذهاب والرجوع (٣). فإن لم يُعلم معنى يقتضي ذلك، فلا خلاف [في] (٤) الاستحباب (٥)، ولا يحمل على الجبلي؛ لتكرره. وإن رُجح معنى فمن وجد فيه ذلك المعنى، استحب في حقه. ومن لم يوجد فيه، ففيه وجهان، والأصح: الاستحباب. ومثله: أنه ﵊ كان يوفي دين من مات وعليه دين (٦)، وهل كان

стр. 810

واجبًا أو مستحبًا؟ فيه خلاف. وعلى كل قول فهو لمعنى، وهو: كونه ﵊ أولى بالمؤمنين من أنفسهم (١). وهذا المعنى مفقود في غيره من الأئمة، فهل يجب عليهم الوفاء من مال المصالح؟ فيه وجهان (٢). ومثله: أنه ﵊ قال (٣): (أُقِركم ما أَقركم الله) (٤). وقالوا: المعنى

стр. 811

فيه (١) انتظار الوحي، وهذا: مفقود في حق غيره، فلو قال الإمام لأهل الذمة: أقركم ما شئت (٢). فيه وجهان. قال الرافعي: "لا يصح على المذهب" (٣) وتبعه في الروضة (٤). وفي كلام الإمام ما يقتضي الصحة (٥)، والله أعلم.

стр. 812

قاعدة [في] (فعله ﵊ الذي ظهر فيه وجه القربة) فعله ﵊ الذى ظهر فيه قصد القربة، ولم تعلم صفته من وجوب وغيره، على ماذا يدل في حقنا؟ الأصح: أنه يدل على الندب فقط، وحكاه الماوردى والإِمام عن أكثر أصحابنا (١). وقيل: يدل على الوجوب (٢)، قاله ابن سريج (٣) والاصطخرى (٤) والطبرى (٥) وابن أبي هريرة وابن خيران (٦).

стр. 813

ويتخرج على الخلاف مسائل: منها: الموالاة في الوضوء، وفيها قولان (١)، القديم: أنها واجبة، فإِن فرق استأنف. والجديد: أنها سنة. ومحل الخلاف في التفريق الكثير أما اليسير فلا يضر بالإجماع (٢)، والصحيح في حد الكثير: أن يمضي زمان يجف فيه العضو المغسول مع اعتدال الزمان وحال الشخص. وخص الخراسانيون القولين بالتفريق بلا عذر، أما معه فلا يضر قطعاً. وعند العراقيين لا فرق (٣). ورجح الرافعي الأول (٤). وفي الغسل والتيمم ثلاثة طرق (٥)، أرجحها: أنها كالوضوء في جريان القولين. والثانية: القطع بأنه لا يضر تفريقهما. والثالثة: طرد القولين في الغسل، فأما التيمم فيبطل قطعًا، وحكاها الماوردي عن جمهور الأصحاب. ومنها: الموالاة في الطواف، وفيها القولان كالوضوء. والأصح: أنها مستحبة. وهما عند الرافعي في التفريق الكثير بلا عذر، أما اليسير أو الكثير بعذر فلا يضر قطعًا (٦). ومن الأعذار صلاة المكتوبة. قال الإمام (٧): "والتفريق الكثير: هو الذي يغلبُ على الظن تركَه الطواف، إِما بإِعراضه عنه أو بظنه أنه أنهاه" وكذا الموالاة في السعي فيه الخلاف.

стр. 814

ومنها: الموالاة بين الطواف والسعي، حكى المتولي وغيره فيها القولين (١)، والقديم: اشتراطها، اعتماداً على مجرد فعله ﵊. والجديد: أنه (٢) سنة (٣). ومنها: الموالاة في خطبة الجمعة. وفيها قولان شَبَّههمَا الغزالي بالخلاف في الوضوء (٤)، ومقتضاه ترجيح عدم الوجوب. والذي صححه الجمهور وجوب الموالاة، وأنه إِذا طال تفريقها وجب الاستئناف (٥). ومنها: الموالاة بين الخطبة وصلاة الجمعة. وفيها قولان. والصحيح: الوجوب، فإِذا طال الفصل بينهما فلا تصح الجمعة من غير إعادة الخطبة على الأصح (٦). ومأخذ الأصح في المسألتين (٧)، قوله ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (٨) لا مجرد الفعل.

стр. 815

ومنها (١): الجمع بين الصلاتين. فإِن كان في وقت الثانية فالموالاة مستحبة: على المشهور (٢). وفي وجيه: أنها واجبة (٣)، وتخِل بالجمع (٤). وإن كان في وقت الأولى فالصحيح: أن الموالاة شرط؛ لا لمجرد الفعل، بل لأن التقديم على خلاف الأصل، والجمع لمَّا جُوِّزَ كانا كالصلاة الواحدة (٥). وفي وجه: أنها مستحبة قاله الاصطخري (٦) والثقفي (٧). وقد نص

стр. 816

الشافعي (١) في الأم [على] (٢) أنه: "لو صلى المغرب في بيته بنية الجمع، ثم أتي المسجد فصلى العشاء: جاز (٣) ". وَأَوَّلة الأصحاب؛ لنصه في غير موضع [على] (٤) اشتراط الموالاة في جمع التقديم (٥). وعلى هذا فالفصل اليسير لا يضر، وضبطه الغزالي بقدر إِقامة الصلاة (٦)، ورده العراقيون إِلى العرف. ومنها: القيام في الخطبة للجمعة مع القدرة، والفصل (٧) بين الخطبتين بجلسة. وذلك من الشروط الواجبة (٨) باتفاقهم. والعمدة فيه: دخوله تحت قوله ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي) لا مجرد الفعل. وكذا قراءة شيء من القرآن في إِحدى الخطبتين (٩): على الصحيح المنصوص، وفي قول: هي مستحبة. ومنها (١٠): الترتيب بين أركان الخطبة. وفيه وجهان، أصحهما: أنه مستحب لدلالة الفعل. والثاني: شرط للحديث المتقدم، فيجب تقديم الحمد ثم الصلاة ثم

стр. 817

الوصية ثم القراءة (١) ثم الدعاء للمسلمين، وقيل: لا ترتيب بين القراءة والدعاء. ومنها: استقبال الناس (٢)، وهو مستحب: على المشهور. وفي وجه: يجب، فلو استدبرهم لم تصح (٣)، قال النووي (٤): "وله بعض اتجاه". ومنها: ركعتا الطواف: وفيهما قولان (٥)، أصحهما: أنهما سنة. والثاني: واجبة. وهما راجعان إلى دلالة الفعل المجرد. و [أما] (٦) قوله ﷺ : (خذوا عني مناسككم) (٧). فلا دلالة

стр. 818

[له] (١) على وجوب شيء خاص؛ لأن المناسك أعم من الواجب والمندوب. فإِذا احتجَّ به في وجوب فعل شيء خاص: لزم طرده في الجميع، كالرمل والاضطباع وسائر المسنونات. ومنها: الجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة. وفيه قولان، أصحهما: أنه مستحب (٢)، ومنهم [من] (٣) قطع به بناة على ما. وقيل: واجب، فإِن دفع قبل الغروب (٤) لزمه دم (٥). ومنها: المبيت بمزدلفة. وفيه قولا؛، الأصح: أنه واجب (٦)؛ لحديث عروة بن مضَرس (٧) فيه.

стр. 819

وقال ابن بنت الشافعي وابن خزيمة: هو ركن لا يصح إِلا به (١) لقوله ﵊ في حديث عروة: (من صلى معنا هذه الصلاة -يعني بجمع (٢) - وكان قبل ذلك قد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضي تفثه) (٣) وقيل إِنه

стр. 820

سنة؛ لدلالة الفعل. ومنها: المبيت ليالي منى والرمي فيها، وطواف الوداع، وفي الثلاثة قولان، أحدهما: إِنها مستحبة؛ لدلالة الفعل. والصحيح: أنها واجبة؛ لأ دلة خاصة؛ لأنه ﵊ أرخص للرعاة أن يَدعُوا المبيت ويرموا يوماً يودعوا يوماً ثم يرموا ما فاتهم (١)، وأرخص للحائض أن تنفر بلا طواف وداع (٢) وهو يقتضي الوجوب في حق من عداهم، والله أعلم.

стр. 821

قاعدة [فيما] (إِذا ورد عنه ﷺ فعلان متنافيان) إذا ورد عنه ﵊ فعلان متنافيان، وعرف المتقدم: ففي كلام الإمام (١) ما يقتضي الميل إلى الأخذ بآخرهما وكونه ناسخا، قال: (٢) "وللشافعي صَغْوٌ إلى ذلك (٣) ". وتبع الماوردى الإمام (٤). والذي صار اِليه القاضي أبو بكر (٥) والغزالي (٦) وجمهور الأصوليين (٧): أن

стр. 822

الفعلين لا يتعارضان (١) بمجردهما؛ لأن الفعل لا صيغة له تدل على شيء معين. وأما إِذا لم يعلم المتقدم منهما فأولى بعدم التعارض. وفي هذه القاعدة صور. منها: سجود السهو. فقد تمسك جماعة من الأصحاب في كونه قبل السلام مطلقاً بما روى الشافعي [عن الزهرى] (٢) قال: (سجد رسول الله ﷺ سجدتي السهو قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين قبل السلام) (٣). واختار الشيخ أبو حامد: التخيير (٤) في صورتي الزيادة والنقص وصورة الشك -أيضاً- (٥) والبناء على

стр. 823

اليقين؛ لصحة الأحاديث في ذلك (١)، وقال: "كل ذلك من الاختلاف المباح والجميع جائز". ومنها: القيام للجنازة. فقد صح أنه عليه الصلاة [والسلام] (٢): (قام وأمر بالقيام (٣). ثم قعد) (٤). فاختار أكثر الأصحاب الترك، ورأوا الأمر بالقيام منسوخًا بفعله الآخر.

стр. 824

وقد ورد أنه ﵊ لما قعد أمر بالقعود (١) فيكون هذا هو الناسخ لا مجرد الفعل. واختار المتولي (٢) بقاء استحباب القيام، ورجحه النووى في شرح المهذب (٣)، ورأى أن الأمر بالقعود لبيان الجواز. وفيه نظر. ومنها: قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين. وفيه قولان للشافعي (٤)، صحيح أكثر العراقيين: القولَ بالاستحباب. وأكثر المراوزة: مقابله، وهو اختيار المتأخرين. وفى الطرفين أحاديث صحيحة من فعله ﵊ (٥). ويمكن الجمع

стр. 825

بأنّ ذلك بحسب اختلاف المأمومين، فحيث كانوا محصورين يؤثرون التطويل قرأ السورتين في الأخيرتين، وحيث أكثر الجمع تركهما. كما جمعوا بذلك بين الأحاديث الكثيرة المختلفة في طول القراءة وقصرها (١). وهذا أولى من تقديم أحد الطرفين والغاء الآخر. ويحمل -أيضًا- اختلاف نص الشافعي على هذا الجمع، وهو أولى من جعلهما قولين (٢). وقد اختلفت الأحاديث في عدد ركعات الوتر، والمذهب الصحيح: أن أكثره أحدى عشرة ركعة، وفي وجه: ثلاث عشرة؛ لحديث ابن عباس ﵄ (٣).

стр. 826

وقال الجمهور: الركعتان في رواية ابن عباس هما الخفيفتان التي (١) أمر بهما (٢) رسول الله ﷺ بافتتاح صلاة الليل بهما (٣)، وقد حكاهما زيد بن خالد الجهني (٤) ﵁ من فعله ﵊ (٥) -أيضًا- وليستا من الوتر. وهذا أولى من قول من قال: هما سنة العشاء، (٦) فلو أوتر (٧) بأكثر من ثلاث عشرة ركعة: لم يصح عند جمهور الأصحاب.

стр. 827

وفي وجه: أنه يجوز؛ لأنه ﵊ [فعله] (١) على أوجه من الأعداد مختلفة فدل على عدم انحصاره. وأجاب الجمهور: بأن هذا الاختلاف فيما دون الإحدى عشرة أو الثلاث عشرة، ولم ينقل مجاوزتها فدل على امتناعها. قال النووي (٢): "وهذا الخلاف شبيه بالخلاف فى جواز القصر فيما زاد على (٣) ثمانية عشر يوماً وفي جواز الزيادة على انتظارين في صلاة الخوف". قلت (٤): الأصح فيما إِذا قام المسافر ببلد لقضاء حاجة يتوقعها (٥) ولم يجزم بإِقامة أربعة أيام: أنه يقصر إِلى ثمانية عشر يوماً، وقيل: سبعة عشر، وقيل: تسعة عشر، وقيل: عشرين، بحسب اختلاف الروايات في الحديث. والقول الثاني: يقصر أبداً. والثالث: لا يجوز أصلا (٦). ومنهم من خص الأقوال (٧)، بالمحارب (٨)، وجزم في غيره بانه لا يقصر [أكثر

стр. 828

من] (١) أربعة أيام قطعاً. وأما في صلاة الخوف إِذا فرقهم أربع فرق وصلى بكل طائفة ركعة (٢): ففيه خلاف يرجع إِلى خمسة أقوال (٣)، أصحها: صحة صلاة الإمام والمأمومين. والثاني: بطلان صلاة الجميع. والثالث: صحة صلاة الإمام والطائفة الأخيرة فقط. والرابع: صحة صلاة الطائفتين الأولتين، وبطلان صلاة الإمام والأخيرتين إِن علمتا بطلان صلاة الإمام. والخامس: تصح صلاة الطوائف الثلاث الأول، وتبطل صلاة الإمام والرابعة إِن علمت بطلان صلاته. ومنها: إِذاكبر خمسًا في صلاة الجنازة عمدًا: ففيه وجهان (٤)، أصحهما وبه قطع الأكثرون: لا تبطل؛ لمجيء الحديث بها (٥).

стр. 829

فصل (١) [في حكم قول العالم إِذا اجتمعت فيه شروط الاجتهاد غير العدالة] العالم إِذا اجتمعت فيه شروط الاجتهاد غير العدالة، فأكثر الأصوليين أنه لا يعتبر قوله في الإجماع ولا ينقضه مخالفته (٢). واختلفوا في تعليله على وجهين (٣): أحدهما: أن إِخباره عن نفسه لا يوثق به لفسقه، فربما أخبر بالوفاق أو الخلاف وهو بخلاف ذلك، فلما تعذر الوصول إِلى معرفة قوله سقط أثر قوله. الثاني: أن العدالة ركنٌ في الاجتهاد كالعلم. فعند الأول (٤): هو مجتهد غير مقبول القول.

стр. 830

وعند الثاني: يرى العدالة من شرائط أهلية الاجتهاد (١). ويتفرع على هذا: أن الفاسق إِذا أدى اجتهاده إِلى حكم، هل يقلده فيه من علم صدقه في فتواه بالقرائن؟ فعلى الأول: له الأخذ بقوله؛ لأنه لم يرتب ذلك على مجرد إِخباره، بل مع القرينة المفيدة للعلم بصدقه في فتواه. وعلى الثاني: لأ ياخذ بقوله؛ لأنه ليس أهلاً للاجتهاد. والله أعلم.

стр. 831

قاعدة: ما تشترط فيه العدالة (١) ومدار هذه القاعدة على القاعدة المشهورة: أن المصالح المعتبرة (٢) إِما في محل الضرورات، أو محل الحاجات، أو في محل التتمات، وإما مُسْتَغْنَى عنها إِما لعدم اعتبارها أو لقيام غيرها مقامها. وبيان هذا: أن اشتراط العدالة في صحة (٣) التصرف مصلحة لحصول الضبط بها عن الخيانة والكذب والتقصير، إِذ الفاسق ليس له وازع ديني فلا يوثق به. فاشتراط العدالة في الشهادة والرواية في محل الضرورات؛ لأن الضرورة داعية لحفظ الشريعة في نقلها، وصونها عن الكذب. وكذا في الفتوى لصون الأحكام، ولحفظ دماء الناس وأبضاعم وغيرهما. فلو قبل فيهما قول من لا يوثق به لضاعت. وكذا في الولايات كالإمامة والقضاء وأمانة الوصاية ونحو ذلك، ومنهم من طرد

стр. 832

فيه الخلاف في العقد (١). ومباشرة (٢) الأوقاف والسعاية في الصدقات ونحوها؛ لما في الاعتماد على الفاسق في ذلك من الضرر العظيم. وخرج عن هذا: انعقاد النكاح بالمستورين (٣) غير متحققي العدالة؛ لأن النكاح يقع غالبًا من أوساط وفي القرى، فلو كلفوا معرفة العدالة الباطنة لشق -بخلاف الحكم، فإِن الحاكم يسهل عليه ذلك بمراجعة المزكين- فاكتفي في العقد بسلامة الظاهر عن الأسباب المفسقة. ولذلك لو رفع الأمر [إِلى] (٤) الحاكم: لم يثبته إِلا بعد معرفة عدالتهما الباطنة. وقال الاصطخرى (٥): "لا ينعقد بالمستورين". وتردد الشيخ أبو محمد في مستورى الحرية.

стр. 833

والصحيح: أنه لا يكتفى (١) بظاهر الإسلام والحرية بظاهر الدار (٢) حتى يعرَفَ حاله فيهما باطنًا؛ لأنه يسهل الوقوف عليه، بخلاف العدالة الباطنة. وقالوا في الإمام الأعظم: إِذا طرأ فسقه فيه ثلاثة أوجه: أصحها في البيان: ينعزل (٣). والثاني: لا، وجزم به القاضي حسين والرافعي وصححه كثير (٤)؛ لما في إِبطال ولايته من اضطراب الأمور وحدوث الفتن. والثالث: إِن أمكن استتابته وتقويم أوده (٥) لم يخلع وإلا خلع. وقال الإمام (٦): "يجب القطع بأنه لا يخلع بالفسق؛ لما فيه من المفاسد". ثم قال: "وهذا في نوادر الفسوق". أما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة: فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم، فإِن أمكن كف يده وتولية غيره بالصفات المعتبرة: فالبدار البدار، وإن لم يمكن لاستظهاره بالشوكة إِلا بإِراقة الدماء ومصادمة أحوال جمة الأهوال: فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون (٧) إِليه مبتلون [به] (٨) بما يفرض

стр. 834

وقوعه (١)، فإِن كان الواقع الناجز أكثر مما يتوقع: فيجب احتمال المتوقع، وإلا: فلا يسوغ التشاغل بالدفع بل يتعين الصبر والابتهال إلى الله تعالى. والله أعلم". وذكر الرافعي في القاضي إذا طرأ فسقه وجهين (٢)، أصحهما: ينعزل، إذ ليس في عزله ما في عزل الإمام من الفتنة. قال الغزالي (٣) بعد ذكر شروط القاضي: "واجتماع هذه الشروط متعذر في عصرنا؛ لخلو العصر عن المجتهد المستقل. فالوجه تنفيذ قضاء كل من ولاه السلطان ذو الشوكة وإن كان جاهلاً أو فاسفلا لئلا تتعطل مصالح الناس، ويؤيده أنا ننفذ قضاء أهل البغي لهذه الضرورة". قال الرافعي (٤): "وهذا حسن" والله أعلم. قال الشيخ عز الدين (٥): "لما كان تصرف القضاة أعم من تصرف الأوصياء وأخص من تصرف الأئمة اختلف فيه، فمنهم من ألحقهم بالأئمة؛ لعموم تصرفهم. ومنهم [من] (٦) الحقهم بالأوصياء؛ لأن تصرفهم أخص من تصرف الأئمة".

стр. 835

وأما محل الحاجات: فكمثل تصرف الآباء والأجداد لأبنائهم (١). والمؤذن لاعتماد الناس على قوله في الوقت، إِذ لو كان غير موثوق به: لحصل الخلل. وكذا إِمام الجامع والمسجد، وقد نص الشافعي على أن الإمامة ولاية. وأما محل التتمات: فكالولاية في عقد النكاح؛ لأن طبع الولي ينزعه عن التقصير والخيانة في حق مَوْلِيَّتِهِ، ويَتَعَيَّرُ في نفسه وعشيرته بوضعها في غير كفو. إِلا أنه لما كان بعض السفهاء لا يبالي بذلك: كانت العدالة من التتمات. واختلف إِشعار لفظ [الشافعي] (٢) في ذلك، ولهذا اختلف الأصحاب فيه (٣) على طرق يجمعها أوجه (٤): أحدها: لا يلي، وصححه في المحرر (٥). والثاني: يلي؛ لأن الأولين لم يكونوا يمنعون الفسقة من تزويج بناتهم. والثالث: يلي المجْبِر دون غيره؛ لكمال شفقته وقوة ولايته. والرابع: عكسه؛ لأن غير المجْبِر لا يستقل، فتنظر هي أو بقيةُ الأقارب.

стр. 836

والخامس: يلي المسْتَسِر (١) بفسقه دون المعلن. والسادس: إِن كان فسقه بشرب الخمر: لم يَلِ؛ لاضطراب نظره. وغيره يلي. والسابع: يزوج ابنته ولا يقبل النكاح على ابنه بحال. قال الروياني: "وهذا أصح". والثامن: إِن كان غيوراً: وَلِيَ [و] (٢) إِلا لم يَلِ. والتاسع: إِن كان محجورًا عليه: لم يل، وإلا ولي. والعاشر: أن الخلاف في غير الإمام. وأما الإمام فيلي قطعاً. والحادي عشر: أن ذلك في حقه بالنسبة إِلي أيامى المسلمين. فأما مولياته فلا يلي (٣) تزويجهن (٤). والثاني عشر، قاله الغزالي: "إِن كان الولي الفاسق لو سلبناه الولاية انتقلت إِلى حاكم يرتكب ما يفسّقه: فيلي القريب، وإلا: فلا". قال في الروضة (٥): "وهذا حسن، وينبغي أن يكون العمل به".

стр. 837

والأكثرون قطعوا بالمنع (١). والفرق (٢): أن طبع القريب ينزعه أن يًصَيِّرَ موليته تحت غير كفو مع تعييره بذلك، بخلاف إِضرار ولده في ماله لمصلحة نفسه. فإِن طبعه يحثه على تقديم مصلحة نفسه على أولاده. فلهذا اشترطت العدالة لتكون وازعة له عن ذلك (٣). وأما المستغنى عنه بالكلية؛ لعدم الحاجة إِليه: فكالإقرار؛ لأن طبع الإنسان ينزعه عن أن يُقِرَّ على نفسه بم يقتضي قتلاً أو قطعًا -بلا خلاف (٤) - أو تغريم مال، فقبل من البَرِ والفاجر. اكتفاءً بالوازع الطبعي. ولهذا: يقبل إِقرار العبد بما يقتضي القصاص دون المال؛ لأن طبعه ينزعه عن إِضرار نفسه بخلاف إِضرار سيده. وكذا: يجوز أن يُوَكَّلَ الفاسقُ، ويودع عنده إِذا وثِقَ به؛ لأن طبع المالك ينزعه عن إِتلاف ماله. والله أعلم.

стр. 838

قاعدة: [في حكم النَّادِر] إِذا نَدَر واحدٌ أو اثنان في مخالفة بَقِيَّةِ الأمة، فهل يكون قول الجمهور إِجماعاً؟ قال محمد بن جرير (١) وأبو بكر الرازى (٢):

стр. 839

نعم (١). وقال الأكثرون: لا يكون إِجماعًا (٢)؛ لأن الجمهور ليسوا كل الأمة. وعلى هذا: فهل هو حجة، أم لا؟

стр. 840

قال ابن الحاجب (١): "يكون حجة؛ لأنه يبعد أن يكون متسك النادر من الأمة أرجح مع توفر نظر الجمهور وبحثهم". ويتفرع على هذا: أن النادر هل يلحق بجنسه أو بنفسه (٢)؟ وفيه خلاف في صور: منها: إِذا راجت الفلوس (٣) رواج النقد بن (٤) هل يجرى فيها الربا؟

стр. 841

وفيه وجهان (١)، أصحهما: لا (٢)، (٣) اعتباراً بالغالب، ولأن العلة جوهرية الأثمان الغالبة. ومنها: ما ليس له مقدر (٤) كالبطيخ والرمان الذى ليس له حالة جفاف لا يباع على الجديد بعضه ببعض، فلو جُففَ نادرًا، فهل يجوز بيع بعضه ببعض وزنًا؟ فيه وجهان مرتبان على حالة الرطوبة، وأولى بالجواز. وهو اختيار الإمام (٥). ومنها (٦): الغالب من حال المتبايعين عدم طول مدة الاجتماع، فلو استمرا جميعًا وطالت مدتهما أياماً فهو نادر. والمذهب: بقاء خيارهما؛ لأنهما لم يتفرقا. وقيل: لا يزيد على ثلاثة أيام. لأنها نهاية خيار الشرط. وقيل: متى شرعا في أمر آخر وأعرضا عما يتعلق بالعقد وطال الفصل: انقطع الخيار، حكاه في البيان (٧). ومنها: أن بقاء الولد في بطن أمه أربع سنين نادر، وإذا أتت بولد لهذه المدة من

стр. 842

حين فارقت الزوج، إما بغيبة أو بطلاق: لحِقَهُ ولم تعتبر الغلبة في أمثاله. ومنها: إِذا أتت به لستة أشهر ولحظتين (١) من حين الدخول بالزوج: لحقه، مع أن ذلك نادر جدًا، والغالب خلافه. لكن الشارع أعمل النادر في هاتين الصورتين سترًا للعباد ورحمة بهم (٢). والله أعلم.

стр. 843

(الحمل على الغالب) [والأغلب] وأما الحمل على الغالب والأغلب: ففيه صور (١). منها: من باع بدراهم أو دنانير غير مُعَيَّنَة، ولا موصوفة بصفة معينة، انصرف ذلك إِلى غالب نقد البلد. فإِن كان فيه نقود بعضها أغلب (٢) انصرف إِلى الأغلب. ومنها: من أتلف شيئًا لغيره متقومًا؛ لزمه قيمته كذلك. ومنها: من ملك خمسًا من الإبل؛ لزمه شاة من غالب شياه البلد، أو من أغلبها. ومنها: الفدية في الحج كذلك. وكذا جزاء الصيد. ومنها: الكفارة الخيرة والمرتبة كذلك. وكذا: الإقرار بشيء من النقدين. إِلا أن يعينه. ومنها: إِبل الدية في مال الجاني، أو على العاقلة، تجب من غالب إِبل البلد، أو من أغلبها. ومنها: نفقة الزوجة دون نفقة القريب؛ لأنها غير مقدرة. ومنها: أن من ملك التصرف بجهات عديدة، فأطلق عَقْدَه، حمل على أغلبه، كمن كان وصيًا على يتيم، وقَيمًا في مال ولده، ووكيلا عن غيره، ثم اشترى شيئًا في الذمة وأطلق: انصرف ذلك العقد إِليه؛ لأنه الأغلب أو الغالب من تصرفه، ولم

стр. 844

ينصرف إِلى ولده أو يتيمه أو موكله إِلا بالنية. وعلى هذا (١): بنى الشافعي ﵁ قوله ﵊: (من قتل قتيلاً فله سَلَبُه) (٢). و (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) (٣)، فإن الغالب من أقواله عليه

стр. 845

الصلاة والسلام التشريع العام، فحمله الشافعي على ذلك، دون إِذن الإِمام (١). ومن الحمل على الغالب: انقضاء العدة بثلاثة اقراء، وحل الوطء بعد الاستبراء بحيضة في المستبرأة، مع أن الأصح في المذهب أن الحامل تحيض (٢). لكن ذلك نادر، فحمل الأمر على الغالب، فإِن تَبَينَ حَمْلٌ نُقِضَ ما تَرَتّب (٣) على انقضاء العدة. وقد ذكر القرافي أمثلة كثيرة حُمِلَ الأمرُ فيها على النادر إِما قطعًا أو على الراجح، وأمثلة أخرى ألْغِيَ فيها الغالب والنادر جميعًا: فمن الأول (٤): طهارة الثياب التي ينسجها أهل الذمة، أو مدمنو (٥) الخمر، ومن تكثر مخامرته النجاسة. وطين الشوارع وأمثال ذلك. (٦) وليس هذا من إِلغاء الغالب والحمل على النادر، بل من إِعمال الأصل
следующие страницы →