← Каваид фикха

Каваид фикха · id 127669

القواعد للحصني

تقي الدين الحصني

Полный текст (1 662 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

[حد الاستفاضة التي تكون مستنداً للشاهد بها] واختلف الأصحاب في حد الاستفاضة التى تكون مستنداً للشاهد بها (١). فاختار الشيخ أبو حامد وصاحب المهذب (٢) وأبو حاتم (٣): أن أقله سماعه من اثنين، ومال إِليه الإِمام. وقال آخرون: لا بد أن يسمع بذلك من عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب، واختاره ابن الصباغ والغزالي (٤) والمتأخرون (٥).

стр. 877

وقال الرافعي (١): "هو أشبه بكلام الشافعي" (٢). وفي وجه ثالث: يجوز الاعتماد على قول الواحد إذا سكن القلب إِليه. والوجه الثاني هو الأصح، قال الرافعي (٣): "وإذا قلنا به فينبغي أن لا تُعْتَبَرَ العدالة (٤) ولا الحرية ولا الذكورة" (٥) لأن المناطَ الإشاعةُ القريبة من التواتر أو ما يعتبر في التواتر، ولا يُرَاعَي في التواتر عدد (٦) المخبرين، بل (٧) ما تمنع العادةُ تواطؤَهم على الكذب، ووقوعُه (٨) منهم اتفاقًا (٩) من غير مواطأة ليحصل العلم بخبرهم. والله أعلم. * * *

стр. 878

قاعدة [القرائن] القرائن (١) إِذا احتفت بالخبر (٢) حَصَلَ العلُم عند الإِمام والرازي (٣)، واختاره الآمديُ وابنُ الحاجب (٤). وقال (٥): "يحصل العلم من مجموع الخبر والقرائن". وفي كلام الرازى: أن العلم يحصل بالقرائن فقط (٦)، وهو ظاهر [كلام] (٧)

стр. 879

الإِمام (١)، ومقتضى كلام الأصحاب، بدليل أن الإعسار لا يشاهد، ويعسر الإطلاع عليه، فيبني الشاهد فيه على القرائن كمصابرته على الضر (٢). وقد اعتبرت القرائن في مواضع وغالبها لإفادة الظن (٣): فمنها: الاعتماد على قول الصبي (٤) في دخول الدار، وحمل الهدية: على الأصح. ومنها: مسائل اللوث كلها دائرة مع القرائن (٥). ومنها: دعوي سبق اللسان إِلى الطلاق عند وجود القرينة، كما [إِذا] (٦) قال: طلقتك. ثم قال: أردت أن أقول: طلبتك. فعن الشافعي: "أنها لا يسعها أن تقبل منه" (٧).

стр. 880

وحكي الرافعي (١): "عن الروياني أنه حكى عن الماوردي وغيره: أن هذا فيما إِذا كان الزوج متهمًا، (٢) أما إِذا قامت قرينة تدل على صدقه (٣) وغلب على ظنها ذلك بأمارة فلها أن تقبل". ومن صوره أيضاً: ما إِذا كان اسم زوجته طارق فقال: يا طالق. وادعى التفات (٤) الحروف في لسانه، فإِنه يقبل؛ لقوة القرينة. ومنها: إِذا كان (٥) بحضرة الشهود، وقامت عندهم قرينة؛ لم يكن لهم أن يشهدوا عليه، قال الروياني (٦): "وهذا هو الاختيار". بخلاف ما إِذا قال: أنت طالق. وقال: أردت من وثاق حيث. جري فيه خلاف، لأن اللفظ على هذه الصورة كالمستكره (٧) في حال النكاح، فَبَعُدَ قبول التأويل فيه.

стр. 881

ولو قال: أنت طالق يا مطلقة. كان إنشاءُ الطلاق قرينةً تمنع الوقوع بالثاني. إِلا أن ينوى به الانشاء فَيُرْجَعُ إلى نيته هل أراد زيادة أم لا؟ ومنها: إِذا رآه يضرب بالسيف لآخر (١)، ومات عقب ذلك، وقامت قرينة عنده: أنه مات من تلك الضربة، فله أن يشهد بأنه قتله. وإن لم ير الشاهد إلا ظهور الدم بعد الضرب، واتصل بالموت، ولم تقم عنده قرينة على أن الموت حصل به، فهل (٢) يشهد بأنه قتله. فيه تردد للإمام (٣)، وقال: "هو بمثابة الشهادة على الملك تعويلًا على اليد، والوجه عندى: أنه لا يشهد بالقتل، فإِن معاينة القتل ممكنة، وتلقي العلم من قرائن الأحوال ليس بعسر والأملاك لا مستند لها من تعيين (٤)، وغاية المتعلق فيها مخائل (٥). وتبعه الرافعي على ذلك وكذا النووى" (٦). ومنها: إِذا حضر المقر إِلى شهود، وقال: أنا أقر بكذا مكرها وظهرت قرائن الإكراه، ثم أقر في تلك الحالة، فإِنه لا يشهد عليه بما أقر به. ومنها: جواز أكل الضيف بالتقديم بلا لفظ، وجواز التصرف في الهدية المبعوثة

стр. 882

إليه بلا لفظ؛ لقيام القرينة في ذلك. ومنها: قال الإِمام (١): "الخلاف في: أن البيع ونحوه هل ينعقد بالكناية مع النية؟ مفروض فيما إِذا انعدمت قرائن الأحوال أما إِذا توفرت وآفادت التفاهم فيجب القطع بالصحة". ثم ذكر: "أن النكاح لا ينعقد بها مع توفر القرائن؛ لأن الإثبات مع (٢) الجحود (٣) من مقاصد الإِشهاد، وقرائن الأحوال لا تنفع فيه، ولأن النكاح مخصوص بضرب من التعبد والاحتياط لحرمة الأبضاع". وإختار الغزالي: أن البيع المقيد بالإشهاد (٤) ينعقد عند توفر القرائن. وكأنه اختار تعليل المنع في النكاح بالتعبد فقط. وكذا قال الرافعي في البيع المقيد بالاشهاد (٥): "إن القرائن ربما تتوفر، فتفيد الاطلاع على ما في باطن الغير". ومنها (٦): أنه يحرم السوم على سوم الغير إِذا صُرِّحَ له بالإجابة.

стр. 883

فإِن لم يُصَرِّح. إِلا أنه جرى ما يدل عليها: ففي تحريمه وجهان كالقولين في تحريم الخطة في نظيره (١) على خطبة الغير، والجديد: أنه لا يحرم؛ لأن الأصل الإباحة إِلى التصريح بالرضا ومقتضى هذا: أن القرائن إِذا توفرت وأفادت غلبة الظن بالإجابة أنه يحرم. ولذلك اختلفوا في مجرد السكوت هل هو من أدلة الرضا؟ فقال (٢) في الخطبة: "نعم. وفي صورة السوم قال الأكثرون: لا يدل عليه، بل هو كالصريح في الرد". ومنها (٣): إِعطاء الفقير الصدقة، وخلعة الأمير على من هو دونه، ونحر الهدى وغمس نعله في دمه، وصحة بيع المعاطاة، واستعمال من جرت عادته بالعمل بأجرة، ووضع العوض في الخلع بين يدى الزوج، فكل ذلك دائر مع القرائن، والإحكام مترتبة عليها. ومنها: رهن الوديعة عند المودع، وهبتها منه، هل يكون ذلك قرينة له في الإِذن في قبضها بجهة الرهن والهبة، أم يحتاج إِلى إِذن جديد؟ فيه خلاف، والأصح: أنه لا بد من إِذن جديد. ومنها: من لم يعهد له مال، وهو محبوس (٤)، وقلنا: لا يقبل قوله مطلقا (٥) قالوا: يبعث القاضي شاهدين يستخبران عن منشئة ومولده ومنقلبه؛ ليحصل لهما غلبة

стр. 884

الظن بقرينة الحال فيشهدان بما ظهر لهما (١). ومنها: مسألة الفلس (٢). وغير ذلك من الصور التى يعمل فيها بالقرائن. والله أعلم. * * *

стр. 885

قاعدة [في وقت اعتبار شروط الشاهد والراوي] كل ما يشترط في الشاهد والراوى فهو معتبر عند الأداء؛ لا عند التحمل، إلا في مسألتين: إِحداهما: الشهادة في النكاح، فإن الشروط معتبرة فيه عند التحمل -أيضاً- ويستثني المستورينُ (١) على الصحيح (٢). الثانية: رواية الصبيان قبل البلوغ، وفيها ثلاثة أوجه (٣): أحدها: لا يصح التحمل منه قبل البلوغ لضعف ضبطه ولا الرواية بطريق الأولى. والثاني: يصحان جميعا؛ لأن الرواية مبنية على المسامحة، بدليل الاعتماد (٤) على الخط، وعدم المبالاة بالتهمة، ولهذا تقبل رواية العدل بما ينفع قريبه ويضر عدوه؛ لأن المقصود فيها الشرع العام؛ لا هذا الشخص الخاص. والثالث، وهو الأصح الذى عليه الجمهور والعمل: أنه يقبل تحمله قبل البلوغ دون

стр. 886

روايته، وتصح روايته بعد البلوغ بما تحمله قبله؛ لإجماع الصحابة فمن بعدهم على قبول مثل ذلك (١). وأعلم أنه قد أجْرِىَ الخلاف في روايته قبل البلوغ في مسائل (٢): منها: تدبيره ووصيته، وفيهما قولان، الأظهر عدم الصحة (٣). ومن قال بالصحة نظر إِلى ما ينفعه في الآخرة. ومنها: أَمَانة، فقيل: يصح كوصيته وتدبيره. والمشهور: أنه لا يصح (٤). ومنها: إِسلامه، وفيه قولان، رجع الأكثرون: عدم الصحة (٥). * * *

стр. 887

(عمد الصبي، هل هو عمد أم خطأ ؟) (١) ولو تعمد القتل -أعنى المميز- فهل يعطي حكم العمد، أم حكم الخطأ (٢)؟ وليس معناه أنه يقتص منه؛ للإجماع على منعه بل تظهر فائدة الخلاف في فروع كثيرة: منها: إِذا شاركه فيه بالغ، إِن قلنا: عمده عمد. وجب على شريكه القصاص، وإن قلنا [خطأ] (٣) فلا كشريك الخاطئ (٤). ومنها (٥): تغليظ الدية عليه. ومنها: تَحَمّل العاقلة عنه. ومنها: إِذا قتل مُرَرِّثه عمداً، وقلنا: القاتل الخطأ لا يُمْنَع الإرث. فهل يرث أم لا؟ ومنها: ذبيحته واصطياده حلال على الأصح: أن عمده عمد. وفيه وجه (٦) مبني على أن عمده خطأ؛ لأن (٧) القصد لابد منه في الذبح والاصطياد. ومنها: وجوب رد السلام عليه.

стр. 888

ومنها: خلع الصغيرة المميزة، وفيه وجهان (١)، أحدهما: لا يقع الطلاق؛ لأنها ليست أهلاً للقبول. والثاني: يقع رجعياً كخلع السفيهة، ويكتفي بقبولها للوقوع، وهذا ما صححه البغوي والمتولي بناء على أن عمد الصبى عمد. وصحح الإمام والغزالي (٢) الأول. ومنها: إِذا قال للصبية: أنت طالق إِن شئت. فقالت: شئت. فيه الوجهان. ومنها: إِذا جامع في نهار رمضان عمداً، ففي وجوب الكفارة وجهان (٣)، أصحهما: لا تجب. وبناه بعضهم على هذا الخلاف، إِلا أنه منع من ترجيح الوجوب عدم التزامه للعبادات، فلذلك اختلف الترجيح. ومنها (٤): إِذا حج وباشر شيئا من محظورات الإِحرام كاللباس والطيب. فإِن كان ناسيا: فلا فدية قطعًا. وإن تعمد ذلك: بُنِيَ على الخلاف (٥). ووجبت الفدية

стр. 889

في ماله (١): في الأصح، بناء على أن عمده عمد. قال الإِمام (٢): " وبهذا قطع المحققون؛ لأن عمده في العبادات كعمد البالغ، ولهذا لو تعمد في صلاته كلاماً أو في صومه أكلاً بطلا". وفي قُوَيْل (٣): إن كان ممن يلتذ بالطيب واللباس وجبت وإلا فلا. ولو حلق أو قلم ظفراً أو قتل صيداً، وقلنا: عمد هذه الأمور وسهوها سواء. وهو المذهب، وجبت الفدية. وإلا فهو (٤) كالطيب واللباس. والفرق بين هذه الأمور وبين الجماع في رمضان، حيث كان الراجح لا كفارة هناك: أن هذه الأمور من خطاب الوضع، ولهذا تجب الفدية في ماله على قول. والأصح أنها في مال الولي. (٥) ولو جامع في إِحرامه ناسيا، أو عامداً وقلنا (٦): إن عمده خطأ. ففي فساد حجه القولان في البالغ إذا جامع ناسياً، والأصح: أنه لا يفسد. وإن جامع عامداً، وقلنا: عمده عمد. فسد قطعاً، كما يفسد الصوم بالأكل (٧)،

стр. 890

والصلاة بما ينافيها، ويجب القضاء على الأظهر. وعلى هذا هل يصح منه حال الصبا؟ وجهان، أصحهما: يجزئه (١)؛ لأن حالة الصبا لما صلحت للوجوب صلحت للإِجزاء. ومنها: وطء المميز (٢) مخرج على هذا الأصل، فإن قلنا: عمده عمد. كان كوطء الزانى، وإلا كان كوطء الشبهة. ويترتب عليه تحريم المصاهرة (٣) وأجروا مثل هذا في وطء المجنون، ومال ابن الرافعة إِلى تخريجه على هذا الأصل. ومما بُنِيَ على هذا الأصل: أن المجنون المعسر إِذا خاف العنت، هل يجوز تزويجه بالأمة؟ والأصح: الجواز. واختار القاضي حسين والروياني (٤): المنع، (٥) لأن خوفَ

стр. 891

العنت شرطٌ، ووطء المجنون لا يسمي زنى على الحقيقة، قال الغزالي: " أَخَذَ ذلك (١) من: أن الحديث العهد بالاسلام، إِذا لم يعلم حرمه الزنى، ووطئ، هل يكون حكمُه حكمَ الواطئ بشبهة، أم حكم الزنى؟ حتي بني عليه بعضهم ثبوت النسب وحرية الولد (٢) إِذا كان في أمة". وحُكِيَ عن نص الشافعي: أنه (٣) لا يُزوَّجُ أَمَةً (٤)، فإِن فُعِلَ كان النكاح مفسوخا. ومما يتصل بذلك: ما إذا قال: إِن لم أضربك فأنت طالق. فضربها وهو مجنون، وظاهر كلام الغزالي: أنه كما لو ضربها وهو عاقل فتنحل اليمين، فإِنه قال -فيما إذا قال: إِن لم أضربك فأنت طالق: فجن-: (٥) "إِن الجنون لا يوجب اليأس؛ لأن ضرب المجنون في تحقيق الصفة ونفيها كضرب العاقل: على الصحيح". وتبعه النووى والرافعي على ذلك (٦) وبناه غيرهما على أن عمده عمد؟ أم لا؟ الله أعلم.

стр. 892

قاعدة: في تمييز الكبائر عن الصغائر (١) ونبدأ بما جاء منصوصًا عليه في الأحاديث (٢)، فمن الكبائر: الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق، والزنى وأفحشه بحليلة الجار، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، والاستطالة في عرض المسلم بغير حق، وشهادة الزور، واليمين الغموس (٣)، والنميمة، والسرقة، وشرب الخمر، واستحلال بيت الله الحرام، ونكث الصفقة، وترك السنة، والتَّعَرّبُ بعد الهجرة (٤)،

стр. 893

واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله تعالى، ومنع ابن السبيل فضل الماء، وعدم التنزه من البول، وعقوق الوالدين، والتسبب إِلى شتمهما، والإضرار في الوصية. والله أعلم. هذا كله منصوص عليه في الأحاديث. واختلف العلماء في ضابط ما عداها على أقوال، منها في المذهب أربعة أوجه (١): أحدها: أنها المعصية الموجبة للحد. والثاني: أنها التي يلحق صاحبَها الوعيدُ الشديد بنص كتاب أو سنة. الثالث: قاله الإِمام (٢): "كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة" (٣). والرابع: ذكره الهروي (٤): "كل معصية توجب في جنسها حداً من قتل أو غيره، وترك كل فريضة مأمور بها على الفور، والكذب في الشهادة والرواية واليمين". ويمكن أن يقال: مجموع هذه الأوجه يحصل بها ضابط الكبيرة.

стр. 894

وذكر الرافعي (١): "أن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر، وهم إلى ترجيح الأول أميل" (٢). وقال الشيخ عز الدين (٣): "إذا أردت معرفة الكبائر من الصغائر: فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها: فإِن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر: فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهي منها: فمن شتم الرب ﷻ ، أو الرسول ﵊، أو استهان بالرسل، أو كذب واحدًا منهم، أو ضمخ الكعبة بالعَذِرة، أو ألقى المصحف في القاذورة: فهذا من الكبائر (٤)

стр. 895

ولم يصرح الشرع بأنه من الكبيرة". قلت (١): هذا كله مندرج تحت الشرك (٢). ثم قال (٣): "وكذا من أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو أمسك مسلمًا لمن يقتله: فلاشك أن مفسدته أعظم من مفسدة أكل مال (٤) اليتيم. وكذا لو دلّ الكفار على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته، ويسبون حريمهم وأطفالهم، ويغنمون أموالهم فإِن هذه المفاسد (٥) أعظم من توليه يوم الزحف (٦). وكذا لو كذب على إِنسان كذبًا يعلم أنه يُقْتَل [بسببه] (٧) ".

стр. 896

قال (١): "وقد نص الشارع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر: فإِن وقعا في مال كثير: فهو ظاهر، أو حقير كتمرة: فيجوز أن يجعل من الكبائر فطمًا عن الكثير، كالقطرة من الخمر وإن لم تتحقق المفسدة. ويجوز أن يضبط بنصاب السرقة. والحكم بغير الحق كبيرة وإن لم ينص عليها الشارع؛ لأن شهادة الزور سبب والحاكم مباشر فهو أكبر". ثم قال (٢) "وقد ضبط بعض العلماء [الكبائر] (٣) بأن قال: "كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن فهو من الكبائر؛ (٤) فتغيير منار الأرض من الكبائر لا قتران اللعن به (٥). فعلى هذا: كل ذنب علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن الوعيد به أو اللعن أو الحد، أو كان أكبر مفسدة: فهو كبيرة". والله أعلم.

стр. 897

قال ابن دقيق العيد (١) بعده مُذَنِّبًا عليه (٢): "ولا بد في ذلك أن لا تؤخذ المفسدة مجردة عما يقترن بها من أمر آخر: فإِنه قد يقع الغلط في ذلك: ألا ترى أن السابق إلى الفهم أن مفسدةَ الخمر السكرُ فإن أَخَذَهَا مجردةً لزم أن لا يكون شربُ القطرة كبيرةً: لخلائها عن المفسدة. لكنها مفسدة لكبيرة أخرى وهى التجري على شرب الكثير الموقع في المفسدة فبهذا الاقتران تصير كبيرة". وذكر الرافعي (٣) لعد ذكر الأوجه الأربعة المتقدمة تفصيلًا لبعض الأصحاب: فذكر عن الروياني غير ما مر: اللوط، وأخذ المال غصبًا، وشرب كل مسكر يلحق بشرب الخمر.

стр. 898

وشَرَطَ الهرويُ في غصب المال أن يبلغ ربع دينار (١). (٢) وزاد صاحبُ العده (٣) الإفطارَ في رمضان بغير عذر، وقطعَ الرحم، والخيانةَ في الكيل أو الوزن، وتقديم الصلاة على وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بغير حق، والكذب على سيد الأولين والآخرين رسول الله [صلى الله] (٤) عليه وسلم، وسب الصحابة ﵃، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة (٥) بين

стр. 899

الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب. ويقال: الوقيعة في أهل العلم وحملة القرآن" والله أعلم. قال الرافعي (١): "ومما يعد من الكبائر: الظهار، وأكل لحم الخنزير، والميتة لا عن ضرورة. وللتوقف مجال في بعض هذه الصور: كقطيعة الرحم، وترك الأمر بالمعروف على إِطلاقهما، ونسيان القرآن، وإحراق مطلق الحيوان بالنار". والله أعلم. واختار النووي: أن نسيان القرآن بلا عذر من الكبائر؛ لحديث ورد فيه (٢). وزاد (٣) الوطءَ في الحيض، وقد نص الشافعي على أنه كبيرة، وفي بعض الأحاديث لَعْنُ فاعله (٤). وكذا ينبغي أن يحلق به وطء الزوجة في دبرها: ففي الحديث أنه ملعون من فعله (٥).

стр. 900

وصرح بعض الأصحاب: بأن الشرب من آنية الذهب والفضة والأكل منها كبيرة (١) وهو منطبق على أن ما توعد عليه بالنار كبيرة. وحكى النووي في اللعب بالنرد وسماع الأوتار ولبس الحرير والجلوس عليه ونحو ذلك وجهين (٢): أحدهما: أنه من الكبائر. والأصح: إِنها من الصغائر. والمحكي عن العراقيين: أن سماع الأوتار والمعازف وما هو من شعار الشَّرَبَةِ (٣) كبيرة، فعلى هذا يكون الضرب به أولى. وقد رُوِيَ عن رسول الله ﷺ : (أنه لعن في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إِليه، وساقيها، وبائعها، واحمل ثمنها، والمشتري لها والمشتراة له) (٤).

стр. 901

رواه الترمذى. ونص الأصحاب على أن بيع الخمر كبيرة، وكذا يكون حكم الشراء، وأكل الثمن، والحمل، والسقي. وأما عاصرها ومعتصرها فقالوا: لا يفسق بذلك. وينبغي أن يكون ذلك دائرًا مع القصد: فإِن نوى بها (١) الخمر (٢) دخل في حكم الحديث (٣). وحكى ابن الصباغ: أن مجرد إِمساكها ليس بكبيرة: إِذ يجوز أن يمسكها لتنقلب خلا (٤). وقال الماوردي: "إن أمسكها لذلك لم يحرم، وإن قصد ادخارها على حالها فيفسق". وهذا موافق لما أشرنا إِليه من اعتبار القصد. وكذا: ينبغي أن يكون حكم بيع العصير إِذا غلب على ظنه أن مشتريه يتخذه خمرًا، مع أن الأصحاب قالوا: يكره. (٥) أما إذا تمحضت النية عن الفعل، كمن نوى أنه يزني غدًا فليس بكبيرة وإن كان

стр. 902

محرمًا. نعمْ إِذا نوى أن يكفر غدًا - والعياذ بالله تعالى - فإِنه يكفر في الحال؛ لأن نية الاستدامة على الإيمان شرط، فإِذا أتى بما ينافيها قطعها. وأما ما اختلف في إِباحته، كشرب النبيذ، والنكاح بلا ولي ولا شهود: فقد إِختار كثير من الأصحاب: أن من فعله معتقدًا للتحريم كان كبيرة في حقه: بخلاف من يعتقد الإباحة (١). فلو فعله من لا يعتقد واحدًا منهما، كالعامي، مع علمه بالاختلاف، فقد حكى الماوردى فيه وجهين: قال البصريون: "هو فاسق مردود الشهادة؛ لأن ترك الاسترشاد في الشبهات تهاون في الدين. وقال البغداديون: لا يفسق؛ لأن اعتقاد الإباحة أغلظ من التعاطي ولا يفسق معتقد الإباحة". ومناط قبول الشهادة وردها ليس مفرعًا من كل وجه على كون الفعل كبيرة أو لا، بل ترد الشهادة باللازم وما يشعر به الفعل من التهاون لأن لم يكن محرمًا، فضلًا عن كونه كبيرة كما في ترك المروءة (٢). ويمكن رد جميع هذه التفاصيل إِلى الخصال المنصوصة في الأحاديث، ويكون في كل واحد منها إِشارة إلى ما هو من نوعه. وبيان ذلك: أن مدار الكبائر كلها يرجع إِلى ما يتعلق بالضروريات الخص، التي هي: مصلحة الأديان، والنفوس، والعقول، والأنساب، والأموال.

стр. 903

أما مصلحة الدين: [فذلك] (١) إِما في الاعتقادات أو في الأفعال (٢).

стр. 904

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 905

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 906

وبقي هنا أمور الأول: ذكر الشيخ عز الدين مسألتين: إحداهما: أن من قذف محصنًا قذفًا لا يسمعه إلَّا الله تعالى والحفظة، ولم يواجه به المقذوف، ولا اغتابه عند أحد [به] (١): فقال (٢): "الظاهر: أن هذا ليس بكبيرة موجبة للحد: لانتفاء المفسدة، ولا يعاقب في الآخرة عقاب المجاهر بذلك". الثانية: من ارتكب [كبيرة] (٣) في ظنه، وليست كذلك في نفس الأمر، كمن قتل إِنسانًا يعتقده معصومًا وكان قد قتل مورثه، أو وطئ امرأة يعتقدها أجنبية وأنه زان فكانت زوجته، أو أكل مالًا يعتقده لغيره فكان له: فقال (٤): "أما في الدنيا فتجري عليه أحكام الفاسقين لجرأته على رب العالمين، وأما في الآخرة فلا يعذب عذاب قاتل ولا زان ولا آكلٍ مالًا حرامًا؛ لأن عذاب الآخرة مرتب على رتب المفاسد في الغالب". والعلم عند الله تعالى. الأمر الثاني: أنه قد علم مما مر: أن ما عدا ذلك من الصغائر: لكنهم قالوا: إن الإصرار على الصغائر حكمه حكم مرتكب الكبيرة الواحدة في زوال العدالة (٥). والإصرار يكون باعتبارين.

стр. 907

أحدهما حكمي: وهو أن يعزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ منها، فهذا حكمه حكم من كررها فعلًا. بخلاف من تاب منها ونوى الإقلاع. فلو ذهل عن ذلك، ولم يعزم على شيء: فهذا هو الذى تكفره الأعمال الصالحة من الصلاة والصوم والجمعة والوضوء كما دل عليه الحديث (١) لكن هل شرط التكفير عدم ملابسته لشيء (٢) أو لا يشترط ذلك: على قولين (٣)؛ والأظهر: لا يشترط. الاعتبار الثاني: الإصرار بالفعل: وقد حكي الرافعي (٤) فيه كلامين للإِصحاب: "أحدهما: أن المراد به المداومة على نوع واحد من الصغائر، ولا توبة. الثاني: أنه الإكثار من جنس الصغائر، سواء اختلفت أنواعها أو اتحدت". قال الرافعي (٥): "وهو الموافق لكلام الجمهور؛ لأنهم قالوا: من غلبت طاعتُه معاصيه: كان عدلًا، ومن غلبت معاصية طاعتَه: كان مردود الشهادة". وهكذا نص عليه الشافعي: فإِنه قال (٦): "ليس أحدٌ من الناس نعلمه - إِلا أن يكون قليلًا - يُمَحِّضُ الطاعةَ والمروءةَ حتى لا يخلطهما بمعصية ولا بترك مروءة، ولا يمحض المعصية وترك المروءة حتى لا يخطلهما بشيء من الطاعة والمروءةِ: فإِن كان الأغلبُ على الرجل

стр. 908

والأظهرُ من أمره الطاعةَ والمروءةَ قُبلَت: شهادته، وإذا كان الأغلبُ على الرجل والأظهرُ من أمره المعصيةَ وخلافَ المروءة: رُدَّت: شهادته". وقد جمع الشيخ عز الدين بين كلامي الأصحاب مع ضابط لذلك، وهو أنه (١): إِذا تكررت منه الصغيرة تكررًا يشعر بقلة مبالاته بدينه إِشعار ارتكاب الكبيرة بذلك: ردت شهادته وروايته، وكذا إِذا اجتمعت فيه صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما أشعر به أصغر الكبائر" والله أعلم. الأمر الثالث: أن كل من ارتكب شيئًا من ذلك لم يعد إِلى العدالة إِلا بالتوبة منه بشروطها (٢) إِلا في مرضع واحد، وهو: ما إِذا حُدَّ بعض الشهود بالزنى (٣) على الأصح (٤)، فإِنه لا تقبل شهادتهم حتى يتوبوا، وفي قبول روايتهم قبل التوبة وجهان حكاهما الماوردي، وقال: "المشهور: القبول". ونسبه إِلي أبى حامد الإِسْفَرَايْنى (٥) وأقيسهما: عدم القبول كالشهادة.

стр. 909

[استبراء التائب من المعصية الفعلية أو القولية] وأعلم: أن التائب عن المعصية الفعلية، كالزنى والسرقة. أو القولية، كالشهادة بالزور والقذف ونحوه: يستبرأ مدة يظهر فيها صلاح سريرته، وفي قدرها خلاف. قيل: سنة. وقيل: ستة أشهر. وقيل: لا يتقدر، بل المعتبر حصول غلبة الظن بصدقه واختاره الإمام والغزالي (١). وقد وقعت صور لا استبراء فيها (٢): منها: إِذا كان القذف على صورة الشهادة، وحدّ، فلا استبراء: على المذهب (٣). وقطعوا: بأنه إذا ردت شهادته لمبادرته، ثم أعادها في وقت آخر، أنها تقبل. إلا أنه ليس بفسق (٤). ومنها: القاضي إذا تعين عليه القضاء وامتنع (٥): عصى، فلو أجاب ولى بلا استبراء. واستشكله الرافعي (٦).

стр. 910

ومنها: الولي إِذا عضل عصى؛ فلو زوج بعده صح وإن منعنا ولاية الفاسق ولم يستبرأ - (١). قال الرافعي: "والقياس أنه يستبرأ" (٢). ومنها: الغارم إِذا غرم في معصية، ولم يتب منها؛ لم يدفع إِليه من سهم الغارمين: على المشهور. وإن كان بعد التوبة فوجهان. رجح المتأخرون: أنه يعطى، وصححه الأكثرون. قال الرافعي: (٣) "ولم يتعرض الأصحاب لاستبراء حاله، إِلا أن الروياني قال: يعطى على أحد الوجهين إِذا غلب [على] (٤) الظن صدقه في توبته". قال - النووي (٥): "هذا هو الأظهر، ولابد من غلبة الظن بذلك وإن قصرت المدة". ومنها (٦): ابن السبيل إِذا أنشأ سفر معصية، ثم قطعه في أثناء الطريق وقصد الرجوع إِلى وطنه، فإِنه يعطى من حينئذ على الصحيح، ولم يشترطوا استبراء. وسببه: أن المعصية التى مُنع بسببها رجع عنها والله أعلم.

стр. 911

قاعدة هل يقبل الجرح والتعديل مطلقًا، أم لابد من بيان السبب ؟ فيه ثلاثة آراء (١): الثالث قاله الشافعي: " يكفي الإطلاق. في التعديل دون الجرح: لاختلاف العلماء في الأسباب الجارحة، فقد يظن ما ليس بجرح جرحا فيطلق ". وهذا هو الأرجح الذى عليه جمهور أئمة الحديث والفقه كما قاله

стр. 912

الخطب (١). وقال الإِمام (٢): "إِن كان المُعَدِّلُ أو الجارحُ عالمين بالأسباب، وعُرِفَ مذهبهما، اكتُفِيَ بالإطلاق: وإلا فلا بد من ذكر السبب". وهو قوى. ويقرب منه مسألة وهي: أن الصحابي ﵁ إِذا قال: أمر النبي ﷺ بكذا أو نهى عن كذا. فالذي عليه الجمهور وهو الصحيح: القبول؛ لأن الظاهر من حال الصحابي ومعرفته باللغة: أنه لا يطلق ذلك إِلا بعد تيقن ما هو أمر

стр. 913

أو نهي (١) ويتخرج على هذه القاعدة مسائل (٢). منها: إِذا أخبره ثقة بنجاسة الماء، أو شهد به شاهدان؛ لا يقبل ما لم يبين السبب. إلا إِذا كان الخبر أو الشاهد فقيهًا موافقًا في المذهب فيقبل وإن لم يبين السبب (٣). ومنها: لو شهدا بأن هذا وارثه لم يسمع قطعًا: لاختلاف المذاهب في توريث الأرحام (٤) وفي قدر التوريث، فلابد من بيان جهة الميراث من أبوة أو بنوة وغيرهما (٥). ونظيره: إِذا أقر بوارث مطلق لم يترتب على إِقراره شيء حتى يعيّن جهة الإرث. بخلاف ما لو قال: له على ألف درهم فإِنه تثبت المطالبة وإن لم يبين السبب؛ لأن الإقرار حق عليه في حياته فيحتاط هو لنفسه، بخلاف الميراث فإنه حق على ورثته أو على المسلمين.

стр. 914

ومنها: لو شهدا بعقد بيع أو غيره من العقود، ولم يبينا صورته، فهل تسمع، أم لا بد من التفصيل؟ فيه خلاف. ومنها: لو شهدا (١) بالكفر، ولم يبينا ما تلفظ به، ففيه وجهان (٢)، قال الرافعي (٣): "الأظهر القبول". وهو مشكل جدًا: وقد مرّ الاحتياط في الماء والإرث والشفعة (٤) فهذا أولى بالاحتياط؛ لكثرة الاختلاف فيما يصير به الشخص كافرًا (٥). ومنها: إِذا شهدا أنه ضربه بالسيف وأوضح رأسه جزم الجمهور بالقبول. وقال القاضي (٦): "لابد من التعرض لإيضاح العظم". وتبعه الإمام: ثم تردد فيما إِذا كان الشاهد فقيهًا وعلم القاضي أنه لا يطلق لفظ الموضحة إِلا على ما يوضح العظم (٧). ومنها: ما إِذا شهدا بانتقال هذا الملك عن مالكه إِلى زيد، ولم يبينا سبب

стр. 915

الانتقال: قال الهروي (١) " [الذي] (٢) أفتى به فقهاء هَمَذَان (٣) أن البينة تسمع". قال (٤): "ورأيت ذلك بخط الماوردي وأبي الطيب". واتفقت المراوزة (٥): على أنها لا تسمع إِلا ببيان السبب، وهو الراجح. وفي ثالث: إِن كان الشاهدان فقيهين موافقين لمذهب القاضي، فلا حاجة إِلى بيان السبب، وإلا لم تسمع. وهي نظير مسألة الماء. وينبغي طرده في كل مختلف فيه. ومنها: إِذا شهدا أن حاكمًا حكم بكذا ولم يعيناه فوجهان؛ والصحيح: القبول. ووجه الآخر: أنه قد يكون الحاكم عدوًا أو ولدًا (٦).
следующие страницы →