قاعدة هل يقبل الجرح والتعديل مطلقًا، أم لابد من بيان السبب ؟
فيه ثلاثة آراء (١): الثالث قاله الشافعي: " يكفي الإطلاق. في التعديل دون الجرح: لاختلاف العلماء في الأسباب الجارحة، فقد يظن ما ليس بجرح جرحا فيطلق ". وهذا هو الأرجح الذى عليه جمهور أئمة الحديث والفقه كما قاله
стр. 912
الخطب (١). وقال الإِمام (٢): "إِن كان المُعَدِّلُ أو الجارحُ عالمين بالأسباب، وعُرِفَ مذهبهما، اكتُفِيَ بالإطلاق: وإلا فلا بد من ذكر السبب". وهو قوى.
ويقرب منه مسألة وهي: أن الصحابي ﵁ إِذا قال: أمر النبي ﷺ بكذا أو نهى عن كذا. فالذي عليه الجمهور وهو الصحيح: القبول؛ لأن الظاهر من حال الصحابي ومعرفته باللغة: أنه لا يطلق ذلك إِلا بعد تيقن ما هو أمر
стр. 913
أو نهي (١) ويتخرج على هذه القاعدة مسائل (٢).
منها: إِذا أخبره ثقة بنجاسة الماء، أو شهد به شاهدان؛ لا يقبل ما لم يبين السبب. إلا إِذا كان الخبر أو الشاهد فقيهًا موافقًا في المذهب فيقبل وإن لم يبين السبب (٣).
ومنها: لو شهدا بأن هذا وارثه لم يسمع قطعًا: لاختلاف المذاهب في توريث الأرحام (٤) وفي قدر التوريث، فلابد من بيان جهة الميراث من أبوة أو بنوة وغيرهما (٥).
ونظيره: إِذا أقر بوارث مطلق لم يترتب على إِقراره شيء حتى يعيّن جهة الإرث. بخلاف ما لو قال: له على ألف درهم فإِنه تثبت المطالبة وإن لم يبين السبب؛ لأن الإقرار حق عليه في حياته فيحتاط هو لنفسه، بخلاف الميراث فإنه حق على ورثته أو على المسلمين.
стр. 914
ومنها: لو شهدا بعقد بيع أو غيره من العقود، ولم يبينا صورته، فهل تسمع، أم لا بد من التفصيل؟
فيه خلاف.
ومنها: لو شهدا (١) بالكفر، ولم يبينا ما تلفظ به، ففيه وجهان (٢)، قال الرافعي (٣): "الأظهر القبول". وهو مشكل جدًا: وقد مرّ الاحتياط في الماء والإرث والشفعة (٤) فهذا أولى بالاحتياط؛ لكثرة الاختلاف فيما يصير به الشخص كافرًا (٥).
ومنها: إِذا شهدا أنه ضربه بالسيف وأوضح رأسه جزم الجمهور بالقبول. وقال القاضي (٦): "لابد من التعرض لإيضاح العظم". وتبعه الإمام: ثم تردد فيما إِذا كان الشاهد فقيهًا وعلم القاضي أنه لا يطلق لفظ الموضحة إِلا على ما يوضح العظم (٧).
ومنها: ما إِذا شهدا بانتقال هذا الملك عن مالكه إِلى زيد، ولم يبينا سبب
стр. 915
الانتقال: قال الهروي (١) " [الذي] (٢) أفتى به فقهاء هَمَذَان (٣) أن البينة تسمع". قال (٤): "ورأيت ذلك بخط الماوردي وأبي الطيب".
واتفقت المراوزة (٥): على أنها لا تسمع إِلا ببيان السبب، وهو الراجح.
وفي ثالث: إِن كان الشاهدان فقيهين موافقين لمذهب القاضي، فلا حاجة إِلى بيان السبب، وإلا لم تسمع. وهي نظير مسألة الماء. وينبغي طرده في كل مختلف فيه.
ومنها: إِذا شهدا أن حاكمًا حكم بكذا ولم يعيناه فوجهان؛ والصحيح: القبول. ووجه الآخر: أنه قد يكون الحاكم عدوًا أو ولدًا (٦).
стр. 916
ومنها: إِذا شهدا أن بينهما رضاعا محرمًا (١) فوجهان، اختار الجمهور: عدم القبول، واختار الإِمام وطائفة أنه يقبل (٢). وتوسط الرافعي فقال: (٣) "إِن كان الشاهد فقيهًا موافقًا قبل، وإلا فلا".
ولو [قال] (٤): أقرّ بأن هذه أختى (٥)، ففي البحر وغيره: أنه لا حاجة إِلى التعرض للشرائط إِن كان من أهل الفقه، وإلا فوجهان.
وفُرِّقَ بين الإِقرار والشهادة: بأن المقر يحتاط لنفسه بما يتعلق به في حياته فلا يقر إِلا عن تحقق.
ومنها: الشهادة بالإِكراه، اختار الشيخ عز الدين: أنها لا تسمع مطلقه (٦)، وقال الغزالي في فتاوية (٧): "إِن جَوَّزَ القاضي أن ذلك يَسْتَبْهِم على الشهود، فله السؤال، وإذا سأل فعليهم التفصيل. وإن علم من حال الشهود أنهم لا يشهدون إِلا عن تحقق، وهم عارفون بحد الإِكراه، فله أن لا يكلفهم التفصيل".
ومنها: الشهادة والإقرار بشرب الخمر، هل يكفى الإِطلاق (٨)؟
стр. 917
الأصح: نعم. (١) وكذا: الإكراه على شربها.
ومنها: لو باع عبدًا، ثم شهد اثنان أنه رجع ملكه إليه: قالوا: لا تقبل ما لم يبينا سبب الرجوع إليه، من إقالة أو إرث أو إتهاب.
ومنها (٢): لو مات عن ابنين، مسلم ونصراني، فقال المسلم مات مسلمًا، وقال النصراني: مات نصرانيًا. فإِن عرف أنه كان نصرانيًا (٣) قدّمت بينة المسلم لزيادة العلم (٤)، وإن قيدت بينة النصراني: إِن آخر كلمة كانت النصرانية، قدّمت.
ويشترط في بينة النصرانية تفسير كلمة التنصر بما يختص به النصارى كالتثليث. وهل يجب في بينة المسلم تبيين ما يقتضي الإسلام؟
وجهان. لأنهم قد يتوهمون ما ليس بإِسلام إسلامًا.
ومنها (٥): لو اعترف الراهن: أن العبد مرهون بعشرين. ثم ادعى: أنه رهنه أولًا (٦) بعشرة، [ثم بعشرة] (٧) من غير فسخ الأول، فيكون الثاني فاسدًا. وأنكر
стр. 918
المرتهن، صدَّق بيمينه.
فإِن قال (١) في جوابه: فسخنا الرهن الأول، ثم استأنفنا رهنا بعشرين. فهل يصدق المرتهن؛ لاعتضاده بقول الراهن: إِنه رهن بعشرين؟ أم يصدق الراهن؛ لأن الأصل عدم الفسخ؟
مال الصيدلاني: إِلى أولهما. وصحّح البغوى الثاني (٢)، وزاد فقال: "ولو شهد شاهدان: أنه رهن بألف، ثم بألفين؛ لم يحكم بأنه رهن بألفين ما لم يصرحا بأن الثاني كان بعد فسخ الأول".
ومنها (٣): إِذا ادعي دارًا في يد رجل، وأقام بينه بملكها، وأقام الداخل بينة أنها ملكه: هل تسمع (٤) مطلقة؟ أم لابد من إِسناد الملك إِلى سبب؟
وجهان، الأصح: أنها تسمع مطلقة، وترجّح على بينة الخارج باليد.
ومنها: قال ابن أبي الدم (٥): "قد شاع على لسان أئمة المذهب: أن الشاهد إِذا شهد باستحقاق زيد على عمرو درهمًا مثلًا، هل تسمع هذه الشهادة: وجهان، المشهور فيما بينهم: لا تسمع".
قال (٦): " وهذا لم أظفر به منقولًا مصرحًا به هكذا، غير أن الذي تلقيته من كلام
стр. 919
المراوزة، وفهمته من مدارج مباحثهم المذهبية: أن الشاهد ليس له أن يرتب الأحكام على أسبابها، بل وظيفته أن ينقل ما سمعه منها من إِقرار وعقد تبايع وغير ذلك مما يترتب عليه الأحكام، أو ما شاهده (١) من القبوض والإتلاف. فينقل ذلك إِلى القاضي، ثم وظيفة الحاكم ترتيب المسببات على أسبابها: فالشاهد سفير والحاكم متصرف. والأسباب الملزمة مختلف فيها، فقد يظن الشاهد ما ليس بملزم سببا للإلزام، فكلف نقل ما سمعه أو رآه، والحاكم يجتهد في ذلك" ثم حكي (٢) عن الماوردي نحوه.
قال الشيخ عز الدين (٣): "ضابط هذا كله: أن الدعوى والشهادة والرواية المترددة بين ما يقبل وما لا يقبل لا يجوز الاعتماد عليها، إِذ ليس حملها على ما يقبل أولى من حملها على ما لا يقبل، والأصل عدم ثبوت المشهود به والخبر عنه، فلا يترك الأصل إِلا بيقين أو ظن يعتمد الشرع على مثله".
ثم استشكل على هذا مسألتين (٤):
إِحداهما: الشهادة بأن بينهما رضاعًا محرمًا (٥).
والأخرى: قبول الشهادة المطلقة بالملك وكذا الدين، مع أن أسبابهما مختلفة.
وقد مر: أن الأصح عدم القبول في مسألة الرضاع.
стр. 920
وأما الشهادة في الملك فإِنما تقبل مطلقة عند عدم التنازع، وأما عند [ذكر] (١) إِنتقالٍ (٢) من مالك آخر ففد مر فيه الخلاف. وكذا الخلاف في الدين كما مر في مسألة الإِقرار (٣). والله أعلم (٤).
* * *
стр. 921
كتاب القواعد
تأليف
أبي بكر بن محمد بن عبد المؤمن
المعروف بـ «تقي الدين الحصني» (المتوفى سنة ٨٢٩ هـ)
تحقيق
د. جبريل بن محمد بن حسن البصيلي
[الجزء الثالث]
стр. 922
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جَمِيع الحُقوق مَحفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م
(ح) مكتبة الرشد، ١٤١٥ هـ
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية
تَقِيّ الدّين الحصني، أَبُو بكر بن مُحَمَّد
كتاب الْقَوَاعِد/ تَحْقِيق عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الشعلان، جِبْرِيل مُحَمَّد البصيلي.
... ص؛ ... سم
ردمك × - ٠٣٥ - ٠١ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة)
٣ - ٠٣٣ - ٠١ - ٩٩٦٠ (ج ٣)
١ - الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة
أ - الشعلان، عبد الرَّحْمَن بن عبد الله (مُحَقّق)
ب - البصيلي، جِبْرِيل بن مُحَمَّد (مُحَقّق)
ج - العنوان
ديوي ٢٥١.٦ ... ١٢٥٨/ ١٥
رقم الْإِيدَاع: ١٢٥٨/ ١٥
ردمك × - ٠٣٥ - ٠١ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة)
٣ - ٠٣٣ - ٠١ - ٩٩٦٠ (ج ٣)
مكتبة الرشد للنشر والتوزيع
المملكه الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض - طَرِيق الْحجاز
ص. ب: ١٧٥٢٢ الرياض: ١١٤٩٤ هَاتِف: ٤٥٨٣٧١٢
تلكس: ٤٠٥٧٩٨ فاكس ملي: ٤٥٧٣٣٨١
فرع القصيم بريده حَيّ الصَّفْرَاء - طَرِيق الْمَدِينَة
ص. ب: ٢٣٧٦ هَاتِف: ٣٢٤٢٢١٤ - فاكس ملى: ٣٢٤١٣٥٨
فرع الْمَدِينَة المنورة - شَارِع أبي ذَر الْغِفَارِيّ - هَاتِف: ٥٤٧٢٦٦٤/ ٠٥
شركَة الرياض للنشر والتوزيع
ص. ب: ٣٣٦٢٠ - الرياض: ١١٤٥٨ - هَاتف: ٤٥٩٤٧٧٩
стр. 923
مقدمة التحقيق
وتشمل:
- خطة التحقيق
- عملي في التحقيق
стр. 924
خطة التحقيق ...
إِليك أيها القارئ الكريم طريقة العمل الذي سرت عليه في تحقيقي للقسم الأخير من كتاب "القواعد" لتقي الدين الحصني ت ٨٢٩ هـ. أوجزها لك فيما يلي:
- قسمت البحث عمومًا إِلى مقدمة وتمهيد وقسمين أحدهما دراسي والآخر تحقيقي:
المقدمة وتشتمل على الأمور الآتية:
١ - الأسباب والدوافع التي حدت بي لاختيار هذا الكتاب للتحقيق والدراسة.
٢ - الصعوبات التي واجهتها في تحقيق المخطوطة.
٣ - عملي في التحقيق.
٤ - بيان للخطة التى سلكتها في تحقيقي لهذا الكتاب.
التمهيد:
وهو عبارة عن فكرة موجزة عن حياة المؤلف تشمل اسمه ونسبه وسيرته، ومشايخه ومذهبه في الأصول والفروع، وثروته العلمية وتلاميذه، وأعماله وأخيرًا وفاته.
القسم الأول: القسم الدراسي ويشتمل على العناصر الآتية: -
١ - توثيق نسبة الكتاب إِلى المؤلف.
٢ - قيمة الكتاب العلمية.
٣ - وصف المخطوطة التي قمت بالتحقيق بناء عليها نظرًا لكونها نسخة فريدة.
стр. 925
٤ - دراسة منهج المؤلف في القسم الذى قمت بتحقيقه.
وقد حذفت كثيرًا من عناصر المقدمة، وحذفت التمهيد والقسم الدراسي اكتفاء بما ذكره زميلي الدكتور عبد الرحمن في القسم الأول من هذا الكتاب.
القسم الثاني: القسم التحقيقي وقد سرت فيه على النحو التالي:
١ - قمت بإِخراج النص - محاولًا إِيصاله - إِلى ما أراد به مؤلفه وذلك عن طريق الاستعانة بالمصادر والمراجع التي خدمت موضوع الكتاب حسب الإمكان.
٢ - عزوت الآيات القرآنية، وذلك ببيان موضع الآيات من السور وكتابة الآية كما وردت في المصحف وبيان ذلك بالنسبة للمؤلف.
٣ - تخريج الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب، وعزوتها إلى مصادرها الأصلية - بقدر الإمكان - مع بيان كلام العلماء على الحديث وهذا غالبًا إِن كان خارج الصحيحين.
٤ - الترجمة للأعلام وتتضمن: اسم العلم ونسبه ومذهبه في الأصول والفروع - حسب الإمكان - وذكر بعض كتبه وثناء العلماء عليه وذلك باختصار.
٥ - التعريف بالكتب المخطوطة التي ورد ذكرها في الكتاب، والدلالة على مواضعها حسب الإمكان.
٦ - التنبيه على المصطلحات الأصولية والفقهية والتعريف بها وشرح الكلمات اللغوية وغيرها.
٧ - رد النصوص التي نقلها المؤلف عن بعض العلماء ممن سبقه إِلى أصولها والدلالة على مواضعها ما أمكن ذلك.
٨ - بذل الجهد في إِيضاح عبارة المؤلف مع التعليق والتكميل للمسائل التي أرى
стр. 926
أنها بحاجة إِلى ذلك.
٩ - وضع فهارس للآيات والأحاديث والآثار والأعلام والكتب والأماكن التي حواها الكتاب كما قمت بوضع فهرس للمصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في التحقيق وفهرس إجمالي للقواعد والفصول والمسائل والفوائد التي اشتمل عليها الجزء المحقق.
هذا وقد عدلت في الخطة التي قدمتها لقسم أصول الفقه والتي اعتمدها كطريقة عمل أسير عليها في التحقيق بقدر ضرورة البحث، وهو في الحقيقة تعديل شكلي وليس جوهريًا. ولم أخرج في عدولي هذا على المنهج العلمي فقد اشترطت لنفسي حينما قدمت للقسم الخطة واعتمدها حق الزيادة وحق النقص عند ضرورة ذلك والمؤمنون على شروطهم.
وتغييري هذا لبعض ما جاء في الخطة المقدمة للقسم اشتمل على جانبين جانب الإضافة المستجدة لما قدمته إِلى القسم، وجانب حذف مما قدمته. والله الموفق والهادى إلى سواء السبيل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين رسلام على المرسلين.
стр. 927
عملي في التحقيق
لا يفوتني في هذا المقام أن أبين أن هذا الكتاب اعتمد مؤلفه ﵀ اعتمادًا كليًا على قواعد صلاح الدين العلائي ت ٧٦١ هـ. بل يحق لي أن أعتبره مختصرًا لقواعد العلائي الموسومة "بالمجموع المذهب في قواعد المذهب" وعلى ضوء ما قررت واستقر عندي، فقد جعلت قواعد العلائي الآنفة الذكر بمثابة نسخة ثانية مساعدة للكتاب إِذ هي في الحقيقة أصله، واستعنت بها في إِيضاح عبارة المؤلف ومقصوده إِلى جانب المصادر والمراجع التي ذكرها المؤلف في كتابه هذا فهي في حقيقتها بمثابة أصول الكتاب.
ويمكن أن أوجز عملي في تحقيق هذا الكتاب فيما يلي: -
أولًا: حاولت جاهدًا إِخراج نص المؤلف في كتابه هذا بالصيغة التي كتبه عليها، أو قريبًا منها، وذلك عن طريق حصر أصول النص ومصادره، فقد جمعت المصادر التي أوردها المؤلف في كتابه هذا، وهي تسعة وثلاثون مصدرًا ومرجعًا. واستعنت بما كتب في عصر المؤلف أو قريبًا منه في الفن الذى كتب فيه المؤلف، ومن ذلك قواعد العلائي السابقة الذكر والأشباه والنظائر لابن الوكيل ت ٧١٦ هـ. والأشباه والنظائر لتاج الدين عبد الوهاب بن السبكي ت ٧٧٢ هـ. والأشباه والنظائر لابن الملقن، فكل هذه الكتب ألفت في قواعد الفقه الشافعي على تفاوت بينها في العرض والمحتوى. وكذلك كتب تخريج الفروع على الأصول التي كتبت في المذهب الشافعي ككتاب "تخريج الفروع على الأصول" للزنجاني وكتاب "التمهيد في تخريج الفروع على الأصول" للإِسنوى. كما استعنت بما كتب في هذا المجال من غير كتب الشافعية كالقواعد والفوائد الأصولية للبعلي الحنبلي، ومفتاح الوصول في بناء الفروع على الأصول للتِّلمْساني المالكي.
стр. 928
ثانيًا: قمت بتوثيق نص المؤلف فوثقت القواعد والفصول والفوائد والمسائل والمباحث والفروع والأقوال التي نقلها عن العلماء وأرجعت - ما استطعت إِلى ذلك سبيلًا - كل نص إِلى أصله ومصدره الأول سواء كان نقله هذا بواسطة أم مباشرة.
فبالنسبة للقواعد الأصولية وثقت القاعدة من الكتب المعتبرة عند أهل الأصول في جميع المذاهب الأربعة، فآتي بكتاب أو كتابين من كل مذهب.
وهذا توثيق عام للقاعدة، ثم أنتقل للأقوال التي نقلها المؤلف وأسندها إِلى علماء معينين فأقوم بتوثيقها من أمهات كتبهم إِن تيسر لي ذلك، وإلا وثقت ذلك عنهم بواسطة من نقل عنهم كأقوال الباقلاني مثلًا. ثم آتي للفروع التي خرجها المؤلف على القاعدة فأوثقها توثيقًا عامًا من الكتب التي كتبت في هذا الفن مثل "التمهيد" للإِسنوي وتخريج الفروع على الأصول "للزنجاني"، "والقواعد والفوائد الأصولية" للبعلي، "ومفتاح الوصول في بناء الفروع على الأصول" للتِّلمْساني وغيرها مما وجدت.
ثم آتي للفروع نفسها فأوثق كل فرع على حدة من أمهات الفقه الشافعي من الكتب المطبوعة والمخطوطة، وإذا كانت الفروع متشابهة ووردت في مواضع متقاربة عند فقهاء الشافعية، إِذ قد تكون الفروع التي سردها المؤلف من باب واحد عند فقهاء الشافعية، فأقول انظر هذا الفرع وما بعده في كذا. ثم آتي إِلى النصوص التي نقلها المؤلف عن علماء مذهبه في الفرع المخرج فأوثقها من كتب من نقل عنهم غالبًا، وربما وثقتها بواسطة من نقل عنهم. وذلك عند عدم وجود كتاب من نَقَلَ المؤلف عنهم. ولعلي أعتذر في عملي هذا بعدم توفر تلك الكتب، إِذ أكثر المصادر التي اعتمد عليها المؤلف في نقوله عن علماء مذهبه لا زال مخطوطًا، بل ربما لم يتوافر كاملًا في مكتبة من المكتبات مما جعل الأمر صعبًا، وجعلني ألجأ إِلى التوثيق بالواسطة بل إِن من الأقوال التي نقلها المؤلف ما نقله هو أيضًا بواسطة وهذا شبه دليل على أن الكتاب قد فقد منذ زمن طويل لا سيما كتب متقدمي العراقيين في الفقه الشافعي الذين ألفوا كتبهم قبل
стр. 929
حادثة التتار في بغداد عام ٦٥٦ هـ.
هذا بالنسبة لتوثيق النص، أما عن التعليق والتكميل فقد قمت بالتعليق على ما رأيت أنه بحاجة إِلى تعليق سواء كان من جهة موافقة النص لما عليه فقهاء الشافعية أم بالنسبة لصحته عمن نقل المؤلف عنهم. . راجع قاعدة الأمر بعد الحظر، أم كان من جهت بيان ما رأيت أنه غامض قد لا يفهم إلَّا بتدبر طويل ونظر واسع ودراسة لأصول النص. وقمت بتكميل ما رأيت أنه بحاجة إلى تكميل وذلك مثل أن يذكر المؤلف خلافًا في فرع من الفروع التي يخرجها فيقول: فيه خلاف والراجح كذا أو يقول فيه أوجه ثانيها كذا، أو فيه أقوال ثالثها كذا، فأقوم غالبًا بسرد هذه الأقوال أو الأوجه وذكر ما أغفل المؤلف ذكره.
وليس إِغفال المؤلف لذلك قصورًا منه وإنما لأن موضوعه غير هذا، فليس كتابه هذا كتاب فروع متخصصًا مثل كتب الفروع المتخصصة.
هذا بالنسبة للتوثيق والتعليق والتكميل، أما من جهة المصطلحات التي وردت في الكتاب سواء كانت أصولية أم فقهية أم لغوية فقد عرفت بأغلبها - أعرف باللفظ عند أصحابه، وقد أعرف بالمصطلح الواحد في أكثر من موضع وقد وضعت رقم الصفحة التي عرفت فيها بهذا المصطلح بين قوسين (٥) راجع فهرس المصطلحات. فقد حاولت التعريف بما رأيت أنه غامض بالنسبة لما عهده الناس اليوم، أو كان لبيانه أهمية من حيث إِن فهم النص يتوقف على ذلك كان يترتب على التعريف به فائدة إِما من جهة القاريء نفسه أو من جهة ما يتوقف عليه من قصد المؤلف ومراده، وما ليس كذلك قد لا أعرف به، وقد لا أعرف حتى بما لعله يعتبر غامضًا، وذلك لأن الأمر مبني على وجهة نظري.
أما عن الأعلام الواردة في النص فقمت بترجمة كل علم فبينت اسمه ونسبه ومذهبه في الأصول والفروع - حسب الإِمكان - وتاريخ وفاته وذكر بعض مؤلفاته
стр. 930
ووثقت ذلك من المصادر المعتمدة في التراجم ككتب الطبقات أو الكتب التاريخية التي تعتني بموضوع ترجمة الأعلام.
وقمت بتتبع العلم فسجلت كل صفحة ورد فيها ذكره، ووضعت رقم الصفحة التي ترجمت له فيها بين قوسين (). راجع فهرس الأعلام. وقد أترجم للعلم في أكثر من موضع - وهذا قليل - وفي هذا المقام لا يفوتني أن أبين أن المؤلف درج غالبًا على ذكر الكنية أو اللقب فقط للأعلام التي أوردها. والكنية واللقب في كثير من الأعلام لا تعطي صورة واضحة عن ذات الشخص المراد. وذلك لأنه قد يشترك في هذه الكنية أو ذلك اللقب أكثر من شخص فعمدت إِلى الكتب التي نقلت عنهم في ذلك المقام، وذلك لتحديد الشخص المقصود بالذكر، فأجد بعض من نقل عنه يحدد ذلك إِما بذكر كتاب للشخص فيقول مثلًا: قال المحاملي في كتاب اللباب، فأترجم للمحاملي الذي أطلقه المؤلف على أساس أنه المحاملي صاحب اللباب أو بذكر أي قيد آخر: وبالنسبة للفهرسة فقد رتبت الأعلام على الحروف الهجائية ولم أعتبر في هذا الترتيب "ال" التعريف ولا الكنى ولا الألقاب. فمثلًا ابن أم مكتوم ذكرته في حرف الميم مثلًا ابن أبي هريرة ذكرته في حرف الهاء وكذا مثلًا المحاملي ذكرته في حرف الميم وهكذا. وكذا أيضًا بالنسبة للمصطلحات. أما بالنسبة للآيات والأحاديث فقد اعتبرت أل التعريف لأنها من أصل الكلمة.
كما عمدت في ذلك إِلى كتب التراجم فمثلًا المؤلف ينقل عن شخص فيذكر لقبه فقط فأذهب لكتب التراجم فأجد ذلك النص الذى نقله المؤلف في ترجمة ذلك الشخص فأحدد أن مراد المؤلف هو هذا الشخص وهكذا. فلم أترجم لعلم إلَّا بعد أن استقر عندى أنه هو مراد المؤلف. وما لم أتيقن من أنه المقصود أقول لعله فلان وأترجم له على هذا الأساس.
بالنسبة للأحاديث التي وردت في النص قد يذكر المؤلف نص الحديث، وقد يقول
стр. 931
لحديث ورد في ذلك أو للأحاديث أو قد فعله رسول الله ﷺ أو أمر به وهكذا. فما أورد نصه قمت بتخريجه من أمهات كتب الحديث كصحيحي البخاري ومسلم، وكتب السنن وغيرها وحاولت أن أجمع رواياته وبينت الراوي للحديث - غالبًا - وقد أذكر السند وأحيل عليه وقد لا أذكره وأكتفي بذكر الراوي فإِن اتفقت كتب الحديث على الراوى ذكرته أولًا وأحلت عليه، وإلا أوردت الراوي عند كل واحد.
وبالنسبة لتلك التي لم يورد المؤلف نصها أرجع في تحديد مراد المؤلف منها إِلى الكتب التي تحدثت عن المسألة التي أوردها المؤلف وأشار أن فيها حديثًا، بل إِن المؤلف ينقل المسألة ذاتها من كتب مذهبه فأذهب معتمدًا على تلك الكتب التي ذكرت المسألة لأقف على نص الحديث الذي أشار إِليه المؤلف ولم يورد نصه وبعد وقوفي عليه أقوم بكتابة نص الحديث أو بعضًا منه وأخرجه كما سبق.
وقد أعتبر الحديث بحسب موضوع المسألة فمثلًا في مسألة الطيب في البدن قبل الإِحرام قال المؤلف بعد ذكره لهذه المسألة وقد فعله رسول الله ﷺ فاعتبرت ذلك بما ورد من أحاديث في هذا الباب وخرجت بعضًا منها. وقد صنعت في فهرستها مثل ما صنعت في الأعلام والمصطلحات.
أما بالنسبة للآيات الواردة فى النص فقد قمت بعزوها إِلى السورة ورقمتها حسب ترقيمها في المصحف. وبالنسبة للكتب التي وردت في المخطوطة، فقد ذكر المؤلف في كتابه هذا تسعة وثلاثين كتابًا ما بين مخطوط ومطبوع، أما المخطوط منها فقد عرفت به وبينت ما إِذا كان شرحًا لكتاب سبقه أو مختصرًا له، وذكرت اسم مؤلفه ودللت على مكان وجوده - حسب ما تيسر لي - وبينت مزيته بذكر ثناء العلماء عليه، وغالب ما ذكره المؤلف من كتب في كتابه هي من كتب الفقه الشافعي، ولم يخرج عن كتب الفقه الشافعي إِلا في كتب الحديث، فقد ذكر خمسة كتب من كتب الحديث كلها مطبوعة.
стр. 932
وكنت قد وعدت بتعريف جميع الكتب الواردة في النص سواء منها ما هو مخطوط أم مطبوع، ولكني عدلت عن ذلك فلم أعرف بالمطبوع منها، وذلك لأنها مطبوعة متداولة، وقد بينت في فهرس المصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في التحقيق طبعاتها. فرأيت أن التعريف بها لا يضيف شيئًا فعدلت عن ذلك، وكنت قد جمعت من المعلومات عنها ما يقارب نصفها ولا زلت أحتفظ به.
وقد صنعت في فهرستها على نحو ما سبق في الأعلام والمصطلحات. أما عن المصادر والمراجع التي أعتمدتُ عليها في التحقيق فهي متنوعة، بحسب تنوع نص المؤلف وهي في مجموعها تتكون من مصادر في أصول الفقه وأخرى في الفقه بمذاهبه الأربعة وغير ذلك من كتب الفقه الأخرى، وثالثة في الحديث وما يتعلق به، ورابعة في التراجم والطبقات، وخامسة في التفسير، وسادسة في اللغة وهي تتكون من معاجم لغوية وكتب في النحو. وقد بينت في داخل المخطوطة الكتاب والجزء والصفحة أو الصفحات التي أخذت منها، ولم أبين الطبعة وإنما اكتفيت بذكرها عند سرد الكتب التي اعتمدت عليها في التحقيق في الفهرس، إِلا إِذا كان الكتاب ذا طبعات متعددة فإِني أشير إِلى الطبعة التي نقلت منها داخل البحث. والموضوع الذي لم أشر فيه للطبعة فقد جريت فيه على المعتاد وهو أنه من الطبعة المذكورة في الفهرس.
أما الكتاب المخطوط فقد أشير لمكانه ورقم إِيداعه داخل البحث في موضع أو موضعين، وقد لا أشير اعتمادًا على أنني قد ذكرتها في فهرس المصادر التي اعتمدت عليها في التحقيق وقد يكون للكتاب أكثر من رقم إِيداع، وقد يكون في أكثر من مكان فأثبت ذلك كله في الفهرس.
هذا هو ملخص جهدي المتواضع في هذا البحث أقدمه أولًا وقبل كل شيء إِلى أساتذتي الفضلاء راجيًا منهم أن يتفضلوا مشكورين بإِبداء ما يرونه من نصح وتوجيه
стр. 933
وإرشاد وتصويب بما يعود على البحث بالنفع لي خاصة ولمن يقرأه أو ينظر فيه عامة.
وهذا مبلغ ما وصلت إليه في هذا البحث، فإِن يكن قد وفقت فيه إلى بلوغ الصواب - وهو ما أرجوه - فذلك من فضل الله وكرمه، وإن كان الآخر فهو مبني ومن الشيطان ولا ألوم إلَّا نفسي.
هذا ولا يفوتني في هذا المقام عرفانًا للجميل وامتثالًا لأمر رسولنا ﷺ في الدعاء والثناء على من قدم إِلى الشخص جميلًا، أتقدم بالشكر الجزيل والثناء العظيم لكل من أسهم وساعدني فى إِخراج هذا البحث على هذه الصورة وفى مقدمة هؤلاء فضيلة أستاذى الأستاذ الدكتور: الطيب الخضري ابن السيد سالم ﵀ الذى كان أستاذًا بقسم أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الذي تفضل - مشكورًا - بقبول الإِشراف على رسالتي هذه ومنحني كل عطف وحب ووقف بجانبي الوقفات المشرفة التي جعلتني أصل بهذا البحث إِلى هذه الصورة. ولله الحمد أولًا وآخرًا.
بقلم الباحث
جبريل بن محمد بن حسن البصيلي
стр. 934
النَّص المُحَقَّق
стр. 935
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
متعلَّق الأمر والنهي (١)
قاعدة (٢) في متعلَّق الأمر (٣) والنهي (٤):
وهما إِما أن يتعلقا بمعين لا يتجزأ، أو بمعين يتجزأ، أو بمطلق، أو بعام فهذه أربعة أقسام:
الأول: أن يتعلقا بمعين لا يتجزأ، فلا يخرج المكلف عن العهدة في الأمر إِلا بإِتيان جميعه، ولا عن العهدة في النهي إِلا باجتنابه.
стр. 936
الثاني: أن يتعلقا بمعين يتجزأ ففي الأمر لا يخرج عن العهدة إِلا بالإِتيان به (١) وفي النهي (٢) يكفي جزء إِلَّا أن يدل دليل على إِرادة الكل، كما لو قال السيد لعبده أعط زيدًا عشرة لا يخرج عن العهدة إِلَّا بآخره (٣) ولو قال (٤) لا تعطه عشرة فأعطاه تسعة لا يكون عاصيًا لأن الماهية (٥) المركبة تنعدم بانعدام جزء من أجزائها.
الثالث: أن يتعلقا بمطلق وهو المتناول لواحد لا بعينه (٦) ففي الأمر يخرج عن
стр. 937
العهدة بأي فرد فعله ما لم يقم دليل على (تقييد) (١) ذلك بصفة خاصة مثل: "رقبة (٢) مؤمنة (٣) " وأما النهي: إِذا قال لا تعتق رقبة فإِنه لا يخرج عن العهدة بترك عتق رقبة واحدة بل لا بد من ترك جميع ما يصدق عليه ذلك الاسم لأن المطلق في جانب النهي يعم مثل عموم لا رجل في الدار (٤).
الرابع: أن يتعلقا بعام عموم الشمول (٥) كقوله: أكرم العلماء ولا تكرم الجهال، ومن دخل داري فأكرمه ومن لم يدخل فلا تعطه شيئًا وهو كالقسم الأول في أن المكلف لا يخرج عن (العهدة) (٦)، إِلا بالإِتيان بالجميع أو الانتهاء عن الجميع إِلا أن يدل دليل يقتضي خروج البعض فيتخصص (٧) به سواء كان متصلًا أو منفصلًا.
стр. 938
الأمر بعد الحظر (١)
قاعدة: (٢)
الأمر الوارد بالفعل بعد تحريمه (٣) اختلفوا فيه، فقيل هو على مقتضى صيغته من
стр. 939
الوجوب (١). أو الندب (٢) وكونه بعد الحظر (٣) لا أثر له وهذا (٤) اختيار الرازي وأتباعه (٥) وقيل هو للإِباحة، ووروده بعد الحظر قرينة تصرفه إِلى الإِباحة ونقله (٦)
стр. 940
التلمساني (١) والأصفهاني (٢) عن الشافعي (٣) وحكاه ابن بَرْهان (٤) عن أكثر الفقهاء،
стр. 941
واختاره ابن الحاجب (١) وتوقف الإمام (٢) والآمدى (٣).
стр. 942
ويتخرج (١) على الخلاف مسائل منها: - الحلق (٢) في الحج والعمرة وفيه قولان أصحهما أنه نسك فرض لا بد منه، ويتوقف عليه الحِل، والثاني أنه استباحة محظور قال (النووي) (٣) يعني ليس بنسك وإنما هو شيء أبيح بعد أن كان حرامًا كالطيب واللباس، ولا يتعلق به التحلل ولا ثواب فيه.
قلت: (٤) ولم أر من صرح باستحبابه مع طلبه من رسول الله ﷺ في قوله: يرحم اللة المحلقين ثلاثًا (٥).
стр. 943
ومنها الطيب (١) في البدن عند إِرادة الإِحرام بما يبقى بعده، وقد ثبت أن النبي ﷺ فعله (٢).
والصحيح (٣) أنه مستحب، وقيل مباح، وقيل حرام على النساء فقط، والخلاف في الرجال، وفي وجه يحرم على الرجال أيضًا قال النووى (٤): وليس بشيء، والصواب الاستحباب مطلقًا وهو المنصوص في كتب الشافعي (٥).
стр. 944
ومنها: النظر إلى المخطوبة، وقد ثبت الأمر به (١) وفيه وجهان أصحهما أنه مستحب والثاني مباح (٢) وفي حديث (٣) أنه ﵊ قال: "فلا بأس أن ينظر إِليها" وهذا يرجح أن الأمر في الحديث (٤) الآخر للإباحة.
ومنها: الأبراد بالظهر في شدة الحر وقد ثبت الأمر به (٥)
стр. 945
والصحيح (١) أنه سنة وفيل مباح رخصة (٢) فلو (تكلف) (٣) المشقة وصلى في أول (الوقت) (٤). كان أفضل.
ومنها: إِذا سبق المأموم الإمام إِلى ركن مثل أن جلس الإمام للتشهد الأول وانتصب المأموم قائمًا ففيه خلافٌ (٥) حاصله ثلاثة (٦) أوجه أصحها (٧) يجب الرجوع إِلى متابعة الإِمام والثاني يجوز ولا يجب. والثالث يحرم عليه العود.
стр. 946
ومنها: جلسة الاستراحة والأصح أنها سنة، ومنهم (١) من قطع به، وقال (٢) أبو إِسحاق المروزي: إِن كان المصلي ضعيفًا لمرضٍ أو كِبَرٍ استحب له، وإلا فلا. واتفقوا على أنه لا تَبْطل الصلاة (إِلا) (٣) أن تطول جدًا فمن لم يقل باستحبابها تكون عنده مباحة والأولى أن لا يفعلها.
ومنها: قتل الأسوديين الحية والعقرب في الصلاة وقد ورد الأمر (٤) به مع أن الأفعال المنافية للصلاة محرمة، وإن كان قليلاً فمكروه. قال النووى (٥) إِلا في مواضع وذكر منها: أن يكون مندوبًا إِليه كقتل الحية والعقرب ونحوهما. وكانه أراد (٦) أنه
стр. 947
مندوب (*) إِليه في الجملة لا في نفس الصلاة، ولا يبعد تخريجه في الصلاة على الخلاف.
وقد ذكروا (١) فيما إِذا فاتته راتبة أو نافلة اتخذها وِردًا فقضاها في أحد الأوقات التي تحرم فيها الصلاة، أنه هل له (المداومة) (٢) على مثل ذلك؟.
كما فعل (٣) ﵊ في الركعتين بعد العصر وجهين أحدهما: نعم اتباعًا لفعله ﵊ وأصحهما لا وتلك الصلاة من خصائصه ﵊، وعلى هذا فتعود إِلى حالتها من الكراهة ولا يجيء فيه التردد بين الاستحباب
стр. 948
والإباحة واتفق الأصحاب على أن المسح (١) على الخف رخصة، وأن غَسْل الرجل أفضل بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن السنة، مع أنه ثبت الأمر به في عدة أحاديث (٢) ولم أر من قال منهم بأنه مستحب وهو رواية عن الإمام أحمد (٣) وفي أخرى (٤) هما سواء واختاره (٥)، ابن المنذر من أصحابنا والله أعلم.
* * *
стр. 949
إِذا علق الأمر على شرط هل يقتضي التكرار ؟ (١)
قاعدة: (٢) إِذا علق الأمر على شرط هل يقتضي التكرار بتكرار ذلك الشرط أم لا. .؟
اختلفوا فيه على القول بأن مطلق الأمر لا يفيد التكرار وهو الصحيح (٣) والختار التفصيل (٤) وهو أنه إِن كان الشرط مناسبًا لترتب الحكم عليه بحيث يكون علةً له كقوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥) ونحوه (٦) فإِنه يتكرر بتكرره
стр. 950
للاتفاق (١) على أن الحكم المعلل بعلة يتكرر بتكررها، وإن لم يكن كذلك فلا يقتضي التكرار إِلا بدليل من خارج (٢).
وهذا في الأدلة الشرعية، وأما في تصرفات (٣) المكلَّفين فلا يقتضي تكرارًا بمجرده وإن كان علة. فإِنه لو قال: أعتق غانمًا لسواده وله عبيد سود لم يعتقوا قطعًا والشرط أولى كقوله: إِن دخلت الدار فأنت طالق، أو إِذا دخلت أو أي حين ونحوه (٤) فإذا دخلت مرة وقع المعلق عليه وانحلت اليمين. ولا يتكرر ذلك إِلا في كلما؛ لأنها بوضعها تقتضي التكرار لا بالتعليق (٥).