← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الإسلام في هذا النص الوارد في الإبانة، والذى هو أحد الأدلة للذين يقولون برجوع الأشعري عن مذهب ابن كلاب الى قول أهل السنة. ٤- وذكر ابن القيم الأقوال في كلام الله ومنها قول الأشعري فقال:" المذهب الخامس: مذهب الأشعري ومن وافقه: انه معنى واحد، قائم بذات الرب، وهو صفة قديمة أزلية، ليس بحرف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا له أبعاض، ولا له أجزاء..... (١) . ٥- وهناك كلام مهم لشيخ الإسلام ابن تيمية حول الابانة، ومن اعتقد مافيه، فإنه قال:"فأما من قال منهم بكتاب الابانة الذى صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب الى الأشعري بدعة، لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب شر" (٢) ، وقد قال ذلك لبيان أن الأشعرية حين يصفهم بعض علماء السنة بأنهم جهمية إنما يقصدون نفاة الصفات الخبرية، أما من قال بالإبانة ولم يظهر مقالة تناقض مافيها فليس بأشعري، ويلاحظ هنا ما يلي: أ- أن كلام ابن تيمية هنا حول الصفات الخبرية التي أولها متأخرو الأشعرية وليس الكلام عن كلام الله الذي كرر شيخ الإسلام ان الاشعرى متبع فيه لابن كلاب. ب- أنه قال هنا:"ولم يظهر مقالة تناقض ذلك"، ولا شك أن للأشعري أقوالا في مسألة الكلام تخالف مذهب السلف، فهل يرى شيخ الإسلام أن على الأشعري أن يعلن في الابانة- أو غيرهـ براءته من أقواله الأخري التي وافق فيها ابن كلاب؟. ج- وشيخ الإسلام لا يجعل أقوال الأشعري كلها بمنزلة واحدة في قربه

стр. 387

من مذهب السلف، فهو يرى أنه لما قدم بغداد أخذ أمورا أخرى من مذهب أهل السنة غير التي أخذها في البصرة، يقول:"والأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي، ومال الى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلبة بغداد أمورا أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم" (١) . فمنزلة الإبانة- عند شيخ الإسلام- ليست كمنزلة كتبه التي ألفها قبل قدومه إلى بغداد. د- والدليل على أن شيخ الإسلام قصد من قوله: من قال بالإبانة فليس بأشعرى- لأثبات الصفات الخبرية- أن في إلإبانة أقوالا في بعض المسائل، لا توافق مذهب السلف ومنها مسألة الإستطاعة فإن الأشعري قال:"وان أحدا لا يستطع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله" (٢) ، وكذلك مسألة القدرة فإنه ذكر أن الكافرين غير قادرين على الإيمان وقال:"ووجب أن يكون الله تعالى اختص بالقدرة على الإيمان للمؤمنين" (٣) وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات:٥٦] قال "إن الله تعالى إنما عنى المؤمنين دون الكافرين " (٤) ، وهذا بناء على أصل قوله في القدرة والتعليل. هـ- وأن تيمية كتب كتبه وقد اطلع على ما وصل اليه من كتب الأشعري ومنها المقالات، والإبانة، واللمع، ورسالته الى أهل الثغر، ولم يذكر في موضع أن الأشعري ترك طريقة ابن كلاب، بل كثيرا ما يمتدح ابن كلاب ويذكر أنه اكثر أثباتا واتباعا للسنة من الأشعري، وكتاب الإبانة نقل عنه كثيرا خاصة في كتبه التي رد فيها على أشاعرة عصره الذين خالفوا الأشعري في كثير من أقواله.

стр. 388

ومما سبق يمكن أن نستخلص أدلة من يرى أنه بقى على كلابيته فيما يلي: ا- أن الأشعري لم يذكر في الإبانة رجوعه عن مذهب ابن كلاب، وأن عباراته المتعلقة بمسألة القرآن وكلام الله ركزعلى الرد على المعتزلة القائلين بخلق القرآن، ولو كان يعتقد بطلان مقالة ابن كلاب- التي اتبعها- لرد عليها، وأبطلها، فدل ذلك على أن عباراته الموافقة لمذهب أهل السنة لا تعارض ما يعتقده من مذهب ابن كلاب. ٢- أن الأشعري لو كان رجوعه كاملا إلى مذهب السلف لما شنع عليه بعض علماء أهل السنة وأنكروا بعض أقواله. الترجيح: قد يكون من الصعب على الإنسان الترجيح في هذه المسألة، خاصة وأن علماء أفاضل قالوا فيها بقولهم وأدلوا برأيهم، فالفصل بينهم- مع قصر الباع وضعف القدرة- أمر شديد على النفس، ولكن لما كان الأمر لا بد فيه من ترجيح رأيت أن أدلي بدلوي في ذلك، والله الموفق. ومنهج الترجيح قائم على تتبع كلام الأشعري في الإبانة، ومقارنته ببعض كتبه التي صرح فيها بما يوافق قول ابن كلاب ومن خلال المقارنه يتبين هل بقى كلابيا أم أنه رجع عن ذلك الى مذهب السلف؟: ومن المعلوم أن مذهب ابن كلاب القول بأن كلام الله أزلي، ومنع أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء، فعندهم لا يجوز أن يقال: إن الله إذا شاء تكلم وإذا شاء لم يتكلم، كما أنه إذا شاء خلق، وإذا شاء لم يخلق لأن هذا يلزم منهـ على زعمهم- حلول الحوادث بذات الله تعالى، والله تعالى ليس محلا للحوادث، وحتى يفروا من هذا قالوا بأزلية الصفات، ولم يفرقوا بين صفات الذات كالعلم والحياة والقدرة، وصفات الفعل كالكلام والرضا والغضب، ومع هذا فهم يقولون إن القرآن كلام الله غر مخلوق، ويثبتون الصفات الواردة، وقد لا ينتبه الى حقيقة مذهبهم الا من استفصل في ذلك. ولذلك جرت

стр. 389

قصة ابن خزيمة- إمام الأئمة- مع جماعة من كبار أصحابه (١) لما نمى إلى علمه أنهم مع إثباتهم للصفات يقولون بقول ابن كلاب، فجرت لهم معه محنة طويلة استتيبوا ورجعوا، ولهذا قال ابن خزيمة عنهم:" من زعم هؤلاء الجهلة أن الله لا يكرر الكلام، فلاهم يفهمون كتاب الله، إن الله قد أخبر في مواضع أنه خلق آدم، وكرر ذكر موسى، وحمد نفسه في مواضع، وكرر ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن] ، ولم أتوهم أن مسلما يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين وهذا قول من زعم أن كلام الله مخلوق، ويتوهم أنه لا يجوز أن يقول: خلق الله شيئا واحدا مرتين" (٢) . ولما اجتمعوا لمصالحة ابن خزيمة " فقال له أبو علي الثقفي: ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم الى مذهب الكلابية، فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله ابن سعيد بن كلاب، وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره، حتى طال الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب، فقلت: قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق، فأخرجت إليه الطبق، فأخذه وما زال يتأمله وينظر فيه، ثم قال: لست أرى هاهنا شيئا لا أقول به، فسألته أن يكتب عليه خطه ان ذلك مذهبه، فكتب آخر تلك الأحرف، فقلت لأبي عمرو الجيري: احتفظ أنت بهذا الخط حتى ينقطع الكلام، ولا يتهم واحدا منا بالزيادة فيه، ثم تفرقنا، فما كان بأسرع من أن فصده أبو فلان وفلان وقالا: ان الأستاذ لم يتأمل ماكتب في ذلك الخط، وقد غدروا بك وغيروا صورة الحال، فقبل منهم، فبعث إلى أبي عمرو الجيري لاسترجاع خطه منه، فامتنع عليه أبو عمرو، ولم يرده حتى مات ابن خزيمة، وقد أوصيت أن يدفن معي، فأحاجه بين يدي الله تعالى فيه" (٣) . وقد أورد الذهبي جزءا من هذا الاعتقاد الذى كتبوه وفيه: " القرآن كلام الله تعالى، وصفة من صفات ذاته، ليس شيء من كلامه مخلوقا،

стр. 390

ولا مفعولا ولا محدثا (١) ، فمن زعم أن شيئا منه مخلوق أو محدث، أو زعم أن الكلام من صفة الفعل فهو جهمي ضال مبتدع، وأقول: لم يزل الله متكلما، والكلام له صفة ذات، ومن زعم أن الله لم يتكلم إلا مرة، ولم يتكلم إلا ما تكلم به، ثم انقضى كلامه، كفر بالله...." (٢) . وهذا الكلام موافق لمذهب الكلابية، فقد جعل الكلام صفة ذات، وليس صفة فعل، وجعله أزليا، ثم ذكر كفر من زعم أن الله لم يتكلم إلا مرة ولم يتكلم إلا ما تكلم به وهذا حق، لكن قوله بعد ذلك ثم انقضى كلامه كفر بالله يدل على أنه يقصد أن كلام الله لازم لذاته كالعلم، وهذا قول الكلابية الذين يقولون لو قلنا إنه يتكلم بكلام بعد كلام لحلت فيه الحوادث والتغير وهذا محال على الله. بعد هذا الاستطراد نذكر عبارات الأشعري وكلامه في الإبانة لننظر هل فيه ما يوافق مذهب ابن كلاب ام لا؟: ا- يقول في باب: أن القرآن كلام الله غير مخلوق: " فلما كان الله لم يزل عالما، إذ لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفا، استحال أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفا، لأن خلاف الكلام الذي لا يكون معه كلام سكوت أو آفة، كما أن خلاف العلم الذى لا يكون معه علم جهل أو شك أو آفة، ويستحيل أن يوصف ربنا جل وعلا بخلاف العلم، وكذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات، فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلما، كما وجب أن يكون لم يزل عالما " (٣) . ويلاحظ في هذا النص أن الأشعري جعل كلام الله أزليا (٤) كما أن علم الله أزلي، ثم ذكر أنه يستحيل أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفا،

стр. 391

وخلاف الكلام يفسره بأنه سكوت أو آفة، وهذا واضح الدلالة أنه قصد أن الله لا يتكلم بكلام بعد كلام، بل كلامه كله قديم أزلى، ثم وضح ذلك بقوله:" فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلما كما وجب أن يكون لم يزل عالما"، ويمكن أن يقارن بكلام له مشابه في كتابه اللمع- الذى سبق أن نقلنا منه نصوصا عديدة تدل على سيره على مذهب ابن كلاب- يقول في كتابه هذا: "ومما يدل من القياس على أن الله تعالى لم يزل متكلما انه لو كان لم يزل غير متكلم - وهو ممن لا يستحيل عليه الكلام- لكان موصوفا بضد من أضداد الكلام من السكوت أو الآفة" (١) . ٢- ويقول في الإبانة في الأدلة على كلام الله وأنه غير مخلوق: "دليل آخر: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ [الكهف:١٠٩] ، فلو كانت البحار مدادا لكتبه لنفذت البحار، وتكسرت الأقلام، ولم يلحق الفناء كلمات ربي، كما لا يلحق الفناء علم الله تعالى، ومن فني كلامه لحقته الآفات، وجرى عليه السكوت، فلما لم يجز ذلك على ربنا سبحانه صح أنه لم يزل متكلما، لأنه لو لم يكن متكلما وجب السكوت والآفات، تعالى ربنا عن قول الجهمية علوا كبيرا" (٢) ، فقد ربط الكلام بالعلم في كونه صفة أزلية قائمة بذات الله أزلا وأبدا، وكلمات الله لا نهاية لها كما دلت على ذلك هذه الآية وغيرها، لكنها لا تدل على أن الله لا يتكلم بكلام بعد كلام اذا شاء متى شاء، وأنه كلم موسى بعد أن لم يكن مكلما له، والأشعري جعل ضد الكلام السكوت وهذا يوحي بأنه يمنع من ذلك. ٣- والأشعري يقول ان ارادة الله أزلية، ولا يجعلها من صفات الأفعال بأنه يريد في وقت دون وقت، ويقرن الإرادة بالكلام في هذا الباب كما يربطهما جميعا بالعلم، فكما أن علم الله صفة لذاته وأنه أزلي وأنه لا يجوز أن يقال علم

стр. 392

بعد أن لم يكن عالما لأنه يدل على وصف الله بالنقص، فكذلك الإرادة والكلام، يقول في الإبانة:"يقال لهم [أي للمعتزلة،: ألستم تزعمون أن الله تعالى لم يزل عالما؟ فمن قولهم: نعم، قيل لهم: فلم لا؟ قلتم: إن ما لم يزل عالما انه يكون في وقت من الأوقات لم يزل مريدا أن يكون في ذلك الوقت، وما لم يزل عالما انه لا يكون فلم يزل مريدا أن لا يكون، وانه لم يزل مريدا أن يكون ما علم كما علم؟ " (١) . ثم قال:"فإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثا، لأن من لم يكن عالما ثم علم لحقه النقصان، قيل لهم: ولا يجوز أن تكون ارادة الله محدثة مخلوقة، لأن من لم يكن مريدا ثم أراد لحقه النقصان، وكما لا يجوز أن تكون إرادته تعالى محدثة مخلوقة كذلك لا يجوز أن يكون كلامه محدثا مخلوقا" (٢) ، وقد يتبادر إلى الذهن أنه قصد الرد على من قال بخلق القرآن - وهذا حق- لكنه قصد أيضا المنع من أن الله يتكلم بكلام بعد كلام بإرادته ومشيئته، وأن الله مريد إذا شاء، متي شاء وعلل ذلك بأنه يلزم منه أن يلحقه النقصان، وحتي يتضح كلامه هنا ننقل كلامه من رسالته إلى أهل الثغر- التي نص فيها في مواضع- بما يوافق ابن كلاب، فإنه بعد ذكره لقدم الصفات: الحياة، والعلم، والإرادة، والكلام، والقدرة، والسمع، والبصر، قال: " [وأجمعوا] على أن شيئا من هذه الصفات لا يصح أن يكون محدثا؟ إذ لو كان شي منها محدثا لكان تعالى قبل حدوثها موصوفا بضدها ولو كان كذلك يخرج عن الأهلية وصار إلى حكم المحدثين الذين يلحقهم النقص، ويختلف عليهم صفات الذم والمدح، وهذا يستحيل على الله، وإذا استحال ذلك عليه وجب أن يكون لم يزل بصفة الكمال، إذ كان لا يجوز عليه الانتقال من حال من الكمال" (٣) . والذى ينتقل من حال إلى حال ويفعل بمشيئته وقدرته، فيرضى عن هذا بعد أن لم يكن راضيا عنه، ويسخط على هذا بعد أن لم يكن ساخطا

стр. 393

عليه، ويريد أمراً بعد أن لم يكن مريدا له، ويكلم أحدا من البشر بعد أن لم يكن مكلما له، هذهـ عندهم- حوادث وتغيرات لا يجوز أن يتصف بها الله، لأن الحوادث لا تحل في ذاته. ٤- والرضا والغضب- عند الكلابية أزليان- ولذلك التزموا بالقول بالموافاة. ومقتضاها: أن الله " لم يزل راضيا عمن يعلم أنه يموت مؤمنا وإن كان أكثر عمره كافرا، ساخطا على من يعلم أنه يموت كافرا وإن كان أكثر عمره مؤمنا" (١) ، ومعناه أن لم يزل راضيا عن الصحابة، حتى وهم قبل إسلامهم يقاتلون المسلمين ويشركون بالله، ورضاه عنهم أزلي، وكذلك العكس، وهذا حتى لا يقول بتجدد الحوادث في ذاته تعالى إذا قيل إنه كان ساخطا على هذا ثم رضي عنه، يقول الأشعري في الإبانة:"ثم يقال لهم: اذا كان غضب الله غير مخلوق وكذلك رضاه وسخطه فلم لا؟ قلتم: إن كلامه غير مخلوق، ومن زعم أن غضب الله مخلوق لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنى، وأن رضاه عن الملائكة والنبيين يفني حتى لا يكون راضيا عن أوليائه ولا ساخطا على أعدائه، وهذا هو الخروج عن الإسلام" (٢) ، فقول الأشعري:" لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنى، هذا عنده خاص فيمن علم أنه يموت كافرا، أما الإنسان لو عاش سنين طويلة كافرا ثم أسلم ومات على إسلامه، فهذا- عند الأشعري- لا يجوز أن يقال إن الله كان ساخطا عليه في وقت كفره، ثم رضي عنه لما أسلم، وإنما يقال: ان الله لم يزل راضيا عنه حتى في حال كفره لأنه علم أنه يموت مؤمنا، وهذا بناء على أصله الكلابي. ٥- ولما كان من أدلة المعتزلة على قولهم أن القرآن مخلوق قوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه هم يلعبون﴾ [الأنبياء:٢] أجاب الأشعري عن هذه الآية بقوله: " الذكر الذى عناه الله ليس هو القرآن، بل هو كلام الرسول ﷺ ووعظه إياهم ... " (٣) ،

стр. 394

الذى دعاه إلى هذا التأويل البعيد خوفه من أن يوصف القرآن بأنه محدث، والحدوث: في اصطلاح أهل الكلام بمعنى الخلق، فالمحدث هو الخلوق، وهذا هو الذى فر منه الأشعري، لكن الحدوث في لغة العرب يكون بمعنى التجدد، فيسمون ما تجدد حادثا، وما تقدم على غيره قديما (١) ، فلماذا لم يفسر الأشعري هذه الآية بالمعنى الثاني وأن المقصود به القرآن؟ ولا يقتضي ذلك أن يكون مخلوقا، وقد بوب الإمام البخارى في صحيحه لذلك فقال:"باب قول الله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩] ، ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ [الأنبياء:٢] ، وقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ [الطلاق: ا] ، وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع العليم﴾ [الشورى:١١] ، وقال ابن مسعود عن النبي ﷺ : إن الله يحدث من أمره ما يشاء، لان مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة"، ثم ذكر البخارى أثرين عن ابن عباس في هذا، أحدهما قوله:"كيف تسألون أهل الكتاب عن كتبهم وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدا بالله، تقرأونه محضا لم يشب (٢) ... " (٣) ، وفي رواية أخرى لهذا الأثر "أحدث الأخبار بالله" (٤) ، وهذا بناء على قول أهل السنة: إن الله يتصف بالصفات الاختيارية، وأن كلامه متعلق بالمشيئة، وأن من صفات كمال تعالى أنه لم يزل متكلما اذا شاء، وهذا الذى قال به الامام أحمد والبخارى وغيرهما وردوا على الكلابية الذين ينكرون هذا (٥) . والظاهر أن تأويل الأشعري للآية ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾

стр. 395

اشتهر عند الأشاعرة الذين التزموا هذا الأصل، ولذلك ذكره ابن حجر العسقلاني- في شرحه لباب البخارى هذا - وذكر تأويلات أخرى مشابهة، وكل ذلك فرارا مما يدل عليه ظاهر الآية، بل نقل ردود العلماء وأقوالهم في أن اقول بان المقصود بالآية القرآن"يلزم منه أن يكون الله متكلما بكلام حادث فتحل فيه الحوادث" (١) . هذه أقوال الأشعري من كتابه الإبانة وهي بمجموعها دالة على أنه بقي على اتباعه لابن كلاب، وإن كان لم صرح بذلك كتصريحه في كتبه الأخرى، فهو في الإبانة- بلا شك- أكثر إثباتا واتباعا لأهل السنة، وبعدا عن كلام أهل البدع، خاصة وأنه رد على المعتزلة القائلين بخلق القرآن، كما رد على الكرامية الذين يقولون: إن الله لم يكن متكلما ثم تكلم، لكنه لم يرد على أقوال الكلابية الذين اشتهر في عهده إنكار السلف عليهم. وهذه الملحوظات التى ذكرناها- فيما نقلناه عن الإبانة- هي التي جعلت شيخ الإسلام يذكر أن الأشعري احتج في الإبانة وغيرها بمقدمات سلمها للمعتزلة. يقول شيخ الاسلام:" وهذا من الكلام الذي بقي على الأشعري من بقايا كلام المعتزلة، فإنه خالف المعتزلة لما رجع عن مذهبهم فى أصولهم التي اشهروا فيها بمخالفة أهل السنة كإثبات الصفات والرؤية، وأن القرآن غير مخلوق، وإثبات القدر، وغير ذلك من مقالات أهل السنة والحديث، وذكر في كتاب "المقالات" أنه يقول بما ذكره عن أهل السنة والحديث. وذكر فى الإبانة أنه يأتم بقول الإمام أحمد، قال:"فإنه الإمام الكامل والرئيس الفاضل، الذى أبان الله به الحق، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائفين، وشك الشاكين"، وقال:"فإن قال قائل قد انكرتم قول الجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة"، واحتج فى ضمن ذلك بمقدمات سلمها للمعتزلة، مثل هذا الكلام، فصارت المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام يقولون: إنه متناقض فى ذلك، وكذلك سائر أهل السنة والحديث يقولون: إن هذا تناقض، وإن هذه بقية بقيت عليه من كلام المعتزلة" (٢) .

стр. 396

بقي في أدلة الذين قالوا بوجوعه رجوعا كاملا إلى مذهب السلف دليلان - لابد من التعليق عليهما- أما بقية الأدلة فهي مجملة ومحتملة: الأول: تصريح الأشعري في الإبانة بأن كلام اللة مكتوب في اللوح المحفوظ في الحقيقة، متلو بالألسن في الحقيقة، محفوظ في الصدور في الحقيقة، وأن موسى- ﵊ سمع كلام الله، فهل هذا يدل على أنه لا يقول بقول ابن كلاب؟، لقد سبق في عرض أقوال ابن تيمية أنه يقول عن الكلابية: إنهم مع ذلك يقولون: القرآن محفوظ في القلوب حقيقة، متلو بالألسن حقيقة، مكتوب في المصاحف حقيقة. وشاهد ذلك أن أحد أعلام الأشاعرة- الباقلاني - صرح بأن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأنه أزلي أبدي متكلم به في الأزل، كما هو متكلم به فيما لا يزال، لا أول لوجوده ولا آخر له، وأنه ليس بحرف ولا صوت (١) - ومع ذلك صرح بأن " كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة" (٢) ، و " مسموع لنا على الحقيقة، لكن بواسطة القارىء" (٣) ، وقال: " إن كلام الله مسموع بحاسة الآذان على الحقيقة" (٤) ، وهو يقول: إن موسى سمع كلام الله بلا واسطة لكنه يقول أيضا في قوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة:٦] ، بأن المسموع كلام الله القديم، صفة لله تعالى قديمة موجودة بوجود قبل سماع السامع لها، وإنما الموجود بعد أن لم يكن هو سمع السامع وفهم الفاهم لكلام الله تعالى، يحدث الله تعالى له سمعا اذا أراد أن يسمعه كلامه، وفهما إذا أراد أن يفهمه كلامه" (٥) .فلم يدل قوله: أن موسى سمع كلام الله أنه لا يقول بقول ابن كلاب.

стр. 397

الثاني: أن الأشعري فرق في كتابه "المقالات" بين أهل الحديث، والكلابية، وهذا دليل مهم، ويلقي ظلالا من الشك في تبعيته لابن كلاب، ومع ذلك فيلاحظ ما يلي: ١- ان هذا الكتاب في مقالات أهل الإسلام، يحكي فيه الأقوال دون أن يذكر معتقده في كل مسألة يعرض لها، ولذلك لم يرد على المعتزلة أو الرافضة أو الخوارج أو المرجئة أو الجهمية أو غيرهم، بل حكى أقوالهم وسكت إلا نادرا. ومن غير المعقول- وهو الخبير بمقالات أهل الكلام- أن لا يفرد مقالات ابن كلاب أو الكلابية، وهم المتميزون عن كل من المعتزلة وأهل الحديث. ٢- أن الأشعري لم يكن خبيرا بأقوال أهل الحديث، ولذلك نسب إليهم قولين ليسا من أقوال أهل الحديث- وقد سبق ذكرهما عند الحديث عن مؤلفات الأشعري ومنهجه في كتاب المقالات- ولما ذكر مقالتهم بإجمال ذكر انتسابه إليهم وقوله بقولهم، فلما ذكر مقالة ابن كلاب قال: " فأما أصحاب عبد الله ابن سعيد القطان فإنهم يقولون بأكثر ما ذكرناه عن أهل السنة" (١) ، ثم ذكر بعض أقوالهم، إذا هو لا يجعل الكلابية بعيدين عن أهل السنة والحديث. ٣- إن المسألة التي تميز أهل السنة عن الكلابية وهي مسألة كلام الله والقرآن لم يذكرها الأشعري في عرضه لمقالة أهل الحديث، بل قال كلاما مجملا قصيرا، وهذا نصه: "ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ: من قال باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهبم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق" (٢) ، لكنه لما ذكر مسألة القرآن ذكر قول ابن كلاب فيها تفصيلا (٣) ، ثم ذكر أقوال غيره من المعتزلة وغيرهم، وذكر مسائل كثيرة متفرعة، ولم يذكر لنفسه أو لمن يقول بقولهم- كما يعبر أحيانا بقوله: قال أهل الحق، أو الإثبات، أو أهل الإسلام، أو أهل السنة،

стр. 398

أو الاستقامه ... - قولا في ذلك، فإذا لم يكن شرح قول أهل الحديث عند ذكره لمقالتهم، ولا ذكر مقالتهم عند تفصيل القول في ذلك، فما هو قول الأشعري في هذه المسألة؟، علما بأن الأشعري ذكر قوله صراحة في بعض المسائل مثل مسألة " الكسب" (١) ، وهل الله موصوف بالقدرة على أن يضطر عباده الى إيمان وكفر؟ (٢) . ٤- ثم إن الأشعري ذكر في ثنايا عرضه للأقوال في كتابه المقالات ما يدل على كلابيته، فمثلا: ذكر في مسألة القول بأن الله قادر اختلاف المتكلمين في: هل يوصف البارىء بأنه قادر على الأعراض، فقال: " قال المسلمون كلهم أجمعون- إلا معمرا-: إن الله قادر على الأعراض والحركات والسكون والألوان والحياة والموت والصحة والمرض والقدرة والعجز وسائر الأعراض، وقال معمر: بالتعجيز لله، وأنه لا يوصف القديم بأنه قادر إلا على الجواهر، وأما الأعراض فلا يجوز أن يوصف بالقدرة عليها ... وأن من قدر على الحركة قدر أن يتحرك ... "، فرد عليه الأشعري بقوله: " فيقال له إذا قلت: إن البارىء قادر على التحريك والتسكين، فقل قادر على أن يتحرك ويسكن، فإن كان من قدر على تحريك غيره وتسكينه لا يوصف بالقدرة أن يتحرك، فكذلك من وصف بالقدرة على حركة غيره لا يوصف بالقدرة على أن يتحرك"- ثم قال الأشعري-: "وخالف أهل الحق أهل القدر ومعمرا في ذلك فقالوا: قد يوصف القديم بالقدرة على إنشاء الحركة ولا يوصف بالقدرة على التحرك" (٣) . والحركة من الحوادث التي لا يجوز أن تحل بالله عند الكلابية، ولهذا قال الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر في صفة المجيء لله:"ليس مجيئه حركة ولا زوالا" (٤) . فرد الأشعري على معمر المعتزلي ثم نسبته إلى أهل الحق هذا القول يدل ميله إلى هذا الأصل الكلابي، علما بأن لفظ الحركة أطلقه

стр. 399

بعض السلف ومنعه البعض لأنه لم يرد، ويذكر العلماء هذا الكلام في مبحث الصفات الفعلية الاختيارية لله تعالى مثل المجيء والنزول. مثال آخر: ذكر الأشعري الأقوال في أن البارى متكلم، فذكر أقوال المعتزلة ثم قال: " وقالت شرذمة: إن الله لم يزل متكلما، بمعني أنه لم يزل مقتدرا على الكلام، وأن كلام الله محدث، وافترقوا فرقتين: فقال بعضهم مخلوق، وقال بعضهم غير مخلوق " ثم قال: " وقال ابن كلاب: إن الله لم يزل متكلما، والكلام من صفات النفس كالعلم والقدرة " (١) . ولا أدري من يقصد بهذه الشرذمة، خاصة وأن منهم من يقول: إن كلام الله غير مخلوق، وقد ذكر فيما بعد قول داود الأصبهاني فقال:"وبلغني عن بعض المتفقهة أنه كان يقول: إن الله لم يزل متكلما بمعني أنه لم يزل قادرا على الكلام، ويقول: إن كلام الله محدث غير مخلوق وهذا قول داود الأصبهاني (٢) ، وقول داود مبني على أن كلام الله من صفات الفعل، فهو أزلي، ويتكلم إذا شاء متى شاء، وعرض الأشعري للقضية يدل على ميل عنده عن هذا القول. وقال الأشعري في معرض الإنكار على المعتزلة: " وأنكروا أن يكون الباري سبحانه لم يزل مريدا متكلما، راضيا، ساخطا، مواليا معاديا، جوادا، حكيما، عادلا محسنا، صادقا، خالقا، رازقا، وزعموا أن هذا أجمع من صفات الأفعال" (٣) ، فما معني الإنكار منه أن تكون أو بعضها صفات أفعال الله؟. فهذه الأدلة تدل على مارجحه شيخ الاسلام ابن تيمية من أن الأشعري وإن كان في الإبانة قد قرب كثيرا من مذهب أهل السنة إلا أنه قد بقيت عليه بقايا من مذهب ابن كلاب، والله أعلم.

стр. 400

ثامنا: عقيدته: قبل بيان عقيدته لابد من توضيح بعض الأمور: الأمر الأول: أن المصادر التي يرجع إليها في بيان عقيدته هي كتبه الثابتة عنه، أما ماعدا ذلك من المصادر فالجزم بنسبة القول إليه منها لا يخلو من محاذير، والسبب في ذلك - فوق ما في النقل من مظنة تغير العبارات أو الزيادة والنقص- أن الأشعري بالذات له منزلة خاصة لدى أتباعه الذين ينتسبون إليه، والذين طوروا مذهبه وغيروا فيه واقتربوا كثيرا من المعتزلة، لذلك فأقواله التي تخالف ما هم عليه لن تكون محل ارتياح لهم مما قد يؤدى الى تحريف كلامه وأن ينسب إليه ما لم يقله. وأقرب مثال على ذلك مسألة الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعين فقد نسب اليه المتأخرون أن له فيها قولين: الإثبات مع التفويض أو التأويل، وهذا غير صحيح مطلقا. الأمر الثاني: جمع ابن فورك مقالات الأشعري في كتاب كبير، وذكر فيه قضايا عديدة من مسائل العقيدة، ومن دقائق علم الكلام، مما لم يوجد في كتبه التي وصلت إلينا، وقد قال محقق الكتاب عن قيمته بالنسبة لفكر الأشعري: " سوف تدرك - دون كبير جهد- أهمية هذا الكتاب البالغة، صحيح أن فكر الأشعري لم يكن مجهولا لدينا تماما، فالجوهري منه على الأقل قد وصلنا، خصوصا في كتاب " اللمع" إلا أن ذلك يعد نزرا يسيرا إذا ما قيس بفيض المعلومات التي يزودنا بها كتاب المجرد، ولعلنا لا نبالغ كثيرا إذا نحن تحدثنا بهذا الخصوص عن بعث لفكر الأشعري، ذلك أننا هنا إذا كان البعض لا يزال يشك- لفرط ما كان الأشعري ضحية للأفكار الخاطئة- أننا هنا أمام فكر الأشعري الحقيقي كاملا غير منقوص، لا يؤكد ذلك فقط أن مرجعنا هو ابن فورك، ولا يؤكد ذلك فقط الرجوع الكثير إلى مؤلفات الأشعري " إلى ثلاثين منها، وبعضها يذكر أكثر من عشر مرات" وإنما كذلك المطابقة التامة بين الآراء التي يوردها الكتاب وبين الآراء التي ترد في اللمع أو تلك التي ينقلها أبو منصور البغدادي والجويني وأبو القاسم الأنصاري وغيرهم ".

стр. 401

" هكذا يستعيد الأشعري بصورة نهائية هويته الحقيقية: هويته لا بوصفه تلميذا إمعا لابن حنبل، وإنما باعتباره متكلما حقيقيا من متكلمي عصره، وتلميذا خليقا بشيخه أبى علي الجبائي، متكلما كشيخه، يقطع برأي نفسه في المسائل المختلفة، ويخوض ببراعة شيخه في جميع لطائف "دقيق" الكلام، هويته كرجل استحق بجدارة أن يطلق اسمه على كل المدرسة التي انتسبت إليه" (١) . ولا شك أن من اطلع على "المجرد" يرى أن هذا الكلام صحيح في الجملة، ويعلل كثيرا من الأمور- المثيرة للتساؤل- ومنها: لماذا كان موقف علماء السلف من الأشعري بهذه الشدة؟، ولماذا نسبت هذه المدرسة- التي قربت كثيرا في مراحلها الأخيرة من المعتزلة- إلى أبي الحسن الأشعري دون غيره؟. ومع ذلك فالكتاب منطو على مشكلة- عسير حلها- ألا وهي مدى الدقة في نسبة الأقوال إلى الأشعري في هذا الكتاب لأن ابن فورك تصرف في النقل- كما أشار إلى ذلك في مقدمة وخاتمة الكتاب- وقد سبق شرح ذلك في آخر مؤلفات الأشعري (٢) . لذلك فكتاب المجرد يعطي رأيا مجملا في منهج الأشعري الكلامي وأنه خاض في هذه القضايا كلها خوض أهل الكلام، لكنه لا يعطي رأيا محددا في مسألة معينة يمكن أن نطمئن على أنها من كلام الأشعري الا بعد مقارنات بما نقله عنه الآخرون. الأمر الثالث: لاشك أن الأشعري جاء بقول توسط فيه بين أقوال المعتزلة وأقوال أهل السنة:

стр. 402

أ- فطبيعة نشأته في أحضان الاعتزال بقي تأثيرها على منهجه بعد رجوعه (١) : وتمثل ذلك في: ا- خبرته بأقوال أهل الكلام ومعرفة دقائق أقوالهم. ٢- قلة خبرته بأقوال أهل السنة، ولذلك لا ينقل أقوالهم مفصلة بالطرق التي ينقلونها، ثم قد ينسب إليهم مالم يقولوه. ٣- قوله بأقوال ابن كلاب، خاصة فيما يتعلق بالصفات الاختيارية. ب- ورجوعه عن الاعتزال جعله يقول بكثير من أقوال أهل النسة وتمثل ذلك في: ١- إثبات الصفات لله ومنها الصفات الخبرية وإقرارها كما جاءت. ٢- إثبات العلو والاستواء والرؤية خلافا للمعتزلة. ٣- إثبات السمعيات، ومنها أمور خالف فيها المعتزلة أو بعضهم مثل الشفاعة، وعذاب القبر، وغيرها. ٤- الاستدلال بالنصوص من الكتاب والسنة، وموافقة إجماع السلف. والآن نذكر باختصار عقيدته: أ- إثبات وجود الله: يحتج الأشعري على وجود الله بخلق الإنسان، يقول في اللمع " إن سأل سائل فقال ما الدليل على أن للخلق صانعا صنعه ومدبرا دبره؟ قيل: الدليل على ذلك أن الانسان الذي هو في غاية الكمال والتمام كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما وعظاما ودما، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال الى حال، لأنا نراه في حال كمال قوته وتمام عقله لا يقدر أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا،

стр. 403

ولا أن يخلق لنفسه جارحة، يدل ذلك على أنه في حال ضعفه ونقصانه عن فعل ذلك أعجز؛ لأن ما قدر عليه في حال النقصان فهو في حال الكمال عليه أقدر، ومما عجز عنه في حال الكمال فهو في حال النقصان عنه أعجز، ورأيناه طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال الشباب الى حال الكبر والهرم لأن الإنسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر والهرم ويردها إلى حال الشباب لم يمكنه ذلك فدل ماوصفنا على أنه ليس هو الذى ينقل نفسه ني هذه الأحوال وأن له ناقلا نقله من حال الى حال ودبره على ما هو عليه، لأنه لا يجوز انتقاله من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر" (١) ، ثم يشرح ذلك بأن القطن لا يتحول غزلا مفتولا ثم ثوبا منسوجا بغير ناسج ولا صانع (٢) . واحتج بنفس الدليل في رسالته إلى أهل الثغر فقال:" ونبههم على حدثهم بما فيهم من اختلاف الصور والهيآت، وغرر ذلك من اختلاف اللغات، وكشف لهم عن طريق معرفة الفاعل لهم بما فيهم وفي غيرهم بما يقتضى وجوده، ويدل على إرادته وتدبيره حيث قال ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ [الذاريات:٢١] ، فنبههم بتقلبهم في سائر الهيئات التي كانوا عليها على ذلك وصرح بقوله : ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون:١٢-١٤] (٣) . لكن الأشعري لما شرح ذلك أتى باستدلال لا يسلم له حين قال معلقا على الآيات السابقات:"وهذا من أوضح ما يقتضي الدلالة على حدث الإنسان ووجود المحدث له، من قبل أن العلم قد أحاط بأن كل متغير لا يكون قديما، وذلك أن تغيره يقتضي مفارقة حال كان عليها قبل تغيره، وكونه قديما ينفي تلك الحال ... " (٤) . فقد ذكر أمرين: إثبات حدث

стр. 404

الإنسان، وإثبات وجود المحدث له، فاستدل للأول بالتغير الذى يحدث للإنسان وتقلبه من حال الى حال وأن هذا يقتضي حدوثه، ثم استدل بذلك على وجود المحدث له لأن كل متغير لا يكون قديما، وهذا مبني على ما سبق بيانه من نفى حلول الحوادث الذى يقول به الأشعري، والخلاصة أن الاستدلال بحدوث الانسان وخلقه على خالقه دليل صحيح وهو الذي جاء به القرآن، أما الاستدلال على حدث الانسان بتغيره، ثم ربط التغير بالمحدث (الخالق) - وانه لا يكون متغيرا والا لكان محدثا؛ غير مسلم. أما دليل الأعراض وحدوث الأجسام الذى احتج به المتكلمون، وقالوا: إن إثبات الصانع لا يتم الا بإثبات حدوث الأجسام، ولا يتم إثبات حدوث الأجسام إلا بإثبات حدوث صفاتها (الأعراض) ، ورتبوا على ذلك نفى الصفات عن الله أو بعضها، فقد بين الأشعري أن الرسل لم يدعوا إليه، يقول: " فأما ما دعاهم إليه ﵊ من معرفة حدثهم ومعرفة محدثهم، ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وعدله وحكمته، فقد بين لهم وجوه الأدلة في جميعه حتي ثلجت صدورهم به واستغنوا عن استئناف الأدلة فيه، وبلغوا جميع ما وقفوا عليه من ذلك واتفقوا عليه إلى من جاء بعدهم، فكان عذرهم فيما دعوا إليه من ذلك مقطوعا بما (١) نبههم النبي ﷺ من الأدلة على ذلك وما شاهدوه من آياته الدالة على صدقه ... وجميع ما اتفقوا عليه من الأصول مشهور في أهل النقل الذين عنوا بحفظ ذلك وانقطعوا إلى الاحتياط فيه، والاجتهاد في طلب الطرق الصحيحة إليه من المحدثين والفقهاء، يعلمه أكابرهم أصاغرهم ويدرسونه صبيانهم في كتاتيبهم لتقرر ذلك عندهم وشهرته فيهم، واستغنائهم ني العلم بصحة جميع ذلك بالأدلة التي نبههم صاحب الشريعة عليها في وقت دعوته" (٢) ، ثم بعد هذه المقدمة المركزة لبيان استغناء الصحابة ومن بعدهم بأدلة الكتاب والسنة قال عن دليل الأعراض: " واعلموا أرشدكم الله أن ما دل على صدق النبي ﷺ من المعجزات بعد تنبيهه لسائر المكلفين على حدثهم

стр. 405

ووجود المحدث لهم قد أوجب صحة اخباره ودل على أن ما أتي به من الكتاب والسنة من عند الله ، وإذا ثبت بالآيات صدقه فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي ﷺ عنه وصارت أخباره ﵊ أدلة على صحة سائر ما دعا اليه من الأمور الغائبة عن حواسنا، وصفات فعله، وصار خبره ﵊ عن ذلك سبيلا إلى إدراكه، وطريقا إلى العلم بحقيقته، وكان يستدل به من اخباره ﵊ على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعها من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل ﵈" (١) ، لكن الأشعري يعلل ذلك ليس ببطلانها في ذاتها وإنما لأمور أخرى يقول- بعد الكلام السابق-:"من قبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها، ويدق الكلام عليها" (٢) - ثم شرح ذلك ثم قال-:"وإذا كان ذلك على ما وصفنا بان لكم أرشدكم الله أن طرق الاستدلال باخبارهم ﵈ على سائر ما دعينا إلى معرفته مما لا يدرك بالحواس، أوضح من الاستدلال بالأعراض؛ إذ كانت أقرب إلى البيان على حكم ما شوهد من أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة ومن اتبعهم من أهل الأهواء.." (٣) . ب- وحدانية الله: يستدل الأشعري لذلك بدليل التمانع، وقد شرحه بقوله"لأن الاثنين لا يجري تدبيرهما على نظام، ولا يتسق على احكام، ولابد أن يلحقهما العجز أو واحدا منهما، لأن أحدهما اذا أراد أن يحيى انسانا وأراد الآخر أن يميته لم يخل أن يتم مرادهما جميعا، أو لا يتم مرادهما، أويتم مراد أحدهما دون الآخر، ويستحيل أن يتم مرادهما جميعا لأنه يستحيل أن يكون الجسم حيا ميتا في حال واحدة، وإن لم يتم مرادهما جميعا وجب عجزهما، والعاجز لا يكون إلها ولا قديما، وإن تم مراد أحدهما دون الآخر وجب العجز لمن لم يتم مراده منهما،

стр. 406

والعاجز لا يكون إلها ولا قديما، فدل ما قلناه على أن صانع الأشياء واحد، وقد قال تعالى: ﴿لو كان فيهما ألهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء:٢٢] ، فهذا معنى احتجاجنا آنفا" (١) . ودليل التمانع احتج به العلماء، وهو دليل صحيح، أما الاستدلال له بآية ﴿لو كان فيهما ألهة إلا الله لفسدتا﴾ ، فقد بناه الأشعري على رأيه في معنى الإله وأن المقصود به: القادر على الاختراع والخلق، ففسر الألوهية بتوحيد الربوبية، يقول الشهرستاني:"قال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري: إذا كان الخالق على الحقيقة هو الباري تعالى، لا يشركه في الخلق غيره، فأخص وصفه تعالى هو: القدرة على الاختراع، قال: وهذا هو تفسير اسمه تعالى: الله" (٢) . والآية إنما هي في توحيد الألوهية، وأما توحيد الربوبية فقد كان المشركون وجميع الأمم مقرين به، ولذلك جاءت الرسل بتقرير توحيد الألوهية والرد على المشركين فيه، واحتجوا على ذلك بتوحيد الربويية، لأنه مستلزم له، أما توحيد الألوهية- الذى دلت عليه الآية- فهو متضمن لتوحيد الربوبية. ج- عقيدته في الأسماء والصفات: أما الأسماء: فيثبت الأشعري جميع ما ورد من أسماء الله تعالى، ويعتمد في ذلك على السمع فقط، فما ورد أثبته، ومالم يرد سكت عن إثباته، ولذلك ناظر أبا علي الجبائي حول هل يسمى الله عاقلا مستخدما هذا المنهج (٣) . وأما الصفات: فإنه أثبت أيضا ما ورد في النصوص، وإن كان قد استدل لبعضها بالأدلة

стр. 407

العقلية إلا أنه جعل أدلة السمع هي المقدمة، ويمكن تفصيل أقواله في الصفات كما يلي: ١- الصفات العقلية: وهي صفات الذات العقلية التي يسميها المتكلمون صفات المعاني، وهي سبع صفات: العلم والحياة والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة. والأشعري يثبت هذه الصفات ويستدل لها بالنصوص وبالعقل، يقول عن أهل السنة:"وأجمعوا على إثبات حياة لله لم يزل بها حيا، وعلما لم يزل به عالما، وقدرة لم يزل بها قادرا، وكلاما لم يزل به متكلما، وإرادة لم يزل بها مريدا، وسمعا وبصرا لم يزل به سميعا بصيرا" (١) ، ثم ذكر قدم هذه الصفات، وأن صفاته لا تشبه صفات المخلوقين كما أن نفسه لا تشبه أنفس المخلوقين، ويحتج على ذلك بدلالة الأسماء على الصفات فيقول:"واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يكن له هذه الصفات لم يكن موصوفا بشيء منها في الحقيقة، ومن لم يكن له فعل لم يكن فاعلا في الحقيقة، ومن لم يكن له إحسان لم يكن محسنا، ومن لم يكن له كلام لم يكن متكلما في الحقيقة، ومن لم يكن له إرادة لم يكن في الحقيقة مريدا، وإن وصف شيء من ذلك مع عدم الصفات التي توجب هذه الأوصاف له لا يكون مستحقا لذلك في الحقيقة، وإنما يكون وصفه مجازا أو كذبا ... وذلك أن هذه أوصاف مشتقة من أخص أسماء هذه الصفاث ودالة عليها ... " (٢) . ويقول في اللمع:"فإن قال قائل: لم قلتم: أن للباري تعالى علما به علم؟ قيل له: لأن الصنائع الحكمية كما لا تقع منا إلا من عالم كذلك لا تحدث منا إلا من ذي علم، فلو لم تدل الصنائع على علم من ظهرت منه منا، لم تدل على أن من ظهرت منه منا فهو عالم" (٣) . ثم قال: "والدليل على أن لله تعالى قدرة وحياة كالدليل على أن لله تعالى علما، وقد قال الله جل ذكره

стр. 408

﴿أنزله بعلمه﴾ [النساء:١٦٦] ، وقال: ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ [فاطر:١١، فصلت:٤٧] ، فثبت العلم لنفسه، وقال تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة﴾ [فصلت:١٥] ، فثبت القوة لنفسه" (١) . وفي الإبانة يذكر الأدلة السمعية على العلم وغيره (٢) ، ثم يذكر في معرض الرد على المعتزلة الدليل العقلي فيقول:" فإن قالوا: قلنا: ان الله عالم لأنه صنع العالم على مافيه من آثار الحكمة وأتساق التدبير، قيل لهم: فلم لا قلتم إن لله علما بما ظهر في العالم من حكمة وآثار تدبيره؟؛ لأن الصنائع الحكمية لا تظهر إلا من ذى علم كا لا يظهر الا من عالم، وكذلك لا تظهر الا من ذى قوة كا لا تظهر إلا من قادر" (٣) . ٢- الصفات الفعلية: وهي الصفات المتعلقة بإرادة الله ومشيئته مثل الكلام- وهو صفة ذات أيضا- وا لاستواء، وا لنزول، وا لمجيء، وا لضحك، وا لغضب، وا لرضا، وا لمحبة، وا لتعجب، وغيرهما. وقد سبق بيان أن الأشعري لا يقول بالصفات الاختيارية ويبني ذلك على أن الله لا تحله الحوادث (٤) . لكن الأشعري يثبت ما ورد في النصوص منها، ويتأولها بأحد أمرين: أ- إما أن يجعل الصفة أزلية، قديمة مع الله، لا يتجدد له فيها حال كما يشاء، وذلك مثل الكلام، والمحبة، والرضا.

стр. 409

ب- وإما أن يجعل مقتضي الصفة مفعولا منفصلا عن الله لايقوم بذاته كالخلق، فإن الله خلق الخلق فلم تحل بذاته حوادث لأن الخلق هو المخلوق، وكذلك يقول في الاستواء والنزول: إنه لا تقوم بالله صفة وإنما فعل فعلا في العرش سماه استواء، كما فعل في سماء الدنيا فعلا سماه نزولا. ونذكر نماذج من كلامه في هذه الصفات: - الكلام: يثبت أن القرآن كلام اللة غير مخلوق، ويذكر لذلك الأدلة من القرآن، ويرد على المعتزلة، يقول: " إن قال قائل: لم قلتم إن الله تعالى لم يزل متكلما وإن كلام الله تعالى غير مخلوق؟ قيل له: لأن الله تعالى قال: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل:٤٠] ، فلو كان القرآن مخلوقا لكان الله تعالى قائلا له: كن، والقرآن قوله، ويستحيل أن يكون قوله مقولا له، لأن هذا يوجب قولا ثانيا، والقول في القول الثاني وفي تعلقه بقول ثالث كالقول في القول الأول وتعلقه بقول ثان، وهذا يقتضي مالا نهاية له من الأقوال، وذلك فاسد، وإذا فسد ذلك فسد أن يكون القرآن مخلوقا" (١) . وفي الإبانة يذكر أدلة أخرى ومنها، قوله تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف:٥٤] ، ففرق بين الأمر والخلق (٢) ، كما يحتج بقوله تعالى ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء:١٦٤] ، "والتكليم هو المشافهة بالكلام، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالا في غيره مخلوقا في شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم" (٣) ، كما يذكر من الأدلة أن أسماء الله في القرآن، فكيف يكون مخلوقا (٤) .

стр. 410

ويذكر ما ورد من الروايات عن الامام أحمد وغيره في أن القرآن غير مخلوق (١) . ويرد على من توقف في القرآن، وقال لا أقول: إنه مخلوق ولا إنه غير مخلوق، ويقول لهم- بعد المناقشة-:" يلزمكم أن تتوقفوا في كل ما اختلف الناس فيه ولا تقدموا في ذلك على قول، فإن جاز لكم أن تقولوا ببعض تأويل المسلمين اذا دل على صحتها دليل، فلم لا قلتم: إن القرآن غير مخلوق بالحجج التي ذكرناها في كتابنا هذا " (٢) . ثم يذكر أن كلام الله في اللوح المحفوظ، وفي صدور الذين أوتوا العلم وهو متلو بالألسنة، ويقول: "والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة؟ قال تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة:٦] (٣) . وأما مسألة اللفظ بالقرآن فإنه ينكر ذلك ويقول:"القرآن يقرأ في الحقيقة ويتلي، ولا يجوز أن يقال يلفظ به لأن القائل لا يجوز له أن يقول: إن كلام الله ملفوظ به، لأن العرب إذا قال قائلهم لفظت باللقمة من فمي فمعناه رميت بها، وكلام الله لا يقال يلفظ به، وإنما يقال: يقرأ ويتلي ويكتب ويحفظ، وإنما قال قوم: لفظنا بالقرآن ليثبتوا أنه مخلوق ويزينوا بدعتهم وقولهم بخلقه ... " (٤) . وفي اللمع يشرح عقيدته في كلام الله وأنه أزلي ويبنيه على مسألة حلول الحوادث (٥) .

стр. 411

لكن بقي في مسألة الكلام ما نسب إلى الأشعري من أنه يقول: إن كلام الله واحد، وأنه معنى قائم بذات الله تعالى، وأنه لم يزل متصفا بكونه أمرا ونهيا وخبرا، وأنه ليس بحروف ولا أصوات. فهذه الأقوال بذاتها لم نجدها منصوصا عليها في كتبه الموجودة، لكن نسبها إليه أعلام الأشاعرة وغيرهم، كابن فورك، والجوينى، والشهرستاني، وأبي نصر السجزي (١) ، ونقلها عن هؤلاء من جاء بعدهم. - الاستواء والعلو: أثبت الاستواء واستدل به وبغيره على إثبات علو الله تعالى، يقول: " إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله مستو على عرشه؟ قال: ﴿الرحمن على العش استوى﴾ [طه:٥] ، وقد قال الله : ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر:١٠] ، وقال: ﴿بل رعه الله إليه﴾ [النساء:١٥٨] ، وقال : ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه﴾ [السجدة: ٥] وقال حكاية عن فرعون: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السموات فاطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ [غافر: ٢٦- ٢٧] ، كذب موسى ﵇ في قوله: إن الله فوق السموات، وقال : ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ [الملك:١٦] ، فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات قال: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ لأنه مستو على العرش الذي فوق السموات ... " (٢) ، ثم رد على المعتزلة والجهمية وغيرهم في تأويلهم الاستواء

стр. 412

بالاستيلاء والملك والقهر، وقولهم: إن الله في كل مكان، وناقشهم نقاشا قويا مركزا، ثم احتج على الاستواء والعلو بأحاديث النزول، وبأدلة أخرى (١) . هذا مذهب الأشعري وقوله في الاستواء نم ذكره في الإبانة والرسالة إلى أهل الثغر، لكن نجد أن أتباعه ينسبون إليه تفسيرا للاستواء، نذكره لأن مجموعة منهم نسب اليه ذلك، يقول البيهقي:"وذهب أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري إلى أن الله تعالى جل ثناؤه فعل في العرش فعلا سماه استواء كما فعل في غيره فعلا سماه رزقا ونعمة أو غيرهما من أفعال، ثم لم يكيف الاستواء الا أنه جعله من صفات الفعل لقوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ [الأعراف:٥٤، يونس: ٣، الرعد:٢، الفرقان:٥٩، السجدة:٤، الحديد:٤] ، وثم للترا خي، والتراخي إنما يكون في الأفعال، وأفعال الله تعالى توجد بلا مباشرة منه إياها ولا حركة" (٢) ، وأشار الى ذلك البغدادي، وابن فورك وابن عساكر، والجويني (٣) . - النزول والمجيء: يثبت الأشعري النزول للأحاديث الواردة في ذلك، والتي يذكرها، كما يثبت المجيء لله تعالى ويذكر أدلته من القرآن (٤) . وقد شرحهما في رسالته إلى أهل الثغر بما يوضح مذهبه في أنه لا تقوم

стр. 413

بذات الله صفات الفعل فيقول:"وليس مجيئه حركة ولا زوالا ... وليس نزوله تعالى نقلة لأنه ليس بجسم ولا جوهر ... " (١) . وقد نسب البيهقي إلى الأشعري في معناهما مثل ما ورد في الاستواء بأن "يحدث الله تعالى يوم القيامة فعلا يسميه إتيانا ومجيئا، لا بأن يتحرك أو ينتقل ... وهكذا قال في أخبار النزول: أن المراد به فعل يحدثه الله في سماء الدنيا كل ليلة يسميه نزولا بلا حركة ولا نقلة ... " (٢) وهو موافق لتأويلات الأشعري السابقة. - الرضا والغضب: يثبتهما لكن يتأولهما بالإرادة، فرضاه عن الطائعين إرادته لنعيمهم، وغضبه على الكافرين إرادته لعذابهم (٣) ، وتأويله لهما مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة، لكن الأشعري يتأولهما ليسلم له الأصل الفاسد الذى قال به. ٣- الصفات الخبرية: يثبت الأشعري لله الصفات الخبرية، كالوجه، واليدين، والعينين، ويستدل لذلك بالنصوص، ويرد على من تأولها من الجهمية وغيرهم، وأطال بصفة خاصة في صفة اليدين، وناقش من تأولهما مستدلا بنصوص الكتاب والسنة، وهذا هو مذهب السلف- ﵏ (٤) -. بقى أن بعض المتأخرين زعم أن للأشعري قولا آخر فيها وهو القول

стр. 414

بتأويلها (١) ، وهذا غير صحيح، والتأويل إنما هو قول متأخري الأشعرية فقط كالجويني ومن جاء بعده، أما الأشعري فليس له فيها إلا قول واحد. د- قوله في الرؤية: يثبت الأشعري الرؤية، وأن المؤمنين يرون الله يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى (٢) ، ويحتج لذلك بعدد كبير من النصوص من الكتاب والسنة، ويناقش المعتزلة طويلا (٣) . ويلاحظ أن الأشعري لا يفرق- أحيانا- بين الإدراك والرؤية، ولذلك لما أورد سؤال سائل عن معنى قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام:١٠٣] قال: " قيل له: يحتمل أن يكون لا تدركه في الدنيا وتدركه في الآخرة ... " (٤) ، "ويحتمل أن يكون الله تعالى أراد بقوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ يعني لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين" (٥) ، وهذان جوابان ضعيفان، ولذلك لما أطال في مناقشة المعتزلة وذكر اعتراضاتهم حول هذه الآية ألمح إلى الجواب الصحيح فقال:"فإن قالوا قوله تعالى: ﴿لاتدركه الأبصار﴾ يوجب أن لا يدرك بها في الدنيا والآخرة وليس ينفي ذلك أن نراه بقلوبنا، ونبصره بها ولا ندركه بها؟ قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون لا ندركه بأبصار العيون، ولا يوجب إذا لم ندركه بها أن لا نراه بها، فرؤيتنا له بالعيون وأبصارنا له بها ليس بإدراك له بها، كما أن إبصارنا له بالقلوب ورؤيتنا له بها ليس بإدراك له، فإن قالوا: رؤية البصر هي إدراك البصر، قيل لهم: ما الفرق

стр. 415

بينكم وبين من قال: إن رؤية القلب وإبصاره هو إدراكه وإحاطته؟، فإذا كان علم القلب بالله وإبصار القلب له رؤيته إياه ليس بإحاطة ولا ادراك فما أنكرتم أن تكون رؤية العيون وإبصارها لله ليس بإحاطة ولا ادراك" (١) ، فلو بنى الجواب على التفريق بين الإدراك والرؤية لوضح الأمر ولأصبحت الآية دالة على الرؤية، فيكون الكلام في إثبات دلالتها على المذهب الحق، وليس في بيان عدم دلالتها على نفى الرؤية. أما الأدلة العقلية على إثبات الرؤية فقد ذكر دليلين: أحدهما: دلالة الوجود، و" أنه ليس موجودا إلا وجائز أن يريناه الله ، وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلما كان الله موجودا مثبتا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه " (٢) . خر: أن: أن الله يرى الأشياء، فإذا كان لنفسه رائيا فجائز أن يرينا نفسه، ويقول: " ولما كان الله رائيا للأشياء كان رائيا لنفسه، وإذا كان رائيا لها فجائز أن يرينا نفسه كما أنه لما كان عالما بنفسه جاز أن يعلمناها" (٣) . هذا كلامه في الإبانة، لكنه في اللمع يستدل على جواز الرؤية باستدلال يقوم على أن الرؤية لا يلزم منها إثبات حدث الباري، أو اثبات حدث معني فيه أو تشبيهه أو غيره مما يقول: إنه يستحيل أن يتصف به، وذلك احترازا من اللوازم الباطلة التي يظنها نفاة الرؤية (٤) ، ولذلك ذكر الأشعري عن بعض أصحابه انه التزم جواز اللمس والذوق والشم اذا كان ذلك لا يقتضي إحداث معنى في الباري (٥) .

стр. 416

واذا كان الأشعري يثبت لله صفة العلو والاستواء، والمباينة للمخلوقات فإثبات الرؤية مستقيم على مذهبه خلافا لمتأخرى أصحابه الذين أثبتوا الرؤية ونفوا العلو فتناقضوا. والأشعري يرى أنه لا يلزم من اثبات الرؤية التجسيم لأنه لا يشترط أن يكون المرئي جسما يقول: " فإن قال قائل: فهل شاهدتم مرئيا إلا جوهرا أو غرضا محدودا أو حالا في محدود؟ قيل له: لا، ولم يكن المرئي مرئيا لأنه محدود ولا لأنه حال في محدود ولا لأنه جوهر، ولا لأنه عرض، فلما لم يكن ذلك كذلك لم يجب القضاء بذلك على الغائب، كما لم يجب إذا لم نجد فاعلا إلا جسما، ولا شيئا الا جوهرا أو عرضا، ولا عالما قادرا حيا الا بعلم وحياة وقدرة محدثة، أن نقضي بذلك على الغائب، إذ لم يكن الفاعل فاعلا لأنه جسم، ولا الشيء شيئا لأنه جوهر أو عرض" (١) . هـ- قوله في القدر: كلام الأشعري في القدر وأفعال العباد طويل جدا ومتفرع إلى مسائل كثيرة، وهو يثبت علم الله الشامل المحيط بكل شيء (٢) ،؟ يثبت الكتابة في اللوح المحفوظ وأن الله أثبت فيه جميع ماهو كائن إلى يوم القيامة، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر. وكل صغير وكبير مستطر﴾ [القمر:٥٢- ٥٣] (٣) ،كما انه يثبت إرادة الله الشاملة لكل شيء- وهي التي بمعنى المشيئة- ويذكر الأدلة على ذلك، ويناقش المعتزلة طويلا الذين يقولون: إن الله لايريد الكفر ولا المعاصي وانها كائنة بغير ارادة منه (٤) ، كما أثبت قدرة الله وأن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها ورد على القدرية المعتزلة الذين

стр. 417

يقولون: إن الله غير خالق لأفعال العباد يقول:"ويقال لأهل القدر: أليس قول الله تعالى: ﴿بكل شيء عليم﴾ [البقرة: ٢٩] يدل على أنه لا معلوم إلا والله به عا لم، فإذا قالوا نعم، قيل لهم: فما أنكرتم أن يدل قوله تعالى: ﴿على كل شيء قدير﴾ [البقرة:٢٠] على أنه لا مقدور إلا والله عليه قادر، وأن يدل قوله تعالى: ﴿خالق كل شيء﴾ [الزمر: ٦٢] على أنه لا محدث مفعول إلا والله محدث له فاعل خالق" (١) . ويذكر في الإبانة بابا فيه الروايات الواردة في القدر، مثل حجاج آدم وموسى، وحديث النطفة في الرحم وتقلبها، وكل ميسر لما خلق له، وغيرها (٢) ، وهي دالة على قدر الله السابق الشامل. لكن الأشعري مع قوله بهذه المراتب للقدر- مخالفا للمعتزلة وموافقا لأهل السنة- مال الى الجبر، وخالف أهل السنة في بعض المسائل ومنها: القول بالكسب: وهو من المسائل التي اشتهرت عن الأشعري، وأخذ بها الأشعرية من بعده، وقد جاء قوله بالكسب لإثبات قدرة الله الشاملة لكل شيء، يقول الأشعري في المقالات:"واختلف الناس في معنى القول: إن الله خالق، فقال قائلون: معنى أن الخالق خالق أن الفعل وقع منه بقدرة قديمة فإنه لا يفعل بقدرة قديمة الا خالق ومعنى الكسب: أن يكون الفعل بقدرة محدثة، فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق، ومن وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب، وهذا قول أهل الحق" (٣) ، وبعد أن يذكر عددا من الأقوال لأهل الإثبات وغيرهم يقول:"والحق عندي أن معنى الاكتساب هو أن يقع الشيء بقدرة محدثة، فيكون كسبا لمن وقع بقدرته" (٤) .

стр. 418

والأشعري يفرق بين حركة الإضطرار كحركة المرتعش، وحركة الاختيار مثل ذهاب الانسان ومجيئه، يقول:"فإن قال قائل: فيجب إذا كانت إحدى الحركتين ضرورة أن تكون الأخري كذلك، وإذا كانت إحداهما كسبا أن تكون الأخرى كذلك، قيل له: لا يجب ذلك لافتراقهما في معني الضرورة والاكتساب، لأن الضرورة ما حمل عليه الشيء وأكره وجبر عليه، ولو جهد في التخلص منه وأراد الخروج عنه واستفرغ في ذلك مجهوده لم يجد منه انفكاكا ولا الى الخروج عنه سبيلا، فإذا كانت إحدى الحركتين بهذا الوصف الذي هو وصف الضرورة وهي حركة المرتعش من الفالج والمرتعد من الحمي كانت اضطرارا، وإذا كانت الحركة الأخرى بخلاف هذا الوصف لم تكن اضطرارا، لأن الانسان في ذهابه ومجيئه واقباله وإدباره بخلاف المرتعش من الفالج والمرتعد من الحمي، يعلم الإنسان التفرقة بين الحالين من نفسه وغيره علم اضطرار لا يجوز معه الشك، فقد وجب إذا كان العجز في إحدى الحالتين أن القدرة التي هي ضده حادثة في الحال الأخرى، لأن العجز لو كان في الحالين جميعا لكان سبيل الإنسان فيهما سبيلا واحدة، فلما لم يكن هذا هكذا وكانت القدرة في إحدى الحركتين وجب أن تكون كسبا لأن حقيقة الكسب: أن الشيء وقع من المكتسب له بقوة محدثة لافتراق الحالين في الحركتين، ولأن إحداهما بمعنى الضرورة وجب أن تكون ضرورة، ولأن الأخرى بمعنى الكسب وجب أن تكون كسبا، ودليل الخلق في حركة الاضطرار وحركة الاكتساب واحد، فلذلك وجب إذا كانت إحداهما خلقا أن تكون الأخرى خلقا" (١) ، ويوضح أن كلا منهما خلق لله تعالى سواء كان اضطرارا أو اختيارا، ثم يقول:"ليس العجز بأن يدل على أن الله تعالى خلق المعجوز عنه بأولي من أن تكون القدرة التي جعلها الله تعالى دلالة على أن الله خلق المقدور عليه، لأن ماخلق الله القدرة فينا عليه فهو عليه أقدر، كما أن ماخلق فينا العلم به فهو به أعلم، وما خلق

стр. 419

فينا السمع له فهو له أسمع فإذا استوى ذلك في قدرة الله تعالى وجب إذا قدرنا الله على حركة الاكتساب أن يكون هو الخالق لها فينا كسبا لنا ... " (١) . وهذا الكلام قد يكون ظاهره أن الخلاف بين الأشعري والسلف الذين يقولون: إن الله خالق كل شيء ومن ذلك أفعال العباد، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة- خلاف في العبارات والألفاظ (٢) -، لكن أقوال الأشعري الأخرى مما له علاقة في الموضوع تدل على أن الخلاف ليس لفظا، ومن ذلك: أ- مسألة الاستطاعة: يري الأشعري أن الاستطاعة- التي هي قدرة العبد- لا تكون إلا مع الفعل، وليس له استطاعة قبله، وهذه الاستطاعة التي يثبتها هي التي بها يتحقق الفعل، ويبني ذلك على أن الإستطاعة والقدرة عرض، والعرض لايبقي زمانين، يقول: "فإن قال قائل: فإذا أثبتم له استطاعة هي غيره فلم زعمتم أنه يستحيل تقدمها للفعل، قيل له: زعمنا ذلك من قبل أن الفعل لا يخلو أن يكون حادثا مع الاستطاعة في حال حدوثها أو بعدها، فإن كان حادثا معها في حال حدوثها فقد صح أنها مع الفعل للفعل، وإن كان حادثا بعدها وقد دلت الدلالة على أنها لا تبقى وجب حدوث الفعل بقدرة معدومة، ولو جاز ذلك لجاز أن يحدث العجز بعدها فيكون الفعل واقعا بقدرة معدومة، ولو جاز أن يفعل في حال هو فيها عاجز بقدرة معدومة لجاز أن يفعل بعد مئة سنة من حال حدوث القدرة وإن كان عاجزا في المئة سنة كلها بقدرة عدمت من مئة سنة وهذا فاسد" (٣) ، ثم يذكر لماذا القدرة لا تبقي (٤) ، ويذكر بعض الأدلة على قوله (٥) . وسيأتي بيان فساد القول بأن العرض لا يبقى زمانين.

стр. 420

ب- هل القدرة مؤثرة أو لا؟: القدرة المحدثة التي أثبتها للعبد وبها يكسب أعماله، يرى الأشعري أنها غير مؤثرة كما حكى عنه الشهرستاني الذي قال:"ولم يثبت شيخنا أبو الحسن ﵀ للقدرة الحادثة صلاحية أصلا، لا لجهة الوجود، ولا لصفة من صفات الوجود، فلم يلزمه التعميم والتخصيص" (١) ، وشرح ذلك في الملل والنحل فقال:" لا تأثير للقدرة الحادثة في الإحداث، لأن جهة الحدوث قضية واحدة لا تختلف بالنسبة إلى الجوهر والعرض، فلو أثرت في قضية الحدوث لأثرت في حدوث كل محدث، حتي تصلح لإحداث الألوان والطعوم والروائح، وتصلح لإحداث الجواهر والأجسام، فيؤدي إلى تجويز وقوع السماء على الأرض بالقدرة الحادثة، غير أن الله تعالى أجرى سنته بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة أو تحتها أو معها الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له، ويسمي هذا الفعل كسبا، خلقا من الله تعالى إبداعا وإحداثا، وكسبا من العبد حصولا تحت قدرته" (٢) ، وهذا يؤيد مافي المجرد من أنه لم يذكر مع القدرة المحدثة سوى العلم والإرادة للمكتسب، كقول ابن فورك:"وكان يقول: إن ما استحق هذه العين المكتسبة من وصف الاكتساب فلأجل تعلق القدرة المحدثة بها، واختلف جوابه في أن العين المكتسبة صارت مكتسبة بتعلق القدرة المحدثة فقط أم باقتران أوصاف أخر إليها، فدار أكثر كلامه على أن التأثير في ذلك للقدرة المحدثة، وربما قال: إنه لا بد معها من إرادة المكتسب وعلمه" (٣) ، وقوله التأثير للقدرة المحدثة أي أن العين وصفت بأنها مكتسبة بتأثير القدرة المحدثة، لا أن القدرة المحدثة مؤثرة (٤) ،بدليل أن ابن فورك لما ذكر قوله الثاني لم يذكر إلا أنه يقول بأن

стр. 421

مع القدرة علم المكتسب وإرادته، وكما هو واضح لا علاقة لهما بالقدرة هل هي مؤثرة أو لا، يوضح ذلك قول الأشعري في اللمع:"فإن قال: فهل اكتسب الانسان الشيء على حقيقته كفرا باطلا وإيمانا حسنا؟ قيل له: هذا خطأ، وإنما معنى اكتسب الكفر أنه كفر بقوة محدثة وكذلك قولنا اكتسب الإيمان إنما معناه أنه آمن بقوة محدثة من غير أن يكون اكتسب الشي على حقيقته بل الذى فعله علي حقيقته هو رب العالمين" (١) . - تكليف مالا يطاق: صرح الأشعري بجواز تكليف مالا يطاق (٢) ، ويستدل لذلك بعدة أدلة منها قصة أبي لهب ونزول السورة فيه، يقول: " ويقال لهم قد قال الله ﵎: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب. ما أغنى عنه ماله ومما كسب. سيصلى نارا ذات لهب﴾ [المسد:١- ٣] وأمره مع ذلك بالإيمان، فأوجب عليه أن يعلم أنه لا يؤمن، وأن الله صادق في إخباره عنه أنه لا يؤمن، وأمره مع ذلك أن يؤمن ولا يجتمع الايمان والعلم بأنه لا يكون ولا يقدر القادر على أن يؤمن وانه يعلم أنه لا يؤمن، وإذا كان هذا هكذا فقد أمر الله سبحانه أبا لهب بما لا يقدر عليه لأنه أمره أن يؤمن وأنه يعلم أنه لا يؤمن" (٣) ، والأشعري يفرق بين عدم الاستطاعة للعجز عن الشيء وعدم الاستطاعة للاشتغال بضده، فيقول:"فإن قال قائل: أليس قد كلف الله تعالى الكافر الإيمان؟ قلنا له: نعم، قال: فيستطيع الإيمان، قيل له: لو استطاعه لآمن، فإن قال: فكلفه مالا يستطيع؟ قيل له: هذا كلام على أمرين: إن أردت بقولك: إنه لا يستطيع الإيمان لعجزه عنه فلا، وان أردت أنه لا يستطيعه لتركه والاشتغال بضده فنعم" (٤) ، وهذا تفصيل جيد يزيل الإشكالات الواردة حول تكليف مالا يطاق.

стр. 422

- إنكار التعليل: يصرح الأشعري بنفي التعليل في أفعال اللهـ خلافا لأهل السنة الذين يقولون بهـ ويقول:"وأجمعوا على أنه غير محتاج إلى شيء مما خلق، وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وينعم على من يشاء ويعز من يشاء، ويغفر لمن يشاء، ويغني من يشاء، وانه لا يسأل في شيء من ذلك عما يفعل، ولا لأفعاله علل، لأنه مالك غير مملوك، ولا مأمور ولا منهي، وانه يفعل ما يشاء" (١) ، ولذلك يتأول الآية الواردة في ذلك وهي قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات:٥٦] بأن المقصود: أنه أراد بعض الجن والإنس وهم العابدون لله منهم" (٢) ، أى انه عني المؤمنين دون الكافرين (٣) . والآية نص في إثبات حكمة الله في خلق الجن والانس، وانه خلقهم للعبادة فهي نص في إثبات التعليل، وقول الأشعري ضعيف كما سيأتي. - التحسين والتقبيح: قال بالتحسين والتقبيح الشرعي فقط، يقول عن أهل السنة:"وأجمعوا على أن القبيح من أفعال خلقه كلها مانهاهم عنه وزجرهم عن فعله، وأن الحسن ما أمرهم به أو ندبهم إلى فعله وأباحه لهم، وقد دل الله على ذلك بقوله: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] " (٤) . ولا يقبح من الله شيء،"فلا يقبح منه أن يعذب المؤمنين ويدخل الكافرين الجنان، وانما نقول: انه لا يفعل ذلك لأنه أخبرنا أنه يعاقب الكافرين وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره" (٥) ،ويعلل ذلك بأن الله هو المالك القاهر وانه لا آمر

стр. 423

فوقه، يقول:" والدليل على أن كل مافعله فله فعله أنه المالك القاهر الذي ليس بمملوك ولا فوقه مبيح ولا آمر ولا زاجر ولا حاظر ولا من رسم له الرسوم وحد له الحدود، فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء إذ (١) كان الشيء انما يقبح منا لأنا تجاوزنا ماحد ورسم لنا، وأتينا مالم نملك إتيانه، فلما لم يكن الباري مملكا ولا تحت آمر لم يقبح منه شيء، فإن قال: فإنما يقبح الكذب لأنه قبحه؟ قيل له: أجل، ولو حسنه لكان حسنا ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض (٢) ، ومذهب الأشعري هذا يأتي في الطرف المقابل لمذهب المعتزلة الذين قالوا بالتحسين والتقبيح العقلي، والحق مذهب السلف وهو التفصيل. و قوله في الإيمان: صرح في الإبانة " أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" (٣) ، وفصل ذلك في الرسالة فقال:"وأجمعوا على أن الايمان يزيد يالطاعة وينقص بالمعصية، وليس نقصانه عندنا شكا فيما أمرنا بالتصديق به ولا جهلا به، لأن ذلك كفر، وإنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان، كما يختلف وزن طاعتنا وطاعة النبي ﷺ وإن كنا مؤدين للواجب علينا" (٤) ، وقوله: إن الإيمان قول وعمل، ويزيد، وينقص هو قول أهل السنة والجماعة. ولكنه في اللمع فسره بالتصديق بالله، واحتج بإجماع أهل اللغة على أن الإيمان هو التصديق، كما احتج بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ [يوسف:١٧] أي بمصدق لنا، ويقول الناس:" فلان يؤمن بعذاب القبر والشفاعة"، ويريدون: يصدق (٥) . هذا ما هو موجود في كتبه، وقد نسب اليه متأخرو الأشعرية وغيرهم

стр. 424

انه يقول: إنه المعرفة (١) ، كما نسبوا إليه قولا آخر؛ انه التصديق وان القول باللسان والعمل بالأركان غير داخلين فيه (٢) . أما قوله في مرتكب الكبيرة فهو قول أهل السنة: انه مؤمن بأيمانه فاسق بكبيرته وانه لا يخلد في النار (٣) . ز- قوله في: الشفاعة، وعذاب القبر، والحوض، والصراط، والإمامة والصحابة: وقوله فيها جميعا: هو قول السلف- رحمهم الله تعالى- كما ذكر ذلك في أواخر كتبه كلها. هذا هو أبو الحسن الأشعري الذي تنسب اليه طائفة الأشعرية ولعل ما سبق عرضه من حياته، وأطواره وعقيدته يعطي صورة واضحة نوعا ما لهذا العلم الذي تكونت من بعده مدرسة مشهورة انتسبت اليه واشتهرت باسمه. * * *

стр. 425

الفصل الرابع: نشأة الأشعرية وعقيدتهم المبحث الأول: أسلاف الأشعرية "الكلابيه" وموقف السلف منهم. المبحث الثاني: الماتريدية وعلاقتهم بالأشعرية. المبحث الثالث: نشأة المذهب الأشعري وانتشاره. المبحث الرابع: عقيدة الأشاعرة.
следующие страницы →