← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

٢٥٥٥ - قول "التنبيه" [ص ١١٢]: (وتحرم إعارة العبد المسلم من الكافر) الأصح: الكراهة، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (١)، وحمل في "المطلب" التحريم على الإعارة للخدمة، والكراهة على غيرها، قال: والتحريم يتعلق بالمعير المسلم، وكذا بالكافر إن كلفناه بالفروع. ٢٥٥٦ - قول "التنبيه" [ص ١١٢]: (ويكره أن يستعير أحد أبويه للخدمة) الأجداد والجدات كذلك، كما صرح به البندنيجي؛ ولعل ذلك داخل في قول "الحاوي" [ص ٣٤٨]: (وتكره من الولد للخدمة)، قال في "المهمات": وصورة المسألة: أن يقصد بها الاستخدام، فإن أوقع الإعارة على الخدمة وقصد توفيره .. فهي مستحبة، كما قاله أبو الطيب وغيره، وهو واضح. ٢٥٥٧ - قول "الحاوي" [ص ٣٤٨]: (كَرَهْنِ الحسناء من فاسق) أي: يكره، لكن يستثنى منه: ما إذا شرط أن تكون عند عدل أو امرأة. ٢٥٥٨ - قول "المنهاج" [ص ٢٨٧]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٣٤٨]: (والأصح: اشتراط لفظ؛ كـ"أعرتك" أو "أعرني"، ويكفي لفظ أحدهما مع فعل الآخر) فيه أمران: أحدهما: أنه يستثنى من اشتراط اللفظ: ما إذا اشترى شيئًا وسلمه له في ظرف .. فالظرف معار في الأصح، وما إذا أكل المهدي إليه الهدية في ظرفها .. فيجوز، وهو معار، قاله أبو عاصم العبادي والبغوي، وقال النووي: محله: ما إذا كانت الهدية لا لمقابل، فإن كانت عوضًا .. فالمحكي عن أبي عاصم: أن الظرف أمانة (٢)، قال في "المهمات": ويؤخذ من كلام الرافعي أن الضمان يتوقف على الاستعمال، فأما قبله: فإنه أمانة، وإن كانت بغير مقابل، وصرح به الرافعي في (الهبة) (٣). ثانيهما: أن الغزالي عين كون اللفظ من المعير، والفعل من المستعير (٤)، قال في "المهمات": وفي "الروضة" في الباب الثاني ما يوافقه (٥)، وهو قياس الوديعة يشترط فيها اللفظ من جهة المودع، والفعل من الآخر، وتتجه التسوية بين البابين. قلت: الذي في "الروضة" هناك عن البغوي: لو قال صاحب المتاع لصاحب الدابة: احمل متاعي على دابتك، فأجابه .. فصاحب المتاع مستعير، ولو قال صاحب الدابة: أعطني متاعك لأضعه على الدابة .. فهو مستوح متاعه، ولا تدخل الدابة في ضمان صاحب المتاع (٦)، وهذا

стр. 1017

عكس مقالة الغزالي؛ فإنه اعتبر في العارية اللفظ من المستعير دون المعير. نعم؛ هو مخالف للمذكور هنا من اعتبار اللفظ من أحدهما مطلقًا. قال شيخنا الإِمام البلقيني: ولعل سبب المخالفة أنه لم يوجد من جهة صاحب المتاع إذن بوضعه على دابة السائل؛ فإن السائل طلب منه إعطاء المتاع للوضع. قلت: مناولته له بعد استئذانه إذن في المعنى، والله أعلم. ٢٥٥٩ - قول "المنهاج" [ص ٢٨٧]: (ولو قال: "أعرتك لتعلفه" أو "لتعيرني فرسك" .. فهو إجارةٌ فاسدةٌ توجب أجرة المثل) اقتصر "الحاوي" على الصورة الثانية، ولم يقل: توجب أجرة المثل (١)، وفي كلام "المنهاج" أمور: أحدها: أنه يقتضي أن نفقة العارية ليست على المستعير، وإلا .. لم يكن شرطه مفسدًا، وهو الذي في "البيان" عن الصيمري (٢)، لكن في "تعليق القاضي حسين" خلافه، فلا يكون حينئذ اشتراطه عليه مفسدًا؛ لأن العقد يقتضيه. وأجاب السبكي: بأن مراد الأول: علف لا يلزم المستعير، وهو الزائد على المعتاد، أو في وقت ليس المستعار فيه عنده؛ كالليل مثلًا. ثانيها: وجوب أجرة المثل محله: بعد القبض لا بمجرد العقد. ثالثها: صورة المسألة: أن يكون العلف مجهولًا، فلو قال: (أعرتكها شهرًا لتعلفها فيه كل يوم بدرهم) .. فهل هو إجارة صحيحة نظرًا إلى المعنى، أو عارية فاسدة نظرًا إلى اللفظ؟ وجهان بلا ترجيح في "الروضة" وأصلها (٣)، ومقتضى تصحيحه مع الجهالة أنها إجارة فاسدة: تصحيح أنها إجارة صحيحة في هذه الصورة، والله أعلم. ٢٥٦٠ - قولهم: (ومؤنة الرد على المستعير) (٤) يستثنى منه: ما إذا استعار من المستأجر أو من الموصى له بالمنفعة، ورد على المالك .. فمؤنة الرد على المالك، بخلاف ما إذا رد على المستأجر، كما في "االروضة" وأصلها (٥). ٢٥٦١ - قول "التنبيه" [ص ١١٣]: (فإن تلفت العارية .. وجبت عليه قيمتها يوم التلف) فيه أمور: أحدها: أن محله: ما إذا تلفت بغير الاستعمال، فإن تلفت بالاستعمال المأذون فيه .. فلا

стр. 1018

ضمان، ذكره "الحاوي" (١) و"المنهاج" وعبارته: (والأصح: أنه لا يضمن ما يمَّحق أو ينسحق باستعمال، والثالث: يضمن المُمَّحق) (٢) وفيه شيئان: أحدهما: أنه لم يصرح في "المحرر" بالوجه الثالث، فهو من زيادة "المنهاج" من غير تمييز. ثانيهما: عبر في "الروضة" في الانسحاق بالصحيح (٣)، وهو يقتضي ضعف مقابله، ويستثنى من قولنا: (إن التلف بالاستعمال غير مضمون): الهدي والأضحية المنذوران يجوز إعارتهما، قال في "الروضة" وأصلها في (الأضحية): وإن نقصا بذلك .. ضمن، فإن أراد المستعير .. فهو صريح فيما قلناه من استثنائه مما تلف بالاستعمال، وإن أراد المعير .. لزم منه ضمان المستعير أيضًا، لانبناء يده على يد ضامنه، وعلى الثاني: فيمتحن بمعير إعارة جائزة، وهو ضامن (٤). الأمر الثاني: يستثنى من ذلك: ما إذا استعار من المستأجر .. فلا ضمان عليه في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (٥)، أو من الموصى له بالمنفعة، وقد ذكره "الحاوي" (٦)، أو من الموقوف عليه، كما ذكره المتأخرون. قال شيخنا الإِمام البلقيني: والضابط لذلك: أن تكون المنفعة مستحقةً لشخصٍ استحقاقًا لازمًا, وليست الرقبة له، فإذا أعار .. لا يضمن المستعير منه، وعلى هذا: فلو أصدق زوجته منفعة، أو صالح على منفعة، أو جعل رأس السلم منفعة، ففي هذه المسائل وأنظارها إذا أعار مستحق المنفعة شخصًا، فتلفت تحت يده .. لا ضمان عليه في الأصح، قال: وليس استعارة كتب الوقف من قبيل الاستعارة من الموقوف عليه؛ لأن المستعير من جملة الموقوف عليهم، قال: ويتردد بينهما إعارة الإِمام الآلات التي اشتراها من سهم سبيل الله؛ فإنه إذا دفعها لشخص عارية .. لا يضمن؛ إما لأنه من جملة المستحقين، وهو الظاهر، أو لشبهه بمن انبنت يده على يد من ليس بضامن. انتهى. واستثنى شيخنا المذكور من الضمان أيضًا: جلد الأضحية، فإعارته جائزة، قال: ولو تلف في يد المستعير .. لم يضمن؛ لانبناء يده على يد من ليس بمالك مع أنه يستحق أن ينتفع استحقاقًا لازمًا، ولا يضمن لو تلف تحت يده، فلا يضمن لو تلف تحت يد المستعير منه، قال: وفيه نظر. انتهى.

стр. 1019

ويستثنى من الضمان أيضًا: ما إذا كان المستعير محجورًا عليه بسفه .. فلا ضمان عليه، كما قاله الهروي في "أدب القضاء"، قال شيخنا الإِمام البلقيني: وفي كلام الأصحاب في (باب الوديعة) ما يقتضي ذلك. انتهى. واعلم أن قولنا: (إن المستعير من المستأجر لا ضمان عليه) محله: في الإجارة الصحيحة, فإذا استأجر شيئًا إجارة فاسدة، فأعاره، فتلف .. ضمنه المستأجر، كما ذكره البغوي في "فتاويه" وعلله: بأنه فعل ما ليس له، قال: والقرار على المستعير. الأمر الثالث: ظاهر إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" و"المنهاج" في آخر الباب في أثناء مسألة و"الروضة" وأصلها: ضمان العارية بالقيمة سواء أكانت مثلية؛ كالخشب والحجر، أو متقومة، وهو الأصح في "الحاوي" و"البحر" و"التهذيب" وغيرها؛ فإنهم بنوا المثلي على الخلاف في المتقوم، فإن اعتبرنا أقصى القيم .. أوجبنا المثل، أو قيمة يوم التلف - وهو الأصح - .. فالقيمة (١)، وخالف ابن أبي عصرون، فضمن المثل بالمثل على القياس. ٢٥٦٢ - قول "التنبيه" [ص ١١٣]: (وإن تلف ولدها .. ضمن، وقيل: لا يضمن) فيه أمران: أحدهما: أن الأصح: عدم الضمان، كذا في "الروضة" وأصلها أن ضمانه مبني على تضمين العارية بأقصى القيم، وعدم ضمانه مبني على تضمينها بقيمة يوم التلف أو القبض (٢)، فيقال: كيف صحح "التنبيه" الضمان مع تصحيحه اعتبار قيمة يوم التلف؟ وأورد النشائي على تصحيح النووي: أنه كان ينبغي له التعبير فيه بالصواب على طريقته؛ فإن من اعتبر يوم التلف نافٍ لضمان الولد (٣). قلت: لم يجزم "التنبيه" باعتبار يوم التلف، بل رجحه، ثم حكى وجهًا باعتبار أقصى القيم، فصار الترجيح في إحدى الصورتين مخالفًا للترجيح في الأخرى، كما قدمته، والله أعلم. ثم ظاهر كلام "التصحيح" و"الروضة" وأصلها: ترجيح عدم الضمان مطلقًا (٤)، وليس كذلك، بل حكمه على هذا الوجه كما لو طيرت الريح ثوبًا إلى داره وغير ذلك من الأمانات الشرعية، كما ذكره القاضي حسين والإمام وغيرهما (٥)، ولم يذكر ابن الرفعة في كتابيه غيره،

стр. 1020

فيضمنه على الأظهر إذا تمكن من رده إلى مالكه، فلم يرده، فظهر أن مرادهم: نفي ضمان مخصوص، وهو ضمان العواري. ثانيهما: ظاهر كلامه أنه لا فرق بين الولد الموجود عند العارية والحادث بعدها، وكذا رجح في "الكفاية"، وحكى عن الجيلي تخصيص الخلاف بالحادث، وأنه جزم فيما إذا كان موجودًا، وسلم الأم، فتبعها الجحش .. بأنه لا ضمان، وهذا المحكي عن الجيلي هو الذي في الرافعي؛ فإنه فرض الخلاف في الحادث (١)، وزاد في "الروضة" التصريح بحكم الموجود، وحكى عن "فتاوى القاضي حسين": أنه أمانة (٢). ٢٥٦٣ - قول "التنبيه" [ص ١١٢]: (وإن قال: "ازرع الحنطة" .. زرع الحنطة وما ضرره ضرر الحنطة) محله كما في "المنهاج" و"الحاوي": ما إذا لم ينهه (٣)، فإن نهاه عن زرع غيرها .. لم يكن له زرع غيرها، وتجويز المثل يقتضي تجويز الأدنى من باب الأولى، وهو أحسن من اقتصار "المحرر" على: (ما دونها) (٤)، وصرح "الحاوي" بهما, ولم يخصه بالحنطة؛ فإنها مثال، فقال: (وينتفع المأذون ومثله ودونه ضررًا من نوعه ما لم يُنه) (٥). ٢٥٦٤ - قول "المنهاج" [ص ٢٨٨]: (ولو أطلق الزراعة .. صح في الأصح ويزرع ما شاء) وهو مفهوم من عبارة "التنبيه" و"الحاوي" (٦). قال الرافعي: ولو قيل: يصح ولا يزرع إلا أقل الأنواع ضررًا .. لكان مذهبًا (٧). قال شيخنا الإِمام البلقيني: وهو ممنوع؛ فإن المطلقات إنما تنزل على الأقل إذا كان بحيث لو صرح به .. لصح، وهذا لو صرح به .. لم يصح؛ لأنه لا يوقف على حد أقل الأنواع ضررًا، فيؤدي إلى النزاع، والعقود تصان عن ذلك. واعلم: أن صورة المسألة: أن يقول: لتزرعها، أو للزراعة، أو نحو ذلك، فلو قال: (لتزرع ما شئت) .. فهو عام لا مطلق، فيصح ويزرع ما شاء، كما جزم به القاضي والإمام وغيرهما (٨).

стр. 1021

٢٥٦٥ - قولهم: (وإن استعار للغراس) (١) قال النووي في "التحرير": لو عبر بالغرس .. لكان أحسن وأخصر (٢). ٢٥٦٦ - قول "المنهاج" عطفًا على ما عبر فيه بالصحيح [ص ٢٨٨]: (وأنه لا تصح إعارة الأرض مُطْلَقَةً، بل يُشترط تعيين نوع المنفعة) يقتضي ضعف الخلاف، وليس كذلك؛ فإن الرافعي في "شرحيه" لم يرجح شيئًا (٣)، وعبارة "الروضة": أصحهما عند الإِمام والغزالي ... ثم نقل من زيادته تصحيحه عن "المحرر" (٤)، وصححه في "أصل الروضة" في باب الإجارة (٥)، ومشى عليه "الحاوي" بقوله [ص ٣٤٧]: (معلومة الجنس؛ كالزراعة) وصحح آخرون الصحة، واختاره السبكي، وعلى هذا: فله أن ينتفع كيف شاء، وقال الروياني: ينتفع بما هو العادة فيه، قال الرافعي: وهو أحسن، ثم قال: الوجه: القطع بأن إطلاق الإعارة لا يسلط على دفن الموتى؛ لما فيه من ضرر اللزوم. انتهى (٦). واعلم: أن ذكر الأرض مثال، فيجري الوجهان في كل ما ينتفع به بجهتين فصاعدًا؛ كالدابة تصلح للركوب وللحمل، أما ما لا ينتفع به إلا بجهة واحدة؛ كالبساط المتعين للفرش .. فلا يحتاج إلى بيان، وقد يفهم من عبارة "المنهاج" عدم الصحة فيما لو قال: (انتفع ما شئت)، وفي "الروضة" وأصلها وجهان في ذلك بلا ترجيح (٧)، لكنهما صححا في نظيرها من الإجارة الصحة (٨)، فالعارية أولى؛ ولذلك مشى "الحاوي" على الصحة (٩). فصل [جواز العارية وما للمعير وما عليه بعد الرد] ٢٥٦٧ - قول "المنهاج" [ص ٢٨٨]: (لكل منهما رد العارية متى شاء إلا إذا أعار لدفنٍ .. فلا يرجع حتى يندرس أثر المدفون) فيه أمور:

стр. 1022

أحدها: أورد عليه: أنه لا بد أن يقول: (ودفن)، وعبارة "المحرر" تشعر به؛ حيث عبر بالنبش (١). قلت: وكذا يشعر به قول "المنهاج": (حتى يندرس أثر المدفون)، وعبارة "الحاوي" في ذلك مثل عبارة "المنهاج" (٢)، ومثلهما قول "التنبيه" [ص ١١٣]: (حتى يُبلى الميت) فإن وضع، ولم يوار .. فالمرجح في "الشرح الصغير": عدم الرجوع، والذي في "الروضة": له الرجوع ما لم يوضع فيه الميت (٣)، قال المتولي: وكذا بعد الوضع ما لم يواره التراب، وإذا رجع قبل الدفن .. لا يلزم المستعير الطمُّ، ويغرم المعير لولي الميت مؤنة الحفر؛ لأنه الذي ورطه فيه، قاله المتولي، ووهم الرافعي، فنقل عن المتولي: أن مؤنة الحفر على ولي الميت (٤)، وتبعه في "المطلب"، واستدركه النووي (٥). ثانيهما: منع القاضي حسين الرجوع بعد الاندراس أيضًا، وهذان الأمران ينكت بهما على عبارة "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا. ثالثها: يرد على حصره مسائل: أحدها: إذا إعاره جدارًا لوضع الجذوع، فوضعها .. فليس له الرجوع على وجه، جزم به "التنبيه"، واستثنى هذه الصورة مع التي قبلها، فقال بعد ذكرهما: (وفيما سواه يرجع إذا شاء) (٦)، لكن الأصح: جواز الرجوع، وفائدته: التخيير بين التبقية بأجرة، والقلع مع ضمان أرش النقص، وصرح به "الحاوي" هنا (٧)، وذكره "المنهاج" في (الصلح)، لكن في الجدار المشترك، فقال: (فلو رضي بلا عوض .. فهو إعارة له الرجوع قبل البناء عليه، وكذا بعده في الأصح) (٨)، ونظير ذلك: الإعارة للرهن لا يُرجع فيها على وجه. الثانية: إذا كفنه أجنبي، وقلنا: إنه باق على ملك الأجنبي، كما صححه النووي (٩) .. فهو عارية لازمة، قاله الغزالي (١٠)، وفي الرافعي في (السرقة): أنه كالعارية (١١).

стр. 1023

الثالثة: الدار المستعارة لسكنى المعتدة لازمة من جهة المستعير فقط، كما ذكروه في العدد. الرابعة: قال: (أعيروا داري بعد موتي لزيد شهرًا) .. لم يكن للمالك - وهو الوارث - الرجوع، ذكره الرافعي في (التدبير) (١). الخامسة: لو أراد الصلاة المفروضة، فأعاره ثوبًا ليستر به عورته أو ليفرشه في مكان نجس, ففعل، وأحرم، وكان الرجوع مؤديًا إلى بطلان الصلاة .. قال في "المهمات": يتجه منعه منه، ويحتمل الجواز، وتكون فائدته: طلب الأجرة. السادسة: لو أعاره سفينة، فطرح فيها مالًا .. لم يكن له الرجوع، قاله في "البحر" (٢)، وهذه الصور الخمسة واردة على "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا (٣). ٢٥٦٨ - قول "المنهاج" [ص ٢٨٨] فيما إذا أعار للبناء أو الغراس ثم رجع: (إن كان شرط القلع مجانًا .. لزم) تقييد القلع بكونه مجانًا هو كذلك في كتب الرافعي والنووي (٤)، والصواب - كما قال في "المهمات" -: حذفه، كما في "المهذب" وغيره (٥)، وكذا لم يذكره "التنبيه" و"الحاوي" فإن مقتضاه: أنه لا يؤمر بالقلع مجانًا إلا عند التنصيص عليه، ولم يعتبر الشافعي ذلك، وعبارته في "المختصر" و"الأم": ولكن لو قال - أي: المعير -: (فإذا انقضى الوقت .. كان عليك أن تنقض بناءك) .. كان ذلك عليه؛ لأنه لم يغره، إنما غر نفسه. انتهى (٦). وحذفه الرافعي في نظيره من الإجارة (٧)، وذكر السبكي أن حذفه هو المعتمد. ٢٥٦٩ - قول "التنبيه" [ص ١١٢]: (فإن لم يشترط، فاختار المستعير القلع، فقلع .. لم يكلف تسوية الأرض، وقيل: يكلف ذلك) رجح الأول الرافعي في "المحرر" (٨)، فاستدرك عليه النووي في "المنهاج" وقال [ص ٢٨٨]: (الأصح: يلزمه)، وكذا صححه في "الروضة" تبعًا "للشرحين" (٩)، ومشى عليه "الحاوي" (١٠)، وكان ينبغي التعبير عنه في "المنهاج" بالصحيح؛

стр. 1024

فإنه في "الروضة" حكاه عن الجمهور، وقال: ولا يغتر بتصحيح "المحرر" فإنه ضعيف (١). وأيده في "المهمات": بأن الإِمام ادعى في الإجارة اتفاق الأصحاب عليه، قال: والظاهر: أنه في "المحرر" انعكس عليه المراد، قال في "المهمات": ويتجه أن محل إيجاب التسوية في الحفر الحاصلة من القلع دون الحاصلة بالبناء أو الغرس في مدة العارية؛ لحدوثها بالاستعمال، وإذا لم يوجبوا ضمانًا عند انمحاق الثوب أو انسحاقه لهذه العلة .. فالحَفْرُ أولى. انتهى. وسبقه إليه السبكي. ٢٥٧٠ - قول "التنبيه" [ص ١١٢]: (وإن لم يختر القلع .. فالمعير بالخيار بين أن يبقي ذلك، وبين أن يقلع ويضمن له أرش ما نقص بالقلع) فيه أمور: أحدها: ظاهره التبقية بغير أجرة؛ فإنه لم يتعرض لها، وهو رأي العراقيين، وقال السبكي: إنه الذي ينبغي أن يكون مراده، ولكن حمله ابن يونس شارحه على التبقية بأجرة، وهو الذي في "المنهاج" و"الحاوي" (٢). ثانيها: قال الشيخ برهان الدين بن الفركاح: هذا التخيير محله: إذا كان في القلع تنقيص، وإلا .. فليس له إلا القلع، فإن صح ذلك .. فهو وارد على "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا. ثالثها: التخيير بين هاتين الخصلتين هو المرجح في "المنهاج" هنا، وهو نظير ما تقدم في "المنهاج" تصحيحه في (الصلح) في الرجوع عن إعارة الجدار لوضع الجذوع، وتوافقت "الروضة" و"المنهاج" عليه هناك (٣)، ثم قال في "المنهاج" هنا [ص ٢٨٨]: (قيل: أو يتملكه بقيمته) وهذا الوجه الذي ضعفه من التخيير بين ثلاث خصال هو الذي في "الحاوي" (٤)، وهو اختيار الإِمام والغزالي (٥)، وهو الذي في "الروضة" وأصلها في (الهبة)، وجوز بعضهم أن يكون ذلك هو مراد "التنبيه" هنا؛ فإن التبقية مطلقة في كلامه، صادقة بأن يبقيها ملكًا له، وهو التملك، أو للمستأجر بأجرة يدفعها له، قال: وبهذا يتعين إطلاق التبقية في كلامه، وعدم تقييدها بأجرة وعدمها؛ لئلا تخرج خصلة التملك. انتهى. وصحح في "أصل الروضة" هنا: التخيير بين القلع مع ضمان أرش النقص والتملك بالقيمة (٦)، وعبارة الرافعي فيه: هذا رأي أكثر العراقيين وغيرهم، ويشبه أن يكون أظهر في

стр. 1025

المذهب (١)، وهو المذكور في "المنهاج" في (التفليس) فيما إذا غرس المفلس الأرض أو بنى (٢)، وفي "التنبيه" في (الشفعة) فيما إذا غرس المشتري أو بنى (٣)، وفهم النشائي من ذلك: أن التبقية بأجرة جائزة قطعًا، والخلاف في الخصلتين الأخريين (٤)، وفي "المطلب": أن النص في "الأم" و"المختصر" على التملك بالقيمة فقط، واقتضى كلامه الحصر فيها، قال: وكذا نص في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" في الإجارة إذا انقضت المدة. انتهى (٥). ثم ظاهر كلامهم: أنه يتملك بالقيمة قهرًا بغير بيع؛ كتملك الشفيع، قال السبكي: وقد أشار الرافعي إلى ذلك، وفي كلام غيره ما يقتضي أنه بالبيع بمعنى: أن المستعير إن باعه، وإلا .. فكما لو امتنع عن الخصال، وهذا هو الأقرب، قال ابنه في "التوشيح": ويمكن أن يقال: يكره المستعير على الإيجار أو البيع أو يفعل هو ذلك نيابة قهرية عنه، ولكن يقدح في ذلك قول البغوي: لا بد في التملك والتبقية بأجرة من رضا المستعير؛ لأن الأول بيع، والثاني إجارة. رابعها: محل ذلك: في الأرض الخالصة للمعير، أما لو كان شيء منها للمستعير .. لم يكن للمعير إلا التبقية بأجرة، حكاه في "الروضة" وأصلها عن المتولي من غير مخالفة (٦)، وهو وارد على "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا، لكن في "فتاوى ابن الصلاح": أن للشريك أن يتملك بالقيمة من البناء بقدر حصته من الأرض، ويصير البناء مشتركًا بينهما كاشتراكهما في الأرض (٧)، ويوافقه في "التتمة" في الشفعة: تخيير الشريك بين الخصال الثلاثة، حكاه في "المهمات". ويستثنى من ذلك أيضًا: ما لو وقف المستعير البناء أو الغراس .. فليس للمالك التملك بالقيمة ولا القلع مع الأرش، بل يتعين عليه التبقية بأجرة، ذكره ابن الرفعة والسبكي. خامسها: لم يبين "المنهاج" و"الحاوي" قدر الأجرة، ولا يصح إنهاء ما يطلبه المعير، ولا أن يفرض الحاكم أجرة المثل حالة؛ إذ لا ضابط للمدة، ولا مقسطة؛ لأنه لا يفرضه، قال شيخنا الإسنوي: وأقرب ما يمكن: سلوك ما ذكروه في (الصلح) من بيع حق البناء دائما بعوض حال بلفظ البيع أو الإجارة وإن جهلت المدة، لكنه يلزم منه أن يبني ويغرس غيره عند تلفه أو قلعه، أو يؤجره لغيره، وهو بعيد.

стр. 1026

وقال في "التوشيح": يتفرع على اعتبار رضا المستعير: أن المعير إذا اختار التبقية بأجرة .. اشترط تعيين المدة كسائر الإجارات، وإذا عين مدة وعين المستعير أقل منها أو أكثر .. فهو الذي ينبغي أن يجاب، وإذا انقضت .. فهل يتعين بعد انقضائها الإجارة لرضاه بها أولًا، أو له الانتقال إلى خصلة أخرى مما كنا نمكنه منها ابتداء؟ فيه نظر واحتمال، والأقرب: التعيين، قال: وعلى عدم اعتبار رضاه أنه لا يتعين مدة، كما لا يشترط لفظ، وإنما يكون حكمها حكم الإجارة، وتكون دائمة، فإذا قال: أُبقيها بأجرة المثل .. وجب الإبقاء بذلك، قال: وكثيرًا ما يقع في المحاكمات أرض يستأجرها إنسان مدة معينة للبناء، وتنقضي المدة، ويختار المؤجر الإبقاء بأجرة بعينها، ويرضى بها المستأجر، ثم يطلب زيادة .. فلا أمكنه وإن رغب راغب بزيادة، أو ارتفعت الأجرة؛ لورود العقد على معلوم، فلا يتطرق إليه الفسخ بالزيادة وإن كانت الأرض وقفًا والمؤجر ناظرًا إذا كانت وقعت بأجرة المثل وقت الإيجار؛ لأنه نظير زيادة تحدث في العين. سادسها: أرش النقص هو التفاوت بين قيمتة قائمًا ومقلوعًا، وينظر في قيمته قائمًا إلى أنه مستحق القلع بالأرش؛ فإن قيمته حينئذ أنقص، نبه عليه صاحب "البيان" (١)، وأشار السبكي إلى أن ذلك إذا قلنا: إن إفراد الواجب المخير واجبة ليكون القلع مستحقًا قبل اختياره، وإلا .. فلا يتعين أحدها إلا باختياره، وقبله هو مستحق الإبقاء بغير أجرة. سابعها: قال السبكي: إذا اختار القلع وبذل الأرش .. لا ينبغي أن يكتفي الحاكم بذمته، بل لا يمكنه من القلع إلا بدفع الأرش، وللمستعير منعه من القلع حتى يقبضه، أو يكون على يد من يأمن عليه، وإن لم يصرح الأصحاب بذلك. ثامنها: ظاهر كلامهم: أنه لو أراد فعل بعض هذه الخصال في البعض وبعضها في البعض الآخر .. لم يمكن منه، وذكره في "التوشيح" بحثًا، وهو واضح. ٢٥٧١ - قول "الحاوي" [ص ٣٤٩]: (فإن أبى .. كُلِّف التفريغَ) أي: إن أبى المستعير الخصال الثلاث .. كلف تفريغ الأرض، كذا ذكره الرافعي (٢)، وأسقطه في "الروضة"، والذي في "المنهاج" [ص ٢٨٨, ٢٨٩]: (فإن لم يختر .. لم يقلع مجانًا إن بذل المستعير الأجرة، وكذا إن لم يبذلها في الأصح)، ومعناه: إن لم يختر المعير إحدى الخصلتين المخير بينهما فيه، وهما التبقية بأجرة والقلع بالأرش، وكذا هو في "الروضة" وأصلها فيما إذا امتنع من القلع بالأرش والتملك بالقيمة بناء على ترجيحهما هناك، فقال في "الروضة" وأصلها: وبه قطع المخيرون بين

стр. 1027

الخصال الثلاث إذا امتنع منها جميعًا. انتهى (١). وكان ينبغي لـ"الحاوي" ذكر هذا التفريع على ما اختاره من التخيير بين الخصال الثلاث. واعلم: أنه على الأصح في "المنهاج": يؤول الأمر إلى التخيير بين القلع بالأرش والتبقية بلا أجرة، وهو ظاهر "التنبيه" كما تقدم (٢). ٢٥٧٢ - قول "المنهاج" [ص ٢٨٩]: (الأصح: أنه يُعرض عنهما حتى يختارا شيئا) كذا في نسخة المصنف تبعًا لـ" المحرر" بالتثنية (٣)، وكذا في أكثر نسخ "الشرحين" (٤)، والصواب: حذف الألف، كما في "الروضة" (٥) لأن الاختيار إلى المعير خاصة كما تقدم. ٢٥٧٣ - قولهما: (ولا يمنع من دخولها للسقي والإصلاح) (٦) أعم من قول "المحرر" والروضة" وأصلها: (ومرمة الجدار) (٧)، وعبارة "الحاوي" [ص ٣٤٩]: (المرمَّةُ) ولعله أعم من مرمة الجدار، فهو مثل التعبير بالإصلاح. ٢٥٧٤ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولكلٍّ بيعُ ملكِهِ) (٨) قد يتناول ما إذا باعاهما لثالث بثمن واحد، وهو صحيح على الأصح؛ للحاجة، بخلاف ما إذا كان لاثنين عبدان لكل منهما عبد، فباعاهما بثمن واحد، ولم يعلم ما يقابل كلًا منهما عند العقد .. فإنه باطل على الأصح في "تصحيح التنبيه" و"شرح المهذب" كما تقدم في موضعه (٩)، ونقله الرافعي في (الصداق) عن النص (١٠). ٢٥٧٥ - قول "المنهاج" [ص ٢٨٩]: (وفي قولٍ: له القلع فيها - أي: في العارية المؤقتة - مجانًا إذا رجع) محل هذا القول: بعد المدة، وهو بعدها لا يحتاج إلى رجوع؛ فكان ينبغي التعبير بالانتهاء دون الرجوع، وعبر في "الروضة" وأصلها بالرجوع بعد المدة (١١)، وفيه تجوّز.

стр. 1028

٢٥٧٦ - قول "المنهاج" [ص ٢٨٩]- والعبارة له - و"الحاوى" [ص ٣٤٩]: (وإذا أعار لزراعةٍ ورجع قبل إدراك الزرع .. فالصحيح: أن عليه الإبقاء إلى الحصاد) فيه أمران: أحدهما: أن محله: فيما لا يعتاد قلعه حينئذ، وإلا .. كلّف قلعه، وكان هذا مراد "التنبيه" بقوله [ص ١١٢]: (ثم رجع والزرع قائم، فإن كان مما يحصد قصيلًا .. حصد)، قال النووي في "التحرير": وقوله: (قصيلًا) أي: مقصولًا، وهو المقطوع (١). قال ابن الرفعة: وإذا كان كذلك .. لم يستقم نظمه. ثانيهما: قال في "المطلب": محل ذلك: ما إذا نقص بالقلع، فإن لم ينقص .. أجبر عليه. انتهى. وهذا إن صح .. وارد على "التنبيه" أيضًا. ٢٥٧٧ - قول "التنبيه" [ص ١١٢]: (وإن قال: "ازرع الحنطة" .. لم يقلع إلى الحصاد) هذا مندرج في قوله فيما تقدم: (وإن كان مما لا يحصد) أي: قصيلًا، وإنما ذكره؛ لينبه على أن ما لا يحصد قصيلًا إذا أذن فيه بخصوصه ثم رجع .. لا أجرة له، كما حكاه القاضى حسين وجهًا؛ لرضاه بشغل أرضه إلى تلك الغاية، وجزم في الأولى بالأجرة؛ لأنه لا يتحقق زرع ما يبقى إلى هذه الغاية، ذكره في "الكفاية". قال النشائي: وحينئذ .. فيُستَدرك على "التصحيح" في سكوته عنه؛ لإطلاق الرافعي و"الروضة" تصحيح الأجرة، كما هو ظاهر "الكفاية" (٢). قلت: إنما يستدرك "التصحيح" المخالفة الصريحة، ولا يستدرك على ما يفهم بالقرينة، والله أعلم. وعبر في "المنهاج" في وجوب الأجرة بالصحيح (٣)، وعبر في "الروضة" بالأصح (٤). ويرد على "التنبيه": أن محل الإبقاء إلى الحصاد: ما إذا لم يقصر، فإن قصر؛ بأن عين له مدة فأخر الزرع فلم يدرك .. قلع مجانًا، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص ٣٤٩]: (لا إن عيّن مدة فأخر) و"المنهاج" بقوله [ص ٢٨٩]: (فلو عين مدة ولم يُدرك فيها؛ لتقصيره بتأخير الزراعة .. قلع مجانًا). قال شيخنا ابن النقيب: وقوله: (لتقصيره) علة للقلع مجانًا، فإن لم يكن كذلك .. لم يقلع

стр. 1029

مجانًا، بل هو كالعارية مطلقًا سواء كان عدم الإدراك لحر أو برد أو مطر أو لقلة المدة المعينة أو لأكل الجراد رأسه، فنبت ثانيًا (١). ٢٥٧٨ - قول "المنهاج" [ص ٢٨٩]: (ولو حمل السيل بذرًا إلى أرضه فنبت .. فهو لصاحب البذر) لم يصرح به "التنبيه" و"الحاوي"، ولا هو في "الروضة" و"الشرحين"، ولكنه مفهوم من ذكر الخلاف في الإجبار على قلعه مجانًا. وفي معنى السيل: الهواء، والمراد بالبذر: المبذور، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، وتسميته بذلك باعتبار أنه سيصير مبذورًا، ففيه تجوز من وجهين، وتناول إطلاقه ما لا قيمة له؛ كحبة أو نواة، وحكى الرافعي فيه وجهين بلا ترجيح (٢)، وصحح النووي: أنه لصاحب البذر - كإطلاق "المنهاج" - قال: فإن كان صاحبها أعرض عنها وألقاها .. فينبغي القطع بأنها لصاحب الأرض (٣)، وهذه الأمور ينكت بها على عبارة "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا. ٢٥٧٩ - قول "التنبيه" [ص ١١٣]: (فقد قيل: يجبر على قلعه، وقيل: لا يجبر) الأصح: الأول كما في "المنهاج" و"الحاوي"، وزاد فيه: التصريح بكونه مجانًا (٤)، أي: لا يعطيه مالك الأرض أرش النقص، قال الماوردي في (الغصب): وأصح من هذين الوجهين: أن ينظر في الزرع بعد قلعه؛ فإن كانت قيمته مثل قيمة الحنطة .. قلع، وإن نقصت .. لم يقلع، ويندفع الضرر عن المالك بالأجرة (٥)، وسكتوا عن الأجرة للمدة التي قبل القلع، وجزم في "المطلب" بعدمها وإن كثر؛ لعدم الفعل منه، وفيه وجه حكاه الجويني. ٢٥٨٠ - قول "التنبيه" [ص ١١٣]: (وإن دفع إليه دابة فركبها ثم اختلفا، فقال صاحب الدابة: "أكريتكها، فعليك الأجرة"، وقال الراكب: "بل أعرتني" .. فالقول قول الراكب في أصح القولين) فيه أمور: أحدها: أن الذي رجحه الرافعي والنووي: تصديق صاحب الدابة (٦)، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٧). ثانيها: أن صورة المسألة: أن يختلفا بعد مضي مدة لها أجرة، فإن لم تمض مدة لها أجرة .. فلا معنى للمنازعة، فيرد المال إلى مالكه.

стр. 1030

ثالثها: وصورتها أيضًا: أن تكون الدابة باقية، فإن كانت تالفة؛ فإن تلفت عقب الأخذ .. فهو مقر بالقيمة لمنكرها، أو بعد مدة لها أجرة؛ فإن قلنا: اختلاف الجهة يمنع الأخذ .. سقطت القيمة، وفي الأجرة الخلاف، وإلا - وهو الراجح - فإن لم تزد الأجرة على القيمة .. أخذها بلا يمين، وإن زادت .. أخذ قدرها، وفي المصدق في الباقي الخلاف، وهذان الأمران يردان على "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا. رابعها: ظاهر إطلاقهم: تصديق المالك على الراجح في "المنهاج" و"الحاوي" (١)، والمرجوح في "التنبيه" يوهم استحقاقه المسمى إذا حلف على نفي الإعارة وإثبات الإجارة إتمامًا لتصديقه، والأصح: أجرة المثل. وقد أورد بعضهم على قول "المنهاج" [ص ٢٨٩]: (فالمصدق المالك على المذهب) أن ظاهره: أنه طريقة قاطعة، وهو مخالف لما في "الروضة" إذ ليس فيها طريقة قاطعة بذلك، بل طريقان، إحداهما: القطع بأن المصدق الراكب، والثانية: قولان. انتهى (٢). ولا يفهم من قول "المنهاج": (المذهب كذا) القطع به، بل يقتضي أن المرجح: ما ذكره؛ إما مع القطع أو بدونه، وعبارته في خطبته: (وحيث أقول: "المذهب" .. فمن الطريقين أو الطرق) انتهى (٣). وذلك لا يدل على ترجيح طريقة القطع، والله أعلم. ٢٥٨١ - قول "التنبيه" [ص ١١٣]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٣٥٠]: (وإن قال صاحب الدابة: "أعرتكها" وقال الراكب: "بل أجرتني" .. فالقول قول صاحب الدابة) صورة المسألة: أن تكون الدابة قد تلفت في يد الراكب، أو هي باقية ولم تمض المدة التي ادعى الراكب وقوع عقد الإجارة عليها، أما لو كانت باقية وقد انقضت المدة .. فلا يظهر للاختلاف فائدة. ٢٥٨٢ - قول "التنبيه" [ص ١١٣]: (وإن قال صاحب الدابة: "غصبتني" وقال الراكب: "بل أعرتني" .. فالقول قول الراكب) الأصح: إجراء القولين المتقدمين فيما لو قال المالك: (أجرت) والراكب: (أعرت)، وأصحهما: تصديق المالك؛ ولهذا قال "المنهاج" لما ذكر الصورة المتقدمة [ص ٢٨٩]: (وكذا لو قال: "أعرتني" وقال: "بل غصبت مني")، وكذا سوّى "الحاوي" بين الصورتين (٤)، وأقر النووي في "تصحيحه التنبيه" على الجزم بهذا مع استدراكه

стр. 1031

عليه في الصورة المتقدمة (١)، ولم يذكر في "المهذب" أن أحدًا صار إليه (٢) وإن نقله المزني، ولصورة المسألة شرطان: أحدهما: أن يكون ذلك بعد مضي مدة لها أجرة، وإلا .. فلا معنى للاختلاف. ثانيهما: أن تكون العين باقية، فإن كانت تالفة .. فقد ذكره "المنهاج" في قوله [ص ٢٨٩]: (فإن تلفت العين .. فقد اتفقا على الضمان) لكن الأصح: أن العارية تضمن بقيمة يوم التلف، فإن كان ما يدعيه المالك أكثر .. حلف للزيادة، ومراده: تلفها في هذه الصورة الأخيرة، وهي اختلافهما في الإعارة والإجارة؛ بدليل قوله: (فقد اتفقا على الضمان) ولم يتعرض "الحاوي" لهذين الشرطين. وأما إذا تلفت فيما قبلها .. فتقدم حكمه، وتعبير "المنهاج" بالأصح (٣) يقتضي أن الخلاف أوجه، كما في "الروضة" (٤)، والذي في "المحرر": (أصح القولين) (٥)، وفي "شرح الرافعي": ثلاثة أوجه (٦)، وسماها الزجاجي أقوالًا، وكلامه يقتضي تضمين العارية بالقيمة مطلقًا، وقد تقدم ما فيه، والله أعلم. * * *

стр. 1032

كتابُ الغَصْب ٢٥٨٣ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٠]: (هو: الاستيلاء على حق الغير عدوانًا) أحسن من تعبير "المحرر" و"الحاوي" بـ (المال) (١) فإن الحق يشمل الكلب والسرجين وجلد الميتة وحبة الحنطة وحق التحجر، وكذا المنافع؛ كإقامة من قعد بمسجد أو موات أو استحق سكنى بيت برباط، قاله في "الدقائق" (٢)، لكن تعبير "الحاوي" بـ (غير) (٣) أحسن من تعبير "المنهاج" بـ (الغير) (٤) لامتناع إدخال (أل) على (غيرٍ) وإن كثر في ألسنة الفقهاء. وقوله: (عدوانًا) (٥) مثل قول "الحاوي" [ص ٣٥١]: (ظلمًا)، ويرد عليهما: ما إذا أخذ مال غيره يظنه ماله .. فإنه غصب يضمن ضمان الغصوب، وليس عدوانًا ولا ظلمًا، ولا يرد ذلك على تعبير "الروضة" بقوله: (بغير حق) (٦) فالتعبير به أولى، وقد حكى في "الروضة" وأصلها عن الإِمام: أنه اختار هذه العبارة، وقال: لا حاجة إلى التقييد بالعدوان، بل يثبت الغصب وحكمه من غير عدوان كهذه الصورة، لكن قال الرافعي: إن أشبه العبارات وأشهرها التعبير بالتعدي، قال: والثابت في هذه الصورة حكم الغصب لا حقيقته (٧)، ولذلك قال شيخنا ابن النقيب: التعبير بعدوانًا أحسن. انتهى (٨). وفيه نظر؛ لأن القصد بيان الغصب حكمًا وشرعًا لا لغة، ولذلك عبر في "الروضة" من زيادته بقوله: (بغير حق) بعد نقله كلام الرافعي المتقدم، فكأنه لم يرضه، لكن قال في "المهمات": إن تعبيره به ذهول عما تقدم، والصواب: (عدوانًا)، وقال في "المطلب": إن أراد بالحق: ما وجب له؛ كالمستأجر ونحوه .. خرج به الوكيل والمستعير والمودع ونحوهم ممن ليس له حق واجب في العين، وإن أراد بالحق: الجائز .. فهو مساوٍ للتعبير بالعدوان، قال في "المهمات": وأقرب شيء فيه أن يقال: أراد بالحق: المسوغ في نفس الأمر .. فلا اعتراض. انتهى.

стр. 1033

ويرد على العبارات كلها: السرقة؛ فليست غصبًا مع دخولها في تعريفه، فينبغي أن يزاد: (جهرًا) كما حكاه القاضي، واستحسنه في "الشرح الصغير". ٢٥٨٤ - قول "الحاوي" في أمثلة المال [ص ٣٥١]: (ومكاتبًا) مخالف لقوله في (الأيمان): بعدم الحنث بالمكاتب فيما إذا حلف لا مال له (١)، ولعل الفرق: اعتبار العرف هناك. ٢٥٨٥ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٠]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٣٥١]: (فلو ركب دابة أو جلس على فراش .. فغاصبٌ وإن لم يَنْقُلْ) يقتضي أنه لا فرق بين أن يقصد الاستيلاء أم لا، وبه صرح في أصل "الروضة" (٢)، وهو مخالف لكلام الرافعي؛ فإنه قال: ويشبه أن تصور المسألة بما إذا قصد الاستيلاء، فإن لم يقصد .. ففي "التتمة": أن في كونه غاصبًا وجهين (٣)، فأسقط في "الروضة" هذا وقال ما تقدم. قال السبكي: وفي تصحيح الغصب فيما إذا لم يقصد الاستيلاء نظر، والذي في "فتاوى البغوي": أنه لا يضمن، وليس الوجهان في "التتمة" في كونه غاصبًا، بل في كونه ضامنًا. انتهى. وفي "أصل الروضة" عن المتولي: أن هذا إذا كان المالك غائبًا، فإن كان حاضرًا فأزعجه وجلس على الفراش، أو لم يزعجه وكان بحيث يمنعه من رفعه والتصرف فيه .. فيضمنه قطعًا، قال الرافعي: وقياس العقار: ألَّا يكون غاصبًا إلا لنصفه. انتهى (٤). وما بحثه الرافعي صرح به القاضي حسين، لكن فيما إذا كان المالك يزجره فلم ينزجر، وهي فرد مما دخل في كلام الرافعي، قاله في "المهمات". ومقتضى كلام المتولي: أنه لو حضر المالك فلم يزعجه ولا منعه التصرف فيه .. لم يكن غاصبًا له. ٢٥٨٦ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٠]: (ولو دخل داره) أي: بأهله على هيئة من يقصد السكنى، كذا قيده في "الروضة" وأصلها (٥)، وفي "المطلب": إذا اجتمع الإزعاج والدخول .. فالأقرب أنه غصب وإن خلا عن هيئة السكنى، وهو يؤيد ما في "المنهاج" (٦). ٢٥٨٧ - قوله: (وفي الثانية وجهٌ) (٧) أي: فيما إذا أزعجه ولم يدخل.

стр. 1034

اعترض عليه: بأنه لم يحكه في "الروضة" وأصلها إلا عن الغزالي، وحكيا الأول عن مقتضى كلام عامة الأصحاب (١)، فليس في المسألة نقل صريح؛ ولذلك قال في "المحرر": (فالأشبه: أنه غاصب) (٢). ٢٥٨٨ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٠]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٣٥١]: (فيما لو دخل بقصد الاستيلاء والمالك فيها ولم يزعجه .. فغاصبٌ لنصف الدار إلا أن يكون ضعيفًا لا يُعدُّ مستوليًا على صاحب الدار) قياسه: أنه لو كان المالك ضعيفًا والداخل قويًا .. يكون غاصبا لجميعها, ولم يصرحوا به. ٢٥٨٩ - قول "التنبيه" [ص ١١٣]: (إذا غصب شيئًا له قيمة .. ضمنه بالغصب - أي: عند التلف - ويلزمه رده) أي: عند البقاء. ولزوم الرد لا يتوقف على أن يكون له قيمة، فيلزم رد الكلب الذي فيه منفعة، والخمرة المحترمة، وحبة الحنطة وإن لم يكن لها قيمة؛ ولذلك أطلق "المنهاج" أن على الغاصب الرد (٣)، لكنه عقبه بقوله [ص ٢٩٠]: (فإن تلف عنده .. ضمنه)، ولا بد من تقييد هذا الثاني بأن يكون متقومًا، وحاصل هذا: أن الرد مطلق والضمان مقيد، فقيدهما "التنبيه"، وأطلقهما "المنهاج"، وكلاهما معترض. وشرط الضمان أيضًا: أن يكون المتلف أهلًا للضمان لا كحربي. وذكر شيخنا الإِمام ابن النقيب أن قول "المنهاج" [ص ٢٩٠]: (تلف) لا يتناول ما إذا أتلفه هو أو أجنبي، لكنه مأخوذ من باب أولى (٤). وفيه نظر؛ فإن المتلف قد تلف، وعبر "التنبيه" بقوله [ص ١١٤]: (وإن تلف المغصوب عنده أو أتلفه) فأورد عليه: ما إذا أتلفه أجنبي، وذلك الإيراد واضح؛ لأنه لما ذكر الإتلاف بعد التلف .. علمنا أنه أراد: التلف بآفة، فلا معنى لتقييد الإتلاف بأن يكون هو المتلف، والله أعلم. فلو غصب من غير المالك .. برئ بالرد إلى المودع والمستأجر في الأصح، لا إلى الملتقط، وفي المستام والمستعير وجهان. ٢٥٩٠ - قول "الحاوي" [ص ٣٥١]: (ورد المغصوب بالزائد وضمنه ولو بفعله) أي: يضمن الزائد ولو حصلت الزيادة بفعله.

стр. 1035

قد يدخل فيه: ما لو زادت قيمة الجارية بتعليم الغناء ثم نسيته، لكن قال الرافعي: نقل الروياني عن النص: أنه لا يضمن النقص؛ لأنه محرم، وعن بعض الأصحاب: أنه يضمنه، قال: وهو الاختيار (١)، قال النووي: الأصح المختار: هو النص. انتهى (٢). والتعليل بكونه محرمًا مخالف للمصحح في (الشهادات) من الكراهة فقط. ٢٥٩١ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٠]: (ولو أتلف مالًا في يد مالكه .. ضمنه) ليست هذه المسألة من الغصب، لكن الأصحاب استطردوا بذكر العدوان سواء كان باليد العادية وهو الغصب، أو بالمباشرة كهذه، أو بالتسبب؛ كفتح القفص ونحوه مما سيذكر. ٢٥٩٢ - قول "التنبيه" [ص ١١٦]: (وإن فتح زقًا فيه مائع فاندفق ما فيه .. ضمن) فصّل ذلك "المنهاج" إلى مطروح على الأرض ومنصوب، فقال [ص ٢٩٠]: (ولو فتح رأس زق مطروح على الأرض فخرج ما فيه بالفتح، أو منصوب فسقط بالفتح وخرج ما فيه .. ضمن)، وصور في "أصل الروضة" سقوطه بالفتح: بأن كان يحرك الوكاء ويجذبه حتى أفضى إلى السقوط، وبما إذا فتح رأسه فأخذ ما فيه في التقاطر شيئًا فشيئًا حتى ابتل أسفله وسقط (٣)، فقول "الحاوي" [ص ٣٥٣]: (وفتح زقًا فتقاطر وسقط) اقتصار على إحدى الصورتين، وكأن الأولى واضحة مفهومة من طريق الأَولى، فلو حضر المالك وأمكنه التدارك فلم يفعل .. فوجهان. ٢٥٩٣ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٠]: (وإن سقط بعارض ريحٍ .. لم يضمن) التقييد بالعروض يفهم الضمان بالمقارن، قال شيخنا ابن النقيب: وهو متجه؛ كتفريقهم في إيقاد النار بينهما، وجوز في "المطلب" تخريجه على الخلاف في وضع الصبي في مسبعةٍ (٤) فافترس، والأصح فيه: عدم الضمان، قال ابن النقيب: والصواب: الأول (٥). وعبارة "الحاوي" [ص ٣٥٣]: (لا إن سقط بريح)، فلم يقيدها بالعروض، لكن التقييد في "الروضة" وأصلها (٦). وفي معنى الريح: الزلزلة ووقوع طير، وعبارة "التنبيه" [ص ١١٦]: (وإن بقي ساعة ثم وقع بالريح فسأل ما فيه .. لم يضمن). ٢٥٩٤ - قول "التنبيه" [ص ١١٦]: (فيما لو فتح قفصًا عن طائر فطار عقب الفتح .. فيه قولان،

стр. 1036

أصحهما: أنه لا يضمن) تبع فيه القاضي أبا الطيب، والأصح: الضمان، ومحلهما: ما إذا لم يهيجه، فإن هيجه .. ضمن قطعًا، وقد أوضح ذلك "المنهاج" (١)، لكن قوله: (فالأظهر: أنه إن طار في الحال .. ضمن، وإن وقف ثم طار .. فلا) (٢) موافق لعبارة "الروضة"، ومخالف لكلام "الشرحين" فيما إذا وقف ثم طار؛ فإن فيها ترجيح القطع بعدم الضمان (٣). ثم إن الحكم لا يختص بالطائر؛ ففتح الإصطبل عن الدابة والسجن عن العبد المجنون كذلك؛ ولهذا عبر "الحاوي" بـ (غير العاقل) (٤)، وهو شامل للجميع. ٢٥٩٥ - قول "التنبيه" [ص ١١٦]: (وإن سقى أرضه فأسرف حتى أهلك أرض غيره، أو أجج نارًا على سطحه فأسرف حتى تعدى إلى سطح غيره .. ضمن) فيه أمران: أحدهما: يرد على تقييده بالإسراف في الأولى: ما إذا لم يسرف، ولكن كان فيها شق وهو عالم به فلم يحتط .. فيضمن، ذكره الرافعي في (الديات) (٥)، وحكاه في "الكفاية" هنا عن البندنيجي، قال القاضي حسين: وكذا لو لم يعلم به، وفيه نظر. وفي الثانية: ما إذا كان التأجيج وقت هبوب الريح .. فيضمن وإن لم يُسرف؛ ولذلك قال "الحاوي" في (الجنايات) [ص ٥٥٠]: (وأوقد في سطحٍ يومَ ريحٍ)، والتقييد بيوم الريح محله: ما إذا كان الإيقاد على سطح ملكه، فإن كان على سطح غيره .. ضمن مطلقًا. ثانيهما: لو قال: (فأتلف شيئًا) .. كان أعم وأخصر من قوله: (فأهلك أرض غيره)، و (حتى تعدى إلى سطح غيره). ٢٥٩٦ - قول "الحاوي" عطفًا على المنفي [ص ٣٥٣، ٣٥٤]: (أو حبسه فهلكت ماشيته) أي: فلا يضمن، قال الرافعي: كذا قالوه؛ ولعل صورته فيما إذا لم يقصد منعه عن الماشية، وإنما قصد حبسه فأفضى الأمر إلى هلاكها؛ فإن المتولي حكى وجهين في الضمان فيما لو منعه سقي زرعه حتى فسد (٦)، قال النووي: الأصح في صورتي الماشية والسقي: أنه لا ضمان (٧). ٢٥٩٧ - قول "المنهاج" [ص ٢٩١]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٣٥٧]: (والأيدي المترتبة على يد الغاصب أيدي ضمان) يستثنى منه: يد الحاكم وأمينه، ومن انتزع المغصوب ليرده لمالكه

стр. 1037

إن كان الغاصب حربيًا أو عبدًا للمغصوب منه، وكذا غيرهما في وجه، وقال السبكي: الحق: أن لآحاد الناس انتزاع المغصوب من الغاصب، وقد نص عليه الشافعي في (سير الواقدي) فقال: إذا دخل المسلم دار الحرب ووجد مال غيره من المسلمين أو أهل الذمة مما غصبه المشركون .. كان له أن يخرج به (١). قلت: النص المذكور في الحربي، وليس ضامنًا، فلا نعدِّي ذلك لغيره ممن هو ضامن، والله أعلم. ٢٥٩٨ - قولهما أيضًا: (ثم إن علم .. فكغاصبٍ من غاصبٍ، فيستقر عليه ضمان ما تلف عنده) (٢) يستثنى: ما لو كانت القيمة في يد الأول أكثر .. فالمطالب بالزيادة هو الأول خاصة. ٢٥٩٩ - قول "التنبيه" فيما إذا كان المغصوب طعامًا فأطعمه إنسانًا [ص ١١٥، ١١٦]: (وإن قدمه إليه ولم يقل: هو لي أو مغصوب، فضمن الآكل .. رجع في أحد القولين دون الآخر) الأصح: أن قرار الضمان في هذه الصورة على الآكل .. فلا يرجع، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص ٢٩١]: (وإن حمله الغاصب عليه؛ بأن قدَّم له طعامًا مغصوبًا ضيافة فأكله .. فكذا في الأظهر) أي: القرار على الآكل، ومحل القولين: عند جهل الآكل، فإن علم .. فالقرار عليه قطعًا، أما لو قال: (هو لي): فإن ضمن الآكل .. لم يرجع على الغاصب في الأظهر، وإن ضمن الغاصب .. لم يرجع على المذهب؛ لأنه معترف بأنه مظلوم، فلا يرجع على غير ظالمه، فليس القرار حينئذ على واحد منهما. وقد ذكر هذه المسألة "التنبيه" (٣)، ولم يتعرض "المنهاج" للتصريح بها (٤)، وقد يُدعى دخولها في عبارته؛ لصدق التقديم ضيافة عليها, لكن يبقى مقتضى عبارته أن القرار على الآكل، وليس كذلك كما عرفت، بل من غرم منهما لا يرجع على الآخر. ٢٦٠٠ - قول "التنبيه" فيما إذا أطعم المغصوب منه المغصوب [ص ١١٦]: (وإن لم يعلم .. ففيه قولان) الأظهر: أنه يبرأ، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (٥). ٢٦٠١ - قول "التنبيه" فيما إذا أودع المالك العين المغصوبة عند الغاصب [ص ١١٦]: (فقد قيل: يبرأ، وقيل: لا يبرأ) الأصح: أنه يبرأ، ذكره في "التصحيح" هنا (٦)، وهو في

стр. 1038

"المنهاج" و"الحاوي" في (الرهن) (١)، أما لو أودعه الغاصب للمالك .. لم يبرأ بذلك من ضمانه، ذكره "الحاوى" هنا، فقال [ص ٣٥٨]: (لا بالإيداع)، وعبارته موهمة لقوله بعدها [ص ٣٥٨]: (والقتل دفعا)، وقد عُرف أن الإيداع من الغاصب والدفع من المالك، وليست هذه الصورة الثانية في "المنهاج". فصْل [ضمان المغصوب] ٢٦٠٢ - قول "المنهاج" [ص ٢٩١]: (تُضمن نفس الرقيق بقيمته أُتِلف أو تَلِفَ تحت يدٍ عاديةٍ) كذا في كتب الرافعي والنووي (٢)، ولو قالا: (ضامنة) .. لكان أعم؛ لتناوله المستعير والمستام وغيرهما ممن يضمن وليس متعديًا، ولكن الباب معقود للتعدي، فاقتصر على ذكره. ٢٦٠٣ - قوله: (وأبعاضه التي لا يتقدر أرشها من الحُرِّ بما نقص من قيمته) (٣) يقتضي نفي الخلاف فيه، وكذا صرح به في "الروضة" في (الديات) (٤)، لكن قال المتولي: لو كانت الجناية في يد أو رجل وقلنا: يلزمه بسبب قطع ذلك العضو مقدر وكان الناقص أكثر منه أو مثله .. فلا نوجب جميعه؛ لئلا تزيد الجناية بخلل في العضو على نفس العضو، ويوجب الحاكم حكومة باجتهاده، نقله شيخنا الإِمام البلقيني، وقال: وهو تفصيل لا بد منه، وإطلاق من أطلق يحمل عليه. ٢٦٠٤ - قوله في المقدرة إذا تلفت: (وعلى الجديد: تتقدر من الرقيق، والقيمة فيه كالدية في الحر، ففي يده نصف قيمته) (٥) محله: ما إذا لم تنقص عن أرش ما نقص من القيمة، فإن نقص .. وجب أرش النقص، فالواجب: أكثر الأمرين من أرش النقص والمقدر؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص ٣٥٢]: (بالأكثر من النقص والمقدر). ٢٦٠٥ - قول "المنهاج" [ص ٢٩١]: (وسائر الحيوان بالقيمة)، قال شيخنا الإسنوي: أي: تُضمن أعضاؤه بما نقص من القيمة، قال: هذا مراده، وأما ما دل عليه كلامه وهو تلف النفس .. فلا تستقيم إرادته؛ لأنه لا فرق فيه بين الآدمي وغيره، فلا تستقيم التفرقة.

стр. 1039

قال شيخنا ابن النقيب: لكن لا يُعلم من هذا التفسير بماذا تضمن نفسه، فلو حمل على ما هو أعم من النفس والأبعاض .. لكان أحسن (١). قلت: وتستقيم التفرقة؛ للتفصيل في الآدمي، والإطلاق في غيره. ٢٦٠٦ - قول "المنهاج" [ص ٢٩١]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٣٥١]: (والأصح: أن المثلي: ما حصره قيل أو وزن وجاز السلم فيه) استحسنه الرافعي، وقال: لا يقال: كل مكيل أو موزون؛ لأن المفهوم منهما ما يعتاد كيله أو وزنه، فيخرج عنه الماء والتراب، وهما مثليان (٢). واختار الإِمام السبكي وشيخنا الإسنوي أنه لا فرق؛ فإن المراد: ما لو قدر .. لقدر بأحدهما وهما كذلك، وليس المراد: ما أمكن وزنه؛ فإن كل مال يمكن وزنه. واعلم: أن ابن الصلاح قال: إن المعيب ليس بمثلي، ويجب فيه قيمة مثله، فيرد ذلك على عبارتهم؛ لصدق الضابط عليه. ٢٦٠٧ - قول "المنهاج" في أمثلة المثلي [ص ٢٩١]: (وعنبٍ) مخالف لنقله في زكاة المعشرات عن الأكثرين: إيجاب القيمة فيما إذا أتلف المالك الثمرة بعد الخرص، ونقله قبل ذلك عن النص، قال في "المهمات": وحينئذ .. يكون المفتى به: أنه متقوم؛ لنص الشافعي وذهاب الأكثرين إليه. ٢٦٠٨ - قوله: (ودقيقٍ) (٣)، قال شيخنا ابن النقيب: ذكر في "الروضة" بعد ذلك ما يفهم أن الدقيق متقوم (٤). قلت: وكأنه أشار بذلك إلى قوله: إنه لا يصح إطلاق الجواب بغرم المثل ولا القيمة فيما إذا غصب حنطة في الغلاء فتلفت عنده ثم طولب في الرخص، بل الصواب: أن يقال: إن تلفت وهي حنطة .. غرم المثل، وإن صارت إلى حالة التقويم ثم تلفت .. فالقيمة، لكن هذا إنما بناه على أن الدقيق ليس مثليًا كما صرح به في أول كلامه، فليس في المذكور بعد ذلك مخالفة للمذكور هنا. ٢٦٠٩ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: "فيضمن المثلي بمثله تَلِفَ أو أُتلِفَ) (٥) يستثنى منه أمور: أحدها: إذا لم يكن للمثل عند المطالبة قيمة؛ كما إذا أتلف الماء في المفازة وطولب عند نهر، أو الجمد في الصيف وطولب في الشتاء .. فإنه يلزمه قيمته في مكان الإتلاف وزمانه، قال شيخنا

стр. 1040

ابن النقيب: ومقتضى كلامهم: التصوير بما إذا لم يكن له في البلد والشتاء قيمة ألبتة، فإن كانت ولو يسيرة .. وجب المثل، وهو مشكل (١). قلت: لا إشكال فيه؛ لأن الأصل المثل، وإنما يعدل عنه إذا لم يصر له في تلك الحالة مالية، ولا نظر إلى زيادة قيمة المثل ونقصها، كما لا نظر إلى تفاوت الأسعار عند رد العين على المذهب. ثانيها: الحلي، فإذا أتلف حليًا من ذهب أو فضة أو آنية، وجوزنا اتخاذها .. فالأصح: ضمان الكل بنقد البلد وإن كان من جنسه، ولا ربًا؛ لاختصاصه بالعقود، وقد ذكره "التنبيه" بعد ذلك (٢). ثالثها: ما إذا لم يجد المثل إلا بأكثر من ثمن مثله .. فالأصح في زوائد "الروضة": أنه لا يلزمه تحصيله (٣)، وقد تبع فيه "التنبيه" حيث قال [ص ١١٤]: (فإن أعوزه المثل أو وجده بأكثر من ثمن المثل .. ضمنه بقيمته)، ولم يصرح الرافعي بترجيح، بل حكى هذا عن تصحيح الغزالي وآخرين، واللزوم عن تصحيح البغوي والروياني (٤)، واستشكل شيخنا ابن النقيب ما صححه في "الروضة" (٥)، وسبقه لذلك شيخه السبكي. رابعها: ما إذا ظفر بالغاصب في غير بلد التلف .. فالصحيح: أنه لا يطالبه بالمثل إن كان لنقله مؤنة، بل يغرّمه قيمة بلد التلف، وقد ذكره "المنهاج" (٦)، وأشار إليه "الحاوي" بعد ذلك (٧). خامسها: لو تراضيا على أخذ القيمة مع وجود المثل .. جاز على أحد وجهين، صححه السبكي، فعلى هذا: لا يتعين المثل. سادسها: المستعير والمستام لا يضمنان المثلي بالمثل، بل بالقيمة، وعنهما احترز "المحرر" بقوله: (تحت اليد العادية) (٨)، فَحَذْفُ "المنهاج" لذلك ليس بجيد، وكأنه اكتفى بأن الكلام في الغصب، ولا يرد ذلك على "التنبيه" و"الحاوي" لتصريحهما بأن الكلام في المغصوب. سابعها: يرد عليهم: القمح المختلط بالشعير؛ فإنه لا يجوز السلم فيه، ومع ذلك فإنه يضمن بالمثل.

стр. 1041

ثامنها: عبارة "المنهاج" أعم من قول "التنبيه" [ص ١١٤]: (وإن تلف المغصوب عنده أو أتلفه) فإنها تتناول ما لو أتلفه أجنبي؛ لبنائه فعل الإتلاف للمفعول، واقتصر "الحاوي" على التلف (١)، وهو حسن؛ فإنه إذا أتلف .. تلف. فإن قلت: فلا إيراد إذًا على "التنبيه". قلت: لما جمع بينهما .. دلَّ على أنه أراد: التلف بغير فعل، بل بآفة .. فلا بد أن يأتي في الإتلاف بعبارة تتناول إتلاف الغاصب والأجنبي، بخلاف عبارة من اقتصر على التلف. ٢٦١٠ - قول "المنهاج" [ص ٢٩١]: (فإن تعذر .. فالقيمة) أي: قيمة المثل، وقد صرح به "التنبيه" (٢)، وعبارة "الحاوي" مثل "المنهاج" في الإبهام (٣). قال السبكي: الوجوب يتعلق بالعين ما دامت باقية وبنوعها، وهو أعم منها إذا تلفت، وبماليتها - وهي القيمة - إذا تعذر المثل، قال: ومن هنا يعلم أن الواجب: قيمة المثل لا قيمة المغصوب، ثم قال: وصواب العبارة: أنا إذا قومنا شيئًا .. أن نقول: قيمته لا قيمة مثله، وقولهم: (ثمن المثل، وأجرة المثل، ومهر المثل) احتراز من المسمى. ٢٦١١ - قول "التنبيه" [ص ١١٤]: (ضمنه بقيمة المثل وقت المحاكمة والتأدية) ثم قال: (وقيل: عليه قيمة أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين تعذر المثل) هذا الأخير هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٤)، وصورة كلامهما: ما إذا كان المثل موجودًا عند التلف فلم يسلمه حتى فقد، وقد صرح بتصويره بذلك في "المحرر" (٥)، أما إذا كان المثل مفقودًا عند التلف .. فقياس الأصح المتقدم ذكره: وجوب الأكثر من الغصب إلى التلف، وفي أصل المسألة في "الروضة" وأصلها أحد عشر وجهًا (٦)، وحكى في "الكفاية" وجهًا زائدًا، وهو: اعتبار الأقصى من الغصب إلى يوم الأخذ، ثم رجع عنه في "المطلب"، قال السبكي: وذلك لكونه غير منقول صريحًا, ولكنه ينشأ من كلام الأصحاب، قال: وربما يترجح على سائر الوجوه، فلا بأس بالمصير إليه. انتهى. ٢٦١٢ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٢]: (ولو نقل المغصوب المثلي إلى بلد آخر .. فللمالك أن يكلفه رده) فيه أمران:

стр. 1042

أحدهما: لا يختص ذلك بالنقل إلى بلد آخر، ولا يكون المغصوب مثليًا، فعلى الغاصب الرد مطلقًا كما تقدم، ولو لم يكلفه المالك ذلك، ففي عبارته تكرير مع نقص، وكأنه إنما ذكره؛ لأنه لو اقتصر على أن له المطالبة بالقيمة في الحال .. لتوهم أنه ليس له سوى ذلك، مع أن له الجمع بينهما؛ فهما حقان واجبان في الحال، وعبارة "التنبيه" [ص ١١٤]: (وإن ذهب المغصوب من اليد ولم يتلف). وقد يرد عليهما: أن له المطالبة بالبدل وإن لم يذهب من اليد بأن نقله إلى بلدة أخرى ويده عليه، فلا يكلف المالك الصبر إلى إحضاره، بل له المطالبة ببدله في الحال، واقتصر "الحاوي" أيضًا على التمثيل بالإباق (١). ثانيهما: محل تكليفه رده: إذا عُلم مكانه. ٢٦١٣ - قوله: (وأن يطالبه بالقيمة في الحال) (٢) صريح في المطالبة بالقيمة في المثلي؛ لفرضه المسألة في المثلي، وذكر "الحاوي" القيمة أيضًا، لكنه مثل بالإباق (٣)، وإنما يتصور في متقوم، وعبارة "الروضة" وأصلها: في أعم من المثلي والمتقوم (٤)، واقتصرا على تضمين القيمة، ومقتضاه: عدم الفرق، وعبارة "التنبيه" [ص ١١٤]: (ضمن البدل)، وهو محتمل، وقال شيخنا ابن النقيب: ينبغي وجوب المثل في المثلي، وكلامهم كالصريح في القيمة مطلقًا، قالوا: والاعتبار بأقصى القيم من الغصب إلى المطالبة، قال شيخنا ابن النقيب: وينبغي إذا زادت القيمة بعد ذلك .. أن يطالب بالزائد، وقيد الماوردي المطالبة بالقيمة ببُعد المسافة، فإن قربت .. فالرد فقط (٥). وقال شيخنا الإِمام البلقيني: إنه مباين للطريقة المشهورة. ٢٦١٤ - قولهم - والعبارة لـ" المنهاج" -: (فإذا رده .. ردها) (٦) أي: وجوبًا في الراجح، والمراد: إذا بقيت، فإن تلفت .. رد بدلها، وفي زيادة "الروضة": أنه يردها بزيادتها المتصلة، ثم قال: قال القاضي أبو الطيب والجرجاني: هذا إذا تصور كون القيمة مما يزيد؛ أي: أن القيمة النقد، ولا زيادة له (٧).

стр. 1043

وقال في "الكفاية": طريق الجواب عنه: أن يكون المالك اعتاض عن القيمة شاة مثلًا؛ فإن عند القاضي أبي الطيب إذا استبدل من له ثمن في ذمة شخص عنه عينًا، ثم رد المبيع بعيب .. أن له أن يسترجع العين، ووزانه: أن يسترجع الشاة هنا، وعلى ذلك يحمل ما قالوه، وبه صور الروياني في "البحر" المسألة. انتهى. قلت: لكن الراجح: خلاف ما قاله أبو الطيب، وقال السبكي: رأيت على حاشية تمثيله ببلد يتعاملون فيه بالحيوان. ٢٦١٥ - قول "الحاوي" [ص ٣٥٢]: (ويحبس الآبق ليسترد قيمته) تبع فيه "الوجيز" (١)، وحكاه القاضي حسين عن نص الشافعي، واختار الإِمام المنع (٢)، قال الرافعي: ويشبه أن يكون حبس الغاصب كحبس المشتري في الشراء الفاسد، والأصح فيه: المنع (٣). ٢٦١٦ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٢]: (فإن تلف في البلد المنقول إليه .. طالبه بالمثل في أيِّ البلدين شاء) كذا فيما وصل إليه مما بينهما، بل لو أعاده الغاصب إلى بلده فتلف فيه .. فالتخيير بحاله. ٢٦١٧ - قوله: (فإن فُقد المثل .. غرمه قيمته) (٤) المراد: قيمة أكثر البلدين، قال السبكي: كذا جزموا به، وتقدم لنا وجوه أكثر من عشرة، ولا منافاة بين جزمهم هنا واختلافهم ثم إذا تُؤُمِّل، لكن إذا غرمه قيمة البلد المنقول إليه، فاختلفت القيمة بالنسبة إلى يوم الغصب والتلف والطلب .. فالوجه: أن تجري فيه الأوجه المتقدمة، لكن لا تعتبر قيمة يوم الغصب ولا الأقصى منه، بل يجعل عوضه يوم الوصول إلى تلك البلد. انتهى. ٢٦١٨ - قوله: (ولو ظفر بالغاصب في غير بلد التلف .. فالصحيح: أنه إن كان لا مؤنة لنقله؛ كالنقد .. فله مطالبته بالمثل، وإلا .. فلا يطالبه بالمثل، بل يغرمه قيمة بلد التلف) (٥) فيه أمور: أحدها: قال شيخنا ابن النقيب: أي: والمغصوب مثلي، والمثل موجود (٦). قلت: لا حاجة لهذا التقييد؛ لأن الكلام في المثلي، وقد قال عقبه: (وأما المتقوم ... ) (٧) فذكر حكمه، وفقد المثل سبق الكلام عليه.

стр. 1044

ثانيها: بعد أن حكى الرافعي هذا عن الأكثرين حكى عن الشيخ أبي على وأبي عاصم: أنه إن كانت قيمة ذلك البلد مثل قيمة بلد التلف أو أقل .. طالبه بالمثل، وإلا .. فلا (١). قال في "المهمات": وجزم به البندنيجي والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ وغيرهم، وذكر الزبيلي في "أدب القضاء" عن الشافعي: أنه قال؛ لأنا لو حملناه على المثل .. لكان في ذلك ضرر وإتلاف مال؛ لاختلاف الأسعار، قال في "المهمات": والتعليل صريح في تصوير المسألة واختصاصها بذلك، وقد تظافرت النفول عليه، وساعده المعنى؛ لفقد الضرر، وحمل الإطلاق عليه سهل لا مانع منه. انتهى. ثالثها: تعين قيمة بلد التلف محله: إذا لم ينتقل المغصوب عن موضعه، وإلا .. فقيمة أكثر البقاع كما تقدم. رابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني: كلام الإِمام في "النهاية" يدل على أنه يجيء في القيمة الأوجه في الإعواز، وقد يتخيل أن الأقرب اعتبار وقت المطالبة كما في نظيره من القرض؛ لأنه أخذ القيمة عن مثل موجود، لكن الأول أقيس؛ لأنه غير متعد في القرض بخلاف الغصب، فوجب أن يقال: يجب أقصى القيام من الغصب إلى المطالبة؛ لأن بها تحقق الإعواز. انتهى بمعناه (٢). ٢٦١٩ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وأما المتقوم .. فيُضمن بأقصى قيمه من الغصب إلى التلف) (٣) محله: في العين، أما المنفعة .. فالأصح: أنها تضمن في كل بعض من أبعاض المدة بأجرة مثلها فيه، والثاني: كذلك إن كانت في الأول أقل، وإلا .. ضمنها بالأكثر، والثالث: بأكثر، حسماها في "أصل الروضة" أوجهًا عن حكايته أبي سعد الهروي (٤)، وإنما هي احتمالات له ذكرها في "الإشراف"، وصرح بأن المسألة غير منقولة، ويوافق الأول ما ذكره في "أصل الروضة" قبل ذلك: فيما إذا دخل المغصوب نقص .. أن الأجرة الواجبة لما قبل حدوث النقص أجرة مثله سليمًا, ولما بعده أجرة مثله معيبًا (٥). ٢٦٢٠ - قول "التنبيه" [ص ١١٤]: (وتجب قيمته من نقد البلد الذي غُصب فيه) المجزوم به في "أصل الروضة": اعتبار نقد البلد الذي تلف فيه (٦)، وعليه مشى "الحاوي" (٧).

стр. 1045

قال في "الكفاية": وما قاله في "التنبيه" متجه إذا كانت قيمة بلد الغصب أكثر أو أروج، وقد اعتبر في "الوسيط" قيمة بلد الغصب في مثلي تلف ببلد آخر، وظفر به بثالث، وقلنا: لا يطالب بالمثل في غير موضع التلف؛ حيث قال: يخير بين قيمة بلد الغصب وبلد التلف، وغاية الأمر حينئذ: إيهام كلام الشيخ الحصر في بلد الغصب، وهو أسهل من نقله ما لم يقله أحد. انتهى (١). وقال السبكي: ينبغي اعتبار أكثر البلدين قيمة كما في المثلي، وقال بعضهم: أراد "التنبيه" بالغصب: التلف، فعبر بالسبب، وهو الغصب عن المسبب، وهو التلف. وقال شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" و"تنقيحه": الأصح: وجوب قيمة أكثر البلدين إذا نقل المغصوب إلى بلد أخرى. انتهى (٢). فجعل المسألة ذات اختلاف وتصحيح، ولم أر ذلك في المتقوم، وليس كلام "التنبيه" وغيره في أكثر القيمتين؛ فإن اعتبار الأكثر لا شك فيه، وإنما الكلام في النقد، ولا يتعلق بتعيينه كثرة ولا قلة، والله أعلم. وقال في "المهمات": ما أطلقه، أي: في "أصل الروضة" من وجوب نقد بلد التلف محمول على ما إذا لم ينقله، فإن نقله .. قال في "الكفاية": فيتجه أن يُعتبر نقد البلد الذي تعتبر قيمته، وهو أكثر البلدين قيمة، قال: وفي "البحر" عن والده ما يقاربه. انتهى (٣). وهو كلام محرر، بخلاف كلام "التصحيح" و"التنقيح" (٤). ٢٦٢١ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٢]: (ولا تُضمن الخمر) هو على إطلاقه، وأما تقييد "الحاوي" بالمحترمة وللذمي .. فليس لاختصاص الحكم بهما، فغيرهما من طريق الأولى، وإنما ذكر هذا القيد؛ لقوله عقبه: (وتُرَدُّ) (٥)، والرد مختص بهما؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص ١١٦]: (وإن غصب خمرًا من ذمي .. وجب ردها عليه، وإن أتلفها .. لم يضمن)، وفي المحترمة وجه: أنها تضمن بناء على طهارتها. واعلم: أن النبيذ لا يضمن أيضًا كالخمر مع أن اسمها لا يتناوله، كما حكاه الرافعي عن الأكثرين (٦)، وكذلك الحشيشة يتجه إلحاقها بالخمر، كما قاله شيخنا ابن النقيب (٧)، أي: فلا

стр. 1046

تضمن، وهو واضح، وهي كما قال النووي في "الدقائق": مسكرة (١)، ولو أخذنا بقول غيره أنها مخدرة .. فاللائق عدم ضمانها مطلقًا. وفي ضمان المتنجس من الزيت والماء وجهان. ٢٦٢٢ - قول "التنبيه" [ص ١١٦]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٣٥٥]: (وإن غصب خمرًا من ذمي .. وجب ردها عليه) أي: ولا تراق، زاد "المنهاج" [ص ٢٩٢]: (إلا أن يُظهر شربها أو بيعها)، وكذا في "المحرر" و"الروضة" وأصلها (٢)، والصواب: ما في "الكفاية" و"المطلب" وهو: الإظهار من غير تقييد حتى يتناول الهبة والنقل وغيرهما، وهو موافق لإطلاقهم في الجزية منعهم من إظهارها. واعلم: أن النبيذ ليس كالخمر في إراقته على غير الذمي، كما ذكره الماوردي في "الأحكام السلطانية"، فقال: ينهى المحتسب عن المجاهرة به، ويزجر عليه، ولا يريقه، إلا أن يأمر بإراقته حاكم من أهل الاجتهاد؛ لئلا يتوجه عليه الغرم؛ فإنه عند أبي حنيفة مال. انتهى (٣). وحيث جازت الإراقة .. جاز كسر الإناء إذا لم يقدر عليها إلا به. قال الغزالي في "الإحياء": وكذا لو كانت في قوارير ضيقة الرؤوس، ولو اشتغل بإراقتها لأدركه الفساق ومنعوه، قال: ولو لم يخف ذلك، لكن كان يضيع فيه زمانه ويتعطل شغله .. فله كسرها، قال: وللولاة كسر ظروف الخمر زجرًا وتأديبًا، دون الآحاد (٤). انتهى (٥). فإن قلت: ما معنى قول "المنهاج" [ص ٢٩٢]: (وترد عليه إن بقيت العين)، وهل يمكن الرد مع تلف العين؟ . قلت: قصد بذلك نفي الضمان عند التلف، وفي عبارته قصور عنه مع دخوله في قوله أولًا: (ولا تُضمن الخمر) كما تقدم، ويفهم من وجوب الرد: أن مؤنته على الغاصب، وبه قطع الشيخ أبو محمَّد، وقال شيخنا الإِمام البلقيني: إنه أوجه، وحكى الإِمام عن المحققين: أن الواجب التخلية (٦). ٢٦٢٣ - قول "التنبيه" [ص ١١٦]: (وإن غصبها من مسلم .. أراق) يستثنى منه: ما إذا كانت محترمة .. فالصحيح: أنها ترد إليه ولا تراق، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (٧)، وعبر عنه

стр. 1047

النووي في "تصحيحه" بالصواب (١)، فاقتضى أنه لا خلاف فيه، قال شيخنا الإسنوي: وهو ممنوع؛ ففي "الكفاية" عن العراقيين قاطبة: أنها تراق. قلت: والخلاف في ذلك في الرافعي في الكلام على ألفاظ "الوجيز"، وأسقطه في "الروضة" هنا (٢)، فلذلك لم يستحضره، وذكر الرافعي هنا: أن المحترمة هي التي تخمرت من غير قصد الخمرية (٣)، وقال في (الرهن): هي التي عصرت بقصد الخلية (٤)، وبينهما فرق؛ فإن ما عصر بغير قصد شيء، فتخمر .. محترم على الأول دون الثاني، فلو أبرز خمراً، وزعم أنها خمر خل .. قال الإمام في (الإقرار): نص طوائف من الأصحاب على أنه لا يقبل (٥). ٢٦٢٤ - قول "التنبيه" [ص ١١٦]: (وإن غصب صليباً أو مزماراً فكسره .. لم بضمن الأرش) فيه أمران: أحدهما: لو عبر بدل (المزمار) بـ (الملاهي) كما في "المنهاج" و"الحاوي" (٦) .. لكان أعم، ومع ذلك فأورد عليهما: أنه ينبغي التقييد بالمحرمة؛ ليخرج الاُّفّ، وكذا الشبابة على ترجيح الرافعي (٧). ثانيهما: ظاهر عبارته وعبارة "الحاوي" نفي الضمان بالكسر على أي وجه كان (٨)، وليس كذلك، وقد بيَّنه "المنهاج" بقوله [ص ٢٩٢]: (والأصح: أنها لا تكسر الكسر الفاحش، بل تُفَضَّل لتعود كما قبل التأليف)، قال في "التوشيح": لكن قد يقال: هذا في جواز الكسر، والأول في نفي الضمان، وقد ينتفي وإن لم يجز الكسر؛ ولهذا قال في "المنهاج" [ص ٢٩٢]: (وآلات الملاهي لا بجب في إبطالها شيء) وهو شامل لإبطالها بكل وجه، قال: لكن المنقول التضمين فيما لا يجوز فعله. انتهى. فهو بحث لم يساعده النقل، ولا المعنى أيضاً، وكيف يسوغ نفي الضمان في إتلاف مال الغير على وجه غير جائز؛ و"المنهاج" إنما فصَّل ما أجمله أولاً. ٢٦٢٥ - قول "الحاوي" [ص ٣٥٥]: (لا الإحراق) أي: يضمن بالإحراق قيمة رضاضها بعد

стр. 1048

الكسر المشروع، وينبغي أن يكون محله: إذا تمكن من إتلافها بغير الإحراق، فإن تعين الإحراق طريقاً للإتلاف .. لم يضمن، وهو مأخوذ من قول "المنهاج" [ص ٢٩٢]: (فإن عجز المنكر عن رعاية هذا الحد لمنع صاحب المنكر .. أبطله كيف تبسر). ٢٦٢٦ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٢]: (وتُضمن منفعة الدار والعبد ونحوهما بالتفويت والفوات في بد عادية) هو الذي عبر عنه "الحاوي" بقوله [ص ٣٥٤]: (وغيرهما - أي: غير البضع والحر - بالفوات، لا من الكلب) وهو أحسن من وجهين: أحدهما: أنه لا يُعرف ضابط ذلك من قول "المنهاج": (ونحوهما)، وبيّن "الحاوي" أن المراد بذلك: ما عدا البضع والحر والكلب (١)، وضابطه كما في "الروضة" وأصلها: كل عين لها منفعة تستأجر لها (٢). ثانيهما: أن الاقتصار على الفوات كافٍ، فذكر التفويت معه حشو، قال السبكي: إذا ثبت أن الفوات سبب للضمان وهو حاصل في التفويت .. فخصوص التفويت ملغي، فلا يعد سبباً آخر، إلا أن يقال: إذا كان الخصوص أيضاً مناسبا .. جاز التعليل بكل منهما. انتهى. وفي كلام الرافعي إشارة إلى ما بحثه أولاً، فقال في توجيه الأصح، وهو وجوب أجرة المثل وأرش النقص فيما إذا نقص المغصوب بالاستعمال: الأجرة لا تجب للاستعمال، وإنما تجب؛ لفوات المنفعة على المالك، ألا ترى أنها تجب وان لم يستعمل (٣). فإن قلت: فات "الحاوي" قول "المنهاج" [ص ٢٩٢]: (في يد عادية). قلت: هو غير محتاج إليه؛ لقوله أول الباب: (بالاستيلاء ظلماً) (٤)، وفي "التنبيه" [ص ١١٤]: (وان كان له منفعة .. ضمن أجرته للمدة التي أقام في بده)، وأورد عليه ابن يونس في "النبيه" منفعة البضع، ولا ترد؟ لخروجها بقوله: (أجرته) فإن منفعة البضع تقابل بالمهر لا بالأجرة. ٢٦٢٧ - قول "التنبيه" في الحر [ص ١١٦]: (وإن حبسه .. ضمن الأجرة، وقيل: لا بضمن) الثاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٥)، ولو استولى على حر ولو صغيراً وضعيفاً .. لم يضمن ثيابه في الأصح، ذكره الرافعي في (السرقة) (٦)، وقد ترد على عبارة "المنهاج" و"الحاوي" لعدم تناول لفظ بدن الحر ثيابه.

стр. 1049

فصلٌ [في الاختلاف] ٢٦٢٨ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٣]: (ادعى تلفه وأنكر المالك .. صُدق الغاصب بيمينه على الصحيح، فإذا حلف .. كرَّمه المالك في الأصح) ظاهره أن مقابل الأصح: لا غرم أصلاً، وكذا تقتضيه عبارة "الروضة" وأصلها (١)، وقال السبكي: ينبغي أن تجب له القيمة للحيلولة والأجرة إلى أن يتفقا على التلف، أو تقوم به بينة. وقال شيخنا الإسنوي: إن كان متقوماً .. فينبغي إيجاب القيمة بدلاً إن كان تالفاً، وإلا .. فللحيلولة، وأما المثلي .. فالمالك يدعي فيه القيمة للحيلولة وينكر استحقاق المثل، والغاصب بالعكس، فلا شيء له إلا إذا عاد وصدقه، قال: ولا أجرة له؛ فإنا صدقنا الغاصب في التلف. ٢٦٢٩ - قوله: (ولو اختلفا في الثياب التي على العبد المغصوب .. صدق الغاصب بيمينه) (٢) خرج الحر، وخرّجه ابن الرفعة على أن غاصبه هل يثبت يده على ثيابه؟ إن قلنا: نعم .. صدق، وإلا - وهو الأصح - .. صدق الولي. ٢٦٣٥ - قوله: (وفي عيب حادثٍ .. يُصدَق المالك بيمينه في الأصح) (٣) يقتضي أن الخلاف وجهان، وهو في "الروضة" وأصلها قولان (٤). وصورة المسألة: أن يكون المغصوب تالفاً، فلو رده معيباً وقال: (غصبته هكذا) فقال المالك: (حدث عندك) .. صدق الغاصب، كما حكاه الرافعي عن المتولي (٥)، قال في "الروضة": وقاله ابن الصباغ أيضاً، ونقله في "البيان" (٦)، وحكاه شيخنا ابن النقيب عن النص (٧). ٢٦٣١ - قول "التنبيه" [ص ١١٤] فيما لو غصب زوجي خف قيمتهما عشرة فضاع أحدهما وصار قيمة الباقي درهمين: (لزمه ثمانية، وقيل: درهمان) الوجه الثاني غريب، حتى قال ابن يونس في "النبيه": إن الشيخ سها فيه.

стр. 1050

وقال في "الكفاية": لم أره فيما وقفت عليه من كتب المذهب في هذه المسألة. وقال شيخنا الإمام البلقيني: هو مما ينكر. انتهى. وجزم الرافعي بالوجه الأول، وادعى في "أصل الروضة " القطع به، ثم زاد حكاية هذا الوجه عن "التنبيه" و"التتمة"، قال: وهو غريب (١). ووهم في نقله عن "التتمة"، وإنما فيها حكاية وجه بلزوم خمسة، وفي "نكت النشائي": أن هذا الوجه - وهو لزوم درهمين - في "الشامل" (٢)، وقال شيخنا ابن النقيب: نقل بعضهم عن "الشامل" ما يؤخذ منه. انتهى (٣). وحينئذ .. فتعبير "المنهاج" عن مقابله بالأصح معترض (٤)؛ لضعف الخلاف جداً إن ثبت. ٢٦٣٢ - قوله (٥): (أو أتلف أحدهما غاصباً، أو في يد مالكه .. لزمه ثمانية في الأصح) (٦) صحح الإمام والبغوي: لزوم خمسة (٧)، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٣٥٣]: (وفي فرد خف: نصف الجميع)، وقال في "الروضة" من زيادته: الأقوى: ما صححه الإمام وإن كان الأكثرون على ترجيح الأول، وعليه العمل (٨)، ومراد "المنهاج": إتلاف أحدهما غاصبا له فقط، وإلا .. تكرر مع قوله قبله: (ولو غصب خفين) (٩). ٢٦٣٣ - قول "التنبيه" [ص ١١٤]: (وإن أحدث فيه فعلاً نقص به وخيف عليه الفساد في الثاني - أي: ثاني الحال - بأن كان حنطة فبلها أو زيناً فخلطه بالماء وخيف عليه الفساد .. استحق عليه مثل طعامه وزيته، وقيل: فيه قولان، أحدهما: هذا، والثاني: أنه يأخذه وأرش ما نقص) فيه أمور: أحدها: أنه لا يختص ذلك بأن يكون الغاصب هو الفاعل لذلك، بل لو حصل البلل أو الاختلاط بغير فعله .. كان كذلك؛ ولهذا عبر "المنهاج" بقوله [ص ٢٩٣]: (ولو حدث نقصٌ يسري إلى التلف)، وأما قول "الحاوي" [ص ٣٥٧]: (والجناية السارية) فمحتمل لموافقة كل من التعبيرين.

стр. 1051

ثانيها: ترجيحه طريقة القطع مخالف لكلام الرافعي والنووي؛ ففي "أصل الروضة" أربعة أقوال منصوصة، أظهرها عند العراقيين: هذا، والثاني: اختاره الإمام والبغوي، والثالث: يتخير المالك بين موجب القولين، واختاره الشيخ أبو محمد والمسعودي، والرابع: يتخير الغاصب (١)، وعلى طريقة الخلاف مشى "المنهاج" (٢)، واستحسن في "الشرح الصغير" القول الثالث، واختاره السبكي، وزاد في "الروضة": أن الرافعي في "المحرر" رجح الأول، وعبارته: (رُجح) مبني للمفعول (٣)، وعلى هذا: فهل تبُقَّى الهريسة ونحوها للغاصب أم للمالك؟ وجهان بلا ترجيح في "الروضة" (٤)، واختار السبكي الأول. ثالثها: كان ينبغي أن يقول: (استُحقّ عليه بدله) ليشمل المثل في المثلي، والقيمة في المتقوم، ولا يقتصر على ذكر حكم المثال الذي ذكره؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٢٩٣]: (فكالتالف)، وقال "الحاوي" [ص ٣٥٧]: (هلاك). ٢٦٣٤ - قول "المنهاج" فيما لو جنى المغصوب جناية تتعلق برقبته، وتلف في يده [ص ٢٩٣]: (وللمجني عليه [تغريمه و] (٥) أن يتعلق بما أخذه المالك) أي: بقدر حقه، وهو الأقل من قيمته والمال، لا بجميع ما يأخذه المالك، وهو أقصى القيم؛ فقد يكون أرش الجناية أقل من ذلك. ٢٦٣٥ - قوله: (ثم يرجع المالك على الغاصب) (٦) يقتضي أنه لا يرجع إلا بعد غرامته للمجني عليه، وبه صرح الإمام (٧)، لاحتمال الإبراء، لكن قال ابن الرفعة: له ذلك كما يطالب الضامن المضمون بالأداء. ٢٦٣٦ - قوله: (ولو رد العبد إلى المالك فبيع في الجناية .. رجع المالك بما أخذه المجني عليه على الغاصب) (٨) كذا في "الروضة" وأصلها (٩)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ليس على إطلاقه، بل الصواب بمقتضى قاعدة الباب: أنه إذا أخذ الثمن بجملته مثلاً، وكان دون أقصى القيم .. فالذي يرجع به المالك على الغاصب أقصى القيم، ولا يقتصر رجوعه على ما بيع به، ثم استشهد لذلك وبسطه.

стр. 1052

تنبيهٌ [ما يجب على غاصب العبد إذا جنى] قال في "المهمات": إن كلام الرافعي والنووي يقتضي أنه لا يجب على الغاصب إلا الفداء، لكن ذكرا في (البيوع) من العيوب: جنايات الخطأ إذا كثرت، وجناية العمد إذا لم يتب عنها، فإن تاب .. فوجهان، قال في "المطلب": ويجوز أن يلتحق عمد الخطأ في هذا بالعمد، فإذا تقرر هذا .. فلا بد من أرش هذا العيب بعد الفداء. انتهى. ٢٦٣٧ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٣]: (ولو غصب أرضاً فنقل ترابها .. أجبره المالك على رده أو رد مثله) أي: رده إن كان باقياً ورد مثله إن كان تالفاً، فإن تعذر .. فالنص: أنا نقوم الأرض بترابها ثم بعد نقله منها، فيجب ما بينهما، وقيل: يجب اكثر من هذا ومن قيمة التراب منقولاً. ٢٦٣٨ - قوله: (وللناقل الرد وإن لم يطالبه المالك إن كان له فيه غرضٌ، وإلا .. فلا يرده بلا إذن في الأصح) (١) فيه أمور: أحدها: لو قال: (وإن منعه المالك) .. لكان أحسن؛ فإن له الرد أيضاً مع المنع، صرح به في "المطلب" تبعاً للأصحاب، فتبقى حالة السكوت من طريق الأولى. ثانيها: عبر في "الروضة" بالصحيح (٢)، وبينهما في اصطلاحه تفاوت. ثالثها: عبارته توهم جريان الوجهين مع المنع، وجزم الرافعي فيها بأنه لا يرد (٣). رابعها: أنه يتناول رد المثل عند التلف وفعله بغير إذن مشكل؛ لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح، ذكره في "المهمات"، وعبارة "الحاوي" [ص ٣٥٥]: (ورد التراب بالأذن حيث لا غرض). ٢٦٣٩ - قوله: (أو لم يرض في الطم) (٤) أي: يحتاج إلى الإذن في الطم فيما إذا كان له غرض فيه، وهو نفي الضمان عنه، لكن لو رضي المالك بترك الطم، وبقاء الحفر بحاله .. فإن الضمان حينئذ يسقط عنه، وفيه أمور: أحدها: أنه لا يحتاج إلى استثناء هذه الحالة؛ فإنه إذا لم يكن له غرض سوى نفي الضمان، وكان رضا المالك بترك الطم ينفي عن الحافر الضمان .. فلا غرض حينئذ للحافر في الطم؛ فإن الضمان منتف عنه، فدخل في قوله: (حيث لا غرض) (٥).

стр. 1053

ثانيها: أن كلامه يقتضي حصر الغرض في نفي الضمان عنه، وليس كذلك؛ فقد يكون له غرض آخر كتضرره بالتراب الذي نقله إلى ملكه، فحينئذ .. له الطم بغير رضا المالك. ثالثها: أن كلامه يقتضي أن منع المالك من الطم يتضمن الرضا باستدامة الحفر حتى يسقط الضمان عن الحافر وإن لم يصرح بالرضا بالاستدامة، وبه قال المتولي، لكن قال الإمام: لا يتضمنه (١)، ونقل في "أصل الروضة" المقالتين بلا ترجيح (٢)، وقال في "المنهاج" [ص ٢٩٣]: (ويقاس بما ذكرنا حفر البئر وطمها)، فلم يجعل بين المسألتين فرقاً، وهو الصواب؛ فإن الاحتياج لإذن المالك مرتب على عدم غرض لناقل التراب، وأغراضه متنوعة؛ منها: ما هو مشترك بين كشط التراب والحفر، ومنها: ما يختص بالحفر، وهو خشية الضمان بالتردي، ورضا المالك ببقائها يدفع هذا الغرض الأخير دون غيره من الأغراض. ٢٦٤٠ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٤]: (عليه أجرة المثل لمدة الإعادة) كذا في "المحرر" (٣) وعبارة "الروضة" وأصلها: (لمدة الحفر والرد) (٤) قال السبكي: وهو أزيد فائدة، وفي "الشرح الصغير": لمدة الرد والتسوية مع مدة الحفر. ٢٦٤١ - قول "التنبيه" [ص ١١٤]: (فإن نقص من عينه شيء؛ بأن تلف بعضه، أو أحدث فيه ما نقص قيمته؛ بأن كان مائعاً فأغلاه فنقصت قيمته .. ضمن أرش ما نقص) قال في "الكفاية": أفهم أن المراد: المتقوم، أما المثلي؛ كالزيت والعصير .. فجزؤه مضمون بالمثل وإن لم ينقص القيمة في الأصح، وفرق بعضهم، فقال: يضمن في الزيت دون العصير؛ لأن حلاوة العصير باقية، والذاهب منه مائية ورطوبة، والذاهب من الزيت زيت متقوم، وهذا التفريق هو الأصح في "أصل الروضة"، وهو ظاهر إيراد الرافعي هنا (٥)، لكن نظم "الوجيز" يقتضي ترجيح التسوية بينهما (٦)، وبه قال أبو على الطبري، وصححه الرافعي في الفلس (٧)، وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص ٣٥٤]: (والزيت والعصير إن نقص لا قيمته بالإغلاء) وعبارة "المنهاج" [ص ٢٩٤]: (ولو غصب زيتاً ونحوه وأغلاه فنقصت عينه دون قيمته .. رده ولزمه مثل الذاهب في الأصح، وإن نقصت القيمة فقط .. لزمه الأرش، وإن نقصتا .. غرم الذاهب ورد الباقي مع أرشه إن كان نقص القيمة

стр. 1054

أكثر)، فأوضح المسألة إيضاحاً حسناً، وأراد بـ (نحوه): بقية أنواع الدهن، وهو أحسن من قول "المحرر" و"الروضة": زيتاً أو دهناً (١)، لإيهامه أن الزيت ليس دهناً، ولم يرد العصير؛ لترجيحه فيه في "الروضة" خلافه (٢). وقوله: (إن كان نقص القيمة أكثر) (٣) شرط في رد الأرش فقط، أما غرم الذاهب ورد الباقي .. فلا بد منهما بكل حال، وفهم صاحب "التوشيح" أن قول "التنبيه" [ص ١١٤]: (بأن كان مائعاً فاغلاه) مثال لنقص العين، وليس كذلك، وإنما هو مثال لإحداثه فيه ما نقص قيمته، وأما نقص العين .. فقد مثله بقوله: (بأن تلف بعضه)، والحاصل: أن قوله أولاً: (فإن نقص من عينه شيء) لا بد من حمله على المتقوم، وإلا .. لم يستقم إطلاق قوله: (ضمن أرش ما نقص)، وقوله: (أو أحدث فيه ما نقص قيمته) يشملهما، إلا أنه لم يتكلم في هذه الصورة الثانية على نقصان العين، وإنما تكلم على نقصان القيمة خاصة، وبذلك يعلم أن قوله وقول النشائي في "نكته": (كان حق النووي استدراكه في "تصحيحه" على "التنبيه" لتصحيحه في "الروضة": عدم الضمان في نقص العصير) (٤) ليس بجيد؛ لأن كلام "التنبيه" في نقص القيمة، وتصحيح "الروضة" في نقص العين، فلم يتوارد على محل واحد، كيف وقد نقل هذان المصنفان في صدر كلامهما عن "الكفاية" أن مراد "التنبيه": المتقوم دون المثلي، والتفصيل بين الزيت والعصير إنما هو في ضمان المثل. فإن قلت: الإيراد إنما هو على اللفظ، وهو متناول. قلت: فلا يكون الإيراد حينئذ من جهة افتراق حكم الزيت والعصير في ضمان نقص العين، وإنما يكون الإيراد على كونه أطلق ضمان الأرش، وكلامه أولاً في قوله: (فإن نقص من عينه شيء) (٥) شامل للمثلي والمتقوم، وأما الصورة الثانية .. فلا إيراد عليها؛ لأنه وإن أطلق الكلام في أعم من المثلي والمتقوم .. فلم يتكلم إلا على صورة خاصة، وهي نقص القيمة، فلا يحتاج إلى حمل المائع في كلامه على الدهن دون العصير، والله أعلم. ويرد على إطلاق "التنبيه" و"المنهاج" ضمان السمن الزائل (٦) أن محله: في غير السمن المفرط الذي لا تنقص القيمة بزواله؛ فإنه غير مضمون، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص ٣٥٤]:

стр. 1055

(لا السمن المفرط) لكن لو سمنت المعتدلة عند الغاصب سمناً مفرطاً، فنقصت القيمة .. فإنه يردها ولا شيء عليه، قاله الطبري، وفيه نظر، وقد يجاب عن "التنبيه" بخروج السمن المفرط بقوله [ص ١١٤]: (فإن زاد). ٢٦٤٢ - قول "المنهاج" [ص ٢٩٤]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٣٥٦]: (وأن تَذَكُّرَ صنعة نسيها يَجْبُرُ النسيان) يتناول ما إذا تذكرها بنفسه وما إذا تذكرها بإنشاء تعليم، فلو تذكرها في يد المالك .. قال في "المطلب": فيظهر أن يجبر أيضاً حتى يسترد ما دفع من الأرش، ولو تعلمها .. فالمتجه كما قال شيخنا الإسنوي: عدم الجبر، فلا يسترد. ٢٦٤٣ - قول "التنبيه" فيما لو غصب عصيراً فصار خمراً ثم صار خلاً [ص ١١٦]: (وقيل: يرد الخل، ويضمن مثله من العصير وأرش ما نقص) ما ذكره في تتمة الوجه الضعيف من رد أرش النقص هو في بعض النسخ دون بعضها، وقال ابن يونس: لم يذكره غيره، فكأنه سهو، وقال ابن الرفعة: كأنه بناه على مذهب أبي ثور في ضمان تفاوت الأسعار عند رد العين. ٢٦٤٤ - قوله فيما لو غصب جلد ميتة: (فإن دبغه .. فقد قيل: يرده، وقيل: لا يرده) (١) الأصح: الأول، وعليه مشى "الحاوي" (٢)، وهو معنى قول "المنهاج" [ص ٢٩٤]: (الأصح: أنه للمغصوب منه) وخرج بالغصب: ما لو أعرض عنه فأخذه شخص فدبغه .. فالأصح: أنه لا يرده، كما في "أصل الروضة" في (الصيد) وزوائدها هنا (٣). فصلٌ [للمالك تكليف الغاصب ردَّ المغصوب كما كان] ٢٦٤٥ - قول "المنهاج" في الأثر المحض كالقصارة [ص ٢٩٤]: (وللمالك تكليفه رده كما كان إن أمكن) قد يفهم أن الغاصب ليس له فعل ذلك بغير رضا المالك، وهو كذلك إلا أن يكون ضربه دراهم بغير إذن السلطان، أو على غير عياره، فيخاف التعزير، فله ذلك، ولو لم يأمره ولم يمنعه .. فقياس ما تقدم في التراب: المنع من الإعادة في الأصح. ٢٦٤٦ - قوله: (وأرش النقص) (٤) قال شيخنا ابن النقيب: هو منصوب عطفاً على (رده) أي: تكليفه رده وأرش (٥).
следующие страницы →