← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

لا تصح)، الأصح: الصحة، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (١)، ومقتضى كلام "التنبيه" أنه لا يشترط في الوصي الذكورة، وصرح به "المنهاج"، قال: (وأم الأطفال أولى من غيرها) (٢)، وكذا في "الحاوي" (٣)، وقال الرافعي: في قول الغزالي: (والأم أولى من ينصب قيماً) يفيد أولوية الوصاية إليها، ونصب القاضي إياها (٤). واستفدنا من ذلك مسألة حسنة، وهي جواز نصب القاضي المرأة قيمة، وبه صرح الغزالي في "البسيط"، فقال: وللقاضي أن يفوض أمر الأطفال إذا لم يكن وصي إلى امرأة فتكون قيمة، ولو كانت أم الأطفال .. فذلك أولى، وقال الروياني في "البحر": يجوز للقاضي أن يجعل المرأة أمينة في مال أولادها، ثم قال بعد ذلك: ولا يشبه القضاء؛ لأنه يعتبر فيه زيادة الكمال من شرائط الاجتهاد وغيرها. ٣٣٠٥ - قول "المنهاج" [ص ٣٥٩]: (وينعزل الوصي بالفسق، وكذا القاضي في الأصح، لا الإمام الأعظم) فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يقتضي الاتفاق على عدم انعزال الإمام الأعظم به، وليس كذلك، بل في كل منهما وجه. ثانيهما: في معنى الوصي: قيم الحاكم، وأما الأب والجد إذا فسقا .. انتزع الحاكم مال الطفل منهما، هذه عبارة "أصل الروضة" (٥)، وأجرى الإمام في انعزالهما قولين كولاية النكاح، ورد المتولي الخلاف إلى التمكين من التصرف، وينزع جزماً، وهو حسن، فإن تابا .. عادت ولايتهما. تببيهٌ [لا ينعزل الوصي باختلال كفايته] فهم منه أنه لا ينعزل باختلال كفايته، وهو كذلك، بل يضم القاضي إليه معيناً، بل أفتى السبكي: بأنه يجوز للقاضي أن يضم إلى الوصي غيره لمجرد الريبة من غير ثبوت خلل، وقال: لم أره منقولاً، وهذا بخلاف قيم القاضي؛ فإنه إذا اختلت كفايته .. عزله؛ لأنه الذي ولاه. ٣٣٠٦ - قول "التنبيه" [ص ١٣٩]: (من جاز تصرفه في ماله .. جازت وصيته) ثم قال: (وفي

стр. 1297

الصبي المميز والمبذر قولان) الأصح: صحة وصية المبذر دون الصبي، وهو مفهوم من اعتبار "المنهاج" في الموصي الحرية والتكليف (١)، واقتصر "الحاوي" على الحرية (٢)، وكأنه سكت عن ذكر التكليف؛ لوضوحه، ومقتضى كلامهم: أنا إذا صححنا وصية المبذر .. كان له تعيين شخص لتنفيذها. قال السبكي: ولم أر فيه إلا ما اقتضاه هذا الكلام، وهو محتمل، ومنعه أيضاً محتمل فيليه الحاكم. واعلم: أن عبارة "المنهاج" كما في كثير من نسخه [ص ٣٥٩]: (ويصح الإيصاء في قضاء الدين، وتنفيذ الوصية من كل حُر مكلف)، وكذا في "المحرر" (٣)، وهو موافق لتعبير "التنبيه" و"الحاوي" و"الروضة" وأصلها (٤)، لكن في نسخة المصنف من "المنهاج" بعد الدين دائرة، وبعده: (وتنفُذُ الوصية) بضم الفاء بعدها ذال مضمومة، وليس بين الفاء والذال ياء، بل هو فعل مضارع، ليس مصدراً، وصار كلامه مشتملاً على مسألتين: إحداهما: صحة الوصية في قضاء الدين، وهذه تقدمت. والأخرى: نفوذ الوصية من كل حر مكلف، ولم يقل: في أي شيء، وقال الشيخ برهان الدين بن الفركاح: ينبغي أن يقرأ (تنفيذ) بزيادة ياء بين الفاء والذال (٥)، كما تقدم عن بعض النسخ، وهذا أحسن، لكنه مخالف لنسخة المصنف. ٣٣٠٧ - قول "التنبيه" [ص ١٣٩]: (وليس له أن يوصي، فإن جعل إليه أن يوصي .. ففيه قولان) الأصح: الصحة، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٦). ٣٣٠٨ - قول "المنهاج" [ص ٣٥٩]: (ولو قال: "أوصيت إليك إلى بلوغ ابني أو قدوم زيد فإذا بلغ أو قدم فهو الوصي" .. جاز) كان ينبغي أن يؤخره، فيذكره عقب قوله: (ويجوز فيه التوقيت والتعليق) فإنه مثال له. ٣٣٠٩ - قوله: (ولا يجوز نصب وصيٍّ والجدُّ حيٌّ بصفة الولاية) (٧) محله: في الوصية في أمر الأطفال، فأما في الديون والوصايا .. فيجوز، فإن لم ينصب أحداً .. فأبوه أولى بقضاء الدين،

стр. 1298

والحاكم أولى بتنفيذ الوصايا، ولا يرد ذلك على "الحاوي" لذكره له عقب الوصية على الطفل مستثنياً له منه، فقال: (والولي والوصي بإذنه على الطفل، لا حياة الجد) (١)، ولم يعتبر كونه بصفة الولاية، ولا بد منه. ٣٣١٠ - قول "المنهاج" [ص ٣٥٩]: (ولفظه: "أوصيت"، أو "فوضت"، أو نحوهما) قد يفهم تعيين اللفظ، وليس كذلك، فلو اعتُقل لسانه .. صحت وصيته بالإشارة، وقد ذكره "الحاوي" (٢). ٣٣١١ - قوله: (والمطلق للحفظ) (٣) قد يفهم أن مراده: ما إذا اقتصر على قوله: (أوصيت إليك)، وليس كذلك؛ فهذه وصية باطلة قطعاً، وقد قال "المنهاج" [ص ٣٥٩]: (ويشترط بيان ما يوصي فيه، فإن اقتصر على: "أوصيت إليك" .. لغا)، وإنما أراد "الحاوي": ما إذا قال: (أوصيت إليك في أمر أطفالي)، ولم يذكر التصرف، وما ذكره وجه، والأصح في "أصل الروضة" - وهو المذهب في "التتمة" ولم يخالفه الرافعي -: أن له في هذه الصورة الحفظ والتصرف (٤). وقال السبكي: العرف في الاقتصار على: (أوصيت إليك) شمول جميع التصرفات، ولكني لم أره لأحد. ٣٣١٢ - قول "التنبيه" [ص ١٣٩، ١٤٠]: (وله أن يقبل في الحال، وله أن يقبل في الثاني) أراد بالحال: الحياة، وبالثاني: بعد الموت، والأصح: أنه لا يصح القبول في الحياة، وقد ذكره "المنهاج" (٥)، وكذا لا يصح الرد في الحياة في الأصح، فله القبول بعد الموت. ٣٣١٣ - قول "التنبيه" [ص ١٣٩]: (وله أن يوصي إلى اثنين، فإن أشرك بينهما في النظر .. لم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف)، يفهم جواز الانفراد بالتصرف حالة الإطلاق، وليس كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٣٥٩]: (لم ينفرد أحدهما إلا إن صرح به) و"الحاوي" [ص ٤٣٧]: (وإلى اثنين ولو بالترتيب وقبلا للتعاون)، وأشار بقوله: (ولو بالترتيب وقبلا) إلى ما إذا قال: أوصيت إلى زيد، ثم قال: أوصيت إلى عمرو، وقبلا .. فليس لأحدهما الانفراد بالتصرف، كما صححه الرافعي والنووي، وقال البغوي: ينفرد، قال الرافعي: والاعتماد على الأول (٦).

стр. 1299

وقال شيخنا الإمام البلقيني: والذي أعتقده وأذهب إليه ما جزم به البغوي، وهو الأصح. انتهى. قال الإمام: وليس المراد تلفظهما بالعقد معاً، وإنما المعتبر صدوره عن رأيهما وإن باشره أحدهما أو غيرهما بأمرهما. قلت: ولذلك أفتيت في وصيين على يتيمين شرط عليهما الاجتماع على التصرف: بصحة بيع عقار أحد الطفلين للآخر بشرطه بمباشرة أحد الوليين للإيجاب والآخر للقبول؛ فإن ذلك صادر عن رأيهما (١)، قال البغوي وغيره: ومحل وجوب الاجتماع أمر الأطفال وأموالهم وتفرقة الوصايا غير المعينة وقضاء دين ليس في التركة جنسه، أما رد الودائع والغصوب والعواري وتنفيذ وصية معينة وقضاء دين في التركة جنسه .. فلكل منهما الانفراد به؛ فإن لصاحبه الاستقلال بأخذه (٢). قال الرافعي ما معناه: وقوع المدفوع موقعه، وعدم نقضه ورده واضح، وأما جواز الإقدام على الانفراد .. فليس واضحاً؛ فإنهما لم يتصرفا إلا بالوصاية، فليكن بحسبها، قال: وفي كلامهم ما هو كالصريح فيما ذكرته، فلتجيء فيه الأحوال المذكورة في سائر التصرفات؛ أي: من إطلاق أو تصريح باجتماع أو انفراد (٣). ٣٣١٤ - قولهما - والعبارة لـ"للمنهاج" -: (وللموصي والوصي العزل متى شاء) (٤) استثنى النووي في "الروضة" من الوصي، فقال: إلا أن يتعين عليه، أو يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض وغيره (٥). قال في "المهمات": لو لم يكن قبل .. هل يلزمه القبول؟ يحتمل أن يجب؛ لقدرته على دفع المظالم، ويحتمل خلافه. انتهى. وفي "فتاوى ابن الصباغ": أنه لو كان عنده مال يتيم لا ولاية له عليه، وخاف ضياعه لو سلمه لوليه .. له إمساكه.

стр. 1300

ويستثنى أيضاً: ما إذا كان الوصي مستأجراً لذلك، ذكره الماوردي (١). واستشكلت الإجارة؛ فإن شرطها: اتصال الشروع في الاستيفاء بالعقد، وهنا ليس كذلك، وصورها السبكي: بأن يستأجره على عمل لنفسه في حياته ولطفله بعد موته، أو يستأجره القاضي على الاستمرار على الوصية لمصلحة رأها بعد موت الموصي. واعلم: أن صورة العزل من الموصي: أن يرجع عن الوصية، قال السبكي: وتسميته عزلاً ينبغي أن يكون مبنياً على الاعتبار بحال الوصية، وأن القبول لا يشترط، وإلا .. لم تصح التسمية، ومثله: عزل الوصي نفسه قبل القبول، أما بعده .. فعزل صحيح. ٣٣١٥ - قول "التنبيه" [ص ١٣٩]: (وللموصي أن يوكل فيما لا يتولى مثله بنفسه) كذا في "أصل الروضة" (٢)، ومفهومه: أنه لا يجوز له التوكيل فيما جرت العادة بمباشرة مثله له. قال شيخنا الإمام البلقيني: ومفهومه غير معمول به من جهة النقل والمعنى، أما النقل: فحكي عن الماوردي والإمام والغزالي وغيرهم ما يقتضي أنه يجوز له التوكيل مطلقاً، وأما المعنى: فهو استقلاله بالتصرف، بخلاف الوكيل. ٣٣١٦ - قول "الحاوي" [ص ٤٣٧]: (وإن اختلفا في الحفظ .. تولاه القاضي) محله: ما إذا كان المال غير منقسم، فإن كان منقسماً .. قسم بينهما، فإن تنازعا في تعيين النصف المحفوظ .. أقرع بينهما على الأصح في "أصل الروضة"، وليس في كلام الرافعي ترجيح (٣). ٣٣١٧ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" - وهو في "التنبيه" في (الحجر) -: (وإذا بلغ الطفل ونازعه في الإنفاق .. صدق الوصي) (٤) محله: ما إذا كان الذي ذكره الولي لائقاً بالحال، والمجنون بعد الإفاقة كالطفل بعد البلوغ، وقيم الحاكم كالوصي؛ ولذلك أطلق "التنبيه" الولي. ٣٣١٨ - قول "الحاوي" [ص ٤٣٧]: (والقول له في الخيانة) أي: قول الوصي في عدم الخيانة، يستثنى منه: ما لو قال: (بعت لحاجتك أو لغبطتك) وأنكر الصبي بعد البلوغ .. فالأصح: أن القول قول الصبي؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص ١٠٣]: (فإن بلغ الصبي وادعى أنه باع العقار من غير غبطة ولا ضرورة؛ فإن كان الولي أباً أو جداً .. فالقول قولهما، وإن كان غيرهما .. لم يقبل إلا ببينة) ودخل في قوله: (غيرهما) الحاكم كما قاله صاحب "الإقليد"، وقال بعضهم: الوجه: أنه إن كان في زمن قضائه .. قبل قوله بلا يمين، وبعد عزله .. فيه نظر، قال في

стр. 1301

"الروضة" في (الحجر) من زيادته: وكذا إذا بلغ وادعى أن الولي ترك الشفعة من غير غبطة كما قاله صاحب "المهذب" وغيره؛ أي: أن القول قول الصبي (١). ٣٣١٩ - قول "التنبيه" [ص ١٠٣]: (وإن ادعى أنه دفع إليه المال .. لم يقبل إلا ببينة) يشمل الأب والجد، وصرح به في "الكفاية"، وأقره في "التصحيح"، ولم يذكره الرافعي والنووي إلا في الوصي (٢)، وكذا "المنهاج" و"الحاوي" (٣).

стр. 1302

كتابُ الوَدِيعة ٣٣٢٠ - قول "الحاوي" [ص ٤٣٨]: (الإيداع: توكيلٌ بحفظ المال) قد يقال: لا يختص ذلك بالمال، بل يجري في المحترم من غيره؛ كالكلب المنتفع به ونحوه، لكن لا يجري فيه جميع أحكامه؛ كالتضمين عند التفريط. ٣٣٢١ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٠]: (من عجز عن حفظها .. حرم عليه قبولها) قيده ابن الرفعة بما إذا لم يطلع المالك على الحال، فإن أطلعه .. فلا تحريم ولا كراهة وبما إذا لم يتعين. ٣٣٢٢ - قوله: (ومن قدر ولم يثق بأمانته .. كره) (١) عبارة "المحرر": (لا ينبغي أن يقبل) (٢)، ولا يلزم من ذلك الكراهة، وأطلق في "الشرح" و"الروضة" وجهين من غير ترجيح: أحدهما: أنه لا يجوز. والثاني: أنه يكره (٣). ٣٣٢٣ - قوله: (فإن وثق .. استحب) (٤) أي: إن كان ثم غيره، وإلا .. وجب، كذا أطلقه جماعة، قال الرافعي: وهو محمول على أصل القبول كما بينه السرخسي دون إتلاف منفعة نفسه وحرزه مجاناً (٥). قال شيخنا ابن النقيب: ينبغي تقييد المسألة بما إذا خاف المالك عليها الضياع عنده وكانت تحفظ عند غيره، ولم أر من ذكره (٦). ٣٣٢٤ - قول "التنبيه" [ص ١١٠، ١١١]: (فإن أودع صَبيٌّ مالاً .. ضمنه المودع) أي: إذا قبضه، وكذا قول "المنهاج" [ص ٣٦٠]: (ولو أودعه صَبيٌّ أو مجنونٌ مالاً .. لم يقبله، فإن قبل .. ضمن) أي: وقبض؛ فإنه لا يلزم من القبول القبض، ومحل الضمان: إذا لم يخش الضياع بتركه في يده، فإن خشي فأخذه [حسبة] .. فلا ضمان في الأصح؛ ولذلك قال "الحاوي" في صور الضمان [ص ٤٤٠]: (أو أخذ من طفل وسفيه لا [حسبة]) (٧) فرتب الضمان على الأخذ وصرح

стр. 1303

بالسفيه، واستثنى الأخذ حسبة، وقد ذكر "المنهاج" السفيه بعد ذلك فقال [ص ٣٦٠]: (والمحجور عليه بسفه .. كصبي). ٣٣٢٥ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (ولا يبرأ إلا بالتسليم إلى الناظر في أمره)، قال في "الكفاية": في الحصر نظر؛ فإنه لو أتلفه الصبي المودع بلا تسليط من المودع عنده .. فيظهر براءته؛ لتعذر إحباط فعله وتضمينه مال نفسه، ونازع بعضهم فيما ذكره وقال: حيث يجعل الإتلاف قبضاً .. تعذر قصده إلى القبض بالإتلاف، وقصد الصبي غير معتبر، لكن الحق ما ذكره ابن الرفعة، وهو منقول قد ذكره الرافعي في (الجراح) قبل الفصل الثاني في المماثلة في أثناء تعليل (١)، ولعل مراد "التنبيه" أنه لا يبرأ بالتسليم إلا إذا كان التسليم إلى الناظر في أمره، والبراءة هنا ليست بالتسليم، بل بشيء آخر، ويوافق هذا أن في بعض نسخ "التنبيه": (ولا يبرأ بالتسليم إلا إلى الناظر في أمره). ٣٣٢٦ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٠]: (ولو أودع صبياً مالاً فتلف عنده .. لم يضمن) أي: بتفريط أو غيره كما صرح به "التنبيه" (٢). ٣٣٢٧ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٠]: (وإن أتلفه .. ضمن في الأصح) مخالف لترجيح "الشرحين" و"الروضة" أن الخلاف قولان (٣). ٣٣٢٨ - قوله: (وترتفع بموت المودِع أو المودعَ وجنونه وإغمائه) (٤) كذا بالحجر عليه بسفه كما قاله صاحب "البيان" (٥). ٣٣٢٩ - قوله: (ولهما الاسترداد والرد كل وقت) (٦) أي: للمودِع الاسترداد وللمودَع الرد، وليس المراد: أن لكل منهما الأمرين. قال شيخنا ابن النقيب: وينبغي أن يقيد جواز الرد للمودَع بحالة لا يلزمه فيها القبول ابتداء، أما إذا كانت بحيث يجب القبول .. فيظهر تحريم الرد، وإن كانت بحيث يندب قبولها .. فالرد خلاف الأولى إذا لم يرض به المالك (٧). ٣٣٣٠ - قوله: (منه: أن يودع غيره بلا إذنٍ ولا عذرٍ، فيضمن) (٨) وعبارة "التنبيه" [ص ١١١]:

стр. 1304

(من غير سفر ولا ضرورة) أي: ولو كان ذلك الغير ولده أو زوجته أو عبده. قال السبكي: والمتبع فيه العرف؛ فالملوك والأمراء أموالهم في خزائنهم بأيدي خزان لهم، والعرف قاض بأنها في أيديهم. ٣٣٣١ - قول "المنهاج" [ص ٣٦١]: (وإذا لم يزل يده عنها .. جازت الاستعانة بمن يحملها إلى الحرز أو يضعها في خزانة مشتركة) حكى الرافعي الأول عن ابن سريج والأصحاب، والثاني عن القفال، لكنه فرضها فيما إذا كانت الخزانة مشتركة بينه وبين ابنه، قال: وفي "النهاية": أن المودع إذا أراد الخروج لحاجته فاستحفظ من يثق به من متصليه، وكان يلاحظ المخزن في عوداته .. فلا بأس، وإن فوض الحفظ إلى أحدهم ولم يلاحظ الوديعة أصلاً .. ففيه تردد، وإن كان المخزن خارجاً عن داره التي يأوي إليها وكان لا يلاحظه أصلاً .. فالظاهر تضمينه (١). ٣٣٣٢ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (وله أن يضمن الأول والثاني، فإن ضمن الثاني .. رجع على الأول) محله: ما إذا كان الثاني جاهلاً بالحال، فإن علمه .. لم يرجع على الأول، وقد أورده النووي في "التصحيح" بلفظ الصواب (٢). وأجيب عنه: بأن هذا غاصب صورة ومعنى، والشيخ إنما فرضه في المودَع، وإنما يكون مودعاً إذا كان جاهلاً، فذكر العالم يحيل صورة المسألة، وفيه نظر؛ لأنه مودع صورة، وقد يجهل أن المودع ليس له الإيداع، والإيراد إنما هو على الألفاظ، وإن كان المورد عليها يفهم من المدرك .. فذلك لا يدفع الإيراد، والله أعلم. ٣٣٣٣ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (وإذا أراد سفراً ولم يجد صاحبها .. سلمها إلى الحاكم) في معنى صاحبها: وكيله إما مطلقاً أو في استردادها خاصة؛ فهو مقدم على الحاكم حتى يضمن بالعدول عنه إلى الحاكم في الأصح، وقد صرح به "المنهاج" (٣)، ويرد ذلك أيضاً على قول "الحاوي" [ص ٤٣٨]: (ووجد المالك ثم القاضي) وفهم من قول "التنبيه" [ص ١١١] و"المنهاج" [ص ٣٦١]: (وإذا أراد سفراً) أن محل ذلك: إذا أودعه في الحضر، فلو أودعه وهو مسافر .. لم يضمن بدوام السفر بها، وقد صرح بذلك "الحاوي" فقال [ص ٤٣٨]: (فيضمن إن سافر بما لم يودع فيه) قال الماوردي: فإن كان الحاكم غير مأمون .. فوجوده وعدمه سواء (٤). وقول "الحاوي" [ص ٤٣٨]: (ثم عدلاً) قد يفهم العدالة الباطنة، والظاهر: الاكتفاء

стр. 1305

بالظاهرة، قلته تفقهاً، ولعل تعبير "التنبيه" و"المنهاج" و"الروضة" وأصلها بالأمانة لذلك (١)، واقتصر "التنبيه" و"الحاوي" في الرد إلى الحاكم عند فقد المالك ثم إلى أمين على عذر السفر، وقال في "المنهاج" [ص ٣٦١]: (والحريق والغارة في البقعة وإشرات الحرز على الخراب .. أعذار كالسفر) وشرطه: ألَاّ يجد حرزاً آخر. ٣٣٣٤ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (وإن دفن الوديعة في دار وأعلم بها أميناً يسكن الدار .. لم بضمن على ظاهر المذهب) وعبر "المنهاج" بـ (موضع) وقال: (في الأصح) (٢) فيه أمران: أحدهما: أنه لا بد من تقييد ذلك الموضع بأن يكون حرز مثله، وفي بعض نسخ "التنبيه": (في داره)، وقد يفهم من ذلك أنها دار سكنه التي كان يحرز فيها تلك الوديعة. ثانيهما: ظاهر كلامهما أن ذلك مع القدرة على الحاكم، وبهذا صور الجيلي، وسبقه إليه البندنيجي، لكن الذي في "الروضة" وأصلها فرضه في الموضع الذي يجوز فيه إيداع الأمين، وذلك عند تعذر الحاكم (٣)، ونقله ابن الرفعة عن الأكثرين، ومثار الخلاف أن الدفن مع إعلامه به تسليم له أم لا؛ ولهذا عبر ابن يونس في "النبيه مختصر التنبيه" بقوله: ودفنها بمسكن من أعلمه بها تسليم إليه يعم المالك والحاكم والأمين، وجعل الإمام في معنى السكنى: أن يراقبها من الجوانب أو من فوق مراقبة الحارس (٤)، قال الرافعي: ويحتمل أن الإعلام كالإيداع سواء كان سكن الموضع أم لا، والأصح: أن هذا الإعلام ائتمان لا إشهاد، فتكفي المرأة في ذلك (٥). ٣٣٣٥ - قول "المنهاج" [ص ٣٦١]: (ولو سافر بها .. ضمن إلا إذا وقع حريقٌ أو غارةٌ وعجز عمن يدفعها إليه كما سبق) مقتضاه: أنه لا بد في نفي الضمان من اجتماع الأمرين: العذر المذكور، والعجز عمن يدفعها إليه، وليس كذلك؛ فالعجز كاف بلا عذر، فيجوز له السفر بها في الأمن قطعاً ولا يضمن في الأصح؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص ٤٣٨]: (فيضمن إن سافر بما لم يودع فيه ووجد المالك ثم القاضي ثم عدلاً) فمفهومه أنه إذا لم يجد هؤلاء .. لا ضمان وإن لم يكن عذر. ٣٣٣٦ - قول "المنهاج" [ص ٣٦١]: (وإذا مرض مخوفاً .. فليردها إلى المالك أو وكيله، وإلا .. فالحاكم أو أمين أو يوصي بها، فإن لم يفعل .. ضمن، إلا إذا لم يتمكن؛ بأن مات فجأة) فيه أمور:

стр. 1306

أحدها: في معنى المرض المخوف: الحبس ليقتل كما في "الروضة" وأصلها (١)، وهذا مخالف لكلامهم في الوصية؛ حيث عدوا من المخوف: التقديم للقتل؛ فمقتضاه: أن ما قبل ذلك من الحبس ليس مخوفاً. قال شيخنا الإمام البلقيني: ويمكن أن يفرق بأن وقت التقديم للقتل وقت دهشة، فلو قلنا: له أن يؤخر الوصية إليه ثم تركها وضمناه .. لم يوف له بعذر الدهشة، وإن قلنا: يؤخر ثم إذا ترك لايضمن .. لكنا مضيعين لحق مالك الوديعة، فمن أجل ذلك جعل وقت وصيته ما ذكره الأصحاب، وأما كونه في هذه الحالة لا يحسب تبرعه من الثلث؛ فلأنه بدنه صحيح ولم يغلب على ظنه حصول الهلاك، بخلاف ما إذا قدم .. فإنه يغلب ذلك، فكان تبرعه فيه من الثلث. انتهى. ثانيها: أنه جعل الأمين في مرتبة الحاكم مع أنه لا يسلم للأمين إلا عند تعذر الحاكم، فكان ينبغي أن يقول: (وإلا .. فأمين). ثالثها: قوله: (أو يوصي بها) (٢) أي: إلى الحاكم عند إمكانه، فإن تعذر .. فإلى أمين، فهو مخير عند القدرة على الحاكم بين الدفع إليه والوصية، وعند العجز عنه بين الدفع إلى الأمين والوصية له، والمراد بالإيصاء: أن يعلم بها ويصفها بما يتميز به أو يشير إلى عينها ويأمر بالرد إن مات، ولا بد مع ذلك من الإشهاد كما حكاه الرافعي عن الغزالي، وأسقطه من "الروضة" (٣)، وجزم به في "الكفاية" (٤). رابعها: قوله: (فإن لم يفعل .. ضمن) قال الرافعي: والتقصير إنما يتحقق بترك الوصاية إلى الموت، فلا يحصل التقصير إلا إذا مات، لكن تبينا عند الموت أنه كان مقصراً من أول المرض، فضمّنَّاه، أو يكون التلف الحاصل بعد الموت ملحقاً بالتردي في بئر حفرها متعدياً (٥)، وأسقط هذا الكلام من "الروضة" (٦). وقال في "المهمات": ليس كذلك، بل بمجرد المرض يصير ضامناً إذا لم يوص، حتى لو تلفت في حياته في مرضه أو بعد صحته .. وجب ضمانها. وقال السبكي: تبيُّن الضمان من أول المرض لم أره لغير الرافعي، ويلزمه أنها إذا تلفت من غير

стр. 1307

تفريط في مدة المرض .. تكون من ضمانه، وهو بعيد؛ لأن الموت كالسفر .. فلا يتحقق الضمان إلا به. خامسها: قوله: (إلا إذا لم يتمكن؛ بأن مات فجأة) (١) استثناء منقطع؛ فإنه لم يدخل في قوله: (وإذا مرض مخوفاً)، فلو لم يوص فادعى صاحبها أنه قصر، وقالت الورثة: لعلها تلفت قبل أن ينسب إلى التقصير .. قال الإمام: فالظاهر: براءة الذمة (٢)، كذا حكاه عنه الرافعي والنووي (٣). وتعقبه في "المهمات" بأن الإمام إنما قال هذا عند جزم الورثة بالتلف، فأما عند ذكرهم له احتمالاً .. فإنه صحح الضمان، وصحح السبكي أنه لا يقبل قولهم في دعوى التلف والرد إلا ببينة، خلاف ما قال الرافعي: أنه الوجه. وعبارة "الحاوي" [ص ٤٣٨]: (كأن مات - لا فجأة - بلا إيصاء مميزٍ إلى عدلٍ) فسوى بين الحاكم وغيره من العدول مع أن الحاكم مقدم كما تقدم، ولم يذكر سوى الإيصاء، ومثله: الرد، ولعله مفهوم من طريق الأولى. وقال بعضهم: يؤخذ من هذا التشبيه تقديم الرد إلى الحاكم ثم العدل على الإيصاء كما ذكره في السفر الذي شبهه به، وليس كذلك، بل الإيصاء كالرد إليهما، والحق: أنه ليس في عبارته إشعار بذلك، وإنما شبه الضمان عند السفر مع القدرة على من ذكره بالضمان عند الموت بلا إيصاء. ٣٣٣٧ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (وإن قال: "احفظ في هذا الحرز" فنقله إلى ما دونه .. ضمن) لا يختص ذلك بتعيين الحرز، بل لو استحفظه الوديعة وهو في دار فنقلها إلى ما دونها في الحرز .. ضمن وإن لم يقل: (احفظها في هذه الدار) ولذلك أطلق "المنهاج" و"الحاوي" أنه إذا نقل إلى حرز دون التي كانت فيه .. ضمن (٤)، وهذا الذي ذكرته هو الذي يدل عليه كلام "الروضة" وأصلها في السبب الرابع: نقل الوديعة والسبب السابع: المخالفة في الحفظ، لكنه قال في السبب الثامن: لو جعلها في أحرز من حرز مثلها ثم نقلها إلى حرز مثلها .. فلا ضمان (٥). وهذا بظاهره يخالف ما تقدم، إلا أن يقال: صورة ما تقدم أن يكون الجميع حرزاً لمثله إلا أن بعضها أحرز من بعض، وهذا الكلام الأخير فيما لا يحرز مثله في مثله أصلاً، فلو نقل من بيت إلى بيت في دار واحدة أو خان واحد .. فلا ضمان، وإن كان الأول أحرز منهما .. كان الثاني حرزاً له أيضاً، قاله البغوي (٦).

стр. 1308

ومحله: عند الإطلاق، فلو عين له بيتاً من دار فنقله إلى بيت آخر من تلك الدار دونه في الحرز .. ضمن، ولا ترد صورة الإطلاق على "المنهاج" لتعبيره بالمحلة والدار، ويرد على "الحاوي" لتعبيره بالحرز (١). ٣٣٣٨ - وقول "المنهاج" [ص ٣٦١]: (وإلا .. فلا) أي: وإن لم يكن دونها في الحرز .. فلا ضمان، يرد عليه مسألتان: إحداهما: إذا نهاه عن النفل .. فإنه يضمن ولو نقل إلى أحرز، وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص ١١١]: (وإن نهاه عن النقل عنه فنقله إلى مثله .. ضمن، وقيل: لا يضمن) وفيه أمور: أحدها: أنه يفهم منه أنه لو نقله إلى أحرز منه .. لم يضمن، وليس كذلك. ثانيها: أن محل الضمان: إذا لم تدع للنقل ضرورة، فإن دعت ضرورة إليه .. فلا ضمان به؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص ٤٣٨]: (أو نقل بنهيٍ، لا لضرورةِ غارةٍ وحريقٍ) فأطلق النقل واستثنى الضرورة، وقد ذكر "التنبيه" الضرورة بعده فقال [ص ١١١]: (وإن خاف عليه الهلاك في الحرز فنقل .. لم يضمن) وسواء نقل في هذه الصورة إلى مثل الحرز الأول أو أحرز منه، فإن نقل إلى ما دونه .. جاز إن لم يجد غيره، ولو ترك النقل عند الضرورة .. ضمن في الأصح؛ لأن الظاهر أنه أراد بالنهي: تحصيل الاحتياط. ثالثها: أن محل الخلاف: ما إذا كان البيت للمودع، فإن كان لمالك الوديعة ملكاً أو إجارة أو إعارة .. ضمن قطعاً إذا لم يخف الهلاك. المسألة الثانية: إذا تلفت بسبب النقل؛ كانهدام البيت المنقول إليه .. ضمن، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص ٤٣٨]: (أو هلك به) قال الرافعي: والسرقة من المنقول إليه كالانهدام، قاله البغوي والمتولي، وفي كلام الغزالي ما يقتضي إلحاق السرقة والغصب بالموت، وكذا صرح به بعضهم (٢). ٣٣٣٩ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (إن قال: "لا تنقل وإن خفت عليه الهلاك" فخاف فنقل .. لم يضمن) قد يقتضي أنه إذا لم ينقل .. يضمن، وليس كذلك، فلا ضمان عليه بترك النقل في هذه الصورة. ٣٣٤٠ - قول "المنهاج" [ص ٣٦١، - والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٤٣٩]: (فلو أودعه دابة فترك علفها .. ضمن) المراد: ترك علفها مدة تموت في مثلها، فإن ماتت أو نقصت .. ضمن، وإلا .. دخلت في ضمانه، فإن ماتت قبل تلك المدة لجوع سابق .. ضمن إن علمه، وإلا .. فلا في

стр. 1309

الأصح، والسقي كالعلف، وقول "التنبيه" [ص ١١١]: (فلم يعلفها حتى ماتت) ظاهر في أن موتها بسبب ترك العلف، ولا بد من تقييده بأن يموت مثلها في مثل تلك المدة أو مع ضميمة مدة قبل ذلك، وقد علم بها كما سبق، ولا يتوقف الحال على موتها، فمتى ترك علفها المدة المذكورة .. دخلت في ضمانه مطلقاً. ٣٣٤١ - قول "المنهاج" [ص ٣٦١]: (فإن فُقِدَا .. فالحاكم) أي: ليؤجرها ويصرف الأجرة في علفها، فإن عجز .. اقترض على المالك إذ لم يكن له مال أو باع جزءً منها أو جميعها إن رأى ذلك؛ لئلاً تستغرقها النفقة والقدر الذي يعلف على المالك ما يصونها عن التلف والعيب لا ما يحصل السمن، قاله الإمام، فلو كانت سمينة .. فهل يراعى علف يحفظه أو صونها فقط؟ فيه احتمال، قال: ولعل الأوجه: أنها إن كانت في غاية السمن .. فلا يشترط صونه، أو مقتصداً .. فتردد، والاحتمال يتطرق إلى الجميع (١). ٣٣٤٢ - قوله: (ولو بعثها مع من يسقيها .. لم يضمن في الأصح) (٢) محل الخلاف: إذا كان المبعوث معه أميناً ولا خوف، والمودع لا يخرج دوابه للسقي وعادته سقي دوابه بنفسه، فمع غير الأمين والخوف .. يضمن قطعاً، ومع إخراج دوابه للسقي أو كونه لا يسقي دوابه بنفسه .. لا ضمان قطعاً. ٣٣٤٣ - قوله: (وعلى المودع تعريض ثياب الصوف للريح) (٣) قد يقال: إن قول "الحاوي" [ص ٤٣٩]: (والتعريض للريح) أعم منه؛ فإن ذلك يجب في الخز أيضاً، وهو مركب من حرير وصوف، وفي "البسيط": والأكيسة واللبد، وهي وإن كانت صوفاً لكن لا يقال لها في العرف: ثياب صوف، ويستثنى من كلامهما مسالتان: إحداهما: إذا نهاه المالك عن ذلك .. فلا ضمان عليه. الثانية: إذا لم يعلم بها؛ بأن كانت في صندوق مقفل وله عند العلم بها فتح القفل ليخرجها لذلك .. فلا ضمان في الأصح. ٣٣٤٤ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (وإن قال: "لا ترقد عليها" فخالفه في ذلك .. لم يضمن) يستثنى منه مسألتان: إحداهما: إذا تلفت بسبب الرقاد عليها. الثانية: إذا سرقت من جانبها وكان في الصحراء على المشهور، فإن سرقت من أعلاها .. فلا

стр. 1310

ضمان، وإن كانت في حرز في البنيان .. فلا ضمان مطلقاً، وقال الرافعي فيما إذا سرقت من جانبها في الصحراء: إنما يظهر الضمان إذا أخذت من جانب لو لم يرقد فوقه لرقد هناك؛ بأن كان يرقد قدام الصندوق، فتركه، فانتهز السارق الفرصة، أو أمره بالرقاد قدامه، فرقد فوقه، فسرق من قدامه، وقد تعرض لهذا القيد متعرضون. انتهى (١). وقد ذكر "المنهاج" الأولى فقال [ص ٣٦٢]: (فرقد وانكسر بثقله وتلف ما فيه .. ضمن وإن تلف بغيره .. فلا على الصحيح) وترد عليه الثانية، وذكرهما "الحاوي" فقال [ص ٤٣٩]: (أو خالف فتلف به؛ كأن رقد عليه بنهيه وسُرق في الصحراء من جنب يرقد هناك). ٣٣٤٥ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (وإن قال: "اربطها في كمك" فأمسكها في يده .. ففيه قولان، أحدهما: يضمن، والثاني: لا يضمن) قال في "المنهاج" [ص ٣٦٢]: (فالمذهب: أنها إن ضاعت بنوم ونسيان .. ضمن، أو بأخذ غاصب .. فلا) وهذه طريقة المراوزة نزلت النصين على حالين، ولفظ النص في "عيون المسائل" مصرح به، ولو قال: (أو نسيان) كما في "المحرر" .. لكان أحسن (٢). وكلامه يقتضي أن الغصب ضياع أيضاً، لكن عبارة "الحاوي" [ص ٤٣٩]: (وضاع، لا إن غصب) ومقتضاها: أن الغصب ليس ضياعاً، وهو أقرب، والضياع قد يكون بنوم وقد يكون بنسيان، وصورة المسألة: إذا لم ينهه عن الحفظ في اليد، فإن نهاه .. خرجه الإمام على النقل عند النهي إلى أحرز. ٣٣٤٦ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٢]: (ولو جعلها في جيبه بدلاً عن الربط في الكم .. لم يضمن) قد يقال: إنه أحسن من قول "التنبيه" [ص ١١١]: (وإن قال: "احفظها في كمك" فجعلها في جيبه .. لم يضمن) لإيهامه أن المراد: الحفظ في الكم بدون ربط، وقد يقال: عبارة "التنبيه" أحسن؛ لأنها تشمل الحفظ بربط وغيره، وفي الصورتين الجعل في الجيب أحرز، بخلاف "المنهاج" فإن فيه مسألة الربط فقط، لكن الأخرى تفهم من طريق الأولى. ويستثنى من عدم الضمان: ما إذا كان الجيب واسعاً غير مزرور، ونازع شيخنا الإمام البلقيني فيما ذكروه من عدم الضمان، وقال: الجيب وإن ضاق ليس أحرز من الربط في الكم؛ لأن الجيب قد تتسرب الفضة منه بتقلب في نوم ونحوه، وقد تؤخذ، وهل المراد بالجيب: فتحة القميص كما ذكره الجوهري وغيره من أهل اللغة، ويوافقه كلام أصحابنا في ستر العورة في الصلاة، وهو معتاد عند المغاربة، أو الجيب المتعارف ببلادنا؟ لم أر به تصريحاً.

стр. 1311

ومفهوم كلامهما: أنه لو امتثل فربطها في كمه .. لم يضمن، وفيه تفصيل، وهو أنه إن جعل الخيط الرابط خارجاً فضاعت بأخذ الطرار (١) .. ضمن، أو بالاسترسال .. فلا ضمان، وإن جعله داخلاً .. انعكس الحكم، فإن ضاعت بأخذ الطرار .. لم يضمن، أو بالاسترسال .. ضمن، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص ٤٣٩]: (أو ربط خارجاً فأخذ الطرار، أو داخلاً فضاع، لا بالعكس). واستشكله الرافعي: بأن المأمور به مطلق الربط وقد أتى به؛ ولأنه لو قال: (احفظ في هذا البيت) فوضعها في زاوية منه فانهدمت على الوديعة .. ينبغي أن يضمن؛ لأنها لو كانت في زاوية غيرها .. لسلمت، ومن المعلوم أن تضمينه بعيد (٢). وفرق ابن الرفعة: بأن جهات الربط مختلفة وجهات البيت مستوية، فإن فرض اختلافها في البناء أو القرب من الشارع ونحوه .. فقد نقول: يختلف الحكم، ثم قال: والحق: أن استشكال الرافعي على وجهه؛ لأن الربط في الكم حرز كيف كان، ولا يجب الحفظ في الأحرز، قال الشافعي: ولو وضع الوديعة في حرز وغيره أحرز منه وهلكت .. لم يضمن. انتهى (٣). وقد فرق بين الربط والحفظ في البيت بفرقين: أحدهما: أن الربط من فعله وهو حرز من وجه دون وجه، وقوله: (اربط) مطلق لا عام، والبيت عام، فإذا جاء التلف في الربط بالسبب الذي اختاره وفعله ولا عموم في كلام المالك يشمله .. ضمن، بخلاف زوايا البيت. الثاني: أن الربط ليس كافياً على أي وجه فرض، بل لا بد من تضمنه الحفظ؛ ولهذا لو ربط ربطاً غير محكم .. ضمن وإن كان لفظ الربط يشمل المحكم وغيره، ولفظ البيت متناول لكل من زواياه، والعرف لا يخصص موضعاً من البيت. ٣٣٤٧ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (وإن قال: "احفظها في جيبك" فجعلها في كمه .. ضمن) قد يفهم أن المراد: جعلها في كمه بغير ربط؛ ويدل لذلك التعليل بأنه قد يرسل الكم فتسقط، وتعبير "المنهاج" بقوله [ص ٣٦٢]: (وبالعكس .. يضمن) يقتضي أن صورة المسألة: أنه ربطها في كمه؛ لأن المسألة التي هذه عكسها صورتها: أن يقول: (اربطها في كمك) فيجعلها في جيبه. ٣٣٤٨ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٢]: (ولو أعطاه دراهم بالسوق ولم يبين كليفية الحفظ فربطها في كمه وأمسكها بيده) مفهومه أنه لو اقتصر على الربط من غير إمساك .. ضمن، وقياس ما سبق: النظر إلى كيفية الربط وجهة التلف.

стр. 1312

٣٣٤٩ - قوله: (أو جعلها في جيبه) (١) أي: بشرط: ألَاّ يكون واسعاً غير مزرور كما تقدم. ٣٣٥٠ - قوله: (وإن قال: "احفظها في البيت" .. فليمض إليه ويحرزها فيه) (٢) صورة المسألة: أن يكون قد أعطاه في السوق، أما لو أعطاه في البيت وقال: (احفظها في البيت) فربطها في كمه وخرج أو لم يخرج مع إمكان الصندوق .. ضمن. قال في "المعتمد": ولو شدها في عضده وخرج .. لم يضمن إن كان مما يلي الأضلاع، وإلا .. ضمن، ولو أودعه في البيت ولم يقل شيئاً .. فمقتضى كلامهم: جواز الخروج به مربوطاً، قال الرافعي: ويشبه أن يرجع فيه إلى العادة (٣). ٣٣٥١ - قوله في المسألة: (فإن أخر بلا عذر .. ضمن) (٤) قال السبكي: ينبغي أن يرجع فيه إلى العرف، وهو مختلف باختلاف نفاسة الوديعة وطول التأخير وضدهما. ٣٣٥٢ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٢] و"الحاوي" [ص ٤٤٠]: (أو يدل عليها سارقاً) شرطه: أن يعين له موضعها وتضيع بالسرقة؛ ففي "أصل الروضة": لو أعلم المودع اللصوص بالوديعة فسرقوها؛ إن عين الموضع .. ضمن، وإلا .. فلا، كذا فصله البغوي، وفيها أيضاً: أودعه وقال: (لا تخبر بها) فخالف؛ فسرقها الذي أخبره أو من أخبر من أخبره .. ضمن، ولو تلفت بسبب آخر .. لم يضمن، وقال العبادي: لو سأله رجل هل عندك لفلان وديعة؟ فأخبره .. ضمن؛ لأن كتمها من حفظها (٥). ٣٣٥٣ - قولهما أيضاً - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فلو أكرهه ظالم حتى سلمها إليه .. فللمالك تضمينه في الأصح، ثم يرجع على الظالم) (٦) استثنى السبكي من تضمينه: ما إذا دل متغلب على من عنده وديعة فأكرهه على تسليمها فسلمها؛ لأنه والحالة هذه كمن لا فعل له، ولو لم يسلم .. أخذها الظالم؛ لأنه هو وهي في قبضته. قال في "التوشيح": قد يقال: هذا نفس مسألة "المنهاج" لا استثناء منها، والشيخ صرح بأنها مستثناة، قال: والذي ظهر لي أن هذه الصورة المستثناة مفروضة فيما إذا كان الظالم يتسلم بنفسه لو لم يسلمه المودع مكرهاً، ومسألة "المنهاج" في أعم من أن يكون بحيث يتسلم لو لم يسلمه أو يكف عن التسليم إلا أن يسلمه، وقد يقال: إنها مخصوصة بمن يكف عن التسليم لو لم

стр. 1313

يسلم؛ ولذلك احتاج إلى الإكراه، والأظهر: التعميم، وأن المكره قد يكره على التسليم وقد يتسلم بنفسه. ٣٣٥٤ - قولهما أيضاً: (ومنها: أن ينتفع بها) (١) زاد "المنهاج": (بأن يلبس أو يركب خيانة) وهو مثال؛ فكل انتفاع كذلك وإن لم يضر بالمالك، حتى القراءة في الكتاب كما صرح به البغوي في "فتاويه"، وأشار "الحاوي" لما احترز عنه "المنهاج" بقوله [ص ٣٦٢]: (خيانة) بقوله: (أو ركب الجموح) (٢). ٣٣٥٥ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (وإن استعملها أو أخرجها من الحرز لينتفع بها .. ضمن) قد يفهم التسوية بينهما من كل وجه، وليس كذلك، فلو استعملها ظاناً أنها ملكه .. لم يسقط هذا الظن عنه الضمان، بخلاف إخراجها من الحرز بهذا الظن .. فإنه لا يضمن معه قاله الإمام، ويرد ذلك على إطلاق "المنهاج" الضمان في أخذ الثوب ليلبسه (٣). ٣٣٥٦ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولو نوى الأخذ ولم يأخذ .. لم يضمن على الصحيح) (٤) محله: ما إذا لم تقترن هذه النية بابتداء الأخذ، فلو اقترنت بابتداء الأخذ .. ضمن قطعاً. ٣٣٥٧ - قولهما: (ولو خلطها بماله ولم تتميز .. ضمن) (٥) مفهومه: عدم الضمان عند التمييز، ومحله: ما إذا لم يحدث بالخلط نقص، فإن حدث به نقص .. ضمنه. ومن صور خلطها بماله: ما إذا أنفق من الدراهم المودعة درهماً ثم رد مثله إلى موضعه .. فلا يبرأ منه، وهو باق على ملكه لم يملكه مالك الوديعة، فإن لم يتميز .. ضمن الكل، وإن تميز .. لم يضمن الباقي، أما لو رده بعينه .. لم يبرأ من ضمانه، ولا يصير الباقي مضموماً إن تميز، وكذا إن لم يتميز في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص ٤٣٩]: (أو خلط بدله، لا عينه بالباقي) ومحل ذلك: إذا لم يكن عليه ختم، فإن كان عليه ختم ففكه .. ضمن الكل مطلقاً وإن لم يأخذ منه شيئاً، ومفهوم "التنبيه" أنه إذا خلطها بمال المالك .. لا ضمان وليس كذلك، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص ٣٦٢]: (ولو خلط دراهم كيسين للمودع .. ضمن في الأصح). واعلم: أن هذا مخالف لما ذكروه في (الغصب): أن خلط الشيء بما لا يتميز استهلاك حتى يملكه الغاصب ويلزمه مثله أو قيمته.

стр. 1314

٣٣٥٨ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (وإن طالبه بها فمنعها من غير عذر .. ضمن) أي: بعدم التمكين منها؛ فإنه الواجب على المودع، وليس عليه مؤنة الرد؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٣٦٣]: (لزمه الرد؛ بأن يخلي بينه وبينها) و"الحاوي" [ص ٤٤٠]: (فأخر التخلية لا لإتمام غرض). وتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بالتأخير أحسن من تعبير "التنبيه" بالمنع؛ لأنه قد يفهم توقف الضمان على المنع المطلق، وليس كذلك، فمجرد التأخير مضمن. وتعبيرهما بالعذر أحسن من تعبير "الحاوي" بإتمام غرض؛ فإنه قد لا يشمل مثل ما لو طالبه في جنح الليل والوديعة في خزانة لا يتأتى فتح بابها في الوقت، فهذا عذر وليس فيه إتمام غرض، لكنه مفهوم من طريق الأولى، ومفهوم كلامهم: أنه لا ضمان بالتأخير مع العذر لو تلفت في تلك الحال، وقد حكاه الرافعي عن المتولي ومقتضى كلام البغوي (١)، وقال النووي: إنه الراجح، وبه صرح كثيرون، ولفظ الغزالي في "الوسيط" يشعر بتفصيل؛ وهو أنه إن كان التأخير لتعذر الوصول إلى الوديعة .. فلا ضمان، وإن كان لعسر يلحقه أو غرض يفوته .. ضمن (٢). ٣٣٥٩ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (وإن قال: هلكت الوديعة .. فالقول قوله) أطلق، وهو محمول على تفصيل ذكره "المنهاج" فقال [ص ٣٦٣]: (وإن ادعى تلفها ولم يذكر سبباً، أو ذكر خفياً كسرقة .. صدق بيمينه، وإن ذكر ظاهراً كحريق؛ فإن عُرفَ الحريق وعمومه .. صُدق بلا يمين، وإن عُرف دون عمومه .. صدق بيمينه، وإن جُهل .. طُولب ببينة، ثم يُحلَّف على التلف به) وقد اعترض عليه بذلك شيخنا الإسنوي، وقال في "التوشيح": هو اعتراض ساقط؛ لأن قوله مقبول فيها، وإنما يحتاج إلى البينة على أصل السبب، وقول الشيخ: إن قوله مقبول في الهلاك على إطلاقه، وقد شرحه ابن الرفعة على الصواب، فقال: سواء ادعاه بسبب ظاهر أو خفي. نعم؛ إن ادعى سبباً ظاهراً كالحريق .. كلف إقامة البينة على السبب دون التلف. وقال النسائي: إنما ذكر ابن الرفعة هذا مع وضوحه؛ لالتباسه على بعض الطلبة فيما كلف فيه البينة، وهو صريح في كلام الشيخ؛ حيث قال في إخراجها والمسافرة بها لضرورة: فإن كان ذلك بسبب ظاهر؛ كالحريق والنهب وما أشبههما .. لم يقبل إلا ببينة (٣). قلت: فاكتفى "التنبيه" بذكر ذلك في سبب الإخراج عن ذكره في سبب التلف، وذلك يقتضي صحة إيراده في سبب التلف، وإلا .. فكيف أورده في سبب الإخراج، والله أعلم.

стр. 1315

وعد المتولي الغصب من الأسباب الظاهرة، وألحقه البغوي بالسرقة، وهو الأقرب عند الرافعي (١). ٣٣٦٠ - قول "التنبيه" [ص ١١١]: (وإن قال: أمرتني بالدفع إلى زيد، فقال زيد: لم يدفع إليّ .. فالقول قوله) محله: ما إذا لم يكن زيد هو مالك الوديعة، فلو كان مالكها وقد أودعها عند أمين وأذن له في إيداعها عند المودع .. فالقول قول الدافع، صرح به الماوردي. وهذه داخلة في قول "المنهاج" [ص ٣٦٣]: (وإن ادعى ردها على من ائتمنه .. صدق بيمينه) لأن زيداً في هذه الصورة قد ائتمنه بإذنه للمودع في إيداعها عنده، وليست كإيداع المودع عند سفرٍ أميناً؛ لأن ذلك الأمين لم يأتمنه المالك. ٣٣٦١ - قول "التنبيه" [ص ١١٢]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٤٤٠]: (وإن قال: ما أودعني .. فالقول قوله، فإن قام المدعي ببينة بالإيداع، فقال: قد أودعتني ولكنها هلكت وأقام بينة بأنها هلكت قبل الجحود .. سمعت) قال الرافعي: قد حكينا في المرابحة إذا قال: اشتريت بمئة ثم قال: بمئة وخمسين .. أن الأصحاب فرقوا بين أن يذكر وجهاً محتملاً للغلط وبين ألَاّ يذكره، ولم يتعرضوا لمثله هنا، والتسوية بينهما متجهة (٢). وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليست التسوية بينهما متجهة، والفرق: أن الذي قامت به البينة في صورة المرابحة معارض لما أخبر به من أقامها .. فاحتيج إلى التأويل؛ ليجتمع هذا مع ذاك، وأما في الوديعة: فإنكارها غير ما قامت به البينة من تلفها، فلم يحتج إلى ذكر محتمل، والوديعة أصلها ثابت بتوافقهما وقد قامت [البينة] (٣) على تلف العين قبل الجحود .. فتسمع على الأصح، ولا ضمان حينئذ.

стр. 1316

كتاب قسم الفيء والغنيمة ٣٣٦٢ - المشهور: تغايرهما، وعليه مشى الثلاثة (١)، وفي "أصل الروضة" عن المسعودي وطائفة: أن اسم كل منهما يقع على الآخر إذا أفرد بالذكر، فإذا جمع بينهما .. افترقا؛ كالفقير والمسكين، وعن أبي حاتم القزويني وغيره: أن اسم الفيء يشمل المالين، واسم الغنيمة خاص بما أخذ بقتال، وفي لفظ الشافعي في "المختصر" ما يشعر به (٢). ٣٣٦٣ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٤]: (الفيء: مال حصل من كفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب) فيه أمران: أحدهما: أن التقييد بالمال في "التنبيه" أيضاً (٣)، وهو مخرج للكلاب المنتفع بها والخمر المحترمة وما ينتفع به من النجاسات، وعبر "الحاوي" بقوله [ص ٤٤٢]: (ما حصل) فتناولها، وكذا عبر به "التنبيه" في الغنيمة (٤)، وفي "أصل الروضة" فيما إذا وقع في الغنيمة كلب ينتفع به .. حكى الإمام عن العراقيين: أن للإمام أن يسلمه إلى واحد من المسلمين؛ لعلمه بحاجته إليه، ولا يحسب عليه. واعترض: بأن الكلب منتفع به، فليكن حق اليد فيه لجميعهم كما لو مات وله كلب لا يستبد به بعض الورثة، والموجود في كتب العراقيين: أنه إن أراده بعض الغانمين أو أهل الخمس ولم ينازعه غيره .. سلم إليه، وإن تنازعوا؛ فإن وجدنا كلاباً وأمكنت القسمة عدداً .. قسم، وإلا .. أقرع بينهم، وهذا هو المذهب، وقد سبق في (الوصية) أنه يعتبر قيمتها عند من يرى لها قيمة وتعتبر منافعها، فيمكن أن يقال به هنا. انتهى (٥). وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٤٤٥]: (والكلاب قسمت عدداً، وإن لم يمكن .. أقرع)، وذكره "المنهاج" في (السير) (٦)، وقال ابن الرفعة: إن ما حكاه الرافعي عن العراقيين لم يجده في شيء من كتبهم إلا في "الشامل" فإنه ذكره احتمالاً لنفسه. واعترض قياس الرافعي الغنيمةَ على الوصية: بأن للإمام مدخلاً في الغنيمة بخلاف الوصية،

стр. 1317

وذكر السبكي: أن ما حكاه الإمام عن العراقيين موجود في كتبهم، قال: وهو المختار، وبه وبغيره يتبن أنها داخلة في الغنيمة والفيء، لكنها لا تقوم ولا تحسب على أخذها بمال، وقال: أن فرق ابن الرفعة صحيح ولا يمنع أصل الإلحاق. ثانيهما: أنه اعتبر في حصول اسم الفيء انتفاء القتال وإيجاف الخيل والركاب، وهذا يصدق بانتفاء المجموع وبانتفاء كل واحد على انفراده، والثاني هو المراد؛ فإن واحداً من هذه الثلاثة كاف في حصول اسم الغنيمة، فلا يكون فيئاً حتى ينتفي الثلاثة، فكان ينبغي أن يقول: (ولا إيجاف خيل ولا ركاب)، وقال السبكي: اجتماع الخيل والإبل ليس بشرط، بل أحدهما كاف في انتفاء حكم الفيء؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا رِكَابٍ﴾ فدل على أنه لو كان أحدهما .. يغير الحكم، فإذاً (الواو) في كلام المصنف بين الخيل والركاب بمعنى (أو)، ثم ذكر في (الواو) التي بين القتال وإيجاف ما حاصله: أنها محتملة لمعنى (أو) ولمعنى (الواو) الجامعة. قلت: إنما طهر كون (الواو) بمعنى (أو) في جانب الإثبات في حد الغنيمة، وأما في جانب النفي في حد الفيء .. فالواو على بابها، والمراد: انتفاء كل واحد على انفراده كما تقدم، وفهم من قول "الحاوي" في الغنيمة [ص ٤٤٤]: (ما حصل بإيجاف خيل) أن قوله أولاً في الفيء [ص ٤٤٢]: (ما حصل من الكفار) أراد به: بلا إيجاف خيل؛ لما استقرئ من عادته من حذف القيد أولاً اكتفاء بذكره ثانياً في ضده، وقال في "التنبيه" [ص ٢٣٦]: (كل مال أخذ من الكفار من غير قتال) ولم يزد على ذلك. وقال شيخنا ابن النقيب: هذا هو الذي يظهر، لكن ينبغي زيادة: (أن يكون على سبيل الغلبة) ليخرج ما يعطونه بطيب نفس؛ كالهدية والبيع ونحوهما، وحينئذ .. فالواو في "المنهاج" وغيره بمعنى (أو) أي: ما حصل منهم عند انتفاء أحد الثلاثة الذي هو أعم من كل واحد واحد، ويلزم من انتفاء الأعم انتفاء الأخص؛ لأن الأعم جزء الأخص كما ينتفي الإنسان بانتفاء الحيوان (١). ٣٣٦٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٦]: (كالمال الذي تركوه فزعاً من المسلمين) أخص من قول "المنهاج" [ص ٣٦٤]: (وما جلوا عنه خوفاً) ويرد عليهما المال الذي جلوا عنه لضر أصابهم، وإن لم يكن خوفاً .. فإنه فيء أيضاً بلا خلاف، واختلفوا في تخميسه، والصحيح: أنه يخمس. ٣٣٦٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٦]: (وفيها قولان، أحدهما: أنها تخمس فيصرف خمسها إلى أهل الخمس، والثاني: لا يخمس إلا ما هربوا عنه فزعاً من المسلمين) الصحيح: الأول، وبه

стр. 1318

جزم "المنهاج" و"الحاوي" (١)، وعلى القول الثاني يلتحق بما هربوا عنه فزعاً ما بذلوه للكف عن قتالهم، وهو غير الجزية؛ لأنهم وإن بذلوها للكف عن قتالهم .. فليس لخوف ناجز، بل لإثبات عصمة دائمة. ٣٣٦٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٥]: (يصرف في المصالح، وأهمها سد الثغور، ثم الأهم فالأهم من أرزاق القضاة والمؤذنين وغير ذلك) فيه زيادة على "المنهاج" و"الحاوي" (٢)، وهي تصريحه بأن أهم المصالح سد الثغور، وفي "أصل الروضة" في المسائل المنثورة في أواخر الفيء عن الشافعي ﵁: أنه يرزق من مال الفيء الحكام ... إلى آخر كلامه، ثم قال: والمراد بالحكام: الذين يحكمون بين أهل الفيء في مغزاهم. انتهى (٣). وذلك يفتضي أن المراد بالقضاة الذين يرزقون من مال الفيء: قضاة العسكر، لا غيرهم من القضاة، والله أعلم. ٣٣٦٧ - قولهم: (إن ذوي القربى: بنو هاشم وبنو عبد المطلب) (٤) نازع فيه السبكي، وقال: المراد بالقربى: قربى النبي ﷺ ، فأولاد بناته؛ كأمامة بنت أبي العاص من بنته زينب وعبد الله بن عثمان من بنته رقية من ذوي القربى بلا شك، قال: ولم أرهم تعرضوا لذلك، فينبغي أن يضبطه بالقرابة. قلت: قد توفي المذكوران صغيرين، ولم يكن لهما عقب؛ فلا فائدة لذكرهما. ٣٣٦٨ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٤]: (يشترك الغني والفقير) وهو مفهوم من "التنبيه" و"الحاوي" (٥)، قال الإمام: إنما يعطى الغني عند سعة المال، وإلا .. قدم الأحوج، وتصير الحاجة مرجحة وإن لم تكن معتبرة (٦)، ولابن الرفعة بحث حاصله أنه يؤخر حتى يجتمع أو يعطي لهم نصيب الأغنياء قرضاً. ٣٣٦٩ - قول "التنبيه" في ذوي القربى [ص ٢٣٥]: (يدفع إلى القاصي منهم والداني، وقيل: يدفع ما يحصل منه في كل إقليم إلى من فيه منهم) يقتضي اختصاص هذا الخلاف بذوي القربى؛ فإنه لم يحكه في غيرهم، وليس كذلك؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ٣٦٤]: (ويعم الأصناف الأربعة المتأخرة، وقيل: يخص بالحاصل في كل ناحيةٍ مَنْ فيها).

стр. 1319

٣٣٧٠ - قولهما: (وسهم للمساكين) (١) قد يتوهم اختصاصه به، وليس كذلك؛ فالفقراء يشاركونهم فيه؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٤٤٢]: (وللفقير والمسكين). ٣٣٧١ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٥]: (ولا يعطي الكافر منه شيئاً) قال في "الكفاية": إلا من سهم المصالح عند المصلحة. ٣٣٧٢ - قوله: (وفي أربعة أخماسه قولان، أحدهما: أنها لأجناد الإسلام يقسم بينهم على قدر كفايتهم، والثاني: أنها للمصالح وأهمها أجناد الإسلام) (٢) الأظهر: الأول كما صرح به "المنهاج"، وعليه مشى "الحاوي" (٣)، والقولان متفقان على الصرف للمرتزقة، وإنما الخلاف في الفاضل عنهم، وفيه قول آخر: أن مصرفها مصرف الخمس فيقسم جميع الفيء على الخمسة المذكورين، وهو ظاهر آية (الحشر)، لكنه ضعيف عندهم، والآية مؤولة، ولم يبين "المنهاج" مقابل الأظهر، والمراد: الأجناد المثبتون في الديوان بتعيين الإمام، أما المتطوعة الذين يغزون إذا نشطوا .. فإنما يعطون من الزكاة، ولو لم يفِ الفيء بالمرتزقة .. صرف الإمام لهم من الزكاة إن لم يكونوا أغنياء. وقد يفهم من عبارة "التنبيه" إعطاء الجندي قدر كفايته وحده، وليس كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٣٦٤]: (ويبحث عن حال كل واحد وعياله وما يكفيهم، فيعطيه كفايتهم) و"الحاوي" [ص ٤٤٣]: (قدر حاجته وزوجاته وولده وعبد) أي: ولا يعطي إلا لعبد واحد. قال الرافعي: وهذا في عبيد الخدمة، فأما الذين تتعلق بهم مصلحة الجهاد .. فينبغي أن يُعطى لهم كم كانوا (٤). قال في "الروضة": كذا هو منقول، وإنما يقتصر في عبيد الخدمة على واحد إذا حصلت به الكفاية، فأما من لا تحصل كفايته إلا بخدمة عبيد .. فيعطى لمن يحتاج إليه، ويختلف باختلاف الأشخاص (٥). وظاهر كلام "التنبيه" أيضاً: أنه لا يصرف منه على الأول شيء لغير الأجناد، لكن قال في "المنهاج" [ص ٣٦٥]: (الأصح: أنه يجوز أن بصرف بعضه - أي: بعض الفاضل عن حاجتهم - في إصلاح الثغور والسلاح والكراع) وكذا في "الحاوي" (٦).

стр. 1320

٣٣٧٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٦]: (ويبدأ فيه بالمهاجرين، ويقدم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله ﷺ ، ويسوي بين بني هاشم وبني المطلب، فإن استوى بطنان في القرب .. قدم من فيه أصهار رسول الله ﷺ ، ثم بالأنصار، ثم بسائر الناس) فيه أمران: أحدهما: أن مقتضاه: تقديم المهاجر ولو بَعُدَ نسبه على غيره ولو قرب نسبه، قال في "الكفاية": وهذا لم أره لأحد، فيتعين حَمْلهُ إما على أن يكون أراد بالمهاجرين: قريشاً؛ لأن أكثر المهاجرين منهم، هاما أن يكون فيه تقديم وتأخير، وتقديره: يقدم الأقرب فالأقرب ويبدأ منهم بالمهاجرين، لكن ذكر الرافعي وغيره أنا نقدم عند الاستواء في القرب بالسن، فإن استووا في السن .. قدم أقدمهما هجرة وأفضلهما سابقة، هذا كلام "الكفاية" (١). ومشى "الحاوي" على ما قاله الرافعي فقال [ص ٤٤٣]: (الأسن، ثم الأسبق إسلاماً وهجرة) لكن قال النووي: قد عكسه الماوردي فقال: يقدم بالسابقة في الإسلام، فإن تقارنا فيه .. قدم بالدين، فإن تقارنا فيه .. قدم بالسن، فإن تقارنا فيه .. قدم بالشجاعة، فإن تقارنا فيه .. فولي الأمر بالخيار بين أن يرتبهم بالقرعة أو برأيه واجتهاده، قال النووي: وهذا الذي قاله هو المختار (٢). الأمر الثاني: أن مقتضاه: استواء العرب والعجم بعد الأنصار، وليس كذلك؛ فالعرب مقدمون، وقد ذكر "المنهاج" الأمرين على الصواب فقال [ص ٣٦٤، ٣٦٥]: (ويُقدِّم في إثبات الاسم والإعطاء قريشاً - وهو ولد النضر بن كنانة - ويُقدِّم منهم بني هاشم والمطلب ثم عبد شمس ثم نوفل ثم عبد العزى، ثم سائر البطون الأقرب فالأقرب إلى رسول الله ﷺ ، ثم الأنصار، ثم سائر العرب، ثم العجم) وفيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من أن قريشاً هم ولد النضر بن كنانة هو قول الشافعي والأكثرين (٣)، لكن اختار الحافظ شرف الدين الدمياطي وتبعه صاحبه السبكي أنهم ولد فهر بن مالك بن النضر، قال السبكي: ولا يكاد يظهر تفاوت بين القولين. ثانيها: ما ذكره من تقديم الأنصار على سائر العرب، قال الرافعي: كذا رتبوه، وظاهر لفظ الشافعي يوافقه، وحمله السرخسي على من هم أبعد من الأنصار، فأما من هم أقرب من الأنصار

стр. 1321

إلى النبي ﷺ .. فيقدمون عليهم (١)، ويوافقه كلام "الحاوي" فإنه اعتبر القرب من الرسول ﵊ خاصة ثم قال: (ثم العرب)، ولم يخص الأنصار بالذكر (٢). ثالثها: أن مقتضاه: استواء العجم، وفي"المهذب" و"التهذيب": أن التقديم فيهم بالسن والفضائل لا بالنسب (٣)، قال الرافعي: وفيه كلامان: أحدهما: أن العجم قد يعرف نسبهم، فينبغي أن يعتبر فيمن عرف نسبه القرب والبعد أيضاً. الثاني: أنا قدمنا في صفة الأئمة عن الإمام: أن الظاهر: رعاية كل نسب يعتبر في الكفاءة في النكاح، وسنذكر أن نسب العجم مرعي في الكفاءة على خلاف فيه، فليكن كذلك هنا (٤). قال النووي: قد أشار الماوردي إلى اعتبار نسب العجم، فقال: إن كانوا عجماً لا يجتمعون على نسب جميعهم بالأجناس؛ كالترك والهند وبالبلدان، ثم إذا كانت لهم سابقة في الإسلام .. ترتبوا عليها، وإلا .. فبالقرب من ولي الأمر، فإن تساووا .. فبالسبق إلى طاعته (٥). رابعها: أن هذا الترتيب كله مستحب، وقد صرح به "الحاوي" (٦). ٣٣٧٤ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٥]: (ولا يُثْبِتُ في الديوان أعمى ولا زمناً ولا من لا يصلح للغزو) ذكره بعدهما من ذكر العام بعد الخاص، وفي "أصل الروضة": أنه لا يثبت اسم من لا يصلح للغزو؛ كالأعمى والزمن، فجعل عدم الصلاحية ضابطاً، ومثله بالأعمى والزمن، قال: وإنما يثبت في الديوان الرجال المكلفين المستعدين للغزو، زاد في "الروضة": ترك من الشروط الإسلام، وذكر الماوردي شرطاً آخر: وهو أن يكون فيه إقدام على القتال ومعرفة به، قال: ولا يجوز إثبات الأقطع، ويجوز إثبات الأعرج إن كان فارساً، وإن كان راجلاً .. فلا، ويجوز إثبات الأخرس والأصم (٧). ٣٣٧٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٦]: (ومن خرج عن أن يكون من المقاتلة .. سقط حقه) محمول على المأيوس منه، ومع ذلك فالمراد: سقوط حقه من الكتابة في الديوان، لا من الإعطاء، وعبارة "المنهاج" [ص ٣٦٥]: (ولو مرض بعضهم أو جن ورُجِىَ زواله .. أُعطي، فإن لم يرج .. فالأظهر: أنه يُعطى) وعبارة "الحاوي" [ص ١٤٤٣: (وبضعف وجنون أُيِسَا مَحَا).

стр. 1322

٣٣٧٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٦]: (ومن مات منهم .. دفع إلى ورثته وزوجته الكفاية) المراد: أولاده الذين تلزمه نفقتهم، لا مطلق الورثة؛ ويدل لذلك قوله بعده: (فإن بلغ الصبي فاختار أن يفرض له .. فرض، وإن لم يختر .. ترك) (١) وعبارة "المنهاج" [ص ٣٦٥]: (وكذا زوجته وأولاده إذا مات فتعطى الزوجة حتى تنكح، والأولاد حتى يستقلوا) وقد تفهم عبارتهما الاقتصار على زوجة واحدة، وليس كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" بعد ذكر إعطاء زوجاته وولده [ص ٤٤٣]: (وإن مات إلى أن تُنكح النساء ويستقل البنون) واستنبط السبكي من هذه المسألة أن الفقيه أو المعيد أو المدرس إذا مات .. تعطى زوجته وأولاده مما كان يأخذ ما يقوم بهم ترغيباً في العلم كالترغيب هنا في الجهاد، فإن فضل المال عن كفايتهم .. صرف الباقي لمن يقوم بالوظيفة، قال: فإن قيل: في هذا تعطيل لشرط الواقف إذا اشترط مدرساً بصفة .. فإنها غير موجودة في زوجته وأولاده. قلنا: قد حصلت تلك الصفة مدة من أبيهم، والصرف لهؤلاء بطريق التبعية، ومدتهم مغتفرة في جنب ما مضى كزمن البطالة، قال: وإنما يمتنع تقرير من ليس بأهل للجهاد في الديوان أو إثبات اسم الزوجة والأولاد. قال شيخنا ابن النقيب: قد يفرق بينهما بأن العلم محبوب للنفوس لا يصد عنه شيء فيوكل الناس فيه إلى ميلهم إليه، والجهاد مكروه للنفوس فيحتاج الناس في إرصاد أنفسهم له إلى التأليف، وإلا .. فمحبة الزوجة والولد قد تصد عنه (٢). قلت: وفرق آخر، وهو: أن الإعطاء من الأموال العامة - وهي أموال المصالح - أقوى من الخاصة كالأوقاف، فلا يلزم من التوسع في تلك التوسع في هذه؛ لأنه مال معين أخرجه شخص لتحصيل مصلحة نشر العلم في هذا المحل المخصوص، فكيف يصرف مع انتفاء الشرط؟ ومقتضى هذا الفرق: الصرف لأولاد العالم من مال المصالح كفايتهم كما كان يصرف لأبيهم، ومقتضى الفرق الأول: عدمه، والله أعلم. ٣٣٧٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٦]: (وإن كان في مال الفيء أراض وقلنا: إنها للمصالح .. صارت وقفاً تصرف غلتها إليها، وإن قلنا: إنها للمقاتلة .. قسمت بينهم، وقيل: تصير وقفاً وتقسم غلتها بينهم) قد عرفت أن الأصح: أن خمسها لأهل الخمس وأربعة أخماسها للمقاتلة، والأصح في حصة المقاتلة: أن الإمام مخير بين وقفها وقسمة ريعها بينهم وبيعها وقسمة ثمنها وقسمتها هي، وأما حصة الخمس .. فسهم المصالح لا سبيل إلى قسمته، بل يوقف وتصرف غلته في المصالح، أو يباع ويصرف ثمنه إليها، والوقف أولى، والأسهم الباقية كالأخماس الأربعة،

стр. 1323

وعبارة "المنهاج" [ص ٣٦٥]: (فأما عقاره .. فالمذهب: أنه يجعل وقفاً، وتقسم غلته كذلك) ويرد عليه: أنه لا يتعين جعله وقفاً كما تقدم، ولا يرد ذلك على قول "الحاوي" [ص ٤٤٢]: (وغلة عقارهم بعد أن وقف) فإنه لم يذكر أنه يتعين وقفه، وإنما ذكر حكمه بتقدير وقفه. وقال شيخنا الإمام البلقيني: ما صححه الرافعي والنووي في مسألة الأراضي لم يصححه أحد من الأصحاب، والذي عليه الأئمة كما في "النهاية": أنه لا يجوز بيع شيء من ذلك، وأن الأراضي تبقى موقوفة، وفي وجه: لا بد من وقفها، وجعله الماوردي خطأ، وتبع في ذلك الشيخ أبا حامد؛ فإنه قال: إنه ليس بشيء (١). فَصلٌ [في الغنيمة والسلَب] ٣٣٧٨ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٥]: (الغنيمة: ما أخذ من الكفار بالقتال وإيجاف الخيل والركاب) فيه أمور: أحدها: تقدم في الكلام على الفيء أن تعبيره هنا وتعبير "الحاوي" بـ (ما) (٢) أعم من تعبير "المنهاج" بـ (مال) (٣). ثانيها: أنه لا يشترط اجتماع إيجاف الخيل والركاب؛ فأحدهما كاف؛ ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص ٣٦٥]: (وإيجاف) و"الحاوي" بقوله [ص ٤٤٤]: (بإيجاف خيل) وكأنه تمثيل، فإيجاف الركاب - وهي الإبل - كذلك، والظاهر: أن الواو في كلام "التنبيه" بمعنى أو. ثالثها: أنه لا يشترط إيجاف الخيل ولا الركاب؛ فالمأخوذ بقتال المشاة وفي السفن غنيمة ولا إيجاف فيه، وذلك يرد على "المنهاج" أيضاً؛ ولعل الواو في كلامهما بمعنى أو، وقال السبكي: إنه خارج مخرج الغالب، ويقصد به التبرك بلفظ الكتاب العزيز، والمعنى على سبيل القهر والغلبة. انتهى. والإيراد على "الحاوي" أشد؛ لاقتصاره على قوله [ص ٤٤٤]: (ما حصل بإيجاف خيل) وعبر "المنهاج" في (السير) بقوله [ص ٥٢٢]: (المال المأخوذ من أهل الحرب قهراً) وهي عبارة شاملة. رابعها: أنه لا يشترط القتال، فلو التقى الصفان فانهزم الكفار قبل شهر السلاح وتركوا مالهم ..

стр. 1324

فهو غنيمة كما قال الإمام (١)، ولا قتال، وقال الروياني في "الحلية": لو صالحونا على مال عند القتال .. فهو غنيمة، وأقره الرافعي والنووي (٢)، ولكن تعقبه شيخنا الإمام البلقيني: بأن بلاد الصلح المفتوحة صلحاً عند القتال لا تكون غنيمة، فكذلك المال المصالح عليه عند القتال. انتهى. ولو دخل واحد أو طائفة دار الحرب وأخذوا مالاً اختلاسًا أو سرقة .. فالأصح: أنه غنيمة ولا قتال، وقد اعتبر "المنهاج" أيضاً القتال، ولم يذكره "الحاوي" كما تقدم. خامسها: المراد: الحاصل للمسلمين، فأما الحاصل لأهل الذمة من أهل الحرب بقتال .. فالنص: أنه ليس غنيمة، ولا يخمس، ولا ينتزع منهم، وقيل: يرضخ لهم منه ويؤخذ الباقي، والمراد بالكفار: أهل الحرب بقرينة القتال. سادسها: لو تركوا مالاً بسبب حصول خيلنا أو ركابنا في دارهم وضرب معسكرنا فيها .. فإنه ليس غنيمة على الأصح عند الإمام مع وجود الإيجاف (٣)، وهذا والذي قبله ينبه عليهما في لفظ "المنهاج" و"الحاوي" أيضاً (٤). سابعها: لا بد من تقييده أيضاً بألَاّ يكون لمسلم ولا ذمي، فلو أخذ المسلمون من الكفار ما كانوا أخذوه من مسلم أو ذمي استيلاء أو وديعة أو عارية .. لم يملكه المسلمون؛ ولذلك قال شيخنا الإمام البلقيني: ينبغي أن يقال: إنها المال أو المختص الذي يأخذه المسلمون من الكفار الحربيين بإيجاف الخيل والركاب، أو بالرجالة أو بالسرقة غير مملوك لمسلم ولا ذمي، وأطلق "المنهاج" أن السلب للقاتل (٥)، وقيده "التنبيه" بأن يكون له سهم ثم قال: (وإن كان لا سهم له وله رضخ .. فقد قيل: يستحق وقيل: لا يستحق) (٦) والأصح: التفصيل، فيستحق العبدُ والمرأة والصبي، ولا يستحق الذمي، ولذلك قيده "الحاوي" بالإسلام (٧)، فلو كان المقتول صبياً أو امرأة .. نظر: إن لم يقاتل .. فلا سلب لقاتله؛ للنهي عن قتله، وإن قاتل .. استحق في الأصح، وقد ذكره "التنبيه" (٨)، وألحق البغوي العبد بالمرأة (٩)، وقال الإمام: يستحق سلبه قطعاً (١٠).

стр. 1325

وأورد في "الكفاية" على تعبير "التنبيه" بالتغرير بنفسه (١): أن مقتضاه: أنه لو أغرا عليه كلباً عقوراً فقتله .. لا يستحق سلبه، وقال القاضي حسين: يستحق؛ لمخاطرته بمقاتلته حتى عقره الكلب. وقال النشائي: كلام الشيخ إلى هذا أميل؛ لأنه يصدق عليه أنه غرر بنفسه في القتال بذلك. انتهى (٢). وعبارة "المنهاج" [ص ٣٦٦]: (بركوب غرر) ولم يعبر "الحاوي" بالتغرير. ٣٣٧٩ - قول "الحاوي" في السلب [ص ٤٤٤]: (وجنيبةٍ أمامه) (٣) يقتضي أنها لو كانت خلفه .. لم تكن من السلب، وليس كذلك، وكأنه اغتر بقول الرافعي: والجنيبة التي تقاد بين يديه (٤)، وإنما ذكر الرافعي ذلك تمييزاً لها عن الحقيبة - بالحاء والقاف - وهي: وعاء القماش، ومشى على العرف عند العرب في قودها بين يدي صاحبها بخلاف العجم؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ٣٦٥]: (وجنيبةٌ تقاد معه في الأظهر) فلم يقيده بقودها أمامه، واحترز بقودها معه عما أُعدّ لأن يجنب، وقد تخرج الجنيبة بقول "التنبيه" [ص ٢٣٣]: (وفرسه)، قال أبو الفرج الزاز: ولا يستحق إلا جنيبة واحدة، قال الرافعي: فعلى هذا: إذا قاد جنايب .. يبقى النظر في أنه هل يرجع إلى تعيين الإمام في أيها السلب أو يقرع (٥)؟ قال النووي: تخصيص أبي الفرج بجنيبة فيه نظر، وإذا قيل به .. فينبغي أن يختار القاتل جنيبة منها؛ لأن كل واحدة جنيبة قتيله، فهذا هو المختار، بل الصواب، بخلاف ما أبداه الرافعي. انتهى (٦). وجزم الإمام بواحدة أيضاً، وأبدى تعيين الإمام والإقراع وتخيير القاتل احتمالات ثلاثة، ورجح الأول (٧)، وقال في "المهمات": والذي اختاره النووي واضح متعين؛ لأن الزيادة إن لم تنفعه .. لم تضره. ٣٣٨٠ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٥]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٤٤٤]: (لا حقيبةٌ مشدودةٌ على الفرس على المذهب) اختار السبكي: دخولها ودخول ما فيها، وهو ظاهر قول "التنبيه" [ص ٢٣٣]: (ما تثبت يده عليه في حال القتال من ثيابه وحليه ونفقته).

стр. 1326

٣٣٨١ - قولهم في أمثلة فقد التغرير: (رَمَاه من الصف) (١) مخالف لقول "المحرر" تبعاً للغزالي: (من وراء الصف) (٢) وكذا كتبها النووي بخطه في "المنهاج"، ثم ضرب بخطه على لفظة (وراء)، والصورتان في "الروضة" و"الشرحين" (٣)، فأتى "المنهاج" بما ليس في أصله؛ لفهم ما في أصله من طريق الأولى، وهو من مفهوم الموافقة، وهو من دلالة اللفظ عند بعضهم. قال السبكي: وهو حسن لمن لا يلتزم في الاختصار معنى الأصل، وإلا .. لم يحسن، وقد يقال: التقييد بوراء الصف يفهم أن الرامي من الصف يستحق، وأبداه ابن الرفعة احتمالاً. ٣٣٨٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٣]: (وإن قتله وقد ترك القتال وانهزم .. لم يستحق سلبه) قد يتناول ما لو قاتل كافراً فهرب منه فقتله المسلم مدبراً، والأصح: أنه يستحق سلبه، ويرد ذلك أيضاً على قول "الحاوي" [ص ٤٤٤]: (مقبل) ولم يعتبر "المنهاج" إقباله على القتال، وإنما اعتبر أن يكون ذلك في حال الحرب، ثم ذكر ما احترز عنه بقوله: (أو قتله وقد انهزم الكفار) (٤) فلم يعتبر انهزامه هو، وقال الرافعي في قول الغزالي: (مقبل على القتال): ليس المراد: اشتغاله بالقتال حين قتله؛ لأنهما لو تقاتلا زماناً ثم هرب فقتله في إدباره .. قال الأصحاب: استحق، ولو قصد كافر مسلماً فجاء مسلم آخر من ورائه فقتله .. استحق، بل المرعي ما قاله العراقيون: أن يقتله مقبلاً أو مدبراً والحرب قائمة، ولو قتله آخر بعد ما ولى من قرنه .. قال الإمام: فالظاهر عدم استحقاقهما (٥). ٣٣٨٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٣]: (وإن قطع أحدهما إحدى يديه وإحدى رجليه وقتله الآخر .. ففيه قولان، أحدهما: أن السلب للأول، والثاني: أنه للثاني) الأظهر: الأول، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٤٤٤]: (كقطع طرفيه) وهو نظير تصحيح "المنهاج" فيما لو قطع يديه أو رجليه .. أن السلب له (٦). وقال في "التوشيح" إن قول "التنبيه" [ص ٢٣٥]: (وأول ما يبدأ به سلب المقتول، فيدفع إلى القاتل) ظاهر في أن غير القاتل لا يستحق ولو فقأ العينين أو قطع اليدين والرجلين، وهو اختيار

стр. 1327

الوالد ﵀ أخذاً بظاهر: "من قتل قتيلاً .. فله سلبه" (١)، وبأن ذلك لا يزيل الامتناع؛ فرب أعمى شر من بصير، ومقطوع اليدين والرجلين يحتال على الأخذ بثأره بنفسه، ولكن المجزوم به في "المنهاج" وغيره: استحقاق السلب (٢)، والأصحاب مطبقون عليه؛ ويدل لهم نص الشافعي وإن كان الشيخ حاول تأويله. انتهى. وما ذكره ذهول عن قول "التنبيه" بعد ذلك [ص ٢٣٣]: (وإن قطع أحدهما يديه ورجليه وقتله الآخر .. فالسلب للقاطع) ثم حكى الخلاف في الصورة المتقدمة عه، واعتبر "المنهاج" و"الحاوي" في استحقاق السلب إزالة امتناعه (٣)، وفي "المحرر": (أن يقتله أو يزيل امتناعه) (٤)، فاقتصر "المنهاج" على الثاني؛ لفهم الأول من طريق الأولى، واستحسن بعضهم ما في "المحرر" فإنه ذكر محل النص، وألحق به ما في معناه، لكن هذا شأن المطولات دون المختصرات. ٣٣٨٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٤]: (وإن غرر بنفسه في أسره فقتله الإمام أو من عليه .. ففي سلبه قولان، أحدهما: أنه لمن أسره، والثاني: ليس له) الأظهر: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٥). ٣٣٨٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٤]: (وإذا استرقه أو فاداه بمال .. فهل يستحق من أسره رقبته أو المال المفادى به؟ فيه قولان): قال في "الروضة" وأصلها: يشبه أن يكون الأظهر هنا: المنع (٦)، وأطلق تصحيحه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "التصحيح" (٧)، وعليه مشى "الحاوي". ٣٣٨٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٥]: (ثم يقسم الباقي على خمسة ثم الخمس على خمسة) ثم قال: (ويقسم الباقي - وهو أربعة أخماس - بين الغانمين) ظاهره: أن أهل الخمس يفوزون بسهامهم قبل قسمة الأخماس الأربعة على الغانمين، والذي ذكره الرافعي والنووي: أنه يخرج الخمس بالقرعة، ثم يقسم الباقي على الغانمين قبل قسمة الخمس على أهله؛ لأن الغانمين حاضرون محصورون (٨)، ولهذا قال "المنهاج" [ص ٣٦٦]: (ثم يخمس الباقي) ولم يقل:

стр. 1328

يقسم، ولم يعبر "الحاوي" بتخميس ولا قسمة، لكنه قال بعد الخمس والنفل: (والباقي لشاهد الحرب له) (١) فعليه الإيراد ظاهراً كـ"التنبيه". قال الرافعي: ولا تكره قسمتها في دار الحرب (٢)، قال النووي: بل يستحب، بل في "المهذب" وغيره: يكره التأخير إلى دار الإسلام بغير عذر (٣). قال السبكي: في العبارتين نظر، والصواب: استحباب التعجيل، لا خصوص القسمة في دار الحرب، وعليه نص في "الأم"، فقال: والسنة: أن يقسمه الإمام معجلاً، فلا يؤخر قسمته إذا أمكنه في الموضع الذي غنمه فيه. انتهى (٤). وذكر الماوردي والبغوي: أنه يجب التعجيل ولا يجوز التأخير (٥)، وحكاه السبكي عنهما في (الزكاة)، ولم يذكره هنا، قال في "التوشيح": وذلك هو الحق إن شاء الله. وقال في "المهمات": ويمكن حمل السنة في كلام الشافعي على الطريقة، وفي "المنهاج" [ص ٣٦٦]: (وبعد السلب تخرج مؤنة الحفظ والنقل وغيرهما، ثم يخمس الباقي) ولم يتعرض لذلك "التنبيه" و"الحاوي". ٣٣٨٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٤]: (ويجوز لأمير الجيش أن يشرط البداءة والرجعة ما يرى على قدر عملهم من خمس الخمس) المشهور: أن البداءة: السرية: التي يبعثها قبل دخوله دار الحرب مقدمة له، والرجعة: التي أمرها بالرجوع وقد توجه الجيش إلى بلاد الإسلام، ولا يختص ذلك بهما؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٣٦٦]: (والنفل: زيادة يشرطها الإمام أو الأمير لمن يفعل ما فيه نكاية في الكفار) وعبارة "الحاوي" [ص ٤٤٤]: (لمتعاطي خطر) فعبارتهما أعم، ومع ذلك فشرطه: أن تدعو إليه حاجة، وهذا أحد قسمي النفل، والقسم الثاني: أن ينفل من صدر منه أثر محمود؛ كمبارزة وحسن إقدام من غير شرط سابق. ٣٣٨٨ - قول "التنبيه" في غير ما يتبسط فيه [ص ٢٣٥]: (لا يجوز لأحد منهم أن يستبد به، وله قول آخر: أنه إذا قال الأمير: "من أخذ شيئاً .. فهو له" .. صح، ومن أخذ شيئاً .. ملكه) محل هذا القول: في الغانمين، ولا يجوز لغيرهم قطعاً، ولم يصحح هذا القول متقدم ولا متأخر إلا الشيخ تاج الدين الفركاح؛ فإنه رجحه، ورد عليه النووي في تصنيف مفرد.

стр. 1329

٣٣٨٩ - قوله: (ويقسم الباقي - وهو الأربعة أخماس - بين الغانمين) (١) ليس فيه إفصاح عن المستحق له، وقد نبه "المنهاج" فقال [ص ٣٦٦]: (وهم: من حضر الوقعة بنية القتال وإن لم يقاتل) وعبارة "الحاوي" [ص ٤٤٥]: (لشاهد الحرب له) وقد أورد عليهما أمور: أحدها: أنه ينبغي أن يزاد: (ممن يسهم له) ليخرج العبد والمرأة والصبي والكفار؛ ولعل إهمال ذلك لكونه معلوماً، وقد ذكرا حكمهم بعد، وقال السبكي: يحتمل إبقاء الكلام على عمومه، ومن يرضخ لهم من جملة الغانمين، فلا حاجة إلى إخراجهم. وقال شيخنا ابن النقيب: هو صحيح بناء على الأصح: أن الرضخ من الأخماس الأربعة، وهو مراد الشيخ إن شاء الله تعالى؛ فإن الكلام على غانم يستحق من الأخماس الأربعة، لا في مطلق غانم، ولما عبر في "الروضة" بمن شهد الوقعة .. زاد هذه الزيادة. انتهى (٢). ثانيها: لو انهزم غير متحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة ولم يعد .. لم يستحق شيئاً مع حضوره الوقعة، وهو مفهوم قول "الحاوي" [ص ٤٤٥]: (أو خرج لتحيز إلى فئة قريبة) فلو عاد قبل انقضائها .. استحق من المحوز بعده فقط، قاله البغوي (٣). قال الرافعي: وقياسه: أن من حضر في الأثناء .. لا يستحق من المحوز قبل حضوره، وقد قاله بعض الأصحاب (٤). قال النووي: وهو متعين، وكلام من أطلق محمول عليه (٥). ورده السبكي: بأن المنهزم معرض، فلا يأخذ مما حيز في إعراضه، بخلاف المدد، وصحح الإمام والغزالي: استحقاقه من الكل. ثالثها: المخذل والمرجف لا يستحقان سهماً ولا رضخاً، وقد ذكر "الحاوي" المخذل (٦). وأجيب عنهما: بأنه لا نية لهما في القتال، فإن فرضت النية مع التخذيل والإرجاف .. احتيج إلى لفظ يُخرجهما. ٣٣٩٠ - قول "الحاوي" [ص ٤٤٥]: (ويُخْرَج) قال الرافعي: إلا أن يحصل بإخراجه وهن .. فيترك (٧).

стр. 1330

٣٣٩١ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٦]: (ولا شيء لمن حضر بعد انقضاء القتال، وفيما قبل حيازة المال وجه) تبع "المحرر" في أنه وجه (١)، لكن رجح في "الروضة" أنه قول، فقال: قولان، وقيل: وجهان (٢)، وعبارة أصله: وجهان في رواية بعضهم وقولان في رواية آخرين (٣). وأما عكسه، وهو: ما لو حيز المال قبل انقضاء الحرب .. فقال ابن الرفعة: قياس البناء على وقت الملك: أن يأتي فيمن جاء حينئذ الخلاف، وبه صرح الفوراني، وصحح الإمام والغزالي المشاركة؛ لأن الحيازة لم تكمل؛ فإنه بصدد الاسترداد (٤)، وجعله القاضي حسين أولى بالمشاركة مما قبله. ٣٣٩٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٥]: (ومن مات أو خرج عن أن يكون من أهل القتال بمرض قبل أن تنقضي الحرب .. لم يسهم له) ليس كذلك في المريض؛ فإنه يستحق إن رجي زوال مرضه، وكذا إن لم يرج؛ كالعمى والزمانة في الأصح؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص ٤٤٥]: (وإن مرض). ٣٣٩٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٥، ٢٣٦]: (وفي الأجير ثلاثة أقوال، أحدها: يسهم له، والثاني: يرضخ، والثالث: يخير، فإن اختار السهم .. فسخت الإجارة وسقطت الأجرة، وان اختار الأجر .. سقط السهم) فيه أمور: أحدها: أنه أطلق محل الخلاف تبعاً لـ"المختصر"، وكذا فعل المسعودي، وقيده الغزالي والبغوي بمن قاتل (٥). ثانيها: صورة المسألة: أن ترد الإجارة على عينه وتقدر بمدة معينة؛ ولهذا مثله "المنهاج" بسياسة الدواب وحفظ أمتعة (٦)، فأما إذا وردت على الذمة وقدرت بعمل كخياطة ثوب وبناء حائط .. استحق السهم قطعاً. ثالثها: صحح النووي في "تصحيح التنبيه" الأول (٧)، لكن أهمل شرطه، وهو: أن يقاتل، وقد صرح به "الحاوي" (٨)، وفي "المنهاج" أنه الأظهر إذا قاتل (٩)، فيحتمل أن يكون تقييداً

стр. 1331

لمحل الخلاف، فيوافق البغوي والغزالي، ويحتمل أن يكون تقييداً للفتوى فقط. رابعها: الأجرة الساقطة عند اختيار الفسخ هي أجرة زمن الوقعة فقط دون ما قبلها وبعدها، وإذا سقط السهم لاختياره الأجرة .. أرضخ له. ٣٣٩٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٦]: (وفي تجار العسكر قولان، أحدهما: يسهم لهم، والثاني: يرضخ، وقيل: إن قاتلوا .. أسهم لهم، وإن لم يقاتلوا .. فعلى قولين) الأصح: طريق ثالث وهو: الجزم بالمنع إن لم يقاتلوا وحكاية القولين إن قاتلوا، وأصحهما: الاستحقاق، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص ٣٦٦]: (والأظهر: أن الأجير لسياسة الدواب وحفظ أمتعة والتاجر والمحترف يسهم لهم إذا قاتلوا) وفي "الحاوي" [ص ٤٤٥]: (وللتاجر والمحترف والأجير إن قاتل) فقوله: (إن قاتل) يعود للمسائل الثلاث، وإذا لم يسهم .. أرضخ في الأصح. ٣٣٩٥ - قولهم: (للفارس ثلاثة أسهم) (١) يتناول ما لو قاتل في سفينة ومعه فرس، وقد نص عليه الشافعي؛ لأنه قد يحتاج إليه، وحمله ابن كج على من بقرب الساحل واحتمل أن يخرج ويركب، وإلا .. فلا، فلو حضرا بفرس مشترك .. فهل يعطي كل منهما سهم فرس، أو لا يعطيان، أو يعطيان سهم فرس مناصفة؟ أوجه، قال النووي: لعل الثالث أصح (٢)، وصححه السبكي أيضاً، فلو ركباه .. فهل لهما ستة أسهم، أم سهمان، أم أربعة أسهم؛ سهمان لهما وسهمان للفرس؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها الرافعي بلا ترجيح (٣)، وقال النووي: اختار ابن كج في "التجريد" وجهاً رابعاً حسناً: أنه إن كان فيه قوة الكر والفر مع ركوبهما .. فأربعة أسهم، وإلا .. فسهمان (٤)، ونزل السبكي الثالث عليه، وصححه. ٣٣٩٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٥]: (وإن حضر بفرس ضعيف أو أعجف .. أسهم في أحد القولين دون الآخر) الأظهر: أنه لا يسهم له، وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج"، وبين أن محل القول الآخر: إذا لم يُعلم نَهْيُ الأمير عن إحضاره (٥). ٣٣٩٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٥]: (وإ عار فرسه فلم يجده إلا بعد انقضاء الحرب .. لم يسهم له، وقيل: يسهم له، وليس بشيء) قال الماوردي: محل الخلاف: إذا غاب الفرس عن الوقعة ومصاف القتل، وإلا .. أسهم له (٦).

стр. 1332

٣٣٩٨ - قوله: (وإن غصب فرساً وقاتل عليه .. فالسهم له في أظهر القولين، ولصاحب الفرس في الآخر) (١)، صحح السبكي: أنه لصاحب الفرس، لكن الأصح عند الرافعي والنووي: الأول (٢)، وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص ٤٤٥]: (ملكٍ وغيره). ٣٣٩٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٥] و"الحاوي" [ص ٤٤٥]: (إنه يرضخ للذمي إن أذن له الإمام) شرطه: أن يحضر بلا أجرة، فإن استؤجر للجهاد .. استحق الأجرة فقط، ذكره "المنهاج" (٣). ٣٤٠٠ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٧]: (وهو: دون سهم) و"الحاوي" [ص ٤٤٥]: (سهم ناقص) أي: لا يبلغ برضخ الراجل سهمه، وهل يبلغ برضخ الفارس سهم الراجل؟ وجهان كبلوغ تعزير الحر حد العبيد، وبالمنع قطع الماوردى (٤). ٣٤٠١ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٦]: (ومن أين يكون الرضخ؟ فيه أقوال) الأظهر: الثاني، وهو: أنه أربعة أخماسها، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٥). ٣٤٠٢ - قوله: (وشارك في غنيمة السرية جيش الإمام المترصد بالقرب للنصرة) (٦) هذا الشرط - وهو: الترصد بالقرب - اعتبره جماعة منهم الغزالي (٧)، ولم يتعرض له الأكثرون، واكتفوا باجتماعهم فى دار الحرب. قال في "الروضة": وهو الأصح أو الصحيح (٨)، ولذلك أطلق "التنبيه" مشاركة الجيش للسرية في غنيمتها، بل مشاركة سرية أخرى لها في ذلك (٩).

стр. 1333

كتاب قسم الصّدقات ٣٤٠٣ - كان ينبغي لـ"المنهاج" تصديره بأن المستحق للزكاة ثمانية، ثم يذكرهم تفصيلاً كما فعل "التنبيه" و"الحاوي" (١)، وتقديم "المنهاج" و"الحاوي" الفقير أولى من بداءة "التنبيه" بالعامل (٢)، للاقتداء بالآية الكريمة، وقال في "الكفاية": بدأ بالعامل؛ لأنه مقدم في القسم على الأصح؛ لكونه يأخذ عوضاً. ٣٤٠٤ - قول "التنبيه" [ص ٦١]: (وإن منعها جاحداً لوجوبها .. كفر) قيده ابن الرفعة بمن نشأ بين المسلمين وقدم إسلامه، ولا يحتاج إليه؛ لأن حديث الإسلام والناشئ ببادية إذا لم يعرف وجوب الزكاة .. لا يقال له: جاحد؛ لأن الجحد إنكار ما سبق الاعتراف به كما تقدم ذلك في (الصلاة). ٣٤٠٥ - قول "التنبيه" [ص ٦٣]: (الفقراء، وهم: الذين لا يقدرون على ما يقع موقعاً من كفايتهم) أي: لا بالمال ولا بالكسب، وقد صرح به "المنهاج" فقال [ص ٣٦٨]: (من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من حاجته) و"الحاوي" فقال [ص ٤٤٦]: (من لا يقع ماله وكسب لائق لا يمنع تفقهه موقعاً من حاجته) ومع ذلك فتعبير "التنبيه" أحسن؛ فإنه لو كان له كسب لكنه منع منه المرض، أو لم يجد من يستعمله .. فقد صدق أنه لا يقدر على ما يقع موقعاً من كفايته، وهو وارد على عبارة "المنهاج" و"الحاوي" لأن له كسباً. وعبر آخرون بأنه: من لا يملك ما يقع موقعاً من كفايته، قال السبكي: فيؤخذ من العبارتين خلاف في أن الكسوب هل هو فقير ولكنه لا يعطى، أو ليس بفقير؟ قال: والأقرب عندي: الثاني؛ أي: كما اقتضته عبارة هؤلاء. واعلم: أن المراد: تفسير الفقر في هذا ال باب ، وأما في (العرايا): فهو من لا نقد بيده، وأما في العاقلة: فهو من لا يملك ما يفضل عن كفايته على الدوام. ٣٤٠٦ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٨]: (ولا يمنع الفقر مسكنه وثيابه) أي: ولو تعددت إذا احتاج إليها ولو كانت للتجمل، قال السبكي: وإطلاقه المسكن والثياب يقتضي أنه لا فرق بين اللائق به وغيره؛ لأنه إذا ألفها .. شق بيعها. قال شيخنا ابن النقيب: وفيه نظر (٣).

стр. 1334

ولو لم يكن له عبد ولا مسكن واحتاج إليهما ومعه ثمنهما .. قال السبكي: لم أر فيه نقلاً، ويظهر أنه كوفاء الدين، وقد قال الرافعي فيما لو كان عليه دين ومعه ما يوفيه به: يمكن أن يقال: لا عبرة بما يوفيه به كما في نفقة القريب والفطرة، وفي "فتاوى البغوي": أنه لا يعطى بالفقر حتى يصرفه في الدين (١)، واختاره السبكي، فلو اعتاد السكنى بالأجرة أو في المدرسة .. قال السبكي: فالظاهر خروجه عن اسم الفقر بثمن المسكن. قال الرافعي: ولم يتعرضوا لعبده المحتاج إلى خدمته، وهو في سائر الأصول كالمسكن (٢). قال النووي: صرح ابن كج بأنه كالمسكن، وهو متعين. انتهى (٣). وصرح به في "النهاية" أيضاً، لكن في المسكنة لا في الفقر، فقال: إن ملك الخادم والمسكن لا يمنع اسم المسكنة، بخلاف اسم الفقر (٤). ٣٤٠٧ - قوله: (وماله الغائب في مرحلتين) (٥) حكاه الرافعي عن البغوي (٦)، وهو في "تعليق القاضي حسين" مخرج من نصه على أخذه ببنوة السبيل، وقد فرق بينهما أبو إسحاق، وقال: يعطى ببنوة السبيل لا بالفقر. قال السبكي: ويحتاج القول بالأخذ مع أن له مالاً غائباً إلى دليل. نعم؛ إن لم يجد من يقرضه .. جاز الأخذ. ٣٤٠٨ - قوله: (والمؤجل) (٧) يقتضي أنه لا فرق بين أن يحل قبل مضي زمن مسافة القصر أم لا، قال الرافعي: وقد يتردد الناظر فيه (٨). ٣٤٠٩ - قوله: (ولو اشتغل بعلم والكسب يمنعه .. ففقيرٌ) (٩) أعم من تعبير "الحاوي" بالتفقه (١٠)، لتناوله كل علم شرعي، وهو: التفسير والحديث والفقه على المشهور كما سبق في (الوصايا) (١١)، وقد صرح في "أصل الروضة" بأن المراد: العلوم الشرعية، ثم قال من زيادته:

стр. 1335

هذا الذي ذكره في المشتغل بالعلم هو المعروف في كتب أصحابنا، وذكر الدارمي فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان نجيباً يُرجى فقهه ونفع الناس به .. استحق، وإلا .. فلا. انتهى (١). وخرج بالمشتغل المعطل المعتكف فى المدرسة، ومن لا يتاتى منه التحصيل .. فلا تحل لهما الزكاة مع القدرة على الكسب. قال السبكي: يحتملى حمله على بعض ما قال الدارمي، ويحتمل أن يكون هذا فيمن لا يشتغل ألبتة وذاك مشتغل. قال في "البسيط": فلو كان يكتسب بالوراقة بحيث لا يمنعه الاشتغال .. لم يعط. ٣٤١٠ - قول "المنهاج" [ص ٣٦٨]: (ولا يشترط فيه الزمانة ولا التعفف عن المسألة على الجديد) أي: فيهما، ورجح في "الروضة" القطع به فقال: على المذهب، وبه قطع المعتبرون، وقيل: قولان: الجديد، والقديم (٢). قوله: (والمكفيُّ بتفقة قريب أو زوجٍ ليس فقيراً في الأصح) (٣) فيه أمور: أحدها: أنه غير مطابق لقول "المحرر": (لا يعطيان من سهم الفقراء) (٤) فإنه لا يلزم من عدم إعطائهما منه ألَاّ يكونا فقيرين؛ فقد لا يعطيان مع اسم الفقر؛ لعدم الحاجة لانسداد خلتهما، نبه عليه السبكي، وقال: إن الراجح ما في "المحرر". انتهى. وتوافقه عبارة "الحاوي" فإنه بعد تفسير الفقير والمسكين قال: (لا المكفي بنفقة القريب والزوج) (٥) فلم يدخل ذلك في تفسيرهما وذكر السبكي: أن الذي صححه "المحرر" و"المنهاج" هنا مخالف لتصحيح "الروضة" وأصلها (٦)، وليس كذلك؛ فملخص ما في "الروضة": لو وقف أو أوصى لفقراء أقاربه وفيهم مكفي بنفقة من تلزمه نفقته .. فالثالث: يعطى ممون القريب دون الزوجة، والرابع: عكسه، فإن منع - وهو الأصح -. فمن الزكاة أولى؛ لأن الوقف باسم الفقر، والاسم باق مع القيام بأمره، والمعتبر في الزكاة الحاجة، وإلا .. فيعطيان في الأصح (٧). ثانيها: أن اقتصاره على أنه ليس فقيراً قد يوهم أنه مسكين، وليس كذلك؛ ولهذا أخر "الحاوي" قوله [ص ٤٤٦]: (لا المكفي بنققة القريب والزوج) عن بيان الفقير والمسكين، وذلك
следующие страницы →