← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

٤٧٨١ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٧]: (وقوة إمناءٍ بكسر صُلْبٍ) و"الحاوي" [ص ٥٥٩]: (والإمناء) نازع فيه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: الأصح بل الصواب: خلافه؛ لأن الإمناء هو الإنزال. فإذا أبطل قوة الإنزال ولم يذهب نفس المني .. وجبت الحكومة دون الدية؛ فإنه قد يمتنع الإنزال بما يسد طريقه .. فيشبه ارتتاق الأذن بحيث لا يسمع، لكن السمع باق ولا دية فيه على الأصح، قال: ولم يذكر هذه العبارة إلا الغزالي في "الوسيط" و"الوجيز" (١)، وعبارة "البسيط": فأبطل منيه، وكذا تكلم الفوراني والإمام على إذهاب المني، والأرجح فيه: إيجاب الدية، ولا يلزم من ذهاب قوه الإمناء ذهاب المني بالكلية (٢). ٤٧٨٢ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٧]: (وقوة حَبَلٍ) تبع فيه "المحرر" (٣)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يذكره أحد، وإنما عبر الغزالي بقوله: (منفعة الإمناء والإحبال به) (٤)، وأراد به: منفعة واحدة، وذكر الإحبال ليشير إلى فوات النسل .. فاعتقد الرافعي أنه للمرأة، فقال في "الشرح": ولو أبطل من المرأة قوة الإحبال .. وجبت عليه ديتها (٥)، وعبر عنه في "المحرر" بـ (قوة الحبل) (٦)، وعبارة "الحاوي" [ص ٥٥٩]: (والإمناء، والإحبال) وهو محتمل للتأويل، بخلاف "المنهاج". ٤٧٨٣ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٧]: (وذهاب جماع) صوّروه بما إذا لم ينقطع ماؤه وبقي الذكر سليماً، فكأنهم أرادوا بذهابه: بطلان الالتذاذ به والرغبة فيه؛ ولذلك عبر "الحاوي" [ص ٥٥٩] بـ (التلذذ بالجماع) وصورها الإمام والغزالي بإبطال شهوته، واستبعدا إبطالها مع حركة الذكر وسيلان المني (٧)، وعبارة "الثنبيه" [ص ٢٢٦]: (وإن كسر صلبه فعجز عن الوطء .. لزمته الدية) وعبارة الشافعي ﵁ مثله (٨). ٤٧٨٤ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وفي إفضائها من الزوج وغيره دية - وهو: رفع ما بين مدخل ذكر ودبر، وقيل: ذكر وبول -) (٩) كذا صحح الأول في "أصل الروضة" (١٠)، وهو

стр. 1857

الأظهر في "المحرر" (١)، والأشبه في "الشرح الصغير"، لكن جزم بالثاني في "الروضة" وأصلها في مثبتات الخيار في النكاح (٢)، ونقل في "الشرح الكبير" هنا كلاً منهما عن جماعة، ولم يصرح بتصحيح (٣)، وصحح المتولي أن كلاً منهما إفضاء يوجب كمال الدية، فإن أزالهما .. فديتان. وقال الماوردي ما معناه: إن من أوجب الدية في الثاني .. أوجبها في الأول من طريق الأولى، بخلاف العكس (٤)، ووافقه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: الأصح: هو المذكور هنا، وأما الذي في (النكاح) .. فاقتصر فيه على تفسير الشيخ أبي حامد وأتباعه؛ لأنه الغالب في الإفضاء، والقصد منه عدم ثبوت الخيار، وإذا قلنا بالثاني، فصار بولها لا يستمسك .. لزم الجاني مع الدية حكومة، صرح به في "أصل الروضة" (٥). وقياسه: إيجاب الحكومة على الأول أيضاً إذا لم يستمسك الغائط، وهو واضح. ٤٧٨٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٧]: (وفي إذهاب العذرة الحكومة) أي: إذا أذهبها غير الزوج بغير الوطء؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ٤٨٧]: (ومن لا يستحق افتضاضها فأزال البكارة بغير ذَكَرٍ .. فأرشها، أو بذَكَرٍ لشبهةٍ أو مكرهةً .. فمهر مثل ثيباً وأرش البكارة) وكذا في "الروضة" وأصلها هنا (٦)، لكنهما جزما في البيوع المنهي عنها بوجوب مهر بكر وأرش بكارة فيما إذا وطئ الجارية في الشراء الفاسد (٧)، واختاره السبكي في (الغصب) من "شرح المنهاج". وقول "التنبيه" فيما لا يجوز بيعه [ص ٩٠]: (وإن كانت جارية فوطئها .. لزمه المهر وأرش البكارة إن كانت بكراً) يحتمل التصحيحين؛ فقد يريد مهر ثيب كالتصحيح الأول، ومهر بكر كالتصحيح الثاني، وكذا قول "الحاوي" هنا [ص ٥٥٩]: (بالمهر؛ كأرش البكارة لا على الزوج) يحتملها، لكن دخل في عبارته ما إذا طاوعت، ولا مهر إذاً ولا أرش إن لم تكن أمة كما سيأتي. وقول "المنهاج" [ص ٤٨٧]: (وقيل: مهر بكر) يحتمل أن يريد: مع أرش البكارة، فيوافق ما في (البيوع المنهي عنها)، ويحتمل الاقتصار عليه، وهو المصحح في "أصل الروضة" في (الرد بالعيب) (٨).

стр. 1858

وفرق الماوردي بين الحرة والأمة، فجعل في الأمة في البيع الفاسد مهر بكر وأرش بكارة، وفي الحرة مهر بكر فقط؛ لأن الحرة لا تدخل تحت اليد (١)، وحكى شيخنا الإمام البلقيني عن نص "الأم" أنه قال: فإن افتضها رجل بفرجه .. فعليه مهر مثلها؛ لإصابته وحكومةٌ على ما وَصَفْتُ (٢)، قال: فالضمير في قوله: (مهر مثلها) يعود على البكر، ولم يقبل تأويل القاضي حسين وغيره لذلك، قال: والمذهب المعتمد: أنه يجب مهر بكر وأرش بكارة في المكرهة ونحوها كما تقدم عن النص، ومهر بكر فقط في صورة الشبهة تنزيلاً لذلك منزلة وطء البكر في النكاح الصحيح. قال شيخنا: ويستثنى من الشبهة: شبهة النكاح الفاسد؛ فإنه لا خلاف أن الواجب فيه مهر بكر؛ لقوله ﵊ في النكاح بلا ولي: "فإن أصابها .. فلها المهر بما استحل من فرجها" (٣) ولم يوجب لها أرشاً، قال: ومقتضى "المنهاج": أن لا يجب شيء من ذلك عند انتفاء الشبهة والإكراه، وهو صحيح في الحرة، أما الأمة: فيجب الأرش إذا قلنا: يفرد عن المهر كما ذكروه في (الغصب). وفي إيجاب الزيادة على مهر مشلها وهي ثيب إذا طاوعت عالمة بالحال وجهان بلا ترجيح في "الروضة" (٤)، ورجح شيخنا الوجوب، قال؛ لأن الذي يسقط بمطاوعة الأمة إنما هو المهر المتمحض للوطء، أما ما فيه شيء متعلق بإذهاب شيء من الجسد .. فلا. ٤٧٨٦ - قول "الحاوي" [ص ٥٦٠]: (كالنطق) أي: لا تجب الدية بتعطيله كما إذا أذهب سمع صبي فتعطل لذلك نطقه؛ لأن نطق الصبي إنما هو بواسطة سماعه من أبويه وغيرهما. ٤٧٨٧ - قوله: (والمشي) (٥) أي: وكذا المشي لو تعطل بكسر صلب إنسان .. لم تجب فيه إلا الحكومة، كذا في "التعليقة"، وقال في "المصباح": لا تجب الدية على الأصح، بل الحكومة، ويوافقه ما حكاه الرافعي في أثناء الكلام على النطق عن "التتمة": أنه لو كسر صلبه فتعطل مشيه والرجل سليمة .. لم يلزمه بتعطل المشي دية أخرى (٦)، وأسقطه في "الروضة". ومقتضاه: وجوب الدية في كسر الصلب دون إبطال المشي، ويخالفه فيهما قول الرافعي بعد

стр. 1859

ذلك: ولو كسر صلبه وشلت رجله .. قال في "التتمة": يلزمه الدية؛ لفوات منفعة المشي، وحكومة؛ لكسر الظهر، ويخالف ما إذا كانت الرجل سليمة حيث لا تجب مع الدية الحكومة؛ لأن المشي منفعة في الرجل، فإذا شلت الرجل ففواتها لشلل الرجل .. فأفرد كسر الصلب بالحكومة، وإذا كانت سليمة ففوات المشي لخلل الصلب .. فلا يفرد بحكومة، قال: وهذا يوافق ما ذكر ابن الصباغ: أنه لو كسر صلبه فشل ذكره .. يجب حكومة للكسر ودية لشلل الذكر، ثم قال: وفي هذا تصريح بأن مجرد الكسر لا يوجب الدية، وإنما تجب الدية إذا فات به المشي أو الماء أو الجماع (١). وعليه مشى "المنهاج" فذكر أن في المشي دية، و"التنبيه" فقال [ص ٢٢٦]: (وإن كسر صلبه فلم يطق المشي .. لزمه الدية) ثم ذكرا أنه لو كسر صلبه فذهب مثيه وجماعه .. لزمه ديتان (٢)، لكن الذي في "الحاوي" موافق لنظيريه اللَّذَيْن ذكرهما معه، وهما: تعطيل السمع والنطق بدون ذهابهما، ويوافقه أن الأصح فيما لو كسر صلبه فتعطل مشيه ثم قطع قاطع رجليه: أنه تجب الدية في قطعهما؛ لأنهما صحيحتان. فرعٌ [تداخل ديتين فأكثر] ٤٧٨٨ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٨]: (أزال أطرافاً ولطائف تقتضي ديات فمات سراية .. فديةٌ) ينبغي أن يقول: (منها) كما في "المحرر" (٣) ليخرج ما إذا مات سراية من بعضها بعد اندمال بعض .. فلا يدخل المندمل في دية النفس قطعاً، وكذا لو مات من سراية بعضها قبل اندمال شيء منها؛ كما لو جرحه جرحاً خفيفاً لا مدخل له في السراية وجائفة فمات منها قبل اندمال ذلك الجرح .. فلا يدخل أرشه في دية النفس كما اقتضاه قول "المحرر" و"الروضة" وأصلها: فمات منها (٤)، لكن نص الشافعي ﵁ في الثانية يقتضي الاندراج، حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إنه المعتمد. ٤٧٨٩ - قوله: (وكذا لو حزه الجاني قبل اندمال في الأصح) (٥) يقتضي أن الخلاف وجهان، وهو في "المحرر" و"الشرح" قولان، ثم نقل المصحح عن النص، ومقابله عن تخريج ابن

стр. 1860

سريج وقول الإصطخري واختيار الإمام، وكذا في "الروضة" بعد أن حكاهما وجهين (١)، فحاصله أنه نص ومخرج، فكان ينبغي أن يقول في "المنهاج" و"الروضة": (على النص) والنص المذكور هو في "المختصر" في صفة قتل العمد (٢)، وممن حكى الخلاف في ذلك قولين القفال في "شرح التلخيص". ٤٧٩٠ - قوله: (فإن حز عمداً والجنايات خطأ أو عكسه .. فلا تداخل في الأصح) (٣) يقتضي أن الخلاف وجهان، وقد حكاه قولين القاضي حسين والإمام والغزالي وغيرهم (٤). واعلم: أن مقتضى عبارة "المنهاج" وغيره: أنه لو مات بسقوط من سطح ونحوه .. وجوب الديات كلها؛ لأنه لم يسقط دية ما دون النفس إلا بالسراية، وحز الجاني قبل الاندمال. وهو الذي أفتى به شيخنا الإمام البلقيني، وفرق بينه وبين اعتبار التبرع في المرض المخوف من الثلث ولو مات بسقوط من سطح: بأن التبرع صدر عند الخوف من الموت .. فاستمر حكمه، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وفي زيادة "الروضة" في الطلاق فيما لو طلق زوجته بائناً وهو مريض ثم قتله قاتل .. عن "المهذب": أنها لا ترث على القديم، وعن "الشامل" و"التتمة": أنها ترث (٥). فصلٌ [فيما تجب فيه الحكومة وقدرها] ٤٧٩١ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٨]: (تجب الحكومة فيما لا مقدر فيه) فيه أمران: أحدهما: أن المراد: الجناية الموجبة للمال؛ ليخرج عن ذلك ما يوجب التعزير المجرد؛ كقلع سن من ذهب، ولهذا قال "الحاوي" بعد ذكر هذه المسألة [ص ٥٧٥]: (وفي غيرٍ الحكومةُ) أي: غير ما تقدم مما يوجب الضمان بمال مقدر أو التعزير المجرد. ثانيهما: كان ينبغي أن يضم لما فيه مقدر ما عرفت نسبته من مقدر؛ فإنه يؤخذ في هذا الثاني بنسبته من المقدر، ولا يرد ذلك على "الحاوي" أيضاً وإن كان قد ذكر من أمثلة ما فيه الحكومة المتلاحمة، وقد تعرف نسبتها من مقدر؛ بأن يكون بقربها موضحة، فيجب فيها أكثر الأمرين مما يقتضيه التقسيط ومن الحكومة؛ لقوله بعد ذلك: (وإن أمكن تقديره بما له مقدر .. فأكثر قسطه، والحكومة) (٦).

стр. 1861

فإن قلت: والإيجابُ بالنسبة لمقدر حكومةٌ أيضًا كما نص عليه الشافعي. قلت: المراد: الحكومة التي يقدر الحر فيها رقيقاً، وهي التي فسرها بعده، وهذه ليست كذلك؛ ولهذا لما ذكر "المنهاج" هذا الحكم عند الكلام على الشجاج .. قال: (والشجاج التي قبل الموضحة إن عرفت نسبتها منها .. وجب قِسْطٌ من أرشها، وإلا .. فحكومة) (١) فلم يسم الإيجاب بالنسبة لمقدر حكومة، ويرد الأمران على قول "التنبيه" [ص ٢٢٧]: (وفي الجراحات سوى ما ذكرناه الحكومة). وقد يقال: لا يرد الأول؛ لأن مثل قلع سن من ذهب لا جراحة فيه، وقد يقال: بل فيه جراحة إذا نبت عليه اللحم. ويرد عليه أيضاً: أنه تجب الدية أيضاً في إذهاب الصوت والمضغ والإمناء وقوة الإحبال والجلد على ما قدمته فيها، مع أنها قد تنشأ عن جراحه، وأنه تجب الحكومة في كسر العظام أو نقلها فيما عدا الرأس والوجه، وقد لا يكون فيها جراحة. ٤٧٩٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٧]: (وفي الشعور كلها الحكومة) شرطه: فساد المنبت بحيث لا تعود أو تعود ناقصة؛ ولهذا قيد "الحاوي" ضمان لحية المرأة بفساد المنبت (٢)، أما لو عادت كما كانت .. فلا تجب حكومة بلا خلاف، كما في "أصل الروضة" (٣)، لكن في "البويطي": (وليس في الشعر أرش معلوم، وفيه حكومة إن نبت كما كان بقدر الألم والشين، وإن لم يعد كما كان .. ففيه حكومة أكثر من ذلك) حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: وبه يتأيد كلام "التنبيه"، وحكى القاضي حسين وجهاً ثالثاً: أنه إن حصل للمجني عليه ألم بالإزالة .. وجبت، وإلا .. فلا، وجمع في "الكفاية" الأوجه الثلاثة، وذلك يرد على تعبير شيخنا الإسنوي عنه بالصواب (٤). ثم هذا في الشعر الذي فيه جمال. أما ما لا جمال في بقائه، بل في ذهابه؛ كشعر الإبط .. ففيه وجهان، صحح الماوردي منهما: أنه لا حكومة فيه. واعلم: أن ظاهر كلامهم أنه لا قصاص في نتف الشعر، وبه صرح الماوردي في أسنان إبل الخطأ وتقويمها؛ وعلله باختلاف الناس فيه كثافة وخفة وطولاً وقصراً، وفي جماله ذهاباً وبقاء (٥)، لكنه قال في القصاص في الشجاج: فاما إن قلع شعره قلعاً لم يعد نباته؛ فإن أمكن فيه

стр. 1862

القصاص حتى يذهب فلا يعود نباته .. اقتص منه (١). ٤٧٩٣ - قول "الحاوي" في أمثلة ما تجب فيه الحكومة [ص ٥٧٥]: (ولسان الأخرس) محله: ما إذا لم يذهب الذوق بقطع لسانه أو كان قد بطل ذوقه من قبل، فلو ذهب بقطعه الذوق .. وجبت الدية، وهذا معلوم مما سبق. ٤٧٩٤ - قوله: (وسن صبي) (٢) أي: لم يثغر ولم يفسد منبتها. ٤٧٩٥ - قوله: (وتسويد سن) (٣) كذا لو اخضرت أو اصفرت، لكن حكومة الاخضرار أقل من الاسوداد، والاصفرار أقل من الاخضرار، فلو عبر ب (تغير لونها) .. لكان أعم. ٤٧٩٦ - قوله: (وقوة الإرضاع) (٤) كذا لو لم ينقطع لكن انتقص .. فتؤخذ حكومة تليق به. ٤٧٩٧ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٨]: (وهي جزءٌ نسبته إلى دية النفس - وقيل: إلى عضو الجناية - نسبة نقصها من قيمته لو كان رقيقاً بصفاته) فيه أمور: أحدها: كان ينبغي أن يقول: (جزء من الدية) كما فعل "المحرر" و"الحاوي" (٥)، وكذا قال في "التنبيه" [ص ٢٢٧]: (وجب بقسطه من الدية) فذكر "المنهاج" الدية في النسبة لا في المأخوذ منه. ثانيها: يستثنى من قوله: (وقيل: إلى عضو الجناية) الرأس، فلو كانت الجراحة فيه .. فليس له دية، وفيه شجاج عديدة، والمعتبر منها على هذا الوجه الموضحة، فتعتبر نسبتها منها كما حكاه الرافعي عن الشيخ أبي إسحاق (٦)، وأسقطه في "الروضة" وأهمل الرافعي من كلام صاحب "المهذب" أنها إن كانت في الجسد .. اعتبر نسبتها من الجائفة (٧). ثالثها: يستثنى من كلام الثلاثة في اعتبار النسبة: ما إذا قطع أنملة لها طرفان .. فيجب فيها مع دية الأنملة حكومة لا تعتبر بالنسبة، بل يوجب فيها الحاكم ما يؤدي إليه اجتهاده، جزم به في "أصل الروضة" (٨). رابعها: مقتضى كلامهم: التقويم بالنقد، وعليه جرى الأصحاب، لكن نص الشافعي ﵀ على التقويم بالإبل، فقال في إذهاب العذرة: فيقال: لو كانت أمة تسوى خمسين من

стр. 1863

الإبل .. كم يُنقصها ذهاب العذرة من القيمة؟ فإن قيل: العشر .. وجب خمس من الإبل، وإن قيل: أكثر أو أقل .. وجب (١)، حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: هو صحيح جار على أصله في الديات أن الإبل هي الأصل، فلا حاجة للتقويم بالنقد، وربما يتفاوت فيكون قيمته بالنقد معيبًا أقل من تقويمه بالإبل أو أكثر، قال: ولم أر من ذكر ذلك من الأصحاب. خامسها: لا يستقر التقويم إلا بحكم حاكم، فلو اجتهد فيه غيره .. لم يستقر، صرح به الماوردي (٢)، وهو مقتضى كلام غيره، ولم يتعرض الثلاثة للتصريح بذلك، لكن قول "المنهاج" بعده [ص ٤٨٨]: (نقص الحاكم شيئاً بالاجتهاد) يقتضيه. ٤٧٩٨ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٨]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٥٧٦]: (فإن كانت لطرفٍ له مقدرٌ .. اشترط ألا تبلغ مُقَدَّره، فإن بلغته .. نقص القاضي شيئاً باجتهاده) أورد عليه شيخنا الإمام البلقيني: أن الرأس ليس له مقدر وفيه عدة شجاج، والمعتبر في حكومته ألا تبلغ أرش الموضحة. انتهى. وقد يقال: لا يرد؛ لأن للرأس مقدرات الموضحة أقلها، فاعتبر بها أخذاً باليقين. وأورد أيضًا: أنه لا بد من الاحتراز عن تساوي الجنايتين المتفاوتتين كالمتلاحمة والسمحاق إذا فرض النقص في كل منهما بنصف العشر .. فتنقص حكومتهما عن ذلك حتى لا يبلغا أرش الموضحة ويكون النقص في السمحاق أقل، قال: وهذا لا بد منه وإن لم يذكروه، وقد ذكروا في (الزكاة) قريباً منه. انتهى. وقد يدخل في قوله: (شيئاً) أقل متمول، وصرح الإمام بأنه لا يكفي (٣)، وقال الماوردي: أقله ما يجوز أن يكون ثمناً أو صداقاً (٤). ٤٧٩٩ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٨]: (أو لا تقدير فيه كفخذٍ .. بألَاّ تبلغ دية نفس) فيه أمور: أحدها: أنه دخل فيما لا تقدير فيه ما هو تابع لمقدر والشرط فيه ألَاّ تبلغ دية ذلك المقدر، وقد ذكر ذلك "الحاوي" فقال [ص ٥٧٥]: (ناقص عن دية المجروح اجتهاداً ومتبوعه) فحكومة جرح الكف لا تبلغ دية الأصابع الخمس؛ ويجوز أن تبلغ دية إصبع كما قال الرافعي: إنه الأشبه، والنووي: إنه الأصح (٥) , وصحح الإمام مقابله (٦)، وتبعه في "الكفاية"، ونص عليه الشافعي

стр. 1864

رضي الله عنه، فقال: ولا أبلغ بحكومة كفه دية إصبع (١)، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إن له نصاً آخر بخلافه، لكنه محتمل، وهذا نص، وهو المعتمد. ثانيها: تمثيله لما لا تقدير فيه بالفخذ مخالف لنص الشافعي؛ حيث قال: ولا يبلغ بحكومة الذراع أرش يد، وهذا هكذا في الفخذ والساق، وقال قبل ذلك: وهكذا إن كان في الذراع أو العضد أو الساق أو القدم .. لم يبلغ قدر يدٍ تامةٍ ولا رجلٍ تامةٍ (٢)، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لو مثل بالظهر والكتف .. كان أصوب. ثالثها: قال شيخنا الإمام البلقيني: اشتراط ألَاّ يبلغ دية نفس محال؛ فكيف يصل جزء الشيء إلى تمامه ولا يتصور ذلك إلا إذا لم تصر له قيمة بالكلية؛ وهذا محال. فما من حي إلا وله قيمة، وبتقدير فرض أنه لا قيمة .. يبقى قوله: (جزءٌ) غير معتبر، وكان يقال: وعند انتفاء الجزء .. لا بد من النقص عن الدية، قال: ولم أر من تعرض لذلك، قال: وإنما يتجه هذا لو كانت الحكومة مجرد اجتهاد من غير تقويم. رابعها: أورد عليه شيخنا أيضاً: أن مقتضاه: أن جرح البطن يجوز أن تبلغ حكومته إلى ما ينقص عن دية النفس، وجزم في "الروضة" وأصلها بأنه لا تبلغ أرش جائفة (٣). قلت: كيف يرد ذلك وفي البطن ما له أرش مقدر وهو الجائفة؟ فهو داخل في كلامه الأول، والله أعلم. ٤٨٠٠ - قول "الحاوي" [ص ٥٧٦]: (وإن لم ينقص - أي: بعد الاندمال - .. تقدر دامية) محله: ما إذا لم يظهر نقصان إلا في حال سيلان الدم، فإن ظهر نقصان في غيره .. اعتبر أقرب الأحوال إلى الاندمال؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٤٨٨]: (اعتبر أقرب نقص إلى الاندمال)، وعبارة "التنبيه" [ص ٢٢٧]: (وإن كانت الجناية مما لا ينقص بها شيء بعد الاندمال ويخاف منه التلف حال الجناية؛ كالإصبع الزائدة وذكر العبد .. قوم حال الجناية؛ فما نقص .. وجب) وليس فيه إفصاح عن اعتبار أقرب نقص إلى الاندمال. بل هو كـ"الحاوي" في اعتبارها دامية؛ لأنها حال الجناية، ويزداد بالتمثيل بذَكَرِ العبد؛ فإنه على الجديد في أن جراح العبد من قيمته كجراح الحر في ديته تجب فيه القيمة، فلا حكومة؛ فإما أن يكون مفرعاً على القديم أن الواجب فيه ما نقص، أو يريد: ما إذا كان أشل، ومقتض اقتصار "المنهاج" على اعتبار أقرب نقص إلى الاندمال؛ لأنه لو لم يكن هناك نقص؛ كالسن الزائدة ولحية المرأة .. لم يجب شيء، وليس

стр. 1865

كذلك، بل يقوم في السن وله سن زائدة ثابتة فوق الأسنان وليس خلفها أصلية، ثم يقوم مقلوع الزائدة ويظهر التفاوت؛ لأن الزائدة تسد الفرجة ويحصل بها نوع جمال. وفي لحية المرأة تقدر لحية عبد كبير يتزين باللحية، وقد ذكر "التنبيه" و"الحاوي" حكم لحية المرأة (١)، وفي "التهذيب": إنه يعتبر سنه في التقويم، وألَاّ ينقص قدر حكومة لحية المرأة عن الرجل (٢)، وكلام غيره ينازع فيه. فلو كانت الجراحة خفيفة لا تؤثر في حال سيلان الدم .. ففي "الوسيط": أنا نلحقها باللطم والضرب؛ للضرورة، وفي "التتمة": أن الحاكم يوجب شيئاً بالاجتهاد، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني، فترد هذه الصورة عليهم على مقتضى هذا الترجيح. ٤٨٠١ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٨]: (والجرح المقدر كموضحة يتبعه الشين حواليه) هو معنى قول "الحاوي" [ص ٥٧٦]: (والمقدر للشين) أي: الحكومة جزء ناقص عن المقدر للشين حوالي ما ليس له أرش مقدر، وخرج بقولنا: ما ليس له أرش مقدر: الشين حول الموضحة ونحوها، ويرد عليهما أمران: أحدهما: لا بد أن يكون في محله، فلو تعدى شين الموضحة إلى القفا .. ففي استتباعه وجهان بلا ترجيح في "الروضة" وأصلها (٣)، ورجح شيخنا الإمام البلقيني أنه لا يستتبعه. ثانيهما: يستثنى منه: ما لو أوضح جبينه وأزال حاجبه .. فعليه الأكثر من أرش موضحة وحكومة للشين وإزالة الحاجب، حكاه في "أصل الروضة" عن المتولي، وحكاه شيخنا الإمام البلقيني عن نص الشافعي في رواية البويطي، وأن البويطي قال: ليس له إلا أرش موضحة. ٤٨٠٢ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٨]: (وما لا يتقدر يُفرد بحكومة في الأصح) أي: الشين الذي حوله، قال شيخنا ابن النقيب: وفي تصويره عسر؛ فإنا نحتاج تقويمه سليماً ثم جريحًا بلا شين، فيجب التفاوت، هذه حكومة الجرح، ثم يقوم جريحاً بشين فيجب التفاوت بين قيمته جريحاً بشين وجريحاً بلا شين، وهذه حكومة الشين، وينبغي أن يقوم سليماً ثم جريحاً بشين، ويجب ما بينهما؛ ولعله لا يختلف مع ما تقدم، فلا فائدة إذاً في قولنا .. يفرد بحكومة. نعم؛ تظهر فائدته لو عفى عن إحدى الحكومتين .. فيجب الأخرى، هذا ما ظهر لي بحثاً. انتهى (٤).

стр. 1866

وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأقيس عندنا: إيجاب حكومة واحدة جامعة لهما، وفي نظير ذلك من العيوب في البيع نظر، وتظهر فائدة حكومتين وحكومة واحدة فيما لو زاد على المقدر، فعلى إيجاب حكومتين لا يحتاج إلى نقص إذا نقصت كل واحدة منهما عن المقدر، وعلى إيجاب حكومة واحدة لا بد من النقص، وأورد شيخنا المذكور على عبارة "المنهاج": المتلاحمة؛ فإنها ليست بمقدرة شرعاً دائماً، وهي كالموضحة في استتباع الشين إذا قدرنا أرشها بالنسبة إلى الموضحة على الأصح في "أصل الروضة" هنا (١)، لكن نص في "الأم" على أنه ينظر إلى الشين أيضًا (٢). ثم قال شيخنا: فإن قيل: أراد ما قدر ولو بالنسبة إلى جرح غيره .. فلا يرد عليه هذا على طريقته .. قلنا: قوله: كموضحة ينفي هذا، ولو سكت عن التشبيه .. كان الجواب قريباً. قلت: هذا تمثيل، فيلحق به ما في معناه، فالجواب قريب مقبول ولا إيراد. قال شيخنا: ومثل ذلك الجراحات على البدن إذا أمكن تقديرها بجائفة بقربها، وقلنا: إنها تتقدر بالنسبة، وأوجبنا ما يقتضيه التقسيط .. فالشين تابع لا يفرد بحكومة، وإن كانت الحكومة أكثر .. فقد وفينا حق الشين. ٤٨٠٣ - قوله: (وفي نفس الرقيق قيمته، وفي غيرها ما نقص إن لم يتقدر من الحر، وإلا .. فنسبته من قيمته، وفي قول: ما نقص) (٣) فيه أمور: أحدها: تقدم ذلك في (الغصب) بعبارة هي أوضح مما هنا، وكلامه هناك فيما إذا سبق الإتلاف يد عادية؛ ولهذا فصل في المقدر بين أن تتلف هي أو يتلفها متلف، وأما هنا .. ففي الإتلاف بلا يد عادية. ثانيها: أن قوله: (وإلا .. فنسبته من قيمته) عبارة ملتبسة، وعبارة "المحرر": (جزء من القيمة نسبته إليها نسبة الواجب في الحر إلى الدية) (٤) ففي يديه قيمته، وفي إحداهما نصفها، وفي جفنه ربعها، وفي إصبعه عشرها، وفي موضحته نصف عشرها، وفي أنملته ثلث عشرها، وعبارة "التنبيه" [ص ٢٢٧]: (وما ضمن من الحر بالدية ضمن من العبد والأمة بالقيمة). ثالثها: أورد شيخنا الإمام البلقيني على قوله: (ما نقص إن لم يتقدر من الحر) أن مقتضاه: إيجاب ما نقص فيما إذا لم يتقدر، لكنه تابع لمقدر كجراحة في كفه، لكن مقتضى ما صححه الرافعي والنووي في حكومة الكف في الحر: أنه لا يبلغ بها دية الأصابع (٥): أنه يجب النقص هنا

стр. 1867

عن النصف، ومقتضى ما حكاه شيخنا عن النص: أنه لا يبلغ دية إصبع (١): أنه [يجب] (٢) النقص هنا عن العشر. رابعها: وأورد عليه أيضًا: الجرح في رأس العبد أو وجهه أو بطنه إن قلنا: يجب في الحر الحكومة التقويمية .. فيعتبر ألَاّ تبلغ أرش موضحة، وإن قلنا: الواجب النسبة إن عرف قدر ذلك من موضحه أو جائفة .. فكذلك تجب النسبة في العبد، ولا يطلق فيه ضمان ما نقص. خامسها: أورد أيضاً على قوله: (وإلا .. فنسبته من قيمته) أن محله: في جناية واحدة أو جنايتين بعد اندمال الأولى، فإن لم تندمل الأولى؛ كما لو قطع يد عبد قيمته ألف درهم فصار يساوي ثمان مئة درهم .. فإنا نغرمه على الأظهر خمس مئة؛ لأنها نصف القيمة، فإذا قطع آخر يده قبل الاندمال .. لا نغرمه أربع مئة، بل نصف ما أوجبنا على الأول، وهو مئتان وخمسون؛ لأن الجناية الأولى لم تستقر وقد أوجبنا نصف القيمة، فكأنه انتقص نصف القيمة كما جزم به في "أصل الروضة"، وحكاه الرافعي عن "التهذيب" وغيره (٣)، لكن قال شيخنا: إنه لا يظهر وجهه، وأن مقتضى إطلاق القاضي حسين والإمام: أنه يجب على الثاني نصف قيمته حال جنايته، وارتضاه؛ فلا إيراد (٤). ٤٨٠٤ - قوله: (ولو قُطع ذكره وأنثياه .. ففي الأظهر: قيمتان) (٥) مقابله ذكر في (الغصب) أنه قديم، وأنكره بعضهم، وجعله بعضهم مخرجاً؛ فلا يحسن التعبير بالأشهر، بل ينبغي أن يقول: (المذهب أو النص أو الجديد)، والله أعلم. ٤٨٠٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٧]: (وإن قطع يد عبد ثم أعتق ثم مات .. وجب فيه دية حر، للمولى منه أقل الأمرين من نصف الدية أو نصف القيمة) الأصح: أن له الأقل من نصف القيمة وكمال الدية؛ لأنا إن اعتبرنا وقت الجناية .. فنصف القيمة، أو الموت .. فكل الدية؛ فأقلهما هو المتيقن، والمراد: موته بالسراية، أما لو اندمل القطع ومات بسبب آخر .. فللسيد على الجاني نصف القيمة. * * *

стр. 1868

باب ما تجب به الدّية من الجنايات ٤٨٠٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٠]: (إذا أصاب رجلاً بما يجوز أن يقتل فمات منه .. وجبت الدية) قيل: إنه يشمل العمد المحض، قال في "الكفاية": وهو تفريع على اختياره أن موجب العمد أحد الأمرين. قال في "التوشيح": يبعد أن يقال: العمد المحض يجوز أن يقتل، وإنما أراد بهذه اللفظة: ما لا قصاص فيه، وله عقد الباب. ٤٨٠٧ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٩]: (صاح على صبي لا يُميِّز على طرف سطحٍ فوقع بذلك فمات .. فديةٌ مغلظة على العاقلة، وفي قول: قصاص) فيه أمور: أحدها: تقييد الصبي بكونه غير مميز يقتضي أن المميز ليس كذلك، لكن قوله بعد ذلك: (ومراهق متيقظ كبالغ) (١) يقتضي أن غير المراهق ليس كالبالغ ولو كان مميزاً؛ ولذلك أطلق "التنبيه" الصبي، و"الحاوي" الطفل (٢)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يعتبر الشافعي ولا أحد من أصحابه عدم التمييز في ذلك، وأفصح في "النهاية" عن المقصود، فقال: وما ذكره الأصحاب في صبي لا يميز إن كان ضعيف التمييز بحيث يبعد منه أن يتماسك، فإن كان مراهقا .. فهو في معنى الكبير. انتهى (٣). فدل على أن من نفى التمييز أراد به: التمييز الكامل الذي يحصل مع البلوغ أو المراهقة، لا أصل التمييز، والله أعلم. ثانيها: قوله: (على طرف سطح) تبع فيه الرافعي (٤)، ومقتضاه: أنه لو كان في وسطه .. فهو كالأرض، وعبر "التنبيه" بقوله [ص ٢٢٠]: (فوقع من سطح) فلم يقيد بطرفه، وقد يقال: الفاء في قوله: (فوقع) يدل على أنه كان في طرفه؛ لتعقيب الوقوع منه للصياح. ثالثها: لا يتقيد ذلك بالسطح، بل لو كان على بئر أو نهر .. كان كذلك كما ذكره في "أصل الروضة" (٥) ولذلك قال "الحاوي" [ص ٥٥٠]: (فسقط من علو). رابعها: اقتصر "التنبيه" و"المنهاج" على سقوطه (٦)، وفي "الحاوي" [ص ٥٥٠]: (ارتعد

стр. 1869

فسقط) وكذا في "المحرر" و"الروضة" وأصلها (١)، ومقتضاه: اشتراط الارتعاد؛ ليظهر به أن السقوط من خوف الصيحة، وقد اعتبره "المنهاج" في قوله [ص ٤٨٩]: (ولو صاح على صيد فاضطرب صبي وسقط). خامسها: قال شيخنا الإمام البلقيني: قد يتخيل أن الموت قيد، وليس كذلك، فلو ذهب بذلك مشي رجليه أو بطش يديه أو ضوء عينيه .. فهو مضمون كما نص عليه في "الأم" فقال: ضمن ما أصابه (٢). سادسها: كذا حكاهما في "المحرر" قولين (٣)، وعبارته في "الشرح": فيه وجهان، ويقال: قولان (٤)، فلذلك قال في "الروضة": في الأصح، وقيل: الأظهر (٥). وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يثبت العراقيون فيه خلافاً، وحكاه القاضي والإمام وجهين (٦)، والغزالي قولين (٧)، وليس بمعتمد؛ فالخلاف إن ثبت وجهان. ويرد على "التنبيه" و"الحاوي": أنه لو صاح على صيد فاضطرب الصبي وسقط من علو .. وجبت ديته مع كونه لم يصح عليه، ولا يرد ذلك على "المنهاج" لذكره له بعد ذلك، وقال: (فدية مخففة على العاقلة) (٨). فإن قلت: لعلهما إنما قيدا لذلك؛ لأن تلك مغلظة. قلت: لم يتعرضا لتغليظ ولا تخفيف. ٤٨٠٨ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٠]: (أو صاح على بالغ وهو غافل فوقع ومات .. وجبت الدية) سوى بين الغافل والصغير، والأصح: خلافه، وأنه لا تجب دية البالغ مطلقاً، وهو مفهوم تقييد "الحاوي" بالطفل، وصرح به "المنهاج" فقال [ص ٤٨٩]: (ولو كان بأرض، أو صاح على بالغ بطرف سطحٍ .. فلا دية في الأصح) وفيه أمور: أحدها: قال شيخنا الإمام البلقيني: مقتضاه: أن الصبي الذي على الأرض لا يتعلق به من صيحته ضمان، وليس كذلك، فلو زال عقله .. وجب الضمان كما هو مقتضى نص "الأم"، وعليه جرى الشيخ أبو حامد وغيره.

стр. 1870

قلت: وذكره "التنبيه" فقال [ص ٢٢٠]: (وإن صاح على صبي فزال عقله .. وجبت الدية) و"الحاوي" فقال [ص ٥٥٠]: (وصاح على طفل فجن) لكن لا يرد على "المنهاج" لأن قوله: (ولو كان) أي: الصبي الذي صيح عليه فمات، فكيف ترد عليه مسألة الجنون، وهي غير المفروض؛ غاية الأمر أنه لم يذكر مسألة الجنون. ثانيها: أنه أهمل وصف البالغ بكونه عاقلاً، ولا بد منه، قال في "أصل الروضة": والمجنون والمعتوه والذي يعتريه الوسواس والنائم والمرأة الضعيفة كالصبي الذي لا يميز (١). قال شيخنا الإمام البلقيني: ولا بد أيضاً من أن يكون متماسكاً في وقوفه. ثالثها: كان ينبغي أن يقول: (على النص) لأن الشافعي نص عليه في البالغ، وقيد الصبي بكونه على طرف سطح، ففهم منه عدم الضمان فيما إذا كان على الأرض. رابعها: أن كلامه يفهم نفي القصاص قطعاً وهو صحيح في البالغ، صرح به فيه القاضي حسين، وأما في الصبي الذي على الأرض .. فكلام "أصل الروضة" يقتضي إثبات خلاف فيه؛ فإنه حكى فيه وجهاً: أنه كالسقوط من سطح (٢)، ومقتضاه: وجوب القصاص على قول أو وجه، وصرح به القاضي حسين فقال: وإذا صاح بصبي على الأرض فسقط ومات .. يجب الضمان والقود على ما ذكرناه، وعبر في "المحرر" بنفي الضمان (٣)، فيحتمل مقابله الضمان بالدية أو بالقصاص. ٤٨٠٩ - قوله: (ومراهق متيقظ كبالغ) (٤) نازع فيه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: أناط الشافعي عدم الضمان بالبلوغ مع العقل، والضمان بالصبي بشرطه، وصار الصبي وصفاً ضابطاً لحكمةٍ، لا حكمةً مجردة لعدم الانضباط، فلا يُخرِج من صور الصبي أحداً وإن كان مراهقاً؛ لأنه لم يكمل عقله. ٤٨١٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٠]: (وإن صاح على صبي فزال عقله) و"الحاوي" [ص ٥٥٠]: (وصاح على طفل) لم يقيداه بكونه غير مميز كما لم يقيداه في السقوط من طرف سطح، وكذا لم يقيده في "أصل الروضة" إلا أنه عبر بالصغير، ومراده به: مطلق الصبي، فإنه قال عقبه: وإن كان بالغاً .. فعلى الأوجه مع تقييده مسألة السقوط بأن يكون غير مميز (٥)، فيحتمل أنه ترك القيد هنا اعتماداً على ذكره هناك، وهو أقرب، ويحتمل الفرق بينهما بأن تأثير الصياح في زوال العقل أشد

стр. 1871

من تأثيره في السقوط من علو، فيكتفى في ضمان العقل بعدم البلوغ وإن كان مميزاً، وفيه نظر؛ فإن السقوط قد يعرض من رجفة ودهشة وإن لم يزال العقل. وقيد بعض شراح "التنبيه" كلامه في مسألة زوال عقل الصبي بكونه غير مميز كما فعل في سقوطه من علو، وقد عرفت أن الشافعي والأكثرين لم يقيدوهما بذلك، والله أعلم. ويعود في البالغ أنه لا بد من كونه عاقلاً مستيقظاً كما تقدم في السقوط. ٤٨١١ - قولهما: (ولو طلب السلطان من ذُكرت بسوءً فأجهضت .. ضُمن الجنين) (١) فيه أمور: أحدها: لا اختصاص لذلك بطلب السلطان، بل لو فزعها إنسان بشهر سيف ونحوه .. ضمن جنينها، وقد قال الشافعي ﵁؛ لأن معروفاً أن المرأة تسقط من الفزع، وقد تناول هذا قول "الحاوي" في الإجهاض [ص ٥٥٧]: (ولو بتخويف). ثانيها: لا يتقيد ذلك بطلبها هي، بل لو طلب رجلاً عندها ففزعت فأجهضت .. ضمن أيضاً، نص عليه كما نقله شيخنا الإمام البلقيني. ثالثها: قال شيخنا الإمام البلقيني: ولا يتقيد بأن تذكر بسوء، بل مجرد طلب السلطان كاف في الضمان، نص عليه، قال شيخنا: فلو طلبها في دين فأسقطت .. ضمن إن كانت مخدرة؛ لتعديه، أو غير مخدرة لكنه يخاف من سطوته، فإن لم يخف من سطوته وهي غير مخدرة .. فلا ضمان، قال: وينبغي للحاكم أن يسأل هل هي حامل قبل أن يطلب؟ ولم أر من يفعله، وهو حسن. قلت: ولهذا جرت العادة أن يكتب في القصص التي يطلب فيها الإعداء على امرأة: وهي برزة غير حامل؛ فهو احتياط حسن، والله أعلم. رابعها: أورد عليه شيخنا أيضاً: أنه يقتضي قصور الضمان على الجنين، مع أنها لو ماتت من الإجهاض .. ضمنها أيضًا، خلاف ما لو ماتت بلا إجهاض. ٤٨١٢ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٩]: (ولو وضع صبياً في مسبعةٍ فأكله سبعٌ .. فلا ضمان، وقيل: إن لم يمكنه انتقالٌ .. ضمن) فيه أمور: أحدها: أنه يقتضي أنه لو كان بالغاً .. لم يجب الضمان قطعاً، وبه صرح في "أصل الروضة" ثم قال: ويشبه أن يقال: الحكم منوط بالقوة والضعف لا بالصغر والكبر (٢). قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو متعين، والتقييد بالصبي لا معنى له، فلو قيد رجلاً وألقاه في

стр. 1872

مسبعة فأكله السبع .. ضمنه بالدية عند جماعة، فدل على أن الاعتبار بالقوة والضعف لا بالصبي والبلوغ، إلا من جهة أن الصبي مظنة الضعف، فإذا وجد الضعف في البالغ - ومنه أن يقيّد - .. اتجه الخلاف. انتهى. وقال في "المهمات": جزم في "المهذب" بأنه إذا ألقى حراً مشدوداً في مسبعة فقتله السبع .. أنه عمد، وهذا عين ما بحثه الرافعي، بل هو أبلغ؛ لجعله عمداً، فلا معنى لنفي الخلاف. انتهى (١). فإن قلت: إذا كان تقييد "المنهاج" لأجل محل الخلاف .. فلم قيد "الحاوي" مع كونه لا يحكي الخلاف، فقال [ص ٥٥٠]: (لا إن وضعه - أي: الطفل - في مسبعة فافتُرِس)؟ قلت؛ لأنه محل الخلاف وإن لم يحكه، ويؤخذ البالغ منه من باب أولى، ويحتمل عود الضمير في كلامه على المجني عليه بأي صفة كان. ثانيها: تناول تعبيرهما ما لو ألقاه في زبية السبع وهو فيها، والحكم في تلك وجوب القصاص أو الدية عند امتناعه، وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص ٢٢٠]: (وإن ألقاه على أفعى، أو ألقاها عليه، أو على أسد، أو ألقاه عليه فقتله .. وجبت ديته) لكن الأصح: عدم وجوب الدية في مسألة الأفعى إلا إن أنهشها إياه؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص ٥٥٥]: (وإنهاش حية تقتل غالباً، وجمعه بسبُع في ضيِّقٍ) ولا بد من تقييد عبارة "التنبيه" بأن يكون في مضيق كما قال "الحاوي". ثالثها: صحح شيخنا الإمام البلقيني فيما إذا لم يمكنه التخلص: وجوب الدية، وقال: إنه المعتمد في الفتوى، وحكاه عن "المهذب" و"الحاوي" في أحد جوابيه و"الوسيط" (٢). رابعها: محل عدم الضمان أيضاً: في الحر، فلو كان عبداً .. ضمنه باليد إن استمرت إلى الافتراس بالتكتيف ونحوه. خامسها: كان ينبغي أن يقول: (وقيل: إن لم يمكنه تَخَلُّصٌ ... ) فقد يمكنه الانتقال ولا يمكنه التخلص مما أوقعه فيه. ٤٨١٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٠]: (وإن طلب بصيراً بالسيف فوقع في بئر .. لم يضمن، ولو طلب ضريراً فوقع في بئر .. ضمن) محله في البصير: مع العلم بها؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ٤٨٩]: (فلو وقع جاهلاً لعمىً وظلمةٍ .. ضمن) وفي الضرير: مع الجهل بها، فلو علم بها .. لم يضمن، كما صرح به غير واحد، وعبر عنه النووي والإسنوي في "تصحيحيهما" بالصواب (٣)،

стр. 1873

فالعبرة إنما هو بالعلم بها والجهل كما عبر به في "النبيه مختصر التنبيه" فقد يعلمها الأعمى ويجهلها البصير. ثم محل ما ذكراه: في البالغ العاقل، فلو كان المطلوب صبيا أو مجنونا .. بني على أن عمدهما عمد أو خطأ، إن قلنا: خطأ .. ضمن، وإلا .. فلا. فإن قلت: هذا الإيراد على مرجوح؛ لأن الأصح: أن عمدهما عمد. قلت: بل هو على الأصح في حالة؛ ففي "أصل الروضة" في شريك الصبي والمجنون عن القفال وغيره: أن الخلاف في صبي يعقل عقل مثله ومجنون له نوع تمييز، فأما من لا تمييز له بحال .. فعمده خطأ وشريكه شريك مخطئ قطعاً، قال: وعلى هذا جرى الأئمة منهم البغوي (١). ٤٨١٤ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٩]: (وكذا لو انخسف به سقفٌ في هربه في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في "الأم" (٢)، أما لو ألقى نفسه على السقف من علو فانخسف به لثقله .. فكإلقاء نفسه في بئر. ٤٨١٥ - قولهما: (وإن سُلم الصبي إلى السابح فغرق في يده .. وجبت الدية) (٣) فيه أمور: أحدها: أنه قد يفهم أنه لو علمه الولي السباحة فغرق منه .. لا ضمان، وليس كذلك، فحكم الولي وغيره في ذلك سواء. ثانيها: قد يفهم من لفظ التسليم أنه لو أخذه السابح بيده .. ارتقى الحال عن الدية، وليس كذلك؛ ولهذا عبر "الحاوي" بقوله [ص ٥٥٠]: (وعلّمه السباحة فغرق) فسلم من الأمرين. ثالثها: محل ذلك: ما إذا لم يقع من السابح تقصير، فلو رفع يده من تحته عمداً فغرق .. وجب القصاص، قاله شيخنا الإمام البلقيني. رابعها: المراد: وجوب الدية على السابح، صرح به الماوردي وغيره (٤)، وبحث شيخنا الإمام البلقيني أن يكون الولي وعاقلته طريقاً في الضمان إذا سلمه إليه. ٤٨١٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٠]: (وإن غرق البالغ مع السابح .. لم تجب ديته) كذا قاله العراقيون والبغوي، وقال في "الوسيط": لو خاض معه اعتماداً على يده فاهمله .. احتمل أن يجب الضمان (٥)، وحمل شيخنا الإمام البلقيني عدم الضمان على ما إذا لم يقصر السابح كما قال في

стр. 1874

الصبي، قال: فأما لو رفع يده من تحته في الموضع المغرق عمداً فغرق .. فعليه الدية، بل القصاص؛ لأنه هو الذي أغرقه. ٤٨١٧ - قول "المنهاج" [ص ٤٨٩]: (ويضمن بحفر بئر عدوان) فيه أمور: أحدها: المراد بالعدوان: أن يحفرها بملك غيره أو مشترك بلا إذن أو في شارع ضيق أو واسع لمصلحة نفسه بغير إذن الإمام، فكان الأحسن لما ذكر هذه المسائل بعد ذلك أن يعدل عن قوله: (فمضمون) إلى قوله: (فعدوان) كما فعل "المحرر" (١) فإن المذكور بعد ذلك تفسير العدوان، فأما ضمان العدوان .. فقد ذكره أولاً، فلا معنى لتكراره مع إيهامه أن هذه الصور غير حفر العدوان. ثانيها: أنه لا يضمن بمجرد حفر العدوان حتى يستمر العدوان إلى السقوط فيها، فلو رضي المالك بإبقائها .. زال الضمان في الأصح، وكذا لو اشترى المتعدي تلك البقعة من مالكها، وكذا لو منعه المالك من الطم كما قاله المتولي، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني، لتضمنه الرضا بإبقائها خلافاً للإمام (٢). ثالثها: يشترط في الضمان أيضاً: ألَاّ يتعدى الداخل على ما رجحه شيخنا الإمام البلقيني، وفي المسألة وجهان في "أصل الروضة" بلا ترجيح (٣)، فإن أذن له المالك في الدخول وعرفه بالبئر .. فلا ضمان، وإن لم يعرف بها .. فهل يضمن الحافر أو المالك؟ وجهان في "تعليق القاضي حسين" بلا ترجيح، قال شيخنا الإمام البلقيني: والأرجح: أنه على المالك؛ لأنه مقصر؛ لعدم إعلامه، فإن كان ناسياً .. فعلى الحافر. ٤٨١٨ - قوله: (لا في ملكه وموات) (٤) فيه أمران: أحدهما: قيد في"التنبيه" الحفر في موات بقوله [ص ٢٢١]: (ليتملكها أو لينتفع بها) وكذا في "أصل الروضة" (٥)، وكأنه للاحتراز عن حفرها عبثاً؛ فإنه عدوان يضمن به. ثانيهما: يحتمل أن مراده: لا في ملكه وموات فلا عدوان فيه، وهو الموافق لعبارة "المحرر" (٦)، أو فلا ضمان فيه وإن كان عدواناً. قال شيخنا الإمام البلقيني: وعلى كل من الاحتمالين يرد ما إذا حفر حفرة واسعة في ملكه قريباً من أرض جاره بحيث يؤدي إلى إضرار أرض جاره .. فإنه يكون متعدياً ضامناً لمن وقع في موضع

стр. 1875

التعدي، قال: وكلامهم في إحياء الموات شاهد لهذا، قال: ويرد عليه على الاحتمال الأول ما لو حفر في ملكه المرهون المقبوض بغير إذن المرتهن، أو في ملكه الذي آجره إجارة صحيحة .. فهو حفر عدوان، ولا ضمان لو سقط فيه إنسان غير متعد بالدخول، قال: فلو سقط المستأجر .. ففيه نظر، والقياس: أنه لا يضمن. قلت: إنما ينبغي أن يكون الحفر في المرهون تعدياً إذا نقصت به قيمة الأرض، وإلا .. فلا منع منه، والله أعلم. ٤٨١٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٢١]: (وإن حفر بئراً في ملكه فاستدعى رجلاً فوقع فيها فهلك؛ فإن كانت ظاهرة .. لم يضمن، وإن كانت مغطاة .. ففيه قولان) الأظهر: أنه يضمن إن لم يعلمه بها، ولا رأى أثراً يدل عليها أو كان أعمى، وقول "المنهاج" [ص ٤٨٩]: (ولو حفر بدهليزه بئراً ودعا رجلاً فسقط .. فالأظهر: ضمانه) هو من الصور الداخلة في عبارة "التنبيه" لأن ملكه أعم من دهليزه، لكنه غاير في "أصل الروضة" بينهما، فقال فيما إذا حفر في ملك نفسه: فلو دخل ملكه داخلٌ بإذنه وتردى فيه .. لم يجب ضمانه إذا عرفه المالك أن هناك بئراً، أو كانت مكشوفة والداخل متمكن من التحرز، فأما إذا لم يعرّفه والداخل أعمى أو الموضع مظلم .. ففي "التتمة": أنه كما لو دعاه إلى طعام مسموم فأكله. ولو حفر بئراً في دهليز داره ودعا إليها رجلاً فتردى فيها .. ففي الضمان قولان سبقا في أول (الجنايات)، أظهرهما: الوجوب. انتهى (١). ثم في عبارة "المنهاج" أمور: أحدها: أن مقتضاها: أنه لا قصاص في الصورة التي ذكرها؛ لذكره في موجبات الدية، وهو الأظهر في "أصل الروضة" (٢)، لكن ذكرها "الحاوي" في موجب القصاص فقال: (وتغطية بئر الممر) ويوافقه أن الشافعي ﵁ رجح في تقديم الطعام المسموم لبالغ عاقل من غير بيان حاله: وجوب القصاص، فقال: إنه أشبههما (٣)، وقد جمع في "أصل الروضة" بين هاتين المسألتين، ورجح فيهما عدم القصاص كما تقدم، ومقتضى ترجيح الشافعي في نظيرها وجوب القصاص ترجيحه فيها. ثانيها: لا بد من تقييده بألا يعلمه بها ولا يرى أثراً يدل عليها؛ لظلمة أو تغطية أو كان أعمى كما تقدم في عبارة "التنبيه".

стр. 1876

ثالثها: قد يفهم من تعبيره بالرجل أن الصبي ليس كذلك، وقد عبر به في "أصل الروضة" هنا، لكنه عبر في صدر كلامه بالداخل (١)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لو كان صبياً غير مميز .. ضمنه قطعاً، بل يجب القصاص عند التكافؤ وكذلك المكره، وقول "المنهاج": (ودعاه) يخرج الإكراه. انتهى. وحمل بعضهم كلام "الحاوي" على ما إذا كان الداخل غير مكلف. ٤٨٢٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٢١]: (وإن كان في داره كلب عقور فاستدعى إنساناً فعقره .. فعلى القولين) أي: في البئر المغطاة، ومقتضاه: تصحيح الضمان، وكذا صححه النووي في "تصحيحه"، لكن في "الروضة" الجزم بأنه لا قصاص ولا ضمان، قال: ولا يجعل على الخلاف الذي سبق في حفر البئر في الدهليز وتغطية رأسها؛ لأن الكلب يفترس باختياره، ولأنه ظاهر يمكن دفعه بالعصا والسلاح. انتهى (٢). وهذا إذا لم يعلم الداخل أنه عقور، فإن علم ذلك .. فلا ضمان جزماً، وكذلك لو كان مربوطاً فصار إليه المستدعى جاهلاً بحاله. ٤٨٢١ - قول "التنبيه" [ص ٢٢١]: (وإن حفر بئراً في طريق المسلمين .. وجب الضمان) أي: لمصلحة نفسه؛ بدليل قوله بعد ذلك: (وإن حفر البئر في طريق واسع لمصلحه الناس) (٣) ويستثنى من الضمان: ما إذا كان غير ضار؛ لسعة الطريق أو انعطاف موضع البئر وأذن فيه الإمام كما ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (٤)، وقال في "أصل الروضة": إنه الأصح، وبه قطع العراقيون والمتولي والروياني، قال: وهذا جار على ما سبق في (إحياء الموات) أن الأصح الذي عليه الأكثرون: أنه يجوز أن يقطع الإمام من الشوارع ما لا ضرر فيه، وأن للمقطع أن يبني فيه (٥). ولم يسبق له ذلك في (إحياء الموات)، والذي سبق هناك: أن لإِقطاع الإمام مدخلاً في الشوارع بالنسبة إلى الارتفاق بالجلوس فيها على الأصح عند الجمهور، وهو المنصوص (٦)، وظاهر كلامهم: إذن الإمام قبل الحفر، لكن حكى أبو الفرج الزاز عن الأكثرين أن إجازة الإمام ذلك وتقريره بعد وقوعه ينزل منزلة الإذن المقارن، وصرح به الشيخ أبو حامد في الحفر لمصلحة عامة. وقال شيخنا الإمام البلقيني: ومقتضى الفقه: عدم الفرق بينه وبين الحفر لمصلحة نفسه.

стр. 1877

٤٨٢٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٢١]: (وإن حفر البئر في طريق واسع لمصلحة الناس، أو بنى مسجداً أو علق قنديلاً في مسجد أو فرش فيه حصيراً ولم يأذن له الإمام في شيء من ذلك فهلك به إنسان .. فقد قيل: يضمن، وقيل: لا يضمن) الأصح: عدم الضمان، وعليه مشى "المنهاج" في البئر فقال: (إذا كان بغير إذن الإمام لمصلحة عامة .. فلا في الأظهر)، وهو مفهوم قول "الحاوي" [ص ٥٤٩، ٥٥٠]: (ولغرضه دون إذن الإمام) وهنا أمور: أحدها: أن كلام "التنبيه" يقتضي أن الخلاف وجهان، وصرح به في "المهذب" (١)، وسبقه إليه الشيخ أبو حامد، وحكاه في "الروضة" و"المنهاج" قولين (٢)، وحكى الرافعي في "الشرح" الخلاف في ذلك (٣). ثانيها: قد عرفت أن تقرير الإمام عليه بعد فعله كابتداء الإذن فيه كما صرح به الشيخ أبو حامد، وحكاه الزاز عن الأكثرين. ثالثها: محل الخلاف: ما إذا لم ينهه الإمام عن ذلك، فإن نهاه ففعل .. كان ضامناً، ذكره أبو الفرج الزاز، وهو ظاهر. رابعها: ما ذكره "التنبيه" في بناء المسجد هو فيما إذا بناه للمسلمين، فإن بناه لنفسه .. فكالحفر له، ذكره في "الكفاية". ٤٨٢٣ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٠]: (ومسجدٌ كطريقٍ) يقتضي أنه يجوز أن يحفر فيه بئراً لمصلحة نفسه خاصة بإذن الإمام، قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا لا يقوله أحد، قال: وأما الحفر للمصلحة العامة .. فلا يجوز أيضًا؛ لأن الواقف إنما جعل المسجد للصلاة، فإن حفر بالوعة لاحتياج المسجد إليها على وجه لا يخل بمقصود الواقف في الصلاة .. لم أمنع من ذلك. انتهى. ٤٨٢٤ - قوله: (وما تولد من جناحٍ إلن شارعٍ فمضمونٌ) (٤) مثل قول "الحاوي" في المضمونات [ص ٥٥٠]: (كالإشراع) وفيه أمران: أحدهما: أنه قد يفهم أنه يجب به ضمان الكل سواء سقط الكل أو البارز فقط، وليس كذلك، بل هو كالميزاب؛ إن سقط كله .. فالواجب النصف، أو الخارج فقط .. ضمن الكل. ثانيهما: قد يفهم الضمان ولو تولد الهلاك منه بغير سقوطه؛ كما إذا صدمه راكب شيء عال. أو سقط منه حيوان؛ كفأر ونحوه فتلف بذلك شيء، وليس كذلك، فلا ضمان فيهما كما ذكره

стр. 1878

شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لم أر من تعرض له، والقياس ما ذكرته، ولا يرد شيء من ذلك على قول "التنبيه" [ص ٢٢١]: (وإن أخرج روشناً إلى الطريق فوقع على إنسان ومات .. ضمن نصف الدية، وإن تقصف من خشبه الخارج شيء فهلك به إنسان .. ضمن جميع الدية). لكن يرد عليه: أن الروشن في اللغة: الكوة كما ذكره في "الصحاح"، فتعبيرهما بالجناح أولى؛ ولهذا عبر به ابن يونس في "النبيه" وهي عبارة "المهذب" (١)، لكن قال النووي في "التحرير": الروشن: الخارج من الخشب (٢)، ثم كلام "التنبيه" صريح في أن الضمان على المخرج للروشن؛ أي: عاقلته، ومقتضاه: استمرار ذلك ولو باعه، وكذا حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي (٣). وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح عندي: لزومه لعاقلة المالك له حالة التلف، قال: ولو تعلق بعاقلة الواضع كما قال البغوي .. لتعلق بعاقلة الصانع الذي وضعه للمالك. انتهى. ولا يرد ذلك على عبارة "المنهاج" و"الحاوي" لأنهما أطلقا الضمان ولم يبينا المضمون عليه، وإن أورده شيخنا الإمام البلقيني على "المنهاج". ٤٨٢٥ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٠]: (ويحل إخراج الميازيب إلى شارع) فيه أمران: أحدهما: محله: ما إذا كانت عالية لا تضر بالمارة كما في الجناح. ثانيهما: قيده شيخنا الإمام البلقيني بالمسلم، قال: فيمتنع على الذمي كالجناح على الأصح، قال: ويحتمل ترتيبها على الجناح؛ لأن الجناح يمشي عليه الذمي ويقعد وينام، فكان أشد من إعلاء بنائه، بخلاف الميزاب، قال: والأرجح: أنه لا فرق (٤). ٤٨٢٦ - قوله: (وإن سقط كله .. فنصفه في الأصح) (٥) يقتضي أن الخلاف وجهان، وهو في "أصل الروضة" وجهان أو قولان (٦)، وحكاه الماوردي قولين، قال: وقال الشافعي: لا أبالي بأي طرفيها أصابه؛ لأنه قتله بثقلها (٧). ٤٨٢٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٢١]: (وإن بنى حائطاً في ملكه فمال إلى الطريق فلم ينقضه حتى وقع على إنسان فقتله .. لم يجب الضمان على ظاهر المذهب، وقيل: يضمن) شرطه: أن يمكنه

стр. 1879

هدمه أو إصلاحه، كما صرح به "المنهاج" (١)، وتعبيره عنه بـ (قيل) يقتضي أن مقابله وجه بمقتضى إصلاحه، وكذا في "الروضة" وأصلها أن الخلاف وجهان، لكن الأول هو المنصوص في "المختصر" (٢)، وسوى في "أصل الروضة" بين ميله إلى الشارع وميله إلى ملك جاره (٣)، ومقتضاه: تصحيح عدم الضمان في الثانية أيضاً، لكن صحح فيها شيخنا الإمام البلقيني: الضمان. ٤٨٢٨ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٠]: (ولو سقط بالطريق فعثر به شخص أو تلف مال .. فلا ضمان في الأصح) قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: ما إذا لم يقصر في رفعه، فإن قصر في رفعه .. كان ضامناً؛ لتعديه بالتأخير. ٤٨٢٩ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولو طرح قمامات وقشور بطيخ بطريق .. فمضمون على الصحيح) (٤) فيه أمور: أحدها: محله: ما إذا كان المتعثر بها جاهلاً بها، فلو علم بها ومشى عليها قصداً .. فلا ضمان. ثانيها: قال الرافعي: ولك أن تقول قد: يوجد بين العمارات مواضع معدة لذلك، تسمى الساباطات والمزابل، وتعد من المرافق المشتركة بين سكان البقعة، فيشبه أن يقطع بنفي الضمان إذا كان الإلقاء فيها؛ فإنه استيفاء منفعة مستحقة، ويخص الخلاف بغيرها (٥). ورده شيخنا الإمام البلقيني: بأن تلك المزابل إن كانت في منعطف غير داخل في حكم الشارع .. فلا حاجة لذكرها؛ لأن الكلام في الشارع، وإلا .. فليس لهم فعل ذلك فيها حتى يقال: قد استوفوا منفعة مستحقة. ثالثها: تعبير "المنهاج" بالصحيح يقتضي ضعف مقابله، وقد قال في "أصل الروضة": إنه قطع به الجمهور (٦)، لكن نازع في ذلك شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إن مقابله قوي؛ لفعل الناس له في الأعصار والأمصار من غير إنكار، وذلك يدل على أنه من مرافق الشارع، ثم بسط ذلك، ثم قال: والأصح عندنا في قشور البطيخ: أنه يقتضي الضمان، وفي القمامة غيره: أنها لا تقتضي ضماناً. ٤٨٣٠ - قول "الحاوي" [ص ٥٤٩]: (ورشَّ ماءً لا لعامِّ مصلحةٍ) أي: فلا يضمن فيما إذا كان لعام مصلحة. محله: ما إذا لم يجاوز العادة.

стр. 1880

٤٨٣١ - قول "التنبيه" [ص ٢٢١]: (فإن حفر بئراً ووضع آخر حجراً فعثر إنسان بالحجر ووقع في البئر فمات .. وجب الضمان على واضع الحجر) و"الحاوي" [ص ٥٥١]: (وأول الشرطين؛ كحفرٍ ونصب نصلٍ فيه) محله: ما إذا كان الأول - أي: في الإتلاف - متعدياً كما صرح به "المنهاج"، قال [ص ٤٩٠]: (فإن لم يتعد الواضع .. فالمنقول: تضمين الحافر) قال الرافعي: وينبغي أن يقال: لا يتعلق بالحافر والناصب كما سنذكره فيما لو حفر بئراً عدواناً وحصل حجر على طرف البئر بحمل السيل أو بوضع حربي أو سبع فعثر رجل بالحجر ووقع في البئر فهلك .. فلا ضمان على أحد، قال: ويدل عليه أن المتولي قال: لو حفر بئراً في ملكه ونصب غيره فيها حديدة فوقع رجل في البئر فجرحته الحديدة ومات .. فلا ضمان على واحد منهما. انتهى (١). فكيف يقال: المنقول: كذا، وهذا نقل آخر يخالفه؟ ! وقد عبر في "الروضة" وأصلها بالمنقول مع ذكرهما كلام المتولي هذا (٢)، فكأنهما أرادا: المنقول المشهور، وفرق شيخنا الإمام البلقيني بين مسألتنا ومسألة السيل: بأن الأول فعل ممن يقبل الضمان، فإذا سقط عنه لعدم تعديه .. لم يسقط عن المتعدي، بخلاف السيل ونحوه؛ فإنه ليس متهيّأ للضمان أصلاً، فسقط الضمان بالكلية، ثم خالف ما ذكره الرافعي في مسألة السيل، وإن ذكره القاضي حسين وغيره، وصحح: أنه يضمن حافر البئر وفاقاً لما جزم به الماوردي فيما إذا برزت بقلة من الأرض فعثر بها مار وسقط على الحديدة المنصوبة بغير حق فمات .. أن ضمانه على واضع الحديدة (٣)، قال شيخنا: وهو القوي الجاري على القواعد. انتهى. وادعى شيخنا ابن النقيب أن قول "المنهاج" [ص ٤٩٠]: (عدواناً) يعود إلى وضع الحجر فقط؛ فإن الحافر لا شيء عليه سواء حفر متعدياً أم في ملكه، ثم قال في قوله: (فالمنقول: تضمين الحافر) أي: إذا كان متعدياً (٤)، فصرف الدلالة الظاهرة عن مدلولها، ثم احتاج بعد ذلك إلى تقديرها، فالصواب: عوده إليهما كما هو قاعدة الشافعي ﵁ ويدل لذلك أنه في "الروضة" وأصلها في تصوير هذه المسألة صورها بأن يكون حفر البئر عدواناً (٥)، والله أعلم. ٤٨٣٢ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٠]: (ولو وضع حجراً وآخران حجراً فعثر بهما .. فالضمان أثلاث، وقيل: نصفان) رجح شيخنا الإمام البلقيني: الثاني؛ لأن التعثر بالحجرين، فالتوزيع عليهما؛ لأنهما اللذان لاقيا البدن، وليس هذا كالجراحات التي لها نكاية في الباطن، بل

стр. 1881

هو إلى صورة الضربات أقرب، بل أولى بالحكم فيها. ٤٨٣٣ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٠]: (ولو عثر بقاعدٍ أو نائمٍ أو واقفٍ بالطريق، وماتا أو أحدهما .. فلا ضمان إن اتسع الطريق) تبع فيه "المحرر" (١)، وهو وهمٌ لا يعرف في غيره، والمجزوم به في "الروضة" وأصلها أن على عاقلة العاثر دية القاعد والنائم والواقف، وأما العاثر: فإنه هدر، وسواء كان القاعد أو الواقف بصيراً أو أعمى، وسواء أكان في طريق واسع كما صوره "المنهاج"، أو في ملكه أو في موات (٢)، لكن حكى شيخنا الإمام البلقيني الخلاف في ذلك، قال: بل صحح القاضي حسين والإمام والغزالي في "البسيط": أنه يهدر دم القاعد والنائم أيضاً، وإنما تجب دية الواقف، وهو ظاهر النص (٣). ٤٨٣٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٢]: (وإن قعد في طريق ضيق فعثر به إنسان وماتا .. وجب على كل واحد منهما دية الآخر) الذي في "الروضة": أن المذهب المنصوص: أن دم القاعد مهدر (٤)، وعليه مشى "الحاوي" فقال في المضمون [ص ٥٤٩]: (كأن قعد فتعثر به ماشي وهدر) أي: القاعد، وبقائم عكس، لكنه أطلق هذا الكلام، ومحله: في الضيق، فإن كان واسعاً .. فبالعكس كما تقدم، وعليه مشى "المنهاج" أيضًا فقال [ص ٤٩٠]: (وإلا .. فالمذهب: إهدار قاعد ونائم لا عاثر بهما، وضمان واقف لا عاثر به) ونازع شيخنا الإمام البلقيني في أن هذا هو المذهب، وقال: لم يصححه غير البغوي (٥)، قال: والذي يعتمد عليه في ذلك نصه في "الأم"، وهو: إهدار العاثر، وضمان الواقف والقاعد والنائم (٦)، وأنه يستوي في ذلك اتساع الشارع وضيقه. وذهب العراقيون إلى أنه إذا وقف أو قعد في طريق ضيق فعثر به إنسان وماتا .. فعلى كل واحد منهما دية الآخر، حكاه ابن الصباغ عن نصه في القديم، وقال: فأما قوله الجديد الذي نقله المزني: فدية الصادم هدر، فأكثر أصحابنا قالوا: إنما أراد: إذا كان الطريق واسعاً. انتهى. وهذا كله إذا لم يكن من الواقف فعل، فإن كان؛ بأن انحرف إلى الماشي فأصابه في انحرافه وماتا، فهما كماشيين اصطدما .. فعلى كل واحد منهما نصف دية الآخر. واعلم: أنا حيث قلنا في هذا الفصل: يجب الضمان .. فالمراد: أنه يتعلق الضمان بفعله، وهو مضروب على عاقلته.

стр. 1882

٤٨٣٥ - قول "الحاوي" [ص ٥٤٩]: (كلٌّ في شارع) كذلك المسجد، لكن لو جلس فيه لأمر ينزه المسجد عنه، أو نام غير معتكف .. فهو كما لو نام في الطريق، حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي، وأقره (١). فصل [في الاصطدام] ٤٨٣٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٢]: (وإن اصطدما فماتا .. وجب على كل واحد منهما نصف دية الآخر) لا يخفى أن الكلام في الحرين، وصرح به "المنهاج و"الحاوي" (٢)، وسنتكلم عليه بعد ذلك، وقوله: (وجب على كل واحد منهما) أي: يتعلق بفعله، وهو مضروب على العاقلة، وهي دية مخففة إن كان بلا قصد، ومغلظة مع القصد، وقد صرح بذلك "المنهاج" فقال [ص ٤٩٠]: (اصطدما بلا قصد .. فعلى عاقلة كلٍّ نصف دية مخففةٍ، وإن قصدا .. فنصفها مغلظة) أي: على العاقلة أيضاً كما يفهمه كلامه، وصرح به في "المحرر" (٣)، وهذا الذي ذكرناه من أنها مع القصد على العاقلة أيضاً هو الذي نص عليه في "الأم" (٤)، وحكاه الرافعي عن الأكثرين؛ لأن الغالب أن الاصطدام لا يفضي إلى الموت، فلا يتحقق فيه العمد المحض؛ ولذلك لا يتعلق به القصاص إذا مات أحدهما دون الآخر، وذهب أبو إسحاق إلى أنه عمد، وتجب الدية في تركتهما، واختاره الإمام والغزالي (٥)، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٧٧]: (وعلى عاقلة كلٍّ نصف دية الآخر، لا إن تعمدا) ثم قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه لو كان أحدهما ضعيفاً وحركته ضعيفة بحيث يقطع بأنه لا أثر لحركته مع الآخر .. فهو كالواقف، فيهدر القوي، وعلى عاقلته دية الضعيف كما سيأتي عن الإمام في الدابتين (٦). ٤٨٣٧ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٠] و"الحاوي" [ص ٥٧٧] فيما إذا مات مركوباهما: (وفي تركة كل نصفُ قيمة دابة الآخر) قال الإمام: لكن لو كانت إحدى الدابتين ضعيفة بحيث يقطع أنه لا أثر لحركتها مع قوة الدابة الأخرى .. لم يتعلق بحركتها حكم؛ كغرز الإبرة في جلدة العقب مع الجراحات العظيمة، حكاه عنه في "أصل الروضة" (٧)، وهو محتمل للقيد والوجه، وجعله شيخنا

стр. 1883

الإمام البلقيني قيداً، ثم أورد عليه قول الشافعي ﵁: (وسواء كان أحد الراكبين على فيل والآخر على كبش، أو كانا على دابتين سواء ومتقاربتين) (١) ثم قال: للإمام أن يقول: للكبش حركة لها وقع، والكلام في دابة ضعيفة يقطع بأنه لا أثر لحركتها مع الدابة الأخرى. قلت: للكبش حركة لكن مع صدمة الفيل .. فلا، والله أعلم. ٤٨٣٨ - قول "المنهاج" في الصبيين والمجنونين [ص ٤٩١]: (وقيل: إن أركبهما ولي .. تعلق به الضمان) فيه أمور: أحدها: قد يفهم أن المراد: ولي المال. وليس كذلك، بل المراد هنا كما قال شيخنا الإمام البلقيني: ولي الحضانة الذكر، قال: وذلك ظاهر من قول الشافعي ﵁: (أو حملهما عليها أبواهما أو ولياهما في النسب) (٢)، قال: ومن ذلك يؤخذ أن المعتق لا يدخل في ذلك، ولا كل الإناث، ولا كل ذكر لا حق له في الحضانة، ويدخل السلطان في ذلك؛ لأن له الحضانة، وإنما قيد الشافعي بالنسب؛ لإرادته الولاية الخاصة، وقد عرف انتقال الحضانة للسلطان عند فقد القريب، قال: وقد عرف أن ولاية النسب هنا لا تكون إلا بالحضانة؛ فلذلك قلنا: إن المراد به: ولي الحضانة، ولم أر من تعرض لذلك. ثانيها: قال في "أصل الروضة": الوجهان مخصوصان بما إذا ظهر ظن السلامة، فأما إذا أركبه الولي دابة شرسة جموحاً .. فلا شك أنه يتعلق به الضمان (٣). ثالثها: قال في "أصل الروضة" أيضاً: كذا أطلق جماعة الوجهين، وخصهما الإمام لإركاب لزينة أو حاجة غير مهمة، فأما إذا مست حاجة أرهقت إلى إركابه للنقل من مكان إلى مكان .. فلا ضمان قطعاً (٤). قال شيخنا الإمام البلقيني: وينبغي أن يضاف إلى ذلك: ألاّ ينسب الولي إلى تقصير فى ترك من يكون معهما ممن جرت العادة بإرساله مع الصبيان. رابعها: فهم من تعبيره بـ (قيل) أن المرجح وجه أيضًا، وبه صرح في "أصل الروضة" (٥)، وليس كذلك، بل نص عليه في "الأم" (٦).

стр. 1884

٤٨٣٩ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولو أركبهما أجنبي .. ضمنهما ودابتيهما) (١) فيه أمور: أحدها: قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": الذي يظهر لي - والله أعلم بالصواب - أن الصبيين إذا كانا حرين .. فالحر لا يدخل تحت اليد، والركوب ليس من الشروط المقتضية للضمان فضلاً عن الإركاب؛ وحينئذ .. فينبغي ألَاّ يضمن المركب من أركبه ولا من تلف بمن أركبه، وسواء أقلنا: عمد الصبي عمد أم خطأ، ويكون كما لو ركبا بأنفسهما. ثانيها: قال شيخنا المذكور في "تصحيحه": هذا مشكل على تصحيح المصنف فيمن وضع صبياً في مسبعة بحيث لا قدرة له على التخلص، فافترسه السبع .. من أنه لا ضمان وصححنا هناك خلافه، وهذه المسألة تشهد لنا؛ فإن الإركاب مع كون الصبي يستمسك في الركوب على الدابة يبعد فيه الهلاك، وطرح الصبي في الأرض المذكورة يقرب فيه الهلاك. ثالثها: قال شيخنا في "تصحيحه" أيضًا: محل ضمان الأجنبي: إذا كان مثلهما لا يضبط الدابة، فإن كان يضبطها .. فهو كما لو ركبا بأنفسهما، قال الشافعي ﵁: (فإن حملهما أجنبيان ومثلهما لا يضبط الدابة .. فدية من أصابا على عاقلة الذي حملهما؛ لأن حملهما عدوانٌ عليهما، فيضمن ما أصابا في حملهما) (٢). رابعها: قال في "الوسيط": لو تعمد الصبي والحالة هذه .. احتمل أن يحال الهلاك عليه إذا قلنا: عمده عمد؛ لأن المباشرة مقدمة على السبب، قال الرافعي: وهذا احتمال حسن، فإن قيل به .. فحكمه كما لو ركبا بأنفسهما، والاعتذار عنه تكلف (٣). ٤٨٤٠ - قول "المنهاج" [ص ٤٩١] و"الحاوي" [ص ٥٧٨]: (وعبدان مهدران) فيه أمور: أحدها: يستثنى من ذلك: ما إذا امتنع بيعهما مطلقاً؛ كابني مستولدتين أو موقوفين أو منذور إعتاقهما فلا يهدران؛ لأنهما حينئذ كالمستولدتين، وحكم المستولدتين أن على سيد كل واحدة فداء النصف الذي جنت عليه مستولدته للآخر بأقل الأمرين من قيمتها وأرش الجناية؛ لأنه باستيلادها مانع من بيعها، وإن كان لفظ العبد يتناول الأمة .. استثنيت المستولدتان أيضاً، وقد ذكرها "الحاوي" فقال [ص ٥٧٨]: (وتقاصتا في مستولدتين، وإن ساوتا مئتين، ومئةً فضل خمسون). ثانيها: ويستثنى أيضًا: المغصوبان، فعلى الغاصب فداء كل نصف منهما بأقل الأمرين. ثالثها: استثنى شيخنا الإمام البلقيني مع هاتين الصورتين: ما إذا أوصى أو وقف لأرش

стр. 1885

ما يجنيه العبدان، قال: فيصرف منه لسيد كل عبد نصف قيمة عبده، قال: وهذا وإن لم يتعرضوا له فقهه واضح. ٤٨٤١ - قول "المنهاج" [ص ٤٩١]: (أو سفينتان .. فكدابتين، والملاحان كراكبين إن كانتا لهما، فإن كان فيهما مال لأجنبي .. لزم كلاً نصف ضمانه، وإن كانتا لأجنبي .. لزم كلاً نصف قيمتهما) محله: فيما إذا كان الاصطدام بفعل الملاحين، أو قصّرا في الضبط مع إمكانه، أو سيرا في ريح شديدة، فإن لم يكن شيء من ذلك .. فذكر "التنبيه" فيه قولين: ثانيهما: أنه لا ضمان، وهذا الثاني هو الأظهر (١)، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٧٨]: (وغلبة الريح بحلفه تُهدر). ويرد عليه وعلى "المنهاج" في إطلاقهما أن الملاح كالراكب: أن الملاحين لو تعمدا الاصطدام بما يعده أهل الخبرة مفضياً إلى الهلاك فغرقا .. فنصف دية كل منهما في تركة الآخر، بخلاف المصطدمين؛ فإنه على عاقلته كما تقدم، وقد ذكر ذلك في "أصل الروضة" بالنسبة لإيجاب القصاص لأولياء الركاب على الملاحين (٢). قال شيخنا الإمام البلقيني: ويجري حكم العمد في الدية أيضاً بالنسبة إليهما، ولو مات أحدهما بما صدر من التعمد دون الآخر .. وجب القصاص على الحي بناء على إيجاب القصاص على شريك جارح نفسه، وهو المعتمد، قال شيخنا أيضاً: وقضية التشبيه: أن الراكبين لو كانا صبيين أقامهما الولي، أو أجنبي في السفينتين .. أن الحكم كذلك، ولم أر أحداً ذكره، والذي يقتضيه الفقه: القطع هنا بأنه لا ضمان على الولي والأجنبي. انتهى. ثم ما أطلقوه من أن على كل ملاح ضمان نصف المال. قال في "الكفاية": كذا أطلقوه، والمراد به: استقرار الضمان وإلا .. فلمالك كل سفينة مطالبة ملاحها بكل ضمانها، ولمالك كل مطالبة قائد سفينته بكل ضمانه، وقرار الضمان في النصف من ذلك على كل منهما، صرح به الفوراني وغيره، ووجهه تقصير كل منهما، فدخلت سفينته وما فيها في ضمانه، وقد شاركه في الإتلاف غيره، فضمنا نصفين، وقول "التنبيه" في المسألة [ص ٢٢٢]: (وقيل: القولان إذا لم يكن منهما فعل، فأما إذا سيرّا السفن ثم اصطدما .. وجب الضمان قولاً واحداً، وقيل: القولان في الجميع) نبه النووي في "التحرير" على أن كلامه الأخير تكرار؛ لأنه حكى القولين في الجميع (٣)، فقال بعضهم: لو قال: (فقيل: القولان إذا لم يكن منهما فعل) بالفاء .. لاستقام. ٤٨٤٢ - قول "المنهاج" [ص ٤٩١]: (ولو أشرفت سفينةٌ على غرق .. جاز طرح متاعها،

стр. 1886

ويجب رجاء نجاة الراكب، فإن طرح مال غيره بلا إذنٍ .. ضمنه، وإلا .. فلا) فيه أمور: أحدها: قال في "أصل الروضة": ويجب إلقاء ما لا روح فيه لتخليص ذي الروح، ولا يجوز إلقاء الدواب إذا أمكن دفع الغرق بغير الحيوان، وإذا مست الحاجة إلى إلقاء الدواب .. ألقيت لإبقاء الآدميين، والعبيد كالأحرار (١). ثانيها: استشكل ذلك شيخنا الإمام البلقيني: بأنه إن جعلت الخيرة في عين المطروح للملاح ونحوه .. فهو غير لائق، وإن توقف على إذن صاحبه .. فقد لا يأذن، فيحصل الضرر، ثم قال: إنه يحتاج إلى إذن المالك في حالة الجواز (٢) دون الوجوب (٣)، فلو كانت لمحجور .. لم يجز إلقاؤها في محل الجواز، ويجب في محل الوجوب. ولو كانت مرهونة أو لمحجور عليه بفلس أو لمكاتب أو لعبد مأذون عليه ديون .. وجب إلقاؤها في محل الوجوب، وامتنع في محل الجواز إلا باجتماع الراهن والمرتهن، أو السيد والمكاتب أو السيد والمأذون والغرماء في الصور المذكورة، فلو رأى الولي في محل الجواز أن إلقاء بعض أمتعة محجوره يسلم به باقيها .. فقياس قول أبي عاصم العبادي: فيما لو خاف الوصي استيلاء غاصب على المال فله أن يؤدي شيئا لتخليصه: جوازه هنا، والله أعلم. ثالثها: أن قوله: (رجاء نجاة الراكب) إن كان تعليلاً للمسألتين .. فكيف تصلح هذه العلة الواحدة للجواز تارة والوجوب أخرى؟ ، وإن كان للوجوب فقط .. فكيف يستقيم الجواز بدون ذلك؟ أورده شيخنا الإمام البلقيني بمعناه، ثم قال: والذي يقال في ذلك: أنه إن حصل هول خيف منه الهلاك مع غلبة السلامة .. جاز إلقاء غير ذات الروح رجاء نجاة الراكب، وإن غلب الهلاك مع ظن النجاة بالطرح .. وجب. رابعها: لا بد من تقييد الراكب بكونه محترماً؛ ليخرج الحربي والمرتد والزاني المحصن وغيرهم، فلا يلقى مال محترم لنجاة راكب غير محترم، ويرد على قول "الروضة": (ويجب إلقاء ما لا روح فيه لتخليص ذي الروح) (٤) الكلب العقور والخنزير، فلا يلقى لأجلهما ما لا روح فيه. ٤٨٤٣ - قول "التنبيه" في (باب الضمان) [ص ١٠٦]: (وإن قال: ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه فألقاه .. لزمه ضمانه) أهمل له شرطين: أحدهما: أن يقوله في حال إشراف السفينة على الغرق.

стр. 1887

والثاني: ألَاّ يختص نفع الإلقاء بالملقي فقط، فإن اختص به .. لم يصح الضمان، وقد ذكرهما "المنهاج" فقال [ص ٤٩١]: (وإنما يضمن ملتمسٌ لخوف غرقٍ، ولم يختص نفع الألقاء بالملقي) و"الحاوي" فقال [ص ٥٧٩]: (ومن قال لخوف الغرق: ألق متاعك ضامناً .. لزمه، لا إن احتاج الملقي فقط) ولم يتعرضا لإلقائه، كما صرح به "التنبيه" و"المحرر" (١) لوضوحه. ولكن فائدة ذكره: أنه لابد أن يلقيه صاحبه أو مأذونه، فلو ألقاه شخص بغير إذنه أو سقط بريح أو غيرها .. لم يلزم القائل شيء، ثم في كلامهم أمور: أحدها: قال شيخنا الإمام البلقيني: لا بد من الإشارة إلى ما يلقيه، فيقول: هذا، أو يكون المتاع معلوماً للقائل، فإن لم يكن معلوماً .. فلا يضمن إلا ما يلقيه بحضرته، ولا بد من استمراره على الضمان، فلو رجع عنه قبل الإلقاء .. لم يلزمه شيء، قال: ولم أر من تعرض له. ثانيها: أنهم لم يبينوا المضمون هل هو المثل ولو صورة كالقرض، أو القيمة مطلقاً، أو المثل في المثلي والقيمة في المتقوم؟ وصرح في "الروضة" بالقيمة. ذكره في صيغة الضمان، فقال: أو على أني ضامن قيمته، وفى الحكم: فقال: قال البغوي: تعتبر قيمة الملقى قبل هيجان الأمواج؛ فإنه لا قيمة للمال في تلك الحال. ولا تجعل قيمة المال في البحر وهو على خطر الهلاك كقيمة البر (٢). وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن سمى ثمناً حالاً أو مؤجلاً .. لزمه ما سمى، وإلا .. فإن قلنا: إن الضامن لا يملك الملقى - وبه صرح الإمام وهو الأرجح - .. لزمه مثله إن كان مثلياً، وقيمته إن كان متقوماً كالشراء الفاسد، وإن قلنا: يملكه - وهو ما صرح به الماوردي - .. لزمته قيمته من النقد باعتبار تلك الحالة لا قبل الهيجان خلافاً للبغوي، ثم قال: وعلى الجملة فالأرجح: ما قال الإمام من عدم الملك، والأرجح على هذا: ضمان القيمة مطلقاً وتعذر ضمان المثل؛ لأنه لا مثل لمشرف على هلاك إلا مشرف على هلاك، وذاك بعيد، فتعينت القيمة، قال: ولم أر من حقق ذلك. ثالثها: ما جزم به "المنهاج" و"الحاوي" من عدم اللزوم فيما إذا اختص نفعه بالملقي فقط ذكره القفال والقاضي حسين والبغوي وغيرهم (٣)، ولم يحك فيه الرافعي والنووي خلافاً، وحكى أبو الفرج الزاز في "تعليقه" عن بعض الأصحاب تصحيح هذا الضمان، وعن الشيخ أبي على: أنه على وجهين كما لو قال: أعتق عبدك عني وعليّ قيمته. قال شيخنا الإمام البلقيني: وقضيه هذا البناء تصحيح الصحة كالأصح هناك، قال: والأصح

стр. 1888

عندنا: الصحة، وللإنسان قصد في أن يسعى بدفع شيء من ماله في نجاة غيره. ٤٨٤٤ - قول "الحاوي" [ص ٥٧٩]: (وأنا والركبان ضامنون .. لزمه حصته ولزمهم حصتهم إن رضوا) ينبغي حمله على ما إذا قصد الإخبار عن ضمان سبق منهم وصدقوه، فإن قصد الإنشاء ورضوا به .. فقيل: يلزمهم، ورجحه في "الوسيط"، وقال: يسامح فيه للحاجة، بخلاف سائر العقود (١)، والظاهر كما قال الرافعي خلافه؛ لأن العقود لا توقف، وفي "أصل الروضة": إنه الصحيح (٢). ولو أذن له في الإلقاء فألقاه .. فهل تلزمه الحصة أم الجميع؛ لأنه باشر الإتلاف؟ وجهان بلا ترجيح في "الروضة" (٣)، أما لو زاد على قوله: (أنا والركبان ضامنون كل واحد منا على الكمال. أو على أني ضامن وكل واحد منهم ضامن) .. فعليه ضمان الجميع، وكذا يلزمه الجميع على الأصح إذا قال: أنا ضامن وركاب السفينة، أو على أن أضمنه أنا والركاب، أو قال: وأنا ضامن وهم ضامنون. ٤٨٤٥ - قولهما: (ولو عاد حجر منجنيق فقتل أحد رماته .. هُدِرَ قسطه، وعلى عاقلة الباقين الباقي) (٤) استثنى منه شيخنا الإمام البلقيني: ما إذا حصل ذلك بأمر صنعه رفقاؤه، وقصدوا الرفيق المذكور بسقوطه عليه، وغلبت إصابته .. فهو عمد لا تحمله العاقلة، بل في أموالهم، ولا قصاص عليهم؛ لأنهم شركاء مخطئ، قال: ولم ينبه عليه أحد، وكأنهم تركوه؛ لأنه لا يتصور عندهم، ونحن صورناه، فلا خلاف بيننا وبينهم. ٤٨٤٦ - قول "المنهاج" [ص ٤٩١]: (أو غيرهم ولم يقصدوه .. فخطأٌ، أو قصدوه .. فعمدٌ في الأصح إن غلبت الإصابة) أحسن من قول "الحاوي" [ص ٥٧٩]: (وإن أصاب واحداً وقصدوه قادرين .. فعمدٌ، وعلى مبهمٍ شبهُهُ، وإلا .. فخطأ) لأنه يتناول واحداً من الرماة، ولم يصور الأصحاب فيه العمد كما تقدم، فما أراد إلا واحداً من غيرهم، فأفصح "المنهاج" بذلك، وأيضاً فلا يختص الحكم بإصابة واحد؛ فقول "المنهاج": (غيرهم) أعم، وقوله: (قادرين) هو كقول "المنهاج": (إن غلبت الإصابة)، وقوله: (وعلى مبهم شبهه) أي: شبه عمد، هي الصورة الخارجة بمفهوم قول "المنهاج": (إن غلبت الإصابة) وقول "الحاوي": (قادرين) فإن مراده بها: ما إذا قصدوا واحداً والغالب أنه لا يصيبه وهم قادرون على إصابة غير معين، فلم يقصدوا مبهماً، ولكن لا يقع رميهم إلا على مبهم، ففي تعبيره عن ذلك قلق.

стр. 1889

ونازع شيخنا الإمام البلقيني في اعتبار غلبة الإصابة، وقال: ذكره جماعة، وهو غير معتبر على أصل الشافعي؛ لأن الغلبة إنما تعتبر في الآلة أن تهلك غالباً لا في إصابتها، فمتى أمكنت الإصابة وحصلت .. وجب القود كما لو رمى شخصاً بسهم قد يصيبه وقد لا يصيبه، فأصابه فقتله، أو ألقى حجراً من سطح على مار قد يصيبه وقد لايصيبه فأصابه فقتله .. فيجب القود فيهما، وقول "المنهاج": (في الأصح) تبع فيه "المحرر" و"الشرح الصغير" (١)، والذي في "الشرح الكبير": إنه الذي قطع به الصيدلاني والإمام والغزالي والمتولي، ورجحه البغوي والروياني، وقطع العراقيون بمقابله، وهو أنه شبه عمد، قال الرافعي: ويشبه أن يقال: الخلاف راجع إلى أنه هل يتصور تحقيق هذا القصد في المنجنيق؟ (٢). وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يثبت أحد من المصنفين في الطريقين هذا الخلاف، وإنما بعض العراقيين يقول: لا يتصور قصد رجل بعينه بالمنجنيق، وإنما يتفق وقوعه ممن وقع، وخالفهم آخرون فقالوا: إن ذلك يتصور. ٤٨٤٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٢]: (وإن وقع رجل في بئر فجذب ثانياً والثاني ثالثاً والثالث رابعاً وماتوا - أي: بوقوع بعضهم على بعض - .. وجب للأول ثلث الدية على الثاني، والثلث على الثالث ويهدر الثلث) محله: فيما إذا كان الوقوع في البئر غير مهلك، فإن كان مهلكاً، فالأول هلك بصدمة البئر أيضًا .. فديته أرباع، ربع على عاقلة الحافر إن كان الحفر عدوانا، فإن لم يكن عدواناً .. هدر أيضاً، والأرباع الباقية على ما ذكر في الأثلاث، ولا أثر للصدمة في حق الباقين، فديتهم على ما هي عليه، أما إذا كانت البئر واسعة فلم يقع بعضهم فوق بعض .. فدية كل مجذوب على عاقلة جاذبه، ودية الأول على عاقلة الحافر إن كان متعدياً. ٤٨٤٨ - قول "الحاوي" [ص ٥٧٩]: (وإن تزلق وجذب ثانياً، وهو ثالثاً .. هدر ثلث الأول، وثلثاه على الحافر والثاني) لا يخفى أن محله: إذا كان الحافر متعدياً، وإلا .. هدر ثلث آخر، والله أعلم. ٤٨٤٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٢]: (وإن تجارح رجلان فماتا .. وجب على كل واحد منهما دية الآخر) محله فيما إذا كان ذلك خطأ أو شبه عمد، فإن كان عمداً .. فدم كل منهما هدر، قاله القاضي حسين فيما حكاه عنه في "الكفاية". * * *

стр. 1890

باب العاقلة ٤٨٥٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٨]: (والعاقلة العصبات ما عدا الأب والجد والابن وابن الابن) لو عبر كـ "المنهاج" بقوله [ص ٤٩١]: (إلا الأصل والفرع) .. لكان أعم وأحسن منهما. ٤٨٥١ - قول "الحاوي" [ص ٥٥٤]: (وبعضية الجاني والمعتق مانعة) لدلالتها على أنه لو كان لها ابن هو ابن ابن عم .. لم يعقل أيضاً، وهو الأصح، ويرد عليهم جميعاً: أن في "أصل الروضة" عن المتولي من غير مخالفة: أن ذوي الأرحام يتحملون عند عدم العصبات إذا قلنا بتوريثهم، وهو الذي صححه النووي إذا لم ينتظم أمر بيت المال كما تقدم (١). ٤٨٥٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٨]: (ولا يعقل بنو أب وهناك من هو أقرب منهم) محله: ما إذا كان المضروب عليهم يفي بالواجب وهو الثلث، فإن بقي منه شيءٌ .. ضرب على من بعد الأقرب، وقد صرح به "المنهاج" فقال [ص ٤٩٢]: (ويقدم القرب، فإن بقي شيءٌ .. فمن يليه) وإليه أشار "الحاوي" بقوله [ص ٥٥٤]: (بترتيبهم إن وفوا). ٤٨٥٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٨]: (وإن اجتمع جماعة في درجة واحدة وبعضهم غيب .. ففيه قولان، أصحهما: أنهما سواء) لا يختص ذلك بما إذا كانوا في درجة، بل لو كان الغائب أقرب درجة من الحاضر .. فأصح الطريقين: طرد القولين، والمراد بالغيبة: ما يمنع التحصيل في سنة، حكاه الرافعي عن الغزالي، قال: وكلام الشافعي والأصحاب لا يساعد عليه؛ فإنهم فرضوا فيما إذا كان القاتل بمكة والعاقلة بالشام، وحكوا فيه الخلاف (٢)، وأسقط ذلك من "الروضة". ٤٨٥٤ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٢]: (ثم معتق) وهو داخل في عموم العصبات في عبارة "التنبيه"، شرطه: أن يكون ذكراً؛ فالمعتقة لا تعقل، وإنما يعقل عاقلتها، وقد ذكره "المنهاج" بعده بقوله [ص ٤٩٢]: (وعتيقها يعقله عاقلتها)، ودل عليه تعبير "الحاوي" باولياء النكاح (٣)، فيتحمل المعتق عند فقد عصبة النسب، أو إذا لم يكن فيهم كفاية، كما صرح به "المحرر" (٤)، ودل عليه قول "الحاوي" [ص ٥٥٤]: (بترتيبهم إن وفوا). ٤٨٥٥ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٢]: (ثم عصبته) أي: عند فقده، أو مع وجوده إذا بقي من الواجب شيء كسائر العصبات، وقد دخل في قول "الحاوي" [ص ٥٥٤]: (بترتيبهم إن وفوا)،

стр. 1891

ونص عليه في "المختصر" فقال: (فإن عجزت - أي: عصبات النسب - عن بعض .. حملت الموالي المعتقون الباقي، فإن عجزوا عن بعض ولهم عواقل .. عقلت عواقلهم" (١). وفي "أصل الروضة" عن الإمام والغزالي المنع؛ إذ لا حق لهم في الولاء ولا بالولاء في حياته، وتردد الإمام فيما لو لم يبق المعتق وضربنا على عصبته .. فهل يخص بالأقربين؛ لأنهم أهل الولاء والإرث، أم يتعدى إلى الأباعد كعصبة الجاني؟ ورجح الاحتمال الثاني، وجزم به الغزالي، وصرح صاحب "الشامل" و"التتمة" وغيرهما بالضرب عليهم. انتهى (٢). وقد عرفت المنصوص المعتمد، وما قاله الإمام مردود. ويستثنى من عصبة المعتق: أصله وفرعه في الأصح، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص ٥٥٤]: (وبعضية الجاني والمعتق مانعة) لكن قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": الأصح عندي: أنهما يتحملان؛ لأن المعتق يتحمل، وهما كنفس المعتق لا كنفس الجاني، ولا نسب بينهما وبين الجاني بأصلية ولا فرعية، إلا أنه في "تصحيح المنهاج" قال: إن الأول هو مقتضى النص؛ حيث قال: (وقضى عمر بن الخطاب على على بن أبي طالب ﵄ بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب، وقضى للزبير بميراثها؛ لأنه ابنها) (٣)، ولم يتعرض لتصحيح ما صححه في "الحواشي"، قال شيخنا المذكور: وإذا لم يوجد معتق من جهة الآباء .. انتقلنا إلى معتق الأم، ثم إلى عصبته غير أصوله وفروعه، ثم إلى موالي الجدات من جهة الأم ومن جهة الأب، وموالي الذكور المدلين بالإناث؛ كالجد أبي الأم، ومن جرى مجراه. انتهى. ٤٨٥٦ - قولهما: (ولا يحمل عتيق في الأظهر) (٤) وهو مقتضى تخصيص "الحاوي" ذلك بأولياء النكاح، وذكر شيخنا الإمام البلقيني أنه خلاف نص "الأم" و"مختصر المزني والبويطي"، ولا يعرف في شيء من كتب الشافعي، ثم حكى عن الشيخ أبي حامد: أن الذي نص عليه هنا أنهم يتحملون، وحكى أبو إسحق أن الشافعي قال في موضع آخر: إنهم لا يعقلون، قال: ولست أدري أين قال الشافعي هذا! إلا أنه لا يختلف أصحابنا أن المسألة على قولين، قال شيخنا: ومع قوله: أنه لا يدري أين قاله الشافعي صححه، قال شيخنا: والمذهب: ما نص عليه في كتبه، قال: ويعقل ولده ولا يعقل أبوه. ٤٨٥٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٨]: (فإن لم يكن من يعقل .. وجب في بيت المال) أي: إن كان

стр. 1892

الجاني مسلمًا، كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" (١)، والذمي والمستأمن تجب الدية في مالهما على المذهب، قال شيخنا الإمام البلقيني: وينبغي أن يعبر كعبارة الشافعي ﵁ في "الأم" و"المختصر": أن العقل على جماعة المسلمين (٢)، قال شيخنا: ولا أثبت هذا المال في بيت المال مطلقاً، بل لما هو لهم بطريق الإرث، وكذا سهم المصالح من الفيء والغنيمة على الظاهر. ٤٨٥٨ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٨]: (فإن لم يكن .. فقد قيل: يجب على الجاني، وقيل: لا يجب عليه) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٣)، وهنا أمور: أحدها: أن معنى قول "التنبيه": (فإن لم يكن) و"المنهاج": (فإن فقد) أي: مال بيت المال كما صرح به "المحرر"، فقال: (فإن لم يكن فيه مال .. أخذ الواجب من الجاني" (٤) ومقتضاه: أنه لو كان فيه مال امتنع المتكلم فيه من بذله للمجني عليه ظلماً .. لم يؤخذ من الجاني، قال شيخنا الإمام البلقيني: وليس كذلك، بل يؤخذ من الجاني وينزل منع الظلمة منزلة الفقد، ولم أر من تعرض له. ثانيها: ظاهر عبارة "التنبيه" يقتضي أن الخلاف وجهان، وتعبير "المنهاج" بالأظهر يقتضي أنه قولان، وعبارة "الروضة": فيه وجهان بناء على أن الدية تجب على العاقلة أولاً أم على الجاني ثم تحملها العاقلة؛ وفيه وجهان، ويقال: قولان، وأصحهما: تؤخذ من الجاني. انتهى (٥). وللأصحاب اضطراب في أن هذا الخلاف وجهان أو قولان، وسببه أن الخلاف المبني عليه مستنبط من كلام الشافعي. ثالثها: قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف على الإيجاب على الجاني المسلم في كلام الشافعي، وإنما قال: إنه على جماعة المسلمين، والذي نقوله على مقتضى مذهبه: أنا إذا لم نجد في بيت المال مال وراثة، وصرف سهم المصالح فيما هو أهم من هذا .. ثبت التحمل على جماعة المسلمين الموسرين والمتوسطين، وحيث يعذر الاستيعاب .. اجتهد الإمام، وضرب الواجب على من يراه على مقتضى التأجيل، هذا هو الظاهر من نصوص الشافعي، والمعنى يساعده؛ لأن بين المسلم وجماعة المسلمين موالاة. انتهى. رابعها: كما يحمل الجاني عند الفقد يحمل مع الوجود، ومع وجود العصبة الخاصة حيث لم

стр. 1893

يَفِ المضروب عليهم بثلث الدية كما قد عرف في نظائره، وحيث أخذ من الجاني .. فهي مؤجلة عليه كالعاقلة وبيت المال. والأصح: أنه لا يؤخذ من أبيه وابنه شيء. ٤٨٥٩ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٢]: (ومؤجل على العاقلة دية نفس كاملة ثلاث سنين) فيه أمران: أحدهما: أن مقتضى عبارته: أنه لا بد من تاجيل بضرب الحاكم، وليس كذلك بلا خلاف. ثانيهما: أن التقييد بالعاقلة يخرج الجاني، وليس كذلك، بل هي مؤجلة عليه أيضًا إذا أخذت منه، وقد سلم من الأمرين "التنبيه" بقوله [ص ٢٢٨]: (فإن كان دية نفس كاملة .. فهو مؤجل في ثلاث سنين) و"الحاوي" بقوله [ص ٥٥٣، ٥٥٥]: (يؤخذ آخر كل سنة قدر ثلثها من أولياء النكاح) إلى أن قال: (ثم الجاني). ٤٨٦٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٨]: (وإن كانت دية نفس ناقصة كدية الجنين والذمي والمرأة .. فقد قيل: هي كدية النفس الكاملة في ثلاث سنين، وقيل: هي كأرش الطرف إذا نقص عن الدية) الأصح: الثا ني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (١). ٤٨٦١ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٨]: (وإن جنى على عبد .. ففيه قولان، أصحهما: أن القيمة في ماله) الأظهر: أنها على العاقلة، وعليه مشى "المنهاج" (٢)، وهو مقتضى إطلاق "الحاوي" (٣). ٤٨٦٢ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٢]: (والأطراف في كل سنة قدر ثلث الدية) أهمل من "المحرر" أن أروش الجراحات كذلك، وكذا الحكومات، وأنه إن كان الواجب أقل من الثلث .. ضرب في سنة، وإن كان أكثر من الثلث ولم يزد على الثلثين .. ضرب الثلث في آخر السنة الأولى والباقي في آخر الثانية (٤)، وقد صرح بذلك "التنبيه" أيضاً (٥). ٤٨٦٣ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٢]: (وأجل النفس من الزهوق، وغيرها من الجناية) محله: في غير النفس: فيما إذا لم يسر، فإن سرت من عضو إلى عضو؛ بأن قطع إصبعه فسرت إلى كفه .. فهل ابتداء المدة من سقوط الكف أم من الاندمال. أم أرش الإصبع من يوم القطع وأرش الكف من يوم سقوطها؛ فيه ثلاثة أوجه، وبالأول قطع البغوي (٦)، وبالثاني الشيخ أبو حامد وأصحابه، وعليه مشى "التنبيه" فقال [ص ٢٢٨]: (وابتداؤها من وقت الاندمال) لكنه أطلقه،

стр. 1894

وهو محمول على ما إذا سرى، فإن لم يسر .. فمن الجناية كما تقدم، ووافقه النووي في "التصحيح" على أنها فيما إذا سرى من وقت الاندمال (١)، والوجه الثالث اختاره القفال والإمام والغزالي والروياني (٢)، ومشى عليه "الحاوي" فقال [ص ٥٥٣]: (وللجرح منه ولسراية منها) ورجحه شيخنا الإمام البلقيني، وليس في "أصل الروضة" تصريح بترجيح من عند نفسه (٣)، ومتى أخذت عبارة "المنهاج" في السراية على إطلاقها .. لم توافق واحداً من هذه الأوجه؛ فلذلك حملناها على غير حالة السراية. ٤٨٦٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٩]: (ومن مات من العاقلة قبل محل النجم .. سقط ما عليه) أي: من قسط ذلك النجم، أما ما قبله .. فلا يسقط بعد استقراره، وقول " المنهاج " [ص ٤٩٢]: (ومن مات ببعض سنة .. سقط) أبعد من هذا الإيهام. ٤٨٦٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٨]: (ولا يعقل فقير ولا صبي ولا معتوه ولا كافر عن مسلم ولا مسلم عن كافر) أهمل اعتبار الحرية، ولا بد منه، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص ٤٩٢]: (ورقيق) وفهم منه أن المكاتب لا يعقل، ولم يثعرضوا للتصريح بالمبعض، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الظاهر أنه لا يتحمل؛ لأنه ناقص بالنسبة إلى النصرة، قال: فإن أعتقه مالك الباقي فلم يسر عليه .. احتمل أن يحمل عنه معتقه بالنسبة إلى نصفه الحر، واحتمل ألَاّ يتحمل عنه، قال: والأول أرجح. ٤٨٦٦ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٢]: (ويعقل يهودي عن نصراني وعكسه في الأظهر) كذا صححه في "المحرر" و"الشرح الصغير" و"الروضة" (٤)، وليس في "الشرح الكبير" ترجيح (٥)، والمراد: الذمي والمستأمن إن زادت مدة العهد على أجل الدية ولم ينقطع قبل مضي الأجل. فالحربي لا يعقل ولا يعقل عنه، قال المتولي: فلو كان لذمي أقارب حربيون وقدر الإمام على الضرب عليهم .. بُني على أن اختلاف الدار يمنع التوارث؛ إن قلنا: نعم .. فلا ضرب، وإلا .. فوجهان، حكاه عنه في "أصل الروضة" (٦). وتعجب منه شيخنا الإمام البلقيني؛ فإن التغريم تضمين، والحربي لا يضمن ما يتلفه بنفسه؛

стр. 1895

فلأن لا يضمن ما يتلفه قريبه أولى، ولا يخفى أنه لا عقل على المرأة، والخنثى مثلها، فإن بان ذكراً .. فهل يغرم حصته التي أداها غيره؟ وجهان، قال في "أصل الروضة": لعل أصحهما: نعم (١)، قال شيخنا الإمام البلقيني: بل الأصح: أنه لا يغرم؛ لأن التحمل مبني على الموالاة والمناصرة الظاهرة، وقد كان هذا في ستر الثوب كالأنثى، فلا نصرة به. ٤٨٦٧ - قولهم: (على الغني نصف دينار، والمتوسط ربع كل سنةٍ من الثلاث) (٢) قال الرافعي: يشبه أن يكون المرعي في وجوب النصف أو الربع قدرهما، لا أنه يلزم العاقلة عين الذهب؛ لأن الإبل هي الواجب، وما يؤخذ يصرف إليها، ويوضحه قول المتولي: نصف دينار أو ستة دراهم (٣). قال البغوي: ويضبط الغنى والتوسط بالعادة، ويختلف بالبلاد والزمان (٤)، ورأى الإمام أن الأقرب اعتباره بالزكاة، فمن ملك عشرين ديناراً أو ما يساويها آخر الحول؛ أي فاضلاً عن مسكنه وثيابه وسائر ما لا يباع في الكفارة .. فغني، أو دونها فاضلاً عن حاجاته .. فمتوسط (٥)، ويشترط أن يملك شيئاً فوق المأخوذ منه، وهو الربع؛ لئلا يصير فقيرًا، وعلى هذا الثاني مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٥٣]: (من مالك فاضل عن حاجته عنده - أي: عند آخر الحول - ربع دينار وعشرين نصف) وقوله: (عشرين) معطوف على قوله: (فاضل عن حاجته) أي: يعتبر في إيجاب النصف مع ذلك ملكه عشرين ديناراً، وفي عبارته اختصار بإجحاف. ٤٨٦٨ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ويعتبران - أي: الغنى والتوسط - آخر الحول) (٦) خرج به غيرهما من الأوصاف، وهي الكفر والرق والصبا والجنون، فلو كان يأخذ هذه الصفات أول الحول وصار في آخره بصفة الكمال .. فهل تؤخذ منه حصته من واجب تلك السنة وما بعدها؛ فيه أوجه، أصحها: لا، والثاني: نعم، والثالث: لا يؤخذ منه حصته تلك السنة ويؤخذ منه حصة ما بعدها. وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذا الثالث عندي أرجح، فلو طرأ عليه الجنون في أثناء حول .. سقط واجب ذلك الحول، ولم يسقط واجب الذي قبله، حكاه الرافعي عن "التتمة" (٧)، وأسقطه في "الروضة".
следующие страницы →