← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

آخر، وهو: أن يكون المدعي وكيل الولي، ولم يعين له أحدًا - ويفرع على الأصح في التوكيل في الخصومة من غير بيان الخصم - فللولي الدعوى على الشاهدين اللذين استشهد بهما الوكيل، لكن لا تقبل عليهما شهادة الخصمين اللذين ادعى الوكيل عليهما؛ للتهمة (١). ٤٩٥٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٦٦]: (فإن شهد شاهد أنه قتله بسيف وشهد آخر أنه قتله بعصا .. فقد قيل: هو لوث، وقيل: ليس بلوث) الأصح: الثاني، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٦٨٦]: (لا إن تكاذب شاهدان بآلة وزمن ووصفٍ) و"المنهاج" فقال [ص ٤٩٨]: (ولو اختلف شاهدان في زمان أو مكان أو آلة أو هيْئَة .. لغت، وقيل: لوث) ومقتضاه: أن المرجوح وجه، والذي في كلام الرافعي ثلاث طرق: القطع باللوث (٢)، والقطع بعدمه، والأعدل قولان، أصحهما على ما في الكتاب و"التهذيب": ليس بلوث، وعبارة "الروضة": لا يكون لوثًا على المذهب (٣). * * *

стр. 1927

كتابُ البُغاة ٤٩٥٣ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٩]: (هم مخالفو الإمام) و"الحاوي" [ص ٥٨٠]: (فرقة خالفت الإمام) و"التنبيه" [ص ٢٢٩]: (إذا خرج على الإمام طائفة) قيده في "الروضة" وأصلها بإمام العدل، ويؤخذ ذلك من تعريفه (١)، وكذا قيده الشافعي في "الأم" و، "المختصر" (٢)، لكن في "الكفاية" عن القفال: أنه لا فرق في ذلك بين العادل والجائر، ويوافقه قول النووي في "شرح مسلم": إن الخروج عليهم وقتالهم حرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين (٣). وادعاء الإجماع مردود؛ لخروج الحسين على يزيد بن معاوية، وابن الزبير على عبد الملك بن مروان، ومع كل منهما خلق كثير من السلف، والمختار: التفصيل بين أن يمكن خلع الجائر بلا حرب كثير ولا فتنة عظيمة، فيجوز، بل يجب، وبين ألَّا يمكن ذلك إلا بحرب كثير وفتنة عظيمة، ففيه توقف، ومال شيخنا الإمام البلقيني في هذه الحالة الثانية إلى أنه إن كانت المفاسد الصادرة منه ومن أتباعه تربو على الفتنة .. ففيه احتمال، والأرجح: جواز الخروج عليه، بل استحبابه، وإن كانت المفسدة في الفتنة والحرب أعظم .. فيقوي الاحتمال هنا، وعلى الأرجح: الأولى ألَّا يفعل. ٤٩٥٤ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٩]: (بخروج عليه وترك الانقياد أو منع حق توجه عليهم) تفصيل لمخالفته وبيان لها، فالمخالفة بأحد أمرين: إما الخروج عليه، وهو الذي عبر "التنبيه" عنه بقوله [ص ٢٢٩]: (ورامت خلعه) وإما منع حق من غير خلع له، وقد ذكره "التنبيه" بقوله [ص ٢٢٩]: (أو منعت الزكاة أو حقًا توجه عليها) وهو من ذكر العام بعد الخاص، ولكون هذا الكلام ليس فيه احتراز عن شيء ولا زيادة قيد لم يذكره "الحاوي". وأورد شيخنا الإمام البلقيني أن من صور البغاة التي لم تتناولها عبارتهم: الفرقتين من المؤمنين اللتين اقتتلتا فاصلح بينهما المؤمنون غيرهما ثم بغت إحداهما على الأخرى، وقد نص عليها الشافعي في "الأم" و"المختصر" (٤). قلت: قد اندرجت هذه الصورة في مخالفة الإمام؛ فإن من الأمور التي يحمل الإمام الناس

стр. 1928

عليها ألَّا يمكن أحدًا من سل سيفه على أحد، واستيفاء أمور الدماء من متعلقات الإمام ليست للآحاد، فهذه الفرقة وإن لم تخرج على الإمام فقد منعت حقًا توجه عليها، وهو كف أيديهم عن إخوانهم إلا بعد الرفع للإمام، فلا يرد، واعتبر "التنبيه" في البغاة أن يكونوا مسلمين (١)، وكذا قال "الحاوي" [ص ٥٨٠]: (لا المرتد) لكن قال في "التنبيه" في قتل المرتد [ص ٢٣١]: (وإن امتنع بالحرب وأتلف .. ففيه قولان كأهل البغي) ومقتضاه: تصحيح عدم الضمان في المتلف وقت الحرب، ولم يعترضه النووي في "تصحيحه"، وحكاه في "الروضة" عن بعضهم (٢)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه المذهب المعتمد، لكن حكي ابن الرفعة عن الجمهور تصحيح الوجوب، وصححه في "المهمات"، وقال شيخنا الإمام البلقيني: يخرج من كلام الرافعي ثلاث طرق: قولان، والقطع بالتضمين وعدمه، ومن كلام غيره طريق رابع، وهي: أن فيهم قولين غير قولي البغاة، وأصحهما: الضمان، وإذا قلنا: إنهم كالبغاة .. فليس ذلك مطلقًا، وإنما هو بالنسبة إلى ضمان الإتلاف، وأيضًا فإن المرتدين لا تأويل لهم. ٤٩٥٥ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٩]: (بشرط شوكة لهم) قيدها "الحاوي" بقوله [ص ٥٨٠]: (يمكنها مقاومته) والظاهر أنه بيان للشوكة لا قيد فيها، فمتي لم يمكنها مقاومته .. لا يكون شوكة؛ ولهذا قال شيخنا الإمام البلقيني: إن تعبير "المنهاج" لا يعرف منه المقصود، وفي "المحرر": (أن يكون لهم عدد وشوكة بحيث يحتاج الإمام في ردهم إلى الطاعة إلى عدد من الرجال ونصب قتال) (٣)، ولم يصرح "التنبيه" بهذه اللفظة، بل اكتفي بقوله [ص ٢٢٩]: (وامتنعوا بالحرب)، والمقصود لا يختلف، ولم يعتبر "التنبيه" غير ذلك، وزاد "المنهاج" [ص ٤٩٩]: (أن يكون لهم تأويل) لكنه ذكر بعد ذلك أنه إذا لم يكن لهم تأويل .. فهم كالبغاة (٤). وفي "أصل الروضة": أن في ضمان ما أتلفوه طريقين: أحدهما: الوجوب قطعًا، وأصحهما: طرد القولين كالباغي (٥)، وقيد "الحاوي" التأويل بأن يكون باطلًا ظنًا (٦)، ليخرج المقطوع ببطلانه؛ كالمرتد ومانع حق الشرع والخوارج، والمراد: الحق المقطوع به كالزكاة اليوم؛ فإن المانع لها معاند لا تأويل له. وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يظهر من كلام الشافعي إطلاق التأويل، وهو الأرجح.

стр. 1929

٤٩٥٦ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٩] و"الحاوي" [ص ٥٨٠]: (ومطاع فيهم) حكاه الرافعي عن الإمام أنه قال: يجب القطع بأن الشوكة لا تحصل إذا لم يكن لهم متبوع مطاع؛ فإن رجال النجدة وإن كثروا .. فلا قوة لهم ولا شوكة إذا لم يصدروا ولم يجتمعوا على رأي. انتهى (١). ومقتضاه: أن المطاع شرط لحصول الشوكة، وليس شرطًا آخر غير الشوكة. ٤٩٥٧ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٩]: (قيل: وإمام منصوب) يقتضي أنه وجه، وقيل: إنه قول، وعبارة "أصل الروضة": وجهان، ويقال: قو لان، أصحهما عند الأكثرين: لا يشترط (٢)، وأسقط من كلام الرافعي: أن الجديد: الاشتراط، وإليه ميل صاحبي "التهذيب" و"التتمة" (٣). وقال شيخنا الإمام البلقيني: ذكر الشافعي الإمام مرة، وسكت عنه أخرى، وهو عندنا محمول على أن الفرقة التي تريد خلعه لا بد فيها من إمام، والتي تمنع حقا لا يحتاج فيها لإمام، ولم أر من حرره كذلك. ٤٩٥٨ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٩]: (ولو أظهر قومٌ رَأْيَ الخوارج - كترك الجماعات وتكفير ذي كبيرة - ولم يقاتلوا .. تركوا، وإلا .. فقطاع طريق) أي: وإن قاتلوا .. فقطاع طريق، وهو مفهوم قول "التنبيه" [ص ٢٣٠]: (وإن أظهر قوم رأي الخوارج ولم يتعرضوا لذلك بحرب .. لم يتعرض لهم) ويوافقه إطلاق "الحاوي" أن الخوارج ليسوا بغاة (٤). ويرد على الحالة الأولى: أن القاضي الحسين نقل عن الأصحاب: أنه إنما لا يتعرض لهم إذا لم يكن على المسلمين ضرر منهم، وإلا .. فيتعرض لهم حتى يزيل ذلك عن المسلمين، وعلى الحالة الثانية: أن شيخنا الإمام البلقيني قال: إن كونهم قطاع طريق انفرد به البغوي والمتولي (٥)، وهو طريق حكاه القاضي حسين، ومذهب الشافعي أن الخوارج إذا تأولوا وقامت لهم الشوكة ونصبوا إمامًا ولم نجعلهم مرتدين وقاتلوا .. أن لهم حكم البغاة، وكلامه في "الأم" و"المختصر" يدل عليه (٦)، وجرى عليه الشيخ أبو حامد وأتباعه. ٤٩٥٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٠]: (فإن ولوا قاضيًا .. نفذ من حكمه ما ينفذ من حكم الجماعة) و"الحاوي" [ص ٥٨٠]: (وفي الشهادة والقضاء كالعدل) محله: فيما لم يستحل

стр. 1930

دماءنا، فإن استحلها .. لم تقبل شهادته، ولم ينفذ قضاؤه، وقد صرح بذلك "المنهاج" (١)، والاستثناء في كلامه عائد لمسألتي الشاهد والقاضي، وأورد عليه شيخنا الإمام البلقيني: أنه أطلق قبول شهادة البغاة، وفصل في قضاء قاضيهم، فجعل الاستثناء متعلقًا بالأخيرة فقط، وهو خلاف قاعدتنا، ويشترط أيضًا مع عدم استحلاله دماء أهل العدل: ألَّا يكون خطابيًا وهم صنف من الروافض يشهدون بالزور ويقضون به لموافقيهم، فمتى كان منهم .. لم تقبل شهادته، ولم ينفذ قضاؤه لموافقيه، ونازع شيخنا الإمام البلقيني في الشرط الأول، وقال: المذهب المعتمد: نفوذ قضاء قاضيهم ولو كان ممن يستحل دماء أهل العدل بالتأويل، وإنما يمتنع حكمه على أهل العدل إذا كان ممن يستحل الحكم عليهم بالباطل؛ ليتوصل بذلك إلى إراقة دم العادل وإتلاف ماله ونحوهما. ٤٩٦٠ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٩]: (ويحكم بكتابه بسماع البينة في الأصح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وكذا في "المحرر" (٢)، لكن في "الروضة" وأصلها أنه قولان، وفي "أصل الروضة" أيضًا: لو ورد من قاضي البغاة كتاب على قاضينا ولم يعلم أنه ممن يستحل دماء أهل العدل أم لا .. ففي قبوله والعمل به قولان، حكاهما ابن كج، قال: واختيار الشافعي منهما المنع (٣). وقال شيخنا الإمام البلقيني: محل قبول قضاء قاضيهم وكتابه في الفرقة التي خلعت الإمام ونصبت غيره، فأما الأخرى .. فلا قاضي لها ينفذ حكمه ولا يعمل بكتابه. ٤٩٦١ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولو أقاموا حدًا وأخذوا زكاة وخراجًا وفرقوا سهم المرتزقة على جندهم .. صح) (٤) قيده شيخنا الإمام البلقيني بقيدين: أحدهما: أن محله: في إمام الفرقة الباغية، فأما آحاد رعيته التي لم يجعل له ذلك، أو الفرقة التي منعت واجبًا عليها من غير خروج على الإمام .. فلا يقع شيء من هذا الموقع بفعلها؛ ولهذا عبر [الشافعي] (٥) بإمامهم (٦). ثانيهما: أن محله: في الزكاة ما إذا كانت غير معجلة، أو كانت معجلة لكن استمرت شوكتهم حتى وجبت، فلو زالت شوكتهم قبل الوجوب .. لم يقع ما تعجلوه موقعه؛ لأن وقت الوجوب لم

стр. 1931

يكونوا أهلًا للأخذ، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وقد أشار الشافعي ﵁ إليه بقوله: بصدقة عامة (١). ٤٩٦٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٠]: (فإن ادعى من عليه زكاة أنه دفع الزكاة عليهم .. قُبل قوله مع يمينه، وقيل: يحلف مستحبًا، وقيل: يحلف واجبًا) الأصح: الأول، وهو خلاف ظاهر قول "المنهاج" [ص ٥٠٠]: (صدق بيمينه) وينبغي حذف الواو من (قيل) الأولى، أو جعلها فاء، ونص في "الأم" على أن تحليفه عند الارتياب به (٢). ٤٩٦٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٠]: (وإن ادعى من عليه خراج أنه دفعه إليهم .. فقد قيل: بقبل قوله، وقيل: لا يقبل) الثاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" (٣)، ومحل الخلاف: في المسلم، أما الكافر .. فلا يقبل فيه قوله كما صرح به الماوردي (٤)، ثم لا يخفي أن المراد: الدفع إلى إمامهم أو من فوض إمامهم إليه ذلك. ٤٩٦٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٠]: (ويصدق في حد إلا أن يثبت ببينة، ولا أثر له في البدن) حكاه في "أصل الروضة" عن المتولي (٥). قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو ضعيف؛ فإن الأثر لم يتعين أن يكون من الحد، فلا يصدق إذا ثبت ببينة إلا أن يقيم بينة على استيفائه. ٤٩٦٥ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وما أتلفه باغ على عادل وعكسه إن لم يكن في قتال .. ضمن، وإلا .. فلا، وفي قول: يضمن باغ) (٦) فيه أمور: أحدها: نازع شيخنا الإمام البلقيني في ضمان الباغي ما أتلفه على العدل في غير القتال، وقال: إن مذهب الشافعي المنصوص عليه في كتبه: أن الذي تتلفه البغاة على أهل العدل مع قيام شوكة البغاة وتأويلهم ونصبهم الإمام من دم ومال على التاويل لا يجب عليهم ضمان شيء منه وإن لم يكن في حال القتال، وإنما الذين يعتبر في عدم ضمانهم أن يكون الإتلاف في حال القتال هم أهل العدل أو البغاة المانعون للحق، ثم بسط وذكر أن كلام "التنبيه" موافق له، فإنه قيد إتلاف أهل العدل بحال الحرب، ولم يقيد إتلاف أهل البغي بذلك، لكن شارحه ابن الرفعة قيده بذلك، وقال: لو أتلف كل من الفريقين على الآخر شيئًا في غير القتال .. ضمنوه وجهًا واحدًا.

стр. 1932

ثانيها: قال الإمام: القولان فيما أتلف بسبب القتال وتولد منه هلاكه، فلو أتلف في القتال ما ليس من ضرورة القتال .. وجب ضمانه قطعًا كالمتلف قبل القتال، حكاه عنه في "أصل الروضة"، وأقره (١)، وذكر نحوه أبو الفرج الزاز في "تعليقه"، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إنه ظاهر، لكنه حمله على العادل والباغي مانع الحق دون الباغي الذي خلع الإمام ونصب غيره؛ فإنه لا ضمان عليه عنده مطلقًا كما تقدم. ثالثها: ظاهره طرد القول بضمان الباغي في القصاص، وهو المصحح في "الروضة" وأصلها (٢)، وفيه طريقة قاطعة بإسقاط القصاص، صححها شيخنا الإمام البلقيني. رابعها: يستثني من إطلاقه: ما لو أتلف الباغي على العادل بُضْع أمته بالوطء .. ففي "أصل الروضة": أنه يلزمه الحد، فإن أولدها .. فالولد رقيق غير نسيب، وإن كانت مكرهة .. فهل يجب المهر؟ قيل: فيه القولان في ضمان المال، وقال البغوي: ينبغي أن يجب قطعًا كما لو أتلف المأخوذ بعد الانهزام (٣). ومنع شيخنا الإمام البلقيني لزوم الحد، وكون الولد رقيقًا غير نسيب في المتأول الذي يعتقد حل الوطء، قال: وتخريج ذلك على القولين في ضمان المال متعقب؛ لأن محلهما على طريقتهم فيما تلف حال القتال بمقتضي الضرورة، ويعتبر على طريقتنا التأويل مع الشوكة. انتهى. والحق أن ذلك لا يرد؛ لأن إتلاف البضع بالوطء لا تعلق له بالقتال، والكلام إنما هو فيه. ٤٩٦٦ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٩]: (وعكسه - أي: ذو الشوكة بلا تأويل - كباغ) أي: فلا يضمن في الأظهر، وقال شيخنا الإمام البلقيني: انفرد به الإمام والغزالي، وهو مخالف لنصوص الشافعي والأصحاب في الطريقين أنه ضامن كقطاع الطريق (٤). ٤٩٦٧ - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولا يقاتل البغاة حتى يبعث إليهم أمينًا) إلى أن قال: (فإن أصروا .. نصحهم ثم آذنهم بالقتال) (٥) أهمل من "الروضة" وأصلها بعد النصح وقبل الإيذان بالقتال دعاءهم إلى المناظرة (٦)، وأجمل "الحاوي" ذلك بقوله [ص ٥٨٠]: (ونُقدِّم النذير). ٤٩٦٨ - قول "المنهاج" [ص ٤٩٩]: (ولا يقاتل مدبرهم ولا مثخنهم وأسيرهم) لو قال: (لا

стр. 1933

يقتل) .. لكان أحسن، وقد عبر "المحرر" في الأولى بالقتال، وفي الآخرين بالقتل (١)، وقد يتجه في المدبر المقاتلة بخلاف المثخن والأسير، واستعمال قاتل هنا؛ كعاقبت اللص وطارقت النعل ونحوهما غير معروف، والذي ورد في الأثر: "لا يتبع مدبرهم" (٢)، وفي رواية: "لا يقتل مدبرهم" (٣)، وبذلك عبر الشافعي وأصحابه (٤)، وعبارة "التنبيه" [ص ٢٢٩]: (ولا يتبع في الحرب مدبرهم، ولا يذفف على جريحهم) و"الحاوي" [ص ٥٨٠]: (ولا يَتْبَعُ المدبر) والمراد: المدبر غير متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة قريبة، فإن كان إلى فئة بعيدة .. فلا يتبع في الأصح، وقد يقال: هذا ليس بمدبر، وكما لا يقتل مدبرهم لا يقتل من ألقي سلاحه وأعرض عن القتال، وقد يفهم من منع قتل هؤلاء وجوب القصاص بقتلهم، وفي الرافعي في قتل الأسير وجهان، وصحح النووي: أنه لا قصاص (٥)، ونص عليه في "البويطي" كما حكاه الروياني في "البحر". ٤٩٦٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٩]: (وإن أسر منهم رجلًا .. حبسه إلى أن تنقضي الحرب) اعتبر في "المنهاج" مع انقضاء الحرب تفرق جمعهم (٦)، وزاد "الحاوي" على ذلك: أن يؤمن اجتماعهم ولا يتوقع عودهم فقال [ص ٥٨٠]: (إن أُمِنْ) وفي ذلك وجهان، وعبارة "أصل الروضة": فإن توقع عودهم .. ففي الإطلاق الوجهان السابقان؛ أي: فيما لو بطلت شوكتهم في الحال ولم يؤمن اجتماعهم في المال (٧)، ورجح شيخنا الإمام البلقيني أنه لا يطلق حتى يؤمن اجتماعهم أخذًا بالاحتياط، قال: ويدل له ما ذكروه في رد السلاح والخيل من اعتبار أمن غائلتهم بعودهم إلى الطاعة أو تفرق شملهم، وقال الرافعي هنا: وهو وقت إطلاق الأسرى (٨)، وأسقطه في "الروضة"، وهو صريح في أن وقتهما واحد. ٤٩٧٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٠]: (وإن أسر امرأة أو صبيًا .. خلاه على المنصوص، وقيل: يحبس) الأصح: حبسهما أيضًا إلى انقضاء الحرب، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٨١]: (وغيرًا كالنساء بعد الحرب) وهو الذي في "المحرر" و"الروضة" وأصلها (٩)، لكن خالف في "المنهاج" فجعلهما كغيرهما في أنه لا يكتفى في إطلاقهما بانقضاء الحرب، بل لا بد من تفرق

стр. 1934

جمعهم (١)، ثم ظاهر عبارة "التنبيه": أن العبد البالغ كالحر، وأن المراهق كغيره من الصبيان، لكن في "أصل الروضة": أطلق جماعة أن العبيد والمراهقين كالنساء، وقال الإمام والمتولي: إن كان يجيء منهم قتال .. فهم كالرجال في الحبس والإطلاق، وهذا حسن (٢). قال شيخنا الإمام البلقيني: وما استحسنه مخالف لمقتضي نص الشافعي في تسوية العبيد والمراهقين إذا لم يقاتلوا بالنساء. انتهى. ثم لا يخفي أن محل الحبس فيمن لم يطع باختياره، وقد صرح به "المنهاج" (٣)، وأن الصبي والمرأة إذا قاتلا .. التحقا بالرجال؛ ولهذا عبر "الحاوي" [ص ٥٨٠، ٥٨١] بـ (أهل القتال وغيرهم). ٤٩٧١ - قول "الحاوي" [ص ٥٨٠]: (كردِّ السلاح والخيل بلا استعمال إن أُمن) محل منع الاستعمال في غير الضرورة؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٥٠٠]: (ولا يُستعمل في قتال إلا لضروره) لكنه يفهم منع استعماله في غير القتال ولو لضرورة، وفيه انظر، وفي "أصل الروضة" تشبيه ذلك بأكل مال الغير لضرورة (٤)، ومقتضاه: لزوم أجرة الاستعمال على المستعمل. ٤٩٧٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٠]: (ولا يقاتلهم بما يعم؛ كالمنجنيق والنار إلا لضرورة) أحسن من قول "المنهاج" [ص ٥٠٠]: (بعظيم) لأنه لا يلزم من كونه عظيمًا أن يعم، وعبارة "أصل الروضة": بما يعم ويعظم أثره (٥)، وهذا مراد "المنهاج" بالعظم، وفسر "المنهاج" الضرورة فقال [ص ٥٠٠]: (بأن قاتلوا به أو أحاطوا بنا) وفي كلا الصورتين انظر، أما الأولى: فلا يكفي قتالهم به حتى ينضم إليه تعذر دفعهم بغيره؛ كالانتقال إلى موضع آخر، وإليه أشار في "أصل الروضة" بقوله: واحتجنا إلى المقاتلة بمثلها دفعًا (٦)، وأما الثانية: فلا بد مع الإحاطة بنا إلى الاضطرار إلى ذلك لخوف الاصطدام؛ ولهذا قال في "الروضة": أحاطوا بنا واضطررنا إلى الرمي بالنار ونحوها (٧)، وعبارة الشافعي: (أو يحيطون به فيخاف الاصطدام على من معه) (٨) ولهذا قال "الحاوي" [ص ٥٨١]: (ويقاتل بالمنجنيق والنار إن خيف الاصطدام) ولم يذكر

стр. 1935

الأولى؛ لدخولها في الثانية بالشرط المتقدم، فالمدار حينئذ على خوف الاصطدام خاصة، والله أعلم. وعبارتهم تقتضي منع قتالهم بالعام بلا ضرورة، لكن عبارة الشافعي: (أَحَبُّ إليّ أن يتوقَّي ذلك منهم ما لم تكن ضرورة) (١)، ومقتضاها: الجواز، إلا أنه فرض ذلك في المتحصنين، فالذين هم في صحراء يحرم قتالهم بعام، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وفيه انظر؛ فالمتحصنون أولي بالمنع؛ لأنه لا يمكنهم الهرب، بخلاف الذين في صحراء، والله أعلم. ٤٩٧٣ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولا يستعان عليهم بمن يري قتلهم مدبرين) (٢) يستثني منه: ما لو احتاج إلى الاستعانة بهم .. فيجوز بشرطين: أحدهما: أن يكون فيهم جرأة وإقدام. والثاني: أن يتمكن من منعهم لو اتبعوه، كذا في "الروضة" وأصلها (٣)، وفي "تعليق القاضي حسين" عن الأصحاب عن الشافعي: التفصيل بين أن يكون بالإمام قوة تضبطهم أم لا، فاقتضي على شرط واحد، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي نص عليه في "الأم" اعتبار القوة للإمام، وألَّا يوجد غيرهم يكفي كفايتهم، وأن يكونوا أَجْرَأ في قتالهم من غيرهم. انتهى. وزاد الماوردي: اشتراط أن يثق بما شرط عليهم ألَّا يتبعوا مدبرًا، ولا يقتلوا جريحًا (٤)، والاستعانة عند عدم الحاجة غير جائزة كما في "الروضة" وأصلها (٥)، لكن عبارة الشافعي: (ولا أحب أن يقاتلهم) مع تعبيره في الاستعانة بالكافر بعدم الجواز (٦). ٤٩٧٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٠]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٥٨١]: (ولو استعانوا علينا بأهل حرب وأمّنوهم .. لم ينفذ أمانهم علينا، ونفذ عليهم في الأصح) المراد: أمّنوهم على أن يقاتلونا معهم، فلو أمنوهم أولًا .. صح الأمان علينا أيضًا، فإذا استعانوا بهم علينا .. انتقض أمانهم علينا، نص عليه. ويستثنى من عدم نفوذ الأمان: ما إذا قالوا: ظننا أنه يجوز لنا أن نعين بعض المسلمين على بعض، أو أنهم المحقون، أو أنهم استعانوا بنا في قتال كفار .. فالأصح في "أصل الروضة": أنا

стр. 1936

نبلغهم المأمن ونقاتلهم قتال البغاة، ولا نتعرض لهم مدبرين (١)، ولهذا قال "الحاوي" [ص ٥٨١]: (وإن ظنها المحقة .. نترك المدبر) لكن يشترط مع ظنها المحقة: أن يقولوا: وظننا أن لنا إعانة المحق؛ ذكره الرافعي، وأهمله في "الروضة" (٢). ٤٩٧٥ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٠]: (ولو أعانهم أهل الذمة عالمين بتحريم قتالنا .. انتقض عهدهم، أو مكرهين .. فلا، وكذا إن قالوا: "ظننا جوازه" أو "أنهم محقون" على المذهب، ويُقَاتَلون كبغاةٍ) فيه أمور: أحدها: أن قوله: (انتقض عهدهم) وقول "الحاوي" [ص ٥٨١]: (بطل) يقتضي انتقاضه مطلقًا حتى في حق أهل البغي، وهو الذي ذكره البغوي وغيره (٣)، وفي "البيان": أنه ينبغي أن يكون في انتقاضه في حق البغاة الخلاف في أهل الحرب (٤)، لكنا نقول: كان الأمان هناك خاصًا ابتداءً بأهل البغي .. فنفذ عليهم خاصة، والذمة هنا كانت مطلقة .. فانتقضت مطلقًا. ثانيها: أن قوله: (عالمين بتحريمه) احترز به عما ذكره آخرًا من قولهم: ("ظننا جوازه" أو "أنهم محقون") ويخالفه قول "الحاوي" [ص ٥٨١]: (وإن جهل الحق) لكنه عقبه بقوله: (إن لم يبد عذرًا) وحمله من تكلم عليه على قولهم: ("ظننا جوازه" أو "أنهم محقون") وهذه هي صورة جهل الحق، فكيف اجتمع هذان الكلامان المتناقضان؟ ينبغي النظر في هذا. ثالثها: عبارته تقتضي أنه لا خلاف في أن المكره لا ينتقض عهده، وليس كذلك، بل فيه الطريقان، وعبارة "الروضة" فيه: وإن قالوا: كنا مكرهين .. لم ينتقض على المذهب (٥)، فكان ينبغي لـ "المنهاج" الجمع بين هذه المسألة والتي بعدها بعبارة واحدة. رابعها: أن تعبيره بقوله: (أو مكرهين) مع قوله في التي بعدها: (قالوا: ظننا) وتعبير "الحاوي" بقوله [ص ٥٨١]: (وإن أكره .. فكهي) أي: كالباغية، مع قوله في الأخرى: (إن لم يبد عذرًا) يقتضي ثبوت الإكراه، وليس كذلك، بل يكفي ذكرهم ذلك. خامسها: قوله: (ويقاتلون كبغاة) قد يفهم أنهم لا يضمنون ما أتلفوه في حال القتال كالبغاة، وليس كذلك، وأقوي من ذلك في هذا الإيهام قول "الحاوي" [ص ٥٨١]: (وإن أكره .. فكهي) لأن "المنهاج" صرح بأن تشبيههم بالبغاة في قتالهم، وضمان الإتلاف شيء آخر، بخلاف

стр. 1937

"الحاوي" فإنه أطلق تشبيه المكره بالباغي، فالظاهر منه استواء جميع الأمور في ذلك، وهل يجب عليهم القصاص؟ فيه وجهان بلا ترجيح في "الروضة" وأصلها (١)، وصحح شيخنا الإمام البلقيني الوجوب، وقال: إنه ظاهر نص الشافعي ﵀. ٤٩٧٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٢٩]: (ويتجنب قتل ذي رحمه) قال في "الكفاية": إلا أن يقصد المحرم قتله .. فلا يكره إذ ذاك قتله. * * *

стр. 1938

بابُ أدب السلطان ٤٩٧٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٩]: (وينبغي أن يكون الإمام ذكرًا بالغًا عاقلًا عدلًا عالمًا بالأحكام الشرعية كافيًا كما يتولاه من أمر الرعية وأعباء الأمة وأن يكون من قريش) فيه أمور: أحدها: أن المراد: اشتراط ذلك كما صرح به "المنهاج" (١)، ودل عليه كلام "الحاوي" (٢)، وصرح به "التنبيه" بعد ذلك في قوله [ص ٢٤٩]: (فإن اختل شرط من ذلك .. لم تصح التولية). ثانيها: أهمل "المنهاج" اشتراط العدالة، وذكرها "الحاوي" بقوله [ص ٦٥٨]: (أهل للشهادات)، ولا يقال: إن "التنبيه" و"الحاوي" أهملا ذكر الإسلام؛ فقد دخل في العدالة، فلو فعل "المنهاج" كما فعلا من اشتراط العدالة وإهمال التصريح بالإسلام لدخوله تحت العدالة .. لكان أولي، وقد يقال: دل على ذلك بقوله بعده: (وباستيلاء جامع الشروط، وكذا فاسق) (٣) فإنه يدل على أن العدالة من الشروط، وقد يقال: لا يدل على ذلك؛ لدلالة اعتبار العدالة على أنه لا يصح ولاية المستور، ولا تدل عبارة "المنهاج" هذه على ذلك. ثالثها: المراد العلم بالأحكام الشرعية بالاجتهاد كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" (٤). رابعها: دخل في "الكفاية" لما يتولاه الشجاعة والرأي والسمع والبصر والنطق، وقد صرح به "المنهاج" (٥)، ودخلت في قول "الحاوي" أيضًا [ص ٦٥٨]: (كاف) وإن كان قد جمع في هذه اللفظة بين كفاية القضاء وكفاية الإمامة؛ فالمراد بهما فيهما مختلف؛ فالشجاعة معتبرة في الإمامة دون القضاء، فالتصريح بذكرها أولى، وقد يقال: دخل في تعبير "التنبيه" و"الحاوي" اشتراط سلامته من نقص يمنع استيفاء الحركة وسرعة النهوض؛ لأنه لا كفاية بدون ذلك، وهو الأصح في "أصل الروضة" (٦)، ولم يدخل ذلك في تفصيل "المنهاج"، وفي "الروضة" من زيادته: إن ضعف البصر إن منع معرفة الأشخاص .. منع انعقاد الإمامة واستدامتها، وإلا .. فلا (٧)، فقد يورد ذلك عليهم، وقد يقال: لا يرد؛ لأنه بمنزلة فاقد البصر.

стр. 1939

خامسها: اشتراط كونه قرشيًا ذكره "المنهاج" أيضًا (١)، وأهمله "الحاوي"، ومحله: عند وجود قرشي مستجمع للشروط، وإلا .. فكنابي، فإن لم يوجد .. فرجل من ولد إسماعيل ﵇، فإن لم يوجد .. ففي "التهذيب": أنه يولي رجل من العجم، وفي "التتمة": أنه يولى جرهمي، وجرهم أصل العرب، فإن لم يوجد .. فرجل من ولد إسحاق ﵇ (٢). ٤٩٧٨ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٩]: (وإن زال شيء من ذلك بعد التولية .. بطلت ولايته) يستثنى منه: الفسق، فلا تبطل ولايته بطروه، وعليه مشى "الحاوي" (٣)، وأشار إليه "التنبيه" في دفع الزكاة إلى الإمام الجائر (٤). ٤٩٧٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٨، ٢٤٩]: (ولا تنعقد الأمامة إلا بتولية الإمام قبله أو باجتماع جماعة من أهل الاجتهاد على التولية) فيه أمور: أحدها: يرد على حصره في الأمرين ثالث، وهو: الشوكة، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص ٥٠٠]: (واستيلاء جامع الشروط، وكذا فاسق وجاهل في الأصح) قال الشيخ عز الدين في "القواعد": لو استولى الكفار على إقليم، فولوا القضاء رجلًا مسلمًا .. فالذي يظهر انعقاده، قال: ولو ابتلينا بولاية امرأة أو صبي فولى قاضيًا .. ففي نفوذه وقفة (٥). وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن العبد أولى بانعقاد الولاية له بالشوكة من الفاسق، قال: والأخبار الصحيحة تقتضي انعقادها لعبد يقود الناس بكتاب الله تعالى، قال: ولو قامت الشوكة لامرأة .. فالظاهر أنه ينعقد ما يصدر منها؛ للضرورة. ثانيها: عبر ابن يونس في "النبيه" بدل قوله: (بتولية الإمام قبله): (بعهده) قال في "التنويه"؛ لأنها توهم أن الثاني يكون إمامًا في الحال تنفذ أحكامه فيمن ولاه، وليس كذلك، فالمراد: أن يعقد له في حياته الخلافة بعده، ويشترط قبول المعهود إليه، والأصح: أن وقت قبوله ما بين عهد الخليفة وموته، كذا في "الروضة" (٦). وقال شيخنا الإمام البلقيني: ينبغي أن يكون الأصح: اعتبار القبول على الفور، وليس هذا كالإيصاء، ولو شبه بالإيصاء .. فلا يكون قبوله إلا بعد الموت على ما رجح في الوصاية. انتهى.

стр. 1940

ولو أوصى إليه بالإمامة .. فوجهان بلا ترجيح في "الروضة" (١)؛ لأنه بالموت خرج عن الولاية، فلا يصح منه تولية غيره، واستشكله الرافعي بالوصي (٢). ثالثها: أن عبارته تقتضي الاكتفاء ببعض أهل الاجتهاد، وليس كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج": (والأصح: بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم، وشرطهم صفة الشهود) والمراد: أهل الحل والعقد بذلك البلد، ولا يشترط ذلك في جميع البلاد، بل إذا بويع لواحد ببلد .. وجب على من بلغه الخبر الطاعة، وذكر الماوردي أنه يشترط فيهم أيضًا العلم والرأي، قال النووي: وهو كما قال (٣). فإن قلت: قد قال أولًا: من العلماء. قلت: (من) البيانية إذا دخلت على أشياء .. يختلف اعتبار اجتماعها بحسب الحال، وهنا لا يعتبر لنا الأمر فيه على التيسير. رابعها: مقتضي كلامهما: اعتبار عدد، وفي "أصل الروضة": إنه لا يعتبر، حتى لو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع .. كفت بيعته؛ لانعقاد الإمامة (٤). خامسها: يشترط مع ذلك: الإشهاد على البيعة إن كان العاقد واحدًا دون ما إذا كان جمعًا، كما صححه في "الروضة" من زيادته، وفي "الإرشاد" لإمام الحرمين: قال أصحابنا: يشترط حضور الشهود؛ لئلا يُدَّعَي عقد سابق؛ ولأن الإمامة ليست دون النكاح، لكن اختيار الإمام انعقادها بواحد (٥). ٤٩٨٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٩]: (وإن عقد لهما معًا أو لم يعلم الأول منهما .. استؤنفت التولية) قد يفهم جواز استئناف تولية ثالث، والأصح من زيادة "الروضة": منعه. ٤٩٨١ - قوله: (ولا يتخذ حاجبًا ولا بوابًا) (٦) محله: في وقت انتصابه للحكم، أما في أوقات الخلوة .. فلا كراهة فيه، وكذا عند الزحمة أيضًا. ٤٩٨٢ - قوله: (وينظر في أموال الفيء والخراج والجزية) (٧) هما نوعان من الفيء، وعطفهما عليه يوهم خلاف ذلك.

стр. 1941

٤٩٨٣ - قوله: (ويصرف ذلك في الأهم فالأهم من المصالح ... إلى آخره) (١) الأصح: صرف الفيء لأجناد المسلمين، والذي للمصالح هو خمس الخمس كما ذكره في (قسم الفيء) (٢). * * *

стр. 1942

كتابُ الرِّدَّة ٤٩٨٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٠١]: (هي: قطع الإسلام بنيةٍ أو قولِ كفرٍ أو فعلٍ، سواء قاله استهزاءً أو عنادًا أو اعتقادًا) فيه أمور: أحدها: أن قوله (بنية) ليس في "المحرر" و"الروضة" و"الشرحين" و"الحاوي"، وذكره ليدخل في الضابط العزم على الكفر في المستقبل؛ فإنه كفر في الحال. ثانيها: كان ينبغي تأخير ذكر القول عن الفعل كما في "الحاوي" (١) لأن التقسيم فيه. ثالثها: تعبيره بـ (أو) في قوله: (أو عنادًا أو اعتقادًا) أحسن من تعبير "الحاوي" بـ (الواو) (٢) لأن أحدها كاف، وأورد شيخنا الإمام البلقيني عليهما أمورًا: أحدها: أن عبارتهما لا تتناول كفر المنافق؛ فإنه لم يسبق له إسلام صحيح. ثانيها: أن ذلك لا يتوقف على قطعه الإسلام بنفسه، فولد المرتدين المنعقد في ردتهما صحح النووي: أنه مرتدٌ إذا لم يكن له أصل مسلم (٣)، لكن سيأتي تصحيح أنه مسلم. ئالئها: أن المنتقل من كفر إلى كفر حكمه حكم المرتد في أنه لا يقبل منه إلا الإسلام، فإن لم يفعل .. قتل. ٤٩٨٥ - قول "المنهاج" [ص ٥٠١]: (أو أحل مُحَرَّمًا بالإجماع وعكسه، أو نفي وجوب مجمعٍ عليه، أو عكسه) و"الحاوي" [ص ٥٨٢]: (وجحد مجمع) كذا أطلقه الرافعي (٤)، وقيده النووي في "الروضة" بأن يعلم من دين الإسلام ضرورة، وإن لم يكن فيه نص في الأصح (٥)، يخالف ما لو لم يعرفه إلا الخواص، ولو كان فيه نص؛ كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وتحريم نكاح المعتدة؛ فإنه لا يكفر بجحده، ونازعه شيخنا الإمام البلقيني في التمثيل بنكاح المعتدة؛ لشهرته، وقال شيخنا أيضًا: ينبغي أن يقول: بلا تأويل؛ ليخرج البغاة والخوارج الذين يستحلون دماء أهل العدل وأموالهم، ويعتقدون تحريم دمائهم على أهل العدل، والذين أنكروا وجوب الزكاة عليهم بعد رسول الله ﷺ بالتأويل؛ فإن الصحابة ﵃ لم

стр. 1943

يكفروهم، قال البارزي: ويشترط أن يكون ممن لا يجوز أن يخفي عليه ذلك الحكم كما لو كان قريب العهد بالإسلام؛ فإنه لا يكفر. وأجيب عن ذلك: بأن لفظ الجحد في عبارة "الحاوي" يخرجه (١)، فإنه في اللغة: إنكار شيء سبق الاعتراف به. ٤٩٨٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٠١]: (ولو ارتد فجن .. لم يقتل في جنونه) يستثنى منه: ما إذا استتيب قبل جنونه فلم يتب وجن .. فإنه لا يحرم قتله، ولا يقال: خرجت هذه الصورة بإتيانه بالفاء الدالة على التعقيب في قوله: (فجن) لأن الظاهر أنه إنما قصد بذلك الاختصار؛ بدليل تعبيره في "المحرر" و"الروضة" وأصلها بـ (ثم) (٢)، قال البغوي: وهذا احتياط، فلو قتل .. فهدر (٣). قال في "المهمات": وظاهره الاستحباب، وهو غير مستقيم؛ فإن تصحيح وجوب الاستتابة ينفيه. ٤٩٨٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٣١]: (وتصح ردة السكران، وقيل: فيه قولان) صحح في "الروضة" وأصلها طريقة القولين (٤)، وأصحهما: الصحة، وقول "المنهاج" [ص ٥٠١]: (والمذهب: صحة ردة السكران) لا يدل على ترجيح طريقة القطع، وإنما يدل على أن في المسألة طريقين أو طرقًا من غير بيان الراجح منها. ٤٩٨٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٠١]: (وتقبل شهادة بردة مطلقًا، وقيل: يجب التفصيل) و"الحاوي" [ص ٥٨٢]: (ويُقبل مطلق شهادة الردة) فيه أمور: أحدها: قال في "المهمات": المعروف وجوب التفصيل، صرح به القفال والماوردي والغزالي وصاحبا "المهذب" و"البيان" والشاشي وابن أبي عصرون، وهو مقتضي كلام القاضي أبي الطيب (٥)، وأجاب الرافعي في تعارض البينتين بنحوه (٦)، ويؤيده أن الأصح: أن الشهادة على الجرح لا تقبل إلا مفسرة، والإخبار بتنجيس الماء لا يقبل من غير الفقيه الموافق إلا مع بيان السبب، وأن الأكثرين على أن الشهادة على الرضاع لا تقبل إلا مع التعرض للشرائط. انتهى. وصححه أيضًا السبكي، ومال إليه الشيخ برهان الدين بن الفركاح، وقال شيخنا الإمام

стр. 1944

البلقيني: إن الخلاف الذي خرج الإمام عليه هذا وهو الخلاف في اشتراط تفصيل الشهادة في (البيع) ونحوه لا يعرف، قال: والتخريج غير صحيح، والأصل المخرج عليه ليس بثابت. ثانيها: قال شيخنا الإمام البلقيني: محل الخلاف في الشهادة بالردة عن الإيمان، فلو شهدا بأنه ارتد ولم يقولا: عن الإيمان؛ أو كفر ولم يقولا: بالله .. فلا تقبل هذه الشهادة قطعًا، قال: وقد قاتل الصديق ﵁ أهل الردة، وهم ضربان: ضرب ارتدوا عن الإيمان، وضرب ارتدوا عن أداء الواجب عليهم، وأطلق الناس على الجميع أهل الردة، ونص الشافعي على ذلك، وقال: (هو لسان عربي، فالردة: الارتداد عما كانوا عليه بالكفر، والارتداد بمنع الحق، ومن رجع عن شيء .. جاز أن يقال: ارتد عن كذا) (١). ثالثها: استثنى شيخنا أيضًا من محل الخلاف: ما إذا كان الشاهدان من الخوارج الذين يكفرون بارتكاب الكبائر، فلا تقبل شهادتهما إلا مفصلة قطعًا. رابعها: كذا حكي "المنهاج" الخلاف وجهين، وهو في "الروضة" قولان (٢)، قال في "المهمات": وهما مخرجان، فلا اعتراض عليه، وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس في المسألة قولان ولا وجهان إلا من تخريج الإمام الذي لا يصح، والمسألة مقطوع فيها بوجوب التفصيل، وهو المعتمد الذي لا يجوز غيره. ٤٩٨٩ - قوله: (فعلى الأول: لو شهدوا بردة فأنكر .. حُكِمَ بالشهادة) (٣) لا يختص هذا التفريع بالأول، بل يأتي على الوجه الثاني إذا فصَّلا وأنكر، وكان ينبغي أن يقول: (لو شهدا) بالتثنية بدل الجمع. ٤٩٩٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٣١]: (وأما المكره: فلا تصح ردته، وكذا الأسير في يد الكفار) قال ابن الرفعة: أي: مقيدًا أو محبوسًا، قال: وهذا ما حكاه الرافعي عن النص (٤)، لكن في كلام الأصحاب ما يقتضي خلافه؛ فإنهم قالوا فيمن شهد بردته: إن ادعى الإكراه وشهدت له قرينة الحال بأنه كان في أسر الكفار أو محفوفًا بجماعة منهم وهو مستشعر .. صدق بيمينه، وإلا؛ بأن كان في دار الإسلام أو في دار الحرب وهو آمن .. لم يقبل قوله، قال: وهذا يقتضي أن محل عدم الحكم بردته: إذا ادعى الإكراه مع كونه في أيدي الكفار، أما قبل الدعوى واليمين .. فلا. انتهى. وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص ٥٠١]: (ولو قال: "كنت مكرهًا" واقتضته قرينةٌ كأسر

стр. 1945

كفار .. صُدق بيمينه، وإلا .. فلا) وعبر عنه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بلفظ الصواب، فقال: الصواب صحة ردة الأسير في يد الكفار على عكس ما في "التنبيه"، إلا أن يدعي إكراهًا .. ففي "الروضة": أنه يسمع، وممن أنكر كلام الشيخ ابن الرفعة أيضًا (١)، واعترض النشائي على التعبير في ذلك بالصواب؛ لأن الرافعي مع قوله: وفيما سقناه دلالة بينة على أنه لو شهدوا بالردة على الأسير ولم يدع الإكراه .. يحكم بردته، أشار إلى حكاية وجه عن القفال (٢)، وحمل في "التوشيح" كلام "التنبيه" على أن المراد: عدم الحكم بردته ظاهرًا لا باطنًا، وظن أن ذلك يخلصه من دفع الإيراد، وليس كذلك؛ لأنا لا نحكم به في الظاهر إلا بعد دعواه وحلفه عليه كما تقدم، والله أعلم. ٤٩٩١ - قول "المنهاج" [ص ٥٠١]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٥٨٢]: (ولو قالا: "لَفَظَ لَفْظَ كفرٍ" فادعي إكراهًا .. صدق مطلقًا) أي: بدون قرينة على ذلك، حكاه في "الروضة" وأصلها عن الشيخ أبي محمد وأنهم تابعوه (٣)، قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو متعقب، وقد حكيا بعده عن النص: أنه لو شهد الشهود على أنه تلفظ بالكفر وهو محبوس أو مقيد .. لم يحكم بكفره، وإن لم يتعرض الشهود للإكراه (٤)، وهذا يرد كلام أبي محمد، قال: وفي "أصل الروضة" في الإكراه في الطلاق: أنه لو تلفظ بالطلاق ثم قال: كنت مكرهًا وأنكرت .. لم يقبل قوله، إلا أن يكون محبوسًا أو كان هناك قرينة أخرى (٥)، قال: ولذلك نقول هنا: إنه لا بد من قرينة الإكراه إذا وقعت الشهادة عليه بالتلفظ بالكفر، ثم لا يخفي أن المراد: تصديقه بيمينه كالتي قبلها. ٤٩٩٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٠١]: (ولو مات معروف بالإسلام عن ابنين مسلمين فقال أحدهما: "ارتد فمات كافرًا" فإن بيّن سبب كفره .. لم يرثه ونصيبه فيء، وكذا إن أطلق في الأظهر) هو معنى قول "الحاوي" [ص ٥٨٣]: (ونصيب من قال: "مات أبونا كافرًا" فيء) وتبعا في هذا التصحيح "المحرر" (٦)، لكن الأظهر في "الروضة" و"الشرح الصغير" وكذا في "الكبير" ثم قال: هكذا نقله صاحب الكتاب: أنه يستفصل، فإن ذكر ما هو كفر .. كان فيئًا،

стр. 1946

وإن ذكر ما ليس بكفر .. صرف إليه (١)، وأسقط الرافعي تتمة هذا القول من كلام الغزالي، وهي: أنه إذا لم يفسَّر .. يوقف، وحمل صاحب "التعليقة" والبارزي كلام "الحاوي" على ما إذا بيّن السبب ولو بعد الاستفصال، والأظهر: أنه لو قال مات كافرًا لأنه كان يشرب الخمر ويأكل الخنزير .. ورثه. ٤٩٩٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٣١]: (ومن ارتد عن الإسلام .. استحب أن يستتاب في أحد القولين، ويجب في الآخر (الأظهر: الوجوب، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٢)، ودخل في إطلاقهم الاستتابة في حالة السكر، وهو الذي صححه الماوردي والروياني (٣). ٤٩٩٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٣١]: (وفي مدة الاستتابة قولان) أي: سواء قلنا: يجب أو يستحب، وتصحيح كونها في الحال هو في "التنبيه"، وعليه مشى "المنهاج" (٤) و"الحاوي" فقال [ص ٥٨٢]: (بلا مهلٍ). ٤٩٩٥ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٢]: (فإن أصرَّا .. قُتلا) و"التنبيه" [ص ٢٣١]: (فإن أقام على الردة .. وجب قتله) مقتضاه: أنه لو قال: لي شبهة فأزيلوها .. لم يلتفت لكلامه، وهو الأصح عند الغزالي (٥)، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٨٢]: (بلا مناظرة، يُسلِمُ وتُحَلُّ شبهته) وحكى الروياني عن النص مناظرته، كذا في الرافعي (٦)، وعكسه في "الروضة"، فجعل الأصح عند الغزالي: المناظرة، والمحكي عن النص عدمها (٧)، واختار السبكي المناظرة ما لم يظهر منه التسويف والمماطلة. ٤٩٩٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٣١]: (فإن كان حرًا .. لم يقتله إلا الإمام) كذا نائبه في ذلك. نعم؛ إن قاتل في منعة .. قال الماوردي: جاز أن يقتله كل من قدر عليه كالحربي (٨). ٤٩٩٧ - قوله: (وإن قتله غيره بغير إذنه .. عزر) (٩) محله: ما إذا لم يكافئه، فإن قتله مثله .. فالمذهب: وجوب القصاص. ٤٩٩٨ - قوله: (وإن قتله إنسان ثم قامت البينة أنه كان قد رجع إلى الإسلام .. ففيه قولان،

стр. 1947

أحدهما: يجب عليه القود، والثاني: لا يجب إلَّا الدية) (١) الأظهر: الأول، وقد تقدم ذلك في أول (الجنايات). ٤٩٩٩ - قوله: (وإن كان عبدًا .. فقد قيل: يجوز للسيد قتله، وقيل: لا يجوز) (٢) الأصح: الأول، وحكى القاضي حسين الثاني عن الأصحاب، وضعفه القاضي أَبو الطيب. ٥٠٠٠ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٢]: (فإن أسلم .. صح وتُرِك) كان ينبغي أن يقول: (أسلما) أي: المرتد والمرتدة كما فعل في قوله: (فإن أصرّا .. قتلا) (٣). ٥٠٠١ - قول "التنبيه" [ص ٢٣١]: (وإن تكرر منه ثم أسلم .. عُزِّر) نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى، إلَّا أني أرى إذا فعل هذا مرة بعد أخرى .. أن يعزر، ومقتضاه: أنَّه لا يعزر بفعله مرة واحدة، وقد حكى ابن يونس الإجماع عليه، فلا يغتر بمن يفعله من القضاة. ٥٥٠٢ - قول "الحاوي" في قاذف نبيٍّ [ص ٥٨٢]: (ولا شيء إن أسلم) قاله أَبو إسحاق، ورجحه في "الوجيز"، وأقره في "التعليقة"، قال: حتَّى لو كان القذف بما يوجب الحد .. لا يجب، وقال الفارسي: يقتل حدًا، وقال الصيدلاني: يجلد ثمانين، ولو عرّض بالقذف .. فهو كالصريح، قاله الإمام وغيره. ٥٠٠٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٣١]: (وإن علقت منه كافرة بولد في حال الردة .. فهو كافر) حكى الرافعي عن البغوي: أنَّه صحح أنَّه مسلم (٤)، وأطلق تصحيحه في "المحرر" (٥)، وعليه مشى "الحاوي" (٦)، وصححه في "أصل الروضة"، ثم قال من زيادته: كذا صححه البغوي، فتابعه الرافعي، والصحيح: أنَّه كافر، وبه قطع جميع العراقيين، ونقل القاضي أَبو الطيب: أنَّه لا خلاف فيه، وإنَّما الخلاف في أنَّه أصلي أو مرتد، والأظهر: أنَّه مرتد. انتهى (٧). ويرد عليه أن الرافعي لم يصححه من عند نفسه، وإنَّما حكاه عن البغوي، فهو كما قال في "المهمات": يختصر ويتصرف، ثم ينسى فيستدرك، وعبارة "المنهاج" [ص ٥٠٢]: (الأظهر: مرتد، ونقل العراقيون الاتفاق على كفره) وهو مخالف لما في "الروضة" فإن الذي فيها كما تقدم: أن ناقل الاتفاق أَبو الطيب، وأما غيره فقاطع به.

стр. 1948

وقال شيخنا الإمام البلقيني: ما قال: إنه الأظهر ليس بمعتمد؛ لأن الولد إذا انعقد من الكافرين الأصليين وله جد مسلم .. يجعل مسلمًا تبعًا لجده، فلأن يتبع حالة أَبويه في الإسلام التي كانت قبل الردة أولى، وتبعية الأَبوين في غير الإسلام إنما تكون في كفر أصلي، والتبعية في الردة ضعيفة أو محالة، وقد حكم النبي ﷺ بأن كل مولود يولد على الفطرة (١)، لم يخرج من ذلك إلَّا مولود الأَبوين الكافرين الأصليين، فبقي ولد المرتدين على الفطرة، فوجب أن يكون مسلمًا، قال: ونصوص الشَّافعي ﵁ قاضية بذلك، ثم بسطه، ثم قال: فوجب القول على مذهب الشَّافعي بأنه مسلم، وبطل القول بانه كافر أصلي؛ لنصه في جميع كتبه على أنَّه لا يسبى، والذين أثبتوا هذا القول قالوا: إنه يسبى، ولم يصح القول بأنه مرتد. انتهى. واعلم: أن "التنبيه" فرض المسألة فيما إذا كانت الأم كافرة (٢)، و"المهذب" فيما إذا كانت ذمية (٣)، و"المنهاج" فيما إذا كانت مرتدة أيضًا (٤)، وقد يفهم منه: أنَّها لو كانت أصلية .. لا يكون الحكم كذلك، وقد سوى في "البيان" بينهما (٥)، وقال البغوي: لو كان أحدهما مرتدًا والآخر أصليًا؛ فإن قلنا في المرتدين: إنه مسلم .. فكذا هنا، وإن قلنا: مرتدًا وأصلي .. فهو هنا أصلي يقر بالجزية إن كان الأصلي يقر بها (٦). ٥٠٥٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٣١]: (وفي استرقاق هذا الولد قولان) هما مبنيان على صفة كفره، فإن قلنا: أصلي .. جاز استرقاقه، وجوز الإمام عقد الجِزيَةَ له إذا بلغ (٧)، ومنعه البغوي وغيره (٨)، وإن قلنا: مرتدًا .. لم يسترق، ولا يقتل حتَّى يبلغ فيستتاب، فإن أصر .. قتل، والأصح: أنَّه مرتد كما تقدم، وأنكر شيخنا الإمام البلقيني القول بأنه كافر أصلي كما تقدم. ٥٠٠٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٣١]: (وإن ارتد وله مال .. فقد قيل: فيه قولان، أحدهما: أنَّه باق على ملكه، والثاني: أنَّه موقوف؛ فإن رجع إلى الإسلام .. حكم بأنه له، وإن لم يرجع .. حكم بأنه قد زال بالردة، وقيل: فيه قول ثالث: أنَّه يزول بنفس الردة) الأصح: طريقة إثبات الأقوال الثلاثة، وعليه مشى "المنهاج" (٩)، وأصحها: الوقف، وعليه مشى "المنهاج" تبعًا

стр. 1949

لـ"المحرر" (١)، وصححه النووي في "أصل الروضة" و"التصحيح" (٢)، مع أن الرافعي في "شرحيه" لم ينقل تصحيحه إلَّا عن البغوي فقط (٣)، وقال في (كتاب التدبير): إن بعضهم روى عن الشَّافعي أنَّه قال: أشبه الأقوال بالصحة: زوال الملك بنفس الردة، وبه أقول (٤)، وفي "الشرح الصغير" للرافعي في الكتابة: أن الأشبه على الجملة: بطلانها. قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا فيه ترجيح الزوال، وهو الذي صححناه، وهو الذي قال الشَّافعي: إنه أشبه الأقوال بأن يكون صحيحًا، وأنه به نقول، وعليه ينطبق كلام الشيخ أبي حامد في (التدبير)، وصححه في "المهذب" (٥)، وصحح المزني والماوردي: بقاء ملكه (٦)، قال شيخنا: والذي تلخص لنا من مجموع متفرقات كلام الشَّافعي ﵁ أن على قول زوال الملك يبقى له فيه حق وعلق، وتجب الزكاة إن رجع إلى الإسلام، ويستوي مع قول الوقف في هذا، وأن على قول بقائه تصرفاته نافذة ما لم يحجر عليه الحاكم، وتجب الزكاة إن لم يعد للإسلام، وإن شئت قلت: يعطى في النفقات والغرامات حكم الباقي قطعًا، وفي منع التصرف بعد الحجر حكم الزائل قطعًا، وفي بقاء الملك مجردًا عما ذكر ثلاثة أقوال، وفي الزكاة قولان: أحدهما: يجب. والثاني: إن عاد إلى الإسلام .. وجبت على قول زوال الملك والوقف، وإن لم يعد .. لم يجب؛ لأنه ليس زوالًا إلى ذمي معين؛ ولهذا لم ينص الشَّافعي على أن الزكاة لا تجب مطلقًا، قال: ولم أر من حرر هذا على ما حررته. ٥٠٠٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٢]: (والأصح: يلزمه غُرْمُ إتلافه فيها، ونفقة زوجاتٍ وُقِفَ نكاحهن وقريبٍ) فرع الوجهين في "الروضة" على قول الزوال (٧)، وظاهره الجزم به على قول البقاء، وهو واضح، وفي تعبيره بالأصح نظر؛ فقد نص على ذلك في "الأم" و"المختصر" (٨). ٥٠٠٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٣١]: (وأما تصرفه .. ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: ينفذ، والثاني: لا ينفذ، والثالث: إنه موقوف) الأصح: وقف ما يحتمل الوقف وبطلان ما لا يحتمله، وعليه

стр. 1950

مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٨٢]: (ويبطل تصرف لا يوقف) و"المنهاج" فقال [ص ٥٠٢]: (وإذا وقفنا ملكه .. فتصرفه إن احتمل الوقف كعتقٍ وتدبيرٍ ووصيةٍ موقوفٌ، إن أسلم .. نفذ، وإلَّا .. فلا، وبيعه وهبته ورهنه وكتابته باطلة) وفيه أمور: أحدها: نازع شيخنا الإمام البلقيني في أن ملك المرتد يوقف، وإن قاله جمع من الأصحاب، ورجح: أن مراد الشَّافعي به: وقف الحاكم له تحت يد عدل، وبه قال آخرون. ثانيها: كلام "المنهاج" في وصية صدرت منه حال الردة، فلو أوصى قبل ردته بشيء ومات على الردة .. فقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي تقتضيه القواعد: أن وصيته لا تنفذ، ولم أر من صرح به، وقد ذكرته في "التدريب" في الوصية. ثالثها: رجح شيخنا الإمام البلقيني وقف الكتابة على قول الوقف وفاقًا لما في "الشرحين" في الكتابة (١)، خلافًا لما فيهما في الردة، وفي "المحرر" و"المنهاج" في الموضعين (٢)، وذكر الرافعي: أنَّه وقف تبَيُّن، ونازعه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إنما هو وقف صحة، وقال: إن الكتابة مشتملة على العتق، فهي كالخلع المشتمل على الطلاق، وخلع المرتد بعد الدخول موقوف خلافا للمتولي. ٥٠٠٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٢]: (وعلى الأقوال: يُجعل ماله مع عدل، وأمته عند امرأة ثقة) قال شيخنا الإمام البلقيني: لم يصرح فيه بالمقصود على قول بقاء الملك، وهو ضرب الحجر عليه كما نص الشَّافعي ﵁، ولا يحصل المقصود بمجرد الوضع. انتهى. وفي "المهذب": أنا إذا قلنا: بزوال ملكه .. نزعنا المال من يده، ووضعناه في بيت المال، وصرفناه مصارف الفيء، ولا يوقف على نهاية أمره (٣). ٥٠٠٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٣١]: (وإن ارتد إلى دين يزعم أهله أن محمدًا ﷺ مبعوث إلى العرب .. لم يصح إسلامه حتَّى يأتي بالشهادتين ويبرأ من كل دين خالف الإسلام) يقوم مقام براءته من كل دين يخالف الإسلام شهادته أن محمدًا رسول الله إلى جميع الخلق كما حكاه الرافعي عن البغوي، وأقره (٤). ٥٠١٠ - قوله: (وإن امتنع بالحرب وأتلف .. ففيه قولان كأهل البغي) (٥) مقتضاه: تصحيح عدم الضمان، وصححه شيخنا الإمام البلقيني، لكن حكى ابن الرفعة عن الجمهور تصحيح

стр. 1951

الضمان، وصححه في "المهمات"، وقد تقدم في قتال أهل البغي. ٥٠١١ - قوله: (وإن أقام وارثه بيّنة أنَّه صلى بعد الردة؛ فإن كانت الصلاة في دار الإسلام .. لم يحكم بإسلامه) (١) هو مفهوم قول "الحاوي" [ص ٥٨٣]: (وطوعًا وصلى ثم حُكم بدينه) ومحله كما استدركه النووي في "الروضة": ما إذا لم تسمع منه صيغة الشهادة، فإن سمعناها منه .. كان إسلامًا مطلقًا (٢). ٥٠١٢ - قول "الحاوي" [ص ٥٨٣]: (لا الأصليّ) أي: لا يحكم بإسلامه بصلاته في دار الحرب، هذا هو الصحيح، لكن حكى المتولي عن نص الشَّافعي: الحكم به كالمرتد، وذهب إليه القاضي أَبو الطيب، وقال المحاملي: يحكم به في الظاهر، فإن ادعى خلافه .. رجعنا إليه، ومحل عدم الحكم باسلامه: إذا لم يسمع منه صيغة الشهادة كما تقدم. ٥٥١٣ - قوله: (وإن ارتد أسير كرهًا، فأفلت ولم يجدد؛ إن عُرِضَ .. كُفِّرَ) (٣) عرض الإسلام عليه أطلقه الأصحاب، وقيده ابن كج بما إذا كان معرضًا عن الطاعات والجماعات، وصرح بأن العرض المذكور مستحب، ووقع في "التعليقة" أنَّه واجب، والحكم بكفره من يوم العرض، وللإمام فيه احتمال (٤). * * *

стр. 1952

كتابُ الزِّنا ٥٠١٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٣]: (إيلاج الذكر بفرج محرّم لعينه خالٍ عن الشبهة مشتهًى .. يوجب الحد) و"الحاوي" [ص ٥٨٤]: (بإيلاج فرج في فرج محرم لعينِهِ مشتهًى بلا ملك وظنه وتحليل عالم ... إلى آخره) يرد عليه أمور: أحدها: المراد: إيلاج الحشفة إن وجدت، وإلَّا .. فقدرها من مقطوعها، قال شيخنا الإمام البلقيني: فلو ثنى ذكره وأولج قدر الحشفة .. ففي ترتيب الأحكام عليه توقف، والأرجح: الترتب إن أمكن. ثانيها: أن عبارتهما تتناول إيلاج المرأة؛ كاستدخالها ذكر نائم، فينبغي أن يقولا: (إيلاج ذكر آدمي) ليخرج استدخالها ذكر بهيمة؛ فلا حد به. ثالثها: ويشترط أيضًا كونه متصلًا؛ ليخرج المقطوع، وأصليًا؛ ليخرج الزائد، ومحلِّلًا؛ ليخرج ما لا يمكن انتشاره، أورده شيخنا الإمام البلقيني، وقد يخرج ذلك بقولهما: (مشتهىً). رابعها: يستثنى من الشبهة: جارية بيت المال بوطئها؛ لأنه يستحق فيه النفقة دون الإعفاف، ذكره في "أصل الروضة" في (السير) (١)، قال شيخنا الإمام البلقيني: قد تكون جارية بيت المال من سهم المصالح .. ففيه الوجهان في وطء جارية من الخمس أو قبل إفراز الخمس، والأصح فيها أيضًا: وجوب الحد. خامسها: أنَّه يدخل في قول "الحاوي": (وظنه) أي: ظن الملك، ما لو ظن ملك بعضها بالشركة، وفيه تردد للإمام، حكاه الرافعي من غير ترجيح (٢)، وزاد في "الروضة": أن الظاهر الجاري على القواعد وجوب الحد (٣)، لغلبة الحرمة، فكان من حقه الامتناع، وكذا في "المطلب": أنَّه الظاهر. لكن في "المهمات": أن الصحيح: عدم الوجوب كما لو سرق مال غيره على ظن أنَّه لأبيه أو ابنه، أو أن الحرز ملكه .. فإن الأصح في "أصل الروضة": أنَّه لا حد فيها (٤)، قال: وهي نظير مسألتنا إن لم تكن إياها، وقد اعتبر هنا أمرأنعتقده نحن مسقطا، بخلاف ما إذا علم التحريم واعتقد

стр. 1953

عدم الحد، أو سرق دنانير يظنها فلوسًا؛ فإنه اعتقد أمرًا نعتقده موجبًا، وكذا قال شيخنا الإمام البلقيني: ظاهر نص "المختصر" يشهد لعدم الحد؛ حيث قال في الصداق: (إلَّا أن تكون أمة فيطأها قبل الدخول، ويقول: كنت أراها لا تملك إلَّا نصفها حتَّى يدخل، فيقوم عليه الولد يوم سقط، ويلحق به، ولها مهر مثلها عليه) (١)، قال شيخنا: فجعل اعتقاد أن له شركة بالنصف ينفي عنه حكم الغاصب، ويثبت عليه المهر وقيمة الولد، وذلك يقتضي إسقاط الحد. ٥٠١٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٤١]: (ومن لاط وهو من أهل حد الزنا .. ففيه قولان: أحدهما: يجب عليه الرجم، والثاني: يجب عليه الرجم إن كان محصنًا، والجلد والتغريب إن لم يكن محصنًا) الأظهر: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٢)، فهو داخل في ضابطهما المتقدم، وذكره "المنهاج" بعد ذلك أيضًا فقال [ص ٥٠٣]: (ودبر ذكر وأنثى كقبل على المذهب) ويرد عليه أمور: أحدها: أنَّه يستثنى منه: دبر زوجته أو مملوكته؛ فإن الواجب فيه التعزير فقط على المذهب، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص ٥٨٤]: (لا الزوجة والمملوكة) وقد يفهم ذلك من قول "المنهاج" [ص ٥٠٣]: (وكذا كل جهة أباح بها عالم). ثانيها: أن مسألة اللواط ذات قولين كما تقدم، فمن أين جاء التعبير بالمذهب؟ ولعل ذلك؛ لأجل قول ثالث اختلفوا في إثباته، وهو: التعزير فقط، وأسقطه في "الروضة"، وفي ذلك بُعْد. ثالثها: أن الدبر ليس كالقبل بالنسبة إلى المفعول به، فالمفعول به إنما يجلد ويغرب ولو كان محصنًا، سواء كان رجلًا أو امرأة، وهذا وارد على "التنبيه" و"الحاوي" و"التصحيح" أيضًا. ٥٠١٦ - قول "الحاوي" [ص ٥٨٤]: (والمملوكة المحرمة بنسب) كذلك برضاع أو مصاهرة؛ ولهذا أطلق "المنهاج" قوله [ص ٥٠٣]: (وكذا مملوكته المحرم)، وقول "التنبيه" [ص ٢٤١، ٢٤٢]: (وإن وطئ بملك اليمين .. ففيه قولان، أحدهما: يحد، والثاني: يعزر وهو الأصح) يتناول أخته من الرضاع، لكنه لا يشمل محرمية المصاهرة ولا بقية المحارم؛ فعبارة "المنهاج" أشملها. ٥٠١٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٣]: (ومكره في الأظهر) فيه أمور: أحدها: أنَّها مسألة دخيلة هنا، كان ينبغي ذكرها عند الشروط مع التكليف ونحوه، كما قال "التنبيه" [ص ٢٤١]: (إذا زنا البالغ العاقل المختار).

стр. 1954

ثانيها: أن تعبيره بالأظهر يقتضي أن الخلاف قولان، وكذا في "المحرر" و"الوجيز" (١)، لكنه في "الشرحين" وجهان (٢)؛ فلهذا عبر في "الروضة" بالأصح (٣)، وحكى الماوردي والروياني إسقاط الحد عن المكره عن مذهب الشَّافعي، وإيجابه عن بعض الأصحاب (٤)، وذلك يقتضي أن الخلاف قول ووجه. ثالثها: أن محل الخلاف: في الرجل، أما المرأة: فلا يجب عليها الحد قطعًا. قول "الحاوي" [ص ٥٨٤]: (ودون ولي وشهود) يفهم سقوط الحد مع خلو العقد عن ولي وشهود معًا، وليس كذلك، وإنَّما يسقط إذا خلا عن أحدهما فقط؛ لشبهة أبي حنيفة في عدم اعتبار الولي، ومالك في عدم اعتبار الشهود، فلو عبرب (أو) .. لكان أولى. وكذا يرد ذلك على قول "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (وإن وطئ في نكاح مختلف في إباحته؛ كالنكاح بلا ولي ولا شهود) على أن في عبارته ما يرشد إلى مراده انتفاء أحدهما فقط من وجهين: أحدهما: قوله: (مختلف في إباحته) فإن المختلف في إباحته فاقد أحدهما فقط، أما فاقد كل منهما .. فمجمع على تحريمه. ثانيهما: قوله بعد ذلك: (وقيل: إن وطئ في النكاح بلا ولي وهو يعتقد تحريمه .. حد) (٥) ولم يبال شيخنا الإسنوي بهاتين القرينتين، فأورد ذلك على "التنبيه"، وقال: (الصواب: وجوب الحد فيما إذا وطئ في نكاح بلا ولي ولا شهود) (٦)، واقتصر "المنهاج" على التمثيل بنكاح بلا شهود (٧)، فلا إيراد عليه، لكن شاححه شيخنا الإمام البلقيني في قوله: (على الصحيح) (٨) وقال: إن مقتضى المنقول: أنَّه لا يجب الحد في الوطء بلا شهود قطعًا، وإن كان قوله: (على الصحيح) راجعًا للقاعدة .. فهو أولى بالاعتراض بأنه لا خلاف فيها ولا في هذا المثال، إنما الخلاف في النكاح بلا ولي، وقيد محل الخلاف في درء الحد بشبهة عالم بما إذا لم يحكم حاكم بإبطاله أو صحته، فإن حكم بإبطاله وفرق بين الزوجين .. فقال الماوردي: إنهما زانيان عليهما الحد؛ لأن شبهة العقد قد ارتفعت بحكم الحاكم بينهما بالفرقة (٩)، قال شيخنا: وإن

стр. 1955

حكم بالصحة حيث لا ينقض .. فلا حَدّ قطعًا، قال: وهذا مقيد عند المحققين بأن يكون للعالم في تلك الجهة مستند متماسك. ٥٠١٨ - قول "التنبيه" [ص ٢٤١]: (وإن وطئ أجنبية ميتة .. فقد قيل: يحد، وقيل: لا يحد) الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (١)، وتقييد "التنبيه" بالأجنبية يفهم عدم الحد إذا كانت مباحة له في حياتها بملك أو زوجية، وكذا صححه النووي في "نكت الوسيط"، لكن صحح في "شرح المهذب": عدم الحد مطلقًا، وجعل هذا الوجه المفصل ضعيفًا (٢). ٥٠١٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٤١]: (وإن أتى بهيمة .. ففيه قولان؛ كاللواط، وقيل: فيه قول ثالث: أنَّه يعزر) الأظهر: هذا القول الثالث كما في "المنهاج" (٣)، وقطع به بعضهم، وعليه مشى "الحاوي" (٤)، وقال في "المطلب": إنه الصحيح عند عامة الأصحاب، ونازعه شيخنا الإمام البلقيني في ذلك، وصحح وجوب الحد؛ فإن الشَّافعي ﵁ نص عليه في الحدود، وكلامه في غيره محتمل. ٥٠٢٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٤١]: (فإن كانت البهيمة تؤكل .. وجب ذبحها وأكلت، وقيل: لا تؤكل) صحح في "الروضة" حل أكلها (٥)، وكذا صححه الإمام والبغوي وغيرهما (٦)، وفي "المطلب" تبعا للرافعي: أن الشيخ أبا حامد صحح أنَّها حرام (٧)، قال شيخنا الإمام البلقيني: ولم أجد ذلك في "تعليقه". ٥٠٢١ - قوله: (وإن كانت لا تؤكل .. فقد قيل: تذبح، وقيل: لا تذبح) (٨) الأصح: الثاني، كذا صححه الرافعي والنووي (٩)، وقال في "المطلب": صرح الأصحاب بتصحيح عدم قتلها. قال شيخنا الإمام البلقيني: وما قاله مردود؛ فلم يصرح الأصحاب بذلك، قال: والأصح على أن الحجة بالخبر: أنَّها تقتل مطلقًا، وعلى أن الحجة مجرد القياس: لا تقتل مطلقًا، قال:

стр. 1956

وقد احتججنا بالخبر، وحملناه على المحصن من جهة القياس، وذلك يقتضي قتل البهيمة مطلقًا. ٥٥٢٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٣]: (ويحد في مَحْرَمٍ وإن كان تزوجها) أعم من قول "الحاوي" [ص ٥٨٤]: (ونكح الأم). ٥٠٢٣ - قول: "التنبيه" [ص ٢٤١]: (إذا زنى العاقل البالغ المختار وهو مسلم أو ذمي أو مرتد .. وجب عليه الحد) يشترط أيضًا: العلم بتحريمه، وقد ذكره بعد ذلك فقال: (وإن زنى بامرأة وادعى أنَّه جهل تحريم الزنا؛ فإن كان يجوز أن يخفى عليه؛ بأن يكون قريب العهد بالإسلام أو نشأ في بادية بعيدة .. لم يحد) (١) وخرج بجهل التحريم ما لو علمه وجهل الحد، وقد تردد فيه الإمام، وحكاه عنه الرافعي (٢)، وقال النووي: الصحيح: الجزم بوجوب الحد، وهو المعروف في المذهب والجاري على القواعد (٣)، وجزم به الرافعي في نظيره من شرب الخمر، وعبارة "المنهاج" [ص ٥٠٣]: (وشرطه التكليف - إلَّا السكران - وعلم تحريمه) فصرح باشتراط العلم بتحريمه، وقد عرفت أن الجهل بذلك إنما يقبل ممن يمكن خفاؤه عليه عادة، وفي كلامه مع ذلك أمران: أحدهما: ما اقتضاه كلامه من أن السكران غير مكلف تقدم له نظيره في الطلاق، وتقدم الرد عليه فيه هناك. ثانيهما: يشترط مع ذلك أيضًا: كونه ملتزمًا للأحكام؛ ليخرج الحربي والمستأمن، وقد ذكره "التنبيه" بقوله [ص ٢٤١]: (وهو مسلم أو ذمي أو ومرتد). ٥٠٢٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٣]: (وهو - أي: المحصن - .. مكلف حر ولو ذمي غَيَّب حشفته بقُبُلٍ في نكاح صحيح لا فاسد في الأظهر، والأصح: اشتراط التغييب حال حرية وتكليف) مثل قول "الحاوي" [ص ٥٨٥]: (المكلف الحر المصيب بعدهما بصحيح نكاح) إلَّا أن تعبير "المنهاج" بتغييب حشفة بقبل أوضح من تعبير "الحاوي" بالإصابة، وأنه يرد على تعبير "المنهاج": إدخالها حشفته وهو نائم، وإدخاله فيها وهي نائمة؛ فإنه يحصل الإحصان للنائم أيضًا وإن لم يكن التغييب حالة التكليف، ولا يرد ذلك على تعبير "الحاوي" بالإصابة؛ لأن الإصابة في هاتين الصورتين بعد التكليف، لكن يرد عليه: من بلغ وهو نائم، وأصيب في حالة النوم، أو أصاب حال الجنون الطارئ بعد التكليف، وأنه لا معنى لاشتراط "المنهاج" التكليف في الإحصان بعد اشتراطه التكليف في مطلق وجوب الحد، بخلاف "الحاوي" فإنه لم يتقدم له ذلك.

стр. 1957

بقي أمر مشترك بينهما، وهو: أنهما اعتبرا في المحصن كونه حرًا، ولم يعتبر ذلك "التنبيه"، بل قال [ص ٢٤١]: (إنه من وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل) فاعتبر الحرية حالة الإصابة لا حالة الزنا، ومقتضاه: أنَّه لو أحصن ذمي ثم نقض العهد والتحق بدار الحرب واسترققناه فزنا .. أنَّه يحد حد المحصن، وإن كان رقيقًا حالة رجمه، وبذلك صرح شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إن المراد: الحرية حالة التحصين لا حالة الزنا، لكنه مخالف لما في "الروضة" وأصلها: أن شرط الإحصان ثلاثة: التكليف، والحرية، والوطء في نكاح صحيح (١)، وحكى في "الكفاية" ذلك عن القاضي أبي الطيب، وأن الماوردي قال: إنه مذهب الشَّافعي، وعليه جمهور أصحابه (٢)، ثم ألزم في "الكفاية" "التنبيه" هذه الصورة، قال: وقد صرح القاضي حسين وغيره بأن عليه جلد خمسين والتغريب إن رأيناه؛ لأن الاعتبار في الحدود بحالة الوجوب، قال: فيجب أن يقال: (هو: من وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل في حالة الوطء وحالة الزنا)، قال: ويدخل في ذلك ما إذا وطئ في نكاح صحيح وهو كذلك، ثم نقض العهد واسترق، ثم عتق فزنا .. فإنه يرجم اتفاقًا كما صرح به القاضي حسين. انتهى فما أدري من أين أخذ شيخنا ما قاله" ولعله أراد هذه الصورة التي حكى في "الكفاية" فيها الاتفاق، أو أنَّه زنا قبل الرق حالة كونه ذميًا محصنًا حرًا، لكن ينافي الصورتين معًا قوله: (إن المراد: الحرية حالة التحصين لا حالة الزنا)، ويختص "المنهاج" بأمور: أحدها: أنَّه لو قال: (ولو ذميًا) .. لكان أولى من قوله: (ذمي) لاحتياج الرفع إلى تكلف، بل لو حذف هذه اللفظة .. لكان أولى؛ لأن الحربي إذا أصاب في حالة حرابته وبلوغه وعقله في أنكحتهم .. محصن وإن لم يكن ذميًا، فلو عقدت له ذمة فزنى .. رجم؛ فالذمة شرط لإقامة الحد عليه لا لكونه محصنًا. ثانيها: أن قوله: "لا فاسد في الأظهر) (٣) يقتضي قوة الخلاف، وتعبير "الروضة" عنه بأنه المشهور وبه قطع الجمهور يقتضي ضعفه (٤)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: كونه لا يحصل التحصين بالوطء في الفاسد هو المعروف في الطريقين، ونسب القاضي حسين مقابله إلى أبي ثور مذهبًا له، لا أنَّه نقله عن الشَّافعي، ولا نعرف حكاية القولين إلَّا في كلام الفوراني والإمام والغزالي (٥).

стр. 1958

ثالثها: أن قوله: (الأصح: اشتراط التغييب حال حرية وتكليف) (١) يقتضي أنَّه وجه، وأن مقابله قوي، وليس كذلك فيهما؛ فهو نص الشَّافعي في "الأم" و"المختصر" (٢)، ومقابله ضعيف. رابعها: يرد عليه أن مقتضاه: أن الإصابة حال سكره لا يحصل بها التحصين؛ لأنه غير مكلف على طريقته، وإن كان الراجح خلافه كما تقدم، لكنه ألحق السكران وإن كان غير مكلف عنده بالمكلفين في إيجاب الحد عليه، فكذلك في التحصين. وأورد عليهم معًا أمور: أحدها: أن تعبيرهم لا يتناول الأنثى. وجوابه: أن المراد: الجنس؛ فيتناولها لا سيما قول "التنبيه" [ص ٢٤١]: (من وطئ) فإنه شامل لهما، وأما التذكير بعد ذلك؛ فلمراعاة اللفظ، إلَّا أن يقال: المرأة ليست واطئة، وإنما هي موطوءة. ثانيها: أن عبارتهم تتناول الحرية في الظاهر؛ كاللقيط الساكن والعتيق في مرض الموت مع أنهما لا يرجمان، والمراد: من استقرت حريتهما، قال شيخنا الإمام البلقيني: ولم أر من تعرض لهذين الفرعين، ولا بد من التنبيه عليهما. قلت: قد يقال: لم تتناولهما عبارتهم؛ لأنهما ليسا محققي الحرية، ولا بد من تحققها؛ لأنها شرط، وهذا شأن الشروط. ثالثها: أنَّه دخل في عبارتهم وطء من لا يوطأ مثلها مع عدم تمييزها، وقد تردد في ذلك شيخنا الإمام البلقيني، وقال: الأرجح: أنَّه لا يصير به محصنًا، وكذا لو استدخلت المرأة حشفة زوجها الفطيم .. لا تصير محصنة. قلت: كلامهم قد يخالف ذلك؛ ففي "أصل الروضة" بعد حكاية الخلاف في إصابة الكامل الناقص: قال الإمام: هذا الخلاف في صغيرة أو صغير لا يشتهيه الجنس الآخر، فإن كان مراهقًا .. حصل قطعًا. انتهى (٣) فالتي لا تشتهى هي التي لا يُوطأ مثلها، إلَّا أن يقال: صورة تردد الشيخ ليس في كل من لا يشتهى، بل بقيد كونه غير مميز، ويختص كلام الإمام بوجود التمييز، والله أعلم. ٥٠٢٥ - قول "المنهاج" عطفًا على ما عبر فيه بالأصح [ص ٥٠٣]: (وأن الكامل الزاني بناقصٍ محصنٌ) فيه أمران:

стр. 1959

أحدهما: أنَّه يقتضي أن الخلاف وجهان، وكذا في "المحرر" (١)، وهو في "الروضة" وأصلها قولان (٢). ثانيهما: كان ينبغي أن يقول: (المصيب لناقص) لأن المراد: إذا كان أحد الزوجين في حال إصابته كاملًا؛ أي: مكلفًا حرًا، والآخر ناقصًا؛ أي: بخلاف ذلك .. هل يحصل الإحصان للكامل وإن لم يحصل للناقص؟ الأظهر: نعم، وأما الكامل الزاني بناقص .. لا يصير بذلك محصنًا بلا شك، والمعنى واضح، وإنما الإيراد على التعبير، وقد قيل: إنها بالبناء؛ أي: الدخول بدل الزاني، وهو حسن، وقال السبكي: هذه عبارة قلقة ومقصودة، وأن الزاني الكامل المصيب لناقصة محصن؛ فالوجه في التعسف لتصحيح كلامه: أن يجعل بناقص معلقًا بالكامل على سبيل التجوز، حكاه عنه ولده في "التوشيح"، وقال: وما أحسن اعترافه بالتعسف في هذا المحمل، وحاصله: أن الذي يكمل بوطء في نكاح ناقص هل يكون كاملًا محصنًا؟ وهذا أحسن ما حمل عليه كلامه، وإلَّا .. فلا يبقى له وجه. ٥٠٢٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٤١]: (إلى مسافة تقصر فيها الصلاة) و"الحاوي" [ص ٥٨٥]: (مرحلتي جهةٍ شاء) مقتضاه: أنَّه لو رأى تغريبه إلى ما فوق مسافة القصر .. لم يجز، وبه قال المتولي، إذا كان هناك موضع صالح، لكن الصحيح: الجواز مطلقًا، وبه قطع الجمهور؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٥٠٣]: (إلى مسافة قصر فما فوقها) وقد غرب عمر ﵁ إلى الشام، وعثمان ﵁ إلى مصر (٣). ٥٠٢٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٣]: (وإذا عين الإمام جهة .. فليس له طلب غيرها في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (لم يعدل إلى غيرها) فإن له طلب غيرها قطعًا، لكن الإمام بالخيرة في إجابته إليها، ويرد ذلك على قول "الحاوي" [ص ٥٨٥]: (مرحلتي جهة شاء) واستثنى شيخنا الإمام البلقيني من ذلك: ما إذا صادفنا من وجب عليه التغريب محرمًا أو خارجًا لجهاد تعين عليه، ولو غربناه إلى جهة أخرى فإنه الحج أو الجهاد .. قال: فيجاب إذا طلب جهة قصده، ولا يصار إلى تفويت مقصده عليه، ولا إلى تأخير التغريب حتَّى يفرغ. ٥٠٢٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٣]: (ويغرب غريب من بلد الزنا إلى غير بلده) و"الحاوي" [ص ٥٨٥]: (لا بلده) كذا لا يغرب إلى بلد بينه وبين بلده دون مسافة القصر؛ فحكمها حكم بلده، فلو لم يكن للغريب وطن؛ بأن هاجر حربي عند إسلامه ولم يتوطن بلدًا .. قال المتولي: يتوقف

стр. 1960

الإمام حتَّى يتوطن ثم يغربه، حكاه عنه في "أصل الروضة"، وأقره (١). وتعقبه شيخنا الإمام البلقيني وقال: يغربه من بلد الزنا كمسافر زنا في طريقه؛ فإنه يغربه من غير أن يتوقف حتَّى يرجع إلى بلده أو يقيم في موضع، ونازع شيخنا أيضًا في قول الرافعي والنووي: إن المسافر يغرب إلى غير مقصده (٢)، وقال: لا يحجر على الإمام في ذلك، بل إذا رأى الإمام تغريبه في جهة مقصده .. لم يمنع من ذلك، ولا سيما إذا كان مسافرًا للحج أو للجهاد .. فلا ينبغي تفويت مقصوده، ويكفي في التنكيل أن يمنع من العودة والتصرف في السفر يمنة ويسرة. ٥٠٢٩ - قول "الحاوي" [ص ٥٨٥]: (والمرأة بمحْرَم) تبع فيه "الوجيز" (٣)، ويرد عليه: الزوج؛ فهو في ذلك كالمحرم، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص ٥٠٤]: (ولا تغرب امرأة وحدها في الأصح، بل مع زوج أو مَحْرَمٍ) وكذا النسوة الثقات كما جزموا به في الحج، وهذا أولى؛ لكونه على الفور والحج على التراخي، وحكى في "أصل الروضة" في ذلك وجهين بلا ترجيح عند أمن الطَّرِيقِ، قال: وربما اكتفى بعضهم بواحدة ثقة (٤). قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو المعتمد تفريعًا على أنَّها لا تخرج وحدها، قال: ونص الشَّافعي في "الأم" في باب حج المرأة والعبد صريح في الاكتفاء في الحج بالمرأة الواحدة (٥)، وصرح به الماوردي والنووي في "شرح المهذب" (٦)، قال: ونص في موضعين من "الأم" على تغريبها وحدها، وأن النهي عن سفرها وحدها إنما هو فيما لا يلزمها (٧)، قال: ولم أقف على نص للشافعي يخالفه. انتهى. ومحل ذلك مع الأمن كما قيد به الإمام والغزالي موضع الوجهين (٨). ٥٥٣٠ - قولهما: (وإن كان عبدًا .. فحده جلد خمسين) (٩) لو عبرا (بمن فيه رق) ليتناول المبعض وغيره .. لكان أولى، وقد سوى في ذلك بين القن والمدبر وأم الولد، وإنَّما قال: "لا المكاتب وحر البعض) (١٠) لأجل أن السيد لا يقيم الحد عليهما، وكلامه فيه، وأما بالنسبة إلى

стр. 1961

تنصيف حد الحر .. فهما كالقن في ذلك، وقيد شيخنا الإمام البلقيني وجوب الحد على العبد والأمة بالإسلام، وقال: إن حكم الكافرين كالمعاهد؛ لأنهما لم يلتزما الأحكام بالذمة؛ إذ لا جزية عليهما، والمعاهد لا يحد، فكذا العبد والأمة الكافران، قال: ونص الشَّافعي في "الأم" يقتضي ذلك؛ لأنه فسر الإحصان في الأمة بالإسلام (١). ٥٠٣١ - قول "التنبيه" [ص ٢٤١]: (وفي تغريبه ثلاثة أقوال) الأظهر: الثالث، وهو: وجوب تغريب نصف عام، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٢). ٥٠٣٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٤]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٥٨٦]: (ويثبت ببينة، أو إقراره) كذا بلعان الزوج في حق المرأة إن لم تلاعن كما سبق في بابه، والمراد: الإقرار الحقيقي دون التقديري، وهو اليمين المردودة بعد نكول الخصم؛ فإنه لا يثبت به الزنا، ولكن يسقط به الحد عن القاذف، ويثبت به مهر المثل في صورة دعوى الإكراه على الزنا .. فالأصح: أنَّه يشترط في الإقرار بالزنا التفسير. ٥٠٣٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٤]: (ولو قال: لا تحدوني أو هرب .. فلا في الأصح) أي: لا يسقط الحد، لكن يخلى في الحال ولا يتبع؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص ٢٤٣]: (فإن رجم فهرب .. لم يتبع) ونبه في "التصحيح" على أن هذا فيمن ثبت زناه بالإقرار، فإن ثبت بالبينة .. فإنه يتبع، وهو كذلك، وليس المراد: ترك إقامة الحد عليه مطلقًا، ولكن الإعراض عنه احتياطًا، فإن رجع، وإلا .. حد. نعم؛ لو اتبع الهارب فرجم .. فلا ضمان، ومقتضى عبارة "المنهاج": قوة الخلاف، وليس كذلك، بل مقابل الأصح ضعيف جدًا، وعبارة الشَّافعي ﵀ توافق الأول؛ حيث قال: (حتَّى يرجع عن الإقرار بكلام) (٣)، قال شيخنا الإمام البلقيني: ومحل الخلاف: في هرب مشعر بالرجوع؛ كهربه عند إقامة الحد عليه، فلو هرب على وجه لا إشعار له بالرجوع .. لم يسقط الحد قطعًا. ٥٠٣٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٤]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٥٨٤]: (ولو شهد أربعة بزناها وأربع أنَّها عذراء .. لم تحد هي ولا قاذفها) قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: فيما إذا لم تكن غوراء بحيث يمكن تغييب الحشفة مع بقاء البكارة، فإن كانت كذلك .. حُدَّتْ؛ لثبوت الزنا، قال: ولا يتوقف ذلك على أربع نسوة، فلو شهد به رجلان. كان كذلك.

стр. 1962

٥٠٣٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (ولا يقيم الحد على الحر إلَّا الإمام أو من فوض إليه الإمام) كذلك المبعض والمكاتب كما صرح بهما "المنهاج" و"الحاوي"، والعبد الموقوف كله أو بعضه بناء على أن الملك فيه لله تعالى، وهو الأظهر، وعبد بيت المال، والموصى بإعتاقه إذا زنى بعد موت الموصي وقبل إعتاقه، وهو يخرج من الثلث بناء على أن أكسابه له، وهو المذهب، والرقيق المسلم لكافر كمستولدته، ذكر ذلك كله شيخنا الإمام البلقيني. ٥٠٣٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (ويجوز للمولى أن يقيم الحد على عبده وأمته) يفهم أنَّه لا يتعين عليه ذلك، بل للإمام فعله أيضًا، وبه صرح "المنهاج" و"الحاوي" (١)، والمراد بالمولى: بقدر الحد وكيفيته؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٥٨٦]: (إن علم حكم الحد). ويستثنى من المولى: المحجور عليه ولو بسفه، فليس له ذلك، ويقيمه عنه وليُّه ولو وصيًا وقيمًا بناء على أنَّه إصلاح، وهو الأصح، والمراد: سيده عند إقامة الحد، فلو زنا ثم باعه .. أقام المشتري الحد عليه بطريقه. ٥٠٣٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (وقيل: إن ثبت بالإقرار .. جاز له، وإن ثبت بالبينة .. لم يجز) اعترضه في "الكفاية" بما معناه: أن هذا الخلاف ليس معروفًا، بل المنقول: أن له الحد مطلقًا، والخلاف إنما هو في أن له سماع البينة أم لا كما مشى عليه "المنهاج" (٢)، وللسيد أن يقيم عليه حد الشرب والقذف، وفى الأول وجه طرد في الثاني، وقطع السرقة والمحاربة وقتله في الردة في الأصح وقتله في قطع الطَّرِيقِ وصَلْبَه كما قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه الأرجح. ٥٠٣٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٤]: (فإن تنازعا .. فالأصح: الامام) يقتضي أنهما وجهان منقولان، وإنَّما هما احتمالان للإمام (٣). ٥٠٣٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (فإن كان المولى فاسقًا أو امرأة .. فقد قيل: لا يقيم، وقيل: يقيم وهو الأصح) الأصح: أنَّه يقيم كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" (٤)، وهو في "التنبيه" أيضًا، وإنَّما نبهت عليه؛ لأنه قد يتحرف بسبب تقديمه النفي أولًا، وفى معناهما: الكافر، وقد صرح به "المنهاج" (٥)، ويستثنى منه: ما إذا كان الزاني من رقيقه مسلمًا؛ كمستولدته ونحوها؛ فإنه لا يحده بحال كما جزم به في "أصل الروضة" (٦)، فإن كان كافرًا .. فلا

стр. 1963

حد عليه قهرًا، فإن اعتقد سيده أن عليه الحد .. حده على مقتضى عقيدته. ٥٠٤٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (وإن كان مكاتبًا .. فقد قيل: يقيم، وقيل: لا يقيم وهو الأصح) الأصح: أنَّه يقيم، وعليه "المنهاج" و"الحاوي" (١)، لكن نص الشَّافعي على خلافه؛ وعلله: بأن الحد لا يكون إلى غير حر، والمراد: أن يكون السيد مكاتبًا، أما لو كان السيد مكاتبًا - بكسر التاء - والعبد مكاتَبًا - بالفتح - .. فإقامة الحد عليه للإمام خاصة كما ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (٢)، وقد تقدم، ولم يتعرضوا لعبد المبعَّض، وقال شيخنا الإمام البلقيني: مقتضى النص المتقدم: أنَّه لا يقيمه عليه؛ لأنه غير حر، ويحتمل أن يقيمه عليه كما تجب عليه الزكاة فيما ملكه ببعضه الحر، والأرجح: الأول. ٥٠٤١ - قول "المنهاج" عطفًا على ما عبر فيه بالأصح [ص ٥٠٤]: (وأن السيد يعزر) فيه أمور: أحدها: أنَّه يقتضي أنَّه لا نص فيه للشافعي، وليس كذلك؛ فقد نص عليه، فقال: (وللمكاتَب أن يؤدب عبده) (٣). ثانيها: أن تعبيره بالأصح يقتضي قوة مقابله، وليس كذلك؛ ففي "أصل الروضة": أنَّه ضعيف (٤). ثالثها: أنَّه أطلق الخلاف، ومحله: في حقوق الله تعالى، وله أن يؤدبه لحق نفسه قطعًا، وقد جعله في "أصل الروضة" أصلًا مقيسًا عليه (٥). ٥٠٤٢ - قوله: (ويسمع البينة بالعقوبة) (٦) يقتضي أن السيد لا يحده بعلمه، ويوافقه تخريجه ذلك في "شرح مسلم" على القضاء بالعلم في الحدود (٧)، وقد ذكر الرافعي أيضًا هذا البناء، لكنه عقبه بقوله: الأظهر: نعم (٨)، ومراده: ترجيح ذلك هنا، وإن كان الأظهر في القاضي خلافه؛ ولهذا قال في "أصل الروضة": فلو شاهده السيد .. فله إقامتها في الأصح. انتهى (٩) والفرق أن الحاكم إنما منع من القضاء بالعلم مطلقًا للتهمة، وهذا مفقود في السيد، ومن منع

стр. 1964

في حدود الله تعالى؛ فلأنه مندوب إلى ستره، فليس له هتكه بإقامة الحد عليه بلا بينة، والسيد إنما يقيمه سرًا من غير هتك. وقال شيخنا الإمام البلقيني: يمكن أن يقال: إن قلنا: السيد يقيم الحد استصلاحًا .. أقامه بعلمه قطعًا، وإن قلنا: ولاية .. فوجهان، والأصح: أنَّه يقيمه بعلمه. انتهى وتبعت أولًا في إيرادي ذلك على "المنهاج" شيخنا المذكور، والحق: أنَّه لا يرد، ولا يلزم من ذكر الخلاف في سماع البينة التي هي طريق لإثبات الحد بالاتفاق منع غيرها من الطرق، والله أعلم. ٥٠٤٣ - قوله: (والرجم بمدرٍ وحجارةٍ معتدلةٍ) (١) و"الحاوي" [ص ٥٨٥]: (بحجارة معتدلة) يقتضي منع الصخرة الكبيرة والحصيات الخفيفة، وبه صرح الإمام والغزالي (٢)، وهو مقتضى كلام "الروضة" وأصلها (٣)، ومنع ذلك شيخنا الإمام البلقيني، ومال: بل يُرمى بالخفيف والثقيل على حسب ما يتفق مما يجده الرامي؛ ففي "صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد في قصة ماعز: (فرميناه بالعظام والمدر والخزف)، قال: (فاشتد واشتددنا خلفه حتَّى أتى عُرْض الحَرَّةِ، فانتصب لنا، فرمشِاه بجلاميد الحَرَّة، يعني: الحجارة حتَّى سكت) (٤) قال شيخنا: ففيه أنهم رموه بالعظام والمدر والخزف بحسب ما وجدوا في ذلك الموضع، فلما وجدوا في الحرة الحجارة الكبار وهي الجلاميد .. رجموه بها، فدل على أنَّه لا يضيق في ذلك، وأنه بحسب ما يجده الذي يرجمه؛ وفي رواية عبدِ الرزاق عن ابن جريج: "أن ماعزًا لم يقتل حتَّى رماه عمر بلحي بعير، قام رأسه، فقتله) (٥) وفي رواية للبيهقي: (أن عبدِ الله بنُ أنيس رماه بوظيف حمار أي: وهو مستدق الذراع والساق فصرعه، ورماه الناس حتَّى قتلوه) (٦) وفي "صحيح مسلم": (أن خالد بنُ الوليد رمى رأس الغامدية بحجر فنضح الدم على وجهه) (٧) قال: ولعل الإمام أراد: البداءة بالصخرة الكبيرة والاستمرار على الرمي بالحصيات الخفيفة. ٥٠٤٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٣]: (وإن ثبت الحد بالبينة .. استحب أن تُحفر له حفيرة) المشهور: الجزم بأنه لا يحفر للرجل، والخلاف إنما هو في المرأة، والصحيح فيها: هذا

стр. 1965

التفصيل، وعلى هذا مشى "المنهاج" (١)، وهو الذي في كتب الرافعي والنووي (٢)، لكن في "الأحكام السلطانية" للماوردي مثل ما في "التنبيه" (٣)، إلَّا أنَّه حكى ذلك في "الحاوي" عن اختيار العراقيين، وأراد بهم: المخالفين لأصل المذهب، لا أصحابنا، ثم قال: وهذا عندنا غير مختار في رجم الرجل، سواء رجم بشهادة أو إقرار (٤)، وذكر ابن يونس أن في بعض نسخ "التنبيه": (يحفر لها) وأن هذه النسخة هي الصحيحة. قال ابن الرفعة: وما ذكره من تصحيح هذه النسخة تظهر صحته؛ لأن النووي لم ينبه في هذا الموضع على شيء، فلو كان لفظ الشيخ بالتذكير .. لنبه على ذلك على عادته، وحكى في "التوشيح" عن نسخة صحيحة عليها خط المصنف ﵀ بالصحة له بالتذكير، واستشكل شيخنا الإسنوي في "التنقيح" المنقول بما في "صحيح مسلم": (أن ماعزًا حفر له) (٥)، مع أن زناه ثبت بالإقرار، وما في "سنن أبي داوود": (أن فتى محصنًا اعترف بالزنا فحفر له ورجم) (٦)، قال في "التوشيح": لكن قد ثبت في "صحيح مسلم" أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري: (فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، فما حفرنا له) (٧)، قال: وهذه الرواية عندنا أرجح؛ لتظافر الأحاديث على أنَّه هرب، واتبعوه، وأن النبي ﷺ قال لهم: "فهلا تركتموه"، قال: ويؤيدها - أعني في عدم الحفر - ما رواه النَّسائي من حديث أبي هريرة: (أنَّه اضطجع في ظل شجرة ورُجم حتَّى مات). ومال شيخنا الإمام البلقيني إلى أن الإمام يتخير في الحفر للرجل؛ إن شاء .. حفر له وإن شاء .. لم يحفر، قال: وهو الموافق لمقتضى الأحاديث الصحيحة، بل يمكن أن يدعي في ذلك السنة، قال: ولو بلغ الشَّافعي ﵁ الحديثان اللذان فيهما الحفر .. لقال به تخييرًا أو سنة، قال: ويمكن الجمع بين الراويتين - أي: في حديث ماعز - أنَّه حفر له حفرة صغيرة، فلما رجم .. هرب منها، ولا ينافي ذلك قوله في رواية البيهقي من حديث بريدة: (فجعل فيها إلى صدره) (٨) لأنه لا يمتنع أن يهرب من الحفيرة المذكورة؛ لأنه ليس المراد: أن يرد عليه التراب
следующие страницы →