← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

تنصيف حد الحر .. فهما كالقن في ذلك، وقيد شيخنا الإمام البلقيني وجوب الحد على العبد والأمة بالإسلام، وقال: إن حكم الكافرين كالمعاهد؛ لأنهما لم يلتزما الأحكام بالذمة؛ إذ لا جزية عليهما، والمعاهد لا يحد، فكذا العبد والأمة الكافران، قال: ونص الشَّافعي في "الأم" يقتضي ذلك؛ لأنه فسر الإحصان في الأمة بالإسلام (١). ٥٠٣١ - قول "التنبيه" [ص ٢٤١]: (وفي تغريبه ثلاثة أقوال) الأظهر: الثالث، وهو: وجوب تغريب نصف عام، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٢). ٥٠٣٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٤]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٥٨٦]: (ويثبت ببينة، أو إقراره) كذا بلعان الزوج في حق المرأة إن لم تلاعن كما سبق في بابه، والمراد: الإقرار الحقيقي دون التقديري، وهو اليمين المردودة بعد نكول الخصم؛ فإنه لا يثبت به الزنا، ولكن يسقط به الحد عن القاذف، ويثبت به مهر المثل في صورة دعوى الإكراه على الزنا .. فالأصح: أنَّه يشترط في الإقرار بالزنا التفسير. ٥٠٣٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٤]: (ولو قال: لا تحدوني أو هرب .. فلا في الأصح) أي: لا يسقط الحد، لكن يخلى في الحال ولا يتبع؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص ٢٤٣]: (فإن رجم فهرب .. لم يتبع) ونبه في "التصحيح" على أن هذا فيمن ثبت زناه بالإقرار، فإن ثبت بالبينة .. فإنه يتبع، وهو كذلك، وليس المراد: ترك إقامة الحد عليه مطلقًا، ولكن الإعراض عنه احتياطًا، فإن رجع، وإلا .. حد. نعم؛ لو اتبع الهارب فرجم .. فلا ضمان، ومقتضى عبارة "المنهاج": قوة الخلاف، وليس كذلك، بل مقابل الأصح ضعيف جدًا، وعبارة الشَّافعي ﵀ توافق الأول؛ حيث قال: (حتَّى يرجع عن الإقرار بكلام) (٣)، قال شيخنا الإمام البلقيني: ومحل الخلاف: في هرب مشعر بالرجوع؛ كهربه عند إقامة الحد عليه، فلو هرب على وجه لا إشعار له بالرجوع .. لم يسقط الحد قطعًا. ٥٠٣٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٤]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٥٨٤]: (ولو شهد أربعة بزناها وأربع أنَّها عذراء .. لم تحد هي ولا قاذفها) قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: فيما إذا لم تكن غوراء بحيث يمكن تغييب الحشفة مع بقاء البكارة، فإن كانت كذلك .. حُدَّتْ؛ لثبوت الزنا، قال: ولا يتوقف ذلك على أربع نسوة، فلو شهد به رجلان. كان كذلك.

стр. 1962

٥٠٣٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (ولا يقيم الحد على الحر إلَّا الإمام أو من فوض إليه الإمام) كذلك المبعض والمكاتب كما صرح بهما "المنهاج" و"الحاوي"، والعبد الموقوف كله أو بعضه بناء على أن الملك فيه لله تعالى، وهو الأظهر، وعبد بيت المال، والموصى بإعتاقه إذا زنى بعد موت الموصي وقبل إعتاقه، وهو يخرج من الثلث بناء على أن أكسابه له، وهو المذهب، والرقيق المسلم لكافر كمستولدته، ذكر ذلك كله شيخنا الإمام البلقيني. ٥٠٣٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (ويجوز للمولى أن يقيم الحد على عبده وأمته) يفهم أنَّه لا يتعين عليه ذلك، بل للإمام فعله أيضًا، وبه صرح "المنهاج" و"الحاوي" (١)، والمراد بالمولى: بقدر الحد وكيفيته؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٥٨٦]: (إن علم حكم الحد). ويستثنى من المولى: المحجور عليه ولو بسفه، فليس له ذلك، ويقيمه عنه وليُّه ولو وصيًا وقيمًا بناء على أنَّه إصلاح، وهو الأصح، والمراد: سيده عند إقامة الحد، فلو زنا ثم باعه .. أقام المشتري الحد عليه بطريقه. ٥٠٣٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (وقيل: إن ثبت بالإقرار .. جاز له، وإن ثبت بالبينة .. لم يجز) اعترضه في "الكفاية" بما معناه: أن هذا الخلاف ليس معروفًا، بل المنقول: أن له الحد مطلقًا، والخلاف إنما هو في أن له سماع البينة أم لا كما مشى عليه "المنهاج" (٢)، وللسيد أن يقيم عليه حد الشرب والقذف، وفى الأول وجه طرد في الثاني، وقطع السرقة والمحاربة وقتله في الردة في الأصح وقتله في قطع الطَّرِيقِ وصَلْبَه كما قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه الأرجح. ٥٠٣٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٤]: (فإن تنازعا .. فالأصح: الامام) يقتضي أنهما وجهان منقولان، وإنَّما هما احتمالان للإمام (٣). ٥٠٣٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (فإن كان المولى فاسقًا أو امرأة .. فقد قيل: لا يقيم، وقيل: يقيم وهو الأصح) الأصح: أنَّه يقيم كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" (٤)، وهو في "التنبيه" أيضًا، وإنَّما نبهت عليه؛ لأنه قد يتحرف بسبب تقديمه النفي أولًا، وفى معناهما: الكافر، وقد صرح به "المنهاج" (٥)، ويستثنى منه: ما إذا كان الزاني من رقيقه مسلمًا؛ كمستولدته ونحوها؛ فإنه لا يحده بحال كما جزم به في "أصل الروضة" (٦)، فإن كان كافرًا .. فلا

стр. 1963

حد عليه قهرًا، فإن اعتقد سيده أن عليه الحد .. حده على مقتضى عقيدته. ٥٠٤٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (وإن كان مكاتبًا .. فقد قيل: يقيم، وقيل: لا يقيم وهو الأصح) الأصح: أنَّه يقيم، وعليه "المنهاج" و"الحاوي" (١)، لكن نص الشَّافعي على خلافه؛ وعلله: بأن الحد لا يكون إلى غير حر، والمراد: أن يكون السيد مكاتبًا، أما لو كان السيد مكاتبًا - بكسر التاء - والعبد مكاتَبًا - بالفتح - .. فإقامة الحد عليه للإمام خاصة كما ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (٢)، وقد تقدم، ولم يتعرضوا لعبد المبعَّض، وقال شيخنا الإمام البلقيني: مقتضى النص المتقدم: أنَّه لا يقيمه عليه؛ لأنه غير حر، ويحتمل أن يقيمه عليه كما تجب عليه الزكاة فيما ملكه ببعضه الحر، والأرجح: الأول. ٥٠٤١ - قول "المنهاج" عطفًا على ما عبر فيه بالأصح [ص ٥٠٤]: (وأن السيد يعزر) فيه أمور: أحدها: أنَّه يقتضي أنَّه لا نص فيه للشافعي، وليس كذلك؛ فقد نص عليه، فقال: (وللمكاتَب أن يؤدب عبده) (٣). ثانيها: أن تعبيره بالأصح يقتضي قوة مقابله، وليس كذلك؛ ففي "أصل الروضة": أنَّه ضعيف (٤). ثالثها: أنَّه أطلق الخلاف، ومحله: في حقوق الله تعالى، وله أن يؤدبه لحق نفسه قطعًا، وقد جعله في "أصل الروضة" أصلًا مقيسًا عليه (٥). ٥٠٤٢ - قوله: (ويسمع البينة بالعقوبة) (٦) يقتضي أن السيد لا يحده بعلمه، ويوافقه تخريجه ذلك في "شرح مسلم" على القضاء بالعلم في الحدود (٧)، وقد ذكر الرافعي أيضًا هذا البناء، لكنه عقبه بقوله: الأظهر: نعم (٨)، ومراده: ترجيح ذلك هنا، وإن كان الأظهر في القاضي خلافه؛ ولهذا قال في "أصل الروضة": فلو شاهده السيد .. فله إقامتها في الأصح. انتهى (٩) والفرق أن الحاكم إنما منع من القضاء بالعلم مطلقًا للتهمة، وهذا مفقود في السيد، ومن منع

стр. 1964

في حدود الله تعالى؛ فلأنه مندوب إلى ستره، فليس له هتكه بإقامة الحد عليه بلا بينة، والسيد إنما يقيمه سرًا من غير هتك. وقال شيخنا الإمام البلقيني: يمكن أن يقال: إن قلنا: السيد يقيم الحد استصلاحًا .. أقامه بعلمه قطعًا، وإن قلنا: ولاية .. فوجهان، والأصح: أنَّه يقيمه بعلمه. انتهى وتبعت أولًا في إيرادي ذلك على "المنهاج" شيخنا المذكور، والحق: أنَّه لا يرد، ولا يلزم من ذكر الخلاف في سماع البينة التي هي طريق لإثبات الحد بالاتفاق منع غيرها من الطرق، والله أعلم. ٥٠٤٣ - قوله: (والرجم بمدرٍ وحجارةٍ معتدلةٍ) (١) و"الحاوي" [ص ٥٨٥]: (بحجارة معتدلة) يقتضي منع الصخرة الكبيرة والحصيات الخفيفة، وبه صرح الإمام والغزالي (٢)، وهو مقتضى كلام "الروضة" وأصلها (٣)، ومنع ذلك شيخنا الإمام البلقيني، ومال: بل يُرمى بالخفيف والثقيل على حسب ما يتفق مما يجده الرامي؛ ففي "صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد في قصة ماعز: (فرميناه بالعظام والمدر والخزف)، قال: (فاشتد واشتددنا خلفه حتَّى أتى عُرْض الحَرَّةِ، فانتصب لنا، فرمشِاه بجلاميد الحَرَّة، يعني: الحجارة حتَّى سكت) (٤) قال شيخنا: ففيه أنهم رموه بالعظام والمدر والخزف بحسب ما وجدوا في ذلك الموضع، فلما وجدوا في الحرة الحجارة الكبار وهي الجلاميد .. رجموه بها، فدل على أنَّه لا يضيق في ذلك، وأنه بحسب ما يجده الذي يرجمه؛ وفي رواية عبدِ الرزاق عن ابن جريج: "أن ماعزًا لم يقتل حتَّى رماه عمر بلحي بعير، قام رأسه، فقتله) (٥) وفي رواية للبيهقي: (أن عبدِ الله بنُ أنيس رماه بوظيف حمار أي: وهو مستدق الذراع والساق فصرعه، ورماه الناس حتَّى قتلوه) (٦) وفي "صحيح مسلم": (أن خالد بنُ الوليد رمى رأس الغامدية بحجر فنضح الدم على وجهه) (٧) قال: ولعل الإمام أراد: البداءة بالصخرة الكبيرة والاستمرار على الرمي بالحصيات الخفيفة. ٥٠٤٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٣]: (وإن ثبت الحد بالبينة .. استحب أن تُحفر له حفيرة) المشهور: الجزم بأنه لا يحفر للرجل، والخلاف إنما هو في المرأة، والصحيح فيها: هذا

стр. 1965

التفصيل، وعلى هذا مشى "المنهاج" (١)، وهو الذي في كتب الرافعي والنووي (٢)، لكن في "الأحكام السلطانية" للماوردي مثل ما في "التنبيه" (٣)، إلَّا أنَّه حكى ذلك في "الحاوي" عن اختيار العراقيين، وأراد بهم: المخالفين لأصل المذهب، لا أصحابنا، ثم قال: وهذا عندنا غير مختار في رجم الرجل، سواء رجم بشهادة أو إقرار (٤)، وذكر ابن يونس أن في بعض نسخ "التنبيه": (يحفر لها) وأن هذه النسخة هي الصحيحة. قال ابن الرفعة: وما ذكره من تصحيح هذه النسخة تظهر صحته؛ لأن النووي لم ينبه في هذا الموضع على شيء، فلو كان لفظ الشيخ بالتذكير .. لنبه على ذلك على عادته، وحكى في "التوشيح" عن نسخة صحيحة عليها خط المصنف ﵀ بالصحة له بالتذكير، واستشكل شيخنا الإسنوي في "التنقيح" المنقول بما في "صحيح مسلم": (أن ماعزًا حفر له) (٥)، مع أن زناه ثبت بالإقرار، وما في "سنن أبي داوود": (أن فتى محصنًا اعترف بالزنا فحفر له ورجم) (٦)، قال في "التوشيح": لكن قد ثبت في "صحيح مسلم" أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري: (فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، فما حفرنا له) (٧)، قال: وهذه الرواية عندنا أرجح؛ لتظافر الأحاديث على أنَّه هرب، واتبعوه، وأن النبي ﷺ قال لهم: "فهلا تركتموه"، قال: ويؤيدها - أعني في عدم الحفر - ما رواه النَّسائي من حديث أبي هريرة: (أنَّه اضطجع في ظل شجرة ورُجم حتَّى مات). ومال شيخنا الإمام البلقيني إلى أن الإمام يتخير في الحفر للرجل؛ إن شاء .. حفر له وإن شاء .. لم يحفر، قال: وهو الموافق لمقتضى الأحاديث الصحيحة، بل يمكن أن يدعي في ذلك السنة، قال: ولو بلغ الشَّافعي ﵁ الحديثان اللذان فيهما الحفر .. لقال به تخييرًا أو سنة، قال: ويمكن الجمع بين الراويتين - أي: في حديث ماعز - أنَّه حفر له حفرة صغيرة، فلما رجم .. هرب منها، ولا ينافي ذلك قوله في رواية البيهقي من حديث بريدة: (فجعل فيها إلى صدره) (٨) لأنه لا يمتنع أن يهرب من الحفيرة المذكورة؛ لأنه ليس المراد: أن يرد عليه التراب

стр. 1966

بحيث لا يتمكن من الخروج، وناقش شيخنا المذكور "المنهاج" في قوله [ص ٥٠٤]: (والأصح: استحبابه إن ثبت ببينة) وقال: العبارة الوافية: (إن لم يثبت بإقرارها) ليشمل ما إذا وجب عليها الحد بلعان الزوج .. فإنه كالبينة؛ لأنه لا يستحب لها أن تلاعن بعد امتناعها كما لا يستحب للشهود الرجوع بعد شهادتهم، قال: ويحتمل أن يجعل كإقرارها؛ لأنها متمكنة من إسقاط الحد باللعان، وصحح شيخنا المذكور: استحباب الحفر لها ولو ثبت بالإقرار؛ فإن في "صحيح مسلم" من حديث بريدة الأمر بالحفر للغامدية مع أن زناها بالإقرار (١)، قال: ولا يحل أن يثبت في مذهب الشَّافعي ما يخالف السنة الصحيحة. ٥٠٤٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٢، ٢٤٣]: (فإن وجب الرجم في الحر أو البرد أو المرض؛ فإن كان قد ثبت بالبينة .. رجم، وإن ثبت بالإقرار .. فالمنصوص: أنَّه يؤخر إلى أن يبرأ ويعتدل الزمان، وقيل: يقام عليه) صحيح "المنهاج" الثاني، فقال [ص ٥٠٤]: (ولا يؤخر لمرض وحر وبرد مفرطين، وقيل: يؤخر إن ثبت بالإقرار) وكذا قال "الحاوي" [ص ٥٨٥]: (وإن مرض، وفي الحر والبرد المفرطين) وقيد التأخير بأن يكون الحر والبرد مفرطين، واستفدنا من "التنبيه" أن التأخير منصوص، فلا ينبغي التعبير عنه بقيل على اصطلاحه. وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف عليه في "الأم"، وما أظنه يصح عن الشَّافعي، وإنَّما هو وجه حكاه ابن أبي هريرة، وعدم التأخير منصوص "المختصر"، فالمسألة ذات قولين إن صح نص "الأم"، وهنا أمور: أحدها: أن محل الخلاف: في المرض الذي يُرجى برؤه، ولا خلاف في رجمه في المرض الذي لا يرجى زواله، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، قال: وما وقع في "شرح التنبيه" لابن يونس عن الشيخ أبي حامد: أنَّه إن كان مريضًا .. أخّر الرجم، سواء رجي برؤه أم لا، نقلٌ غير صحيح، ولم يقله الشيخ أَبو حامد. ثانيها: ومحل الخلاف أيضًا ما إذا لم يرتد بعد ذلك، ولم يتحتم قتله في المحاربة، فإذا وُجد أحدهما .. رجم قطعًا، ذكره شيخنا أيضًا. ثالثها: ظاهر كلامهما وجوب التأخير على ذلك الوجه، وليس كذلك، وإنَّما هو مستحب، قاله شيخنا المذكور، وقال: لم أر من تعرض له هنا، وتعرضوا له في الجَلْد. ٥٠٤٦ - قول "الحاوي" [ص ٥٨٥]: (ويؤخر الجلد) أي: في المرض والحر والبرد المفرطين، فيه أمران:

стр. 1967

أحدهما: أن هذا التأخير مستحب؛ فقد قال في "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (فإن جلده في هذه الأحوال فمات .. فالمنصوص: أنَّه لا يضمن) وكذا قال في "المنهاج" [ص ٥٠٤]: (فلا ضمان على النص فيقتضي أن التأخير مستحب) لكن في "زيادة الروضة": المذهب: وجوب التأخير مطلقًا (١)، يعني: سواء أوجبنا الضمان أم لا. قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو مخالف لقول الشَّافعي ﵁ في "الأم": (وإذا وقع على رجل حَدٌّ، فضربه الإمام وهو مريض أو في برب شديدٍ أو حَرٍّ شديدٍ .. كرهت ذلك) (٢) فتصريحه بالكراهة يدل على أنَّه لا يجب التأخير، ثم صوب شيخنا أن الاستحباب فيما إذا كان الجلد في المرض أو الحر أو البرد لا يهلك غالبا ولا كثيرًا، والوجوب فيما إذا أهلك غالبًا أو كثيرًا. ثانيهما: أن محل التأخير: في مرض يرجى برؤه، قال في "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (وإن كان نضو الخلق أو مريضًا لا يرجى برؤه .. جلد بأطراف الثياب وإثكال النخل)، وقال في "المنهاج" [ص ٥٠٤]: (فإن لم يُرج برؤه .. جلد لا بسوط، بل بعثكال عليه مائة غصن، فإن كان خمسين .. ضرب مرتين، وتمسه الأغصان أو ينكبس بعضها على بعض ليناله بعض الألم) وحذف ابن يونس في "النبيه" إضافة الإثكال إلى النخل كما فعل "المنهاج" لأن الإثكال لا يطلق إلَّا على شمراخ النخل كما نبه عليه في "تنويهه"، قال: وغلطناه في قوله: (أطراف الثياب) (٣) إذ لا يكاد يوجد لغيره؛ وهذا لأن الإمساك بطرف ثوبه لا أثر له في الإيلام، ولا يسمى جلدًا، وكذا أنكر على الشيخ ابن عمه في "شرحه" والنووي في "نكته"، وقال ابن الرفعة: إنه صرح به جماعة من الأئمة، ولا التفات إلى من قال: إنه لم يره إلَّا في "المستظهري" (٤)، وفي "أصل الروضة": ولا يتعين العثكال، بل له الضرب بالنعال وأطراف الثياب، كذا حكاه ابن الصباغ والروياني وغيرهما (٥). قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو عندي متعقب في النعال إذا كان ألمها أكثر من ألم العثكال، وأما أطراف الثياب .. فالظاهر أن أمرها مساو للعثكال أو أخف منه، وفي الحديث في شارب الخمر: (أنهم ضربوه بحضرة النبي ﷺ بالنعال وأطراف الثياب) وفي معنى المرض الذي لا يرجى برؤه: إذا كان البلد شديد الحر أو البرد دائما كما صرح به الماوردي، فقال: فإن كان في بلاد الحر التي لا يسكن حرها أو البرد التي لا يقل بردها .. لم يؤخر حده، ولم

стр. 1968

ينقل إلى البلاد المعتدلة؛ لما فيه من تأخير الحد، ولكن يخفف، ويقابل إفراط الحر وإفراط البرد بتخفيف الضرب حتَّى يسلم فيه من القتل (١). وفي معنى المريض ونحوه: النفساء، ومن به جرح أو ضرب .. فإنه يؤخر حتَّى يبرأ، نص عليه في "مختصر المزني"، فقال: (ولا يقام حد الجلد على كذا ولا كذا ولا في أسباب تلف) (٢)، وهو شامل لما ذكرناه. ٥٠٤٧ - قول "النبيه" [ص ٢٤٢]: (ولا تجلد المرأة في حال الحبل حتَّى تضع وتبرأ من ألم الولادة) لا بد مع ذلك من انقطاع دم النفاس أيضًا. ٥٠٤٨ - قوله: (وإن وجب الرجم وهي حامل .. لم ترجم حتَّى تضع ويستغني الولد بلبن كيرها) (٣) الأصح: أنَّها لا ترجم حتَّى تفطمه هي، وإن وجدت مرضعة غيرها، ثم يوجد له كا فلة، وعليه مشى "الحاوي" في (الجنايات) فقال [ص ٥٧٣]: (وفي الحد الفطام، وكافل). ٥٠٤٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (ويتوقى الوجه والرأس) الأصح: أنَّه لا يتوقى الرأس. ٥٠٥٠ - قوله: (ولا يقيم الحد في المسجد) (٤) أي: على سبيل الكراهة كما قاله في "الكفاية"، وحكاه عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ، لكن مقتضى كلام الرافعي تحريمه. ٥٠٥١ - قوله في حد الخمر: (وإن زنى وهو بكر فلم يحد حتَّى زنى وهو محصن .. جلد ورجم، ويحتمل أن يقتصر على رجمه) (٥) أقره النووي في "تصحيحه" على الأول، وهو في "الروضة" وأصلها محكي عن تصحيح البغوي وغيره (٦)، وحكاه في "الكفاية" عن البندنيجي وآخرين، والاحتمال المذكور وجه منقول، صححه الإمام والغزالي (٧)، وعليه مشى "الحاوي" في حد الزنا فقال [ص ٥٨٥]: (ودخل فيه - أي: في الرجم - حد البكر) لكنه خالفه في اللعان فقال آخر الباب: (قذف بكرًا، فتزوجت آخر، ووطئها، ثم قذفها، ولاعنا ولم تلاعن .. فتجلد ثم ترجم) (٨).

стр. 1969

كتابُ حَدِّ القّذْف ٥٠٥٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٥]: (شرط حد القاذف: التكليف إلَّا السكران) فيه أمران: أحدهما: ما اقتضاه كلامه من أن السكران غير مكلف ذكره في غير موضع، وسبق الرد عليه فيه في الطلاق. ثانيهما: يشترط مع ذلك أيضًا كونه ملتزمًا للأحكام؛ ليخرج الحربي، وقد ذكره "التنبيه" بقوله [ص ٢٤٣]: (وهو مسلم أو ذمي أو مستأمن أو مرتد) ولو عبر بالالتزام كما ذكرنا .. لكان أخصر. ٥٠٥٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٥]: (ولو استقل المقذوف بالاستيفاء .. لم يقع الموقع) و"الحاوي" [ص ٥٢٥]: (وإن استوفى المقذوف) و"التنبيه" [ص ٢٤٤]: (ولا يستوفي حد القذف إلَّا بحضرة السلطان) يستثنى منه: ما لو كان المقذوف مالك القاذف .. فله حده، كما في "أصل الروضة" قبل حد القذف (١). قال شيخنا الإمام البلقيني: ولم يخرجه على أن إقامة الحد على عبده ولاية أو استصلاح؛ لأنا وإن قلنا: ولاية .. فهو بمنزله الأب أو الجد الذي يقتص من مال ولده الثمن لنفسه فيما باعه منه. قلت: ولعل سببه ما قدمناه أن له تأديته لحق نفسه قطعًا، فله حده لحق نفسه قطعًا، وقال الماوردي في صول الفحل: من كان ببادية بعيدة وقدر على استيفاء الحد والتعزير بنفسه من غير مجاوزة فيه .. جاز له استيفاؤه كالدين (٢). ٥٠٥٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٤]: (وإن قال لرجل: اقذفني فقذفه .. فقد قيل: يجب الحد، وقيل: لا يجب) الأصح: أنَّه لا يجب، وعليه مشى "الحاوي" فقال عطفًا على المنفي [ص ٥٢٥]: (أو أباحه).

стр. 1970

كتابُ قطع السّرقة ٥٠٥٥ - كذا في "المنهاج" (١)، وفي "التنبيه" [ص ٢٤٤]: (حد السرقة)، ولو قالا: (كتاب السرقة) كما فعل "المنهاج" في (كتاب الزنا) .. لكان أخصر وأعم؛ لتناوله أحكام نفس السرقة. ٥٠٥٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (والنصاب ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار) قيد ذلك "المنهاج" و"الحاوي" بكونه خالصًا (٢)، ومثله ما لو كان مغشوشًا خالصه كذلك، وقيده "الحاوي" أيضًا بكونه مضروبًا (٣)، وأورد عليه: أنَّه لا يحتاج إليه مع قوله: (دينار) لأن اسم الدينار إنما يقع على المضروب، وأورد شيخنا الإمام البلقيني على "المنهاج" في إخلاله بكونه مضروبًا، وذلك يدل على صدق اسم الدينار بدونه، وهو خلاف ما صرح به الرافعي وغيره (٤)، وأطلق "التنبيه" و"المنهاج" القيمة، وقيدها "الحاوي" مع غيرها بقوله: (قطعًا)، وتبع في ذلك ما حكاه في "أصل الروضة" عن الإمام أنَّه قال: الذي أرى الجزم بأنه لا تجب ما لم يقطع المقومون ببلوغها نصابًا، وللمقومين قطع واجتهاد، والقطع من جماعة لا يَزلّون معتبر، ومن جماعة لا يبعد الزلل منهم فيه احتمالان: أحدهما: يكفي كما تقبل الشهادة مع احتمال الغلط. والثاني: المنع؛ لأن الشهادة تستند إلى معاينة (٥). لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إن ذلك ليس بمعتمد؛ لأن القتل قصاصًا أثبته الشرع بشاهدين وإن جاز عليهما الغلط، ومتى ثبتت القيمة بشاهدين من غير شهادة تعارض شهادتهما .. قطعته وإن لم أقطع بالقيمة كسائر البينات. قلت: قد عرفت الفرق باستناد غير شهادة القيمة إلى المعاينة بخلافها، فلا بد من تقويها بالقطع، والله أعلم. وعبارة "الحاوي" [ص ٥٨٧]: (بسرقة قدر ربع دينار خالص مضروب قطعًا) وأورد في هذا المحل عليه: ما لو سرق ربعًا سبيكةً لا يساوي ربعًا مضروبًا .. فإنه لا قطع على الأصح في

стр. 1971

"المحرر" و"المنهاج" (١)، وسنتكلم عليه مع أنَّه يصدق أنَّه قدر ربع دينار، فلو عبر بالقيمة .. لكان أصرح في المقصود. ٥٠٥٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٦]: (ولو سرق ربعًا سبيكة لا يساوي ربعًا مضروبًا .. فلا قطع في الأصح) تبع في ترجيحه "المحرر" (٢)، ونقل في "الشرح" ترجيحه عن الإمام وغيره، وصححه في "أصل الروضة"، وحكى الرافعي ميل جماعة إلى ترجيح القطع؛ منهم البغوي، وفي "البيان": إنه المذهب (٣). وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ظاهر نصوص الشَّافعي على ربع دينار من غير اشتراط أن يكون مضروبا، قال: وهو المذهب المعتمد، وعليه أكثر الأصحاب، وقال الشيخ أَبو حامد: لا يختلف فيه المذهب، وقال الماوردي: إنه ظاهر المذهب (٤)، وحكاه البندنيجي وصاحب "المهذب" عن عامة الأصحاب (٥)، ونحوه في "الشامل" و"الحلية" للشاشي (٦)، وحكاه البغوي والخوارزمي والعمر إني عن الأكثرين (٧)، وصححه الهروي، واختاره في "المرشد". انتهى أما عكسه، وهو خاتم زنته دون ربع وقيمته ربع بالصنعة .. فقال في "أصل الروضة": إنه لا قطع فيه على الصحيح (٨)، وليس في "الشرحين" فيه تصحيح، بل مقتضى كلامه تصحيح القطع فيه، وإن صحح في عكسه عدمه؛ فإنه بنى القطع فيه على اعتبار العين، ومقابله على اعتبار القيمة، وبناهما في عكسه على العكس (٩)، وذكر في "المهمات": أن ذلك غلط فاحش وذهول عجيب؛ فإنه عقبه بقوله: والخلاف في المسألتين راجع إلى الاعتبار بالوزن أم بالقيمة (١٠)، فكيف يصح مع هذا البناء عدم القطع فيهما؟ " وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ليس بغلط فاحش، بل هو فقه مستقيم، وإن لم يعطه كلام الرافعي؛ فإن الوزن لا بد منه، وهل يعتبر مع ذلك في غير المضروب أن تبلغ قيمته ربع دينار

стр. 1972

مضروب؟ فيه الخلاف الذي في السبيكة، أما إذا نقص الوزن في عين الذهب ولكن قيمته بصنعته تساوي ربع دينار مضروب .. فهذا يضعف فيه الاكتفاء بالقيمة، وصار على اعتبار القيمة وجهان: أحدهما: أنَّه لا بد من مراعاة الوزن. والثاني: يكفي بلوغ القيمة ربع دينار وإن نقص الوزن من نفس الذهب، وهذا ضعيف جدًا؛ لأن النصاب معتبر من عين الشيء كما في نصاب الزكاة، ويؤيد هذا أن الإصطخري المخالف في صورة السبيكة إنما نصبوا خلافه في سبيكة زنتها ربع مثقال، ونصب الشيخ أَبو حامد خلافه فيما نقص بضربه، وذلك يقتضي مراعاة الوزن والقيمة، ومن خرج على كلام الإصطخري النظر إلى القيمة وحدها .. كان نظرًا ضعيفًا، ولم أر أحدًا ذكر تخريج ذلك إلَّا الإمام ومن تبعه (١)، وهو منفرد بذلك، وقد تنبه في "الوسيط" لشيء من هذا، فقال بعد حكاية الوجهين في السبيكة: ولو سرق خاتمًا قيمته ربع وزنته سدس .. وجب القطع إن اعتبرنا التقويم، وإن اعتبرنا الوزن .. فلا قطع (٢)، وإن نظرنا إلى العين .. لم يجب، ومن ذلك يظهر أن النظر إلى العين أو الوزن لا يوجب القطع، وأن النظر إلى القيمة المجردة يقتضي القطع، وهو ضعيف، قال: فظهر أن الذي في "الروضة" صواب، وأن الغالط من غلطه. انتهى واعلم: أن المعتبر في كون قيمة المسروق ربع دينار حالة السرقة، فلو نقصت قيمته بعد ذلك .. لم يسقط القطع، ذكره في "التنبيه" (٣)، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص ٥٨٧]: (لدى الإخراج من الحرز). ٥٠٥٨ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (وإن نقب الحرز وأخذ دون النصاب وانصرف ثم عاد وأخذ تمام النصاب .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع، وقيل: إن اشتهر خراب الحرز .. لم يقطع، وإن لم يشتهر .. قطع) الأصح: أنَّه يقطع، ومحل الخلاف: ما إذا لم يتخلل علم المالك وإعادة الحرز، فإن وجدا أو أحدهما .. فلا قطع، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص ٥٠٦]: (فإن تخلل علم المالك وإعادة الحرز .. فإخراج الثاني سرقة أخرى، ولا قطع في الأصح) و"الحاوي" فقال [ص ٥٨٩]: (ودفعاتٍ بلا تخلل علم المالك كالنقب والأخراج ليلة أخرى) وظاهر كلامهما: أنَّه لا فرق في القطع بين أن يشتهر خراب الحرز أم لا، وهو صريح كلام "أصل الروضة" فإنه جعل الفرق بين اشتهار الحرز وعدمه وجهًا مرجوحًا (٤)، وقد استدرك "المنهاج" على قول "المحرر":

стр. 1973

ولو نقب وعاد في ليلة أخرى فسرق .. قطع في الأصح (١)، فقال: (قلت: هذا إذا لم يعلم المالك النقب ولم يظهر للطارقين، وإلَّا .. فلا يقطع قطعًا) (٢) وهذا الاستدراك وارد على إطلاق "الحاوي" في النقب أيضًا، وكذا قال في "أصل الروضة": إن علم صاحب الحرز بالنقب أو كان ظاهرًا يراه الطارقون وبقي كذلك .. فلا قطع؛ لانتهاك الحرز، وإلَّا .. فيقطع على الأصح (٣). وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن ما في "المنهاج" هنا غير مستقيم؛ لأنه إذا اشتهر ذلك .. فلا يقطع. انتهى والحاصل: أن ظهور ذلك واشتهاره كعلم المالك .. فلا قطع معه، وذكر شيخنا الإمام البلقيني في كلامه على الموضع الثاني من "المنهاج": أن في المسألة طريقين، وقد ذكر ذلك البغوي: إحداهما: إثبات الخلاف مطلقًا وإن تخلل علم المالك والطارقين. والثانية: القطع عند التخلل المذكور بعدم القطع، قال: وكأن من قال: يقطع مطلقًا - وهو ابن سريج - نظر إلى أن الحرز قد انتهك بفعل السارق، فكل ما فيه محرز بالنسبة إليه وإن تخلل الإطلاع، ومن قطع بعدم القطع رأى أن انتهاك الحرز صير ما فيه غير محرز مطلقًا، قال: وهذا أوجه، لكن النقل عن ابن خيران يخالفه، فهو ضعيف من جهة المعنى صحيح من جهة النقل، والله أعلم (٤). ٥٠٥٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٦]: (ولو سرق خمرًا أو خنزيرًا أو كلبًا أو جلد ميتة بلا دبغ .. فلا قطع) يستثنى منه: ما لو دبغه السارق في الحرز وصار يساوي نصاب سرقة، وقلنا: بجواز بيعه وهو الجديد، وبأنه للمغصوب منه إذا دبغه الغاصب وهو الأصح .. فالأرجح: أنَّه يقطع، وقد تناوله مفهوم قوله: (بلا دبغ) وفيه احتمال؛ لأنه حالة السرقة غير مدبوغ وحالة الإخراج من الحرز مدبوغ، وطرد شيخنا الإمام البلقيني هذا الخلاف فيما إذا صار الخمر خلًّا بعد وضع السارق يده قبل الإخراج، قال: ولم يذكروه. ٥٠٦٠ - قوله: (فإن بلغ إناء الخمر نصابًا .. قطع على الصحيح) (٥) كان ينبغي أن يقول: (على النص) ففي "أصل الروضة": إنه الأصح المنصوص (٦)، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن محل الخلاف فيه: ما إذا لم يكن الخمر محترمًا، فإن كان محترمًا لمسلم أو خمرًا لذمي لا يراق ..

стр. 1974

قطع قطعًا، قال؛ لأنهم وجهوا عدم القطع بأن ما في الإناء يستحق الإراقة، فيصير شبهة في دفع القطع، وهذا لا يأتي في التي لا تراق، قال: ولو كان إناء الخمر من ذهب أو فضة .. فمقتضى إيراد الماوردي وابن الصباغ وغيرهما: الجزم بأنه يقطع (١)، ولكن بطريقه خلاف من جهة أنَّه إذا لم يجز اتخاذه وهو الأصح .. يصير كآلات الملاهي. ٥٠٦١ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (وإن سرق طنبورًا أو مزمارًا يساوي مفصَّلُه نصابًا .. قطع، وقيل: لا يقطع فيه بحال) صحح الرافعي في "المحرر" الثاني (٢)، مع نقله في "شرحيه" الأول عن الأكثرين (٣)، فلذلك استدركه فيه في "المنهاج"، وصحح القطع بالشرط المذكور (٤)، وعليه مشى "الحاوي"، فقال عطفا على ما لا قطع فيه [ص ٥٩٠]: (وجائز الكسر بقصده أو قلَّ رضاضه). لكن مال شيخنا الإمام البلقيني إلى عدم القطع فيه مطلقًا، وتمسك بإطلاق الشَّافعي ﵁ عدم القطع فيها، وبأن الأكثرين على إبطال بيع آلات الملاهي ولو عُدَّ رضاضها مالًا، وبأن الحرز الذي هي فيه كلا حرز بالنسبة إليها؛ فلا يجب القطع بسرقتها، وقال الروياني في "الكافي" بعد حكاية النص المشهور، وقال في موضع آخر: إلَّا أن تبلغ قيمتها مخلّعة ربع دينار، قال شيخنا الإمام البلقيني: ولم أقف على هذا النص الذي ذكره ولا ذكره غيره. ٥٠٦٢ - قول "الحاوي" [ص ٥٨٧]: (مِلكَ غيرٍ لدى الإخراج من الحرز، بلا شرك) تبع فيه الغزالي (٥)، وقال الرافعي: لك أن تقول: في اشتراطه كونه ملك الغير غنية عن هذا الشرط؛ لخروج المشترك عنه؛ فإنه لا يصدق أن يقال في المشترك: إنه مملوك لغير السارق (٦)، ولهذا اقتصر "المنهاج" على قوله [ص ٥٠٦]: (الثاني: كونه ملكًا لغيره) وفي قول "الحاوي" [ص ٥٨٧]: (لدى الإخراج من الحرز) و"المنهاج" [ص ٥٠٦]: (قبل إخراجه من الحرز) ما يقتضي أنَّه لو ملكه بعد إخراجه من الحرز .. لم يسقط القطع، لكن لو وقع الملك قبل الرفع إلى القاضي .. لم يمكن استيفاء القطع؛ فإنه يتوقف على مطالبة المسروق منه بالمال، ذكره في "الروضة" وأصلها (٧).

стр. 1975

٥٠٦٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٧]: (الثالث: عدم شبهة فيه؛ فلا قطع بسرقة مال أصل وفرع) أعم من تعبير "التنبيه" بالأب والابن (١)، وتناولت عبارتهما ما لو كان الأصل والفرع رقيقًا سرق من مال فرعه أو أصله الحر؛ لإطلاق الشَّافعي والأصحاب، ويؤيده أن المنقول: أنَّه لو وطئ الأصل العبدُ جاريةَ فرعه الحر التي ليست موطوءة الفرع .. لم يحد؛ للشبهة مع وجود الرق، ذكر ذلك شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لم أر من صرح به هنا، لكنه استثنى من ذلك: ما لو نذر إعتاق عبده غير المميز فسرقه أصل الناذر أو وفرعه .. فقال: يقطع؛ وعلله بأن شبهة استحقاق النفقة إنما تتعلق بالمال الذي لمالكه تصرف فيه، ولا تصرف له في هذا، وإن لم يَزُل ملكه عنه، وليس كالمستولدة وولدها؛ لأن للمالك إجارتهما، قال: ولم أر من تنبه له. ٥٠٦٤ - قولهم: (إن العبد لا يقطع بسرقة مال سيده) (٢) كذا مال أصل سيده أو فرعه. ٥٠٦٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٦]: (وإن سرق أحد الزوجين من الآخر .. فقد قيل: يقطع، وقيل: فيه أقوال: أحدها: يقطع، والثاني: لا يقطع، والثالث: بقطع الزوج دون الزوجة) الأصح: طريقة الأقوال، وأصحها: القطع، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٣)، ولا يخفى تقييده بأن يكون محرزًا عنه، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي عندنا: أن مذهب الشَّافعي في ذلك: أنَّه لا قطع على واحد منهما؛ لاختياره له، وبسط دليله، وذكر مقابله مختصرًا من غير إقامة دليل ولا بسط، وإن كان الأرجح في القياس: أن يقطع الزوج دون الزوجة. ٥٠٦٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٦]: (ومن سرق مالًا فيه شبهة؛ كمالِ بيت المال .. لم يقطع) محله: فيما إذا كان السارق مسلمًا والمسروق لم يفرز لطائفة معينة، ويرد ذلك على قول "الحاوي" [ص ٥٩٠]: (والفقير من بيت المال والغني من المصالح) ويزيد أمرًا آخر، وهو: أنَّه إنما فرق بين الغني والفقير؛ لظنه أن مال الصدقات من أموال بيت المال، فذكر أن الفقير لا يقطع بسرقة مال بيت المال مطلقًا، وأن الغني لا يقطع به إذا كان من سهم المصالح، وهو خمس الخمس، ومال الصدقات ليس من أموال بيت المال، ومال بيت المال شيئان: خمس خمس الغنيمة والفيء، ومال من مات من المسلمين ولا وارث له مستغرق، ولا فرق فيهما بين الغني والفقير، وعبارة "المنهاج" [ص ٥٠٧]: (ومن سرق مال بيت المال؛ إن أفرز لطائفة ليس هو منهم .. قطع، وإلَّا .. فالأصح: أنَّه إن كان له حق في المسروق؛ كمال المصالح وكصدقةٍ وهو

стр. 1976

فقيرٌ .. فلا، وإلَّا .. قطع) ويرد عليه مما تقدم أمران: أحدهما: اختصاص ذلك بالمسلم. الثاني: أن مال الصدقة ليس من أموال بيت المال، ويزيد أمورًا أخر: أحدها: أن ما ذكره فيما قرر لطائفة قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: في طائفة لها مستحق مقدر بالأجزاء في مال مشاع بصفة؛ كذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمقرر من الأخماس الأربعة من الفيء للمرتزقة تفريعًا على أنَّه ملكهم، فأما إذا أفرز الإمام من سهم المصالح لطائفة من العلماء أو القضاة أو المؤذنين شيئًا من ذلك .. فلا أثر لهذا الإفراز؛ إذ لا سهم لهم مقدر يتولى الإمام إفرازه لهم، والحكم فيه كما لو كان مشاعًا، قال: ولم أر من تعرض له، ولا بد منه. ثانيها: في معنى ما لو كان السارق ممن أفرز لهم ذلك المال: ما لو كان أصلًا أو فرعًا أو عبدًا لأحدهم، وكذا كل من لا يقطع بسرقة مال بيت المال .. لا يقطع أصله ولا فرعه ولا عبده بسرقته منه. ثالثها: يستثنى من قطع الغني بأخذه من الصدقات: ما لو كان غارمًا لإصلاح ذات البين أو غازيًا، وذلك يرد على "الحاوي" أيضًا. ٥٠٦٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٦]: (وإن سرق القناديل أو الحصر - أي: التي للمسجد - .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع، ومحله: في القناديل التي تسرج دون التي للزينة، فتلك يقطع بها، وعلى هذا مشى "المنهاج" فقال [ص ٥٠٧]: (والمذهب: قطعه بباب مسجد وجذعه لا حُصُرِهِ وقناديل تسرج) لكن في تعبيره بالمذهب نظر، ومحل ذلك: في المسلم، أما الكافر: فيقطع بها بلا خلاف، وقد دخل ذلك في قول "الحاوي" [ص ٥٨٧]: (بلا شرك وحق) فقوله بعد ذلك فيما يقطع فيه: (ولمسجد) (١) أراد به: الجذع والباب دون القناديل والحصر. ٥٠٦٨ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٦]: (وإن سرق شيئًا موقوفًا .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه يقطع، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٢)، والخلاف في نفس الموقوف، فلو سرق غلة الوقف .. قطع قطعا، ولا يخفى أن محله: فيما إذا لم يكن السارق من الموقوف عليهم ولا أصلًا لأحدهم ولا فرعًا ولا عبدًا. ٥٠٦٩ - قول "الحاوي" [ص ٥٨٩]: (وأم ولد) صوره "المنهاج" فقال [ص ٥٠٧]: (سرقها

стр. 1977

نائمة أو مجنونة) وإنَّما صور بذلك؛ لأنها بالغ، لكن ولدها من زوج أو زنا التابع لأمه في العتق بموت السيد يجيء فيه الوجهان إذا كان صغيرًا، ويجريان فى المنذور إعتاقه والموصى بعتقه إذا سرق بعد موت السيد بشرط صغر أو نوم أو جنون. ٥٠٧٠ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٧]: (الرابع: كونه محرزًا بملاحظةٍ أو حصانةٍ موضعِهِ) يقتضي التفاء بالحصانة بلا ملاحظة، وليس كذلك؛ فقد قال بعده: (وإن كان بحصن .. كفى لَحْظٌ معتادٌ) (١) فدل على أن اعتبار اللحظ لا بد منه إلَّا أنَّه يحتاج في غير الحصن إلى دوامه، ويكتفى في الحصن بالمعتاد؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٥٨٧]: (بلحاظٍ مبالىً به دائم في الصحراء، أو معتادٍ بحصانةٍ) وأورد شيخنا البلقيني: أن الإحراز يكون بثالت غير الملاحظة والحصانة، وهو ما نزل منزلة الملاحظة، وذلك في النائم على ثوبه؛ فإنه لا ملاحظة منه، وليس الثوب بموضع حصين، ولكن نُزِّل نومه عليه منزلة ملاحظته. ويكفي في جواب هذا الإيراد قوله: (إنه منزل منزلة الملاحظة) فالتعبير بالملاحظة يغني عن ذكر ما نُزِّل منزلتها. ٥٠٧١ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٧]: (فإن كان بصحراء أو مسجد .. اشترط دوام لحاظٍ) و"الحاوي" [ص ٥٨٧]: (بلحاظ مبالًى به دائم في الصحراء والشارع والمسجد والسكة المنسدة) يقتضي أن الفترات العارضة للإنسان في العادة تقدح في هذا اللحاظ، فلو تغفله وأخذ في تلك الفترة .. لم يقطع، والمشهور: أن ذلك لا يقدح، وأن السارق منه يقطع؛ فينبغي التعبير باللحاظ المعتاد في مثله. ٥٠٧٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٧]: (وإصطبلٌ حرز دواب لا آنيةٍ وثيابٍ) كقول "الحاوي" [ص ٥٨٨]: (كدابة الإصطبل) وفيه أمور: أحدها: أنَّه لو عبر بالفاء فقال: (فإصطبل) .. لكان أحسن؛ لأنه أخذ في تفصيل ما أجمله أولًا. ثانيها: اختار شيخنا الإمام البلقيني في الإصطبل أنَّه كالدار، فيفصل فيه بين أن يكون متصلًا بالعمارة أم لا، ويعود فيه ما سيأتي فيها. ثالثها: استثنى شيخنا الإمام البلقيني من الآنية والثياب: آنية الإصطبل كالسطل وثياب الغلام وآلات الدواب من سروج وبرادع ولجم ورجال جمال وقربة السقاء والراوية ونحو ذلك مما جرت العادة بوضعه في إصطبلات الدواب.

стр. 1978

٥٠٧٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٧]: (وعرصة دارٍ وصُفَّتُها حرز آنية وثياب بذلة لا حلي ونقد) كقول "الحاوي" [ص ٥٨٨]: (وإناء الصحن كثوب البذلة) اختار شيخنا الإمام البلقيني أنهما حرز للحلي والنقود أيضًا، وتمسك بإطلاق قول الشَّافعي ﵁ في "الأم" و"المختصر": (والبيوت المغلقة حرز لما فيها) (١)، قال: وعليه جرى الشيخ أَبو حامد، وهو المذهب المعتمد، قال: وإنَّما يتخذ الناس لنقودهم وحليهم حرزًا خاصًا غير الصفة من أجل عائلتهم لا من أجل السارق، فالعادة أن الدار المحكمة الباب العالية البناء حرز لذلك وإن لم يوضع في خزانة أخرى مغلقة. ٥٠٧٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٧]: (ولو نام بصحراءَ أو مسجدٍ على ثوبٍ أو توسد متاعًا .. فمحرز) فيه أمران: أحدهما: التمثيل بالصحراء والمسجد يشعر بأن المراد: موضع مباح، وكذا قيده به الشَّافعي ﵁ والقاضي حسين كما حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: وهذا قد يفهم من الكلام في الغاصب، ولكن التنبيه عليه حسن. ثانيهما: دخل في إطلاق المتاع ما لو كان فيه دراهم أو دنانير أو نحوها، وقال الماوردي في هذه الصورة: لا يكون وضعه تحت رأسه إذا نام حرزًا له حتَّى يشده في وسطه (٢)، وهو مقتضى ما ذكره المصنف في الحلي والنقد في الصحن والصفة، وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس ذلك عندنا بمعتمد، ولا فرق عندنا في ذلك؛ فجميع ما يوضع تحت رأسه محرز به؛ لأن المدرك في إحرازه أنَّه إذا جرّه السارق .. انتبه النائم، وذلك يقتضي الاستواء، وفي "أصل الروضة": أنَّه لو أخذ الخاتم من إصبع النائم .. قطع (٣)، ولم يفرق بين خاتم وخاتم، وقد يكون فيه فص يساوي ألفًا أو أكثر. ٥٠٧٥ - قوله: (فلو انقلب فزال عنه .. فلا) (٤) يشمل ما لو كان انقلابه عنه بفعل السارق؛ بأن رفعه عن الثوب أولًا ثم سرقه، وبذلك صرح في "الروضة" وأصلها (٥)، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ممنوع لم يسبق البغوي إليه أحد؛ فإن السارق إذا أزال الحرز بالنقب والفتح ونحوهما، ثم سرق .. يقطع اتفاقًا، ولم يقل أحد بأنه إنما يقطع إذا سرق مع قيام الحرز، فبطل ما قاله البغوي؛ لإفضائه إلى مُخَالَفَةُ ما اتفقوا عليه، وذكر شيخنا أيضًا: أن مقتضى عبارة

стр. 1979

"المنهاج" في هذه الصورة: القطع؛ لأنه أطلق الحرز فيما توسد عليه، ولم يخرج عنه إلَّا صورة الانقلاب. قلت: وفيه نظر؛ لأن الانقلاب قد يكون بغير فعل أحد، وقد يكون بفعل فاعل؛ إما السارق وإما غيره، فالحق: أن مقتضى عبارة "المنهاج" في ذلك "الروضة"، والله أعلم. ٥٠٧٦ - قوله: (وثوب ومتاع وضعه بقربه بصحراء إن لاحظه .. محرز، وإلَّا .. فلا) (١) فيه أمور: أحدها: أن هذا مكرر تقدم ذكره في قوله: (فإن كان بصحراء أو مسجد .. اشترط دوام لحاظ) (٢). ثانيها: لم يقيد "الحاوي" ذلك بكونه بقربه (٣)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: مقتضى نصوص الشافعي وكلام أصحابه: أنَّه يكتفي بأن ينظر إليه من غير اعتبار القرب. ثالثها: إنما يكتفي بالملاحظة إذا لم يكن هناك زحام شاغل، وقد ذكره "الحاوي" (٤) ولعله مفهوم من تعبير "المنهاج" بالصحراء؛ لأن الغالب خلو الصحاري. رابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني: شرط الملاحظة: كون الملاحظ بحيث يراه السارق حتَّى يمتنع من السرقة إلَّا بتغفله، فإن كان في موضع لا يراه السارق .. فلا قطع؛ إذ لا حرز يظهر للسارق حتَّى يمتنع من السرقة. ٥٥٧٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٧]: (ودار منفصلةٌ عن العمارة إن كان بها قويّ يقظان .. حرز مع فتح الباب وإغلاقه، وإلَّا .. فلا) يقتضي أنَّه إذا كان فيها قوي نائم والباب مغلق .. ليست حرزًا، وهو مقتضى إطلاق الإمام والبغوي (٥)، لكن الذي أجاب به الشيخ أَبو حامد ومتابعوه أنَّها حرز، وهو مقتضى قول "الحاوي" [ص ٥٨٨]: (وبحافظ بلا فتح ونوم) لأنه لم يخرجها عن الحرز إلَّا عند اجتماع الأمرين، وقال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أقرب، وفي "زيادة الروضة": إنه أقوى (٦). وقال شيخنا الإمام البلقيني: هو الأرجح في الفتوى، وقد نص في "الأم" فيما إذا نزل في صحراء فضرب فسطاطًا وآوى فيه متاعه واضطجع فيه؛ فإن سُرق الفسطاط أو المتاع من جوف

стр. 1980

الفسطاط .. فأقطعُ فيه؛ لأن اضطجاعه فيه حرز للمتاع والفسطاط (١)، وسيأتي في "المنهاج" في الخيمة بالصحراء أنَّها إذا شُدّت أطنابها وأرخيت أذيالها .. فالمتاع الذي فيها محرز بشرط حافظ قوي فيها ولو نائم (٢)، ولا يقال: الخيمة لا توضع للدوام في الصحراء، بخلاف الدار؛ لأن أهل الخيام قد لا يظعنون صيفًا ولا شتاء، والحكم مستمر فيهم، ثم استثنى شيخنا من موضع الخلاف .. الدواب؛ فإنها محرزة في الدار التي فيها حافظ قوي نائم والباب مغلق. ٥٠٧٨ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (فإن سرق الثياب والجواهر ودونها أقفال في العمران .. قطع) يتناول ما إذا لم يكن فيها أحد، ومحله حينئذ: في النهار زمن الأمن، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص ٥٠٧]: (ومتصلة حرز مع إغلاقه وحافظ ولو نائم، ومع فتحه ونومه غير حرز ليلًا، وكذا نهارًا في الأصح، وكذا يقظان تَغفَّله سارق في الأصح، فإن خلت .. فالمذهب: أنَّها حرز نهارًا زمن أمن وإغلاقه، فإن فقد شرط .. فلا) وعبارة "الحاوي" [ص ٥٨٧، ٥٨٨]: (كدار وغلقت نهارًا) أي: زمن أمن، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن هذا شذ به البغوي، فتابعه عليه الرافعي والنووي (٣)، قال: والذي نص عليه الشَّافعي ﵁ في "الأم" و"المختصر" وجرى عليه شراح"المختصر ": أن المغلقة حرز وإن لم يكن صاحبها فيها (٤)، ولا فرق في ذلك بإن الليل والنهار، ولا بين الأمن والخوف، وقال في "التوشيح" فيما لو أغلق بابه ووضع المفتاح في بخش فأخذه السارق وفتح به الباب وسرق: الظاهر أن وضع المفتاح هنا تفريط فيكون شبهة تدرأ القطع، قال: ولم أجد المسألة منصوصة، فإن صحت .. وجب استثناؤها من قولهم: إن الدار المغلقة نهارًا حرز، وفي عبارة "المنهاج" مع ذلك أمور: أحدها: كان ينبغي أن يقول: (ولو نائمًا) على أنَّه خبر كان المحذوفة بعد لو. ثانيها: يستثنى من فتح الباب مع نوم الحارس: ما إذا كان فيها بيت مغلق .. فهو حرز لما فيه كما حكاه الشيخ أَبو حامد عن أبي إسحاق المروزي، ولم يتعقبه، وجزم به ابن الصباغ في "الشامل" والقاضي حسين في "تعليقه"، وقد يقال بعد تسليمه: إنه لا يرد؛ لأن باب ما جعلناه في حرز ليس مفتوحًا. ثانيها: يستثنى من الصورة المذكورة أيضًا: باب الدار؛ فهو بتركيبه في حرز وإن لم يكن في الدار أحد، حكاه أَبو حامد عن أبي إسحاق، وجزم به ابن الصباغ والقاضي حسين، ونفى الدارمي

стр. 1981

الخلاف فيه، فأما أَبواب التي داخله؛ فإن كانت مغلقة .. فهي في حرز، وإن كانت مفتوحة .. فقال ابن المرزبان: هي في حرز، وقال أَبو إسحاق: ليست في حرز، حكاه عنهما الدارمي. رابعها: ألحق شيخنا الإمام البلقيني بإغلاق الباب ما إذا كان مردودًا وخلفه نائم بحيث لو فتح .. لأصابه، وانتبه، وقال: إنه أبلغ من الضبة والمتراس، قال: وكذا لو كان نائمًا أمام الباب بحيث لو فتح .. لانتبه بصريره، وفي "الاستذكار" للدارمي: فإن نام على باب مفتوح .. فحرز إذا كان له صرير. خامسها: أورد شيخنا المذكور أيضًا أن الليل يدخل بغروب الشمس، وينبغي أن يكون لساعة أو ساعتين من أوله حكم النهار في جريان الخلاف؛ لاطراد العادة بفتح الباب فيه. سادسها: رجح شيخنا المذكور: أنَّها مع نومه وفتحه حرز نهارًا إذا سرق من الموضع الذي فيه النائم بحيث يراه لو كان منتبهًا؛ لأنه يعد عند العامة حرزًا، وقد قال الشَّافعي ﵁: أنظر إلى المسروق، فإن كان في الموضع الذي تنسبه العامة إلى أنَّه في مثل ذلك الموضع محرز .. فأقطع فيه (١). سابعها: محل الخلاف: في اليقظان الذي تغفّله سارق: ما إذا لم تدم الملاحظة، بل كان يتردد في الدار، فلو أدامها بحيث يحصل الإحراز بمثله في الصحراء .. فحرز قطعًا، كذا في "أصل الروضة" (٢)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن نفي الخلاف ممنوع؛ ففي تمام الملاحظة وجه بالقطع، وهو آتٍ هنا. ثامنها: أورد شيخنا أيضًا على قوله في الخالية: (نهارًا زمن أمن) (٣) أن من الغروب إلى ساعة ونحوها في انتشار الناس في حكم النهار، ومن طلوع الفجر إلى قريب الأسفار في حكم الليل كما تقدم عنه نظيره في الأمر الخامس. ٥٠٧٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٨]: (وخيمة بصحراء إن لم تشد أطنابها وترخى أذيالها .. فهي وما فيها كمتاعٍ بصحراء، وإلَّا .. فمحرز بشرط حافظ قوي فيها ولو نائم) فيه أمور: أحدها: أن اعتبار شد الأطناب وإرخاء الأذيال إنما هو بالنسبة لما فيها، فاما بالنسبة إليها .. فهي محرزه بدون إرخاء الأذيال، كما ذكره في "الروضة" وأصلها (٤)، وهذا وارد أيضًا على قول "الحاوي" [ص ٥٨٨]: (وخيمة بإرسال أذيال وشد أطناب).

стр. 1982

ثانيها: أنَّه اعتبر في الحافظ كونه قويًّا، وليس ذلك في "المحرر"، وعبارة "الروضة" وأصلها تقتضي أنَّه يشترط إما القوة وإما إمكان الاستغاثة؛ فإنه قال: قال الأئمة: والشرط أن يكون هناك من يتقوى به؛ أي: من هو فيها، فإن كانت في مفازة بعيدة عن الغوث وهو ممن لا يبالي به .. فليست بحرز (١)، وأطلق "الحاوي" الحافظ اعتمادًا على ما فهم من قوله: (بلحاظ مبالًا به) (٢) من كونه لا بد أن يكون مبالًا به إما بقوة أو باستغاثة. ثالثها: أنَّه اعتبر كون الحافظ فيها، وذلك غير مشترط؛ ولذلك أطلقه "الحاوي" كما تقدم، بل يكتفي بكونه بقربها ولو كان نائمًا، فإن كان مستيقظًا .. لم يعتبر القرب، بل يكفي أن يكون في موضع تحصل منه الملاحظة ويراه السارق بحيث ينزجر به. قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو جلي، وقال شيخنا ابن النقيب في قوله: (ولو نائم): أي: سواء نام فيها أو بقربها، كذا في "الروضة" وينبغي أن يكون جلوس المستيقظ بقربها أولى، وعبارة "الروضة" لا تعطيه؛ فإنه قال: فإن كان صاحبها في نفسها مستيقظًا أو نائما أو نام بقربها .. قطع بسرقتها أو سرقة ما فيها. انتهى (٣). ففهم أن النوم بقربها للاحتراز عن الاستيقاظ بقربها، وهو فهم عجيب؛ وإنَّما هو للاحتراز عن الاستيقاظ بالبعد منها؛ فإنه كاف بالشرط المتقدم، والله أعلم. فإن قلت: كيف أطلق "الحاوي" الحافظ وفيه هذا التفصيل؟ قلت: قد يقال: لا يكون حافظًا في العرف إلَّا بهذا التفصيل، ويرد على "الحاوي": أنَّه أطلق هذا الحكم في الخيمة، ومحله: في الصحراء، فاما الخيمة المضروبة في العمارة .. فكمتاع بين يديه في السوق. ٥٠٨٠ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٨]: (وماشية بابنية مغلقة متصلة بالعمارة محرزة بلا حافظ)، و"الحاوي" [ص ٥٨٨]: (وماشية ببناء مغلق متصل بالعمارة) أطلقاه هنا، وقيداه في الدار المتصلة بالعمارة؛ بأن يكون نهارًا، وفيده "المنهاج" أيضًا بأن يكون زمن أمن، ولا يظهر بينهما فرق؛ ولذلك رجح شيخنا في تلك الإطلاق كما تقدم. ٥٠٨١ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (أو الجمال من الرعي ومعها راع) شرطه: أن يراها، كما صرح به "المنهاج، فقال [ص ٥٠٨]: (وإبل بصحراء محررة بحافظ يراها) أي: فإن لم ير بعضها لكونه في وهدة أو خلف جبل .. فذلك البعض غير محرز، ولو نام أو تشاغل عنها .. لم تكن

стр. 1983

محرزة، ولو لم يبلغ صوته جميعها .. ففي "المهذب" وغيره: أن ما لم يبلغه صوته غير محرز (١)، وسكت آخرون عن اعتبار الصوت اكتفاء بالنظر؛ لأنه إذا قصد ما يراه .. أمكنه العدو إليه، وفي "الشرح الصغير": الأشبه الاكتفاء بالرؤية. قال شيخنا الإمام البلقيني: ويخرج من هذا الكلام اعتبار أن تكون الإبل في موضع بحيث يمكنه العدو إلى قاصدها لياخذ منها ودفعه عن مقصوده، والخيل والبغال والحمير في المرعى كالإبل، وكذا الغنم إذا ارتفع الراعي بحيث يراها ويبلغها صوته وإن تفرقت؛ ولهذا عبر "الحاوي" بالماشية (٢). ٥٠٨٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٨]: (ومقطورة يُشترط التفات قائدها إليها كل ساعة بحيث يراها، وألا يزيد قطار على تسعة) فيه أمور: أحدها: لم يذكر "الحاوي" اشتراط التفاته كل ساعة، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يعتبره الشَّافعي ﵁، وهو مشق على القائد، فلا يعتبر، ويكفي في خوف السارق أن يتوقع التفاته، فيمتنع لهذا التوقع. ثانيها: وبتقدير اعتباره .. فيستثنى منه: ما إذ كان في ممر الناس من الأسواق وغيرها .. فيكفي في إحرازه رؤية الناس، ولا يحتاج لالتفات، كما صرح به في "النهاية" (٣). ثالثها: اعتبار تسعة بتقديم التاء مشى عليه "الحاوي" أيضًا (٤)، وفي "مشكل الوسيط" لابن الصلاح: أن الأصح: أنَّه سبعة بسين ثم باء موحدة، وعليه أهل العرف (٥)، والأصح في "أصل الروضة": توسط ذكره السرخسي: أنَّه في الصحراء لا يتقيد القطار بعدد، وفي العمران تعتبر العادة، وهي من سبعة إلى عشرة، فإن زاد .. فالزِّيادة غير محرزة (٦). وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يعتبر ذلك الشَّافعي ﵁ في شيء من كتبه ولا جمع كثير من الأصحاب منهم الشيخ أَبو حامد وأتباعه، وقال القاضي حسين: ولو كان في فضاء مستو وطول القطار وجرت العادة بالواحد يفعل ذلك .. فذلك حرز لها، وقال الماوردي: الأغلب أنَّه يكون في ثلاثة من الإبل، فإن تجاوزت .. فإلى أربعة، وغايته خمسة إن كان في الجمال فضل جلد وشهامة (٧).

стр. 1984

قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا له وجه، قال: وظهر بذلك أن التقييد بالتسع أو السبع ليس بمعتمد. انتهى وقيد "الحاوي" ذلك تبعا لـ "الوجيز" بقوله: (في صحراء خالية؛ وسكة مستوية) (١) وقال الرافعي: اعتبر - أي "الوجيز" - كون الصحراء خالية؛ إشارة إلى أنَّه لو كان في المارة كثرة .. حصل الإحراز بنظرهم، وقوله: (وسكة مستوية) ليقع نظره على الكل إذا لاحظ؛ أي: فإن لم ير البعض؛ لحائل .. فذلك البعض غير محرز (٢). ٥٠٨٣ - قول "الحاوي" [ص ٥٨٨، ٥٨٩]: (وإلَّا واحدٌ) قال صاحبا "التعليقة" و"المصباح": أي: وإن لم يكن في صحراء خالية ولا سكة مستوية .. فالمحرز منها واحد. قال في "المصباح": وهو البعض الذي في نظر القائد. وقال في "الوجيز": إن كان يلاحظ ما وراءه .. فالمحرز بالقائد الأول (٣). وقال في "التعليقة": المراد من الصحراء: الموضع المنبسط الواسع، قال: وقد شرط فيها الخلو عن زحمة الزاحمين، ولم يشترط ذلك في السكة؛ لأن الغالب فيها الخلو عن الزحمة، فذكر الصحراء مثالًا لما يغلب فيه الخلو عن الزحمة، وهذا خلاف ما ذكره الرافعي في اعتبار كون الصحراء خالية (٤). ٥٠٨٤ - قوله: (وبالراكب مركوبه وما أمامه وواحد خلفه) (٥) تبع فيه الغزالي (٦)، وهو مذهب أبي حنيفة كما نقله الرافعي عنه، ونقل عن المذهب: أنَّه لما بين يديه كسائق ولما خلفه كقائد (٧)، فينبغي أن محل كلام "الوجيز" و"الحاوي": على ما إذا لم يلاحظ ما وراءه، أو يكون المراد بقوله: (وواحد خلفه): أي: فأكثر. ٥٠٨٥ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٨]: (وغير مقطورة ليست محرزة في الأصح) هو مفهوم من قول "الحاوي" [ص ٥٨٨]: (والقطار تسعة بالقائد) فإن معناه: أن القطار وهو تسعة محرز بالقائد، فدل على أنَّه لا يحصل الإحراز إلَّا بالتقطير، وحكى هذا في "أصل الروضة" عن قطع البغوي، قال: وسوى صاحب "الإفصاح" بين المقطورة وغيرها، وبه أخذ الروياني (٨).

стр. 1985

قال في "الشرخ الصغير": وهي أولى. وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح: أنَّها محرزة إذا كان سائقها حافظًا لها، ولا فرق بين أن يكون في صحراء أو بنيان، قال: وقد جرت عادة العرب في الصحاري والأبنية بسوق إبلهم من غير تقطير. وقال في "المهمات": الفتوى على الأول؛ فقد نص عليه في "الأم"، فقال: وأي إبل كانت لرجل تسير وهو يقودها، فيقطر بعضها إلى بعض، فسرق منها أو مما عليها شيء .. قطع فيه، ثم قال بعد ذلك: فلو اضطجع مضطجع في صحراء ووضع ثوبه بين يديه أو أرسل رجل إبله ترعى أو تمضي على الطَّرِيقِ ليست مقطرة، فسرق من هذا شيء .. لم يقطع؛ لأن العامة لا ترى هذا حرزًا (١). ٥٠٨٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (أو الكفن من القبر) قيده "المنهاج" بأن يكون ببيت، وكذا بمقبرة بطرف عمارة في الأصح، لا بمضيعة في الأصح (٢)، وكذا قال "الحاوي" [ص ٥٨٩]: (والكفن الشرعي لا بقبر ضائع) وفي "المحرر" و"الشرح الصغير": إنه الأظهر (٣)، والذي في "الروضة" وأصلها: قطع به صاحب "المهذب" والغزالي، وعزاه الإمام إلى جماهير الأصحاب، واختار مقابله القفال والقاضي حسين، ورجحه العبادي (٤). وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس هذا التقييد في كلام الشَّافعي، وممن جرى على ظاهر النص الشيخ أَبو حامد والقاضي أَبو الطيب والبندنيجي والشيخ في "التنبيه" وابن الصباغ في "الشامل"، وهو الذي يعتمد في الفتوى، وإن كان الغزالي ضعفه، ثم في كلام "المنهاج" أمور: أحدها: أنَّه يوهم التسوية في الحكم بين المحرز ببيت والذي بمقبرة بطرف عمارة، مع أن الأول يقطع به، وإن زاد على خمسة أثواب، بل لا يختص ذلك بالكفن؛ فغيره من الثياب والدراهم والجواهر وغيرها محرزة فيه أيضًا، بخلاف الثاني؛ فإنه ليس حرزًا لما زاد على الأثواب الخمسة التي تلي الميت على الأصح؛ ولذلك قيده "الحاوي" بالشرعي (٥)، وإطلاقه مدخول؛ لورود القسم الأول عليه، إلَّا أن يقال: إن كلامه فيما ليس بحرز إلَّا للكفن، والأول حرز مطلقًا، وقال أَبو الفرج الزاز: لو غالى في الكفن بحيث جرت العادة ألأَ يخلى مثل ذلك بغير حارس .. لا قطع على سارقه.

стр. 1986

ثانيها: محل الوجهين في المقبرة بطرف العمارة ألَّا يكون لها حارس، فإن كان .. وجب القطع. ثالثها: قيد الماوردي القبر بأن يكون عميقًا على معهود القبور، فإن دفن قريبًا من ظاهر الأرض .. لم يقطع (١)، ويخالفه قول البغوي في "فتاويه": أنَّه لو وضع على وجه الأرض ووضعت الحجارة عليه .. فهو كالدفن حتَّى يقطع بسرقة الكفن خصوصًا ما إذا كان الحفر متعذرًا، وفي زيادة "الروضة": ينبغي ألَّا يقطع إذا لم يتعذر الحفر؛ لأنه ليس بدفن (٢). ولو طرح على الأرض فسفت الريح التراب عليه .. لم يقطع؛ لأنه لا يسمى دفنًا، قال الرافعي: وقد يتوقف في هذا (٣). ٥٠٨٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (وإن سرق المتاع من الدكاكين وفي السوق حارس .. قطع) محله: في الليل، واستثنى منه الماوردي زمن انتشار الفساد وقلة الأمن .. فلا تكون حوانيت البزازين والصيارف حرزًا فيه لأموالهم ليلًا، بل ينقلونها إلى منازلهم أو خاناتهم، حكاه عنه في "الكفاية"، ولم يعترضه (٤). ٥٠٨٨ - قوله: (أو سرق الثياب من الحمام وهناك حافظ) (٥) له شروط: أحدها: استحفاظ الحارس. والثاني: أن يدخل السارق للسرقة، فلو دخل على العادة ثم سرق .. فلا قطع، ذكرهما في "أصل الروضة" ناقلًا للأول عن البغوي وغيره من غير مُخَالَفَةُ (٦)، وعبر شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" عن اشتراطهما بلفظ: الصواب (٧)، ويرد عليه: أن البغوي قال في "فتاوى شيخه القاضي حسين" بعد نقله عن الأصحاب اشتراط الاستحفاظ: الأصح: تضمنينه وإن لم يستحفظ للعادة؛ فيكون الذي في "التهذيب" حكاية المذهب، والمختار عنده خلافه. والثالث: أن يخرج السارق الثياب من الحمام، حكاه في "الروضة" في آخر الباب عن "فتاوى الغزالي" (٨).

стр. 1987

فَصْلٌ [فيما يمنع القطع وما لا يمنعه] ٥٠٨٩ - كذا في "المنهاج" (١)، وكان ينبغي تأخيره إلى قوله: (ولا بُقطع مختلس) (٢) لأنه أول الركن الثاني، ويذكر ما قبل ذلك من المسائل في الفصل الذي قبله. ٥٥٩٥ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٨]: (يقطع مؤجر الحرز) فيه أمران: أحدهما: علله الرافعي بأن المنافع مستحقة للمستأجر، قال: وفيه إعلام بأن التصوير فيمن استحق بالإجارة إيواء المتاع، دون من استأجر لزراعة فآوى إليها ماشيته مثلًا (٣). وقال ابن الرفعة: إن فيه نظرًا. قال في "التوشيح": ولعل وجهه أن اليد على الحرز للمستأجر ولا حق للمؤجر في تلك المدة، بل هو كالأجنبي، فلا فرق بين أن يستحق المستأجر إيواء المتاع أم لا، وليس لغاصب الحرز؛ فإنه لا يد له عليه. انتهى. ونازع شيخنا الإمام البلقيني في هذا المثال، وقال: العادة تقضي بأن من استأجر للزراعة .. يدخل فيها هو ومواشيه ورجاله وآلاته، وذلك لا منع منه قطعًا، فيقطع المؤجر بسرقته قطعا إذا كان محرزًا؛ فلذلك مثله في "تصحيح المنهاج" بما لو استأجر موضعًا لزرع الحنطة مثلًا، فغرس فيه أشجارًا، فدخل المالك فسرق منها .. فإنه لا يقطع؛ لأن ذلك الغراس ليس محرزًا لاستحقاقه القطع. ثانيهما: قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: فيما إذا لم يثبت له خيار الفسخ بطريق معتبر، فإن ثبت على وجه لا يبطل بالتأخير؛ كما لو بلغه ليلًا إفلاس المستأجر، فسرق تلك الليلة من الحرز .. ففيه خلاف المعير؛ لتمكنه من فسخ الإجارة كما أن المعير متمكن من الرجوع في العارية، قال: ولم أر من تعرض له. ٥٠٩١ - قوله: (وكذا معيره في الأصح) (٤) كان ينبغي أن يقول: (على المنصوص) كما في "التنبيه" (٥) فقد نص عليه في "الأم" و"المختصر"، ثم فيه أمران: أحدهما: محل الخلاف في عارية له الرجوع فيها، فإن كانت لازمة يمتنع الرجوع فيها .. قطع قطعا؛ كالمؤجر الذي لا يتمكن من فسخ الإجارة.

стр. 1988

ثانيهما: لو استعمله المستعير في غير المأذون فيه؛ كأن استعار للزرع، فغرس، فسرق المعير من الغراس .. لم يقطع على الأصح كما تقدم في صورة المؤجر. واعلم: أن في معنى دوام الإجارة والعارية: ما إذا انقضتا لكن لم يتمكن المستأجر والمعير من الانتقال والتفريغ، فاما بعد التمكن والتفريط في الانتقال .. فلا قطع على المالك في الأصح؛ لأنهما صارا غاصبين، فدخل ذلك في قولهم: (ولو غصب حرزًا .. لم يقطع مالكه). ٥٠٩٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٦]: (وإن سرق المغصوب منه من مال الغاصب من الحرز المغصوب، أو المسروق منه من مال السارق .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع، وبه جزم "المنهاج" و"الحاوي" (١)، وقال في "الكفاية": إنه الذي أورده الماوردي والقاضي أَبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ والفوراني والإمام وصاحب "الكافي" والرافعي، وادعى الإمام أنَّه مما لا شك فيه، ولم أر ما يخالفه في شيء مما وقفت عليه. انتهى (٢) قال في "التوشيح": ولك أن تقول: تصريح الشيخ بحكايته وجهًا كاف، وقد أتى النووي في "التصحيح" بلفظ: أن الأصح: عدم القطع؛ فدل على أن مقابله وجه، ولو كان مجزومًا به .. لقال: الصواب. انتهى (٣). وفهم من تقييد "التنبيه" محل الخلاف بأن يكون السارق المغصوب منه: أنَّه لو كان السارق أجنبيًا .. قطع قطعًا، وليس كذلك، بل هذه الصورة الثانية هي محل الخلاف في كلام الرافعي والنووي، والأصح فيها في "المنهاج": أنَّه لا قطع، وعليه مشى "الحاوي" (٤). ٥٠٩٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٨]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٥٨٧]: (ولو غصب مالًا وأحرزه بحرزه فسرق المالك منه مال الغاصب .. فلا قطع في الأصح) قال شيخنا الإمام البلقيني: ليس بالأصح، والأصح: أنَّه يقطع؛ لئلا يؤدي إلى أن من غصب من شخص فلسًا ووضعه في حرزه الذي فيه النقود والحلي .. أن المالك يسرق جميع ما هنالك ولا يقطع، وهذا خرق عظيم، لا يصار إليه ولا يعول عليه؛ ويؤيده ما في "أصل الروضة": أن صاحب الدين إذا أخذ مقدارًا لا بقصد استيفاء الحق مع جحد المديون أو مطله .. قطع على الأصح (٥)، وأن الراهن أو المؤجر أو المعير أو المودع أو مالك القراض لو سرق مع مال نفسه نصابًا آخر لزمه القطع (٦)، وأما ما صححه

стр. 1989

في "الروضة" وأصلها: من أن المشتري إذا لم يقبض العين المعينة وأدى ثمنها؛ أنَّه إذا سرق معها مالكٌ آخر لم يقطع في الأصح (١) .. فهو نظير المصحح هنا، وهو غير معتمد، والمعتمد أنَّه يقطع. ٥٠٩٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٦]: (وإن سرق الأجنبي المال المغصوب من الغاصب، أو المسروق من السارق .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع، وعليه مشى "المنهاج" (٢)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ليس بمعتمد، بل الأصح: أنَّه إن أخذه بنية السرقة .. قطع، أو بنية رده على مالكه .. فلا قطع كما تقدم في صاحب الدين إذا أخذ لا بنية استيفاء الحق، وقد جعل البغوي محل الوجهين: في غير أخذه بنية الرد على المالك، وجزم فيها بعدم القطع (٣)، وأشار الإمام وغيره إلى بناء الخلاف على أن الأجانب هل لهم انتزاعه لمالكه حسبة؟ (٤) ومقتضى هذا البناء: أنَّه إذا لم يكن معرضًا للضياع .. يقطع قطعًا؛ لأنه يمتنع الأخذ قطعًا. وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن البناء المذكور غير صحيح، والأصح: أنَّه يقطع وإن أجزنا له الأخذ؛ لأنه لم يأخذه على القصد المذكور. ٥٠٩٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٦]: (ولا قطع على من خان أو جحد) يُسأل عن الفرق بينهما؛ فإن الذي يظهر اتحادهما، وقد اقتصر "المنهاج" على الجاحد (٥)، وقد فرق بينهما بأن الجاحد من ينكر أصل الوديعة، والخائن من يأخذ بعضها، وقد يقال: هو جحد في ذلك البعض. ٥٠٩٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٨]: (ولو نقب وعاد في ليلة أخرى فسرق .. قُطع في الأصح) لا يخفى أن محل الخلاف: ما إذا لم يُعَد الحرز، فلو أعيد فسرق .. قُطع قطعًا، وقد ذكر ذلك "المنهاج" فيما لو سرق نصابًا بدفعات، فقال: (فإن تخلل علم المالك وإعادة الحرز .. فالإخراج الثاني سرقة أخرى) (٦). ٥٠٩٧ - قوله من زيادته: (هذا إذا لم يعلم المالك النقب ولم يظهر للطارقين، وإلَّا .. فلا يقطع قطعًا) (٧) فيه مُخَالَفَة لقوله في أول الباب: (ولو أخرج نصابًا من حرز مرتين) (٨) فإن مقتضى

стр. 1990

كلامه هنا: أن ظهور ذلك للطارقين كعلم المالك، ومقتضى كلامه هناك: خلافه، وقد تقدمما في ذلك هناك. ٥٠٩٨ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (وإن نقب أحدهما ودخل الآخر فأخرج المتاع .. لم يقطع واحد منهما، وقيل: فيه قولان كالمسألة قبلها، وإن نقب واحد فانصرف وجاء آخر فسرق .. لم يقطع واحد منهما) تناول الصورتين معًا قول "المنهاج" [ص ٥٠٨]: (ولو نقب وأخرج غيره .. فلا قطع) ويستثنى من عدم قطع الثاني: ما لو كان في الحرز حافظ بقرب النقب يلاحظ المتاع .. فيقطع الآخذ، إلَّا إن كان ذلك الحافظ نائما في الأصح، وقول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (وقيل: فيه قولان كالمسألة قبلها) أي: وهي: ما لو نقبا ودخل أحدهما فوضع المتاع في وسط النقب وأخذه الخارج؛ مقتضاه: أن أحد القولين: أنهما يقطعان، وجعل الرافعي هذه الطريقة حاكية للخلاف في قطع الثاني خاصة (١)، ونسبه شيخنا الإمام البلقيني في ذلك إلى الوهم، وليس كذلك؛ فقد سبقه إليه الإمام (٢)، ورجحه بعضهم، ولم يستحضر شيخنا الإمام البلقيني المسألة الثانية في "التنبيه"، فذكرها بحثًا، وقال: ينبغي أن يختص الخلاف فيها بقطع الثاني، وقد عرفت النقل من "التنبيه" بالجزم في هذه الصورة بعدم قطع واحد منهما، وأنه لا يأتي فيها تلك الطريقة، وذكر ذلك صاحب "المعين" بحثًا، وقال: لعل الخلاف إذا تواطأا على ذلك. ٥٠٩٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٨]: (ولو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج، أو وضعه ناقب بقرب النقب فأخرجه آخر .. قُطع المخرج) قد يفهم كلامه في الصورة الثانية أن المراد: أخرجه آخر لا مدخل له في النقب، وليس كذلك، بل المراد: أن يخرجه ناقب آخر، فلو قال: (الآخر) بالتعريف .. لاندفع هذا الإيهام، وحاصله: أنهما إذا تعاونا في النقب لإخراج أحدهما صورتان: إحداهما: أن ينفرد أحدهما بالدخول، فيدخل، فيأخذ المال ويخرج به، وهي قوله: (وانفرد أحدهما بالإخراج). والثانية: أن يدخل أحد الشريكين في النقب يده فيه فيخرج المال، وهي قوله: (فاخرجه آخر) وبسبب (٣) هذا الإيهام جعل في "المهمات" هذا مناقضًا لقول "المنهاج" قبله [ص ٥٠٨]: (ولو نقب وأخرج غيره .. فلا قطع) وقال: إذا لم يقطع فيما إذا كان هو الداخل والسارق .. فطريق الأولى: ألَّا يقطع مع عدم الدخول وتقريب الناقب له من النقب. انتهى.

стр. 1991

وقد عرفت أن الصورتين لم يتواردا على محل واحد، فتلك فيما إذا لم يكن للمخرج مدخل في النقب، وهذه فيما إذا كان له مدخل فيه، وقوله: (أو وضعه) معطوف على قوله: (وانفرد أحدهما بالأخراج) فهو من تتمة مسألة التعاون في النقب ولو عبرب (الآخر) كما في "المحرر" (١) .. لزال هذا الإيهام كما قدمته، والله أعلم. ٥١٠٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (وإن نقب رجلان فدخل أحدهما فأخذ المتاع ووضعه في وسط النقب وأخذه الخارج .. ففيه قولان، أحدهما: يقطعان، والثاني: لا يقطعان) الأظهر: الثاني، ومحل الخلاف: ما إذا ساوى المتاع نصابين، هالا .. فلا قطع قطعًا، وعلى ذلك مشى "المنهاج" فقال [ص ٥٠٩]: (ولو وضعه بوسط نقبه فأخذه خارج وهو يساوي نصابين .. لم يقطعا في الأظهر) وعبارته موهمة؛ لأن المراد: أن الواضع له بوسط النقب منفرد بالنقب، والآخذ الخارج لا مدخل له في النقب، وليس كذلك، وإنما أراد: أن الواضع له في النقب أحد الناقبين والخارج شريكه في النقب، فهي من أحوال مسألة التعاون في النقب، فكان ينبغي أن يقول: (ولو وضعه أحد الناقبين بوسط النقب فأخرجه الآخر). ٥١٠١ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩]: (ولو رماه إلى خارج حرز .. قطع) يخرج ما إذا رماه من بيت مغلق إلى صحن دار بابها مغلق، ومن إحدى داري المالك إلى دار له أخرى، وستأتي الأولى في كلامه، وألحق بها الدارمي في "الاستذكار" الثانية، ويرد عليه: ما إذا رماه إلى دار غير المالك .. فيقطع ولو كانت حرزًا مع ذلك. فيستثنى من رميه إلى خارج حرز: ما لو وقع في نار فاحترق، أو ماء فغرق .. ففي "الاستذكار" للدارمي عن ابن القطان: أنَّه لا قطع، وعن ابن المرزبان: أنَّه يقطع، قال الدارمي: وعندي إن رمى بها للنار والماء عالمًا .. فلا قطع، وإن لم يقصد إلَّا إخراجها لأخذها .. قطع، حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: هذا الذي ذكره الدارمي أرجح، ولم أر من تعرض لهذا الفرع غيره، وقال: لو رماه فانكسر .. فعلى قول ابن القطان تعتبر قيمته مكسورًا، وابن المرزبان صحيحًا، وقال: إن أخذه رجل قبل أن يقع على الأرض .. قطع الرامي دون الآخذ. ٥١٠٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩] و"الحاوي" [ص ٥٩٠]: (أو وضعه بماء جار .. قطع) كذا لو وضعه بماء راكد وحرّكه حتَّى خرج به، أما لو حرّكه غيره .. قطع المحرّك دون الواضع. ٥١٠٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (وإن تركه في ماء راكد فتفجر وجرى وخرج مع الماء إلى خارج الحرز .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع.

стр. 1992

٥١٠٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩]: (أو ظهر دابة سائرة) كذا لو سيّرها، وقد صرح به "المحرر " و"الحاوي" (١)، وحذفه "المنهاج" لفهمه من طريق الأولى. ٥١٠٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (وإن ترك المال على بهيمة ولم يَسُقها فخرجت البهيمة بالمال .. فقد قبل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع، وعليه مشى "المنهاج" (٢)، وهو مفهوم "الحاوي" (٣). قال شيخنا الإمام البلقيني: ومحله فيما إذا لم يستول عليها وكان الباب مفتوحًا، فإن استولى عليها وكان الباب مغلقًا ففتحه لها .. فلا توقف في وجوب القطع؛ لأنها صارت تحت يده من حين الاستيلاء، ولما فتح لها الباب وهي تحمله فخرجت .. كان الإخراج منسوبا إليه، قال: وقضية هذا: أنَّه لو كانت الدابة له أو مستأجرة معه أو مستعارة وخرجت وهو معها .. أن يقطع؛ لأنها تحت يده، ففعلها منسوب إليه؛ ولهذا لو أتلفت شيئًا بيدها أو رجلها وهو معها .. كان ضامنًا له، فكذلك يكون سارقًا لما خرجت به وهو معها، ولم أر من تعرض لذلك. ٥١٠٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩]: (أو عرّضه لريح هابةٍ فأخرجته .. قُطع) منعه شيخنا الإمام البلقيني، قال: وليس تعريضه للريح مما يقتضي العادة أن تخرج به، بخلاف الماء الجاري. ٥١٠٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (وإن نقب الحرز وقال لصغير لا يعقل: أخرج المال، فأخرجه .. وجب القطع) مثله: المجنون والأعجمي الذي يعتقد وجوب طاعة الآمر له. ٥١٠٨ - قوله (وإن ابتلع جوهرة في الحرز وخرج .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا بقطع) (٤) الأصح: وجه ثالث: أنَّها إن خرجت منه بعد ذلك .. قطع، وإلَّا .. فلا، وعليه مشى "الحاوي" (٥)، وصححه في "أصل الروضة" مع كون الرافعي إنما نقل تصحيحه عن الإمام والروداني (٦). ٥١٠٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (وإن سرق حرًا صغيرًا وعليه حلي يساوي نصابًا .. فقد قبل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص ٥٠٩]: (ولو سرق صغيرًا بقلادة .. فكذا في الأصح) و"الحاوي" فقال [ص ٥٩٠]: (أو حرًا بثوبه) وفيه أمور:

стр. 1993

أحدها: كان ينبغي أن يقيد محل الخلاف بكونه غير مميز، وفي معناه: المجنون والأعجمي الذي لا تمييز له كما ذكروه في سرقة العبد الصغير. ثانيها: الزيادة والحلي مثال، والمدار على أن يكون ما معه من ثيابه وغيرها يبلغ نصابًا .. ففيه الخلاف. ثالثها: كان ينبغي لـ"المنهاج" أن يصور المسألة بكونه حرًا، وأن يعبر بالصحيح؛ لأن الخلاف ضعيف جدًا. رابعها: محل الخلاف: ما إذا لم يجاوز ما يليق به، فإن جاوزه .. قطع إن أخذ الصبي من حرز الحلي، وإلَّا .. فلا، ذكره في "الكفاية". خامسها: محل الخلاف أيضًا: أن يكون ذلك للصبي، فلو كان لغيره؛ فإن أخذه من حرز مثل ما عليه .. قطع، وإلَّا .. فلا وجها واحدًا فيهما، قاله الماوردي (١). سادسها: محل الخلاف أيضًا: فيما إذا سرق الصبيَّ من حرز مثله؛ بأن يكون في دار، أو على بابها بحيث يُرى، أو يكون مع حافظ، وإلَّا .. لم يقطع قطعًا، صرح به الماوردي (٢)، وقيد الإمام الوجهين بما إذا كان الصبي نائمًا أو مربوطًا عند الحمل (٣)، ولا يحتاج إلى ذلك مع كونه غير مميز، والنوم أو الربط يجعل المميز كغير المميز. ٥١١٠ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٥٩٠]: (ولو نام عبد على بعير فقاده وأخرجه عن القافلة .. قُطع، أو حُرٌّ .. فلا في الأصح) أي: فيهما؛ فيه أمور: أحدها: أنَّه أطلق العبد والحر، ومحل الخلاف فيهما: إذا كانا مستقلين؛ بأن يكونا بالغين عاقلين. ثانيها: يستثنى من العبد: المكاتب كتابة صحيحة .. فهو كالحر؛ لاستقلاله. ثالثها: المراد: أخرجه عن القافلة إلى مَضيعة، فلو أخرجه عنها إلى قافلة أخرى أو بلدة .. لم تجيء فيه الأوجه. ٥١١١ - قول "الحاوي" عطفا على ما قطع فيه [ص ٥٩٠]: (أو خرج - أي: العبد المميز - مكرهًا) تبع فيه تصحيح بعض نسخ الرافعي، لكن أكثرها لا ترجيح فيه، والأولى في "الشرح الصغير"، والأصح في "أصل الروضة": وجوب القطع في هذه الصورة (٤).

стр. 1994

٥١١٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٥]: (وإن كان المال محرزًا ببيت في دار وأخرجه منه إلى الدار وهي مشتركة بين سكان .. قطع، وإن كان الجمبع لواحد وباب الدار مفتوح .. قطع، وإن كان مغلقًا .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" (١)، وهو مفهوم قول "الحاوي" [ص ٥٩٠]: (ورمي من بيت مغلق إلى صحن الدار المفتوحة وترك). قال الرافعي: وهذا ظاهر إذا لم يوجد من السارق تصرف في باب الدار؛ بأن تسور الجدار ودخل، أما إذا فتح الباب المغلق ثم أخرج المتاع إلى الصحن .. فالحرز الذي يهتكه السارق كالحرز الدائم بالنسبة إليه، فيكون كالنقل إلى الصحن وباب الدار مغلق، هذا ما رآه الإمام أصح، فإن أغلق الباب بعد فتحه .. فهو أظهر. انتهى (٢). فعلى هذا: المراد: المفتوح بنفسه لا ما فتحه هو، سواء تركه مفتوحًا أم أغلقه؛ ونازع في ذلك شيخنا الإمام البلقيني فيما إذا لم يغلقه، وقال: قوله: (الحرز الذي يهتكه السارق كالحرز الدائم بالنسبة إليه) هو فيما إذا عاد، أما بالنسبة إلى غيره .. فلا يكون حرزًا، ونبه شيخنا على أن كلامهم هنا مخالف لقولهم: إن الصحن ليس حرزًا للنقد ولا للحلي، قال: والمذكور هنا هو النص المعتمد، قال: وينبغي تقييد وجه القطع بما لا يكون الصحن حرزًا له، فلو كان الصحن حرزًا له .. فلا يقطع قطعًا. ٥١١٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩]: (وبيت خان وصحْنُهُ كبيتٍ ودارٍ في الأصح) تبع فيه "المحرر" (٣)، وفي "الشرح الصغير": إنه الأظهر، وحكاه في "أصل الروضة" عن قطع البغوي والغزالي وغيرهما، وعن قطع صاحب "المهذب" وغيره: أنَّه يقطع بكل حال؛ لأن الصحن ليس حرزًا لصاحب البيت، بل هو مشترك كالسكة المنسدة (٤)، وحكاه شيخنا الإمام البلقشِي عن نصه في "الأم" و"المختصر" حيث قال: (وإن أخرجه من البيت والحجرة إلى الدار، والدار للمسروق وحده .. لم يقطع حتَّى يخرجه من جميع الدار؛ لأنها حرز لما فيها، ولو كانت مشتركة وأخرجه من الحجرة إلى الدار .. فليست الدار بحرز لأحد من السكان، وقطع) (٥) قال: وعليه جرى الشيخ أَبو حامد وأتباعه، ومنهم صاحبا "المهذب" و"الشامل" وغيرهما، وهو المعتمد في الفتوى، ومحل الخلاف: ما إذا كان السارق من غير السكان، فإن كان منهم ..

стр. 1995

قطع مطلقًا؛ لأن ما في الصحن ليس محرزًا عنه، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص ٥٨٨]: (وعرصة الدار لا للساكن). ٥١١٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٦]: (وإن وهبه منه .. قطع) محله: ما إذا كان ذلك بعد الرفع إلى الحاكم، فإن كان قبله .. لم يقطع. فَصْلٌ [إقامة الحد على الذِّمِّيُّ والمعاهد] ٥١١٥ - قول "الحاوي" [ص ٥٩١]: (ولذمي بالترافع) أي: إنما يقطع الذِّمِّيُّ بسرقة مال ذمي إذا ترافعا إلينا، تبع فيه الإمام (١)، لكن في "التهذيب" وغيره: أنا إذا ألزمنا حاكمنا الحكم بينهم .. حده في الزنا وقطعه في السرقة وإن لم يرض، وإلَّا .. اشترط رضاه، سواء سرق من مسلم أو ذمي؛ ولذلك أطلق "التنبيه" قطع الذِّمِّيُّ (٢)، و"المنهاج" قطع الذِّمِّيّ بمال الذِّمِّيّ (٣). ٥١١٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩]: (وفي معاهد أقوال: أحسنها: إن شُرط قطعه .. قطع، وإلَّا .. فلا) كذا في "المحرر" (٤)، واستحسنه في "الشرح الكبير"، وقال في "الصغير": إنه الأقرب، لكن في "الشرح الكبير": إن المنصوص في أكثر كتب الشَّافعي: أنَّه لا يقطع مطلقًا (٥)، وفي " أصل الروضة": إنه أظهرها عند الأصحاب (٦)، ولذلك استدركه "المنهاج" فقال [ص ٥٠٩]: (الأظهر عند الجمهور: لا قطع) وهو مفهوم قول "التنبيه" [ص ٢٤٤]: (وهو مسلم أو ذمي أو مرتد) وعليه مشى "الحاوي" (٧)، والمراد بالمعاهد: المهادن؛ بدليل عطف "الروضة" وأصلها عليه من دخل بأمان (٨)، وفسر الشيخ أَبو حامد في "تعليقه" المعاهد: بالداخل بأمان، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن إثبات الأقوال في المهادن لم نجده منصوصًا للشافعي ﵁، وأن منصوصاته في أهل الهدنة: أنَّه لا يجب الحكم بينهم إلَّا برضاهم.

стр. 1996

فَصْلٌ [فيما تثبت به السرقة] ٥١١٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩]: (وتثبت السرقة بيمين المدعي المردودة في الأصح) تبع فيه "المحرر" (١)، وحكاه الإمام عن الأصحاب (٢)، وقطع به الغزالي وإبراهيم المروزي (٣)؛ لكن ذهب ابن الصباغ والعمراني وغيرهما إلى خلافه (٤)، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٩٢]: (وتثبت بالمردودة لا القطع) وجزم به في "الروضة" وأصلها في اليمين في (الدعاوى) (٥). وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه المعتمد؛ لنص الشَّافعي ﵁ في "الأم" و"المختصر" على أنَّه لا يثبت القطع إلَّا بشاهدين أو إقرار السارق. ٥١١٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩]: (والمذهب: قبول رجوعه) أي: بالنسبة إلى القطع دون المال. ٥١١٩ - قول "الحاوي" [ص ٥٩٢]: (وللقاضي تعريض بإنكاره؛ كما إخالك سرقت، ما لم تظهر) أي: السرقة باعترافه بها، تبع فيه الغزالي (٦)، وحكاه الإمام عن الجمهور (٧)، وليس كما قال كما نبه عليه الرافعي (٨)، بل الذي أجاب به المعظم: أن له التعريض بالرجوع بعد الاعتراف، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص ٥٠٩]: (ومن أقر بعقوبة لله تعالى .. فالصحيح: أن للقاضي أن يعرض له بالرجوع)، وحكى الرافعي عن الأصحاب تقييد ذلك بأن يكون المقر جاهلًا بالحد؛ إما لقرب عهده بالإسلام أو لكونه نشأ في بادية بعيدة عن أهل العلم (٩)، وأسقط ذلك في "الروضة". وقال شيخنا الإمام البلقيني: معناه: أن يكون جاهلًا بأن حد الله تعالى يندب إلى ستر موجبه، وأنه يسقط برجوعه؛ في ن عبارة النص في "المختصر": (ولو ادعى على رجل من أهل الجهالة بالحد .. لم أر بأسًا أن يعرّض له؛ بأن يقول: لعله لم يسرق) (١٠) وشرحه الشيخ أَبو حامد في "تعليقه": بأن يكون ممن لا يعرف أنَّه مندوب إلى ستر ذلك، وأنه إذا اعترف به فثبت عليه ..

стр. 1997

سقط برجوعه، وشرحه الماوردي على أنَّ المراد: الجهل بوجوب الحد، واستبعده شيخنا الإمام البلقيني، ثم أورد على نفسه: أن الفرق بين الجاهل بجواز الرجوع وعدمه وجه ضعيف، وقد ذكره في "الشرح" و"الروضة" ثالث الأوجه (١)، ثم أجاب عنه: بأنه ضعيف في طريقة الإمام الذي تحكي ثلاثة أوجه، وينقل عن الجمهور أنَّه لا يعزض بعد الإقرار، وأما في الطريقة التي حكاها الرافعي عن عامة الأصحاب .. فإنه متعين فيها، ولزم من إسقاطه هذا القيد في "الروضة" عن عامة الأصحاب أن يكون الثالث ضعيفًا مطلقًا، وليس كذلك، بل هو ضعيف في طريقة الإمام، وهو المجزوم به في طريقة غيره. واعلم: أنَّه يستثنى من التعريض بالإنكار قبل الاعتراف ما إذا كان ذلك في سرقة ادعاها صاحبها .. فلا يعرّض بالإنكار المطلق، بل بالإنكار المقتضي لعدم القطع خاصة، حكاه القاضي حسين عن الأصحاب، ولا يخفى أن محله: في الرشيد؛ فإن السفيه لا يقبل اعترافه بالنسبة إلى المال. ٥١٢٠ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩]: (ولا يقول: "ارجع") يُوهم أنَّه من تتمة ما قال: إنه الصحيح، وليس كذلك، بل هو مجزوم به في الرافعي وغيره (٢)، وقول "التنبيه" في (الإقرار) [ص ٢٧٤]: (ويستحب للإمام أن يلقنه الرجوع عن ذلك) أراد به: التعريض دون التصريح، ومع ذلك: فالأصح: أنَّه لا يستحب، وإنَّما يباح خاصة كما تقدم عن "المنهاج" وغيره، وهل يجوز التعريض للشهود بالتوقف في حدود الله تعالى؛ صحح النووي: الجواز إن رأى المصلحة فيه، وإلا .. فلا (٣). ٥١٢١ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولو أقر بلا دعوى أنَّه سرق مال زيدٍ الغائب .. لم يقطع في الحال، بل ينتظر حضوره في الأصح) (٤) استثنى منه شيخنا الإمام البلقيني: ما إذا كان الغائب سفيهًا .. فإنه لا ينتظر حضوره؛ لأنه لو اعترف بأنه أباحه له .. لم يؤثر، وإذا طلب وليه المال .. قطع، وقال: هذا هو الذي تقتضيه القواعد، واحتمال إسقاط القطع بإباحة السفيه بعيد، قال: وأما ما في "الروضة" وأصلها عن ابن كج من انتظار بلوغ الصبي وإفاقة المجنون عند سرقة مالهما: إذا انتظرنا حضور الغائب (٥)، فهو غير معتمد؛ لتعذر الإباحة منهما، فيكفي طلب الولي، وتختص عبارة "المنهاج" بأمور: أحدها: أنَّه لا معنى لقوله: (بلا دعوى) فلو تقدم إقراره دعوى حِسبة إذا سمعناها كما قاله

стр. 1998

القاضي حسين، أو دعوى وكيل الغائب الذي وكله وكالة تتناول هذه القضية من غير شعور له بها .. كان كذلك، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، ثم قال: فإن قيل: يحترز به عن دعوى وكيل الغائب الذي وكله بعد علمه بالسرقة؛ فإنه لا ينتظر حضور الغائب؛ لاندفاع احتمال الإباحة بتوكيله بعد علمه بذلك .. قلنا: فيكون المفهوم عامًا والمراد به خاص، فإن قيل: يكون المفهوم أنَّه إذا تقدمت دعوى فيه تفصيل .. قلنا: الظاهر تعميم المفهوم أو إطلاقه، فتعين ذكر ما يخالف الظاهر، قال: وفي "الاستذكار" للدارمي: إن قلنا: من شرطه حضوره، فحضر وكيله .. فوجهان. ثانيها: أنَّه لا يكفي حضوره، بل لا بد من طلبه. ثالثها: في تعبيره بالأصح نظر؛ لأن المسألة ذات نصوص وطرق، وقد عبر "التنبيه" فيها بالمذهب، ولكن لا اصطلاح له في ذلك، وإنَّما يفهم بذلك الترجيح خاصة. ٥١٢٢ - قول "المنهاج" [ص ٥١٠]: (أو أنَّه أكره أمة غائبٍ على الزنا .. حد في الحال) يوهم أن الإكراه قيد في المسألة، وليس كذلك، فلو قال: (زنيتُ بأمة فلان) ولم يذكر إكراهًا .. كان الحكم كذلك، غير أن ذكر الإكراه فيه حق للسيد، وهو المهر، وهذا منفصل عن الحد، وعبارة "الحاوي" [ص ٥٩١]: (بطلب المالك لا في الزنا). ٥١٢٣ - قول "المنهاج" [ص ٥١٠]: (فلو شهد رجل وامرأتان .. ثبت المال ولا قطع) محله: ما إذا شهدوا بعد دعوى المالك أو وكليه، فلو شهدوا حسْبة .. لم يثبت بشهادتهم المال أيضًا؛ لأن شهادتهم مفضية إلى المال، وشهادة الحسبة بالنسبة إلى المال غير مقبولة. ٥١٢٤ - قوله: (ويشترط ذكر الشاهد شروط السرقة) (١) استثنى شيخنا الإمام البلقيني من إطلاقه مواضع: أحدها: أن من شروط القطع كون المسروق نصابًا، وهذا لا يشترط أن يذكره الشاهد، بل يكفي تعيين المسروق، ثم الحاكم ينظر فيه، فإذا ظهر له أنَّه نصاب .. عمل بمقتضاه. قلتُ: لا بد من قيام البينة بأن قيمته نصاب، فرجع الأمر إلى شاهدي السرقة أو غيرها. ثانيها: ومن شروط السرقة: كون المسروق ملكًا لغير السارق، وهذا لا يشترط في شهادة الشاهد، بل يكفي أن يقول: سرق هذا، ثم المالك يقول: هذا ملكي، والسارق يوافقه، فيقطع. قلت: لم يحصل القطع بمجرد البينة، بل مع ضميمة اعتراف السارق بأنه ملك المسروق منه. ثالثها: ومن شروطها: عدم الشبهة، ومقتضاه: اعتبار أن يقول في شهادته: ولا أعلم له فيه

стр. 1999

شبهة، وقد حكاه في " أصل الروضة" عن القاضي أبي الطيب وغيره، ثم قال: قال صاحب "الشامل": وليكن هذا تأكيدًا؛ لأن الأصل عدم الشبهة (١). ٥١٢٥ - قوله: (ولو اختلف شاهدان؛ كقوله: "سرق بكرة"، والآخر: "عشية" .. فباطلة) (٢) أي: بالنسبة إلى القطع، وكذا قول "المحرر": "لم يثبت بشهادتهما شيء) (٣) أي: من القطع، ولو قالا كـ "التنبيه" في اختلاف الشهود: (لم يجب الحد) (٤) .. لكان أحسن؛ لأنه المقصود، قال في "التنبيه" [ص ٢٧٣]: (فإن حلف المسروق منه مع الشاهد .. قضى له) أي: بالغرم، وعبارة "الروضة": وللمشهود له أن يحلف مع أحدهما فيغرمه (٥)، والمراد: حلفه مع من وافقت شهادته دعواه والحق في زعمه كما بينه في "الكفاية". ٥١٢٦ - قوله: (وإن قامت البينة عليه من غير مطالبة .. فقد قيل: يقطع وهو المنصوص، وقيل: لا يقطع، وقيل: فيه قولان) (٦) الأصح: أنَّه لا يقطع، وطريقة القطع بالقطع قال في "الكفاية": لا ذكر لها فيما وقفت عليه؛ أي: فضلًا عن أن يكون هي المنصوصة، وأورد الجيلي لفظ "التنبيه": (فقد قيل: لا يقطع، وهو المنصوص، وقيل: يقطع، وهذا هو الصواب) وعليه جرى في "المهذب" (٧)، وهذا يقتضي أن شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى - ومنها السرقة - مسموعة، وهو الصحيح، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٩١]: (وتسمع الشهادة بغيبته وتعاد للمال) أي: وتعاد الشهادة بعد حضور المسروق منه لإثبات المال لا للقطع؛ لأن شهادة الحسبة لا تقبل في الأموال، فيقطع بعد حضوره من غير إعادة بينة؛ لأنا قد سمعناها أولًا، وإنَّما انتظرنا؛ لتوقع ظهور ما يسقط ولم يظهر. فَصْلٌ [في صفة القطع وما يتعلق بها] ٥١٢٧ - قول "المنهاج" [ص ٥١٠]: (وتقطع يمينه) محله: فيما إذا لم تكن شلاء، فإن كانت شلاء .. رُجع لأهل الخبرة، فإن قالوا: ينقطع الدم وتستد أفواه العروق .. قطعت واكتُفي بها،

стр. 2000

وإلَّا .. لم تقطع؛ لأنه يؤدي إلى فوات الروح (١)، وعلى الأول يحمل قول "الحاوي" [ص ٥٩١]: (واكتفي بالشلاء) وعلى الثاني يحمل قول "التنبيه" [ص ٢٤٦]: (ومن سرق ولا يمين له أو كانت وهي شلاء .. قطع رجله اليسرى) فإطلاق كل منهما مدخول. ٥١٢٨ - قول "الحاوي" [ص ٥٩١]: (وكفان والأصلية إن أمكن) أي: لو كان على المعصَم كفان ولم تتميز الأصلية عن الزائدة، أو تميزت ولم يمكن استيفاء الأصلية بدونهاء. فإنهما يقطعان، هذا اختيار الإمام بعد أن حكى عن الأصحاب قطعهما مطلقًا (٢)، وفي "التهذيب": أنَّه إن تميزت الأصلية .. قطعت، وإلا .. فإحداهما فقط، فإن سرق ثانيًا .. قطعت الأخرى، ولا يقطعان بسرقة واحدة، بخلاف الإصبع الزائدة؛ فإنه لا يقع عليها اسم يد (٣). قال الرافعي: وهذا أحسن (٤)، وقال النووي: إنه الصحيح المنصوص، وقد جزم به جماعة منهم القاضي أَبو الطيب وصاحب "البحر" والشيخ نصر المقدسي وغيرهم، ونقله القاضي والمقدسي عن نص الشَّافعي ﵁ (٥). قال في "شرح المهذب": وأما قول الغزالي في (كتاب السرقة): قال الأصحاب: نقطعهما جميعًا .. فغير موافق عليه، بل أنكروه، وردوه، فالصواب: التفاء بإحداهما. انتهى (٦). فعلى ترجيح الرافعي والنووي قد ترد هذه الصورة على قول "التنبيه" [ص ٢٤٦] و"المنهاج" [ص ٥١٠]- والعبارة له -: (فإن سرق ثانيًا بعد قطعهما .. فرجله اليسرى)، ويقال: محله ما إذا لم يكن له يد أخرى على المعصم الأيمن، وقد يقال: إنما تكلما على الخلقة المعتادة الغالبة. ٥١٢٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٦]: (فإذا قطع .. حسم بالنار) قد يفهم أنَّه يفعل به ذلك بغير دهن، فيخالف قولَ "المنهاج" [ص ٥١٠]: (ويغمس محل قطعه بزيتٍ أو دهنٍ مغلىً) و"الحاوي" [ص ٥٩١]: (يغمس في زيت مغلىً) وقد يقال: أراد: فعل ذلك بواسطة الدهن المغلى، وقد قال الماوردي في الغمس في الدهن المغلى: هذا إذا كان حضريًا، فإن كان بدويا .. حسم بالنار؛ لأنه عادتهم (٧)، وقال في قاطع الطَّرِيقِ: وإذا قُطع .. حسم بالزيت المغلي وبالنار بحسب العرف فيهما. انتهى (٨).
следующие страницы →