← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

فَصْلٌ [فيما تثبت به السرقة] ٥١١٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩]: (وتثبت السرقة بيمين المدعي المردودة في الأصح) تبع فيه "المحرر" (١)، وحكاه الإمام عن الأصحاب (٢)، وقطع به الغزالي وإبراهيم المروزي (٣)؛ لكن ذهب ابن الصباغ والعمراني وغيرهما إلى خلافه (٤)، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٩٢]: (وتثبت بالمردودة لا القطع) وجزم به في "الروضة" وأصلها في اليمين في (الدعاوى) (٥). وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه المعتمد؛ لنص الشَّافعي ﵁ في "الأم" و"المختصر" على أنَّه لا يثبت القطع إلَّا بشاهدين أو إقرار السارق. ٥١١٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩]: (والمذهب: قبول رجوعه) أي: بالنسبة إلى القطع دون المال. ٥١١٩ - قول "الحاوي" [ص ٥٩٢]: (وللقاضي تعريض بإنكاره؛ كما إخالك سرقت، ما لم تظهر) أي: السرقة باعترافه بها، تبع فيه الغزالي (٦)، وحكاه الإمام عن الجمهور (٧)، وليس كما قال كما نبه عليه الرافعي (٨)، بل الذي أجاب به المعظم: أن له التعريض بالرجوع بعد الاعتراف، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص ٥٠٩]: (ومن أقر بعقوبة لله تعالى .. فالصحيح: أن للقاضي أن يعرض له بالرجوع)، وحكى الرافعي عن الأصحاب تقييد ذلك بأن يكون المقر جاهلًا بالحد؛ إما لقرب عهده بالإسلام أو لكونه نشأ في بادية بعيدة عن أهل العلم (٩)، وأسقط ذلك في "الروضة". وقال شيخنا الإمام البلقيني: معناه: أن يكون جاهلًا بأن حد الله تعالى يندب إلى ستر موجبه، وأنه يسقط برجوعه؛ في ن عبارة النص في "المختصر": (ولو ادعى على رجل من أهل الجهالة بالحد .. لم أر بأسًا أن يعرّض له؛ بأن يقول: لعله لم يسرق) (١٠) وشرحه الشيخ أَبو حامد في "تعليقه": بأن يكون ممن لا يعرف أنَّه مندوب إلى ستر ذلك، وأنه إذا اعترف به فثبت عليه ..

стр. 1997

سقط برجوعه، وشرحه الماوردي على أنَّ المراد: الجهل بوجوب الحد، واستبعده شيخنا الإمام البلقيني، ثم أورد على نفسه: أن الفرق بين الجاهل بجواز الرجوع وعدمه وجه ضعيف، وقد ذكره في "الشرح" و"الروضة" ثالث الأوجه (١)، ثم أجاب عنه: بأنه ضعيف في طريقة الإمام الذي تحكي ثلاثة أوجه، وينقل عن الجمهور أنَّه لا يعزض بعد الإقرار، وأما في الطريقة التي حكاها الرافعي عن عامة الأصحاب .. فإنه متعين فيها، ولزم من إسقاطه هذا القيد في "الروضة" عن عامة الأصحاب أن يكون الثالث ضعيفًا مطلقًا، وليس كذلك، بل هو ضعيف في طريقة الإمام، وهو المجزوم به في طريقة غيره. واعلم: أنَّه يستثنى من التعريض بالإنكار قبل الاعتراف ما إذا كان ذلك في سرقة ادعاها صاحبها .. فلا يعرّض بالإنكار المطلق، بل بالإنكار المقتضي لعدم القطع خاصة، حكاه القاضي حسين عن الأصحاب، ولا يخفى أن محله: في الرشيد؛ فإن السفيه لا يقبل اعترافه بالنسبة إلى المال. ٥١٢٠ - قول "المنهاج" [ص ٥٠٩]: (ولا يقول: "ارجع") يُوهم أنَّه من تتمة ما قال: إنه الصحيح، وليس كذلك، بل هو مجزوم به في الرافعي وغيره (٢)، وقول "التنبيه" في (الإقرار) [ص ٢٧٤]: (ويستحب للإمام أن يلقنه الرجوع عن ذلك) أراد به: التعريض دون التصريح، ومع ذلك: فالأصح: أنَّه لا يستحب، وإنَّما يباح خاصة كما تقدم عن "المنهاج" وغيره، وهل يجوز التعريض للشهود بالتوقف في حدود الله تعالى؛ صحح النووي: الجواز إن رأى المصلحة فيه، وإلا .. فلا (٣). ٥١٢١ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولو أقر بلا دعوى أنَّه سرق مال زيدٍ الغائب .. لم يقطع في الحال، بل ينتظر حضوره في الأصح) (٤) استثنى منه شيخنا الإمام البلقيني: ما إذا كان الغائب سفيهًا .. فإنه لا ينتظر حضوره؛ لأنه لو اعترف بأنه أباحه له .. لم يؤثر، وإذا طلب وليه المال .. قطع، وقال: هذا هو الذي تقتضيه القواعد، واحتمال إسقاط القطع بإباحة السفيه بعيد، قال: وأما ما في "الروضة" وأصلها عن ابن كج من انتظار بلوغ الصبي وإفاقة المجنون عند سرقة مالهما: إذا انتظرنا حضور الغائب (٥)، فهو غير معتمد؛ لتعذر الإباحة منهما، فيكفي طلب الولي، وتختص عبارة "المنهاج" بأمور: أحدها: أنَّه لا معنى لقوله: (بلا دعوى) فلو تقدم إقراره دعوى حِسبة إذا سمعناها كما قاله

стр. 1998

القاضي حسين، أو دعوى وكيل الغائب الذي وكله وكالة تتناول هذه القضية من غير شعور له بها .. كان كذلك، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، ثم قال: فإن قيل: يحترز به عن دعوى وكيل الغائب الذي وكله بعد علمه بالسرقة؛ فإنه لا ينتظر حضور الغائب؛ لاندفاع احتمال الإباحة بتوكيله بعد علمه بذلك .. قلنا: فيكون المفهوم عامًا والمراد به خاص، فإن قيل: يكون المفهوم أنَّه إذا تقدمت دعوى فيه تفصيل .. قلنا: الظاهر تعميم المفهوم أو إطلاقه، فتعين ذكر ما يخالف الظاهر، قال: وفي "الاستذكار" للدارمي: إن قلنا: من شرطه حضوره، فحضر وكيله .. فوجهان. ثانيها: أنَّه لا يكفي حضوره، بل لا بد من طلبه. ثالثها: في تعبيره بالأصح نظر؛ لأن المسألة ذات نصوص وطرق، وقد عبر "التنبيه" فيها بالمذهب، ولكن لا اصطلاح له في ذلك، وإنَّما يفهم بذلك الترجيح خاصة. ٥١٢٢ - قول "المنهاج" [ص ٥١٠]: (أو أنَّه أكره أمة غائبٍ على الزنا .. حد في الحال) يوهم أن الإكراه قيد في المسألة، وليس كذلك، فلو قال: (زنيتُ بأمة فلان) ولم يذكر إكراهًا .. كان الحكم كذلك، غير أن ذكر الإكراه فيه حق للسيد، وهو المهر، وهذا منفصل عن الحد، وعبارة "الحاوي" [ص ٥٩١]: (بطلب المالك لا في الزنا). ٥١٢٣ - قول "المنهاج" [ص ٥١٠]: (فلو شهد رجل وامرأتان .. ثبت المال ولا قطع) محله: ما إذا شهدوا بعد دعوى المالك أو وكليه، فلو شهدوا حسْبة .. لم يثبت بشهادتهم المال أيضًا؛ لأن شهادتهم مفضية إلى المال، وشهادة الحسبة بالنسبة إلى المال غير مقبولة. ٥١٢٤ - قوله: (ويشترط ذكر الشاهد شروط السرقة) (١) استثنى شيخنا الإمام البلقيني من إطلاقه مواضع: أحدها: أن من شروط القطع كون المسروق نصابًا، وهذا لا يشترط أن يذكره الشاهد، بل يكفي تعيين المسروق، ثم الحاكم ينظر فيه، فإذا ظهر له أنَّه نصاب .. عمل بمقتضاه. قلتُ: لا بد من قيام البينة بأن قيمته نصاب، فرجع الأمر إلى شاهدي السرقة أو غيرها. ثانيها: ومن شروط السرقة: كون المسروق ملكًا لغير السارق، وهذا لا يشترط في شهادة الشاهد، بل يكفي أن يقول: سرق هذا، ثم المالك يقول: هذا ملكي، والسارق يوافقه، فيقطع. قلت: لم يحصل القطع بمجرد البينة، بل مع ضميمة اعتراف السارق بأنه ملك المسروق منه. ثالثها: ومن شروطها: عدم الشبهة، ومقتضاه: اعتبار أن يقول في شهادته: ولا أعلم له فيه

стр. 1999

شبهة، وقد حكاه في " أصل الروضة" عن القاضي أبي الطيب وغيره، ثم قال: قال صاحب "الشامل": وليكن هذا تأكيدًا؛ لأن الأصل عدم الشبهة (١). ٥١٢٥ - قوله: (ولو اختلف شاهدان؛ كقوله: "سرق بكرة"، والآخر: "عشية" .. فباطلة) (٢) أي: بالنسبة إلى القطع، وكذا قول "المحرر": "لم يثبت بشهادتهما شيء) (٣) أي: من القطع، ولو قالا كـ "التنبيه" في اختلاف الشهود: (لم يجب الحد) (٤) .. لكان أحسن؛ لأنه المقصود، قال في "التنبيه" [ص ٢٧٣]: (فإن حلف المسروق منه مع الشاهد .. قضى له) أي: بالغرم، وعبارة "الروضة": وللمشهود له أن يحلف مع أحدهما فيغرمه (٥)، والمراد: حلفه مع من وافقت شهادته دعواه والحق في زعمه كما بينه في "الكفاية". ٥١٢٦ - قوله: (وإن قامت البينة عليه من غير مطالبة .. فقد قيل: يقطع وهو المنصوص، وقيل: لا يقطع، وقيل: فيه قولان) (٦) الأصح: أنَّه لا يقطع، وطريقة القطع بالقطع قال في "الكفاية": لا ذكر لها فيما وقفت عليه؛ أي: فضلًا عن أن يكون هي المنصوصة، وأورد الجيلي لفظ "التنبيه": (فقد قيل: لا يقطع، وهو المنصوص، وقيل: يقطع، وهذا هو الصواب) وعليه جرى في "المهذب" (٧)، وهذا يقتضي أن شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى - ومنها السرقة - مسموعة، وهو الصحيح، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٩١]: (وتسمع الشهادة بغيبته وتعاد للمال) أي: وتعاد الشهادة بعد حضور المسروق منه لإثبات المال لا للقطع؛ لأن شهادة الحسبة لا تقبل في الأموال، فيقطع بعد حضوره من غير إعادة بينة؛ لأنا قد سمعناها أولًا، وإنَّما انتظرنا؛ لتوقع ظهور ما يسقط ولم يظهر. فَصْلٌ [في صفة القطع وما يتعلق بها] ٥١٢٧ - قول "المنهاج" [ص ٥١٠]: (وتقطع يمينه) محله: فيما إذا لم تكن شلاء، فإن كانت شلاء .. رُجع لأهل الخبرة، فإن قالوا: ينقطع الدم وتستد أفواه العروق .. قطعت واكتُفي بها،

стр. 2000

وإلَّا .. لم تقطع؛ لأنه يؤدي إلى فوات الروح (١)، وعلى الأول يحمل قول "الحاوي" [ص ٥٩١]: (واكتفي بالشلاء) وعلى الثاني يحمل قول "التنبيه" [ص ٢٤٦]: (ومن سرق ولا يمين له أو كانت وهي شلاء .. قطع رجله اليسرى) فإطلاق كل منهما مدخول. ٥١٢٨ - قول "الحاوي" [ص ٥٩١]: (وكفان والأصلية إن أمكن) أي: لو كان على المعصَم كفان ولم تتميز الأصلية عن الزائدة، أو تميزت ولم يمكن استيفاء الأصلية بدونهاء. فإنهما يقطعان، هذا اختيار الإمام بعد أن حكى عن الأصحاب قطعهما مطلقًا (٢)، وفي "التهذيب": أنَّه إن تميزت الأصلية .. قطعت، وإلا .. فإحداهما فقط، فإن سرق ثانيًا .. قطعت الأخرى، ولا يقطعان بسرقة واحدة، بخلاف الإصبع الزائدة؛ فإنه لا يقع عليها اسم يد (٣). قال الرافعي: وهذا أحسن (٤)، وقال النووي: إنه الصحيح المنصوص، وقد جزم به جماعة منهم القاضي أَبو الطيب وصاحب "البحر" والشيخ نصر المقدسي وغيرهم، ونقله القاضي والمقدسي عن نص الشَّافعي ﵁ (٥). قال في "شرح المهذب": وأما قول الغزالي في (كتاب السرقة): قال الأصحاب: نقطعهما جميعًا .. فغير موافق عليه، بل أنكروه، وردوه، فالصواب: التفاء بإحداهما. انتهى (٦). فعلى ترجيح الرافعي والنووي قد ترد هذه الصورة على قول "التنبيه" [ص ٢٤٦] و"المنهاج" [ص ٥١٠]- والعبارة له -: (فإن سرق ثانيًا بعد قطعهما .. فرجله اليسرى)، ويقال: محله ما إذا لم يكن له يد أخرى على المعصم الأيمن، وقد يقال: إنما تكلما على الخلقة المعتادة الغالبة. ٥١٢٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٦]: (فإذا قطع .. حسم بالنار) قد يفهم أنَّه يفعل به ذلك بغير دهن، فيخالف قولَ "المنهاج" [ص ٥١٠]: (ويغمس محل قطعه بزيتٍ أو دهنٍ مغلىً) و"الحاوي" [ص ٥٩١]: (يغمس في زيت مغلىً) وقد يقال: أراد: فعل ذلك بواسطة الدهن المغلى، وقد قال الماوردي في الغمس في الدهن المغلى: هذا إذا كان حضريًا، فإن كان بدويا .. حسم بالنار؛ لأنه عادتهم (٧)، وقال في قاطع الطَّرِيقِ: وإذا قُطع .. حسم بالزيت المغلي وبالنار بحسب العرف فيهما. انتهى (٨).

стр. 2001

يدل على اعتبار عادة أهل تلك الناحية، ثم قد تفهم عبارة "التنبيه" وجوب ذلك، وفي "الحاوي" [ص ٥٩١]: (ندبًا) وفي "المنهاج" [ص ٥١٠]: (قيل: هو تتمة للحد، والأصح: أنَّه حق للمقطوع؛ فمؤنته عليه، وللإمام إهماله) وفيه أمور: أحدها: كون مؤنته عليه إذا قلنا: إنه حق له، ذكره الإمام، واقتصر الرافعي على حكايته (١)، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن المعروف في الطريقين أنَّها في بيت المال وإن قلنا: حق للمقطوع، وحكاه عن العراقيين والماوردي والروياني والقاضي حسين والبغوي (٢). ثانيها: أن مقتضاه: أنَّه على الوجه الأول، وهو كونه تتمة للحد ليست مؤنته على المقطوع، وليس كذلك؛ ففي "أصل الروضة" على هذا الوجه: أنَّه على الخلاف في مؤنة الجلاد، والأصح في مؤنة الجلاد: أنَّها على المجلود والسارق، فهو على طريقته على الوجهين معًا على المقطوع (٣). ثالثها: قيد شيخنا الإمام البلقيني كون الإمام له إهماله بما إذا لم يؤد إلى تلفه؛ بأن أغمي عليه وليس له من يقوم بحاله، أو كان على حال يتعذر عليه حسم نفسه .. فلا يجوز للإمام إهماله. ٥١٣٠ - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (وإن كانت له يمين بلا أصابع .. قطع الكف) (٤) في "المنهاج": (إنه الأصح) وفي "التنبيه": (إنه المنصوص) وفي الرافعي: إن الخلاف قولان، حكى الأول الحارث ابن سريج، والثاني القاضي أَبو حامد (٥)، وعبارة "الروضة": وجهان أو قولان (٦)، وصحح شيخنا الإمام البلقيني: أنَّه لا يكتفي بها، وحكاه عن اختيار القاضي أبي حامد، وأن القاضي الحسين قال: إنه المذهب، ثم إن الخلاف لا يختص بذهاب الأصابع مع بقاء جميع الكف، بل هو جار وإن لم يبق إلَّا بعض الكف إذا بقي محل القطع كما في "الروضة" وأصلها (٧). ٥١٣١ - قول "المنهاج" [ص ٥١٠]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٥٩١]: (وتقطع يد زائدة إصبعًا) يقتضي أنَّه لا تقطع زائدة إصبعين وأكثر، وليس كذلك؛ فالإصبع مثال، وَإِذا كان "الحاوي" يقطع كفين كما تقدم عنه (٨) .. فكف واحدة زائدة خمس أصابع أولى بذلك، وقول

стр. 2002

"المنهاج" [ص ٥١٠]: (في الأصح) يقتضي قوة الخلاف، وليس كذلك، بل هو ضعيف نقلًا ومعنى كما ذكر شيخنا الإمام البلقيني. ٥١٣٢ - قول "المنهاج" [ص ٥١٠] و"الحاوي" [ص ٥٩١]: (ولو سرق فسقطت يمينه بآفة .. سقط القطع) كذا بجناية؛ ولهذا أطلق "التنبيه" ذهابها (١). فإن قيل: الجناية آفة أيضًا .. قلنا: هذا خلاف المتبادر إلى الفهم منه، وبتقدير صحته .. فلا حاجة للتقييد بالآفة. ٥١٣٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٦، ٢٤٧]: (وإن وجب عليه قطع اليمين فقطع اليسار عمدًا .. قطعت يمينه، وأقيد من القاطع من يساره، وإن قطع سهوًا .. غرم الدية، وفي يمين السارق قولان: أحدهما: يقطع، والثاني: لا يقطع) قال النووي في "تصحيحه": الأصح: أنَّه إذا قطعها الجلاد عمدًا أو سهوًا .. أجزأت عن اليمين ولا قصاص على القاطع ولا دية (٢). قال في "المهمات": وهو يقتضي بعمومه تصحيح الإجزاء في صورتين: إحداهما: إذا قطع الجلاد من غير إخراج السارق، وليس كذلك اتفاقا. الثانية: إذا قال المخرج: علمت أنَّها اليسار وأنها لا تجزئ، مع أنَّه ليس الأمر أيضًا كذلك، وكلام الرافعي في القصاص يقتضي أنَّه لا فرق في الصورة الثانية بين أن يكون الإخراج على قصد حسبانها عن اليمين أم لا (٣)، وهو واضح؛ لأن القصد المذكور مع علمه بأنه لا يقع لا أثر له. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ويزاد عليه اعتراض ثالث، وهو: أنَّه في "التنبيه" ألزم الجلاد دية اليد، وحكى في قطع اليمين قولين، فصحح في "التصحيح" إجزاء اليسار؛ وقضيته أن يكون مع إيجاب الدية، ولكن الجديد: الإجزاء ولا دية. قلت: وقد صرح في "التصحيح" بأنه لا دية، فكيف يقال: إن قضيته إيجاب الدية؟ والله أعلم. وكان ينبغي للنووي أن يبين أن محل ما صححه في صورة خاصة، وهي: أن يقول الجلاد للسارق: أخرج يمينك، فيخرجها ظانأ أنَّها اليمين أو أن اليسار تجزئ عن اليمين؛ فإنه محل الخلاف، والصحيح كما تقدم. ٥١٣٤ - قوله: (ولا يقطع السارق - أي: الحرّ - إلَّا الإمام أو من فوض إليه الإمام) (٤) قد يفهم

стр. 2003

أنَّه لو قطعه قاطع بغير إذن الإمام .. فعليه القصاص، وهو مقتضي قول "الحاوي" في أول (الجنايات) [ص ٥٤٨]: (إن يد السارق معصومة على غير المستحق) لكن المنقول: أنَّه لا قصاص عليه، قال الرافعي: هكذا أطلق، ويشبه جعل وجوب القصاص على الخلاف في الزاني المحصن (١). قال ابن الرفعة: والذي جزم به الماوردي الوجوب، ثم حمل كلام الماوردي على ما إذا لم يقصد القاطع استيفاء الحد، وكلام غيره على ما إذا قصد. قال في "المطلب": ويرشد إليه ما ذكره الماوردي فيما إذا قتل قاطع الطَّرِيقِ مرتدًا فإن علم بردته .. لم يقتل جزما، وإلَّا .. ففيه الخلاف في قتل غير المكافئ، قال: ويستأنس له بما إذا قتل الإمام عبدًا اشتراه مرتدًا في يد البائع قبل القبض، فإن قصد قتله عن الردة .. وقع عنها وانفسخ البيع، وإن لم يقصد .. جعل قابضأ للمبيع واستقر عليه الثمن، كما حكاه الرافعي قبيل (الديات) عن "فتاوى البغوي" (٢)، ثم قال: ولو قيل: يحمل ما أطلقه الماوردي على ما إذا كان القاطع ذميًا والسارق مسلمًا، وكلام غيره على ما إذا كان القاطع مسلمًا .. لم يبعد كما قلنا بمثله في قتل الزاني المحصن. * * *

стр. 2004

كتابُ قاطع الطَّريق ٥١٣٥ - قول "المنهاج" [ص ٥١١]: (هو مسلم مكلف له شوكة) فيه أمور: أحدها: أن مقتضاه: أن الكفار ليس لهم حكم القطاع وإن أخافوا السبيل وتعرضوا للأنفس والأموال، وبه صرح في "الروضة" وأصلها (١)، ولا وجه لذلك في الذِّمِّيُّ، فإن كان لانتقاض عهدهم بذلك وأنا نقتلهم كالحربيين .. فليس كذلك؛ لأن الصحيح: أن العهد لا ينتقض به إلَّا إذا شرط عليهم تركه وشرط عليهم الانتقاض به لو فعلوه، وبتقدير الانتقاض فسيأتي أن من انتقض عهده بذلك أو غيره .. يقام عليه ما يقتضيه ذلك الشيء، ثم يفعل فيه بعد ذلك من القتل أو غيره ما ذكروه، وكذلك يجري حكم القطاع على المرتدين. وأما المعاهدون فينتقض عهدهم به، ويقام عليهم الحدود إذا ظفرنا بهم؛ فالصواب: التعبير بالتزام الأحكام بدل الإسلام؛ لإخراج الحربي فقط؛ فإنه لا يضمن نفسًا ولا مالكٌ؛ ولهذا لم يشترط "التنبيه" و"الحاوي" الإسلام في ذلك، لكن يرد عليهما الحربي. ثانيها: اعتبار الشّركة يقتضي اشتراط العدد، والمنقول في "الروضة" وأصلها: أنَّه لا يشترط، بل الواحد إذا كان له فضل قوة يغلب بها الجماعة وتعرض للنفوس والأموال مجاهرًا .. فهو قاطع (٢)، ولهذا اعتبر "الحاوي" القوة دون الشّركة (٣)، فلا يرد عليه ذلك. ثالثها: قد يفهم من تعبيره اعتبار الذكورة، وليس كذلك (٤)، بل لو اجتمع نسوة لهن شوكة وقوة .. فهن قاطعات طريق، هذه عبارة "الروضة" (٥)، ويرد عليه أن المرأة الواحدة تكون قاطعة طريق كما تقدم. رابعها: فإن قلت: قد أهمل شرطًا رابعًا، وهو: فقد الغوث .. قلت: قد ذكره بعد قوله: (وحيث يلحق غوث ليس بقطاع) (٦) كذا في كثير من النسخ: (ليس بقطاع)، وصوابه: (ليسوا بقطاع) كما في بعض النسخ، أو: (ليس بقاطع)، وعبارة "الحاوي" [ص ٥٩٣]: (قاطع الطَّرِيقِ

стр. 2005

معتمد القوة في المغالبة بالبُعد عن الغوث) فذكر وصفين، وأهمل التكليف والتزام الأحكام، كأنه لوضوحهما، وعبارة "التنبيه" [ص ٢٤٧]: (من شهر السلاح وأخاف السبيل في مصر أو غيره) فكأنه أشار للقوة وفقد الغوث بإخافة السبيل، وسكت عن التكليف والالتزام؛ لوضوحه، وعبارة "أصل الروضة": ولا يشترط شهر السلاح، بل الخارجون بالعصي والحجارة قطاع؛ لأنها تأتي على النفس كالمحدد، وذكر الإمام أنَّه يكتفي بالوكز والضرب بجمع الكف، وفي "التهذيب" نحوه: وكلام جماعة يقتضي أنَّه لا بد من آلة (١). واعلم: أن "المنهاج" لم يفصح عن المقصود، فليس كل مسلم مكلف له شوكة فاقد غوث قاطع طريق، بل لا بد مع ذلك من إخافته السبيل كما صرح به "التنبيه"، وأشار إليه "الحاوي" بقوله [ص ٥٩٣]: (معتمد القوة في المغالبة)، وعبارة "أصل الروضة" لما تكلم على الشّركة: قطاع الطَّرِيقِ: طائفة مترصدون في المكامن للرفقة، فإذا رأوهم .. برزوا قاصدين الأموال (٢). وقال شيخنا الإمام البلقيني: ظاهره اعتبار قصد الأموال في حدهم، وبه صرح بعضهم، ولكن الظاهر مما ذكروه في الخوارج: أن العبرة بإخافة السبيل بقصد أخذ المال "فقد ذكروا أنهم إذا قاتلوا .. فلهم حكم قطاع الطَّرِيقِ، وقالوا فيما إذا بعث إليهم الإمام واليًا فقتلوه: فعليهم القصاص، وهل يتحتم قتل قاتله كقاطع الطَّرِيقِ؛ لأنه شهر السلاح، أم لا؛ لأنه لم يقصد إخافة السبيل؟ وجهان، وصحح النووي من زيادته: أنَّه لا يتحتم (٣). قلت: ويشهد لذلك ما حكاه الرافعي عن أبي منصور بنُ مهران: أن الغالب أن قاطع الطَّرِيقِ يقصد المال أو النفس لعداوة اشتدت بين قوم وقوم (٤). ٥١٣٦ - قول "المنهاج" [ص ٥١١]: (والذين يغلبون شرذمة بقوتهم قطاع في حقهم، لا لقافلة عظيمة) يفهم أنَّه لو تساوت الفرقتان .. لم يكن لهم حكم القطاع، والأصح في "الروضة" وأصلها: خلافه (٥). وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي ظهر لنا والله أعلم من الكتاب والسنة وكلام الشَّافعي وأصحابه ومقتضى العادة: أنَّه متى كان احتمال غلبة قطاع الطَّرِيقِ ممكنًا إمكانًا غير نادر .. كان كافيًا في إثبات هذه العقوبات في حقهم، ولا يشترط القطع بغلبتهم، ولا غلبة الظن؛ لأن إخافة السبيل قائمة في هذه الحالة وعليها المدار، قال: ولم أر من حرر هذا الموضع.

стр. 2006

٥١٣٧ - قول "المنهاج" [ص ٥١١]: (ولو علم الإمام قومًا يخيفون الطَّرِيقِ ولم يأخذوا مالًا ولا نفسًا .. عزرهم بحبس وغيره) ثم قال بعد أسطر: (ومن أعانهم وكثَّر جمعهم .. عزر بحبس وتغريب وغيرهما، وقيل: يتعين التغريب) (١) تبع فيه "المحرر"، وكذا في "الروضة" وأصلها (٢)، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن الوجهين المذكورين في الصورة الثانية إنما يعرفان في الصورة الأولى وأن الثانية محل جزم، [فذكر الخلاف] (٣) في غير موضعه، وأسقطه من موضعه، ثم بسط ذلك، وظاهر قوله على الوجه الضعيف: (يتعين التغريب) أنَّه لا يفعل به في البلد المنفيّ إليه ضرب ولا حبس ولا غيرهما، وفيه وجهان في الرافعي بلا ترجيح (٤)، وقال في "الشرح الصغير": الأشبه جواز الاقتصار على النفي، وفي "الروضة": الأصح: أنَّه إلى رأي الإمام وما اقتضتْه المصلحة (٥). ٥١٣٨ - قوله: (وإذا أخذ القاطع نصاب السرقة .. قطع يده اليمني ورجله اليسرى) (٦) وقول "الحاوي" [ص ٥٩٣]: (بأخذ ربع دينار) يرد عليهما: أنَّه لا بد أن يكون المأخوذ من حرز، فلو كان المال ضائعًا تسيّر به الدواب بلا حافظ، أو كانت الجمال مقطورة ولم تتعهد كما شرط في السرقة .. فلا قطع على الصحيح خلافًا لابن خيران، ومن انتفاء الشبهة، وقد صرح بذلك "التنبيه" فقال [ص ٢٤٧]: (وإن أخذ نصابًا لا شبهة له فيه وهو ممن يقطع في السرقة). ونقل شيخنا الإمام البلقيني انتفاء الشبهة عن "الاستذكار" للدارمي، وقد عرفت أنَّه في "التنبيه"، قال: والقياس اعتبار طلب المالك المال كالسرقة، وفي "الأم" ما يقتضيه؛ فإنه قال في (السرقة): (إن لم يحضر - يعني: صاحب المال - .. حبس السارق حتَّى يحضر، فيدعي أو يُكذِّب الشاهدين) وقال بعد ذلك: (وكذلك يشهد الشاهدان على قطاع الطَّرِيقِ) إلى قوله: (ويحضر أهل المتاع) (٧). وإطلاق "التنبيه" و"المنهاج" قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى محله: إذا وجدا، فلو فقد أحدهما .. اكتفي بقطع الأخرى، ولهذا قال "الحاوي" [ص ٥٩٣]: (أو ما وُجد) وفي معنى الفقد: أن تكون شلاء لا تحسم عروقها لو قطعت، وصحح الماوردي في فقد إحداهما: الانتقال

стр. 2007

إلى قطع يده اليسرى ورجله اليمنى (١)، وهو غريب. ٥١٣٩ - قول "الحاوي" [ص ٥٩٣]: (أو فقدتا) أي: الأوليان، وهما اليد اليمنى والرجل اليسرى فيقطع اليد اليسرى والرجل اليمنى. محله فيما إذا فُقدتا قبل أخذ المال، فإن فقدتا بعده .. سقط القطع. ٥١٤٠ - قولهم: (فإن قَتَلَ .. قُتِل حتمًا) (٢) لا يخفى أن محله: فيما إذا كان عمدًا وقتل مكافئًا له، وقد صرح "الحاوي" بالثاني فقال [ص ٥٩٤]: (فلا يقتل بغير كفء) وذكره "المنهاج" بعد ذلك. وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن قتل لا لأخذ المال .. لم يتحتم القتل كما هو مقتضى نص الشَّافعي في "الأم"، واعتبر هذا الشرط البندنيجي وغيره، ويمكن أن يجيء فيه وجه بالتحريم كما هو مذكور في الذين قتلوا الوالي من البغاة. ٥١٤١ - قول "المنهاج" [ص ٥١١]: (فإن قتل وأخذ مالًا .. قنل ثم صُلب) يشترط كون المال نصاب سرقة، كما هو مذكور في "الروضة" وأصلها (٣)، وقباسه اعتبار الحرز وانتفاء الشبهة وطلب المالك، وقد دل قول "الحاوي" [ص ٥٩٤]: (وبالجمع) أي: بين السرقة والقتل المتقدم ذكرهما، وقد يفهمه قول "التنبيه" [ص ٢٤٧]: (وأخذ المال) بالتعريف، فينحط على المال المتقدم ذكره. وقال شيخنا الإمام البلقيني: عندي أن اعتبار النصاب في الصلب لا يقوم عليه دليل، ولم أجد في نصوص الشَّافعي اعتباره إلَّا في قطع اليد والرجل، ثم حكى عن الماوردي أنَّه قال: عندي أنَّه يصلب وإن أخذ أقل من ربع دينار؛ لأنه إذا انفرد بأخذ المال .. صار مقصودًا، فاعتبر فيه شرط القطع من أخذ النصاب، وإذا اقترن بالقتل .. صار تبعًا؛ فلم يعتبر فيه أخذ النصاب؛ لأنه لا يستحق فيه القطع، وكذا قال الماوردي أيضًا: إنه لا يعتبر فيه الحرز (٤). ٥١٤٢ - قول "الحاوي" [ص ٥٩٤]: (ثم يصلب ثلاثة) أحسن من قول "المنهاج" [ص ٥١١]: (ثلاثًا) لأن الأيام مذكرة، فيثبت فيها التاء، لكنه لما حذف المعدود .. جاز الوجهان؛ كقوله: "ثم أتبعه ستا من شوال" (٥). وعبارة "التنبيه" [ص ٢٤٧]: (ولا يصلب أكثر من ثلاثة أيام) ومقتضاه: أنَّه لا يتعين الثلاثة،

стр. 2008

ولكنها غاية الصلب، ثم يستثنى مما ذكروه: ما إذا خيف التغير قبل الثلاث .. فالأصح في "أصل الروضة": أنَّه ينزل (١). ٥١٤٣ - قول "المنهاج" [ص ٥١١]: (وفي قول: يصلب قليلًا ثم يُنْزل ويقتل) وعبارة "المحرر" فيه: (يصلب صلبًا لا يموت منه ثم يقتل) (٢) فقول "المنهاج": (قليلًا ثم ينزل) ليس في "المحرر"، والذي في "الروضة": وعلى هذا كيف يقتل؟ أيترك بلا طعام وشراب حتَّى يموت، أم يجرح حتَّى يموت، أم يترك مصلوبًا ثلاثًا ثم ينزل ويقتل؟ فيه أوجه. انتهى (٣). فالوجه الثالث أقرب إلى ما في "المنهاج" فإن الثلاثة قليل، وعبارة "التنبيه" [ص ٢٤٧]: (وقيل: يصلب حيًا ويمنع من الطَّعام والشراب حتَّى يموت) وهو الوجه الأول. ٥١٤٤ - قول "المنهاج" [ص ٥١١]: (وقتل القاطع يُغلّب فيه معنى القصاص، وفي قول: الحد) و"الحاوي" [ص ٥٩٤]: (ويقع قصاصًا بأحكامه) يستثنى منه: تحتم قتله، وأن للسلطان استيفاءَه من غير احتياج لطلب الورثة؛ فإنه غُلّب فيهما معنى الحد قطعًا. ولو قتل جماعة مرتبًا .. قُتل بالأول، ولو عفا ولي الأول .. لم يسقط كما حكاه في "الروضة" وأصلها عن البغويّ (٤). قال شيخنا الإمام البلقيني: ومقتضى هذا: أن قتله تحتم قطعًا، وهذا يقتضي تغليب الحد بالنسبة إلى ذلك قطعا، لكن هل يشترك مع الأول غيره حتَّى لا يجب للباقين دية، أو تجب لهم الدية؛ إن قلنا بتغليب الحد .. فالأول، أو القصاص .. فالثاني، قال: ويستثنى من محل الخلاف على الطريقة المعتمدة: أنَّه يغلّب معنى القصاص قطعًا فيما إذا تاب قبل القدرة وقد قتل، فيسقط تحتم القتل، ويبقى القصاص قطعًا، وفي طريقة ضعيفة: لا يبقى شيء أصلًا، وبه جزم في "الروضة" في تفريع القولين، وذكر الطريقة المرضية قبل بصفحة، فقال: للولي أن يقتص وله أن يعفو على المذهب (٥). ٥١٤٥ - قول "التنبيه" في أوائل (الجنايات) [ص ٢١٣]: (ومن قتل من لا يقاد به في المحاربة .. ففيه قولان، أحدهما: يجب القود، والثاني: لا يجب (الأظهر: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٦)، ومقتضى كلامهما: الوجوب تفريعًا على تغليب الحد،

стр. 2009

ويستثنى منه: ما إذا كان المقتول غير معصوم؛ كالمرتد والزاني المحصن وقاطع طريق تحتم قتله .. فإنه لا قود ولو غلبنا الحد، وكذا لو قتل عبد نفسه .. فلا قصاص قطعًا كما قاله أَبو إسحاق، واختاره الصيدلاني، واقتصر عليه البغوي، وأجرى فيه ابن أبي هريرة والقاضي حسين الخلاف، وهو مقتضى إطلاق الأكثر (١)، وصحح شيخنا الإمام البلقيني الطريقة الأولى في المكاتب ومأذون ركبته ديون؛ لأن العبد له والمال له، والطريقة الثانية فيما إذا كان العبد مستأجرًا أو معارًا. ٥١٤٦ - قول "المنهاج" [ص ٥١١] و"الحاوي" [ص ٥٩٤]: (ولو مات .. فَدِيَةٌ) يقتضي انتفاءها تفريعا على تغليب الحد، وبه صرح في "الروضة" وأصلها (٢)، لكن صحح شيخنا الإمام البلقيني وجوبها ولو غلبنا الحد. ٥١٤٧ - قول "المنهاج" [ص ٥١١]: (ولو قتل جمعًا .. قتل بواحد، وللباقين ديات) أورد عليه شيخنا الإمام البلقيني أمرين: أحدهما: أن الذي ذهب إليه جمهور العراقيين تغليب الحد هنا. حتَّى لا يجب للباقين شيء. ثانيهما: أن مقتضاه: جو أز قتله بغير الأول، وليس كذلك؛ فالمحكي في "الروضة" وأصلها عن البغوي: تحتم قتله بالأول ولو عفا وليه (٣)، قال شيخنا: ولا يختص بالبغوي، بل كل من حكى هذا الوجه .. يحكيه كذلك. ٥١٤٨ - قوله - والعبارة له - و"الحاوي": (ولو عفا وليُّه بمال .. وجب وسقط القصاص ويقتل حدًا) (٤) اعترضه شيخنا الإمام البلقيني: بأن المنصوص وعليه الجمهور: أنَّه لا يصح عفو الولي لا بمال ولا بغيره، قال: ولم أر هذا التفريع إلَّا في كلام الفوراني، وتبعه الإمام والغزالي والرافعي (٥)، وهو غير معتمد، بل غلط، واستحقاق العافي المال لا في مقابلة حصلت للدافع .. من أكل المال بالباطل، ولا يصح تشبيهه به بما إذا استحق القصاص على مرتد فعفى على مال حيث استحق المال، وإن كان مقتولًا بالردة؛ لانفكاك أحد السببين عن الآخر، وهما القصاص والردة؛ ولأنه إذا أسلم .. لم يقتل، بخلاف من تحتم قتله. ٥١٤٩ - قول "المنهاج" [ص ٥١١]: (ولو قتل بمثقل أو بقطع عضو .. فُعِلَ به مثله) قال شيخنا

стр. 2010

الإمام البلقيني: انفرد بذلك البغوي (١)، ولم ينص عليه الشَّافعي؛ ولا ذكر له في كتب الطريقين، والذي يقتضيه كلام الشَّافعي: أنَّه يقتل بالسيف، ولا نظر إلى المماثلة؛ لأن المماثلة إنما تعتبر في القصاص المحض الذي يتخير فيه الولي بين القتل والعفو، وهذا متحتم، فكان بالسيف كالمرتد، ولو راعينا المماثلة .. لزم أنَّه إذا حرقه وأخذ ماله .. حرق وفات الصلب، وأيضًا فالمماثلة لاختيار الولي؛ فيلزم تأخير القتل إلى بلوغ الصبي وإفاقة المجنون وحضور الغائب، وليس ذلك بمعتبر قطعًا، ولم يصح في قصة العرنيين أنهم إنما سملت أعينهم؛ لسملهم أعين الرعاء، وعلى طريقة البغوي: فلا يتعين فعل مثله؛ فللإمام العدول للقتل بالسيف كالولي الخاص، وقد تفهم عبارة "المنهاج" خلافه. ٥١٥٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٧]: (وإن جنى قاطع الطَّرِيقِ جناية توجب القصاص فيما دون النفس .. ففيه قولان، أحدهما: يتحتم القصاص، والثاني: لا يتحتم) الأظهر: الثاني كما في "المنهاج"، وعليه مشى "الحاوي" (٢)، وعبر النووي في "تصحيحه" بقوله: لم يتحتم القتل (٣)، قال شيخنا الإسنوي: وهو غلط (٤). قلت: لا يخفى أن مراده: القصاص؛ فإنه لا مجال للقتل الحقيقي هنا، وفي بعض نسخ "التصحيح": (لم يتحتم) بدون ذكر القتل، وفيه ضمير يعود على القصاص، وأورد شيخنا الإمام البلقيني على "المنهاج" أمورًا: أحدها: أنَّه قال: (ولو جرح فاندمل) (٥) لكنه في "الروضة" وأصلها حكى عن ابن الصباغ إجراء القولين فيما لو قطع يده ثم قتله قبل الاندمال (٦)، لكن تعقبه شيخنا من جهة أن قضية عدم التحتم تخيير الولي في اليد بين قطعها والعفو، وأخذ ديتها وانتظار بلوغه وعقله وحضوره، وهو بعيد، قال: والذي ينطبق عليه كلام الأصحاب في الطريقين اعتبار الاندمال. ثانيها: أنَّه قال: (لم يتحتم قصاص)، وصوابه: لم يتحتم الجرح. قلت: وكذا عبر "التنبيه" بالقصاص (٧)، وأراد به: قصاص الجرح، فلا إيراد. ثالثها: أن تعبيره بالأظهر يقتضي قوة الخلاف، وهو ضعيف منكر لم أقف عليه في شيء من

стр. 2011

منصوصات الشَّافعي، وقال القاضي الطَّبري: لا يعرف للشافعي إلَّا أنَّه لا يتحتم، حكاه الرافعي (١)، ووقع في "المطلب": أنَّه معزو لسائر كتبه الجديدة، وهو وهم، وحكاه الدارمي في "الاستذكار" عن ابن سريج، فجعله وجهًا، وحكى الغزالي في "الوجيز" الخلاف أوجهًا (٢). ٥١٥١ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٧]: (فإن تاب قبل أن يقدر عليه .. سقط انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وقيل: يسقط قطع اليد، وقيل: لا يسقط) الأصح: الأول، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٩٤]: (وسقط إن تاب قبل الظفر، لا القصاص والغرم) وعبارة "المنهاج" توهم خلافه؛ حيث قال [ص ٥١٢]: (وتسقط عقوبات تخص القاطع بتوبته قبل القدرة عليه) فإن قطع اليد لا يخص قاطع الطريق، لكن في "الروضة": إن قطع اليد يسقط على المذهب (٣)، والعذر "للمنهاج" أن قطع اليد ليس عقوبة كاملة، وإنَّما هو جزء عقوبة؛ فإن المجموع منه ومن قطع الرجل عقوبة واحدة، فإذا سقط بعضها .. سقط كلها؛ ولعل عبارة "المنهاج" هي التي غرت ابن الرفعة حتَّى نقل في "الكفاية" عن النووي اختيار أنَّه لا يسقط قطع اليد. ٥١٥٢ - قول "المنهاج" [ص ٥١٢]: (لا بعدها على المذهب) يقتضي استواء التوبة التي قبل القدرة والتي بعدها، وليس كذلك؛ فإن الأولى يكتفي بمجردها، والثانية يشترط معها إصلاح العمل كما قاله جماعة من العراقيين والبغوي والروياني، وصححه الرافعي في "الشرح الصغير"، ونسبه الإمام إلى القاضي حسين، ونسب مقابله إلى سائر الأصحاب، وقوله: (على المذهب) ينبغي رجوعه إلى ما قبل القدرة أيضًا؛ فمقابله قولان في الحالين، لكن عبارة "المحرر" كالصريحة في العود إلى ما بعد القدرة فقط (٤)، وهو ظاهر عبارة "المنهاج". ٥١٥٣ - قول "التنبيه" في آخر حد الخمر [ص ٢٤٨]: (ومن وجب عليه حد الزنا أو السرقة أو الشرب وتاب وأصلح ومضى عليه سنة .. سقط عنه الحد في أحد القولين، ولم يسقط في الآخر) الأظهر: الثاني كما في "المنهاج"، فقال [ص ٥١٢]: (ولا تسقط سائر الحدود بها في الأظهر) وفيه أمور: أحدها: أن المراد: حدود الله تعالى كما فصله "التنبيه". ثانيها: أنَّه لا بد مع ذلك من إصلاح العمل كما قدمناه في توبة القاطع بعد القدرة، وصرح به هنا "التنبيه" كما تقدم.

стр. 2012

ثالثها: أن الذي نص عليه في "الأم" تقييد القولين بما قبل الرفع إلى القاضي (١)، وفيه طريقان .. إحداهما: كذلك، ورجحها شيخنا الإمام البلقيني، والثانية: طردهما في الحالين. رابعها: أن شيخنا الإمام البلقيني رجح السقوط؛ لأن الشَّافعي ﵁ جزم به في موضعين من "الأم"، وقال في "مختصر المزني": وبه أقول (٢)، وصححه صاحب "المهذب" والماوردي (٣). خامسها: أن محل الخلاف في ظاهر الحكم، فأما فيما بينه وبين الله تعالى .. فيسقط بلا خلاف؛ لأن التوبة تسقط أثر المعصية، قاله النووي من زيادته في السرقة (٤)، وكلامهم في الشهادات يوافقه. فَصْلٌ [في اجتماع الحدود] ٥١٥٤ - قول "المنهاج" [ص ٥١٢]: (ومن لزمه قصاص وقطع وحد قذف وطالبوه .. جُلد ثم قطع ثم قتل) المراد: قصاص في النفس؛ ويدل له قوله: (ثم قتل)، والمراد: قطع قصاص لآدَمِيٍ لا لله تعالى؛ كقطع السرقة؛ ويدل له قوله: (لا قطعه بعد جلده إن غاب مستحق قتله) (٥) ليس المعتبر في الجزم الغيبة، بل عدم رضا مستحق القتل بالتعجيل، فلو رضي بالتعجيل ولو في الغيبة .. جاء الخلاف الآتي، ولو حضر ولم يرض .. جُزِم بامتناع التعجيل. ٥١٥٥ - قوله: (وكذا لو حضر وقال: "عجلوا القطع" - أي: وأنا أبادر إلى القتل - في الأصح) (٦) هذا الخلاف تردد للإمام، وقد قيده بمن خيف موته بالموالاة بحيث يتعذر القصاص في النفس ورأى الجزم بالبدار في غير ذلك (٧)، وقول "الروضة" وأصلها: ورأي الإمام تخصيص الوجهين (٨) يوهم أنهما للأصحاب، وهو المقيد لهما، وليس كذلك، بل هما له. وقال شيخنا الإمام البلقيني: عندي أن الذي ذكره الإمام من الاحتمالين ممنوع، والصواب:

стр. 2013

القطع بالتأخير وإن رضي المستحق؛ لأن الإمهال المشروع على طريق الإيجاب تحقيقًا حق للذي يقيم عليه العقوبة، فلا يبادر برضا المستحق، وقول "المنهاج": (الأصح) يقتضي قوة الخلاف، وهو ضعيف أو غلط. ٥١٥٦ - قوله: (ولو أخر مستحق طرفٍ .. جلد، وعلى مستحق النفس الصبر حتَّى يُستوفى الطرف) (١) قال في "الوسيط": لا صائر إلى أن مستحق النفس يسلط على القتل، ويقال لصاحب الطرف؛ بادر إن شئت، وإلَّا .. ضاع حقك، ولو قيل به .. كان منقدحًا (٢). وقال شيخنا الإمام البلقيني: والذي نقوله: أن لمستحق النفس أن يقول لمستحق الطرف: إما أن تستوفي أو تعفو أو تأذن لي في التقدم، ويجبره الحاكم على أحد هذه المذكورات، فإن أَبى ذلك كله .. مكّن الحاكم مستحق النفس من القتل؛ لأنه ظهر الضرر من مستحق الطرف، وليس له عذر يمنعه من ذلك، ومستحق القتل طالب حق أثبته الله سبحانه له بقوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. ٥١٥٧ - قوله: (فإن بادر فقتل.؛ فلمستحق الطرف ديته) (٣) أي: في تركة المقتول لا على المبادر. ٥١٥٨ - قوله: (ولو أخر مستحق الجلد .. فالقياس: صبر الآخرين) (٤) تبع فيه الرافعي (٥)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس هذا بالقياس بالنسبة إلى القطع؛ لأنه يمكن أن يقطع، ثم لا يفوت الجلد؛ لأنه يمكن استيفاؤه بعد البرء من القطع، وصاحب الجلد مقصر بعد أن يرفع إلى الحاكم، ويقال له: إما أن تستوفي أو تعفو أو تأذن لصاحب القطع في التقدم. ٥١٥٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٨]: (وإن اجتمع عليه حدان فأقيم أحدهما .. لم يقم الآخر حتَّى يبرأ من الأول) وفي بعض النسخ: (حتَّى يبرأ ظهره) وهو خارج مخرج الغالب؛ لأنه مكان الحدود غالبًا، ولا يتقيد الحكم، ومحل ذلك: فيما إذا كان الثاني غير قتل؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٥٩٤]: (وفُرّق غير القتل) وهو يقتضي أنَّه إذا اجتمع عليه حدود قذف لجماعة .. لا يوالى بين حدودهم، بل يمهل بين كل حدين حتَّى يبرأ، وقد قال في "أصل الروضة": هكذا ذكره البغوي وغيره، لكن سبق في القصاص أنَّه يوالى بين قطع الأطراف قصاصًا، وقياسه: أن يوالى بين الحدود (٦).

стр. 2014

واعترضه في "المهمات": بأنه إنما يوالي في القصاص إذا كان لواحد دون ما إذا كان لجماعة كما هو نظير مسألتنا؛ فإنه لا يوالي؛ لأنه لم يجتمع خطر القطعين على واحد حتَّى يقابل بمثله، ذكره الرافعي قبل العفو عن القصاص (١)، وأسقطه في "الروضة". وقال شيخنا الإمام البلقيني: نقله ذلك عن البغوي وغيره قصور؛ فقد نص عليه الشَّافعي فيما إذا قال: يا زانية بنت الزانية، فقال: ولو طالبتا جميعًا .. حُدّ للأم مكانه، وقيل: له الْتَعِن لامرأتك، فإن لم يلتعن .. حبس حتَّى يبرأ جلده، فإذا برأ .. حُد، إلَّا أن يلتعن (٢). وفرّق الماوردي بين الحد والقطع بفرقين: أحدهما: أن الحد مقدر بالشرع .. فوجب الوقوف عليه؛ لئلا يختلط بزيادة، والقصاص مقدر بالجناية .. فجاز الجمع بينهما؛ لأنه لا يختلط بزيادة. والثاني: أنَّه جمع بين القصاصين؛ لأنهما يجتمعان في حق شخص واحد، ولم يجمع بين الحدين؛ لأنهما لا يجتمعان في حق شخص واحد (٣). وضعف شيخنا الفرقين، وفرق: بأن جناية القاطع إتلاف، فأتلف عليه من غير تأخير، وجناية القاذف إيذاء فلم يحد إلَّا متفرقًا. انتهى. وقد عرفت أن حكم المسألتين عند اختلاف المستحق مستوٍ، فلا حاجة لهذه الفروق، والله أعلم. ٥١٦٠ - قوله: (ثم الأسبق) (٤) يقتضي أنَّه إذا قذف جماعة مرتبًا .. حد للأول فالأول، وقد ذكر ذلك في "الروضة" وأصلها بحثًا (٥)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: كأنه لم يقف على نقل في ذلك، وهو موجود في كثير من التصانيف، قال: ويستثنى منه: ما إذا كان حد الأول قابلًا لإسقاطه باللعان .. فلا يتقدم على النص المعتمد السابق في تقديم حد الأم على البنت. ٥١٦١ - قول "المنهاج" [ص ٥١٢]: (ولو اجتمع حدود لله تعالى .. قدم الأخف فالأخف) داخل في قول "الحاوي" [ص ٥٩٤]: (ثم الأخف) لتناول عبارة "الحاوي" حقوق الآدميين أيضًا، وفصله "التنبيه" بقوله [ص ٢٤٨]: (فيبدأ بحد الشرب، ثم يجلد في الزنا، ثم يقطع في السرقة) وقد يفهم كلامه قطعه قبل التغريب، وقال في "الكفاية": ولم أر لأصحابنا تعرضًا له. ٥١٦٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٨]: (وإن اجتمع قطع السرقة وقطع المحاربة .. قطعت يده اليمنى

стр. 2015

للسرقة، وهل تقطع الرجل معها؛ قيل: تقطع، وقيل: لا تقطع) الأصح: قطعها معها؛ أي: ولاء. ٥١٦٣ - قوله: (وإن كان مع الحدود قتل في المحاربة .. فقد قيل: يوالي بين الحدود وقيل: لا يوالى) (١) الأصح: الثاني، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص ٥٩٤]: (وفرّق غير القتل). ٥١٦٤ - قوله "التنبيه" [ص ٢٤٨]: (وإن كان معها حد قذف .. فقد قيل: يُبدأ به قبل حد الشرب، وقيل: يبدأ بحد الشرب) الأصح: الأول "كما في "المنهاج" (٢)، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص ٥٩٤]: (ثم للآدمي ثم الأخف) وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس وجهًا عندنا، بل هو منصوص؛ لأن الشَّافعي نص على الابتداء بحقوق الآدميين ثم حقوق الله تعالى. ٥١٦٥ - قول "المنهاج" [ص ٥١٢]: (وأن القصاص قتلًا وقطعًا يقدم على الزنا) قال شيخنا ابن النقيب: المشكل فيه شموله تصحيح تقديم قتل القصاص على حد الزنا، ولم أره الآن مصرحًا به (٣). وقال شيخنا الإمام البلقيني: إذا كان حد الزنا يوجب الجلد .. قدم على القتل، نص عليه، ولا خلاف فيه. قلت: وهو داخل في قول "الحاوي" [ص ٥٩٤]: (وقُدِّم - أي: غير القتل - ثم الآدمي) فجعل تقديم الآدمي فيما إذا تساوت، فأما إذا كان فيها قتل وغيره .. قدم غير القتل ولو كان لله تعالى والقتل لآدمي، وأورد شيخنا على "المنهاج" إيرادين آخرين: أحدهما: أنَّه لا ينبغي التعبير فيه بالأصح؛ لنص الشَّافعي على أنَّه يبدأ بحقوق الآدميين مما ليس بقتل، ثم حق الله تعالى فيما لا نفس فيه، ثم القتل من ورائها. ثانيهما: إن كان حد الزنا رجمًا .. فلا خلاف في تقديم القطع قصاصًا عليه؛ فإدخاله في الخلاف غير مستقيم، وإن كان جلدًا .. فهو محل الخلاف في صورة القطع، وليس محل خلاف في صورة الرجم. * * *

стр. 2016

كتاب الأشربة ٥١٦٦ - قول "المنهاج" [ص ٥١٣]: (كل شراب أسكر كثيره .. حَرُمَ قليله) أي: وكثيره كما صرح به "التنبيه" (١)، وأهمله "المنهاج" لوضوحه، وتناولهما قول "الحاوي" [ص ٥٩٦]: (مُسكر جِنسٍ). ٥١٦٧ - قول "التنبيه": (ومن شرب المسكر وهو بالغ عاقل مسلم مختار .. وجب عليه الحد) يعتبر أيضًا: كونه عالمًا بأنها خمر، وبتحريمها، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (٢). ٥١٦٨ - قوله: (دون ضرورة عطش، وإساغة لقمة، وعذر تداوٍ) (٣) ما ذكره من عدم الحد في شربه للتداوي حكاه في "أصل الروضة" عن القاضي حسين والغزالي، وإن حكمنا بالتحريم؛ لشبهة الخلاف (٤)، وقال النووي في "تصحيح التنبيه": إنه المختار (٥)، وقال الإمام: أطلق الأئمة المعتبرون أقوالهم في طرقهم أن التداوي حرام موجب للحد (٦)، ثم ذكر في "أصل الروضة" في شربها للعطش: إذا لم نجوزه .. ففي الحد الخلاف كالتداوي (٧). واعلم: أن الحد لا يختص بالشرب، بل لو أكله بخبز أو ثرد فيه خبزًا وأكل الثريد أو طبخ اللحم بالخمر وأكل المرقة .. حد بذلك، بخلاف ما لو أكل اللحم المطبوخ بها .. فإنه لا يحد؛ لأن عين الخمر لم تبق فيه. ويستثنى منه أيضًا: ما لو شربه في ماء والخمر مستهلك فيه .. فإنه لا يحد كما حكاه في "أصل الروضة" عن الإمام، وجزم به في (الرضاع) (٨). ٥١٦٩ - قول "المنهاج" عطفًا على المنفي [ص ٥١٣]: (وكذا حقنة وسعوط في الأصح) قال شيخنا الإمام البلقيني: ما صححه في السعوط ممنوع؛ فإنه يحصل به ما يحصل بالشرب، وهو واصل إلى المحل الذي يتأثر بالشرب، وأما الاحتقان؛ فإن قيل: إنه يحصل منه سكر بوجه عام .. فإنه يحد به أيضًا، ويكون ما أطلقه الأصحاب من أنَّه لا يحد بالحقنة محمولًا

стр. 2017

على ما إذا لم يحصل بذلك سكر بوجه ما. ٥١٧٠ - قوله: (ومن غص بلقمة .. أساغها بخمر إذا لم يجد غيرها) (١) أي: وجوبًا. ٥١٧١ - قوله: (والأصح: تحريمها لدواءٍ وعطش) (٢) يفهم أنَّه وجه، وهو منصوص كما في "الروضة" وأصلها (٣)، والأصح: أن الجوع كالعطش، ومحل الخلاف في التداوي: في القليل الذي لا يسكر، وألَّا يجد ما يقوم مقامها مع إخبار طبيب مسلم أو معرفة المريض. ٥١٧٢ - قول "الحاوي" [ص ٥٩٦]: (يضرب أربعين) محله: في الحر فأما العبد .. فعشرين، وقد صرح به "التنبيه" و"المنهاج" (٤). ٥١٧٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٧]: (وبضرب في حد الشرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وقيل: يجوز بالسوط، والمنصوص الأول) الأصح: جواز السوط أيضًا، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي"، بل حكى "المنهاج" وجهًا: أنَّه يتعين السوط (٥)، وفي قول "التنبيه": (إن المنصوص الأول) نظر؛ فقد قال في "الكفاية" بعد قوله: (وكذا قاله القاضي أَبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ): وكأنهم أخذوه من قول "المختصر ": وإن ضرب بنعل أو طرف ثوب أو رداء وما أشبهه. انتهى (٦). ولم يحك الرافعي والنووي هذا إلَّا وجهًا (٧)، وقال الشَّافعي كما في "المختصر": (يضرب المحدود بسوط بين سوطين لا جديد ولا خلق) (٨)، ومقتضى ذلك: أنَّه لا فرق بين المحدود في الخمر وغيره. ٥١٧٤ - قول "المنهاج" [ص ٥١٣]: (ولو رأى الإمام بلوغه ثمانين .. جاز في الأصح) محله: في الحر، أما العبد .. فغاية بلوغه أربعون، وقد صرح به "التنبيه" (٩)، وفي التعبير بالأصح نظر، فنصوص "الأم" و"المختصر" قاضية بذلك، بنقله ذلك عن الصحابة (١٠)، ومقتضى قول "التنبيه" [ص ٢٤٧]: (إن بلغ بالحد) أن الزائد حد، والأصح: أنَّه تعزير؛ ولذلك قال

стр. 2018

"المنهاج" [ص ٥١٣]: (والزِّيادة تعزيرات) وهو أحسن من قول "المحرر": (تعزير) (١) لأن القائل بأنها حد أورد أن التعزير لا يجوز أن يبلغ أربعين. فيجاب: بأنها تعزيرات على أنواع صدرت منه من هذيان وغيره. وقال شيخنا الإمام البلقيني: التعزيرات لا بد من تحقق سببها ولم يتحقق السبب فالمسألة معضلة، وقوله: (والزِّيادة) أي: المذكورة في قوله: (ولو رأى الإمام بلوغه ثمانين) فلا يقال: كلامه يقتضي أنَّه تجوز الزِّيادة على الثمانين، وليس كذلك، وقوله: (وقيل: حد) (٢) قد يفهم أنَّه لا يضمن لو مات بها، قال شيخنا الإمام البلقيني: ولم يقل بذلك أحد من أئمة المذهب. ٥١٧٥ - قوله: (ويحد بإقراره أو شهادة رجلين) (٣) في "تعليق الشيخ أبي حامد" طريق ثالث، وهي: أن نعلم شربه من إناء شرب منه غيره فسكر. قال الرافعي: (وليكن هذا بناء على القضاء بالعلم) (٤)، قال شيخنا الإمام البلقيني: والمحكي عن أبي حامد هو النص في "الأم" و"المختصر" (٥). ٥١٧٦ - قوله: (ويكفي في إقرار وشهادة: "شرب خمرًا") (٦) هذا في الشهادة، أما في الإقرار .. فيقول: (شربت خمرًا)، ومثله: (شربت ما شرب منه غيري فسكر منه)، ونازع شيخنا الإمام البلقيني في التفاء بالتنكير؛ لجواز إرادة المجاز، قال: والموجود في نص الشَّافعي وكلام الأصحاب: شرب الخمر (٧)، قال: فإن قيل: التعريف لا يمنع المجاز .. قلنا: يبعد مع التعريف ولا يبعد مع التنكير، على أنا نقول في صورة التعريف: لا بد أن يأتي بما يرفع المجاز؛ فقد يتجوز بالخمر على ما يصير خمرًا، فإن كان هناك ما يخرج هذا المجاز .. حددناه، وإلَّا .. فلا، ونبه شيخنا على أمرين آخرين: أحدهما: أنَّه ينبغي أن يزيد في الشهادة: من غير أن يسيغ بها ما غص به، وإن لم يشترط في الشهادة كونه عالمًا مختارًا، وقد قال في "الأم": إنما يعاقب الناس على اليقين (٨)، ولا يقين إذا لم يذكر ذلك.

стр. 2019

ثانيهما: أن مقتضى كلامه: أنَّه يسوغ للشاهد في شرب النبيذ أن يقول: (شرب خمرًا) لقوله أول الباب: (كل شراب أسكر كثيره .. حرم قليله، وحد شاربه) (١) ثم قال هنا: (ويكفي - يعني: في إيجاب الحد على شارب ما ذكر -: "شرب خمرًا") (٢) وهذا لا يسوغ للشاهد قطعًا، ولو قلنا: إن اسم الخمر يتناوله حقيقة؛ لأن الشارب قد يعتقد إباحة القدر الذي لا يسكر .. فيكون مع ذلك مقبول الشهادة، وإطلاق شرب الخمر عليه يقتضي فسقه ورد شهادته. ٥١٧٧ - قوله: (ولا يحد حال سكره) (٣) لم يبين هل ينعقد بالحد لو وقع أم لا؟ وفيه وجهان حكاهما في "الكفاية" عن القاضي حسين، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح: الإجزاء؛ ففي "صحيح البخاري": عن عقبة بنُ عامر قال: (جيء بالنعمان - أو بابن النعمان - وهو سكران، وأمر من في البيت أن يضربوه، فضربوه بالجريد والنعال) (٤)، وعن أبي هريرة قال: (أتى النبي ﷺ بسكران، فأمر بضربه ... الحديث) (٥)، قال: وهذان صريحان أو ظاهران، أو الأول صريح والثاني ظاهر في جواز إقامة الحد عليه في حال سكره إذا كان على الحالة التي لم يصل فيها إلى أن يصير ملقى لا حراك به. ٥١٧٨ - قوله: (ويفرقه على الأعضاء إلَّا المقاتل والوجه، قيل: والرأس) (٦) يقتضي أن استثناء الرأس وجه ضعيف، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٩٦]: (ويفرق على البدن، لا الوجه والمقتل). قال شيخنا الإمام البلقيني: وليس كذلك، بل هو نص الشَّافعي في "مختصر البويطي"، وقد نقله القاضي أَبو الطيب في "تعليقه"، وصححه، وقال: إذا اتقينا الفرج؛ لأنه مقْتل .. فالرأس بذلك أولى؛ لأنه موضع شريف، وفيه مقتل ويخاف من ضربه نزف الماء في العين وزوال العقل، وحكاه أيضًا ابن الصباغ والروياني في "الكافي"، وقال: إن مقابله خطأ، وجزم به الخوارزمي في "الكافي"، قال شيخنا: ولا نص للشافعي يخالفه؛ فهو المعتمد. قلت: وعليه مشى "التنبيه" في حد الزنا (٧)، واعلم: أن الرافعي علل كونه لا يجتنب الرأس بأنه مستور بالشعر (٨)، ومقتضاه: أنَّه لو لم يكن عليه شعر لقرع أو حلق رأس .. اجتنبه قطعًا.

стр. 2020

٥١٧٩ - قول "المنهاج" [ص ٥١٣]: (ولا تجرد ثيابه) قد يفهم أنَّه يترك عليه الجبة المحشوة والفروة، وليس كذلك؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص ٢٤٢]: (ولا يجرد، بل يكون عليه قميص) وفي " أصل الروضة": قميص أو قميصان. ٥١٨٠ - قول "الحاوي" [ص ٥٩٦]: (ولاءً) و"المنهاج" [ص ٥١٣]: (ويوالي الضرب بحيث يحصل زجرٌ وتنكيلٌ) ضبطه الإمام فقال: إن لم يحصل به ألم له وقع؛ كسوط أو سوطين كل يوم .. لم يكف، وإن حصل؛ فإن لم يتخلل ما يزول به الألم الأول .. كفى، وإن تخلل .. لم يكف في الأصح، حكاه عنه في " أصل الروضة"، وأقره (١). ٥١٨١ - قول "التنبيه" في حد الزنا [ص ٢٤٢]: (ولا يقيم الحد في المسجد) عبر بمثل ذلك في "الروضة" وأصلها، قالا: ويسقط الفرض لو أقيم كما لو صلى في مكان مغصوب. انتهى (٢) وكلامهم يشعر بتحريمه، لكن في "أصل الروضة" في (القضاء): أنَّه مكروه (٣)، ونص عليه في "الأم" فقال: وإذا كرهت له أن يقضي في المسجد .. كنت لأن يقيم الحد في المسجد أو يعزر أكره (٤).

стр. 2021

بابُ التَّعزير ٥١٨٢ - قولهما: (ومن أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة .. عزر) (١) وقول "الحاوي" [ص ٥٩٦]: (ويعزّر الإمام لمعصية غيرها) يعني: غير ذوات الحدود المتقدم ذكرها، يستثنى منه مسائل: الأولى: ذوو الهيئات في عثراتهم؛ فقد قال في "الأم" بعد روايته حديث عائشة: "تجافوا لذوي الهيئات عن عثراتهم" (٢): (سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول: يتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته ما لم تكن حدًا، قال: وذوو الهيئات الذين يقالون عثراتهم الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة) (٣). وحكى في "الشامل" عن الشَّافعي فيما إذا كتب بعض المسلمين إلى المشركين .. فاختار الإمام: أنَّه إن كان من ذوي الهيئات .. لم يعزر؛ لحديث حاطب بنُ أبي بلتعة (٤)، وهذه صورة مما تقدم، وكذلك ما ذكره الشيخ عَزَّ الدين بنُ عبدِ السلام في "قواعده": أنَّه إذا صدرت الصغيرة من بعض أولياء الله تعالى .. لا يجوز للأئمة والحكام تعزيرهم عليها، بل تقال عثرتهم، وتستر زلتهم (٥)، قال: وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة، ولم يعلقه الشَّافعي بالأولياء؛ لأن ذلك لا يطلع عليه. وحكى الماوردي في ذوي الهيئات وجهين: أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر دون الكبائر. والثاني: أنهم الذين إذا أتوا الذنب .. ندموا عليه وتابوا منه، والمعتمد ما ذكره الشَّافعي من أنهم لا يعرفون بالشر، قال الماوردي: وفي عثراتهم وجهان: أحدهما: أنَّها صغائر الذنوب التي لا توجب الحدود. والثاني: أنَّها معصية زل فيها مطيع (٦). الثانية: الأصل لا يعزر لحق الفرع كما لا يحد بقذفه، وإن لم يسقط حق الإمام من ذلك، صرح به الماوردي.

стр. 2022

الثالثة: إذا وطئ امرأته أو أمته في دبرها .. فلا يعزر أول مرة، وإنَّما يُنهى، فإن عاد .. عزر، نص عليه في "المختصر" (١)، وصرح به جماعة. الرابعة: إذا رأى من يَزْنِي بزوجته وهو محصن، فقتله في تلك الحالة .. فلا تعزير عليه وإن افتات على الإمام؛ لأجل الحميّة والغيظ، حكاه ابن الرفعة عن ابن داوود، ونقل الماوردي والخطابي في مقالة عن الشَّافعي: أنَّه يحل له قتله فيما بينه وبين الله تعالى إذا لم تكن بينة، وإن كان يقاد به في الظاهر، وهو منصوص عليه في "الأم" (٢). الخامسة: إذا نظر شخص إلى بيت غيره وجوزنا رمي عينيه، فلم يرتدع .. ضربه بالسلاح ونال منه ما يردعه، قال الرافعي عن النص: ولو لم ينل منه صاحب الدار .. عاقبهُ السلطان (٣)، هذا لفظه، ومقتضاه: عدم التعزير إذا نال منه وكأنه حد هذه المعصية، وقد يقال: هذا نوع تعزير شرعا لصاحب المنزل، فإذا لم يستوفه .. فللإمام استيفاؤه. السادسة: إذا دخل واحد من أهل القوة إلى الحمى الذي حماه الإمام للضعفة ونحوهم، فرعى منه .. قال القاضي أَبو حامد: لا تعزير عليه ولا غرم وإن كان عاصيًا، كذا في "المهمات"، وكلام أبي حامد في زيادة "الروضة" في (إحياء الموات) ليس فيه: (وإن كان عاصيًا)، وإنَّما فيه: لكن يمنع من الرعي (٤). وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس هذا بعاصٍ، وإنَّما فعل مكروهًا، ولا تعزير فيه، فإن قيل: الافتيات على الإمام معصية .. قلنا: الإمام إنما فعل ذلك لمصلحة الضعفاء لا لتحريمه على غيرهم، فلم يصل إلى رتبة المعصية، على أنا لو سلمنا أنَّه معصية .. فمنعه وإخراج دوابه تعزير، فيكتفى بمثل ذلك في نحو هذا. السابعة: إذا ارتد ثم أسلم .. فإنه لا يعزر أول مرة، نقل ابن المنذر الاتفاق عليه، وذكره "التنبيه" بقوله [ص ٢٣١]: (فإن تكرر ذلك منه .. عزر). ويجاب عنه: بأن الردة حدها القتل، فإذا أسلم .. سقط الحد، فلا تعزير، وأما إذا تكررت .. فإنه لم يقابل التكرير بشيء، فقوبل بالتعزير. الثامنة: إذا كّلف السيد عبده ما لا يطيق .. فإنه يحرم عليه، ولا يعزر أول مرة، وإنَّما يقال له: لا تعد، فإن عاد .. عزر، ذكره الرافعي في آخر الباب الأول من (اللعان) (٥).

стр. 2023

التاسعة: إذا طلبت المرأة نفقتها بطلوع الفجر .. قال في "النهاية": الذي أراه أن الزوج إن قدر على إجابتها .. فهو حتم، ولا يجوز تأخيره وإن كان لا يحبس ولا يوكل به، ولكن يعصي بمنعه (١). العاشرة: إذا عرّض أهل البغي بسب الإمام .. لم يعزروا على الأصح من "زيادة الروضة" (٢)، قال في "البحر": وكان سببه أن التعزير ربما كان مخرجًا لما عندهم ومهيجًا له، فيفتح بسببه باب القتال. ويرد عليهم أيضًا: أن التعزير قد يكون في غير معصية، وذلك في صور: إحداها: الصبي والمجنون يعزران إذا فعلا ما يعزر عليه البالغ، وإن لم يكن فعلهما معصية، نص عليه في الصبي، وذكره القاضي حسين في المجنون. ثانيها ة قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": يمنع المحتسب من يكتسب باللهو ويؤدب عليه الآخذ والمعطي (٣)، وظاهره تناول اللهو المباح. ثالثها: نفي المخنث نص عليه الشَّافعي، مع أنَّه لا معصية فيه إذا لم يتقصده، وإنما فُعل للمصلحة. رابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني: حبس الحاكم من ثبت عليه الدين ولم يظهر منه تقصير ولم تثبت ملاءته، وادعى الإعسار ولم يثبت ما ادعاه، لا وجه له إلَّا أن يدعي أن هذا طريق في الظاهر بين الناس إلى خلاص الحقوق، فيفعل هذا عملًا بأن الظاهر الملاءة؛ لأن ثبوت الدين بطريق المعاملة ونحوها يدل على الملاءة، أما حبس من ظهرت ملاءته ومطله .. فلمعصيته. وأورد على "التنبيه" و"المنهاج" اجتماع التعزير والكفارة في مسائل: الأولى: الجماع في [شهر] (٤) رمضان؛ فإنه يجب فيه التعزير مع الكفارة كما حكى البغوي في "شرح السنة" إجماع الأمة عليه (٥)، وفي "شرح المسند" للرافعي ما يقتضيه، وجزم به ابن يونس في "شرح التعجيز" (٦)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذه الدعوى التي ذكرها البغوي غير صحيحة؛ فإنه ﵊ لم يعزر المجامع في نهار رمضان، ولم يذكر ذلك أحد من

стр. 2024

الأئمة القدماء في خصوص المسألة؛ فالصحيح: أنَّه لا يعزر، وجزم به ابن الرفعة في "الكفاية"، وهو المعتمد، ووهم من جعله وهمًا (١). الثانية: جماع الحائض يعزر فاعله بلا خلاف، كما حكى في "المهمات" التصريح به عن بعض الأصحاب مع القول بوجوب الكفارة، وقد عرفت أن الجديد: عدم الكفارة؛ فالاستثناء إنما هو على القديم. الثالثة: المظاهر يجب عليه التعزير مع الكفارة، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الكفارة تجب بالعود أو الظهار، والعود شرط فيه أو بهما؟ أوجه، فإن قلنا بالعود .. عزر، أو بالظهار .. فالأصح: لا، أو بهما .. فوجهان. الرابعة: إذا قتل من لا يقاد به؛ كابنه وعبده .. وجب التعزير كما نص عليه في "الأم" مع الكفارة، وأجاب عنه في "المهمات": بأن كفارة القتل ليست للمعصية، بل لإعدام النفس؛ بدليل إيجابها في الخطأ، فيبقى التعمد خاليًا عن زاجر، فأوجبنا فيه التعزير، قال: وهذا يقتضي إيجاب التعزير في محرمات الإحرام إن كانت إتلافًا كالحلق والصيد، دون الاستمتاع كاللبس والطيب؛ ولذلك اتضح ما ذكره الأصحاب من الكفارة والتعزير في اليمين الغموس، فالتعزير للكذب والكفارة لانتهاك الاسم المعظم حيث أكد الكذب به، وبذلك أجاب ابن عبدِ السلام وابن الصلاح، قال: ومثله ذكره ابن عبدِ السلام في "القواعد الصغرى": أنَّه لو زنى بأُمَّه في جوف الكعبة في رمضان وهو صائم معتكف محرم .. لزمه العتق والبدنة، ويحد للزنا، ويعزر لقطع رحمه وانتهاك حرمة الكعبة. انتهى (٢) ولا يرد شيء من هذه الصور على "الحاوي" لأنه لم يعتبر في إيجاب التعزير انتفاء الكفارة، وكذا فعل الشيخ أَبو حامد والماوردي وابن الصباغ والقاضي حسين والبغوي والغزالي، حكاه عنهم شيخنا الإمام البلقيني، ثم قال بعد ذكره نص الشَّافعي على وجوب التعزير على قاتل من لا يقاد به: ظهر بهذا النص أن هذه الزِّيادة، وهو قوله: (ولا كفارة) (٣) ليس معتمدة على المذهب. وأورد عليهم: اجتماع الحد والتعزير في شارب الخمر؛ فإن الحد أربعون، والزِّيادة إلى الثمانين تعزير كما تقدم، وقد صرح "المنهاج" بالمسألة (٤)، وإنَّما الإيراد على إطلاقه هنا، وقد لا يرد على "الحاوي" لقوله [ص ٥٩٦]: (ويعزر الإمام لمعصيةٍ غيرها) وذلك لا ينافي التعزير مع شيء قدمه.

стр. 2025

واعلم: أن الإمام حكى عن المحققين فيما لو علم أن التأديب لا يحصل إلَّا بالضرب المبرح .. أنَّه ليس له الضرب، لا المبرح؛ لأنه مهلك، ولا غيره؛ لعدم إفادته (١)، وعليه مشى "الحاوي" في النشوز، فقال: (ضرب إن نجع) (٢) ومقتضى ذلك: استثناؤه من عبارة "التنبيه" و"المنهاج" هنا، لكن قال الرافعي: يشبه أن يضرب ضربا غير مبرح؛ إقامة لصورة الواجب، وإن لم يفد التأديب (٣)، وأهمل في "الروضة" هذا البحث، وهو بحث حسن، ويقوى بما قاله المحققون: أنَّه لو قتل نحيفًا بضربات تقتل مثله غالبا، وتيقنا أو ظننا ظنا مؤكدأ أن الجاني لا يموت بتلك الضربات .. فلا تراعى المماثلة، بل يقتل بالسيف، حكاه الرافعي عن الإمام (٤)، وكذا لو لاطَ بصبي فمات وقلنا: يدس في دبره خشبة قريبة من آلته .. فلا يفعل إذا لم يتوقع موته بذلك، بل يقتل بالسيف، حكاه الرافعي عن "التتمة" (٥). ٥١٨٣ - قول "المنهاج" [ص ٥١٤]: (بحبس أو ضرب أو صفع أو توبيخ) فيه أمور: أحدها: أنَّه يقتضي أنَّه ليس له الجمع بينها ولا بين نوعين منها، وليس كذلك؛ ففي "أصل الروضة": أن له الجمع بين الحبس والضرب (٦)، ولذلك قال "الحاوي" [ص ٥٩٦]: (حبسا ولومًا وجلدًا). ثانيها: ظاهر عبارتهما التخيير بين هذه الأمور، وليس كذلك، بل لا يرقى إلى مرتبة وهو يرى ما فى ونها كافيًا، حكاه الإمام عن الأصحاب، وأقره في "الروضة" وأصلها (٧)، وقد يدل عليه قول "المنهاج" بعده [ص ٥١٤]: (ويجتهد الإمام في جنسه وقدره) فإن المراد: الاجتهاد في الأصلح واللائق. ثالثها: ظاهر كلامهما أنَّه لا يتعين للحبس مدة، وليس كذلك، بل شرطها النقص عن سنة، وقد نص عليه في "الأم" في قتل المؤمن الكافر، فقال: (ولا يبلغ بحبسه سنة) (٨)، ولم يطلع الإمام على هذا النص، فحكاه في "الغياثي" عن بعض الفقهاء، وقال: إنه فالممد، وليس التغريب حدًا كاملًا، وإنَّما هو جزء من حد، وحكى ابن الرفعة عن الزبيري تقديرها بستة أشهر، وهو محمول على العبد، ومع ذلك: ففي التعبير تساهل؛ فالمعتبر نقصها عن ستة أشهر.

стр. 2026

رابعها: أنهما لم يذكرا التعزير بالنفي، وذكره في "الروضة" في حد الزنا، فقال: إن النبي ﷺ نفى المخنثين، وهو تعزير (١)، وفي قطع الطَّرِيقِ، فقال في "المعين": الأصح: أن الإمام يعزره باجتهاده بالحبس أو التغريب أو سائر وجوه التأديب كسائر المعاصي، وحكى في "الكفاية" عن الماوردي وغيره جواز التعزير بالنفي وفي "اختلاف الحديث" للشافعي: أن من اشترط خلاف ما قضى به رسول الله ﷺ بعد أن بلغه نهيه عنه .. عاصٍ، وفي المعاصي حدود وآداب، فكان من أدب العاصين: أن يعطل عليهم شروطهم ليتنكلوا عن مثله ويتنكل بها غيرهم، وكان هذا من أيسر الأدب (٢). قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا النوع الذي ذكره الشَّافعي لم أر من تعرض له في التعزير، إلَّا أن يدخل ذلك تحت التوبيخ؛ لأن إبطال شرطه من جملة التوبيخ. ٥١٨٤ - قول "المنهاج" [ص ٥١٤]: (وقيل: إن تعلقت بآدمي .. لم يكف توبيخ) الذي في "الروضة": إذا طلبه الآدمي .. فهل يجب؟ وجهان: أحدهما: يجب، وهو مقتضى كلام صاحب "المهذب". والثاني: لا، وهو ما أطلقه أَبو حامد وغيره، ومقتضى كلام البغوي ترجيحه، وقال الإمام: قدر التعزير وما به التعزير إلى رأي الإمام، ولا يكاد يظهر جنايته عنده .. إلَّا وبّخه وأغلظ عليه، فيؤول الخلاف إلى أنَّه هل يجوز الاقتصار على التوبيخ؟ (٣) ٥١٨٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٨]: (غير أنَّه لا يبلغ به أدنى الحدود) أي: في حقه، فإن كان عبدآ .. نقص عن عشرين، وإن كان حرًا .. نقص عن أربعين كما صرح به "المنهاج" (٤)، وهو معنى قول "الحاوي" [ص ٥٩٦، ٥٩٧]: (ناقصًا عن أدنى حده) وحمل الإصطخري ذلك في "تصنيفه" في أدب القضاء على الضرب بالدرة، قال: فإن ضرب بالسوط .. فأحب ألَّا يزاد على العشرة، وفي "الصحيحين": عن أبي بردة بنُ نيار قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلَّا في حد من حدود الله" (٥)، واقتصر التِّرمِذي على تحسينه (٦)، وقال ابن المنذر: في إسناده مقال، وقال أَبو محمد الأصيلي: اضطرب

стр. 2027

إسناده (١)، وقال الماوردي: لم يثبت هذا الحديث عند الشَّافعي من وجه يجب العمل به، فإن صح وثبت .. فقد اختلف أصحابنا في وجوب العمل به على وجهين: أحدهما - وهو ظاهر قول ابن سريج -: أن العمل به واجب، لا تجوز الزِّيادة في التعزير على عشر جلدات، ويكون هذا مذهب الشَّافعي (٢). وقال صاحب "التقريب": هذا خبر صحيح، لو بلغ الشَّافعي .. لقال به، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه المختار على أصل الشَّافعي في اتباع الخبر. ٥١٨٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٨]: (وإن رأى ترك التعزير .. جاز ذلك) محله: فيما إذا كان لحق الله أو لحق آدمي ولم يطلبه؛ فإن كان لآدمي وطلبه .. وجبت إقامته، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٥٩٧]: (ويهمل لا للعبد بطلبه)، وحكاه في "أصل الروضة" عن مقتضى كلام "المهذب" (٣). قال شيخنا الإمام البلقيني: ويوافقه كلام القاضي أبي الطيب والماوردي والصيدلاني، وهو الصحيح، ثم حكى في "الروضة" عدم الوجوب عن إطلاق الشيخ أبي حامد وغيره، قال: ومقتضى كلام البغوي ترجيحه (٤). ٥١٨٧ - قول "المنهاج" فيما لو عفا مستحق تعزير [ص ٥١٤]: (فله في الأصح) أي: فللإمام إقامته، و"الحاوي" [ص ٥٩٧]: (وإن عُفِيَ) قد يفهم منه أن للإمام إقامته بغير طلب؛ لأنه إذا جاز بعد العفو .. فقبل الطلب أولى، وليس كذلك؛ فالمنقول في "الروضة" وأصلها في (باب اللعان): أنَّه لا يستوفيه إلَّا بعد الطلب (٥)، والفرق: أنَّه بالعفو يسقط حقه، فيبقى حق الإصلاح للإمام، وقبل الطلب الإصلاح منتظر لم يُؤيَسْ منه، ولو أقيم .. لفات عليه حق الطلب وحصول التشفي. * * *

стр. 2028

كتابُ الصِّيال وضمان الولاة ٥١٨٨ - كذا في "المنهاج" (١)، وكان ينبغي أن يزيد في التَّرجمة: (وإتلاف البهائم) كما في "الروضة" (٢)، لذكره حكمه فيه، وأما حكم الختان .. فإنما ذكر توطئة لبيان حكم ما إذا ختنه فمات، وهو من ضمان الولاة. ٥١٨٩ - قول "التنبيه" - وهو في قتال أهل البغي -[ص ٢٣٠]: (ومن قصد قتل رجل .. جاز للمقصود دفعه عن نفسه، وهل يجب ذلك؛ قيل: يجب، وقيل: لا يجب) فيه أمور: أحدها: لا يخفى أن المراد القاصد بغير حق، وتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بـ (الصيال) (٣) يفهم ذلك. ثانيها: محله: ما إذا لم يمكنه الهرب، فإن أمكن .. وجب، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص ٥١٥]: (فإن أمكن هربٌ .. فالمذهب: وجوبه) وقد يفهم منه إثبات طريقة قاطعة بالوجوب، وليس كذلك، وإنَّما فيه طريقة القولين، وهي الأصح، وحمل نص الهرب على ما إذا تيقن النجاة به، والنص الآخر على ما إذا لم يتيقن، ولو عبر بالأظهر .. لكان أحسن؛ وقد يقال: الهرب من جملة الدفع؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٠١]: (بصياح وهرب) ومحل إيجاب الهرب: في غير الصائل الحربي والمرتد؛ ففيهما لا يجب الهرب، بل لا يجوز في الحالة التي يحرم فيها الفرار. ثالثها: الخلاف قولان، والأظهر: أنَّه لا يجب الدفع كما ذكره "المنهاج" (٤)، وكذا رجح في "الروضة" وأصلها أنَّه قولان (٥)، لكن نازع فيه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: ليس بمعتمد، ولم يذكره إلَّا الإمام والغزالي والزاز (٦)، والذي ذكره الشيخ أَبو حامد والعراقيون والماوردي والقاضي حسين والبغوي وغيرهم: أنَّه وجهان (٧)، قال: والذي عندنا أن جواز الدفع منصوص "الأم" و"المختصر" (٨)، وأما وجوبه: فلم أقف عليه في كلام الشَّافعي، وعن القاضي حسين: إن

стр. 2029

أمكن دفعه بغير قتله .. وجب، وإلَّا .. فلا، ومال شيخنا الإمام البلقيني إلى هذا، واستثنى: ما إذا أمكن الدفع بغير القتل من محل الخلاف، وقال: إنه يجب قطعًا، وحكاه عن "التتمة"، وقال: إنه لا بد منه، وأيده ترجيحهم وجوب الهرب. رابعها: محل الخلاف: فيما إذا كان القاصد مسلمًا، فإن كان كافرًا أو بهيمة .. وجب الدفع، قال النووي في "تصحيحه": قطعًا (١)، وسبقه إليه نفي الخلاف القاضي حسين، وأشار الروياني إلى خلاف في الكافر، قال في "الروضة": وهو غلط، والصواب الأول، وبه قطع الأصحاب (٢)، وقال في "المطلب": لعل ما قاله الروياني في الذِّمِّيُّ، فأما الحربي: فلا يجوز الاستسلام له أصلًا، وكذلك المرتد؛ لوجوب قتله. وعبر "المنهاج" بقوله [ص ٥١٥]: (ويجب عن بُضْعِ، وكذا نفسٌ قصدها كافر أو بهيمةٌ، لا مسلمٌ في الأظهر) وظاهره عود الخلاف للكافر والبهيمة أيضًا؛ لذكره لهما بعد قوله: (كذا)، وليس كذلك، وعبارة "الحاوي" [ص ٦٠٠]: (والبهيمة والمجنون والكافر عن النفس) فزاد ذكر المجنون، وفي معناه: الصبي، وإلحاق المجنون والصبي بالبهيمة والكافر طريقة حكاها الرافعي، ثم قال: والأشبه طرد القولين (٣)، وعبر في "الروضة" بقوله: والمذهب: طرد القولين (٤)، ومقتضاه: ترجيح جواز الاستسلام، لكن صحح شيخنا الإمام البلقيني تلك الطريقة، وحكاها عن جزم الماوردي (٥)، وقال: هو الذي يقوى في التوجيه من جهة أنهما لم يبوءا بالإثم، فأشبها البهيمة. وأجيب عن "التنبيه": بأن البهيمة لم تدخل في كلامه؛ لتعبيره ب (من)، وهي للعقلاء. خامسها: قيد شيخنا الإمام البلقيني المسلم بكونه محقون الدم، فلو كان غير محقون؛ كالزاني المحصن وتارك الصلاة ومن تحتم قتله في قطع الطَّرِيقِ .. وجب الدفع قطعا، وحكى عن القاضي حسين والإمام والغزالي تقييد الخلاف بكونه محقون الدم (٦). سادسها: تعبيره بالمقصود يقتضي أن غيره ليس كذلك، مع أن أصح الطرق أن الدفع عن نفس غيره كالدفع عن نفسه وجوبًا وجوازًا؛ ولهذا لم يقيد "المنهاج" و"الحاوي" ذلك بنفسه، بل أطلق "الحاوي" [ص ٦٠٠]: (النفس) بالتعريف، و"المنهاج" [ص ٥١٥]: (نفسًا) بالتنكير، ثم

стр. 2030

صرح به بعد ذلك، فقال: (والدفع عن غيره كهو عن نفسه، وقيل: يجب قطعًا) (١) ويزاد عليه طريقة ثالثة، وهي: أنَّه لا يجب قطعًا، حكاها في "أصل الروضة"، ومحل الخلاف: إذا لم يخف على نفسه كما جزم به في "أصل الروضة"، وحكاه الرافعي عن إبراهيم المروذي وغيره (٢)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: ولا بد منه، إلَّا إذا كان في قتال الحربيين أو المرتدين .. فلا يسقط الوجوب بذلك. ٥١٩٠ - قول "الحاوي" [ص ٦٠٠]: (الصائلُ يُدفع ولو عن المال) هو في المال جائز؛ بدليل قوله بعده: (ويجب عن البضع) (٣)، وقد صرح به "المنهاج" فقال [ص ٥١٥]: (لا يجب الدفع عن مال)، وهو أعم من تعبير "التنبيه" بقوله [ص ٢٣٠]: (وإن قصد ماله) لتناوله مال غير الدافع، ولو أنَّه مال الصائل، ومحل ذلك: ما إذا كان لم يكن المال حيوانًا، فإن كان حيوانًا .. وجب الدفع عنه؛ كما إذا رآه يشدخ رأس حمار ولو أنَّه للشادخ على الأصح في "أصل الروضة"، وحكاه الرافعي عن البغوي (٤). ٥١٩١ - قول "المنهاج" [ص ٥١٥] و"الحاوي" [ص ٦٠٠]: (ويجب عن البضع) أعم من قول "التنبيه" [ص ٢٣٠]: (وإن قصد حريمه .. وجب عليه الدفع عنه) لتناوله بضعه وبضع أجنبية ولو أمة، وشرط البغوي للوجوب: ألَّا يخاف على نفسه (٥)، ولم يتعقبه الرافعي والنووي، وقال شيخنا الإمام البلقيني: هو قيد معتبر، تقدم نظيره في الدفع عن غيره. ٥١٩٢ - قول "المنهاج" [ص ٥١٥]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٦٠٠]: (ولو سقطت جرة ولم تندفع عنه إلَّا بكسرها .. ضمنها في الأصح) قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه لم يسبق الرافعي إلى تصحيحه أحد (٦)، قال: والأصح عندنا: أنَّه لا ضمان على الكاسر؛ لأمور: منها: أنَّها كانت مشرفة على الانكسار لو سقطت على الأرض، وقد كانت تضرّ بالساقطة عليه لو لم يكسرها، فما كسرها إلَّا وهي آيلة إلى الكسر، مع أنَّه دافع للضرر عن نفسه، وأشار إلى ذلك القاضي حسين، فقال في تعليله؛ لأن من حقه أن يتأخر ولا يدفعه، فلم يُلْزمه بالضمان إلَّا حيث أمكنه أن يتأخر، ومقتضاه: أنَّه إذا لم يمكنه التأخر .. لا ضمان، وحاول في "المطلب" تخريجه على الخلاف فيما لو ألقاه من شاهق، فقده آخر بنصفين، حتَّى يجري وجه ثالث بوجوب الضمان عليها.

стр. 2031

ورده شيخنا الإمام البلقيني: بأن الإلقاء في صورة القد كان مضمونًا، وقيد شيخنا محل الخلاف بقيدين: أن يكون على غير روشن ونحوه، وألَّا يضعها صاحبها مائلة أو على وجه يغلب على الظن سقوطها؛ ففي هاتين الصورتين لا ضمان قطعًا. ٥١٩٣ - قول "الحاوي" [ص ٦٠٠]: (وبهيمة تمنع الجائع من طعام) أي: فيضمن كالجرة، قال الرافعي: ويمكن أن يجعل الأصح هنا: الإهدار؛ كما إذا عم الجراد المسالك، فوطئه المُحْرِم (١). ٥١٩٤ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ويُدفع الصائل بالأخف) (٢) فيه أمران: أحدهما: قال الماوردي: هذا التدريج في غير الفاحشة، أما من أولج في الفرج .. فيجوز أن يبدأ بالقتل؛ فانه في كل لحظة مواقع، ثم فيه وجهان محتملان: أحدهما: للدفع، فيختص بالرجل ولو بكرًا. والثاني: حد، فتقتل المرأة الثيب وتجلد البكر، وأما الرجل .. فيقتل كذلك، والأظهر: قتله مطلقًا (٣). ثانيهما: قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: ما إذا كان معصومًا فإن لم يكن معصومًا؛ كالحربي والمرتد .. فلا يجب عليه مراعاة الأخف، وله العدول إلى القتل؛ إذ لا حرمة له تقتضي مراعاة الأخف، وكذا حكم كل من لا يقتل به من تارك الصلاة وزانٍ محصن. ٥١٩٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٠]: (وإن عض يد إنسان، فنزعها منه، فسقطت أسنانه .. لم يضمن) محله: ما إذا لم يمكن تخليصها بدون ذلك، فإن أمكن بدونه .. ضمن؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ٥١٥]: (خلصها بالأسهل من فك لحييه وضرب شدقيه، فإن عجز فسلها فندرت أسنانه .. فهدرٌ) و"الحاوي" [ص ٦٠١]: (وفك لحيي من عض يده أو ضرب شدقيه، ثم سل يده وإن ندرت أسنانه) لكن مقتضى "الحاوي": التخيير بينهما، وليس كذلك؛ فالفك مقدم على الضرب؛ لأنه أسهل. فإن قلت: وقد ذكره "التنبيه" أيضًا فقال [ص ٢٣٠]: (وإن لم يقدر على تخليصها إلَّا بفك لحييه، ففكهما .. لم يضمن). قلت: أراد "المنهاج" و"الحاوي" بفك لحييه: رفع أحدهما عن الآخر بلا جرح، وهذا مقدم على ضرب شدقيه، فليس له ضربهما إذا أمكن التخليص بالرفع، وأراد "التنبيه": فك

стр. 2032

أحدهما عن الآخر بفصل وإبانة، وهذا أشد من سل اليد حتَّى تندر الأسنان؛ ولهذا اعتبر في عدم الضمان به ألَّا يقدر على تخليصها إلَّا بذلك، ورفع أحد اللحيين عن الآخر أهون الأمور، فيفعل بلا شرط. وظاهر عبارة "المنهاج" و"الحاوي"الحصر فيما ذكر اه، وليس كذلك؛ فالصحيح في "أصل الروضة": أنَّه إذا لم يمكنه التخلص إلَّا ببعج بطنه أو فقأ عينه أو عصر خصييه .. جاز (١)، وهذا كفك اللحيين الذي ذكره "التنبيه". فإن قلت: ففي "مختصر المزني" عن الشَّافعي: فإن بعج بطنه بسكين أو فقأ عينيه بيديه أو ضربه في بعض جسده .. ضمن، قال المزني: قلت أنا: لا يضمن (٢). قلت: إنما قال الشَّافعي هذا فيما إذا أمكن دفعه بدون ذلك؛ بدليل أنَّه قال في "الأم": (فإن ترك شيئًا مما وصفنا له وبعج بطنه ... إلى آخره) (٣) فدل على أن صورته فيما إذا ترك ما هو أسهل من ذلك مع التمكن منه، وإنَّما خالفه المزني؛ لظنه أنَّه قال ذلك مع العجز عما هو دونه، ذكره شيخنا الإمام البلقيني بمعناه، ثم قال: وعندي في فقأ العينين نظر؛ فإن مثل ذلك لا يدوم كعصر الخصية، فلا يكون حاملًا للعاض على ترك العض؛ فالإقدام عليه مع هذا الاحتمال ممتنع، ثم ذكر شيخنا: أن شرط هذه المسألة: ألَّا يكون المعضوض مرتدًا ولا متحتم القتل في قطع الطَّرِيقِ ونحوهما، فمن هو كذلك .. ليس له أن يفعل بالعاض ما يؤدي إلى سقوط أسنانه، قال: ولا توقف عندي فيه، وإن وقف من وقف فيه، ولا يخفى أن ذكر اليد مثال، فعض سائر الأعضاء كذلك؛ ولهذا لم يذكر اليد في بعض نسخ "الحاوي". ٥١٩٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٠]: (وإن اطلع رجل في بيت رجل وليس بينهما محرمية .. جاز رمي عينه) فيه أمور: أحدها: الأصح: أنَّه لو كان الناظر امرأة أو مراهقًا .. كان الحكم كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٥١٥]: (ومن نظر) و"الحاوي" [ص ٦٠١]: (ناظر) لكن يدخل في عبارتهما: غير المراهق، مع أنَّه لا يجوز رميه ولو كان مميزًا، وقال الشيخ زين الدين بنُ الكتناني: كيف يجوز رمي المراهق وهو غير مكلف؟ قال: ولو كان في الدار محرم للناظر أو زوجة أو متاع .. لم يُرم؛ لأجل الشبهة فأي شبهة أقوى من عدم التحريم، فالقول بجواز رميه غفلة، مع أن نظره لا يحرم.

стр. 2033

قال في "التوشيح": وجوابه: أن كونه غير مكلف لا يعصمه من الرمي؛ فإن الرمي ليس للتكليف، بل لدفع مفسدة النظر، فسواء أوقع النظر من مكلف أو غيره ممن يحصل به المفسدة، وقوله: (ولو كان في الدار محرم .. لم يُرْمَ لأجل الشبهة) قلنا: تلك شبهة في المحل المنظور فيه، وأما المراهق .. فلا شبهة له في المحل، وقوله: (نظر المراهق لا يحرم) الصحيح عند الرافعي والنووي: أن نظره كنظر البالغ (١)، وفي الحقيقة الوجهان في رمي المراهق هما الوجهان في نظره؛ إن جوزناه .. لم يرمِ، وإن لم نجوزه وهو الأصح: جاز رميه؛ فلا اعتراض على الرافعي، ولا غفلة منه، بل ممن قال: إن نظر المراهق لا يحرم. وقال شيخنا الإمام البلقيني: المراهق في حرمة النظر كالبالغ، وهذا تعزير له، والتعزير لا يتوقف على التكليف، وقيد شيخنا المذكور مسألة المرأة بما إذا كانت الناظرة كافرة والمنظور إليها مسلمة، وفرعنا على منع نظر الكافرة للمسلمة، أو نظرت المرأة المسلمة لما يمتنع عليها أن تنظر إليه، فحينئذ .. تُرمى. ثانيها: لا يخفى أن ذكر الرجل ثانيًا مثال؛ فالمرأة أولى بذلك. ثالثها: محله: ما إذا كان صاحب البيت مكشوف العورة، وإلَّا .. فالأصح: أنَّه لا يجوز الرمي، إلَّا أن يكون هناك امرأة فيرمي، ولو كانت مستترة؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٥١٥]: (ومن نظر إلى حُرَمِهِ في داره) و"الحاوي" [ص ٦٠١]: (ورمي عين ناظر حرمه) ويرد عليهما: الرجل المكشوف العورة، وتردد شيخنا فيما لو كان المنظور إليه خنثى مشكلًا؛ أي: إلى غير عورته، وقال: الأقرب أنَّه لا يرميه. رابعها: يمتنع أيضًا فيما إذا كان له هناك مَحْرَم أو زوجة، ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (٢)، وعبر عنه في "التصحيح" بالصواب (٣)، وفيه نظر؛ فالخلاف موجود في ذلك، وشرطه في المحرم: أن تكون غير متجردة، وإلَّا .. فيرمي، وفي معناهما: ما لو كان له هناك متاع، ذكره في "أصل الروضة" (٤). وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ممنوع؛ فإن مثل ذلك لا يقتضي الشبهة؛ بدليل ما لو كان الساكن في الدار مستأجرًا والناظر المالك .. فإنه يجوز رميه كما قاله أَبو الفرج السرخسي، وأقره عليه في "أصل الروضة"، وكذا المستعير على أحد وجهين في "أصل

стр. 2034

الروضة" بلا ترجيح (١)، لكن صححه شيخنا الإمام البلقيني، قال: وقد ذكر القاضي الحسين صورة المؤجر والمعير، وقال: إن ذلك يقرب من السرقة، والصحيح في السرقة: القطع، وكذا يمتنع الرمي فيما إذا كان محرمًا لحرم صاحب الدار وما بين سرتهن وركبتهن مستور. خامسها: شرط الرمي: ما إذا كان النظر من كوة أو نَقْب كما عبر به "المنهاج" (٢)، وعبر "الحاوي" [ص ٦٠١] بـ (الثقبة)، وهي فيما يظهر أعم؛ لأنه يدخل فيها شىّ الباب، ولا بد من تقييد ذلك بالضيق، فلو كانت واسعة بحيث يُنسب صاحب الدار إلى تفصير في ذلك؛ فإن نظر مارًا .. لم يجز رميه، وكذا لو وقف ونظر متعمدًا في الأصح، وكذا لو نظر من باب الدار المفتوح .. لا يجوز، لكن قيده "الوجيز" بما إذا لم يقدم الإنذار، فله الرمي مع تقديم الإنذار (٣)، وتبعه الرافعي (٤) و"الحاوي" فقال [ص ٦٠١]: (فإن فتح الباب .. قدم الإنذار)، وأسقطه في "الروضة". سادسها: استثنى شيخنا الإمام البلقيني من كلامهم: ما إذا كان النظر بقصد الخطبة أو شراء الأمة حيث يباح النظر، فلا يجوز رميه، وهو واضح. سابعها: ظاهر كلامهم أن هذا أمر مستحق لصاحب الدار، ولكن لو كان الحاضر أبا الزوجة أو أخاها أو غيرهما من محارمها .. فالقياس: ثبوت هذا الأمر له، ولا يتعدى إلى الأجنبي، نبه عليه شيخنا الإمام البلقيني. قلت: ولا ينبغي أن يتوقف في جواز الرمي للمرأة المنظورة أيضًا، والله أعلم. ثامنها: اعتبر "المنهاج" أن يكون النظر عمدًا، فليس له رمي من وقع بصره اتفاقًا، لكن شرطه: أن يعلم بذلك صاحب الدار، فلو ادعى المرمي عدم القصد .. فلا شيء على الرامي؛ لأن الاطلاع حصل والقصد باطن، قال الرافعي: وهو ذهاب إلى جواز الرمي من غير تحقق القصد، وفي كلام الإمام ما يدل على المنع حتَّى يتبين الحال، وهو حسن (٥). ٥١٩٧ - قول "المنهاج" بعد قوله [ص ٥١٥]: (بشرط عدم مَحْرَمٍ وزوجة للناظر): (قيل: واستتار الحُرَمِ، قيل: وإنذار قبل رميه) عبارة ملتبسة؛ لأنه اعتبر في الشرط الأول العدم، فإن اعتبرناه في الوجهين الآخرين .. لم يستقم في الثاني؛ إذ ليس الشرط على ذلك الوجه في جواز الرمي: عدم الإنذار، بل وجود الإنذار وإن لم نعتبره في الوجهين .. لم يستقم في الأول؛ إذ ليس

стр. 2035

الشرط على ذلك الوجه في جواز الرمي: استتار الحُرَم، بل عدم استتارهن، فظهر اعتبار العدم في استتار الحرم، والوجود في الإنذار قبل الرمي؛ فيكون قوله: (واستتار) معطوفًا على (مَحْرَم)، وقوله: (وإنذار) معطوفًا على (عدم) أي: بشرط إنذار قبل رميه، فلو أفصح عن المقصود .. لزال هذا الإلباس، وأيّ فائدة في اختصار كلمة واحدة، وإيقاع في لبس عظيم. واعلم: أن تضعيف اعتبار الإنذار إنما هو إذا لم يوجد تقصير بفتح الباب أو اتساع الكوة ونحوهما، فإن وجد ذلك .. فلا بد من الإنذار كما تقدم، والله أعلم. فَصْلٌ [ضمان الولاة] ٥١٩٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٥١]: (ولو عزّر وليٌّ ووَالٍ وزوج ومُعَلِّمٌ .. فمضمونٌ) و"الحاوي" بعد ذكر تعزير الإمام والأب ومأذونه والسيد: (فإن سرى .. ضمن) (١)، أعم من قول "التنبيه" في (باب ما تجب به الدية) من (الجنايات) [ص ٢٢٠]: (وإن ضرب الوالد ولده، أو المعلم الصبي، أو الزوج زوجته، أو ضرب السلطان رجلًا في غير حد، فأدى إلى الهلاك .. وجبت الدية) لكن دخل في تعبيرهما ما لا مدخل له في الهلاك؛ كتوبيخ غير الحامل والحبس والنفي والصفعة الخفيفة؛ لذكرهما قبل ذلك أن التعزير يكون بالحبس والتوبيخ، ثم أطلقا التعزير هنا مع أن هذا ليس مضمونًا بلا خلاف، ولا يرد ذلك على "التنبيه" لتعبيره بالضرب. ويستثنى من كلامهم معًا ثلاثة أمور ذكرها شيخنا الإمام البلقيني: الأول: إذا اعترف بما يقتضي التعزير وطلب بنفسه من الوالي أن يعزره فعزره بطلبه .. لم يكن مضمونًا؛ لإذنه. الثاني: إذا عزر زوجته الأمة بإذن سيدها .. فلا ضمان. الثالث: إذا عزر المعلم الرقيق بإذن مالكه، كما حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي: أنَّه لو كان مملوكًا فضربه بإذن سيده .. لم يضمن؛ لأنه لو أذن في قتله فقتله .. لم يضمنه (٢). ٥١٩٩ - قول "المنهاج" [ص ٥١٥]: (ولو حَدَّ مقدَّرًا .. فلا ضمان) لا معنى لوصف الحدّ بالتقدير إلَّا التأكيد؛ لأن الحد لا يكون إلَّا مقدرًا؛ ولهذا لم يصفه به "التنبيه" و"الحاوي"، وكأنه احترز عن حد الشرب، فسنتكلم عليه. ٥٢٠٠ - قول "المنهاج" [ص ٥١٦]: (ولو ضرب شارب بنعال وثياب فمات .. فلا ضمان على
следующие страницы →