← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

ورده شيخنا الإمام البلقيني: بأن الإلقاء في صورة القد كان مضمونًا، وقيد شيخنا محل الخلاف بقيدين: أن يكون على غير روشن ونحوه، وألَّا يضعها صاحبها مائلة أو على وجه يغلب على الظن سقوطها؛ ففي هاتين الصورتين لا ضمان قطعًا. ٥١٩٣ - قول "الحاوي" [ص ٦٠٠]: (وبهيمة تمنع الجائع من طعام) أي: فيضمن كالجرة، قال الرافعي: ويمكن أن يجعل الأصح هنا: الإهدار؛ كما إذا عم الجراد المسالك، فوطئه المُحْرِم (١). ٥١٩٤ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ويُدفع الصائل بالأخف) (٢) فيه أمران: أحدهما: قال الماوردي: هذا التدريج في غير الفاحشة، أما من أولج في الفرج .. فيجوز أن يبدأ بالقتل؛ فانه في كل لحظة مواقع، ثم فيه وجهان محتملان: أحدهما: للدفع، فيختص بالرجل ولو بكرًا. والثاني: حد، فتقتل المرأة الثيب وتجلد البكر، وأما الرجل .. فيقتل كذلك، والأظهر: قتله مطلقًا (٣). ثانيهما: قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: ما إذا كان معصومًا فإن لم يكن معصومًا؛ كالحربي والمرتد .. فلا يجب عليه مراعاة الأخف، وله العدول إلى القتل؛ إذ لا حرمة له تقتضي مراعاة الأخف، وكذا حكم كل من لا يقتل به من تارك الصلاة وزانٍ محصن. ٥١٩٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٠]: (وإن عض يد إنسان، فنزعها منه، فسقطت أسنانه .. لم يضمن) محله: ما إذا لم يمكن تخليصها بدون ذلك، فإن أمكن بدونه .. ضمن؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ٥١٥]: (خلصها بالأسهل من فك لحييه وضرب شدقيه، فإن عجز فسلها فندرت أسنانه .. فهدرٌ) و"الحاوي" [ص ٦٠١]: (وفك لحيي من عض يده أو ضرب شدقيه، ثم سل يده وإن ندرت أسنانه) لكن مقتضى "الحاوي": التخيير بينهما، وليس كذلك؛ فالفك مقدم على الضرب؛ لأنه أسهل. فإن قلت: وقد ذكره "التنبيه" أيضًا فقال [ص ٢٣٠]: (وإن لم يقدر على تخليصها إلَّا بفك لحييه، ففكهما .. لم يضمن). قلت: أراد "المنهاج" و"الحاوي" بفك لحييه: رفع أحدهما عن الآخر بلا جرح، وهذا مقدم على ضرب شدقيه، فليس له ضربهما إذا أمكن التخليص بالرفع، وأراد "التنبيه": فك

стр. 2032

أحدهما عن الآخر بفصل وإبانة، وهذا أشد من سل اليد حتَّى تندر الأسنان؛ ولهذا اعتبر في عدم الضمان به ألَّا يقدر على تخليصها إلَّا بذلك، ورفع أحد اللحيين عن الآخر أهون الأمور، فيفعل بلا شرط. وظاهر عبارة "المنهاج" و"الحاوي"الحصر فيما ذكر اه، وليس كذلك؛ فالصحيح في "أصل الروضة": أنَّه إذا لم يمكنه التخلص إلَّا ببعج بطنه أو فقأ عينه أو عصر خصييه .. جاز (١)، وهذا كفك اللحيين الذي ذكره "التنبيه". فإن قلت: ففي "مختصر المزني" عن الشَّافعي: فإن بعج بطنه بسكين أو فقأ عينيه بيديه أو ضربه في بعض جسده .. ضمن، قال المزني: قلت أنا: لا يضمن (٢). قلت: إنما قال الشَّافعي هذا فيما إذا أمكن دفعه بدون ذلك؛ بدليل أنَّه قال في "الأم": (فإن ترك شيئًا مما وصفنا له وبعج بطنه ... إلى آخره) (٣) فدل على أن صورته فيما إذا ترك ما هو أسهل من ذلك مع التمكن منه، وإنَّما خالفه المزني؛ لظنه أنَّه قال ذلك مع العجز عما هو دونه، ذكره شيخنا الإمام البلقيني بمعناه، ثم قال: وعندي في فقأ العينين نظر؛ فإن مثل ذلك لا يدوم كعصر الخصية، فلا يكون حاملًا للعاض على ترك العض؛ فالإقدام عليه مع هذا الاحتمال ممتنع، ثم ذكر شيخنا: أن شرط هذه المسألة: ألَّا يكون المعضوض مرتدًا ولا متحتم القتل في قطع الطَّرِيقِ ونحوهما، فمن هو كذلك .. ليس له أن يفعل بالعاض ما يؤدي إلى سقوط أسنانه، قال: ولا توقف عندي فيه، وإن وقف من وقف فيه، ولا يخفى أن ذكر اليد مثال، فعض سائر الأعضاء كذلك؛ ولهذا لم يذكر اليد في بعض نسخ "الحاوي". ٥١٩٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٠]: (وإن اطلع رجل في بيت رجل وليس بينهما محرمية .. جاز رمي عينه) فيه أمور: أحدها: الأصح: أنَّه لو كان الناظر امرأة أو مراهقًا .. كان الحكم كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٥١٥]: (ومن نظر) و"الحاوي" [ص ٦٠١]: (ناظر) لكن يدخل في عبارتهما: غير المراهق، مع أنَّه لا يجوز رميه ولو كان مميزًا، وقال الشيخ زين الدين بنُ الكتناني: كيف يجوز رمي المراهق وهو غير مكلف؟ قال: ولو كان في الدار محرم للناظر أو زوجة أو متاع .. لم يُرم؛ لأجل الشبهة فأي شبهة أقوى من عدم التحريم، فالقول بجواز رميه غفلة، مع أن نظره لا يحرم.

стр. 2033

قال في "التوشيح": وجوابه: أن كونه غير مكلف لا يعصمه من الرمي؛ فإن الرمي ليس للتكليف، بل لدفع مفسدة النظر، فسواء أوقع النظر من مكلف أو غيره ممن يحصل به المفسدة، وقوله: (ولو كان في الدار محرم .. لم يُرْمَ لأجل الشبهة) قلنا: تلك شبهة في المحل المنظور فيه، وأما المراهق .. فلا شبهة له في المحل، وقوله: (نظر المراهق لا يحرم) الصحيح عند الرافعي والنووي: أن نظره كنظر البالغ (١)، وفي الحقيقة الوجهان في رمي المراهق هما الوجهان في نظره؛ إن جوزناه .. لم يرمِ، وإن لم نجوزه وهو الأصح: جاز رميه؛ فلا اعتراض على الرافعي، ولا غفلة منه، بل ممن قال: إن نظر المراهق لا يحرم. وقال شيخنا الإمام البلقيني: المراهق في حرمة النظر كالبالغ، وهذا تعزير له، والتعزير لا يتوقف على التكليف، وقيد شيخنا المذكور مسألة المرأة بما إذا كانت الناظرة كافرة والمنظور إليها مسلمة، وفرعنا على منع نظر الكافرة للمسلمة، أو نظرت المرأة المسلمة لما يمتنع عليها أن تنظر إليه، فحينئذ .. تُرمى. ثانيها: لا يخفى أن ذكر الرجل ثانيًا مثال؛ فالمرأة أولى بذلك. ثالثها: محله: ما إذا كان صاحب البيت مكشوف العورة، وإلَّا .. فالأصح: أنَّه لا يجوز الرمي، إلَّا أن يكون هناك امرأة فيرمي، ولو كانت مستترة؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٥١٥]: (ومن نظر إلى حُرَمِهِ في داره) و"الحاوي" [ص ٦٠١]: (ورمي عين ناظر حرمه) ويرد عليهما: الرجل المكشوف العورة، وتردد شيخنا فيما لو كان المنظور إليه خنثى مشكلًا؛ أي: إلى غير عورته، وقال: الأقرب أنَّه لا يرميه. رابعها: يمتنع أيضًا فيما إذا كان له هناك مَحْرَم أو زوجة، ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (٢)، وعبر عنه في "التصحيح" بالصواب (٣)، وفيه نظر؛ فالخلاف موجود في ذلك، وشرطه في المحرم: أن تكون غير متجردة، وإلَّا .. فيرمي، وفي معناهما: ما لو كان له هناك متاع، ذكره في "أصل الروضة" (٤). وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ممنوع؛ فإن مثل ذلك لا يقتضي الشبهة؛ بدليل ما لو كان الساكن في الدار مستأجرًا والناظر المالك .. فإنه يجوز رميه كما قاله أَبو الفرج السرخسي، وأقره عليه في "أصل الروضة"، وكذا المستعير على أحد وجهين في "أصل

стр. 2034

الروضة" بلا ترجيح (١)، لكن صححه شيخنا الإمام البلقيني، قال: وقد ذكر القاضي الحسين صورة المؤجر والمعير، وقال: إن ذلك يقرب من السرقة، والصحيح في السرقة: القطع، وكذا يمتنع الرمي فيما إذا كان محرمًا لحرم صاحب الدار وما بين سرتهن وركبتهن مستور. خامسها: شرط الرمي: ما إذا كان النظر من كوة أو نَقْب كما عبر به "المنهاج" (٢)، وعبر "الحاوي" [ص ٦٠١] بـ (الثقبة)، وهي فيما يظهر أعم؛ لأنه يدخل فيها شىّ الباب، ولا بد من تقييد ذلك بالضيق، فلو كانت واسعة بحيث يُنسب صاحب الدار إلى تفصير في ذلك؛ فإن نظر مارًا .. لم يجز رميه، وكذا لو وقف ونظر متعمدًا في الأصح، وكذا لو نظر من باب الدار المفتوح .. لا يجوز، لكن قيده "الوجيز" بما إذا لم يقدم الإنذار، فله الرمي مع تقديم الإنذار (٣)، وتبعه الرافعي (٤) و"الحاوي" فقال [ص ٦٠١]: (فإن فتح الباب .. قدم الإنذار)، وأسقطه في "الروضة". سادسها: استثنى شيخنا الإمام البلقيني من كلامهم: ما إذا كان النظر بقصد الخطبة أو شراء الأمة حيث يباح النظر، فلا يجوز رميه، وهو واضح. سابعها: ظاهر كلامهم أن هذا أمر مستحق لصاحب الدار، ولكن لو كان الحاضر أبا الزوجة أو أخاها أو غيرهما من محارمها .. فالقياس: ثبوت هذا الأمر له، ولا يتعدى إلى الأجنبي، نبه عليه شيخنا الإمام البلقيني. قلت: ولا ينبغي أن يتوقف في جواز الرمي للمرأة المنظورة أيضًا، والله أعلم. ثامنها: اعتبر "المنهاج" أن يكون النظر عمدًا، فليس له رمي من وقع بصره اتفاقًا، لكن شرطه: أن يعلم بذلك صاحب الدار، فلو ادعى المرمي عدم القصد .. فلا شيء على الرامي؛ لأن الاطلاع حصل والقصد باطن، قال الرافعي: وهو ذهاب إلى جواز الرمي من غير تحقق القصد، وفي كلام الإمام ما يدل على المنع حتَّى يتبين الحال، وهو حسن (٥). ٥١٩٧ - قول "المنهاج" بعد قوله [ص ٥١٥]: (بشرط عدم مَحْرَمٍ وزوجة للناظر): (قيل: واستتار الحُرَمِ، قيل: وإنذار قبل رميه) عبارة ملتبسة؛ لأنه اعتبر في الشرط الأول العدم، فإن اعتبرناه في الوجهين الآخرين .. لم يستقم في الثاني؛ إذ ليس الشرط على ذلك الوجه في جواز الرمي: عدم الإنذار، بل وجود الإنذار وإن لم نعتبره في الوجهين .. لم يستقم في الأول؛ إذ ليس

стр. 2035

الشرط على ذلك الوجه في جواز الرمي: استتار الحُرَم، بل عدم استتارهن، فظهر اعتبار العدم في استتار الحرم، والوجود في الإنذار قبل الرمي؛ فيكون قوله: (واستتار) معطوفًا على (مَحْرَم)، وقوله: (وإنذار) معطوفًا على (عدم) أي: بشرط إنذار قبل رميه، فلو أفصح عن المقصود .. لزال هذا الإلباس، وأيّ فائدة في اختصار كلمة واحدة، وإيقاع في لبس عظيم. واعلم: أن تضعيف اعتبار الإنذار إنما هو إذا لم يوجد تقصير بفتح الباب أو اتساع الكوة ونحوهما، فإن وجد ذلك .. فلا بد من الإنذار كما تقدم، والله أعلم. فَصْلٌ [ضمان الولاة] ٥١٩٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٥١]: (ولو عزّر وليٌّ ووَالٍ وزوج ومُعَلِّمٌ .. فمضمونٌ) و"الحاوي" بعد ذكر تعزير الإمام والأب ومأذونه والسيد: (فإن سرى .. ضمن) (١)، أعم من قول "التنبيه" في (باب ما تجب به الدية) من (الجنايات) [ص ٢٢٠]: (وإن ضرب الوالد ولده، أو المعلم الصبي، أو الزوج زوجته، أو ضرب السلطان رجلًا في غير حد، فأدى إلى الهلاك .. وجبت الدية) لكن دخل في تعبيرهما ما لا مدخل له في الهلاك؛ كتوبيخ غير الحامل والحبس والنفي والصفعة الخفيفة؛ لذكرهما قبل ذلك أن التعزير يكون بالحبس والتوبيخ، ثم أطلقا التعزير هنا مع أن هذا ليس مضمونًا بلا خلاف، ولا يرد ذلك على "التنبيه" لتعبيره بالضرب. ويستثنى من كلامهم معًا ثلاثة أمور ذكرها شيخنا الإمام البلقيني: الأول: إذا اعترف بما يقتضي التعزير وطلب بنفسه من الوالي أن يعزره فعزره بطلبه .. لم يكن مضمونًا؛ لإذنه. الثاني: إذا عزر زوجته الأمة بإذن سيدها .. فلا ضمان. الثالث: إذا عزر المعلم الرقيق بإذن مالكه، كما حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي: أنَّه لو كان مملوكًا فضربه بإذن سيده .. لم يضمن؛ لأنه لو أذن في قتله فقتله .. لم يضمنه (٢). ٥١٩٩ - قول "المنهاج" [ص ٥١٥]: (ولو حَدَّ مقدَّرًا .. فلا ضمان) لا معنى لوصف الحدّ بالتقدير إلَّا التأكيد؛ لأن الحد لا يكون إلَّا مقدرًا؛ ولهذا لم يصفه به "التنبيه" و"الحاوي"، وكأنه احترز عن حد الشرب، فسنتكلم عليه. ٥٢٠٠ - قول "المنهاج" [ص ٥١٦]: (ولو ضرب شارب بنعال وثياب فمات .. فلا ضمان على

стр. 2036

الصحيح) كان ينبغي أن يقول: (على النص) فإنه منصوص الشَّافعي في "الأم" و"المختصر" (١). قال شيخنا الإمام البلقيني: ولا يجوز إثبات مقابله عندي؛ لأنه مخالف للسنة الصحيحة، وادعاء نسخه بالجلد باطل، ولو صح .. لكان عدولًا إلى الأخف، وذلك لا يقتضي الضمان. ٥٢٠١ - قوله: (وكذا أربعون سوطًا على المشهور) (٢) قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه مخالف لنص الشَّافعي ﵁ في "الأم" حيث قال: (فديته على عاقلة الإمام) (٣)، قال: ولم أجد له نصًا بعدم الضمان وحكى الماوردي عن الجمهور ما يقتضي التضمين. ٥٢٠٢ - قول "التنبيه" تفريعًا على منع الضرب في حد الخمر بالسوط [ص ٢٤٨]: (فإن ضربه بالسوط فمات .. فقد قيل: يضمن بقدر ما زاد عل ألم النعال، وقيل: يضمن جميع الدية) الثاني هو الأصح، وفي "الكفاية": أن النووي اختار أنَّه يضمن نصف الدية، ولم أره في كلامه، وفيها أيضًا عن الإمام أنَّه الذي ذهب إليه المحققون، وليس كذلك؛ فالذي نقله الإمام عنهم ضمان الجميع (٤). ٥٢٠٣ - قوله: (فإن ضرب الحر أحدًا وأربعين فمات .. ففيه قولان، أحدهما: يضمن نصف ديته، والثاني: يضمن جزءًا من أحد وأربعين جزءًا من ديته) (٥) الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص ٥١٦]: (وجب قسطه بالعدد) وقال الرافعي: إن كلام الأئمة إلى ترجيحه أَمْيَلُ (٦). وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف على ترجيحه في كلام من الأصحاب، والأصح بمقتضى نص "الأم" و"المختصر": إيجاب نصف الدية؛ فإنه قاسه على ما إذا ضربه رجل ثمانين وضربه آخر واحدة ومات من ذلك .. فإن الضمان عليهما نصفين، وإذا ثبت ذلك في الأصل المقيس عليه إما قطعًا وإما مرجحًا .. ثبت أن الأرجح هنا: التوزيع بالتنصيف يحسب المضمون وغير المضمون، قال: والميل الذي استشعره الرافعي إنما جاء من جهة من يقيس إيجاب النصف على صورة الجراحة، ثم يفرق في القول الثاني بأن نكاية الجراحات في الباطن والضربات في الظاهر، وقد عرفت أن الشَّافعي إنما قاسه على ما لا يدخله هذا الفرق، إلَّا أن يخالفوا النص ويوجبوا على الرجلين الدية مقسطة على عدد ضربيهما، والمعتمد: نص صاحب المذهب، ثم قال شيخنا:

стр. 2037

ومحل هذا الخلاف: ما إذا ضربه الزائد مع بقاءِ ألم الضرب الأول، فإن ضربه الحد كاملًا وزال ألم الضرب، ثم ضربه الزائد فمات .. ضمن ديته كلها بلا خلاف. ٥٢٠٤ - قول "المنهاج" [ص ٥١٦]: (ويجريان في قاذف جُلد أحدًا وثمانين) قال شيخنا الإمام البلقيني: مقتضاه: أن القولين منصوصان في الزِّيادة على الأربعين في شرب الخمر، وأنهما يجريان في هذه الصورة، وليس كذلك، وإنَّما النص عليهما في هذه الثانية، وأطلق في الأولى ضمان عاقلة الإمام الدية، ولم يرد بذلك كل الدية، وإنَّما أراد بعضها. ٥٢٠٥ - قول "الحاوي" [ص ٥٩٧]: (والأب ومأذونه الصغير) كذلك المعتوه في معنى الصغير؛ فللأب تأديبه بما يضبطه، والأم إذا كان الصبي في كفالتها يشبه أن تكون كالأب، قاله الرافعي. ٥٢٠٦ - قول "المنهاج" [ص ٥١٦]: (ولمستقل قطع سلعة إلَّا مخوفة لا خطر في تركها، أو الخطر في قطعها أكثر) (١) فيه أمور: أحدها: قال شيخنا ابن النقيب: المستقل هو: البالغ العاقل (٢)، وفهم ذلك من عبارة "الروضة" وأصلها؛ فإنه جعل في مقابلته الموليَّ لصغر أو جنون (٣)، ويوافقه عبارة "الحاوي" فإنه عبر بدل المستقل بالعاقل، فقال [ص ٥٩٨]: (وللعاقل قطع سلعة ليس أخطر) أي: ليس قطعها أخطر من تركها، ولا يخفى اعتبار البلوغ مع العقل. وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس المراد: المستقل المطلق بل المستقل بنفسه، وهو كذلك في بعض نسخ "المنهاج"، وهو: البالغ العاقل الحر ولو مع السفه، أو المكاتب، أو الموصى بإعتاقه بعد موت الموصي وقبل إعتاقه إذا جعلنا كسبه له، بخلاف المنذور إعتاقه أو المشروط إعتاقه؛ لأن كسبه لمالكه، فليس مستقلًا بنفسه، وبخلاف العبد الموقوف؛ فإنه ليس مستقلًا بنفسه، قال: وإن شئت .. قلت: هو المكلف الحر أو الرقيق الذي كسبه له، قال: وفي "الروضة" في (الجنايات) فيما إذا خاط جرحه في لحم ميت: ولو تولاه الإمام في مجروح؛ فإن كان بالغًا رشيدًا .. فكذلك؛ لأنه لا ولاية له عليه (٤)، ومقتضاه: أن السفيه ليس مستقلًا بنفسه في ذلك، وليس كما اقتضاه كلامه. ثانيها: مقتضى كلامهما الجواز إذا استوى الخطر في القطع والترك، ونازع فيه شيخنا الإمام

стр. 2038

البلقيني، وقال: لم يسبق الرافعي إلى ترجيحه أحد (١)، والأصح: المنع، وهو اختيار الشيخ أبي حامد. ثالثها: مقتضى كلامهما: أن ذلك لا يجب، قال شيخنا الإمام البلقيني: لكن إذا كان الخوف في الترك أكثر وقال الأطباء: إن لم يقطع .. حصل أمر يفضي إلى الهلاك .. فإنه يجب كما يجب دفع المهلكات، ويحتمل الاستحباب. ٥٢٠٧ - قول "المنهاج" [ص ٥١٦]: (ولأبٍ وجَدٍّ قطعها من صبي ومجنون مع الخطر إن زاد خطر الترك، لا لسلطان، وله ولسلطان قطعها بلا خطرٍ، وفصدٌ وحجامةٌ) فيه أمران: أحدهما: مقتضاه: أن وصي الأب والجد ليس له شيء من ذلك، ويخرج من كلام الماوردي فيه وجهان، حكاهما في (الضمان) (٢)، ونقل ذلك شيخنا الإمام البلقيني إلى الجواز، وقال: وفيه نظر؛ لأنه لا شفقة له على محجوره كالأب أو الجد. نعم؛ لو كانت الأم وصية أو قلنا: تلي .. اتجه أن تنزل منزلة الأب، ثم قال: والأصح عندي في الوصي وأمين الحكم: أنهما كالحاكم. ثانيهما: قال شيخنا المذكور: حيث يطلق السلطان .. فالمراد به: الإمام ونوابه، إلَّا في هذا الموضع، قال الماوردي: حكي وجهين في تنزيل القاضي والأمير منزلة الإمام، وحكى في أمين الحاكم وجهين، ذكره في الضمان قود أو دية (٣)، فنقلناه إلى الجواز وعدمه، وعبارة "الحاوي" [ص ٥٩٨]: (وللأب والجد بلا خطر، أو حيث الترك أخطر، وفصد الصغير وحجامته) فيرد عليه الأمر الأول، وفاته ذكر أن للسلطان قطع السلعة حيث لا خطر، والفصد والحجامة، قال في "التعليقة": فلو قال: (وللولي بلا خطر من الصغير، وفصده وحجامته، وحيث الترك أخطر للأب والجد) .. كان موافقًا لما ذكره الأئمة. ٥٢٠٨ - قول "المنهاج" [ص ٥١٦]: (فلو مات بجائز من هذا .. فلا ضمان في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (الصحيح) لضعف مقابله، وهو في "أصل الروضة" محكي عن الجماهير (٤). ٥٢٠٩ - قول "التنبيه" [ص ٢١٤، ٢١٥]: (وإن قطعها - أي: السلعة - حاكم أو وصي من صغير فمات .. ففيه قولان، أحدها: يجب عليه القود، والثاني: يجب عليه الدية) الأظهر: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص ٥١٦]: (ولو فعل سلطانٌ بصبيٍّ ما مُنع منه .. فدية مغلظة في ماله)

стр. 2039

لكن مال شيخنا الإمام البلقيني إلى وجوب القصاص فيما إذا كان الخوف في القطع أكثر، وحكاه عن جزم الماوردي في غير الإمام؛ كالأمير والقاضي، وحكى فيما إذا كان إمامًا وجهين (١)، ومقتضى فرضه المسألة في السلطان: أن الأب والجد ليسا كذلك؛ إما لانتفاء الدية؛ أو لأنها على العاقلة، وليس كذلك، بل لو فعلا الممنوع .. فالدية عليهما في مالهما؛ فلا معنى لتقييد ذلك بالسلطان، وذكر الماوردي أن محل الخلاف فيما إذا كان ترك القطع أخوف، وقد عرفت أن الخلاف في ضمان الوصي قولان في "التنبيه"، وتقدم من كلام شيخنا حكاية وجهين من كلام الماوردي، والله أعلم. ٥٢١٠ - قول "التنبيه" في العاقلة [ص ٢٢٨]: (وما يجب بخطأ الإمام .. فهو في بيت المال في أحد القولين، وعلى عاقلته في الآخر) الأظهر: الثاني، ومحل الخلاف: فيما إذا وجب بخطئه في الأحكام، وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج" (٢)، لكن تعبيره بقوله: (وما وجب بخطأ الإمام في حد أو حكم) (٣) يخرج التعزير، وذكر شيخنا الإمام البلقيني أن مذهب الشَّافعي: القطع بانه على العاقلة، وقال: لم أجد له إثبات قولين في ذلك؛ فإثباتهما ضعيف، وإن جرى عليه جمع كثير من الأصحاب، ومحل الخلاف أيضًا: فيما إذا لم يسرف المعزر، ولا ظهر منه قصد القتل، فإن كان كذلك .. تعلق به القصاص، والدية المغلظة في ماله. ٥٢١١ - قول "الحاوي" [ص ٥٩٧]: (وما لم يَجُزْ كالحكم بعبدين بتقصير) هو أعم من قول "المنهاج" [ص ٥١٦]: (ولو حده بشاهدين فبانا عبدين أو ذميين أو مراهقين؛ فإن قصَّر في اختبارهما .. فالضمان عليه) لأنه يدخل فيما لم يجز ما إذا بانا عدوين للمشهود عليه أو أصلين أو فرعين للمشهود له أو امرأتين أو فاسقين أو تبين أحدهما فقط بهذه الصفة أو حده في الزنا بأربعة فبانوا أو بعضهم كذلك؛ فعبارة "المنهاج" طويلة غير مستوعبة، ولو عبر بالكافرين .. لكان أعم؛ فالحربي في ذلك كالذميّ، إلَّا فيما يتعلق بالخلاف في التضمين؛ فإنه يجري في المستأمن دون الحربي الذي لا أمان له، فلو بأن أن الطالب للحد أصل للحاكم أو فرع له، وقد أقر المدعى عليه أو قامت البينة المعتبرة .. فقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يظهر والله أعلم أنَّه لا يتعلق بالحاكم من ذلك ضمان؛ لأن شأن الحاكم البحث عن الشهود، وليس من شانه البحث عن الخصم بالنسبة لما يندر ولا يخطر بباله من كون الخصم أصلًا للحاكم أو فرعًا له. وذكر شيخنا أيضًا: أن الذي نص عليه الشَّافعي أن كون الضمان عليه إنما هو فيما إذا تعمد،

стр. 2040

فأما إذا أخطأ .. فهو على العاقلة، ولو قصر، قال: وهو مقتضى كلام "الروضة" وأصلها؛ حيث قال: إن قصّر في البحث عن حالهما .. فالضمان عليه لا يتعلق ببيت المال ولا بالعاقلة أيضًا إن تعمد (١). ثم ظاهر كلام "المنهاج" أنَّه لا قود على الإمام، وبه صرح "الحاوي" (٢)، وقال الإمام فيما إذا تعمد في القصاص: تردد، والراجح وجوبه (٣). وقال شيخنا الإمام البلقيني: بل يجب قطعًا، فلا تردد، وليس صورة البينة التي لم يبحث عنها الإمام ولم يظهر له شرط الحكم بها شبهةً مانعة من القصاص، وظاهر كلامهما أنَّه لا ضمان على المشهود له، وبه صرح في "أصل الروضة" قبيل (الدعوى والبينات) (٤)، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه محمول على غير العالم، فإن قال: كنت عالمًا بأن الشاهدين ذميان أو نحوهما ممن لا تقبل شهادته ولكن قصدت الوصول إلى حقي بذلك .. فلا توقف في أنا ندخله في ضمان الدية على المعتمد. وأفهم كلامهما أيضًا أنَّه لا ضمان على المزكين، وهو الذي في "أصل الروضة" قبيل الدعوى والبإينات عن العراقيين؛ وعللوه: بأن الحكم غير مبني على شهادتهم (٥)، لكن المعتمد ما في "أصل الروضة" في (القصاص): أن المزكي الراجع يتعلق به القصاص والضمان على الأصح؛ لأنه بالتزكية يلجئ القاضي إلى الحكم المقتضي للقتل (٦). ٥٢١٢ - قول "المنهاج" [ص ٥١٦]: (فإن ضَمَّنَّا عاقلة أو بيت المال .. فلا رجوع على الذميين والعبدين في الأصح) فيه أمران: أحدهما: أنَّه يقتضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، بل هو إما قولان كما حكاه أَبو الفرج الزاز، أو طريقان؛ فقد حكى في "أصل الروضة" قبيل (الدعوى والبينات) عن العراقيين: أنهم قطعوا بعدم الضمان (٧)، أو قول ووجه، هو الظاهر؛ فقد نص على عدم الرجوع في "مختصري المزني والبويطي" (٨)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف على مقابله منصوصًا.

стр. 2041

ثانيهما: أنَّه سكت عن المراهقين، وأشعر بمفهومه بالقطع بالرجوع عليهم أو بعدمه، وليس كذلك؛ ففيهم خلاف، والصحيح: عدم الرجوع، قال في "الحاوي" [ص ٥٩٨]: (والرجوع على الفاسق المعلن) ومفهومُه أنَّه لا يجوز الرجوع على بقية من لا يجوز الحكم بشهادته. ٥٢١٣ - قول "المنهاج" [ص ٥١٦]: (ومن حجم أو فصد بإذن .. لم يضمن) المراد: إذن من يُعتبر إذنه. ٥٢١٤ - قوله: (وقَتْل جلاد وضَربُه [بأمر] (١) الإمام كمباشرة الأمام إن جهل ظلمه وخطأه، يلا .. فالقصاص، والضمان على الجلاد إن لم يكن إكراه) (٢) يفهم أنَّه إذا كان هناك إكراه .. لا شيء على الجلاد، وليس كذلك، بل يجب عليه مع الإكراه أيضًا، ومراده: ما لم يكن إكراه، فلا يختص الجلاد بذلك، وحذف هذا القيد أولى كما فعل "التنبيه" حيث قال [ص ٢١٤]: (وإن علم .. وجب القود على المأمور)، و"الحاوي" حيث قال [ص ٥٩٨]: (وضمن الجلاد إن علم). ٥٢١٥ - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (ويجب الختان) (٣) يستثنى منه: الخنثى المشكل؛ فيحرم ختانه على الأصح في زيادة "الروضة" (٤)، وقال ابن الرفعة، المشهور: أنَّه يجب ختن فرجيه جميعًا (٥). ٥٢١٦ - قول "المنهاج" في المرأة [ص ٥١٦] (بجزء من اللحمة بأعلى الفرج) أحسن من قول "الحاوي": [ص ٥٩٨، (ومسمَّاه للمرأة) لتعيينه محل القطع. ٥٢١٧ - قولهما أيضًا: (بعد البلوغ) (٦) أهملا شرطًا آخر، وهو: العقل، فلو بلغ مجنونًا .. لم يجب ختانه، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لم أر من تعرض له، ولو قالا: (بعد التكليف) .. لكان أولى، وفي "أصل الروضة" عن الإمام: أنَّه لو كان البالغ المكلف ضعيف الخلقة بحيث لو خُتِن خيف عليه .. لم يختن، بل ينتظر حتَّى يصير بحيث يغلب على الظن سلامته (٧). قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا شرط لأداء الواجب، لا أنَّه شرط للوجوب، ومحتمل أن يجعل شرطًا للوجوب، فيكون للوجوب على هذا ثلاث شرائط: البلوغ، والعقل، وعدم الخوف عليه بالختان.

стр. 2042

٥٢١٨ - قول "الحاوي" [ص ٥٩٩]: (وتقديمه أولى) أي: في سابعه - كما صرح به "المنهاج" (١) -، إن أطاقه، ولا يحسب يوم الولادة من السبعة على الأصح في زوائد "الروضة" هنا، وحكاه عن الأكثرين (٢)، وفي "المهمات": أن عليه الفتوى؛ فإنه المنصوص للشافعي في "البويطي"، لكن صحح في "شرح مسلم" في خصال الفطرة: حسبانه (٣)، وصححه أيضًا في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" بالنسبة للعقيقة (٤)، وهي نظيره؛ فإن العقيقة والختان وحلق رأس المولود وتسميته يستحب فعلهن يوم السابع، ويحتمل أن يريد "الحاوي": أن تقديمه على البلوغ أولى. ٥٢١٩ - قول "المنهاج" [ص ٥١٦]: (ومن ختنه في سن لا يحتمله .. لزمه قصاص) محله: ما إذا علم أنَّه لا يحتمله، فإن ظن أنَّه يحتمله .. فلا قصاص. ٥٢٢٠ - قوله: (إلَّا والدًا) (٥) كذا لو كان مالكًا أو مسلمًا والمختون كافرًا، فلو قال: (إن كان ممن تقبل به) .. لكان أعم. ٥٢٢١ - قوله: (فإن احتمله وختنه وليٌّ .. فلا ضمان في الأصح) (٦) يقتضي أنَّه لو ختنه أجنبي .. وجب الضمان، وفي "أصل الروضة" ما يقتضي أن كلام البغوي يقتضي ترجيح تضمينه؛ فإنه قال: يحتمل أن يبني على ختن الإمام في الحر الشديد؛ إن ضمناه .. ضمن هنا، وإلَّا .. فلا، وبناه السرخسي على الجرح اليسير، هل فيه قصاص؟ إن قيل: نعم .. فهو عمد، وإلَّا .. فشبه عمد (٧). وتعقب في "المطلب" كلام البغوي: بأن تعدّي الإمام لأجل الزمان لا لعدم الولاية، وتعدّي الأجنبي لعدم الولاية؛ ولذلك لم يسقط عنه الماوردي وأَبو الفرج في "الأمالي" الضمان. وقال شيخنا الإمام البلقيني: ما ذكره السرخسي من الخلاف في الجرح اليسير غير معروف، وفي "المطلب": أنَّه أشار به إلى غرز الإبرة، وقال شيخنا: عندي - والله أعلم - أنَّه إنما جرى الخلاف في الختان والحجامة؛ لأنهما معتادان مطلوبان شرعًا، وفيهما السلامة غالبًا، وما كان كذلك .. ففي دخول القود فيه تردد، لا لكون الموجود جرحًا يسيرًا، ومال شيخنا إلى عدم

стр. 2043

الخلاف، فقال: بل يقطع بأنه ضامن، بل يقتص منه على المعتمد؛ فإن جراحة العمد إذا سرت إلى النفس .. أوجبت القصاص وإن لم تقتل غالبًا. فَصْلٌ [ضمان الدواب والبهائم] ٥٢٢٢ - قول "الحاوي" عطفًا على المضمون [ص ٦٠١]: (وعض ورمح بالمالك) لا يختص ذلك بالعض والرمح، بل الضرب باليد والإتلاف بالذنب كذلك، ولا بالمالك، بل لو كان معها أجير أو مستأجر أو مستعير أو غاصب .. فهو كالمالك في ذلك؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص ٢٢١]: (وإن كان معه دابة فأتلفت إنسانًا بيدها أو رجلها .. وجب عليه ضمانه) فلم يخص ذلك بالمالك، لكن يرد عليه: أنَّه لا يختص الضمان بإتلاف الإنسان، ولا بكونه باليد أو الرجل؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ٥١٧]: (من كان معه دابة أو دواب .. ضمن إتلافها نفسًا ومالًا ليلًا ونهارًا) فعبارته في هذا أحسن العبارات، ومع ذلك: فأورد عليها: صيد الحرم والإحرام وشجر الحرم؛ فإنه يضمنه، وليس نفسًا ولا مالكٌ، وقد ينازع في كونه غير مال. وأورد عليهم جميعًا أمور: أحدها: أنَّه يستثنى منه ذلك ما إذا كان صبيًا أو مجنونًا أركبه أجنبي .. فإن الضمان إنما يتعلق بالأجنبي الذي أركبه كما تقدم ذكره في (الجنايات)، وقيده الشَّافعي ﵁ بأن يكون مثلهما لا يضبط الدابة. ثانيها: يستثنى منه: ما إذا نخسها إنسان بغير إذن راكبها فرمحت وأتلفت .. فالضمان على الناخس على الصحيح، ولو غلبته الدابة فاستقبلها إنسان وردها فأتلفت في انصرافها .. فالضمان على الراد. ثالثها: ويستثنى منه أيضًا ما إذا لم يكن ذلك في حياتها، فإن سقطت ميتة فأهلكت نفسًا أو مالًا .. فلا ضمان على الراكب كما حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي (١)، وقد يقال: لم تتناول عبارتهم هذه الصورة. رابعها: مقتضى المعية التي في كلامهم: أنَّه لو كان معها سائق وقائد .. فالضمان عليهما بالسوية، وهو كذلك، وأنه لو كان معها سائق أو قائد مع راكب .. أن الضمان عليهما، وهو أحد وجهين في كلام الرافعي والنووي بلا ترجيح، والثاني: تخصيص الضمان بالراكب وهو الأصح؛ لأن الرافعي بناه على الخلاف في تنازع الراكب والسائق في الدابة، تجعل في يديهما أو تختص

стр. 2044

بالراكب (١)، والمذهب في الرافعي في آخر (الصلح): أن اليد للراكب، فرضه في تنازع الراكب والقائد (٢)، وأسقط ذلك في "الروضة". خامسها: حكى ابن المنذر في "الإشراف": أن أبا ثور حكى عن الشَّافعي: أن رمح الدابة من غير أن يفعل بها شيئًا غير مضمون، قال ابن المنذر: وبه أقول (٣)، وحكى المرعشي في "ترتيب الأقسام" قولًا عن الشَّافعي: أنَّه لا يضمن من هو مع الدابة إلَّا ما أوطأها عليه متعمدًا، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: وهذا وإن كان غير معروف في الكتب .. فهو مستقيم ثم اختار شيخنا: أنَّه لا يضمن إلَّا أن ينسب إلى تقصير؛ لقوله ﵊: "جرح العَجْمَاءِ جُبَارٌ" (٤)، وهو في "الصحيحين" (٥). ويرد على "التنبيه" و"المنهاج": ما إذا كانت الدابة معه في مسكنه ولو بإجارة أو إعارة فدخل فيه إنسان فرمحته أو عضته .. فلا ضمان، ولا يرد ذلك على "الحاوي" لتقييده الضمان بكونه في الطرق. ٥٢٢٣ - قول "المنهاج" [ص ٥١٧]: (ولو بالت أو راثت بطريق فتلف به نفس أو مال .. فلا ضمان) هو احتمال للإمام جزم به هنا في (ضمان البهائم) (٦)، لكنه في (الديات) بين أنَّه احتمال، وأن الأصحاب على الضمان (٧)، وجزم به الرافعي في (محرمات الإحرام)، فقال عطفًا على ما فيه الضمان: وكذا لو بالت في الطَّرِيقِ فزلق به صيد وهلك؛ كما لو زلق به آدمي أو بهيمة، وأسقط في "الروضة" قوله: كما لو زلق به آدمي أو بهيمة (٨). قال شيخنا الإمام البلقيني: وصرح بإيجاب الضمان في بول الدابة وروثها السائرة مع الراكب أو القائد أو السائق ابن القاص والشيخ أَبو حامد، نقلاه عن النص والماوردي والبندنيجي والشيخ في "المهذب" وابن الصباغ والقفال في "شرح التلخيص" وأَبو الفرج الزاز وصاحب "التتمة"، وبسط ذلك، ثم قال: فظهر أن المسألة مذكورة في كتب الطريقين على خلاف ما جزم به المصنف وأصله، ولم يستحضر المنقول في المسألة حين كتابة هذا الموضع.

стр. 2045

٥٢٢٤ - قول "المنهاج" [ص ٥١٧]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٦٠٢]: (ويحترز عما لا يعتاد؛ كركضٍ شديدٍ في وحلٍ، فإن خالف .. ضمن ما تولد منه) مقتضاه: أنَّه لا ضمان في المتولد من معتاد. وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه بحث للإمام، بناه على ما قدره من أنَّه لا ضمان فيما يتلف ببولها وروثها (١)، وقد تقدم رده، والذي يقتضيه قياس المذهب: الضمان، وإطلاق نصوص الشَّافعي والأصحاب قاضية، وما في "أصل الروضة" من أنَّه لو ركض دابته فأصاب شيء من موضع السنابك - أي: طرف مقدم الحافر - عين إنسان وأبطل ضوءها .. لا ضمان إن كان موضع ركض (٢)، ممنوع، بل هو مضمون مطلقًا، قال: وعلى مقتضى بحث الإمام: فالركض الشديد إذا تولد منه ما يحصل به التلف .. كاف في الضمان وإن لم يكن في وحل. ٥٢٢٥ - قول "المنهاج" [ص ٥١٧]: (ومن حمل حطبًا على ظهره أو بهيمة فحك بناء فسقط .. ضمنه) قال شيخنا الإمام البلقيني: يستثنى منه ما إذا بناه مائلًا على صورة مضرة بالمار .. فلا ضمان؛ لأنه مستحق الإزالة، قال: فلو بناه مستويًا ثم مال على صورة مضرة بالمار .. فالأرجح فيه أيضًا: عدم الضمان. ٥٢٢٦ - قول "الحاوي" [ص ٦٠١]: (وفي الطرق بتخريق حطب من خلف بلا تنبيه) فيه أمور: أحدها: أنَّه لو كان الذي يخرق ثوبه أعمى .. فهو كما لو كان التخريق من خلفه. ثانيها: أن محل تخصيص الضمان بالأعمى والمستدبر ما إذا لم يكن زحام، فإن كان زحام .. ضمن مطلقًا، وقد ذكرهما "المنهاج" (٣). ثالثها: إنما يضمن للأعمى والمستدبر الكل إذا لم يكن من صاحب الثوب جدبة أيضًا، فإن كان منه ذلك .. ضمن له النصف فقط، ويسقط ما يقابل جَدْبته. رابعها: قال في "المنهاج" [ص ٥١٧]: (وإنَّما يضمنه إذا لم يقصر صاحب المال، فإن قصر؛ بأن وضعه بطريق أو عرَّضه للدابة .. فلا) وقال شيخنا الإمام البلقيني: محل انتفاء الضمان: ما إذا لم يتعمد صاحب الدابة ما يقتضي إتلافه، فإن تعمد .. لزمه الضمان. ٥٢٢٧ - قول "التنبيه" في الدابة [ص ٢١١]: (وإن لم يكن معها؛ فإن كان بالنهار .. لم يضمن ما يتلفه، وإن كان بالليل .. ضمن) فيه أمور: أحدها: أنَّه يستثنى من عدم الضمان نهارًا: ما إذا كانت المراعي متوسطة المزارع، أو كانت

стр. 2046

البهائم ترعى في حريم السواقي .. فيجب ضمان ما تفسده إذا أرسلها بلا راع؛ لاعتياد الراعي في مثل ذلك، وهذا وارد على "المنهاج" أيضًا، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص ٦٠١]: (ومتلف بهيمة سُرّحت جوار مزرع واتسع المرعى)، لكن تقييده ذلك باتساع المرعى تبع فيه الغزالي (١)، ولم يعتبره الرافعي ولا غيره، قال البارزي: ولا يظهر اتجاهه، وعبر في "تيسيره " بقوله: اتسع المرعى أو ضاق، ثم قال: ويحتمل أن الغزالي والمصنف أراد به: التصوير، لا التقييد، فإنه إذا ضمنا مع اتساع المرعى وجواز انتشار الداواب فيه وبُعدها عن المزارع .. فمع ضيق المرعى أولى، ونبه على ذلك أيضًا صاحب "التعليقة" فقال: ما أشعر به من اشتراط اتساع المرعى ليس كذلك؛ فإن الضيق كالواسع في ذلك، قال: فالأولى أن يحمل قوله: (واتسع) على أنَّه حال، وكذا قال القونوي: الواو في قوله: (واتسع المرعى) للحال. قلت: وهذا لا يدفع الإيراد؛ فإن الحال قيد، لكن نازع شيخنا الإمام البلقيني في اعتبار هذا من أصله، وقال: الأصح عندنا: ما أطلقه الشَّافعي ومعظم الأصحاب من عدم الضمان نهارًا من غير نظر إلى ذلك في وسط المزارع أم لا. ثانيها: يرد عليهم جميعًا: أن محل عدم الضمان: ما إذا رعت في موات أو مملوك لأصحابها، فإن أرسلت في موضع مغصوب فانتشرت منه إلى غيره فافسدته .. كان مضمونًا على من أرسلها، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وقال: وقد قال القاضي حسين: إذا خلاها في ملك الغير، فسواء كان ليلًا أو نهارًا .. فهو مضمون؛ لأنه مُتعدٍ في إرساله. ثالثها: ويرد عليهم أيضًا: أن محل عدم الضمان: إذا كان الإرسال بالصحراء، فإن كان بالبلد فأتلفت شيئًا .. ضمنه على الأصح في "أصل الروضة" (٢)، وحكى في "المطلب" عدم الضمان عن الجمهور. قال شيخنا الإمام البلقيني: وكأنه أخذه من حكاية الرافعي له عن غير أبي الطيب بنُ سلمة (٣)، قال: وهذا لا ينبغي أن يؤخذ منه النقل عن الجمهور. رابعها: ومحل عدم الضمان أيضًا: إذا جرت عادة البلد بإرسال المواشي نهارًا، فإن اعتادوا حفظها ليلًا ونهارًا .. وجب الضمان ولو أتلفت نهارًا، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لم أر من تعرض له. خامسها: ومحل عدم الضمان أيضًا ما إذا لم يكن وديعة أو كان لها أجير يحفظها، فمتى أرسل

стр. 2047

الوديعة فأتلفت .. لزمه الضمان ولو نهاراً، ولو استأجر رجلًا لحفظ دوابه فأتلفت زرعا ليلًا أو نهاراً .. فعلى الأجير الضمان، حكاه الرافعي عن "فتاوى البغوي"، وعلله: بأن عليه حفظها في الوقتين (١). وفي معناهما: ما لو كانت تحت يد مستأجر أو مستعير أو مرتهن أو عامل قراض أو أمين بوجه ما أو غاصب أو مالك راهن قد استعارها من المرتهن .. فكل هؤلاء مأمورون بالاحتياط والحفظ، وقال الرافعي في الأولى: يشبه أن يقال: عليه حفظها بحسب ما يحفظ المالك (٢)، وقال النووي من زيادته: ينبغي ألَاّ يضمن الأجير والمودع إذا أتلفت نهاراً؛ لأن على صاحب الزرع حفظه نهاراً، وتفريط الأجير إنما يؤثر في أن مالك الدابة يضمنه (٣). ورد شيخنا في "تصحيح المنهاج" كلام الرافعي في صورة الوديعة بأن المودع مأمور بالاحتياط في الحفظ بخلاف المالك، قال: وما ذكره النووي في الأجير والمودع مردود في غير الزرع، فإنه لا يجيء فيه التعليل بأن على صاحب الزرع حفظه نهاراً، وقوله: (وتفريط الأجير إنما يؤثر في أن مالك الدابة يضمنه) ممنوع، بل يؤثر أيضاً في ضمان ما تتلفه الدابة التي لم يحتط في حفظها الاحتياط المأمور به، قال: وقد جعل الشافعي والأصحاب الدابة التي أركبها أجنبي صبيًا أو مجنونا تحت يده وإن كان غائباً عنها؛ ولذلك جعلوه ضامنًا لما تتلفه، ولو كان كما قال النووي .. لم يضمن؛ لأن تفريطه إنما يؤثر في ضمان الدابة دون ما يحدث منها. سادسها: ويستثنى من عدم الضمان أيضاً: ما لو تكاثرت المواشي بالنهار حتى عجز أصحاب الزرع عن حفظها .. فحكى فيه الماوردي وجهين بلا ترجيح، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: وجوب الضمان على أصحاب المواشي، لخروج هذا عن مقتضى العادة، وهي المعتبرة على الأصح. سابعها: ويستثنى من عدم الضمان أيضًا: ما إذا ربطها في الطريق على بابه أو غيره .. فيلزمه الضمان مطلقاً، ولو كان الطريق واسعًا على الصحيح المنصوص. ثامنها: ويستثنى من الضمان ليلاً: ما ذكره في "المنهاج" بقوله [ص ٥١٧]: (إلَاّ ألَاّ يُفرط في ربطها، أو حضر صاحب الزرع وتهاون في دفعها، وكذا إن كان الزرع في محوط له باب تركه مفتوحاً في الأصح) وقد ذكر "التنبيه" الأولى بقوله عقبه [ص ٢٢١، ٢٢٢]: (وإن انفلتت بالليل فأتلفت؛ فإن كان بتفريط منه في حفظها .. ضمن، وإن لم يكن بتفريط منه .. لم يضمن)،

стр. 2048

واقتصر "الحاوي" على استثناء الثالثة فقال [ص ٦٠١]: (لا في بستان مفتوح) وتعبير "المنهاج" يقتضي عدم الخلاف في الأولين، وليس كذلك؛ فالخلاف في الأولى في "البيان"، والثانية في "أصل الروضة" (١). تاسعها: ويستثنى مع ذلك أيضًا: ما لو خلاها في موضع بعيد لم تجر العادة بردها منه إلى المنزل ليلًا؛ كالجبال والمفاوز شهراً أو شهرين للرعي .. فلا ضمان، ولو أفسدت ليلًا كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن الدارمي والقاضي حسين. عاشرها: يستثنى من الدواب الحمام وغيره من الطير .. فلا ضمان بإتلافهما مطلقاً، حكاه في "أصل الروضة" عن ابن الصباغ، وعلله: بأن العادة إرسالها (٢)، ويدخل في ذلك النحل، وقد أفتى شيخنا الإمام البلقيني في نحل لإنسان قتلت جملاً لآخر بعدم الضمان، وعلله: بأن صاحب النحل لا يمكنه ضبطها، والتقصير من صاحب البعير. حادي عشرها: محل الضمان ليلًا وعدمه نهاراً في بلد جرت عادتهم بإرسال المواشي نهاراً وحفظها ليلًا، فلو جرت العادة في ناحية بالعكس .. فالأصح: أنه ينعكس الحكم، فيضمن ما أتلفه بالنهار دون الليل. ٥٢٢٨ - قول "الحاوي" [ص ٦٠٢]: (وهرة - أي: ومُتْلَف هرَّةٍ - تُفسِدُ الأطعمة والطيور يُضمن) محله: ما إذا عهد ذلك منها كما صرح به "المنهاج" (٣)، والمراد: أن يعهده الضامن؛ لأنه حينئذ مقصر بإرسالها، وقول "المنهاج" [ص ٥١٧]: (ضمن مالكها) لا يتقيد به؛ فكل من يؤديها ضامن بشرطه، ويستثنى منه: تضمينه ما إذا ربطها فانفلت بغير تقصير منه. ٥٢٢٩ - قول "الحاوي" [ص ٦٠٢]: (ولا تُقتل) أي: في حال سكونها، فلو قصدت الحمام ونحوه فقتلت في الدفع .. فلا ضمان، وليس هذا إباحة للقتل، بل للقتال، والله أعلم. * * *

стр. 2049

كتاب السير ٥٢٣٠ - كذا في "المنهاج" (١)، ولو عبر بقتال المشركين كما في "التنبيه" (٢) أو الكفار كما في " النبيه " أو بالجهاد .. لكان أولى؛ لأنه المقصود، وإنما عبر بذلك؛ لأن الأحكام المذكورة فيه متلقاة من سير رسول الله ﷺ في غزواته. ٥٢٣١ - قول "التنبيه" [ص ٢٣١، ٢٣٢]: (الجهاد فرض على الكفاية) محله: ما إذا كان الكفار ببلادهم، فإن دخلوا بلدة إسلام .. لزم أهلها ومن كان منهم دون مسافة القصر الدفع بالممكن، وكذا من على مسافة القصر إن لم يكف أهلها ومن يليهم، وكذا يتعين الجهاد فيما لو أسروا مسلماً وتوقعنا خلاصه، وقد ذكرهما "المنهاج" و"الحاوي" (٣)، وسيأتي الكلام عليهما، وقد يدل على الأولى قول "التنبيه" [ص ٢٣٢]: (فإن أحاط العدو بهم وتعين الجهاد .. جاز من غير إذنهم) وقد يقال: لا يلزم من دخولهم بلدة إسلام الإحاطة بهم. ٥٢٣٢ - قول "المنهاج" [ص ٥١٨]: (كان الجهاد في عهد رسول الله ﷺ فرض كفاية، وقيل: عين، وأما بعده .. فللكفار حالان) فيه أمور: أحدها: أن كونه في عهده فرض كفاية إنما هو بعد الهجرة، أما قبلها .. فكان ممنوعا منه، ثم صار بعد الهجرة مباحاً، ثم أمر بقتال من قاتله، ثم أبيح الابتداء به في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقاً. ثانيها: أنه يقتضي أن الخلاف في ذلك وجهان، وبه صرح في "المحرر" و"الروضة" وأصلها (٤)، لكن نص في "الأم" على كونه فرض كفاية (٥). ثالثها: كلامه يقتضي أن الجهاد لا يكون في عهده ﵊ فرض عين، وليس كذلك، بل إذا أحاط العدو بالمسلمين كما وقع في قضية الأحزاب .. صار فرض عين كما تقدم في دخول الكفار بلاد الإسلام. رابعها: الظاهر أن القائل بأنه فرض عين لا يقول باستمرار ذلك إلى وفاته ﵊؛ فإنه يلزم عليه النسخ بعد وفاته، وإنما يقول به حين كان عدد المسلمين قليلاً، فلما كثروا .. صار

стр. 2050

فرض كفاية، وكلام القاضي حسين والماوردي والروياني والدارمي وغيرهم يفهم ذلك، وإن لم يصرحوا به. ٥٢٣٣ - قوله في تفسير كونه فرض كفاية: (إذا فعله من فيهم كفاية .. سقط الحرج عن الباقين) (١) قيده "الحاوي" بأن يكون كل سنة مرّة (٢)، وفي "التنبيه" [ص ٢٣٢]: (وأقل ما يجب في السنة مرّة) وفي "أصل الروضة": أنه تحصل الكفاية بشيئين: أحدهما: أن يشحن الإمام الثغور بجماعة يكافئون من بإزائهم من الكفار. الثاني: أن يدخل الإمام دار الكفر غازياً بنفسه أو بجيش يؤمّر عليهم من يصلح لذلك، وأقله مرة واحدة في كل سنة، وحكاه عن نص الشافعي والأصحاب، ثم قال: وقال الإمام: المختار عندي في هذا: مسالك الأصوليين، وأنهم قالوا: الجهاد دعوة قهرية، فيجب إقامته على حسب الإمكان، حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، ولا يختص بالمرة الواحدة، وإذا أمكنت الزيادة .. لا يعطل الفرض، وما ذكره الفقهاء حملوه على العادة الغالبة، وهي: أن الأموال والعدد لا تواتي لتجهيز الجنود في السنة أكثر من مرة. انتهى (٣). ولك أن تقول: المذكور في "الروضة" هو ما يحصل به الحراسة، وهو غير الجهاد. ٥٢٣٤ - قول "المنهاج" [ص ٥١٨]: (وبعلوم الشرع؛ كتفسير وحديث، والفروع) إن كان قوله: (والفروع) معطوفا على: (تفسير) .. اقتضى أن يكون بقي من علوم الشرع شيء لم يذكره، وليس كذلك، وإن كان معطوفاً على: (علوم الشرع) .. اقتضى أن الفروع ليست منها، وليس كذلك. ثم اعلم أن كون علم الفروع من فروض الكفايات إنما هو في غير القدر المحتاج إليه، فأما ذاك .. فتعلمه فرض عين؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٠٩]: (كظاهرِ علمِ صنعتِهِ). ٥٢٣٥ - قول "الحاوي" [ص ٦٠٣]: (والأمر بالمعروف) زاد "المنهاج" [ص ٥١٨]: (والنهي عن المنكر) وهو داخل في الأمر بالمعروف؛ ولذلك حذفه "الحاوي"، فزيادة "المنهاج" له إيضاح، قال الرافعي: والمراد منه: الأمر بواجبات الشرع والنهي عن محرماته (٤)، لكن صحح النووي من زيادته: أنه يجب على المحتسب الأمر بصلاة العيد، وإن قلنا: إنها سنة؛ وعلله: بأن الأمر بالمعروف هو الأمر بالطاعة لا سيما ما كان شعارًا ظاهراً (٥).

стр. 2051

وقد يجاب عنه: بأنه ذكر أولا موضع الإجماع، ثم ذكر موضع الخلاف، قالوا: ولو نُصب لذلك واحد .. تعين عليه، وهو المحتسب، ولا يسقط بعلمه أو ظنه أنه لا يفيد، وفي "المهمات": لا نعرف أحدًا قال به، بل نقل الإمام في "الشامل في أصول الدين" عن القاضي أبي بكر: أنهم أجمعوا على عدم الوجوب، ولم يخالفه فيه، وإنما ينكر المجمع عليه، إلا أن يرى الفاعل تحريمه .. فالصحيح في "أصل الروضة" في (الوليمة): أنه كالمجمع عليه (١)، ويشكل عدم إنكار المختلف فيه إذا لم يره الفاعل؛ بأن الصحيح: حد الحنفي بشرب النبيذ مع أن الإنكار بالفعل أبلغ من الإنكار بالقول. ٥٢٣٦ - قول "المنهاج" [ص ٥١٨]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٦٠٣]: (وإحياء الكعبة كل سنة بالزيارة) كذا عبر به في "المحرر" (٢)، وعبارة "الروضة" وأصلها: بالحج (٣)، قال الرافعي: كذا أطلقوه، وينبغي أن تكون العمرة كالحج بل الاعتكاف، والصلاة في المسجد الحرام؛ فإن التعظيم وإحياء البقعة يحصل بكل ذلك (٤)، قال النووي: لا يحصل مقصود الحج بذلك؛ لفوات الوقوف والرمي والمبيت وإحياء تلك البقاع بالطاعات (٥). قال في "المهمات": وهو غير ملاق له؛ فإن الكلام في إحياء الكعبة لا في إحياء هذه البقاع، وإن كان المتجه في الصلاة والاعتكاف ما ذكره .. فإنه ليس فيهما إحياء الكعبة، ولو كان الاعتكاف داخل الكعبة؛ لعدم الاختصاص، والمتجه: أن الطواف كالعمرة، وأجاب شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن بحث الرافعي: بأن المقصود الأعظم ببناء البيت الحج، فكان إحياؤه به بخلاف العمرة والاعتكاف والصلاة والطواف. ٥٢٣٧ - قول "الحاوي" [ص ٦٠٣]: (ودفع الضر عن المسلمين) زاد "المنهاج" [ص ٥١٨]: (ككسوة عارٍ وإطعام جائعٍ إذا لم يندفع بزكاةٍ وبيت مالٍ) كذا لو اندفعت بنذر أو وقف أو وصية، وظاهر كلامهما وجوب دفع الضرر وإن لم يبق لنفسه شيئًا، لكن في "زيادة الروضة" عن الإمام في "الغياثي": أنه يجب على الموسر المواساة بما زاد على كفاية سنة (٦)، ومقتضاه: أنه لا يتوجه فرض الكفاية بمواساة المحتاج على من ليس معه زيادة على كفاية سنة، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا لا يقوله أحد.

стр. 2052

٥٢٣٨ - قول "المنهاج" [ص ٥١٨] و"الحاوي" [ص ٦٠٣]: (وتحمل الشهادة) محله: ما إذا حضر إليه المتحمل عليه، فإن دعي إليه .. فالأصح: المنع، إلا أن يكون الداعي قاضياً أو معذوراً بمرض ونحوه. ٥٢٣٩ - قولهما أيضاً: (وأداؤها) (١) قد يرد عليه ما لو كان في الواقعة جماعة وطلب الأداء من اثنين .. فإنه يلزمهما في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" في (الشهادات) (٢). ٥٢٤٠ - قول "المنهاج" [ص ٥١٨]: (وجواب سلام على جماعة) أحسن من قول "الحاوي" [ص ٦٠٣]: (على الجمع) لأن جواب السلام على الاثنين فرض كفاية أيضًا، مع أنهما جماعة وليسا جمعا، وأما جواب السلام على الواحد .. فإنه فرض عين، ويستثنى منه: ما إذا كان المسلّم أو المسلَّم عليه أنثى شابة والآخر رجلاً ولا زوجية بينهما ولا محرمية ولا رق .. فلا يجب الرد، ثم إن سلم هو .. لم يجز لها الرد، وإن سلمت هي .. كره له الرد. ويستثنى منه أيضًا: وجوب السلام على المجنون والسكران، في وجوبه وجهان بلا ترجيح في "أصل الروضة" (٣)، ورجح شيخنا في "تصحيح المنهاج": أنه لا يجب، إلا أن يخاف من تركه شر .. فيجب " دفعا للشر، وصحح في "شرح المهذب" في (الجمعة): أنه لا يجب الرد عليهما ولا يستحب (٤)، وكذا لا يجب الرد على الفاسق إذا كان في تركه زجر، ولا على المرتد والحربي. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم أر في كلامهم التصريح بإيجاب الرد على الذمي، والظاهر أنه يسن الرد عليه ولا يجب، وفي الرافعي في الجزية عن البغوي: أنه لا يجاب (٥)، وقال النووي: الصحيح بل الصواب: أنه يجاب بما ثبت في الأحاديث الصحيحة: "وعليكم" (٦). ٥٢٤١ - قول "المنهاج" [ص ٥١٨]: (ويسن ابتداؤه، لا على قاضي حاجةٍ وأكلٍ وفي حمامٍ، ولا جواب عليهم) و"الحاوي" [ص ٦١٠]: (والسلام - لا على المصلي، وقاضي الحاجة، وفي الحمام - سنة) فيه أمور: أحدها: أن "المنهاج" أطلق الأكل كما فعل الجويني والقاضي حسين والمتولي، وحمله الإمام على مَنْ اللقمة في فيه، وكان يمضي زمان في المضغ والابتلاع، ويعسر الجواب في الحال،

стр. 2053

أما بعد البلع وقبل وضع لقمة أخرى .. فلا منع (١)، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وما ذكره الإمام أرجح. قلت: وجزم به النووي في "الأذكار" (٢). ثانيها: ما ذكراه في الحمام، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم يقم عليه دليل، ولا سيما إذا كان في الموضع الذي يوضع فيه الثياب، والمعتمد عندنا: أنه كغيره، وفي توجيه الرافعي ما يقتضي أنه ليس الكلام في موضع نزع الثياب. ثالثها: يستثنى أيضًا: المجامع، وهو مفهوم من قاضي الحاجة من طريق الأولى إن لم يكن داخلأ في مسماه، وسلام رجل على شابة أجنبية وسلامها عليه، والسلام على الكافر، وفي زيادة "الروضة": المختار: أنه لا يبدأ المبتدع بالسلام إلا لعذر أو خوف مفسدة (٣)، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم يتعرضوا للمجنون والسكران، والظاهر أنه لا يسن ابتداء السلام عليهما، وقالوا: لا يسلم على من هو في الأذان أو الإقامة أو الخطبة، فلو سلم على المؤذن .. لم يجب حتى يفرغ، وهل الإجابة بعد الفراغ واجبة أو مستحبة؛ لم يصرحوا به، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الذي يظهر أنه لا يجب، وأطلق الغزالي أنه لا يسلم على المصلي (٤)، ولم يمنعه المتولي، لكن قال: إذا سلم عليه .. لم يرد حتى يفرغ، ويجوز أن يجيب في الصلاة بالإشارة، نص عليه في القديم، وقيل: يجب الرد بعد الفراغ، والصحيح: أنه لا يجب الرد مطلقًا، فإن قال في الصلاة: (عليكم السلام) .. بطلت، أو: ﵈ .. لم تبطل، وفي حاضر الخطبة - تفريعا على الجديد: أنه لا يحرم الكلام - ثلاثة أوجه، أصحها عند البغوي: وجوب الرد، والثاني: استحبابه، والثالث: جوازه، وقطع الإمام بأنه لا يجب الرد، ورجح شيخنا في "تصحيح المنهاج" مقالة البغوي، قال: والقياس: أن هذا يعم كل خطبة، قال: والأرجح: أن الخلاف في غير الخطيب، أما الخطيب .. فلا يجب عليه الرد قطعا؛ لاشتغاله، وفي "أصل الروضة": أنه إذا سُلّم على الملبي .. رد، نص عليه، وزاد النووي: أنه يكره التسليم عليه في حالة التلبية (٥)، ومقتضاه: أنه لا يجب عليه الرد، ويحمل النص على الاستحباب، وفي زيادة "الروضة" عن الواحدي المفسر: الأولى: ترك السلام على القارئ، فإن سلّم عليه .. كفاه الرد

стр. 2054

بالإشارة، ولو رد باللفظ .. استأنف الاستعاذة وقرأ، قال: وفيما قاله نظر، والظاهر أنه يسلَّم عليه، ويجب الرد (١). رابعها: قول "المنهاج" [ص ٥١٨]: (ولا جواب عليهم) قد يفهم استواء حكمهم، وليس كذلك، فيكره لقاضي الحاجة والمجامع، ويندب للَاكل ومن في الحمام، وفي الرافعي فيمن سلم على قاضي الحاجة .. هل يستحق الجواب بعد الفراغ؛ فيه جوابان (٢)، وأسقطه من "الروضة"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: أنه لا يستحق، ولكن إن خيف أمر .. رد عليه بعد الفراغ. ٥٢٤٢ - قولهم - والعبارة لـ "التنبيه" -: (ولا يجب الجهاد إلا على ذكر، حر، بالغ، عاقل، مستطيع) (٣) أهملوا اشتراط كونه مسلماً؛ لوضوحه، وقد نبه عليه في "الكفاية"، وتعبير "التنبيه" و"الحاوي" باشتراط الذكورة (٤)، أحسن من قول "المنهاج" [ص ٥١٨]: (ولا جهاد على امرأة) لخروج الخنثى بالعبارة الأولى دون الثانية. ويرد على "التنبيه": أن وصف الحرية لا يعتبر إذا دخل الكفار بلاد الإسلام، وإن حصلت المقاومة بالأحرار على الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" بعد ذلك (٥)، وسيأتي ما فيه. ٥٢٤٣ - قول "المنهاج" [ص ٥١٨]: (ولا جهاد على مريض) و"الحاوي" [ص ٦٠٣]: (بلا مرض) قيده "التنبيه" بالمريض الذي لا يقدر على القتال (٦)، وفي معناه: ما إذا لم يقدر على القتال إلا بمشقة شديدة، وخرج بذلك الصداع ووجع الضرس والحمى الخفيفة ونحوها. ٥٢٤٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٢]: (إنه لا جهاد على الأعرج) قيده "المنهاج" و"الحاوي بالعرج البين (٧)، ليخرج عرج يسير لا يمنع المشي ولا الركوب؛ فإنه يجب معه الجهاد. ٥٢٤٥ - قول "المنهاج" [ص ٥١٨]: (وأقطع) أي: اليد بكمالها أو معظم أصابعها، ولا يضر قطع أصابع الرجلين إذا أمكنه المشي من غير عرج بيّن. ٥٢٤٦ - قوله: (وأشل) (٨) أي: أشل اليد أو أشل معظم أصابعها.

стр. 2055

٥٢٤٧ - قوله: (وكل عذر منع وجوب حج منع الجهاد، إلا خوف الطريق من كفار، وكذا من لصوص مسلمين على الصحيح) (١) يقتضي منع خوف لصوص المسلمين وجوب الحج مطلقًا، ومحله: فيما إذا عم الخوف أهل ناحيته، فإن اختص بإنسان .. لم يمنع ذلك إيجاب الحج عليه، حتى إذا مات ولم يحج .. قضي من تركته كما نص عليه في "الأم" (٢). ٥٢٤٨ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (والدين الحال يُحرّم سفر جهادٍ وغيره إلا بإذن غريمه) (٣) له شرطان: أحدهما: أن محله: في الموسر، فأما المعسر .. فليس له منعه على الصحيح في "أصل الروضة"، وحكى الرافعي عن ابن كج: أنه المذهب (٤)، لكن في "الكفاية" عن الأصحاب خلافه. ثانيهما: أن محله: إذا لم يستنبْ من يقضي دينه من مال حاضر، فإن فعل ذلك .. فله السفر بغير إذنه. ٥٢٤٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٢]: (وقيل: يجوز في الدين المؤجل أن يجاهد بغير إذنه) يقتضي أن الأصح: منعه في المؤجل أيضًا، وليس كذلك كما صرح "المنهاج" بتصحيحه (٥)، وهو مقتضى تقييد "الحاوي" بالحال (٦)، وقال النووي في "تصحيحه": ورجحه المصنف في (باب التفليس) (٧)، وقال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": ما قاله ممنوع، فإن الذي جوزه الشيخ في التفليس إنما هو السفر لا نفس الجهاد، فإنه قال: (وقيل: يمنع من سفر الجهاد) (٨)، والذي منعه هنا إنما هو نفس الجهاد، فإنه قال: (ولا يجاهد) (٩)، ولم يتعرض للسفر، فليسا مسألة واحدة كما ذكر، فأي ضرورة إلى ارتكاب دعوى التناقض في كلام الشيخ مع تغاير المحكوم عليه، وسبقه إلى الإشارة لذلك في "الكفاية". ٥٢٥٥ - قول "المنهاج" في الدين المؤجل [ص ٥١٩]: (وقيل: يمنع سفراً مخوفاً) أعم من تعبير "التنبيه" بالجهاد (١٠)، وقيد هذا الوجه في "الروضة" بألَاّ يقيم كفيلاً بالدين (١١).

стр. 2056

٥٢٥١ - قولهما - والعبارة لـ "التنبيه" -: (ولا يجوز لمن أحد أبويه مسلم أن يغزو إلا بإذنه) (١) يفهم اختصاص ذلك بالأبوين، وليس كذلك؛ فسائر الأجداد والجدات في ذلك كالأبوين، ولو مع وجودهما في الأصح؛ ولذلك عبر "الحاوي" بأصل مسلم (٢)، وظاهر كلامهم اعتبار ظهور الإسلام؛ فهو الذي تعلق عليه الأحكام، لكن لو علم الولد نفاقهما .. جاز له سفراً لجهاد بغير إذنهما ولو كانا مسلمين في الظاهر، نص عليه في "الأم" (٣) كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وتناول كلامهم الأصل الرقيق، وهو كذلك على الصحبح، فلو كان الولد رقيقا .. اعتبر في سفر الجهاد وغيره إذن سيده لا أبويه، قاله الماوردي، قال: ويلزم المبعض استئذان الأبوين بما فيه من الحرية والسيد بما فيه من الرق (٤). ٥٢٥٢ - قول "المنهاج" [ص ٥١٩]: (لا سفر تعلم فرض عين، وكذا كفاية في الأصح) هو مقتضى إطلاق "الحاوي" قوله [ص ٦٠٣]: (لا للعلم)، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ويستثنى منه: ما إذا كان السفر مخوفاً .. فإنه لا يسافر لطلب فرض الكفاية، والظاهر سقوط فرض العين عنه كالحج، وما إذا كانت نفقة الأبوين أو أحدهما لازمة له .. فيجب استئذانهما، إلا أن يستنيب في الإنفاق عليهما من مال حاضر، صرح به الماوردي (٥)، قال شيخنا: وقضيته: أنه لو كان الفرع تجب نفقته على الأصل .. لم يجز له أن يسافر إلا بإذنه إن كان الفرع أهلاً للإذن، وأن يستنيب في الإنفاق عليه من مال حاضر، ثم ذكر أن القياس: أنه لو أداه نفقة ذلك اليوم وسافر في بقيته .. كان كالمديون بدين مؤجل. انتهى. وصحح السبكي في كتاب له في بر الوالدين: أنه يمتنع السفر لتعلم فرض الكفاية إذا منعاه (٦) صريحاً. ٥٢٥٣ - قول "الحاوي" [ص ٦٠٣]: (كسفر البحر والبادية المخطرة للتجارة) يقتضي أنه لا يمنعه سفر التجارة في غيرهما، ولذلك صححه الرافعي والنووي (٧)، لكن صحح السبكي: أن لهما منعه من سفر التجارة ولو غلب الأمن.

стр. 2057

٥٢٥٤ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (فإن أذن أبواه والغريم ثم رجعوا .. وجب الرجوع إن لم يحضر الصف) (١) يستثنى منه صور: أحدها: أن يخاف على نفسه أو ماله .. فلا يجب الرجوع، فلو أمكنه أن يقيم بقرية في الطريق .. لزمه، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص ٦٠٣]: (فإن عجز .. أقام قرية). ثانيها: أن يخاف انكسار قلوب المسلمين .. فلا يجوز الرجوع، بل يحرم. ثالثها: أن يكون خروجه بجُعْلٍ مع السلطان .. فلا يرجع كما حكاه في "الكفاية" عن الماوردي (٢)، ونص عليه في "الأم" (٣) كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج". ٥٢٥٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٢]: (وإن كان قد حضر الصف .. ففيه قولان) الأظهر: أنه لا يرجع، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص ٥١٩]: (فإن شرع في قتال .. حرم الانصراف في الأظهر) وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص ٦٠٣]: (لا من القتال) ولو عبرا كـ "التنبيه" بحضور الصف .. لكان أولى؛ لأنه لا يتوقف ذلك على القتال حقيقة، بل التقاء الفريقين كاف في ذلك، وعبر في "الروضة" بالأصح (٤)، وهو يقتضي أن الخلاف وجهان، والرافعي قال في "الشرح": فيه قولان أو وجهان (٥)، وجزم في "المحرر" بأنه قولان (٦)، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم نقف للشافعي ﵁ على نص في عين المسألة، ولكنه لما أجاز الرجوع في غير ما استثناه .. احتمل أن يكون مطلقاً، واحتمل أن يكون ما لم يحضر الصف، فكان الظاهر أن الخلاف وجهان، قال: ومحل الخلاف ما لم يخش انكسار المسلمين، فإن خشي ذلك .. حرم الانصراف. ٥٢٥٦ - قول "المنهاج" [ص ٥١٩]: (الثاني: يدخلون بلدة لنا فيلزم أهلها الدفع بالممكن) لا يتوقف ذلك على دخولها، بل لو أظلوا عليها ونزلوا بها قاصدين لها .. كان الحكم كذلك، وكذا لو نزلوا على خراب أو جبل في دار الإسلام بعيد عن البلدان كما حكاه الإمام عن الأصحاب، واختار خلافه (٧)، وقال النووي: هذا الذي اختاره الإمام ليس بشيء، وكيف يجوز تمكين الكفار من الاستيلاء على دار الإسلام مع إمكان الدفع؟ (٨).

стр. 2058

قلت: لم يجوز الإمام في اختياره تمكينهم من دار الإسلام، بل قال: إنه فرض كفاية يجب القيام به، وإنما نفى كونه فرض عين، وعلى الأول مشى "الحاوي" فقال [ص ٦٠٩]: (ولو خراب الإسلام) فلو صار بينهم وبين بلاد الإسلام دون مسافة القصر .. فقال الماوردي: يتعين فرض القتال على أهل الثغر (١)، ومنعه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: الأرجح: بقاء فرض الكفاية، ونازع شيخنا المذكور في أصل هذا الحكم، وقال: جرى نحو ذلك غزوة الأحزاب، ولم ينقل فيها عن النبي ﷺ أنه أعلم كل وأحد من أهل المدينة بتعين الجهاد عليه، وإنما الحال مستمر على فرض الكفاية، وأطلق الشافعي أن الجهاد فرض كفاية، ولم يستثن من ذلك إلَاّ حالة الزحف التي يحرم فيها الفرار، وقال فيما لو غزا المشركون بلاد المسلمين: لا يضيق على المسلمين أن يتحصنوا من العدو وإن كانوا قاهرين للعدو، وفيما يرون إذا ظنوا ذلك أزيد في قوتهم ما لم يكن العدو يتناول من المسلمين أو أموالهم شيئاً في تحصنهم عنهم، قال شيخنا: وهذا يخالف القول بأن الجهاد صار فرض عين، والمذهب المعتمد ما نص عليه صاحب المذهب، وبه صرح القفال، فقال في هذه الصورة: فإن قامت به طائفة". سقط الفرض عن الباقين، وإن لم يقم به أحد .. خرجوا أجمعين. ٥٢٥٧ - قول "المنهاج" في هذه الحالة [ص ٥١٩]: (فإن أمكن تأهب لقتال .. وجب الممكن حتى على الفقير وولدٍ ومَدِين وعبد بلا إذن) و "الحاوي" [ص ٦٠٩]: (فرض على كل قوي، وزال الحجر) ثم قال "المنهاج" [ص ٥١٩]: (وقيل: إن حصلت مقاومة بأحرار .. اشترط إذن سيده) وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا الذي ضعفه هو المعتمد في الفتوى، وهو مقتضى نص الشافعي؛ فإنه جعل تولي المسلمين لو غزاهم المشركون كتولي المسلمين من الزحف، ولم يجعل العبد الغازي بغير إذن سيده آثماً بالتولي من الزحف؛ فلذلك لا يتوجه إليه الخطاب فيما إذا وطئ الكفار بلاد الإسلام وأمكنت المقاومة بالأحرار، قال: وهذان الوجهان لم أرهما إلا في "النهاية" بلا ترجيح (٢)، وقال الرافعي فيما رجحه: إنه أليق بفقه الباب وأشبه (٣)، قال شيخنا: وهو ممنوع؛ فالأليق بفقه الباب والأشبه: أنه لا يتوجه الخطاب للعبيد في هذه الحالة؛ لقيام الأحرار بالمطلوب، ولا سيما وقد نص الشافعي على ذلك فوجب اطراح ما يخالفه، ولا ينبغي أن يعد وجهًا. ٥٢٥٨ - قول "المنهاج" [ص ٥١٩]: (وإلا؛ فمن قُصِدَ .. دَفَعَ عن نفسه بالممكن إن علم أنه إن أخذ قتل، وإن جوز الأسر .. فله أن يستسلم) محله في الرجل، فأما المرأة إذا علمت امتداد اليد

стр. 2059

إليها بالفاحشة .. فعليها الدفع وإن قتلت، أما إذا لم تقصد بالفاحشة في الحال وتوقعته بعد السبي .. قال الرافعي: فيحتمل جواز الاستسلام الآن، وتدفع حينئذ (١). ومحل الاستسلام عند تجوز الأسر: إذا كان لو امتنع .. لقُتل، وإلا .. فلا يجوز الاستسلام. ٥٢٥٩ - قوله: (ومن هو دون مسافة قصر من البلد كأهلها) (٢) يقتضي أنه يصير عليهم فرض عين، حتى على الفقير والولد الذي له أصل حي مسلم والمديون والعبد من غير اعتبار إذن، وأنه يجري في العبيد الخلاف فيما إذا حصلت المقاومة بالأحرار. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا شيء لم يقل به أحد، والإمام الذي سلك هذه الطريقة الضعيفة لم يذكر جميع ذلك صريحا وإن اقتضاه كلامه، واعتبر وجود الزاد فيمن هو دون مسافة القصر. ٥٢٦٠ - قوله: (ومن على المسافة .. تلزمهم الموافقة بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم، قيل: وإن كفوا) (٣) مقتضى التعبير: أن المعنى: قيل: وإن كفوا .. تلزمهم الموافقة بقدر الكفاية، وهذا غير مستقيم؛ فكان ينبغي أن يقول: (ومن على المسافة .. قيل: تلزمهم الأقرب فالأقرب، والأصح: إن كفى أهلها .. لم تلزمهم). ٥٢٦١ - قول "الحاوي" [ص ٦٠٩]: (أو أسرت مسلماً يُرجى خلاصه .. فرض على كل قوي) أحسن من قول "المنهاج" [ص ٥١٩]: (ولو أسروا مسلماً .. فالأصح: وجوب النهوض إليهم لخلاصه إن توقعناه) لأن تعبير "المنهاج" قد يفهم أن الخلاف في كونه فرض كفاية، وليس كذلك، وإنما الخلاف في فرض العين، وتعبير "الحاوي" صريح في ذلك، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج": أن هذا الخلاف لا وجود له في شيء من كتب الطريقين، وإنما هو تردد للإمام (٤)، قال: ولا توقف عندنا في أنه لا يكون فرض عين في هذه الصورة، وليس للولد والعبد والمديون الخروج بغير إذن، وحيث كان الجهاد فرض كفاية .. فهو مستمر بحاله، وهذا هو الظاهر من كلام الشافعي وأصحابه؛ والدليل على هذا: أنه كان في الحديبية عند المشركين أسرى رجال ونساء، وجاء بعض الرجال قبل عقد الصلح، وكانت المقاومة ممكنة؛ بدليل قول عمر ﵁: (فلم نعطِ الدَّنية في ديننا) (٥) مع أن في الأعصار تقع أسرى المسلمين في يد الكفار ولم فسمع أن جيشا من جيوش المسلمين تحرك لخلاص أولئك الأسرى.

стр. 2060

فصل [في الاستعانة على الغزو] ٥٢٦٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٢]: (ويكره أن يغزو أحدٌ إلا بإذن الإمام) هو نص الشافعي في "المختصر" (١)، وقال في "المنهاج" [ص ٥١٩]: (أو نائبه) وعبارة "الحاوي" [ص ٦٠٦]: (ويكره استقلالاً) وعبارة الإمام: استحب ألَّا يخرجوا إلا بإذن الإمام. واستثنى منه شيخنا في "تصحيح المنهاج" مواضع: أحدها: أن يفوته المقصود بذهابه للاستئذان. الثاني: إذا عطل الإمام الغزو وأقبل هو وجنده على أمور الدنيا كما يشاهد. الثالث: إذا غلب على ظنه أنه لو استأذن .. لم يؤذن له. ٥٢٦٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٢]: (ولا يستعين بمشرك، إلا أن يكون في المسلمين قلة، والذي بستعبن به حسن الرأي في المسلمين) و"المنهاج" [ص ٥١٩]: (وله الاستعانة بكفار نؤمن خياننهم، ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر .. قاومناهم) و"الحاوي" [ص ٦٠٣]: (وله أن يستعين بكافر مأمون) ذكر الرافعي أن الشرط المذكور في "التنبيه" أولًا والشرط المذكور في "المنهاج" ثانياً يكاد أن يتنافيان؛ لأنهم إذا قلوا حتى احتاجوا لمقاومة إحدى الفئتين إلى الاستعانة بالأخرى .. فكيف يقدرون على مقاومتهما معا لو التأمتا؟ (٢) وقال النووي: لا منافاة؛ فالمراد: أن يكون المستعان بهم فرقة لا يكثر العَدوُّ بهم كثرة ظاهرة (٣). وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": في هذا الجواب لين، ثم أجاب: بأن الكفار إذا كانوا مئتين مثلاً وكان المسلمون مئة وخمسين .. ففيهم قلة بالنسبة لاستواء العددين، فإذا استعانوا بخمسين كافراً .. فقد استوى العددان، ولو انحاز هؤلاء الخمسون إلى العدو فصاروا مئتين وخمسين .. أمكن المسلمين مقاومتهم؛ لعدم زيادتهم على الضعف، قال: وأيضاً ففي كتب جمع من العراقيين اعتبار الحاجة من غير ذكر القلة، والحاجة قد تكون للخدمة، فلا يتنافى الشرطان. انتهى. وذكر بعضهم: أن الشرط المذكور في "التنبيه" ثانياً، وهو: حسن رأي المستعان به في المسلمين هو الشرط المذكور في "المنهاج" أولًا، والمقتصر عليه في "الحاوي"، وهو أمن

стр. 2061

خيانته، لكن جعلهما في "الروضة" وأصلها شرطين (١)، وحكى في "الروضة" من زيادته على الماوردي شرطاً آخر، وهو: أن يخالفوا معتقد العدوّ؛ كاليهود مع النصارى (٢). وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": كلام الشافعي يدل على أن ذلك غير معتبر؛ فقد غزا صفوان بن أمية وهو مشرك في غزوة حنين وهم مشركون. واعلم: أن عبارتهم تتناول النساء والصبيان، وفي "الروضة" وأصلها قولان في جواز إحضار نساء أهل الذمة وصبيانهم من غير ترجيح (٣). وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأصح عندنا: الجواز؛ فقد جزم به في "الأم" فقال: (ونساء المشركين في هذا وصبيانهم كرجالهم لا يحرم أن يشهدوا القتال) (٤)، قال: وما ذكره الرافعي عن القفال من القولين لم أقف عليه. ٥٢٦٤ - قول "التنبيه" في المرأة والعبد والصبي [ص ٢٣٢]: (وإن حضروا .. جاز) فيه أمور: أحدها: مراده: المرأة المسلمة، وفي جواز إحضار نساء أهل الذمة وصبيانهم ما تقدم قريباً. ثانيها: إنما يجوز حضور العبد بإذن الإمام وسيده؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٥١٩]: (وله - أي: الإمام - الاستعانة بعبيد بإذن السادة) و"الحاوي" [ص ٦٠٣، ٦٠٤]: (وله أن يستعين بعبد بإذن) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يستثنى منه: العبد الموصى بمنفعته لبيت المال؛ فللإمام الاستعانة به بغير إذن السيد المالك للرقبة، وكذا السفر به بغير إذن المالك على الأصح في "أصل الروضة" في الوصية بالمنافع (٥)، وكذا المكاتب كتابة صحيحة، وله أن يسافر به بناء على أن للمكاتب السفر بغير إذن السيد، وهو الأظهر. ثالثها: أن شرط جواز حضور الصبي: أن يكون بإذن الإمام، وقيده "الحاوي" بالمراهق (٦)، و"المنهاج" بالمراهق القوي (٧)، وقال الرافعي: ظاهر ما نقله القفال عن الشافعي يقتضي جواز إحضار الذريّة مطلقاً، إلَاّ مَن لا يميز .. يجب ألَاّ يجوز إحضاره (٨)، وأسقط ذلك في "الروضة"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إذا حصلت من المميز إعانة ورأى الإمام

стр. 2062

استصحابه .. جاز، ونص في "الأم" على ما يقتضيه (١)، قال: واعتبار القوة مردود، والمعتبر حصول المنفعة بهم وإن لم يكونوا أقوياء، قال: ومحله ة إذا لم يكن له أصل حي مسلم، فإن كان .. فإذنه معتبر في البالغ؛ ففي المراهق بطريق الأولى. قلت: وقد يجعل قول "الحاوي" [ص ٦٠٤]: (بإذن) راجعًا للمراهق والعبد المذكورين قبله على قاعدة الشافعي؛ ويكون لهذا المعنى أطلق الإذن. قال شيخنا: وليس للوصي منعه من ذلك، والأمر فيه للإمام. قال في "المهمات": وفيه إشكال مع ما قالوه في المنع من إركاب ماله في البحر الملح وإن كان الغالب السلامة. قلت: في هذا تمرين على العبادة، بخلاف التجارة بماله؛ لا عبادة فيها مع التعزير، والله أعلم. ٥٢٦٥ - قول "المنهاج" [ص ٥١٩]: (وله بذل الأُهبة والسلاح من بيت المال ومن ماله) لا يختص الحكم بالإمام؛ فللآحاد بذله من ماله؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٠٤]: (ولكل تركيب المسلم ببذل أُهبة). ٥٢٦٦ - قول "المنهاج" [ص ٥١٩]: (ولا يصح استئجار مسلم لجهاد) مكرر، تقدم في (الإجارة) (٢)، وا قتصر "الحاوي" على ذكره هناك (٣)، وهو داخل في قول "التنبيه" [ص ٢٣٢]: (ولا يجاهد أحد عن أحد) فإنه يتناول ما إذا كان بعوض وغيره، ويستثنى منه موضعان: أحدهما: العبد، فيه وجهان إن قلنا: (لو وطئ الكفار دارنا .. يتعين على العبيد) .. فهم كالأحرار، وإلا .. جاز، حكاه في "أصل الروضة" عن الإمام (٤)، ومقتضاه: ترجيح المنع؛ لأن الأصح: تعيينه عليهم لو وطئ الكفار دارنا، لكن تقدم عن شيخنا: أنه رجح في "تصحيح المنهاج" خلافه؛ فلذلك صحح هنا الإجارة إذا آجره مالكه، وصدرت الإجارة مع الإمام. ثانيهما: غير البالغ ذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أنه لو أجره وليه .. صح؛ فإنه لا يتعين عليه بحضور الصف، ثم استشكله بمنع التغرير بماله في البحر، ثم أجاب عنه: بتمكين النبي ﷺ من هو دون البلوغ من حضور الجهاد، وعرضه عليه، ورضخه له، وذلك يدل على أن مثل هذا مما يحرص عليه ويتدرب به، ثم ظاهر كلامهم امتناع استئجار المسلم للجهاد ولو

стр. 2063

وردت الإجارة على ذمته، لكن يشكل بجواز إلزام ذمة من لم يحج الحج عن غيره، وحائض خدمة مسجد، وإن امتنع ذلك في إجارة العين. ٥٢٦٧ - قول "المنهاج" [ص ٥١٩]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٣٧٩]: (ويصح استئجار ذمي للأمام) فيه أمور: أحدها: أنه لا يختص بالذمي، بل يجوز مع المعاهد أيضاً بهُدنة أو أمان، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: في كلام الشافعي والأصحاب ما يقتضيه. ثانيها: أن محل جواز استئجاره: حيث تجوز الاستعانة، فإن استأجره حيث يمتنع .. فالإجارة باطلة. ثالثها: أن مقتضى كلامهما: استمرار الإجارة ولو أسلم، لكن مقتضى ما في "أصل الروضة" فيما لو استأجر طاهراً لخدمة المسجد، فحاضت، من انفساخ الإجارة: انفساخها هنا (١)، وإليه ذهب شيخنا في "تصحيح المنهاج". رابعها: يرد على إطلاقهما: أنه لا يصح استئجاره من مال نفسه، بل ولا من سائر أموال بيت المال، وإنما يستاجره من شيء مخصوص، وهو خمس الخمس، وقد ذكر ذلك "الحاوي" فيما إذا أخرجه قهراً .. قال: (له الأجر من خمس الخمس) (٢). خامسها: ليست هذه الإجارة على قياس سائر الإجارات، فلو تعذر سفر الجيش لصلح صدر قبله .. كان عذراَ في فسخ الإجارة، وإن كانت الإجارة لا تنفسخ بالعذر، ويسترجع الإمام منهم ما دفعه إليهم، وإن كان الصلح بعد رده لهم دار الحرب .. لم يسترجع منهم شيئاً؛ لأن مسير الجيش إليهم أثر في الرهبة المفضية للصلح، وإن كان ذلك بعد خروجهم من دار الإسلام وقبل دخولهم أرض الحرب .. ففي استحقاقهم من الأجرة بقدر المسافة وجهان حكاهما الماوردي. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والأرجح في نظيرها من (الحج): أنه لا يستحق شيئاً، فكذلك الأرجح هنا، وإن كان ترك الجهاد لانهزام العدو استحقوا (٣) الأجرة وإن تركوه مع الحاجة إليه .. ردوا من الأجرة بالقسط، وصحح شيخنا تقسيطه على قطع المسافة من بلد الإجارة والقتال في دار الحرب. ٥٢٦٨ - قول "الحاوي" [ص ٦٠٤]: (فإن أخرج الذمي لا المسلم قهرًا .. له الأجر) قال الرافعي: كذا أطلقوه في المسلم، وفصّل البغوي فقال: إن تعين عليه .. فكذلك، وإلا .. فله

стр. 2064

أجرة الذهاب، وهو تفصيل حسن؛ فليحمل الإطلاق عليه (١). ٥٢٦٩ - قوله: (وإن عين شخصاً لدفن وغسل .. من تركته، ثم بيت المال، ثم سقط) (٢) هذا التفصيل استدركه الإمام والغزالي (٣)، وأطلق مطلقون أنه لا أجرة له، قال الرافعي: والتفصيل حسن؛ فليحمل الإطلاق عليه (٤). ٥٢٧٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٢]: (ولا يقاتل من لم تبلغه الدعوة حتى يعرض عليه الدين) قال ابن يونس في "التنويه": كلامه يقتضي وجوب عرض الدين عليه؛ أي: يعرفه إياه بأحكامه وتفاصيله، وليس كذلك، وإنما هو مستحب كما صرح به في "المهذب" وغيره؛ لأنه ﵊ أغار على بني المصطلق وهم غافلون (٥). ٥٢٧١ - قوله: (ويقاتل أهل الكتابين والمجوس إلى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية) (٦) محله: قبل نزول عيسى ﵇، فأما بعده .. فلا يقبل منهم إلا الإسلام. ٥٢٧٢ - قوله: (ويتجنب قتل أبيه وابنه؛ إلا أن يسمع منهم ما لا يصبر عليه من ذكر الله تعالى وذكر رسوله ﷺ (٧) عبر في قتال البغاة بقوله: (ويتجنب قتل رحمه) (٨) وتبع في التعبيرين "المختصر" (٩)، ولا فرق بين البابين كما قاله الأصحاب، نبه عليه في "الكفاية". وهذا التجنب على وجه الاستحباب؛ ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص ٥١٩]: (ويكره لغازٍ قتل قريب، ومَحْرَمٍ أشدُّ) وعبارة "الحاوي" نحوه (١٠)، والمراد: المحرم القريب، أما غير القريب من المحارم .. فقال شيخنا ابن النقيب: لم أر من ذكر المنع من قتله (١١)، ولم يذكر "المحرر" و"الحاوي" الاستثناء الذي في "التنبيه"، واستدركه "المنهاج" بقوله [ص ٥٢٠]: (إلا أن يسمعه يسب الله أو رسوله).

стр. 2065

٥٢٧٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٢٠]: (ويحرم قنل صبي ومجنون وامرأة وخنثى مشكل) محله: ما لم يقاتلوا كما صرح به "المحرر" و"التنبيه" (١)، إلا أنه لم يذكر المجنون والخنثى، وليس هذا دفعاً كالصائل، بل يقتلون إذا قاتلوا وإن أمكن دفعهم بغيره. ٥٢٧٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٢٠]: (ويحل قتل راهب وأجير وشيخ وأعمى وزَمن لا قتال فيهم ولا رأي في الأظهر) فيه أمور: أحدها: أنه يقتضي أن محل القولين في الراهب: إذا لم يكن فيه رأي ولا قتال، وليس كذلك، بل هما جاريان فيه مطلقًا كما أطلقهما في "المختصر" (٢)، وجرى عليه الأصحاب المعتبرون، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، ويوافقه عبارة "التنبيه" حيث قال [ص ٢٣٢]: (وفي قتل الشبوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم وأصحاب الصوامع قولان، أصحهما: أنهم يقتلون). ثانيها: اعترضه شيخنا في "تصحيح المنهاج" بأن المعتمد: القطع بجواز قتل الأجير، وهي طريقة العراقيين، وكذلك الأعمى والضعيف، ولا سيما إن كان الضعيف مرجو الإفاقة. ثالثها: واعترضه أيضًا بأن من يثبت القولين في الأجير .. لا يخصهما بما إذا لم يكن فيه رأي ولا قتال. رابعها: نقل شيخنا ابن النقيب: أن الذي رآه في نسخ "المنهاج": (وشيخ وضعيف) بالواو، وأنه رآه كذلك في نسخة "المصنف" بخطه، لكنه مضروب عليه؛ أعني: المعطوف وحرف العطف، وهو قوله: (وضعيف)، قال: والذي رأيته في "المحرر" و"الروضة": (والشيخ الضعيف) بلا واو (٣). ٥٢٧٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٢]: (ويجوز بياتهم ونصب المنجنيق عليهم ورميهم بالنار) و"المنهاج" [ص ٥٢٠]: (وإرسال الماء عليهم ورميهم بنار ومنجنيق وتبييتهم في غفلة) و"الحاوي" [ص ٦٠٤]: (ومنجنيق وتحريق وتغريق) محله: في غير مكة، فلو تحصن بها أو بموضع من حرمها طائفة من الحربيين .. لم يجز قتالهم بما يعم، كما نص عليه في "الأم" في (سير الواقدي) (٤)، وحمل أبو الفرج الزاز الجواز في غيرها على ما إذا كان بالإمام إليه حاجة أولم يكن فيهم إلا المقاتلة، فإن لم يكن به إليه حاجة وكان فيهم النساء والصبيان .. كره، حكاه عنه

стр. 2066

شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: إنه معتمد، قال: وإنما لا يكون البيات مكروها إذا كان له به حاجة، وإلا .. فهو مكروه وإن لم يكن فيهم إلا المقاتلة؛ لأنه لا يأمن في سواد الليل أن يقتل مسلما من أهل الجيش ظناً أنه كافر. ٥٢٧٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٢]: (وإن كان معهم قليل من أسارى المسلمين .. لم يمتنع من رميهم، وإن كانوا كثيراً .. لم يرمهم إلا إذا خاف شرهم) طريقة، والمرجح: الجواز لو كانوا كثيرأ؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ٥٢٠]: (فإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر .. جاز ذلك على المذهب) و"الحاوي" [ص ٦٠٤]: (ولو فيهم مسلم)، وعبارة "أصل الروضة": فيه طرق: المذهب: أنه إن لم يكن ضرورة .. كره، ولا يحرم في الأظهر، وإن كانت لخوف ضررهم، أو لم يحصل فتح القلعة إلا به .. جاز، ثم ذكر طريقين آخرين، ثم قال: والمذهب: الجواز وإن علم أنه يصيب مسلما، وهو نص "المختصر" (١). وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أن نص "الأم" و"المختصر" الجواز عند الضرورة، ولا خلاف فيه، وأما عند عدم الضرورة .. فقضية نص "الأم" التحريم، وقضية نص "المختصر" أنه غير بيّن التحريم، ولكنه مكروه؛ فإطلاق الجواز على المذهب مخالف النصين جميعاً، قال: والمعتمد عندنا في صورة ألَّا يمكن فتح القلعة إلا بذلك: أنها ليست حالة ضرورة، وفي نص "الأم" ما يقتضيه (٢). ٥٢٧٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٢]: (وإن تترسوا بالنساء والصبيان في القتال .. لم يمتنع من قتالهم) محله: ما إذا دعت إلى ذلك ضرورة، فإن لم تدع إليه ضرورة .. فالأظهر: تركهم، وعبارة "المنهاج" [ص ٥٢٠]: (وإن دفعوا بهم عن أنفسهم ولم تدع ضرورة إلى رميهم .. فالأظهر: تركهم) وكان ينبغي الاقتصار على انتفاء الضرورة؛ فهو المعتبر، وأما الدفع بهم عن أنفسهم .. فليس شرطاً في ذلك؛ وكأنه تصوير للمسألة؛ ويدل على ذلك أن عبارة "أصل الروضة": وإن لم يكن ضرورة؛ بأن كانوا يدفعون بهم عن أنفسهم واحتمل الحال تركهم (٣)، ومن العجيب أن "الحاوي" أهمل الشرط الذي هو الضرورة، وذكر التصوير المشترك بين جواز الرمي وعدمه وهو الدفع، فقال: (وإن تترسوا بالنساء لا دفعًا .. ضُرب الترس) (٤) وخالف هذا الترجيح في زيادة "الروضة"، فقال: إن الراجح: الجواز (٥)، ورجحه شيخنا في "تصحيح المنهاج".

стр. 2067

٥٢٧٨ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٢، ٢٣٣]: (وإن تترسوا بهم - أي: بأسارى المسلمين - في حال القتال .. لم يمتنع من قتالهم، غير أنه يتجنب أن يصيبهم) محله: فيما إذا دعت إليه ضرورة؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ٥٢٠]: (وإن تترسوا بمسلمين؛ فإن لم ندع ضرورة إلى رميهم .. تركناهم، وإلا .. جاز رميهم في الأصح) وتعبيره بالأصح يقتضي قوة الخلاف، وأنه وجهان، وليس كذلك؛ فالتجويز هو نص "الأم" و"المختصر" (١)، وقد عبر في "الروضة" بالصحيح المنصوص (٢)، وعبارة "الحاوي" [ص ٦٠٦]: (وإن تترسوا بالمسلمين في الصف ولو تركوا انهزمنا، لا كافر بمسلم .. ضُرب الترس) فقيد الجواز بأن يكونوا لو تركوا .. انهزمنا، وهي صورة الضرورة، واستثنى من ذلك مسألة، وهي: ما لو تترس كافر بمسلم .. فلا يجوز قتل المسلم، قال في "الوجيز": وإن خفنا على أنفسنا؛ فإن دم المسلم لا يباح بالخوف (٣)، وأراد به: ما إذا لم يعم الخوف، وإلا .. يلزم من الكف مفسدة كلية، واحترز بقوله: (في الصف) عما إذا تترسوا بهم في نحو قلعة عند محاصرتها .. فلا نرمي الترس؛ لأنا في غنية عن فتحها. ٥٢٧٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٢٠]: (ويحرم الانصراف عن الصف إذا لم يزد عدد الكفار على مثْلَيْنَا إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة) فيه أمور: أحدها: أن التعبير بالانصراف عن الصف هو كذلك في"الحاوي" (٤)، ومقتضاه: أنه لو لقي مسلم مشركين .. فله الانصراف مطلقًا؛ إذ لا صف، وهو كذلك في "الروضة" وأصلها، قال: إن طلباه .. فله الفرار، وإن طلبهما .. فهل له أن يولي بعد ذلك؛ وجهان، أصحهما: نعم؛ لأن فرض الجهاد والثبات إنما هو في الجماعة، وحكاه الرافعي عن تصحيح "البحر" (٥). وقال الماوردي: إنه الظاهر من مذهب الشافعي (٦)، لكن قول "التنبيه" [ص ٢٣٣]: (وليس للمسلم أن ينصرف عن اثنين إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة) يقتضي منع الفرار في هذه الصورة، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج"؛ إنه الأظهر بمقتضى نص الشافعي في "مختصر المزني" فإنه حكى عن ابن عباس: أن من فرّ من ثلاثة .. فلم يفز، ومن فر من اثنين .. فقد فرّ، ثم قال الشافعي: هذا مثل معنى التنزيل، فإذا فرّ الواحد من الاثنين .. فأقل، وساق الكلام على ذلك (٧).

стр. 2068

ثانيها: محل ذلك: مع القدرة، فيجوز الانصراف مع العجز، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص ٦٠٧]: (ومن عجز بمرض أو لم يبق معه السلاح أو مات فرسه عاجزاً عن القتال رَاجِلاً) فإن أمكنته الحجارة .. امتنع الانصراف على الأصح عند النووي من زيادته، لكنه في "أصل الروضة" في الباب الأول جعله وجهاً ضعيفاً (١). ثالثها: يستثنى من كلامهم معا: العبد إذا شهد القتال بغير إذن سيده .. فلا يحرم عليه الفرار، وكذلك النساء إذا شهدن القتال ثم ولين .. فلا يأثمن بالتولي، نص عليه في "الأم" (٢) كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج". رابعها: يستثنى من كلامهم أيضًا: أنه يجوز فرار مئة من ضعفائنا عن مئة وتسعة وتسعين من أبطالهم على الأصح في اعتبار المعنى، كما سيأتي في عكسه في عبارة "المنهاج" و"الحاوي" أنه يحرم انصراف مئة بطل عن مئتين وواحد ضعفاء في الأصح (٣)، ففي "أصل الروضة": أنه يجري الخلاف في عكسه، وذكر هذا المثال (٤). قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وأخذا عكسه في الصورة والمعنى، ولكن عكسه في المعنى يشمل هذا ومئة ضعفاء مع مئتين من أبطالهم، وسيأتي في كلام شيخنا ترجيح اعتبار العدد دون المعنى، والله أعلم. خامسها: اشترط "الحاوي" في جواز التحيز إلى فئة: ألَاّ تنكسر؛ أي: الفئة المنصرف عنها بانصرافه، فإن انكسرت بذلك .. فلا يجوز الانصراف (٥)، وتبع في ذلك "الوجيز" (٦)، وفي كلام الإمام ما يشعر به (٧)، قال الرافعي: ولم يتعرض له المعظم (٨). ٥٢٨٠ - قول "المنهاج" [ص ٥٢٠]: (ويجوز إلى فئة بعيدة في الأصح) عبر في "الروضة" بالصحيح (٩)، وكان ينبغي التعبير بالنص؛ فإنه المنصوص في "الأم" و"المختصر" (١٠)، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله: ما إذا لم يجد فيه قرينة، فإن وجد .. امتنع التحيز إلى

стр. 2069

البعيدة قطعًا، وفي كلام الشيخ أبي حامد عن الشافعي ما يقتضي هذا؛ إذ قال: قال الشافعي: إلا أنهم ينحازون إلى الأقرب فالأقرب منهم، قال شيخنا: وإطلاق ذلك كما في النص وكلام هؤلاء الأصحاب يؤدي إلى أن الجيش أو بعضه ينصرف من وجه العدو بعد الزحف إلى الفئة البعيدة من إمام وغيره بلا سبب، وهذا لا يقوله أحد. ٥٢٨١ - قوله: (ويشارك متحيز إلى قريبةٍ في الأصح) (١) وهو مفهوم "الحاوي" (٢)، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه مخالف لنص "الأم" حيث قال: فإن قالوا: ولينا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة .. كانت عليهم سهامهم فيما غُنم قبل أن يولوا، ولو غنموا بعد التولية شيئاً ثم عادوا .. لم يكن لهم سهامهم فيما غنم بعدهم؛ لأنهم لم يكونوا مقاتلين ولا رِدْءًا (٣)، قال: وظاهر النص أنه في المتحيز إلى فئة قريبة؛ لقوله: (ثم عادوا) وإذا حمل على الأعم .. حصل لنا العمل بظاهر النص، ونقل في "الروضة" وأصلها النص في المتحيز إلى البعيدة (٤)، وليس كما ذكراه. ٥٢٨٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٣]: (وإن كان بإزائه أكثر من اثنين وغلب على ظنه أنه لا يهلك .. فالأولى أن يثبت، وإن غلب على ظنه أنه يهلك .. فالأولى أن ينصرف، وقيل: يجب عليه) حمل الإمام هذين الوجهين على ما إذا كان في الثبات نِكاية، قال: فإن كان فيه الهلاك المحض من غير نكاية .. وجب الفرار قطعاً (٥)، وقال النووي: إنه الحق (٦)، ثم كلام "التنبيه" يقتضي جواز الانصراف عند الزيادة على الضعف مطلقًا، وبه صرح "المنهاج"، واستثنى منه صورة، فقال: (فإن زاد على مثلين .. جاز الانصراف، إلا أنه يحرم انصراف مئة بَطَلٍ عن مئتين وواحد ضعفاء في الأصح) (٧) وذكر "الحاوي" مثله (٨)، وفي هذا الاستثناء أمران: أحدهما: أن كلامهما يقتضي تخصيص الاستثناء بهذا التصوير، وليس الأمر كذلك، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، قال: وإنما العبرة عند من استثنى هذا الاستثناء بأن يكون مع المسلمين من القوة ما يغلب به على الظن أنهم يقاومون من بإزائهم من العدو الزائد على مثليهم ويرجون الظفر بهم.

стр. 2070

ثانيهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ما صححه من إرادة الحال على المعنى مخالف لظواهر نصوص الشافعي التي احتج عليها بظاهر القرآن، وما نقله عن ابن عباس وعليه جرى جمهور أصحاب الطريقين، وهو المعتمد في الفتوى. ٥٢٨٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٢٠]: (وتجوز المبارزة) و"الحاوي" [ص ٦٠٦]: (إنها لا تكره) قيده "التنبيه" بأن يعرف من نفسه بلاء في الحرب (١). ٥٢٨٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٣]: (وإن بارز كافر .. استحب لمن عرف من نفسه بلاءً في الحرب أن يخرج إليه) اعتبر "المنهاج" لذلك شرطاً آخر، وهو: أن يكون بإذن الإمام (٢)، وفي معناه: إذن أمير الجيش، وعبر "المنهاج" عن الشرط الأول: بأن يكون ممن جرّب نفسه (٣). واعترضه شيخنا في "تصحيح المنهاج": بأنه لا يكفي ذلك، بل لا بد معه أن يعرف قوته وجرأته كما صرح به في "الروضة" وأصلها (٤). وأقول: المراد: أن يجرب نفسه فيعرف منها القوة والجرأة، وليس المراد: أن يجربها فيعرف منها الضعف والخور، فالمعنى مع هذا مفهوم لا يحتاج للتصريح به، وزاد الماوردي شرطاً ثالثاً، وهو: ألَاّ يدخل بقتل المبارز ضرر على المسلمين بهزيمة تحصل لهم؛ يعني؛ لأنه كبيرهم، فإن كان كذلك .. لم يجز أن يبارز (٥)، قال شيخنا: وهذا لا بد منه، قال: ويحتمل أن يقال بالكراهة خاصة، واستثنى شيخنا المذكور من ذلك أيضًا: ما إذا كان عبداً أو ذا أصل مأذونا له في الجهاد من غير تصريح بالإذن في المبارزة .. فلا يستحب له. ٥٢٨٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٣٣]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٦١٢]: (وإن شرط ألَاّ تقاتله غيره .. وُفّيَ له بالشرط) كذا لو جرت العادة بأن من بارز لا يقاتله غير من برز إليه .. فتجعل العادة كالشرط على الأصح في "أصل الروضة"، ولم يصرح الرافعي بترجيح من الوجهين، وإنما قال: الذي أورده الروياني في "جمع الجوامع" أنه كالمشروط (٦). قال في "الكفاية": وحكاه الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ عن النص، وغيرهم عن نصه في "سير الواقدي"، واختاره في "المهذب" (٧).
следующие страницы →