← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

ونازع شيخنا في "تصحيح المنهاج" في الصورة الثانية، وقال: هذا شيء ذكره البغوي ومن تبعه (١)، وهو غير صحيح، فلا يرد إلا إذا طلبته عشيرته، وقول "المنهاج" [ص ٥٣١]: (وكذا عبد وحر لا عشيرة له على المذهب) يقتضي أن في العبد طريقين، وليس فيه في "الروضة" إلا وجهان، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": كان ينبغي التعبير فيه بالنص؛ لأنه نص في "الأم" على عدم رده. وأورد على قول "الحاوي": (كرد رجل حر قادر على طالبه) أن مقتضاه: أنه إذا عقد بشرط رد من جاءنا من المسلمين أو من الرجال المسلمين منهم مطلقاً من غير تفصيل .. أنه لا يصح العقد؛ لأنه يدخل فيه من يجوز رده ومن لا يجوز، وبه صرح أصحابنا البغداديون، وكلام الإمام والغزالي يقتضي الصحة (٢)، وكذا الرافعي (٣)، ونقله العمراني عن المسعودي، وصوبه (٤) الفوراني (٥). ٥٤٦٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٣١]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٦٢٣]: (وله قتل الطالب، ولنا التعريض له به لا التصريح) قيده شيخنا في "تصحيح المنهاج" فيهما بأن يكون ذلك بغير حضرة الإمام، وأشار في "المحرر" لخلاف فيهما بتعبيره بالظاهر (٦)، فجزم بذلك "المنهاج"، وأسقط ذلك الخلاف، وقال في "الدقائق": إن قول "المحرر": (والظاهر أن له قتل الطالب) فيه إشارة إلى احتمال فيه، ولم يُرد إثبات خلاف فيه. انتهى (٧). والاحتمال المذكور للإمام، وقد أقامه الرافعي وجهاً، وأعلم له بالواو (٨)، وقد أكثر "المنهاج" من عد احتمالات الإمام وجوهاً، وعبر فيها بالأصح، والله أعلم. ٥٤٦٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٣١]: (والأظهر: جواز شرط ألَاّ يردوا) أي: من جاءهم مرتدًا منا. استثني منه: النساء، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص ٦٢٣]: (لا المرأة)، واستثنى شيخنا في "تصحيح المنهاج" شيئين آخرين:

стр. 2137

أحدهما: العبيد، فقال: لا بد من ردهم على ملاكهم، قال: وذكر الماوردي أنهم يغرمون قيمتهم؛ تفريعاً على أنه لا يجب عليهم تسليمهم ولا التمكين منهم (١)، قال: والمعتمد ما ذكرناه. الثاني: الأحرار المجانين بعد الردة الذين ذهبوا إليهم في حال جنونهم يطالبهم بردهم؛ لأن مجيئهم إليهم لم يكن باختيارهم، فلا أثر له، فإن ذهبوا في حال عقلهم ثم جنوا هناك .. لم نطالبهم بردهم، قال: ولم أر من تعرض لذلك. ٥٤٦٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٠]: (وإن دخل حربي إلى دار الإسلام من غير أمان .. جاز قتله واسترقاقه) يستثنى منه: ما إذا دخل لرسالة أو سماع قرآن .. فله حكم الأمان، وقد ذكرهما "الحاوي" (٢)، وعبر عنهما النووي في "تصحيحه" بالصواب (٣)، وفيه نظر؛ ففي "الكفاية": أن كلام القاضي أبي الطيب والبندنيجي وغيرهما يفهم أن دخوله لأداء رسالة يتوقف على الإذن، وكلام غيرهم - منهم ابن الصباع والإمام - يقتضي خلافه. وفي معناهما أيضاً: ما لو دخل ليبذل الجزية .. فهو في أمان، ذكره في "الكفاية"، وعبر ابن يونس في "النبيه" بأنه كالأسير؛ ليشمل جواز فدائه والمن عليه. ٥٤٦٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٠]: (وإن استأذن في الدخول ورأى الإمام المصلحة في الإذن .. جاز أن يأذن له، فإن دخل .. جاز أن يقيم اليوم والعشرة) محله: ما إذا لم تنقض حاجته إلا في هذه، فإن انقضت في دونها .. لم يمكن من الإقامة بمطلق الإذن؛ للغرض السابق، ذكره في "الكفاية". ٥٤٦٧ - قوله: (وإن طلب أن يقيم مدة .. جاز أن يأذن له في المقام أربعة أشهر، ولا يجوز سنة وفيما بينهما قولان) (٤) الأظهر: أنه لا يجوز، وقد تقدم ذلك من كلام "المنهاج" و"الحاوي" في أمان الآحاد. ٥٤٦٨ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٠]: (وفي حد السرقة والمحاربة قولان) الأظهر: أنه لا يجب، وعليه يدل كلام "الحاوي" في (السرقة) (٥)، واستحسن الرافعي أنه إن شرط عليهم القطع؛ إذا سرق .. قطع، وإلا .. فلا.

стр. 2138

٥٤٦٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٠]: (فإن رجع إلى دار الحرب بإذن الإمام في تجارة أو رسالة .. فهو باق على الأمان في نفسه وماله) كذا الزيادة، ولم يتعرض في "المهذب" لاعتبار إذن الإمام، وكذا سكت عنه غيره. نعم؛ لو عقد الإمام على تكرره مدة .. كان آمناً في كل دفعة. ٥٤٧٠ - قوله فيما إذا رجع للاستيطان: (فإن أودع مالاً في دار الإسلام .. لم ينتقض الأمان فيه، ويجب رده إليه) (١) قد يفهم أنه لا يجوز دخوله لأخذه، وليس كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦١١]: (وطلبه يُؤمِّنه) أي: طلب المال، ويحتمل عوده على المالك أو الوارث؛ لقوله قبله: (وإن مات .. فلوارثه) (٢) وحينئذ .. فعوده على الوارث أظهر، وهو المذكور في "شرحي الرافعي" والموافق لعبارة "الوجيز" (٣). ٥٤٧١ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٠]: (فإن قتل ومات في دار الحرب .. ففي ماله قولان: أحدهما: أنه يرد إلى ورثته، والثاني: يغنم ويصير فيئاً) الأظهر: الأول، وعليه مشى "الحاوي" (٤)، ولا يخفى أنه إذا لم يكن له وارث .. فهو فيء قطعاً. ٥٤٧٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٤٠]: (وإن أُسِر واسترق .. صار ماله فيئاً) الذي في الرافعي بناء هذه المسألة والتي بعدها - وهي ما إذا مات في الأسر - على التي قبلها، وهي ما إذا مات في دار الحرب على حريته، فإن قلنا هناك بالأظهر: أنه لورثته .. وقف هنا؛ فإن عتق .. فهو له، وإن مات رقيقاً .. فالأظهر: أنه يكون فيئاً، وإن قلنا هناك: يكون فيئاً .. فهنا قولان: أحدهما: هذا. والثاني: يوقف؛ لاحتمال أن يعتق ويعود، بخلاف الموت، فإن عتق .. سلم إليه، وإلا .. فهو فيء على الأصح، وقيل: للسيد (٥). وفي "أصل الروضة": أن ابن الصباغ قطع بهذا القول الثاني (٦)، قال في "الكفاية": ولم أره فيه، وذكر في "الكفاية": أن قول "التنبيه" أولاً [ص ٢٤٠]: (وإن أسر واسترق .. صار ماله فيئاً) تفريع على القول في المسألة قبلها بأنه فيء؛ فكان الأحسن حينئذ: أن يكون بالفاء، فيقال: (فإن أسر).

стр. 2139

وظهر بما ذكرناه أن قول "الحاوي" [ص ٦١١]: (فإن رق. . ففيء) محله: فيما إذا مات على رقه، وأما ما دام حياً. . فلا يحكم بكونه فيئاً، بل هو موقوف، وأن قوله بعده: (وإن مات. . فلوارثه) (١) أي: مات على حريته.

стр. 2140

كتابُ الصَّيُد والذّبائح كذا في "التنبيه" و"المنهاج" تقديم الصيد في الترجمة على الذبائح، لكنهما قدَّما في ذكر الأحكام الذبائح على الصيد (١). ٥٤٧٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٢]: (ذكاة الحيوان المأكول بذبحه في حَلْقٍ أو لَبَّةٍ إن قُدر عليه، وإلا .. فبعَقْرٍ مُزهِقٍ) فيه أمران: أحدهما: أورد على حصره الجنين الذي يوجد في بطن أمه ميتاً؛ فإنه لم يذبح ولا عقر، وهو حلال، ولا يحصل الجواب بذكره له في الأطعمة؛ لأن الإيراد على حصره هنا، وقد يقال: الكلام في الذكاة استقلالاً، والحل في الجنين بطريقة التبعية، فلو خرج رأسه وفيه حياة مستقرة .. فقال القاضي والبغوي: لا يحل إلا بذبحه؛ لأنه مقدور عليه، وقال القفال: يحل؛ لأن خروج بعض الولد كعدم خروجه في العدة وغيرها (٢)، وصححه النووي (٣)، فلو خرج رأسه ميتاً، فذبحت الأم قبل انفصاله .. حل كما قاله البغوي حكاه ابن الرفعة، ثم قال: وقد يمنع حله. ثانيهما: أن كلامه هنا يقتضي تسمية الكل ذبحاً، وقوله بعد ذلك: (ويسن نحر إبل وذبح بقر وغنم) (٤) يقتضي أن المسنون في الإبل لا يسمى ذبحاً، وفسر الذبح: بأنه قطع الحلق، وهو أعلى العنق، والنحر: بأنه قطع اللبة، وهي أسفل العنق. ٥٤٧٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٢]: (وشرط ذابح وصائد حل مناكحته) أحسن وأخصر من قول "التنبيه" [ص ٨٢]: (ولا تحل ذكاة المجوسي والمرتد ونصارى العرب وعبدة الأوثان) وأحسن منهما قول "الحاوي" [ص ٦٢٤]: (من نناكحه وأمةٍ كتابيةٍ) لإشارته لاستثناء الأمة الكتابية من تحريم ذبيحة من لا تحل مناكحته؛ فإنها لا يحل نكاحها وذبيحتها حلال، وإن كان "المنهاج" ذكر المسألة عقبه، لكن ذكرها في الضابط أولى، على أنه قد أورد على عبارتهما أمور: أحدها: أمهات المؤمنين ﵅ لا تحل مناكحتهن وتحل ذبيحتهن، أورده في "المهمات"، وقال: ينبغي أن يقول في الضابط: من لا تحل مناكحته لنقصه، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": كن يحل نكاحهن للمسلمين قبل أن ينكحهن، وبعد أن نكحهن، فالتحريم

стр. 2141

على غيره لا عليه، فهو رأس المسلمين ﷺ ، فلا يورد ذلك إلا قليل البصيرة. ثانيها: كان ينبغي تقييد حل المناكحة بالمسلمين؛ فإن تناكح أهل الكتاب جائز. ثالثها: يرد عليه أيضاً ذبح المحرم أو صيده أو الحلال في حرم مكة للصيد؛ فإنه ميتة على الجديد. ٥٤٧٥ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٢]: (ويحل ذبح صبي مميز، وكذا غير مميز، ومجنون وسكران في الأظهر) فيه أمور: أحدها: أن محله في غير المميز إذا أطاق الذبح، فإن لم يُطق .. لم يحل، نص عليه في "الأم" و"المختصر" (١)، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقد يقال: لا حكم للمعجوز عنه، وإنما يحكم على ما يدخل تحت القدرة. ثانيها: تبع في الترجيح "المحرر" (٢)، وصححه في "الروضة" من زوائده (٣)، ولم يصحح في "الشرحين" شيئاً، بل قوة كلامه في "الشرح الصغير": ترجيح المنع؛ فإنه قال: فيه قولان، أظهرهما عند الإمام وجماعة: المنع، وزاد في "الكبير": وقطع الشيخ أبو حامد وصاحب "المهذب" بالحل (٤)، وكذا صحح شيخنا في "تصحيح المنهاج" طريقة القطع بالحل. ثالثها: قال البغوي: إن كان للمجنون أدنى تمييز أو للسكران قصد .. حل قطعاً (٥). رابعها: قد يفهم أنه لا كراهة في ذكاة المجنون والسكران، ولا سيما وقد قال بعده: (وتكره ذكاة أعمى) (٦) وليس كذلك، بل تكره ذكاتهما، وبه صرح في "التنبيه" (٧)، ونص عليه الشافعي، فلو قال "المنهاج": (وتكره كالأعمى) .. لكان أخصر وأحسن. ٥٤٧٦ - قول "التنبيه" [ص ٨٢]: (ثم أرسله من هو من أهل الذكاة) يقتضي حل اصطياد الأعمى؛ لأنه من أهل الذكاة كما تقدم، وليس كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٢٤]: (وإرسال بصير) وقال "المنهاج" [ص ٥٣٢]: (ويحرم صيده برمي وكلب في الأصح) وفيه أمور: أحدها: تعبيره (بالأصح) يقتضي أنه وجه، وليس كذلك، بل هو مقتضى نص "الأم" حيث

стр. 2142

قال: (وإذا أصابت الرمية الصيد والرامي لا يراه فذبحته أو بلغت ما شاءت .. لم يأكله، وجد به أثراً من غيرها أو لم يجده) (١). ثانيها: أطلق موضع الخلاف، وفي "أصل الروضة": الأشبه أنه مخصوص بما إذا أخبره بصير بالصيد، فأرسل الكلب أو السهم، وكذا صورها في "التهذيب"، وأطلق الوجهين جماعة. انتهى (٢). وقال الإمام: عندي أن الوجهين مخصوصان بما إذا أدرك حسن الصيد، وبنى إرساله عليه (٣). قال في "المهمات": وتعبيره وتعبير الرافعي قاصران عن المعنى، والصواب: التعبير بعبارة تعمهما. ثالثها: مقتضى كلام الثلاثة: حل صيد المجنون والصبي والسكران، ويخالفه أن في "الروضة" وأصلها: أن الوجهين في الأعمى يجريان في اصطياد الصبي والمجنون (٤)، ومقتضاه: استواء الترجيح، لكن صحيح في "شرح المهذب": حل اصطيادهما (٥)، وقال الشافعي ﵁ عنه في "الأم": ولا بأس بصيد الصبي، حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" (٦). ٥٤٧٧ - قول "التنبيه" [ص ٨٢]: (ولا يحل من الحيوان المأكول شيء من غير ذكاة إلا السمك والجراد) قال في "شرح المهذب": لا يرد على الحصر الصيدُ الذي قتله جارحة أو سهم، وكذا الحيوان الذي يتردى في بئر أو يندُّ؛ فإنه يقتل حيث أمكن؛ فإن ذلك ذكاة لهما، قال: وكذا الجنين في بطن أمه؛ فإن ذكاة أمه ذكاة له كما ورد به الحديث (٧). وأورد ابن الرفعة على الحصر: ما لو خرج رأس ميتاً فذبحت الأم قبل انفصاله .. فإنه يحل كما قاله البغوي، ثم قال: وقد يمنع حله، وعبارة "المنهاج" [ص ٥٣٢]: (وتحل ميتة السمك والجراد ولو صادهما مجوسي) فلم يأت بحصر صريح. وأورد عليهما: أن مقتضى كلامهما: أن غير السمك من حيوان البحر لا تحل ميتته، وليس كذلك في الأصح، ويدل على انقسام حيوان البحر إلى السمك وغيره قول "المنهاج" في أول (الأطعمة) [ص ٥٣٩]: (حيوان البحر السمك منه حلال كيف مات، وكذا غيره في الأصح)، لكن

стр. 2143

الأصح في "أصل الروضة" و"شرح المهذب": أن اسم السمك يقع على جميع حيوان البحر (١). وأجيب عن عبارة "المنهاج": بأن المراد: ما ليس على صورة السمك المشهورة؛ بدليل قول الرافعي في "الشرح" والنووي في "شرح المهذب": وما ليس على صورة السمك المشهورة (٢). واستُثني من حل ميتة السمك مسألتان: أحدهما: إذا وجدت سمكة في جوف أخرى ميتة .. حلت، إلا أن تنقطع وتتغير في الأصح؛ لأنها كالروث والقيء. ثانيهما: في زيادة "الروضة" في تحريم الصيد على المحرم عن الروياني عن الأصحاب: أنه إذا قتل الجراد .. يحرم؛ ففي تحريمه على غيره قولان في ذبح المحرم الصيد (٣)، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المعتمد أنه لا يحرم على غيره، وفي زيادة "الروضة": أنه لو ذبح مجوسي سمكة .. حلت، وهو الموافق لقول "المنهاج" هنا [ص ٥٣٢]: (ولو صادهما مجوسي). ٥٤٧٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٢]: (وكذا المتولد من طعام؛ كخل وفاكهة إذا أكل معه في الأصح) ليس في "المحرر"، وقال في "الدقائق": إن "المحرر" أشار إلى هذا بقوله: (ما تحل ميتته كالسمك والجراد) فأشار إلى ميتة حلال سواهما (٤). وهذا يدل على أن "المنهاج" أراد بقوله: (وكذا الدود) يعني: ميتة الدود، ولم يتعين إرادة "المحرر" الدود؛ لأن الصيد الميت بالضغطة والجنين استثناهما الرافعي في الميتات؛ فالظاهر أنه أرادهما. ومقتضى كلام "المنهاج" و"الدقائق" تحريم أكله حياً مع الطعام، وليس كذلك، بل يحل، ولا يجيء فيه الخلاف في ابتلاع السمكة حية، ولولا كلامه في "الدقائق" .. لحمل على الأعم من كونه حياً وميتاً، والأليق ذكر هذا في الأطعمة، وقيد شيخنا في "تصحيح المنهاج" حل أكله معه بألَاّ ينقله أو يسحبه من موضع من الطعام إلى آخر، فإن فعل .. فكالمنفرد، فيحرم في الأصح. ٥٤٧٩ - قوله: (ولا يُقطع بعض سمكة، فإن فعل أو بلع سمكة حية .. حل في الأصح) (٥) فيه أمور:

стр. 2144

أحدها: قال شيخنا ابن النقيب: قوله: (ولا يقطع بعض سمكة) أي: يحرم هذا الفعل (١). قلت: يوافق ذلك قول "النهاية": لا شك أن ذلك غير سائغ؛ فإنه في معنى التعذيب (٢)، لكن عبارة الرافعي: لا ينبغي، وعبارة "الروضة": يكره (٣). ثانيها: قوله: (فإن فعل) أي: مع حياة الباقي، فإن لم يبق في الباقي حياة .. فلا خلاف في الحل، وكلام الرافعي يدل عليه. ثالثها: تعبيره بالأصح يقتضي أنه وجه، وقد حكاه الشيخ أبو حامد في صورة المتطوع عن نص "الأم". رابعها: الخلاف ضعيف جداً، كان ينبغي التعبير عنه بالصحيح إن لم يطلع على النص. خامسها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": مقتضاه: أن لنا وجهاً في ابتلاع السمكة حية: أنها لا تحل، وليس كذلك، بل هي حلال قطعاً، وإنما الخلاف في أن هذا الفعل هل يحرم؟ وكلام الرافعي يشهد له، ولكن ذكر الإمام والغزالي خلافه (٤)، وهو غير معروف. ٥٤٨٠ - قول "أصل المنهاج": (ولو تردى بعير ونحوه في بئر ولم يمكن قطع حلقومه .. فَكَنَادٍّ) (٥) يقتضي أنه كالناد في إرسال السهم والجارحة، وكذا يقتضيه إطلاق "الحاوي" قوله [ص ٦٢٤]: (وإرسال بصير جارحة) بعد قوله: (كإبل شرد أو تردى) وبه قال البصريون، لكن صحح الروياني: أنه لا يحل بإرسال الجارحة عليه، وقال الرافعي بعد حكايته عنه: ولك أن تتوقف فيه (٦)، واقتصر على نقله عنه في "الشرح الصغير" من غير ذكر هذا التوقف، ومن غير ذكر ترجيح البصريين، واستدركه في "المنهاج" فقال من زيادته [ص ٥٣٣]: (الأصح: لا يحل بإرسال الكلب، وصححه الروياني والشاشي). ونازعه في "المهمات" في النقل عن الشاشي، وقال: إنما نقل الشاشي تصحيحه عن الماوردي. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن ما صححه النووي مخالف لظواهر نصوص الشافعي ولمقتضى إطلاق كثير من الأصحاب ... ثم بسط ذلك، ثم قال: فالمذهب المعتمد: هو الحل. ٥٤٨١ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٣]: (ومتى تيسر لحوقه بعدوٍ أو استغاثة بمن يستقبله .. فمقدور

стр. 2145

عليه) يفهم أنه متى تعسر ذلك .. كان غير مقدور، وليس كذلك، بل لا بد من تحقق العجز عنه في الحال؛ ولذلك عبر "الحاوي" [ص ٦٢٤] بـ (المعجوز عنه). ٥٤٨٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٣]: (ويكفي في الناد والمتردي جرح يفضي إلى الزهوق، وقبل: يشترط مذففٌ) فيه أمران: أحدهما: لا يختص هذا الخلاف بالناد والمتردي، بل يجري في الوحشي بطريق الإصابة كما صرح به الإمام والغزالي (١). ثانيهما: هذا الخلاف إنما هو في الرمي، فأما في إرسال الكلب .. فلا يشترط التذفيف قطعاً. ٥٤٨٣ - قوله: (وإن مات بتقصيره؛ بألا يكون معه سكين أو غُصبت أو نشبت في الغِمد .. حرم) (٢) رجح شيخنا في "تصحيح المنهاج": الحل فيما إذا غصبت بعد الرمي، أو كان الغمد معتاداً غير ضيق فنشبت لعارض. ٥٤٨٤ - قوله: (ولو رماه فَقَدَّه نصفين .. حلَاّ) (٣) أي: قطعتين، ولا يشترط تساويهما، بل الشرط ألَاّ يبقى في واحدة منهما حياة مستقرة. ٥٤٨٥ - قوله: (فيما لو أبان منه عضواً بغير مذفف، ولم يتمكن من ذبحه ومات بالجرح .. حل الجميع، وقيل: يحرم العضو) (٤) تبع فيه "المحرر" (٥)، وصحح في "الروضة" و"الشرحين": تحريم العضو (٦)، وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص ٦٢٥]: (وللمبان بمذفف) وهو الحق؛ أنَّه أبين من حي؛ كقطع ألية شاة ثم ذبحها. ٥٤٨٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٣]: (وذكاة كل حيوان قدر عليه: بقطع كل الحلقوم - وهو مخرج النفس - والمريء؛ وهو مجرى الطعام) و"الحاوي" [ص ٦٢٤]: (تمام الحلقوم والمريء) تبعا في هذا التعبير الغزالي؛ فإنه عبر بتمام (٧)، ونبه الرافعي على أنه لا يحتاج إليه؛ فإنه إذا ترك بعضهما .. لم يكن قاطعاً لهما (٨)، ولهذا لم يذكر "التنبيه" هذه اللفظة، وعبر بالحلقوم والمريء (٩).

стр. 2146

ويرد عليهما: أنه يشترط مع ذلك أن يصادف القطع كون المذبوح ذا حياة مستقرة، قال الإمام: في ابتداء الذبح خاصة (١)، وفي أثناء كلام النووي ترجيحه (٢)، ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٢٤]: (المزهق حياة مستقرة) وقوة كلام الغزالي وغيره تقتضي اشتراط استقرار الحياة بعد القطع، وحكاه في "الكفاية" عن الماوردي والغزالي، وأنه مقتضى نصه في "المختصر" (٣). ٥٤٨٧ - قول "الحاوي" [ص ٦٢٤]: (وظناً، بشدة حركة، وانفجار دم، وآخر) أي: ولو كان وجود الحياة المستقرة بطريق الظن، وذلك بشدة حركة وانفجار دم وعلامات أخر، تبع فيه الإمام (٤)، وقال النووي: الأصح: الاكتفاء بشدة الحركة، وهو مقتضى كلام الرافعي (٥). ويستثنى من اعتبار استقرار الحياة: ما لو انتهى الحيوان بالمرض إلى حركة المذبوح .. فإن ذبحه كاف. ٥٤٨٨ - قول "التنبيه" [ص ٨٢]: (والمستحب أن يقطع الأوداج كلها) قال في "التحرير": أنكر عليه؛ لأنهما ودجان فقط (٦)، ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص ٥٣٣]: (ويستحب قطع الودجين، وهما: عرقان في صفحتي العنق). وأجيمب عن "التنبيه": بأن إطلاق لفظ الجمع على الاثنين مستعمل إما حقيقة أو مجازاً، وفي الرافعي: أنه يقال للحلقوم والمريء معهما: الأوداج، لكن لا يقال في قطع الحلقوم والمريء: إنه مستحب (٧). ٤٨٩ ء - قول "المنهاج" [ص ٥٣٣]: (ولو ذبحه من قفاه .. عصى، فإن أسرع فقطع الحلقوم والمريء وبه حياة مستقرة .. حل، وإلا .. فلا) كان ينبغي أن يقول: (فوصل إلى الحلقوم) لما قدمناه من أن العبرة بوجود الحياة المستقرة في ابتداء الذبح خاصة. ٥٤٩٠ - قول "التنبيه" [ص ٨٢]: (والمستحب أن ينحر الإبل ويذبح البقر والغنم)، قال في "المنهاج" [ص ٥٣٣]: (ويجوز عكسه) وظاهره بلا كراهة، وهو المشهور كما في "أصل الروضة" (٨).

стр. 2147

قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو ممنوع؛ فقد نص في "الأم" على الكراهة (١)، ولم أقف على النص على مقابله، وفي "الكافي" للروياني: المنصوص: أنه يكره، وقال بعض أصحابنا: لا يكره، وكأنه أشار به للشيخ أبي حامد، وجزم الماوردي بأنه أساء (٢). ٥٤٩١ - قولهما: (وأن يكون البعير قائماً معقول ركبةٍ) (٣) أي: اليسرى كما صرح به في شرح "المهذب" (٤). ٥٤٩٢ - قولهما: (والبقرة والشاة مضجعة لجنبها الأيسر) (٥) كذلك الخيل والصيود، قاله في "شرح المهذب" (٦). ٥٤٩٣ - قول "التنبيه" [ص ٨٢]: (ولا يذبح بسكين كال، فإن ذبح بها .. حل) هو مفهوم من استحباب "المنهاج" و"الحاوي" تحديد الشفرة (٧)، ومحل الحل: ألَاّ يكون كلالها غير قاطع إلا بشدة اعتماد وقوة الذابح، فإن كان كذلك .. لم يحل، ويشترط أيضاً: ألَاّ ينتهي الحيوان قبل استكمال قطع حلقومه ومريئه إلى حركة مذبوح. ٥٤٩٤ - قول "الحاوي" [ص ٦٢٦]: (ونُدب سرعة القطع) تبع الرافعي في استحبابه (٨)، لكن مقتضى إيراده في موضع آخر وجوبه. ٥٤٩٥ - قولهما: (ويوجه إلى القبلة ذبيحته) (٩) الأصح: أنه يوجه المذبح دون الوجه؛ ليمكنه هو أيضاً الاستقبال؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٢٦]: (وتوجيه المذبح). ٥٤٩٦ - قولهما: (وأن يقول: "باسم الله") (١٠) لا يختص ذلك بحالة الذبح، بل يسمى أيضاً عند الرمي إلى الصيد أو إرسال الكلب إليه؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٢٦]: (لدى فعله) أي: من الذبح أو الرمي أو الإرسال؛ لأنه ابتداء الفعل، ويتأدى الاستحباب أيضاً بالتسمية عند عض الجارحة أو إصابة السهم، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص ٦٢٦]: (أو العض أو الإصابة)،

стр. 2148

وقوله: (وندب تسمية الله تعالى وحده) (١) أي: لا يقول: باسم الله، واسم محمد، كما صرح به "المنهاج" (٢) فإن ذلك لا يجوز، وقال الرافعي: إن أراد: أذبح باسم الله وأتبرك باسم محمد .. فينبغي ألَاّ يحرم، وقول من قال: لا يجوز يحمل على كراهة اللفظة، قال: وتنازع جماعة من فقهاء قزوين فيه، هل تحل ذبيحته أم لا؟ وهل يكفر أم لا؟ والصواب ما بيناه (٣). ولم يرد "الحاوي" الاحتراز بذلك عن الصلاة على النبي ﷺ ؛ فإنها مستحبة كما صرح به "التنبيه" و"المنهاج"، ومقتضى كلامهما: أنها من سنن الذبح. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والذي قاله الشافعي في "الأم": (والتسمية على الذبيحة باسم الله، فإذا زاد بعد ذلك شيئاً من ذكر الله .. فالزيادة خير، ولا أكره مع تسميته على الذبيحة أن يقول: صلى الله على رسول الله، بل أحبه له، وأحب له أن يكثر الصلاة عليه ﷺ في كل الحالات) (٤)، وبسط ذلك، قال شيخنا: وقصد الشافعي بذلك المبالغة في مخالفة مالك في قوله: لا يصلي على النبي ﷺ مع التسمية على الذبيحة، لا أنه أثبت أن ذلك سنة من سنن الذبح، ولا توقف أن الإكثار من الصلاة والسلام عليه مطلوب، وإنما الكلام في السنن في محل خاص، ولم يذكر الشافعي ذلك في الوضوء والتيمم والغسل ونحوها. فصَلٌ [في بعض شروط الآلة والذبح والصيد] ٥٤٩٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٤]: (يحل ذبح مقدور عليه) كذا في "المحرر" (٥)، ولو عبر كما في "الروضة" بقوله: (لا يحل مقدور عليه إلا بالذبح في الحلق أو اللبة) (٦) .. لكان أصوب وأحسن. ٥٤٩٨ - قول "التنبيه" [ص ٨٢]: (ويجوز الذبح بكل ما له حد يقطع إلا السن والظفر) مقتضاه: جواز الذبح بسائر العظام، وليس كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٥٣٤]: (إلا ظفراً وسناً وسائر العظام) و"الحاوي" [ص ٦٢٤]: (بجارح لا عظم)، وقال في "شرح المهذب": ينكر على "التنبيه" قوله: (إلا السن والظفر) لاقتضائه جواز الذبح بالعظام المحددة سوى السن،

стр. 2149

وهذا لا يجوز بلا خلاف؛ فكان حقه أن يقول: إلا العظم والظفر أو إلا الظفر والسن وسائر العظام (١)، لكنه قال في "تصحيحه": الأصح: أن الذبح بالعظم لا يجزئ (٢)، وذلك بدل على وجود الخلاف فيه، وظاهر نص "الأم" و"المختصر" الإجزاء في بقية العظام؛ فإنه لم يستثن فيهما سوى الظفر والسن (٣)، وحكاه الماوردي عن الشافعي ﵁ صريحاً أنه قال فيمن ذبح بالعظم: كرهته، ولا يبين لي أن يحرم؛ لأنه لا يقع عليه اسم سن ولا ظفر، قال الماوردي: وفيه عندي نظر (٤). وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": بل هذا النص هو المذهب المعتمد، وهو مقتضى نص "الأم" و"المختصر"، وعليه العمل في الطريقين. انتهى. وفي الرافعي: لو ركب عظم على سهم وجعل نصلاً له فقتل به صيداً .. لم يحل، وعن "الحاوي": أن الشافعي قال: كرهته لي، ولا يبين لي أن يحرم (٥)، ولم يذكر في "الروضة" المحكي عن "الحاوي"، وقال: لم يحل على المشهور (٦)، وقد عرفت أن الذي في "الحاوي" عن الشافعي: حل الذبح بالعظم مطلقاً، سواء جعل نصل سهم وقتل به صيداً أم لا. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": قول "الروضة": (على المشهور) يقتضي إثبات قولين، ومن أثبت قولين في ذلك. قال في "الكفاية": ويستثنى من السن والظفر: ما قتله الكلب بظفره ونابه. قلت: لا يصح الاستثناء؛ لأن الكلام في الذبح، وقتل الكلب بظفره ونابه ليس من الذبح؛ ولهذا قال النشائي: وفي إيراده على لفظ الذبح بُعْدٌ مع أنه يأتي في الكتاب (٧). ٥٤٩٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٤]: (فيما لو جرحه نصل وأثر فيه عُرْضُ السهم في مروره ومات بهما .. حَرُمَ) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ممنوع؛ فإنه إذا جرحه النصل ثم مر السهم فأثر فيه عرضه .. كان ذلك من ضرورة الرمي، فأشبه ما لو خرق بالنصل ونفذ السهم من ذلك الخرق؛ فإن مثل هذا لا يؤثر قطعاً، والذي في "الروضة" وأصلها: أن يصيب الصيد طرف من النصل، فيجرحه، ويؤثر فيه عُرْضُ السهم في مروره (٨)، وهذا يمكن القول بتحريمه، والمعتمد

стр. 2150

عندنا في ذلك: أن كلاً من التصويرين لا تحريم فيه إذا كان الجرح لو انفرد .. كان مؤثراً، وأيضاً فقد يكون عرض السهم رقيقاً بحيث يكون محدداً، ولا توقف في حِله، وما ذكره الرافعي والنووي لم أقف عليه في كلام غيرهما، ونص "الأم" يقتضي خلافه. ٥٥٠٠ - قوله: (أو أصابه سهم فوقع بأرض أو جبل ثم سقط منه) (١) لو عبر بدل أرض بسطح كما في "المحرر" (٢) .. لكان أولى؛ لأن المتبادر إلى الفهم منه: وقع بأرض ولم ينتقل عنها، وأن قوله: (ثم سقط منه) يعود للجبل؛ لإفراده الضمير، وقد قال عقبه: (أنه لو أصابه سهم بالهواء فسقط بأرض ومات .. حل) (٣) فإن حمل كلامه أولاً على أنه وقع بأرض عالية ثم سقط منها .. فليس في عبارته ما يدل عليه، ثم هنا أمران: أحدهما: أن عبارة "المحرر": (فتدهور منه) (٤)، ويفهم من ذلك التكرر، بخلاف لفظ السقوط، وقد جعل أبو الفرج الزاز موضع التحريم ما إذا كثر ترديه، وحكى فيما إذا لم يسقط إلا مرة واحدة وجهين، وقال: الظاهر أنه لا يحرم. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو مقتضى كلام غيره؛ لأنهم يصورن هذا بالتدهور، وكذا في "الروضة" تبعاً لـ" الشرح" (٥)، ولكن ظاهر نص "الأم" يخالفه؛ فإنه قال: (لو وقع على جبل فتردى من موضعه الذي وقع عليه قليلاً أو كثيراً .. كان متردياً لا يؤكل) (٦)، فمقتضى هذا: أن عبارة "المنهاج" جيدة. انتهى. ولهذا أطلق "التنبيه" التردي (٧). ثانيهما: محل ذلك: ما إذا لم يَنْتَه الصيد بإصابة السهم إلى حركة المذبوح، فإن كان كذلك .. لم يكن لما يعرض بعده أثر. ٥٥٠١ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٤]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٦٢٥]: (ولو أصابه سهم بالهواء فسقط بأرض ومات .. حل) فيه أمران: أحدهما: محل ذلك: إذا جرحه السهم في الهواء جرحاً مؤثراً، فلو لم يجرحه، بل كسر جناحه، أو جرحه جرحاً لا يؤثر فعطل جناحه فوقع ومات .. لم يحل.

стр. 2151

ثانيهما: قد يخرج بقوله: (فسقط بأرض) ما لو سقط بماء، ويوافقه قول "التنبيه" [ص ٨٣]: (وإن رمى صيداً فأصابه السهم ووقع في ماء فمات .. لم يحل) ومحله: في غير طير الماء؛ ففي "أصل الروضة" فيما إذا رمى طير الماء: إن كان على وجه الماء فأصابه ومات .. حل، والماء له كالأرض، وإن كان خارج الماء ووقع فيه بعد إصابة السهم .. ففي حله وجهان، ذكرهما في "الحاوي"، وقطع في "التهذيب" بالتحريم، وفي "شرح مختصر الجويني" بالحل، فلو كان الطائر في هواء البحر .. قال في "التهذيب": إن كان الرامي في البر .. لم يحل، وإن كان في سفينة .. حل. انتهى (١). وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" فيما إذا كان الطير في هواء الماء عن أبي الفرج الزاز عن عامة الأصحاب: أنه لا يحرم، قال شيخنا: وهو الصحيح سواء كان الرامي في البر أم البحر، وحمل قوله ﵊ في حديث عدي بن حاتم - وهو في "صحيح مسلم" -: "وإن وجدته قد وقع في الماء .. فلا تأكله" (٢) على غير طير الماء، أو على طيره الذي لا يكون في هوائه. ٥٥٠٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٤]: (ويحل الاصطياد بجوارح السباع والطير) المراد به: أن ما أخذته بشرطه الآتي يحل أكله، وتعبير "التنبيه" و"الحاوي" يدل على ذلك، فأما الاصطياد بمعنى إثبات الملك .. فلا يختص بذلك، بل يحصل بأي طريق تيسر. ٥٥٠٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٤]: (ككلب وفهد وباز وشاهين) كذلك النمر، قال في "شرح المهذب": وقوله في "الوسيط": (فريسة الفهد والنمر حرام) غلط مردود، وليس وجهاً في المذهب، بل هما كالكلب، نص عليه الشافعي وكل الأصحاب، وقول الإمام: إن النمر يَبعُد تعلمه؛ لعدم انقياده، فإن تصور نادراً .. فكالكلب، لا يخالف ما قدمناه (٣). ٥٥٠٤ - قوله "التنبيه" [ص ٨٢]: (وإن علم جارحة بحيث إذا أغراه على الصيد .. طلبه، وإذا أشلاه .. استشلى، وإذا أخذ الصيد .. أمسكه على صاحبه وخلى بينه وبينه) إلى أن قال: (حل) فيه أمور: أحدها: فُسّر الإشلاء في كلامه: بأن يدعو الصيد للعود؛ ويدل لذلك ذكره له في مقابله الإغراء، لكن الشافعي في "الأم" و"المختصر" استعمله بمعنى الإغراء فقال: (أن يُدعى فيجيب، ويُشلى فيطير) (٤).

стр. 2152

وكلام أهل اللغة يوافق الأول، قال في "الصحاح": قال ثعلب: وقول الناس: أشليت الكلب على الصيد، خطأ، وقال أبو زيد: أشليت الكلب: دعوته، وقال ابن السكيت: لا يقال: أشليته؛ أي: بمعنى أغريته، إنما الإشلاء: الدعاء، ثم قال: وقول زياد الأعجم: أتينا أبا عمرو فأشلى كلابه ... علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل يُروى: فأغرى كلا به. انتهى (١). وفي "المحكم": أشليت الشاة والكلب: دعوتهما باسمَيْهما؛ وكذلك استشليتهما، وأشلى دابته إذا أراها المخلاة لتأتيه، وأشليت الناقة إذا دعوتها لتحلبها. انتهى (٢). وعبر "المنهاج" و"الحاوي" عن ذلك بالانزجار (٣)، وهو واضح. ثانيها: مقتضاه: اعتبار الاستشلاء، وهو الانزجار في جارحة السباع والطير، وهو مقتضى كلام "الحاوي" أيضاً (٤)، لكن قال الإمام: لا مطمع في انزجار جوارح الطير بعد الطيران (٥)، وعليه مشى "المنهاج" تبعاً لـ"المحرر" (٦)، لكن مقتضى تعبيره: أنه لا يشترط في جارحة الطير شيء من هذه الشروط؛ حيث قال: (بأن تنزجر جارحة السباع بزجر صاحبه وتسترسل بإرساله، وتمسك الصيد ولا تأكل منه) (٧) لكن لا شك في اعتبار الاسترسال بإرساله في جارحة الطير أيضاً، والأظهر أيضاً: اشتراط ترك الأكل منها، وقد ذكره "المنهاج" عقبه؛ فدل على أن ما اقتضاه تعبيره غير مقصود، وإنما قصد تخصيص الانزجار بجارحة السباع، لكن عبارته لا تؤديه؛ فكان حقه تقديم المشترك بينهما، ثم ذكر المقيد بجارحة السباع بعده على أن نص الشافعي ﵁ في "الأم" مصرح بخلاف مقالة الإمام؛ فإنه قال بعد ذكر جارحة السباع والطير: (أن يُجمع أن يُدعى فيجيب، ويُستشلى فيطير، ويأخذ فيَحْبِس)، وفي "مختصر المزني" نحوه (٨). قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولم يخالف أحد من الأصحاب هذا النص، واعتبر في "البسيط" الانزجار في الطير أيضاً، ثم ذكر مقالة الإمام بلفظ: قيل.

стр. 2153

ثالثها: المراد بإمساك الصيد: ألَاّ تخليه يذهب، وقد ذكره "المنهاج" أيضًا (١) وأهمله "الحاوي"، ولا بد منه. رابعها: الظاهر أنه أراد بتخليته بينه وبين عدم الأكل منه، وقد صرح باعتباره "المنهاج" و"الحاوي"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وإنما يمنع إذا كان عقب القتل أو قبله مع حصول القتل، فاما إذا كان أكل بعد أن أمسكه وقتله، أو أكل ولم يقتله .. فإن هذا لا يضر في التعليم كما لا يؤثر في تحريم ما أكل منه لو جرى ذلك بعد التعليم، ولم يتعرضوا لذلك هنا، ومقتضى تعبير "المنهاج" الجزم في جارحة السباع باعتبار عدم الأكل منه، وحكاية القولين في جارحة الطير، وحكى في "أصل الروضة" الخلاف فيهما، إلا أنه عبر في السباع بالمشهور، وفي الطير بالأظهر (٢)، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا نعرف الخلاف في ذلك في شيء من كلام الشافعي. خامسها: لم يذكر للتعليم حداً، وفي "المنهاج" [ص ٥٣٤]: (يشترط تكرر هذه الأمور بحيث يظن تأدب الجارحة) قالوا: والرجوع في عدد ذلك إلى أهل الخبرة بطباع الجوارح، ومقتضى كلام البغوي والغزالي: اعتبار ذلك ثلاث مرات (٣)، وقد يشير إليه قول "الحاوي" [ص ٦٢٤]: (مراراً). ٥٥٠٥ - قول "التنبيه" [ص ٨٢]: (وإن أكل الجارحة من الصيد .. ففيه قولان) الأظهر: أنه يحرم؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ٥٣٤]: (ولو ظهر كونه معلماً ثم أكل من لحم صيد .. لم يحل ذلك الصيد في الأظهر) و"الحاوي" [ص ٦٢٦]: (لا ما أكل منه). قال الإمام: وددت لو فُصّل بين أن يأكل بنفس الأخذ أو ينكف زماناً ثم يأكل، لكن لم يتعرضوا له (٤). قال النووي: فصل الجرجاني وغيره فقالوا: إن أكل عقب القتل .. فالقولان، وإلا .. حل قطعاً (٥)، وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن الشيخ أبي حامد والدارمي والماوردي، قال: وهو مقتضى كلام ابن الصباغ، وصرح به في "البيان" (٦)، قال: ويلحق بهذا ما إذا أمسكه وأكل منه ولم يقتله .. فإنه لا يحرم قولاً واحداً. انتهى.

стр. 2154

وفهم من كلامهما: أنه لا ينعطف التحريم على ما اصطاده قبله، وهو كذلك، وقد يفهم من عبارة "المنهاج" أن الذي يأكل منه بعد هذا الصيد حرام قطعاً، وليس كذلك، إلا أن يصير الأكل له عادة .. فيحرم ما أكل منه الآن جزماً، وفي تحريم ما أكل منه من قبل وجهان، قال في "الروضة" وأصلها: قد يرجح منهما التحريم (١)، وجعله في "الشرح الصغير" أقوى؛ ولهذا قال في "الحاوي" [ص ٦٢٦]: (وما قبله إن اعتاد) وقد يخرج بتعبير "المنهاج" باللحم: الحشوة، وهي طريقة؛ لأنها غير مقصودة، والأصح: أنه على القولين؛ فلذلك أطلق "التنبيه" و"الحاوي" الأكل منه. ٥٥٠٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٤]: (ويشترط تعليم جديد) أورد عليه شيخنا في "تصحيح المنهاج" أنه إن كان مفرعاً على القولين .. خالف المنقول؛ فإنه إنما يحتاج إلى الاستئناف عقب هذه المرة إذا فرعنا على التحريم، وإن كان مفرعاً على الأظهر .. اقتضى أن على مقابله لا يشترط تعليم جديد مطلقاً، وليس كذلك، بل متى فرعنا على مقابل الأظهر وتكرر الأكل بحيث يصير عادة له، أو اكتفينا بالتكرر مرتين أو ثلاثاً .. احتاج إلى استئناف التعليم على هذا القول أيضاً. ٥٥٠٧ - قول "التنبيه" [ص ٨٢، ٨٣]: (وإن كان الجارحة كلباً .. غسل موضع الظفر والناب) يجب تتريبه أيضاً وقد ذكره "المنهاج" (٢)، ومرادهما: الغسل سبعاً، وقد صرح "الحاوي" بذلك في الطهارة (٣)، وتعبير "المنهاج" يفهم أنه لا خلاف في نجاسته، وليس كذلك؛ فالخلاف فيه في "الروضة" وأصلها، ومقتضى تعبيره بالأصح أن الخلاف في العفو (٤) وجهان، وكذا حكاه الرافعي عن أكثرهم، قال: وقال الصيدلاني: قولان منصوصان (٥)، ورجحه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: إن في "الأم" كلاماً يشهد له (٦). ٥٥٠٨ - قول "التنبيه" [ص ٨٢]: (وإن قتل الجارحة الصيد بثقلها .. ففيه قولان) الأظهر: الحل، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٧)، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": جزم الشافعي ﵁ في "مختصر البويطي" بالتحريم، فهو مذهبه، واختاره المزني، والعمل به أولى من العمل بمقابله، قال: ومحل الخلاف: ما إذا لم تجرح الصيد، فإن جرحت ثم تحاملت

стр. 2155

عليه وقتلته .. حل بلا خلاف، وكلام "الروضة" وأصلها يدل لذلك (١)، ونص عليه في "الأم" و"المختصر" (٢). ٥٥٠٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٥]: (فيما لو استرسل كلب بنفسه فأغراه صاحبه فزاد عدوه .. لم يحل في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في "الأم" (٣)، حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، قال: ومحله: ما إذا لم ينعرج، فإن انعرج .. حل، نص عليه في "الأم", ولم أر من تعرض له من الأصحاب. قلت: في "أصل الروضة": أنه لو زجره صاحبه لما استرسل، فانزجر ووقف، ثم أغراه فاسترسل وقتل الصيد .. حل بلا خلاف، فانعراجه هو معنى انزجاره ووقوفه، قال في "أصل الروضة": فإن كان الإغراء وزيادة العدو بعد ما زجره فلم ينزجر .. فعلى الوجهين، وأولى بالتحريم، وبه قطع العراقيون (٤). ٥٥١٠ - قوله: (ولو أرسل سهماً لاختبار قُوَّته أو إلى غرضٍ فاعترض صيد فقتله .. حرم في الأصح) (٥) يقتضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، بل هو قولان، والأصح: منصوص "الأم" و"المختصر"، حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، قال: وقوله: (فاعترض صيد) إنه قيد لمحل الوجهين وإنه لو كان هناك صيد .. حل، وليس كذلك، وإنما المعتبر أن ينوي أنه يصطاد كما نص عليه في "الأم" و"المختصر" (٦)، وفي "أصل الروضة" من صور الخلاف: ما إذا كان يرى الصيد ولكن رمى إلى الهدف أو ذئب ولا يقصد الصيد (٧). ٥٥١١ - قول "التنبيه" [ص ٨٣]: (وإن أرسل كلباً - أي: على شيء يحسبه حجراً فكان صيداً - .. فقد قيل: يحل، وقيل: لا يحل) الأصح: الحل، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٦٢٥]: (وظن ثوباً وبشراً وخنزيراً). ٥٥١٢ - قول "التنبيه" [ص ٨٣]: (وإن أرسل كلباً أو سهماً على صيد فقتل غيره .. حل) و"المنهاج" [ص ٥٣٥]: (وإن قصد واحدة فأصاب غيرها .. حلت في الأصح) و"الحاوي" [ص ٦٢٥]: (أو نوعه) قال في "المهمات": هو خلاف ما نص عليه الشافعي في "البويطي" فقال:

стр. 2156

وإن نوى صيداً بعينه في جماعة صيد فقتل غيره .. فلا يأكل، وقد قيل: يأكل. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الذي صححه منصوص "الأم" و"المختصر" (١)، ومقابله نص عليه في "البويطي" فالخلاف قولان. ٥٥١٣ - قول "التنبيه" [ص ٨٣]: (وإن أصاب صيداً فجرحه جرحاً لم يقتله ثم كاب عنه فوجده ميتاً .. حل في أحد القولين، ولا يحل في الآخر) الأظهر كما في "المنهاج": التحريم (٢)، وعليه مشى "الحاوي" (٣)، وذكر الرافعي أن أصحابنا العراقيين وغيرهم إلى ترجيحه أميل (٤)، لكن في "الروضة" من زيادته: أن الحل أصح دليلاً، وثبتت فيه أحاديث صحيحة، ولم يثبت في التحريم شيء، وقد علق الشافعي الحل على صحة الحديث (٥)، وعبر عنه في "التصحيح" بالمختار (٦)، وفي "شرح المهذب" بالصحيح أو الصواب (٧)، وفي "شرح مسلم" بأنه أقوى وأقرب إلى الأحاديث الصحيحة (٨). وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن المذهب المعتمد هو التحريم كما هو الأصح عند جمهور الأصحاب من العراقيين، وقول النووي: إنه لم يثبت في التحريم شيء، ممنوع؛ ففي "سنن البيهقي" بطريق حسنة في حديث عدي بن حاتم: "إذا رأيت سهمك فيه ولم تر فيه أثراً غيره وتعلم أنه قتله" (٩) فهذا تقييد لبقية الروايات المطلقة، وهو دال على التحريم في محل النزاع، وصحح في "الروضة" من زيادته في المحرم يجرح الصيد ثم يغيب عنه ثم يجده ميتاً، ولم يدر أمات بجراحته أو بحادث: أنه يغرم أرش الجرح (١٠)، وقياس ما صححه هنا من الحل: أنه يلزمه الجزاء كاملاً إحالة على السبب الظاهر، فإن قيل: الغرم لا يثبت إلا بيقين .. قلنا: وكذلك الحل. انتهى. ويوافق التحريم في المدرك ما إذا مشط المحرم رأسه فانتتف منه شعر وشك هل انتتف بالمشط أم كان منتتفاً؛ فإن الأصح: أنه لا فدية، ولم يحيلوه على السبب، كما أن المحرم هنا لم يحمل

стр. 2157

الموت على السبب الظاهر، وهو جرح السهم، ويوافق الحل تصديق الولي في قد الملفوف والتنجيس في وجود الماء متغيراً بعد بول ظبية فيه؛ للإحالة على السبب الظاهر فيهما. واعلم: أن محل الخلاف ما إذا لم يكن قد أنهاه بالجرح إلى حركة مذبوح، فإن كان كذلك .. حل قطعاً، وعليه يدل قول "التنبيه" [ص ٨٣]: (فجرحه جرحاً لم يقتله) ومحل الخلاف أيضاً ما إذا لم يجد فيه غير جرحه، فإن وجده في ماء أو بجراحة أخرى .. حرم قطعاً. فصَلٌ [فيما يملك به الصيد] ٥٥١٤ - قول "التنبيه" [ص ٨٣]: (وإن أخذ صيداً أو أزال امتناعه .. ملكه) اقتصر "الحاوي" على الثاني؛ لفهم الأول منه بطريق الأولى، فقال: (والصيد يملك بإبطال منعتِهِ) (١)، وفصله "المنهاج" بقوله [ص ٥٣٥]: (يملك الصيد بضبطه بيده، وبجرح مذففٍ، وبإزمانٍ وكسر جناحٍ، وبوقوعه في شبكة نصبها، وبإلجائه إلى مضيق لا يفلت منه) وبقي عليه من الصور: أن يرسل كلباً على صيد فيثبته فيملكه، جزم به في "الروضة" (٢)، وهنا أمور: أحدها: أن محل هذا إذا لم يكن عليه أثر ملك؛ كوشم وقص جناح وقرط ونحوها، فإن كان كذلك .. لم يملكه. ثانيها: لا يخفى أن محل هذا في غير صيد الحرمين، وفي غير المحرم. ثالثها: ومحله أيضاً في غير المرتد؛ فصيد المرتد موقوف بناء على الأصح أن ملكه موقوف، فإن عاد إلى الإسلام .. تبين أنه ملكه من حين الأخذ، وإلا .. فهو باق على الإباحة، قاله المتولي، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المعتمد: أنه لأهل الفيء وإن فرعنا على زوال ملكه، وهو الذي قال الرافعي: إنه أشبه الأقوال (٣)، فقال المتولي: هو على الإباحة، وقال الإمام: ظاهر القياس: أنه لأهل الفيء. رابعها: تعبير "المنهاج" بالبناء للمفعول أحسن من تعبير "التنبيه" و"الحاوي" لأنه يدخل فيه المالك في صيد العبد غير المكاتب، والموكل في صيد الوكيل بناء على صحة التوكيل في الاصطياد، وهو الأصح، بخلاف تعبيرهما؛ فإن مقتضاه: ملك العبد والوكيل، ولو كان الآخذ غير مميز .. أمره غيره بالأخذ، ففيمن له الملك؟ وجهان في "تعليق القاضي حسين"، والمذكور

стр. 2158

في "التهذيب" و"البحر": أنه للآخذ، ذكره في "الكفاية". خامسها: أطلق "المنهاج" كسر الجناح، ومحله: فيما إذا عجز عن الطيران والعدو جميعاً، ويكفي للملك إبطال شدة العدو وصيرورته بحيث يسهل لحاقه. سادسها: وأطلق أيضاً وقوعه في شبكة نصبها، ولا بد أن يكون نصبها للصيد، وكذا هو في "المحرر" و"الروضة" وأصلها (١)، وألَاّ يقدر على الخلاص منها، فلو تخلص بقطعه الشبكة .. عاد للإباحة، فيملكه من اصطاده، وإلا .. لم يزل ملكه عنه، ذكره الماوردي (٢)، وقال في "الوسيط": لو أفلت من الشبكة .. لا يزول ملكه عنه على الصحيح (٣). ٥٥١٥ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٥]: (ولو وقع صيد في ملكه وصار مقدوراً عليه بتوحل وغيره .. لم يملكه في الأصح) فيه أمران: أحدهما: لا يتقيد ذلك بأن تكون الأرض ملكه، بل لو كانت مستأجرة أو مستعارة أو مغصوبة وهي تحت يد الغاصب .. كان الحكم كذلك، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقد يتوقف في الغاصب إلا أن يكون له في الأرض المغصوبة مزرعة وتوحل فيها، وقد عبر في "أصل الروضة" بقوله: (لو توحل صيد بمزرعته) (٤) وهو يقتضي ما ذكرناه، فلو غصب أرضاً ولم يزرع بها شيئاً فجاءت الأمطار فصيرتها ذات توحل .. فكيف يجري وجه بأن الصيد المتوحل للغاصب؟ ! ثانيهما: قال الإمام: محل الخلاف: ما إذا لم [يكن] (٥) سقي الأرض بما يقصد به توحل الصيود، وإلا .. فهو كنصب الشبكة، وكلام الروياني يقتضيه، كذا في "أصل الروضة" هنا (٦)، لكنه حكى في (إحياء الموات) عن الإمام عكسه (٧)، كذا في "المهمات". وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا تناقض بينهما؛ فالمذكور في الإحياء قصد التملك، والمذكور هنا أن يكون التوحل مما يقصد به في العادة الاصطياد، ويوافق الأول قول "الحاوي" [ص ٦٢٦]: (كأن عشش في بنائه بقصده). ٥٥١٦ - قوله: (ودونه - أي: دون القصد - وإلى واسع كالتحجر) (٨) يقتضي أولوية صاحب

стр. 2159

الدار، وأن غيره لو أخذه .. ملكه كما في "البحر"، وهو مقتضى كلام "أصل الروضة" هنا (١)، وصححه من زيادته في أوائل (إحياء الموات) (٢)، لكنه صحح خلافه في أواخر (الوليمة) (٣)، وفي "الوسائل" لأبي الخير بن جماعة: أنه لو استأجر سفينة فدخل فيها سمك .. فهل هو للمستأجر؛ ليده وملكه منفعتها، أو للمالك؛ لأن هذه ليست من المنافع التي تقع الإجارة عليها؟ وجهان. ٥٥١٧ - قول "التنبيه" [ص ٨٣]: (ومن ملك صيداً ثم أرسله .. لم يزل ملكه عنه في أصح الوجهين) و"المنهاج" [ص ٥٣٥]: (وكذا بإرسال المالك له في الأصح) زاد في "الروضة" أنه المنصوص (٤)، وهو وهم؛ فإن المنصوص: زواله إن قصد إخراجه عن ملكه، ذكر الروياني في "التجربة" أن الشافعي نص عليه في "المبسوط" ولذلك حكاه الرافعي (٥)، فكيف يفتى بخلاف النص؟ ! وهذا وارد على قول "الحاوي" أيضاً [ص ٦٢٧]: (وإن أفلت) وذكر النشائي أن لفظ "التنبيه": (في أصح القولين) ثم قال: المشهور وجهان كما في "المهذب". انتهى (٦). وذكر بعضهم أنهما قولان مخرجان للأصحاب، ثم محل الخلاف في مالك مطلق التصرف، فأما الصبي أو المجنون أو المحجور عليه بسفه أو فلس أو المكاتب الذي لم يأذن له سيده .. فإنه لا يزول ملكه قطعاً، فلو قال مطلق التصرف عند إرساله: أبحته لمن يأخذه .. فلمن أخذه أكله بلا ضمان، لكن لا ينفذ تصرفه فيه. ٥٥١٨ - قول "الحاوي" [ص ٦٢٧]: (كان أعرض عن كسرَةٍ) أي: فإنه لا يزول ملكه عنها، تبع فيه الرافعي (٧)، وقال النووي: الأرجح: أنه - أي: الآخذ - يملك الكسرة والسنابل ونحوها، ويصح تصرفه فيها بالبيع وغيره، وهذا ظاهر أحوال السلف (٨). ٥٥١٩ - قوله: (لا جلد ميتة) (٩) أي: لو أعرض عن جلد ميتة فأخذه غيره ودبغه .. مَلَكَه، كذا صححه في "الروضة" وغيرها (١٠)، والرافعي إنما قال: إنها أولى بثبوت الملك للآخذ من

стр. 2160

مسألة الكسرة ونحوها؛ لأنه لم يكن ملكاً للأول، وإنما كان له نوع اختصاص، والاختصاص المجرد يضعف بالإعراض (١). ٥٥٢٠ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٥]: (ولو تحول حمامه إلى برج غيره .. لزمه رده) أي: لزم ذلك الغير رده، لا بد من تقييد؛ بأن يأخذه ذلك الغير، كما هو في عبارة الشافعي ﵁ في "المختصر" (٢) فإنه إذا لم يأخذه .. لم يدخل تحت يده وبتقدير دخوله تحت يده .. فهو كتطيير الريح ثوباً إلى داره، فهو أمانة شرعية لا يلزم ردها بحيث يباشر ذلك ويتحمل مؤنته، وإنما عليه إعلام المالك بذلك، وتمكينه من أخذه كالوديعة الاختيارية. ٥٥٢٠/ ١ - قوله: (فإن اختلط وعسر التمييز .. لم يصح بيع أحدهما وهبته شيئاً منه لثالث) (٣) فيه أمران: أحدهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه كلام فيه نقص؛ لأن الصورة: تحول حمامه إلى برج غيره، فلا يصح بيع صاحب البرج الذي وقع فيه الاختلاط، وتمام التصوير: فإن انتقل من حمام كل واحد منهما إلى برج صاحبه واختلط وعسر التمييز. قلت: لا نقص في تصوير "المنهاج" فقد حصل الاختلاط في هذا البرج، فلا يختص الحكم بصاحب البرج لوجود حمام للآخر فيه، ولا يحتاج في تمام التصوير إلى حصول اختلاط في برجين، والله أعلم. ثانيهما: قال شيخنا أيضاً: محله: ما إذا باع أو وهب شيئاً معيناً بالشخص، ثم لم يظهر أنه ملكه؛ ولهذا وَجّهُوا إبطال ذلك بأنه لا يتحقق الملك فيما باعه، فأما إذا باع شيئاً معيناً بالجزء؛ كنصف ما يملكه، أو باع جميع ما يملكه والثمن فيهما معلوم .. صح؛ لأنه يتحقق الملك فيما باعه، وحل المشتري هنا محل البائع، كما لو باعا من ثالث مع جهل الأعداد .. فإنه يصح كما سيأتي إذا كان الثمن معلوماً، ويحتمل الجهل في المبيع للضرورة. قلت: الفرق بينهما أن جملة المبيع للمشتري معلومة، وما يلزمه لكل منهما من الثمن معلوم، وإن لم يعلم قدر ما اشتراه من كل منهما، فاغتفر الجهل بذلك للضرورة، مع أنه لا يترتب على الجهل به مفسدة، فلا يلزم من اغتفار الجهل به اغتفار الجهل بجملة ما اشتراه المشتري، والله أعلم. أما لو باع أو وهب شيئاً معيناً بالشخص الثالث ثم ظهر أنه ملكه .. فإنه يصح، وهو أولى بالصحة مما لو باع مال أبيه على ظن حياته فبان موته.

стр. 2161

٥٥٢١ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٥]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٦٢٨]: (ويجوز لصاحبه في الأصح) نازع فيه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: إنه ليس بصحيح. ٥٥٢٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٥]: (فإن باعاهما والعدد معلوم والقيمة سواء .. صح، وإلا .. فلا) فيه أمور: أحدها: ما ذكره من البطلان عند الجهل بعدد ما لكل منهما جزم به الرافعي والنووي في كتبهما (١)، وحكاه ابن الرفعة عن الإمام فقط، فقال: والوجه عندي: عدم الصحة، قال: فالطريق أن يقول كل منهما: بعتك الحمام الذي لي في هذا البرج بكذا، فيكون الثمن معلوماً، ويحتمل جهل المبيع للضرورة، كذا في "النهاية": (الحمام الذي لي) (٢)، وليس في "الروضة" و"الشرحين" لفظة: (لي) (٣)، ولا بد منها؛ ولهذا التصوير قال "الحاوي" [ص ٦٢٨]: (أو باع بعلم القيمة) فهذا يتناول ما إذا علم كل منهما عدد ما له، وما إذا لم يعلم لكنه باعه بثمن معين، وهذه واردة على "المنهاج"، وهي مشكلة؛ لأن مقتضى كلامهم: أنه إذا ابتدأ بذلك أحدهما .. كانت صحته موقوفة على الآخر، وهو خلاف القواعد. ثانيها: مقتضى كلامه: أنه إذا عُلم العدد ولم تستو القيم .. لم يصح، وقد أكَّدَه بقوله: (وإلا .. فلا) فإنه صريح في البطلان عند فقد أحد الأمرين، وهو مقتضى كلام "الروضة" أولاً؛ فإنه اعتبر الوصفين، لكنه لم يتكلم بعد ذلك إلا على جهل العدد، وقال شيخنا ابن النقيب: إن ما اقتضته عبارة "المنهاج" في ذلك ظاهر (٤)، لكن قال في "المهمات": إن اشتراط تساوي القيمة لا معنى له مع اشتراط توزيع الثمن على أعدادها. قلت: ولا يرد ذلك على "المنهاج" لأنه لم يذكر توزيع الثمن على أعدادها. ثالثها: قوله: (باعاهما) أي: حماميهما، قال في "أصل الروضة": أو باعا بعضه (٥)، والرافعي ذكره في آخر المسألة استداركا على "الوجيز" (٦)، قال في "المهمات": التفسير الذي ذكره لا يأتي في البعض سواء كان معيناً بالجزئية كالنصف لزيادة الجهل؛ فإنه كان مجهولاً بين اثنين فيصير بين ثلاثة، أو بإفراد شيء منه كعشرة مثلاً؛ لأن كل واحد لا يدري ما له من ملك العشرة فيكون الجهل باقيا أيضاً.

стр. 2162

قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وجوابه: أن المراد: بعض معين بالجزئية، ولا جهل حينئذ، وكونه كان مجهولاً بين اثنين فصار ثلاثة، لا يقتضي إبطال العقد، وقد سبق أنه يجوز أن يبيع أحدهما من ثالث نصف ملكه فيه، فكذلك يجوز أن يبيع كل واحد منهما من ثالث نصف ملكه، ولا تضر كثرة الشركاء، وليس ذلك مقتضياً للإبطال. ٥٥٢٣ - قول "الحاوي" [ص ٦٢٨]: (أو التقارّ) أي: بأن يقر كل منهما لصاحبه بعدد فيتصالحان على ذلك؛ ليمكن توزيع الثمن، وهذا معنى قول "الوسيط": إنهما لو تصالحا على شيء .. صح البيع، واحتمل الجهل بقدر المبيع (١). ٥٥٢٤ - قول "المنهاج" فيما لو جرح الصيدَ اثنان متعاقبان [ص ٥٣٥، ٥٣٦]: (وإن أزمن - أي: الأول - .. فله، ثم إن ذَفَّفَ الثاني بقطع حلقوم ومريء .. فهو حلال، وعليه للأول ما نقص بالذبح) أي: وهو ما بين قيمته زمناً ومذبوحاً، قال الإمام: وإنما يظهر التفاوت إذا كان فيه حياة مستقرة، فإن كان متألماً بحيث لو لم يذبح لهلك .. فما عندي أنه ينقص منه بالذبح شيء (٢). وتعقبه شيخنا في "تصحيح المنهاج": بأن الكلام في إزمان الأول، وفرض الإمام في تذفيفه، فلا يجيء بعده تذفيف. قلت: وجوابه: أنه لا يلزم من كون جراحة الأول مزمنة فقط ألَاّ ينتهي بها الإزمان إلى ألَاّ يصير فيه حياة مستقرة، فلا يلزم من وجود هذه الحالة أن يكون جراحة الأول مذففة، ثم تعقبه شيخنا أيضاً: بأن الجلد ينقص بالقطع، فيجب على الثاني نقصه، وإن وصل إلى حالة التذفيف، وعلى هذا: فلا يتعين في ضمان النقص أنه ما بين قيمته زمناً ومذبوحاً. ٥٥٢٥ - قوله: (وإن ذفف لا بقطعهما، أو لم يذفف ومات بالجرحين .. فحرام، ويضمنه الثاني للأول) (٣) أي: يضمن جميع قيمته، وهذا صحيح فيما إذا ذفف الثاني، فأما إذا لم يذفف .. فلا يضمن الجميع في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص ٦٢٧]: (وإن لم يذفف ومات بهما فكعبد يعاد من عشرة إلى تسعة فجرح .. ضَمِنَ عشرةً من تسعةَ عشرَ جزءاً من عشرة، والآخر تسعة منها) وصورة المسألة المبني عليها: أن يجني جان على عبد قيمته عشرة دنانير فعادت بالجناية إلى تسعة، ثم جرحه جانٍ آخر جناية أرشها دينار أيضاً ومات بالجرحين .. يجمع بين قيمتي يوم الجنايتين، فيكون تسعة عشر، ويقسم على هذا العدد ما فوتته الجنايتان، وهو عشرة دنانير، فعلى الأول عشرة أجزاء من تسعة عشرة جزءاً من عشرة دنانير، وعلى الثاني تسعة أجزاء من تسعة

стр. 2163

عشر جزءاً من عشرة، وهذا أحد أوجه ستة محكية في "أصل الروضة" تصريح بلا ترجيح، لكنه حكى إطباق العراقيين على ترجيحه (١)، فإذا ظهر هذا .. ففي مسألة الصيد أيضاً يجمع بين القيمتين، لكن الجارح الأول فيها مالك .. فلا ضمان عليه؛ لسقوط حصته، بل على الثاني، ثم محل ذلك: ما إذا تمكن من ذبحه فلم يذبحه، فلو لم يتمكن الأول من ذبحه .. لزم الثاني تمام قيمته زمناً. ومقتضى كلامهم: أنه لو ساوى سالماً عشرة وزمناً تسعة .. وجوب تسعة، وقال صاحب "التقريب": إذا ساوى سليماً عشرة وزمناً تسعة ومذبوحاً ثمانية .. ينبغي أن يجب ثمانية ونصف، وصححه الرافعي (٢)، قال الإمام: وفيه نظر (٣)، وإن تمكن من ذبحه .. لزم الثاني أرش جرحه إن نقص. ٥٥٢٦ - قول "الحاوي" [ص ٦٢٧، ٦٢٨]: (فإن أزمنا .. فللثاني، وإن جرح الأول ثانياً .. ضمن الربع) محله: ما إذا لم تكن هذه الجراحة الثانية مذففة، وتمكن الثاني من ذبحه، فإن كانت مذففة؛ فإن أصاب المذبح .. حل، وعليه للثاني ما نقص من قيمته بالذبح، وإلا .. حرم، وعليه قيمته مجروحاً بجراحته الأولى وجراحة الثاني، وكذا إن لم يذفف ولم يتمكن الثاني من ذبحه. ٥٥٢٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٦]: (وإن جرحا معاً وذففا أو أزمنا .. فلهما) كذلك إذا أزمن أحدهما وذفف الآخر، وقد تناوله قول "الحاوي" [ص ٦٢٨]: (كأن تساويا) فإن المراد: تساوي الجرحين في سبب الملك، والإزمان مملك كما أن التذفيف بمذفف مملك، وكذلك لو احتمل أن يكون الإزمان بهما أو بأحدهما، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص ٦٢٨]: (وإن احتمل ملكاً واستحلا) أي: يستحب أن يستحل كل واحد الآخر تورعاً. ٥٥٢٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٦]: (وإن ذفف واحدٌ وأزمن آخر وجُهل السابق .. حرم على المذهب) محله: ما إذا كان في غير المذبح، فإن كان في المذبح .. فهو حلال جزماً، وقد يتناوله قول "الحاوي" أولاً [ص ٦٢٧]: (لا في المذبح) لكن كلامه إنما هو عند معرفة السابق؛ بدليل قوله بعده: (وضمن الثاني قيمته) (٤).

стр. 2164

كتابُ الأضحية ٥٥٢٩ - قولهما: (الأضحية سنة) (١) فيه أمران: أحدهما: قد يفهم أنها سنة عين، وليس كذلك، وإنما هي سنة على الكفاية، إذا أتى بها واحد من أهل البيت .. تأدت السنة عنهم. ثانيهما: لم يُبَيْنا من هي سنة في حقه، إلا أن "المنهاج" أشار إلى بعض ذلك بقوله في آخر الباب: (ولا تضحية لرقيق) (٢)، وبيانه: أنها إنما تسن للحر القادر، وكذا المبعض بما ملكه بحريته، ولا بد من اعتبار الإسلام، فلا تتعلق سنة الأضحية بالكافر، وقال في "الأم": إنه لا يضحى عما في البطن (٣). قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ويظهر من ذلك أن سنتها تتعلق بمن يولد عند دخول وقت الأضحية، فمن كان حملاً ذلك الوقت ثم انفصل بعد في يوم النحر أو ما بعده .. لم تتعلق به سنة الأضحية، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وخرجته من زكاة الفطر. انتهى واستثنى العبدري من ذلك: الحاج بمنى؛ فإنه لا أضحية في حقه؛ لأن ما ينحر بمنى يكون هديا لا أضحية، قال النووي: وهو فاسد مخالف لنص الشافعي في "البويطي" على أنها سنة للحاج بمنى، من كان معه هدي ومن لم يكن، وصرح به القاضي أبو حامد وغيره، وفي "الصحيحين": (أنه ﵊ ضحى في منى عن نسائه بالبقر) (٤). ٥٥٣٠ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (إلا أن ينذر) قال في "الكفاية": يرد على حصره قوله: جعلت هذه الشاة أضحية؛ فإنها تجب، وليس بنذر، بل ألحقوه بالتحرير، وقد ذكر الغزالي الصورتين (٥)، وجمعهما قول "المنهاج" [ص ٥٣٧]: (لا تجب إلا بالالتزام) لكن مقتضاه: أنه لو قال: التزمت الأضحية، أو هي لازمة لي .. لزمته. قال في "التوشيح": ولا قائل به فيما أحسبُ. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا يساعد عليه المنقول؛ فإن قوله: (التزمت

стр. 2165

الأضحية) لم يشتهر اشتهار: (الطلاق لازم لي) فهو كناية قطعاً لا يلزم بمجرده، بل بنيّة، بخلاف نظيره من الطلاق؛ ففيه خلاف. وفي "أصل الروضة" عن "البحر": لو قال: (إن اشتريت شاة .. فـ لله عليَّ أن أجعلها أضحية) .. فهو نذر مضمون في الذمة، فإذا اشترى شاة .. فعليه جعلها أضحية، ولا تصير بالشراء أضحية، ولو عين فقال: (إن اشتريت هذه الشاة .. فلله عليّ جعلها أضحية) .. فوجهان (١)، والأقيس في "شرح المهذب": أنه لا يلزمه تغليباً لحكم التعين، وقد أوجبها قبل الملك (٢)، ولا بد من تقييد المسألة بأن يقصد الشكر على حصول الملك، فإن قصد الامتناع .. فهو نذر لجاج كما ذكره الرافعي في نظيره من نذر إعتاق العبد إذا ملكه (٣)، ولم يذكر في "المهذب" قوله: (إلا أن ينذر) كأنه لفهمه من كونها سنة، ومن ذَكَرَه رفع به توهم الوجوب بحمل السنة على الطريقة التي هي أعم من الواجب والمندوب، ونص على أن الشراء بنيّة التضحية لا يصير أضحية بذلك ما لم يلتزمها بالنذر. واعلم: أن الواجبة بالنذر أو بجعلها أضحية غير التي تسن التضحية بها؛ فإنه لا يشترط فيها السلامة، فلو نذر التضحية بمعينة أو صغيرة أو جعلها أضحية .. وجب ذبحها؛ لالتزامه، وتكون قربة وتفريق لحمها صدقة، ويختص ذبحها بيوم النحر، ويجري مجرى الأضحية في الصرف على الأصح فيهما. ٥٥٣١ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (والمستحب لمن دخل عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي ألَاّ يحلق رأسه ولا يقلم ظفره) يرد عليه أن ذلك لا يختص بشعر الرأس ولا بالحلق، وقد سلم "الحاوي" من الأول بقوله [ص ٦٣١]: (وترك المضحي الحلق والقلم عشر ذي الحجة)، ويوافقه قوله في بعض نسخ "التنبيه" أو أكثرها: (شعره)، وسلم منهما "المنهاج" بقوله [ص ٥٣٧]: (ويسن لمريدها ألَاّ يزيل شعره ولا ظفره في عشر ذي الحجة حتى يضحي). ويرد عليهم جميعاً: أن سائر أجزاء البدن كالشعر، حكاه في زيادة "الروضة" عن إبراهيم المروذي (٤)، وفي "شرح مسلم" عنه وعن غيره (٥)، وقال في "المهمات": ما يزال من أجزاء البدن قد تكون إزالته واجبة؛ كختان البالغ وقطع يد السارق والجاني بعد الطلب ونحوها، وقد تكون مستحبة؛ كختان الصبي، وقد يباح كقلع السن الوجعة والفصد والحجامة ونحوهما؛ فإن

стр. 2166

الدم من الأجزاء كما صرحوا به في الطلاق، فتأخير الواجب لا يجوز فضلاً عن كونه مستحباً. وأما الثاني: فالتضحية من مال الصبي ممتنعة. وأما الثالث: فالأمر بها مبناه الآلام فيه بعد؛ فقد يقال: صورته فيما إذا كان في بيت المضحي صبي .. فإنه تحصل السنة في حقه بتضحية صاحب البيت، وقد يمنع، وهو الأوجه؛ فإن الأحاديث وعبارات الأئمة إنما دلت عليه في حق من أراد التضحية، وهذا لم يُردها، وأقرب ما يصور به الفصد والحجامة وقطع السلعة ونحو ذلك مما يؤتي به بغير ألم عاجل. انتهى. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المراد به: قطع جلدة ونحوها مما لا يضر قطعها، ولا حاجة له في قطعها، ولا يتناول فصداً ولا حجامة، ومن أدخل ذلك في هذا الموضع فقد أخطأ، ثم استدل بقوله في رواية الشافعي وابن ماجه: "فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئاً ٠" (١)، وهو أحد ألفاظ "مسلم" أيضاً، قال: والبشرة تعم أجزاء البدن غير الشعر والظفر. انتهى. ومراد "التنبيه" و"الحاوي": استحباب ترك ذلك حتى يضحي كما صرح به "المنهاج" (٢)، وتقييده هو و"الحاوي" ذلك بعشر ذي الحجة يفهم أنه لو لم يضح يوم النحر .. فلا بأس بالحلق في أيام التشريق، وإن كان على عزم التضحية في بقيتها، وليس كذلك؛ ولهذا لم يقيده "التنبيه" و"الروضة" وأصلها بعشر ذي الحجة، فلو ضحى يوم النحر وعزمه التضحية بعد ذلك .. فهل يكف عن أحدهما للتضحية الثانية أم لا؟ مقتضى التعليل ببقائها لتشملها المغفرة أو بالتشبه بالمحرمين: زوال هذا الاستحباب؛ لحصول المقصود. وقال شيخنا الإسنوي في "التمهيد": يتجه تخريجه على مسألة أصولية، وهي: أن الحكم المعلق على معنى كلي هل يكفي فيه أدنى المراتب؛ لتحقق المسمى فيه أم يجب الأعلى احتياطاً؟ والصحيح: القول الأول (٣)، وتردد شيخنا في "تصحيح المنهاج" فيما لو أخر الناذر التضحية بمعين إلى انقضاء أيام التشريق، ورجح بقاء الكراهة؛ لأن عليه أن يذبحها قضاء، وفيما لو نذر التضحية ولم يُرد فعلها. واعلم: أن هذا الاستحباب مؤكد، فلو خالفه .. كره، وقيل: يحرم. ٥٥٣٢ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (والأفضل أن يذبحها بنفسه، فإن لم يحسن .. فالأفضل أن يشهد ذبحها) مقتضاه: أنه لا ينتقل للاستحباب الثاني إلا من لا يحسن، وعبارة "المنهاج" [ص ٥٣٧]: (وإلا .. فيشهدها) ومعناه: إن لم يذبح بنفسه؛ إما لعجز أو غيره، ويوافقه قول

стр. 2167

"الحاوي" [ص ٦٣١]: (وأن يضحي أو يشهد) ومقتضاه: تأدي الاستحباب بالحضور مع الإحسان، ويستثنى من ذلك: المرأة؛ فالأولى أن تستنيب، ذكره في "شرح المهذب" هنا (١)، وفي "تصحيح التنبيه" في صفة الحج (٢)، وذكر بعضهم أن الخنثى في ذلك كالمرأة. ٥٥٣٣ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولا تصح إلا من إبل وبقر وغنم) (٣) لا يخفى أن المراد: البقر الإنسية ولو كانت جاموساً دون بقر الوحش وإن دخل في اسم البقر، حتى يحنث بأكله فيما إذا حلف لا يأكل لحم بقر، فلو تولد بين أنثى من البقر وذكر من الغنم مثلاً ولد واستكمل سنتين .. فقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": القياس إجزاؤه؛ لأن كلاً من أصله يضحى به؛ ولهذا لم يستثنوا هنا وفي الزكاة إلا المتولد بين الغنم والظباء. ٥٥٣٤ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (ويجزئ في الأضحية الجذعة من الضأن، وهي: ما لها سنة أشهر) الأصح: أنها ما لها سنة ودخلت في الثانية، وعليه مشى "المنهاج" (٤)، لكن ذكر العبادي والبغوي: أنه لو أجذع قبل السنة - أي: سقطت أسنانه - .. أجزأ (٥)، ويكون الإجذاع هنا كالاحتلام الذي يسبق خمس (٦) عشرة، وهو ظاهر كلام "الحاوي" فإنه لم يعتبر إلا كونه جذعاً من غير تقييد سن (٧)، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": واختاره الروياني، وهو الأصح المعتمد. ٥٥٣٥ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (والثنية من المعز: ما لها سنة) الأصح: أنها ما له سنتان ودخل في الثالثة، وعليه مشى "المنهاج" (٨)، وقد تقدم أن الواجبة بالنذر أو بجعلها أضحية تجزئ مع صغرها عن هذا السن. ٥٥٣٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٧]: (ويجوز ذكر وأنثى) لا يفهم منه أفضلية الذكر، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص ٦٣١]: (وذكر أكمل). ٥٥٣٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٧]: (والبعير والبقرة عن سبعة) لو قال: (أو البقرة) .. كان أولى؛ فإن كلًّا منهما يجزئ عن سبعة كما صرح به "التنبيه" (٩)، وهو معنى

стр. 2168

"الحاوي" [ص ٦٢٩]: (ويجزئ عن سبعة) أي: ثني الإبل والبقر. ٥٥٣٨ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (وأفضلها البدنة، ثم البقرة، ثم الجذع من الضأن، ثم الثنية من المعز) قد يرد عليه: أن سبعاً من الغنم أفضل من بدنة؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٣١]: (والأولى سبع غنم، ثم بدنة، ثم بقرة) وقد يقال: لا يرد؛ لأن الكلام في الأضحية الواحدة وسبع الغنم سبع ضحايا؛ ولهذا لم يذكره "المنهاج" في أول كلامه، بل جزم بأن أفضلها بعير، ثم قال: (وسبع شياهٍ أفضل من بعير) (١). وقول "المنهاج" [ص ٥٣٧]: (ثم بقرة) قال في "الدقائق": إنه زائد (٢)، قال شيخنا ابن النقيب: وقد رأيته في "المحرر" فلعل النسخ فيه مختلفة (٣). ٥٥٣٩ - قولهم: (لا يجزئ فيها معيب) (٤) تقدم أنه يستثنى منه: ما لو نذر التضحية بمعيبة (٥)، أوجعلها أضحية .. فإنه يذبحها مع العيب. ٥٥٤٠ - قولهما: (إن المراد بالعيب هنا: ما ينقص اللحم) (٦) اقتصر عليه "التنبيه"، وفصله "المنهاج" بعده، واقتصر "الحاوي" على التفصيل (٧)، ولم يذكر هذا الضابط، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن فيه إلباساً؛ فإنه إن أريد: ما حصل نقص اللحم بسببه .. ورد عليه أنه لو أخذ الذئب فلقة يسيرة من فخذها أو من عضو كبير .. فإنه تجوز التضحية بها مع نقصان اللحم، وأن العوراء البين عورها لا تجزئ، ولو كانت سمينة، لم يحصل نقص في لحمها، وكذا لو انكسرت رجل الحيوان وهو تحت السكين قبل ذبحه .. فلا يجزئ في أضحية التطوع على الأصح، وإن أريد: الذي من شأنه أن ينقص اللحم وإن لم يحصل نقص .. ورد عليه الفحل الذي كثر نزوانه والأنثى التي كثرت ولادتها؛ فإن ذلك مظنة النقص، ومع ذلك يجزئان، وكذلك تجزئ الحامل مع أن شأن الحمل تنقيص اللحم، كذا قال ابن الرفعة: إنه المشهور، قال: وعدم إجزائها وجه حكاه العجلي، وجزم في الزكاة من "شرح المهذب" بعدم إجزائها، وعزاه للأصحاب (٨)، وحكاه في "المهمات" عن الشيخ أبي حامد والمتولي والعمراني والبندنيجي في "الذخيرة" وصاحب

стр. 2169

"الاستقصاء"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": أخرجت من نصوص الشافعي التصريح بجواز الأضحية بالحامل، واتفاق الأصحاب على ذلك، وذلك ما لم يحصل فيه نقص أو حصل نقص يسير، فإن حصل نقص فوق اليسير ودون الفاحش .. فهو محل الخلاف الذي ذكره العجلي، وإن حصل نقص فاحش وتفاحش نقصان اللحم .. فهذه يمنع الأضحية بها. ٥٥٤١ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٧]: (فلا تجزئ عجفاء) هي التي ذهب مخها من شدة هزالها، فإن قل هزالها ولم يذهب مخها .. أجزأت، كذا أطلقه كثيرون، وقال الماوردي: إن كان خلقياً .. أجزأت، أو لمرض .. فلا (١)، وقال الإمام: لا يعتبر العجف البالغ، وضبطه: بألَاّ يرغب في لحمها الطبقة العليا في زمن الرخاء (٢)، وعبر "الحاوي" عن ذلك بأنه لا يجزئ بيّن الهزال (٣). ٥٥٤٢ - قوله: (ومجنون لا يرعى) (٤) مقتضاه: أنه لو رعى يسيراً .. أجزأ، لكن الذي في "الروضة" وأصلها: أنه ورد النهي عن التولاء، وهي المجنونة التي [تستدير في] (٥) المرعى ولا ترعى إلا قليلاً فتهزل (٦)، ولذلك أطلق "المنهاج" أنه لا تجزئ المجنونة (٧). وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا الحكم لم يذكره الشافعي في شيء من كتبه، ولم يذكروا فيه حديثاً ثابتاً، والبهائم لا يطلب منها العقل، وإذا كانت التولاء سمينة .. جازت الأضحية بها، فإن كانت هزيلة .. امتنعت كالعجفاء. ٥٥٤٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٧]: (ومقطوعة بعض أذن) محله: ما إذا أبين، وقد ذكر بعده أنه لا يضر شق أذن، ثم إن ذلك لا يختص بالأذن، فلو قال كـ"الحاوي" [ص ٦٢٩]: (وفائت جزء) .. لكان أحسن، فلو خلقت بلا أذن .. لم يجز، جزم به في "أصل الروضة" (٨)، ونص عليه في "الأم" (٩)، بخلاف المخلوقة بلا ألية أو بلا ذنب أو بلا ضرع .. فإنها تجزئ في الأصح، لكن صحح شيخنا في "تصحيح المنهاج": عدم الإجزاء في الأخريين، وجزم الماوردي والبغوي

стр. 2170

بعدم الإجزاء في المخلوقة بلا ذنب (١)، وزاد البغوي فجزم بعدم إجزاء المخلوقة بلا ألية أيضاً (٢). ٥٥٤٤ - قول "الحاوي" فيما لا يجزئ [ص ٦٢٩]: (وأعورُ) أحسن من تقييد "المنهاج" العور بالبيّن (٣)، فإنه غير محتاج إليه؛ لأن المدار في عدم الإجزاء على ذهاب الضوء من إحدى العينين وإن بقيت الحدقة. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن أراد بالبين: ذهاب الحدقة أو نورها كله .. اقتضى أنه لو غطى البياض أكثر الحدقة .. لم يمنع، وليس كذلك؛ فقد جزم الماوردي والروياني فيه بالمنع (٤)، وإن أراد بالبين: ما في العينين من ضعف البصر .. فالجمهور كما في "أصل الروضة" على أن ذلك لا يمنع (٥). ٥٥٤٥ - قول "الحاوي" [ص ٦٢٩]: (لا بيّن الجرب) يقتضي أنه لا يضر يسيره، وتبع في ذلك "المحرر" (٦)، لكن استدرك عليه "المنهاج" فقال [ص ٥٣٧]: (الصحيح المنصوص: يضر يسير الجرب)، وصححه في "أصل الروضة" (٧)، وعبارة الرافعي: قضية ما أورده المعظم صريحاً ودلالة ونقلوه عن نصه في الجديد: أنه يمنع يسيراً كان أو كثيراً (٨). قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وما ذكره عن المنصوص يقتضي أن اليسير من الجرب غير بيّن، وليس كذلك؛ فنص "الأم" يخالفه فقال: (والجرب قليله وكثيره مرض بيّن مفسد للحم وناقص للثمن) (٩). ٥٥٤٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٧] و"الحاوي" [ص ٦٢٩]: (ألَاّ يضر فقد قرون) قد يستثنى منه: ما إذا انكسرت وأثر انكسارها في اللحم .. فهو كالجرب، كما حكاه في "أصل الروضة" عن القفال (١٠)، وقد يقال: لا حاجة لاستثناء ذلك؛ لقوله أولاً: (وشرطها سلامة من عيب ينقص لحماً) (١١).

стр. 2171

٥٥٤٧ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (ويدخل وقتها إذا انبسطت الشمس يوم النحر ومضى وقت صلاة العيد والخطبتين) فيه أمران: أحدهما: المراد بانبساطها: ارتفاعها كرمح، كما صرح به في "المحرر" (١)، وهذا موافق لقول "التنبيه" [ص ٤٥]: (إن صلاة العيد إنما يدخل وقتها بارتفاع الشمس) لكن الأصح: دخول وقتها بالطلوع، فيعتبر قدر العيد والخطبتين من الطلوع؛ ولهذا استدرك "المنهاج" هنا فقال [ص ٥٣٧]: (ارتفاع الشمس فضيلة، والشرط طلوعها، ثم مُضِيُّ قدر الركعتين والخطبتين)، ونازعه شيخنا في "تصحيح المنهاج" في قوله: (إن ارتفاع الشمس فضيلة) وقال: تعجيل النحر مطلوب، فلا يعتبر في فضيلة الارتفاع، بل السنة عند الشافعي التعجيل في صلاة النحر. ثانيهما: يعتبر في صلاة العيد كونها خفيفة، وفي الخطبتين كونهما خفيفتين؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٢٩]: (بين مضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفات من طلوع شمس النحر وآخر أيام التشريق)، وهو أحسن من قول "المنهاج" [ص ٥٣٧]: (ثم مضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفتين) فإن ظاهره عدم اعتبار الخفة في الركعتين، وليس كذلك، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المذهب المعتمد عندنا: اعتبار ركعتين على المعتاد بالتكبير والفاتحة والسورة، وإنما أوردنا عليه أن يقول: خفيفات على ما ذكره هو في "الروضة"، وادعى أنه المذهب. انتهى (٢). وقال الإمام: ما أرى من يعتبر خفة الصلاة يكتفي بأقل المجزى (٣)، وظاهر ما في "الشامل" خلافه، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا المحكي عن "الشامل" ليس بمعتمد. ٥٥٤٨ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (وأفضلها البيضاء ثم الصفراء ثم السوداء) ذكر في "المهذب" موضع الصفراء: العفراء (٤)، وهي بمعناها، وقد ذكر في "أصل الروضة" الصفراء (٥)، وفسرها بأنها التي لا يصفو بياضها، وذكر في "شرح المهذب" البلقاء بين العفراء والسوداء (٦)، وليس ذكر السوداء لتقدمها على شيء بعدها، وإنما هو زيادة إيضاح. ٥٥٤٩ - قوله: (وإن نذر أضحية معينة) (٧) صوّره "المنهاج" بقوله [ص ٥٣٨]: (فقال: "لله عليّ أن أضحي بهذه") وفي معناه: لو قال: جعلتها أضحية .. فحكمه كذلك، وقد جمع بينهما

стр. 2172

"الحاوي" فقال [ص ٦٢٩، ٦٣٠]: (وتعيّن بجعله أضحية، ونذر المعين). ٥٥٥٠ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (زال ملكه عنها ولم يجز بيعها) اعتُرض بأن امتناع بيعها مفهوم من زوال ملكه عنها، فلا فائدة فيه، وقال في "الكفاية": له فوائد: منها: إفادة التنصيص على مخالفة أبي حنيفة؛ إذ جوز البيع ومنع زوال الملك. ومنها: أن الملك قد يزول ويسلط من زال ملكه عنه على بيعه؛ كمن نذر أن يهدي إلى الحرم شيئاً معيناً، فنفى توهم إلحاق هذه بتلك. ومنها: أنه جزم بجواز الركوب، وشرب فاضل اللبن عن الولد، والانتفاع بالصوف المضر بقاؤه مع أن زوال الملك ياباه، فنفى توهم أن يكون البيع أيضاً كذلك. قال في "التوشيح": ولك أن تقول على الأول: إنما يحسن لو كان أبو حنيفة يجوز البيع مع الموافقة على زوال الملك، أما إذا منع زوال الملك .. فجواز البيع عنده مستفاد من بقاء الملك، وأما الأخريان .. فقريبتان، والحاصل: أنه لا يلزم من زوال الملك امتناع البيع؛ لجواز كونه بولاية أو نيابة؛ كما أن الواقف يزول ملكه على المذهب، ثم له النظر والتصرف على خلاف فيه، فقد يقال: يزول الملك وله بيعها وشراء أجود منها، فنفى توهم ذلك. انتهى. ٥٥٥١ - قول "الحاوي" [ص ٦٣٠]: (ولمعيبة صرف مصرفها) قد يفهم أنه يختص ذبحها بوقت الأضحية، وبه صرح الرافعي والنووي، قالا: فلو ذبحها قبله .. تصدق بلحمها، ولم يأكل منه شيئاً، وعليه قيمتها يتصدق به (١). واستشكله في "المهمات" لأنها ليست أضحية حقيقة، بل حكمها كحكمها، وهو لو صرح في نذر التصدق بيوم .. جاز التقدم عليه بغير الملفوظ به، وهو في المقدر أولى. وقد يقال: سكوت "الحاوي" عن الوقت يدل على أنه ليس في ذلك كالمصرف. ٥٥٥٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (فإن تلفت قبله .. فلا شيء عليه) يفهم أنها لو تلفت في الوقت .. ضمنها، ومحله: ما إذا كان بعد التمكن من ذبحها، فإن تلفت في الوقت قبل التمكن من ذبحها .. فلا شيء عليه أيضاً، وإطلاق "التنبيه" و"الحاوي" أنه لا يضمنها إذا تلفت (٢)، محمول على ما ذكرناه، هذا هو المنقول، وقول النووي من زيادته فيما إذا ضلت بعد مضي بعض أيام التشريق: الأرجح: أنه ليس بتقصير كمن مات في أثناء وقت الصلاة الموسع لا يأثم على الأصح (٣)، مخالف لما تقدم، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ليس بمعتمد.

стр. 2173

٥٥٥٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (فإن أتلفها .. لزمه أن يشتري بقيمتها مثلها ويذبحها فيه) قد يفهم منه أنه لو لم يجد مثلها إلا بأكثر من قيمتها .. لم يلزمه شراؤه، وليس كذلك، بل يلزمه أكثر الأمرين من قيمتها وأضحية مثلها؛ ولهذا عبر "الحاوي" بقوله [ص ٦٣١]: (أكثر القيمة والمثل) و"التنبيه" بقوله [ص ٨١]: (ضمنها بأكثر الأمرين من قيمتها أو أضحية مثلها) وقال في "الكفاية" تبعاً لـ"التحرير": كذا في "التنبيه" وسائر كتب الفقه، والأجود حذف ألف (أَوْ) لأنه على تقدير إثباتها يكون معناه: (أكثر الأمرين من قيمتها أو أكثرهما من أضحية) ومعلوم أن هذا غير منتظم (١). واعترضه الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين: بأن صيغة الأجود تقتضي جواز غيره، وقوله: (غير منتظم) يقتضي منعه، وبأن إثبات الألف جائز بمعنى آخر، وهو أن يكون قوله: (من قيمتها ... إلى آخره) بياناً للأكثر، لا للأمرين؛ فكأنه قال: وهو - أي: وأكثر الأمرين - هو قيمتها أو أضحية مثلها، ويعلم من بيان الأمرين بطريق اللزوم، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، وقال: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، وفي حديث ذي اليدين: (صلى إحدى صلاتي العشاء الظهر أو العصر) (٢). قال في "التوشيح" ما ذكره محتمل حسن، والنووي لم يمنعه؛ ولذلك عبر بالأجود، وإنما ادعى اقتضاء العبارة لما ذكره ولا ريب أنها ظاهرة فيه، وقوله: (غير منتظم) لا ينافي كون الأجود حذف الألف؛ لأن معنى كلامه إثبات الألف يفهم كذا، وإفهام كذا غير منتظم؛ فالأجود حذف الألف دفعاً لهذا، وقد يبقى ويُؤَول الكلام بالطريق التي أفادها الشيخ برهان الدين. نعم؛ قول النووي: إن الألف موجودة في سائر الكتب لعله أراد الغالب، وإلا .. فهي محذوفة في الرافعي. ٥٥٥٤ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (إن زادت القيمة على مثلها تصدق بالفاضل، وقيل: يشتري به اللحم ويتصدق به، وقيل: يشارك في ذبيحة أخرى) الأصح: الثالث، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٦٣١]: (أو زاد ولا كريمة .. فشقصٌ) ومحله: فيما إذا أمكن، أما إذا لم يمكن .. فقال في "الشامل": ينبغي أن يكون فيه الوجهان الأولان، ومحل الخلاف: فيما إذا لم يمكن أن يشتري بالفاضل أضحية كاملة، فإن أمكن ولو من غير الجنس .. لزمه قطعاً، ثم ظاهر المشاركة في ذبيحة أخرى الإجزاء، ولو كان بجزء لا يجزئ في الأضحية كالمشاركة في شاة، وهو الذي حكى

стр. 2174

في "الكفاية" عن الإمام وغيره التصريح به، وهو مقتضى إطلاق الرافعي هنا (١)، لكنه خالفه في (الوقف) فقال في أثناء مسألة: بخلاف ما إذا أتلف الأضحية ولم يوجد بقيمتها إلا شقص شاة؛ لأنه لا يضحي بشقص الشاة (٢). ٥٥٥٥ - قول "الحاوي" [ص ٦٣٠]: (وإن عيّب .. صرفه وضحى سليمة) حمله القونوي وغيره على المعين ابتداء، وعما في الذمة، وليس كذلك في الثانية، بل لا يلزمه ذبحه، وينفك عن الاستحقاق على الأصح، ونسب للنص، والحق أن كلام "الحاوي" إنما هو في المعيّن ابتداء، وقد ذكر المعين عما في الذمة بقوله بعده: (وإن عيّن لنذر .. أبدل بها) (٣) ومراده: ما إذا حصل له العيب بعد ذلك، وإن كان ظاهر عبارته الإبدال من غير عيب، لكنه متى حمل على ذلك .. خالف الأصح الذي عليه الأكثرون: أنه يتعين بالتعيين، ولا يجوز إبداله، ووقع في موضع من الرافعي و"الروضة" ما يقتضي الانفكاك في المعينة ابتداءً أيضاً (٤). قال في "المهمات": والظاهر أنه سهو. ٥٥٥٦ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (وله أن يركبها) قيده في "أصل الروضة" بأن يكون بغير إجحاف (٥)، ومعناه كما في "الكفاية": ألَاّ يلحقها بذلك مشقة، قال في "التوشيح": ولا يختص بالهدي والأضاحي؛ فلا يجوز تحميل الدواب ما يضر بها، وهو في "التنبيه" في بابه. انتهى. وصحح في "شرح المهذب": أنه لا يجوز إلا لحاجة، وقال: إنه ظاهر النص (٦)، وحكى الماوردي عن الشافعي أنه قال: ويركب الهدي إن اضطر إليه ركوباً غير قادح، ويحمل المضطر عليها (٧). قال في "المهمات": فعلى هذا لا يجوز ذلك لقادر على المشي ركب مترفهاً، ولا لقادر على غيرها بملك أو إجارة، قال: وفي الإعارة نظر، قال الماوردي: وكذلك لو ركبها من غير ضرورة .. جاز ما لم يهزلها (٨)، وحمله في "التوشيح" على الحاجة، وقال: الذي يظهر حرمة

стр. 2175

الركوب لا لحاجة أصلاً؛ لأنه عبث وإتعاب حيوان بلا فائدة، قال: ولا اختصاص لهذا بالهدي والأضاحي. ٥٥٥٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (وولد الواجبة يذبح) أحسن من قول "التنبيه" [ص ٨١]: (فإن ولدت .. ذبح معها ولدها) لأمرين: أحدهما: أنه يتناول الهدي، ويتناول المعينة بالنذر ابتداء، وما إذا عينها عما في ذمته وهو الأصح في الثانية، وفيها وجهان آخران: أحدهما: أنه لا يجب ذبح ولد المعينة عما في الذمة. والثاني: يبيعها ما دامت حية، بخلاف عبارة "التنبيه" فإنه لا يتناول الهدي ولا المعينة عما في الذمة. الأمر الثاني: أن عبارة "التنبيه" تقتضي أنه لا يجب ذبح ولدها إلا معها، وكذا عبارة "المحرر" (١)، فأسقط "المنهاج" لفظة: (معها) ليشمل ما لو ماتت الأم .. فإنه يذبح جزماً في المعينة ابتداءً، وعلى الصحيح في المعينة عما في الذمة. ٥٥٥٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨] و"الحاوي" [ص ٦٣١]: (وله أكل كله) صريح في أن الكلام في ولد الواجبة، وهو مشكل؛ لأن وجوب ذبحه مع جواز أكله مدركه أنه كالجزء من الأم .. فجاز أكله كعضو منها، فيلزم من جواز الأكل من الواجب وهو خلاف ما تقرر، وفي "أصل الروضة": في الأكل منه ومن أمه أوجه، صحح الروياني: أن لكل منهما حكم ضحية، فيتصدق من كل منهما بشيء، والثاني: يكفي التصدق من أحدهما، والثالث: لا بد من التصدق من الأم؛ لأنها الأصل، وصححه الغزالي، قال: ويشترك الثاني والثالث في جواز أكل جميع الولد (٢). فرض في "شرح المهذب" هذه الأوجه في أضحية التطوع، وقال: إن المختار ما صححه الروياني، ثم قال: والأصح على الجملة: أنه يجوز أكل جميعه (٣). وجعل ابن الرفعة محل الأوجه إذا قلنا: يجوز الأكل من الواجبة، وأنه لا يأكل الكل، فأفهم أنا إذا قلنا: لا يأكل الواجبة .. لا يأكل من الولد، وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن بعضهم أنه اعتقد أن الأوجه في الواجبة والتطوع، قال شيخنا: والخلاف إنما هو في الواجبة كما في كلام الماوردي والإمام ومن تبعه، قال: ولا خلاف أن أضحية التطوع لا يلزمه ذبح ولدها، وأنه لو
следующие страницы →