← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

٥٥٤٧ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (ويدخل وقتها إذا انبسطت الشمس يوم النحر ومضى وقت صلاة العيد والخطبتين) فيه أمران: أحدهما: المراد بانبساطها: ارتفاعها كرمح، كما صرح به في "المحرر" (١)، وهذا موافق لقول "التنبيه" [ص ٤٥]: (إن صلاة العيد إنما يدخل وقتها بارتفاع الشمس) لكن الأصح: دخول وقتها بالطلوع، فيعتبر قدر العيد والخطبتين من الطلوع؛ ولهذا استدرك "المنهاج" هنا فقال [ص ٥٣٧]: (ارتفاع الشمس فضيلة، والشرط طلوعها، ثم مُضِيُّ قدر الركعتين والخطبتين)، ونازعه شيخنا في "تصحيح المنهاج" في قوله: (إن ارتفاع الشمس فضيلة) وقال: تعجيل النحر مطلوب، فلا يعتبر في فضيلة الارتفاع، بل السنة عند الشافعي التعجيل في صلاة النحر. ثانيهما: يعتبر في صلاة العيد كونها خفيفة، وفي الخطبتين كونهما خفيفتين؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٢٩]: (بين مضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفات من طلوع شمس النحر وآخر أيام التشريق)، وهو أحسن من قول "المنهاج" [ص ٥٣٧]: (ثم مضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفتين) فإن ظاهره عدم اعتبار الخفة في الركعتين، وليس كذلك، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المذهب المعتمد عندنا: اعتبار ركعتين على المعتاد بالتكبير والفاتحة والسورة، وإنما أوردنا عليه أن يقول: خفيفات على ما ذكره هو في "الروضة"، وادعى أنه المذهب. انتهى (٢). وقال الإمام: ما أرى من يعتبر خفة الصلاة يكتفي بأقل المجزى (٣)، وظاهر ما في "الشامل" خلافه، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا المحكي عن "الشامل" ليس بمعتمد. ٥٥٤٨ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (وأفضلها البيضاء ثم الصفراء ثم السوداء) ذكر في "المهذب" موضع الصفراء: العفراء (٤)، وهي بمعناها، وقد ذكر في "أصل الروضة" الصفراء (٥)، وفسرها بأنها التي لا يصفو بياضها، وذكر في "شرح المهذب" البلقاء بين العفراء والسوداء (٦)، وليس ذكر السوداء لتقدمها على شيء بعدها، وإنما هو زيادة إيضاح. ٥٥٤٩ - قوله: (وإن نذر أضحية معينة) (٧) صوّره "المنهاج" بقوله [ص ٥٣٨]: (فقال: "لله عليّ أن أضحي بهذه") وفي معناه: لو قال: جعلتها أضحية .. فحكمه كذلك، وقد جمع بينهما

стр. 2172

"الحاوي" فقال [ص ٦٢٩، ٦٣٠]: (وتعيّن بجعله أضحية، ونذر المعين). ٥٥٥٠ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (زال ملكه عنها ولم يجز بيعها) اعتُرض بأن امتناع بيعها مفهوم من زوال ملكه عنها، فلا فائدة فيه، وقال في "الكفاية": له فوائد: منها: إفادة التنصيص على مخالفة أبي حنيفة؛ إذ جوز البيع ومنع زوال الملك. ومنها: أن الملك قد يزول ويسلط من زال ملكه عنه على بيعه؛ كمن نذر أن يهدي إلى الحرم شيئاً معيناً، فنفى توهم إلحاق هذه بتلك. ومنها: أنه جزم بجواز الركوب، وشرب فاضل اللبن عن الولد، والانتفاع بالصوف المضر بقاؤه مع أن زوال الملك ياباه، فنفى توهم أن يكون البيع أيضاً كذلك. قال في "التوشيح": ولك أن تقول على الأول: إنما يحسن لو كان أبو حنيفة يجوز البيع مع الموافقة على زوال الملك، أما إذا منع زوال الملك .. فجواز البيع عنده مستفاد من بقاء الملك، وأما الأخريان .. فقريبتان، والحاصل: أنه لا يلزم من زوال الملك امتناع البيع؛ لجواز كونه بولاية أو نيابة؛ كما أن الواقف يزول ملكه على المذهب، ثم له النظر والتصرف على خلاف فيه، فقد يقال: يزول الملك وله بيعها وشراء أجود منها، فنفى توهم ذلك. انتهى. ٥٥٥١ - قول "الحاوي" [ص ٦٣٠]: (ولمعيبة صرف مصرفها) قد يفهم أنه يختص ذبحها بوقت الأضحية، وبه صرح الرافعي والنووي، قالا: فلو ذبحها قبله .. تصدق بلحمها، ولم يأكل منه شيئاً، وعليه قيمتها يتصدق به (١). واستشكله في "المهمات" لأنها ليست أضحية حقيقة، بل حكمها كحكمها، وهو لو صرح في نذر التصدق بيوم .. جاز التقدم عليه بغير الملفوظ به، وهو في المقدر أولى. وقد يقال: سكوت "الحاوي" عن الوقت يدل على أنه ليس في ذلك كالمصرف. ٥٥٥٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (فإن تلفت قبله .. فلا شيء عليه) يفهم أنها لو تلفت في الوقت .. ضمنها، ومحله: ما إذا كان بعد التمكن من ذبحها، فإن تلفت في الوقت قبل التمكن من ذبحها .. فلا شيء عليه أيضاً، وإطلاق "التنبيه" و"الحاوي" أنه لا يضمنها إذا تلفت (٢)، محمول على ما ذكرناه، هذا هو المنقول، وقول النووي من زيادته فيما إذا ضلت بعد مضي بعض أيام التشريق: الأرجح: أنه ليس بتقصير كمن مات في أثناء وقت الصلاة الموسع لا يأثم على الأصح (٣)، مخالف لما تقدم، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ليس بمعتمد.

стр. 2173

٥٥٥٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (فإن أتلفها .. لزمه أن يشتري بقيمتها مثلها ويذبحها فيه) قد يفهم منه أنه لو لم يجد مثلها إلا بأكثر من قيمتها .. لم يلزمه شراؤه، وليس كذلك، بل يلزمه أكثر الأمرين من قيمتها وأضحية مثلها؛ ولهذا عبر "الحاوي" بقوله [ص ٦٣١]: (أكثر القيمة والمثل) و"التنبيه" بقوله [ص ٨١]: (ضمنها بأكثر الأمرين من قيمتها أو أضحية مثلها) وقال في "الكفاية" تبعاً لـ"التحرير": كذا في "التنبيه" وسائر كتب الفقه، والأجود حذف ألف (أَوْ) لأنه على تقدير إثباتها يكون معناه: (أكثر الأمرين من قيمتها أو أكثرهما من أضحية) ومعلوم أن هذا غير منتظم (١). واعترضه الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين: بأن صيغة الأجود تقتضي جواز غيره، وقوله: (غير منتظم) يقتضي منعه، وبأن إثبات الألف جائز بمعنى آخر، وهو أن يكون قوله: (من قيمتها ... إلى آخره) بياناً للأكثر، لا للأمرين؛ فكأنه قال: وهو - أي: وأكثر الأمرين - هو قيمتها أو أضحية مثلها، ويعلم من بيان الأمرين بطريق اللزوم، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، وقال: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، وفي حديث ذي اليدين: (صلى إحدى صلاتي العشاء الظهر أو العصر) (٢). قال في "التوشيح" ما ذكره محتمل حسن، والنووي لم يمنعه؛ ولذلك عبر بالأجود، وإنما ادعى اقتضاء العبارة لما ذكره ولا ريب أنها ظاهرة فيه، وقوله: (غير منتظم) لا ينافي كون الأجود حذف الألف؛ لأن معنى كلامه إثبات الألف يفهم كذا، وإفهام كذا غير منتظم؛ فالأجود حذف الألف دفعاً لهذا، وقد يبقى ويُؤَول الكلام بالطريق التي أفادها الشيخ برهان الدين. نعم؛ قول النووي: إن الألف موجودة في سائر الكتب لعله أراد الغالب، وإلا .. فهي محذوفة في الرافعي. ٥٥٥٤ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (إن زادت القيمة على مثلها تصدق بالفاضل، وقيل: يشتري به اللحم ويتصدق به، وقيل: يشارك في ذبيحة أخرى) الأصح: الثالث، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٦٣١]: (أو زاد ولا كريمة .. فشقصٌ) ومحله: فيما إذا أمكن، أما إذا لم يمكن .. فقال في "الشامل": ينبغي أن يكون فيه الوجهان الأولان، ومحل الخلاف: فيما إذا لم يمكن أن يشتري بالفاضل أضحية كاملة، فإن أمكن ولو من غير الجنس .. لزمه قطعاً، ثم ظاهر المشاركة في ذبيحة أخرى الإجزاء، ولو كان بجزء لا يجزئ في الأضحية كالمشاركة في شاة، وهو الذي حكى

стр. 2174

في "الكفاية" عن الإمام وغيره التصريح به، وهو مقتضى إطلاق الرافعي هنا (١)، لكنه خالفه في (الوقف) فقال في أثناء مسألة: بخلاف ما إذا أتلف الأضحية ولم يوجد بقيمتها إلا شقص شاة؛ لأنه لا يضحي بشقص الشاة (٢). ٥٥٥٥ - قول "الحاوي" [ص ٦٣٠]: (وإن عيّب .. صرفه وضحى سليمة) حمله القونوي وغيره على المعين ابتداء، وعما في الذمة، وليس كذلك في الثانية، بل لا يلزمه ذبحه، وينفك عن الاستحقاق على الأصح، ونسب للنص، والحق أن كلام "الحاوي" إنما هو في المعيّن ابتداء، وقد ذكر المعين عما في الذمة بقوله بعده: (وإن عيّن لنذر .. أبدل بها) (٣) ومراده: ما إذا حصل له العيب بعد ذلك، وإن كان ظاهر عبارته الإبدال من غير عيب، لكنه متى حمل على ذلك .. خالف الأصح الذي عليه الأكثرون: أنه يتعين بالتعيين، ولا يجوز إبداله، ووقع في موضع من الرافعي و"الروضة" ما يقتضي الانفكاك في المعينة ابتداءً أيضاً (٤). قال في "المهمات": والظاهر أنه سهو. ٥٥٥٦ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (وله أن يركبها) قيده في "أصل الروضة" بأن يكون بغير إجحاف (٥)، ومعناه كما في "الكفاية": ألَاّ يلحقها بذلك مشقة، قال في "التوشيح": ولا يختص بالهدي والأضاحي؛ فلا يجوز تحميل الدواب ما يضر بها، وهو في "التنبيه" في بابه. انتهى. وصحح في "شرح المهذب": أنه لا يجوز إلا لحاجة، وقال: إنه ظاهر النص (٦)، وحكى الماوردي عن الشافعي أنه قال: ويركب الهدي إن اضطر إليه ركوباً غير قادح، ويحمل المضطر عليها (٧). قال في "المهمات": فعلى هذا لا يجوز ذلك لقادر على المشي ركب مترفهاً، ولا لقادر على غيرها بملك أو إجارة، قال: وفي الإعارة نظر، قال الماوردي: وكذلك لو ركبها من غير ضرورة .. جاز ما لم يهزلها (٨)، وحمله في "التوشيح" على الحاجة، وقال: الذي يظهر حرمة

стр. 2175

الركوب لا لحاجة أصلاً؛ لأنه عبث وإتعاب حيوان بلا فائدة، قال: ولا اختصاص لهذا بالهدي والأضاحي. ٥٥٥٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (وولد الواجبة يذبح) أحسن من قول "التنبيه" [ص ٨١]: (فإن ولدت .. ذبح معها ولدها) لأمرين: أحدهما: أنه يتناول الهدي، ويتناول المعينة بالنذر ابتداء، وما إذا عينها عما في ذمته وهو الأصح في الثانية، وفيها وجهان آخران: أحدهما: أنه لا يجب ذبح ولد المعينة عما في الذمة. والثاني: يبيعها ما دامت حية، بخلاف عبارة "التنبيه" فإنه لا يتناول الهدي ولا المعينة عما في الذمة. الأمر الثاني: أن عبارة "التنبيه" تقتضي أنه لا يجب ذبح ولدها إلا معها، وكذا عبارة "المحرر" (١)، فأسقط "المنهاج" لفظة: (معها) ليشمل ما لو ماتت الأم .. فإنه يذبح جزماً في المعينة ابتداءً، وعلى الصحيح في المعينة عما في الذمة. ٥٥٥٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨] و"الحاوي" [ص ٦٣١]: (وله أكل كله) صريح في أن الكلام في ولد الواجبة، وهو مشكل؛ لأن وجوب ذبحه مع جواز أكله مدركه أنه كالجزء من الأم .. فجاز أكله كعضو منها، فيلزم من جواز الأكل من الواجب وهو خلاف ما تقرر، وفي "أصل الروضة": في الأكل منه ومن أمه أوجه، صحح الروياني: أن لكل منهما حكم ضحية، فيتصدق من كل منهما بشيء، والثاني: يكفي التصدق من أحدهما، والثالث: لا بد من التصدق من الأم؛ لأنها الأصل، وصححه الغزالي، قال: ويشترك الثاني والثالث في جواز أكل جميع الولد (٢). فرض في "شرح المهذب" هذه الأوجه في أضحية التطوع، وقال: إن المختار ما صححه الروياني، ثم قال: والأصح على الجملة: أنه يجوز أكل جميعه (٣). وجعل ابن الرفعة محل الأوجه إذا قلنا: يجوز الأكل من الواجبة، وأنه لا يأكل الكل، فأفهم أنا إذا قلنا: لا يأكل الواجبة .. لا يأكل من الولد، وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن بعضهم أنه اعتقد أن الأوجه في الواجبة والتطوع، قال شيخنا: والخلاف إنما هو في الواجبة كما في كلام الماوردي والإمام ومن تبعه، قال: ولا خلاف أن أضحية التطوع لا يلزمه ذبح ولدها، وأنه لو

стр. 2176

ذبحه .. لا يقع أضحية، قال: وهل يختص أكل ولد الواجبة جميعه بالذي أوجب دون وارثه، فيتعين عليه التصدق به، أو يجوز للوارث ما كان لمورثه؟ الأرجح: الثاني، ولم أر من تعرض لذلك. ٥٥٥٩ - قولهما: (وله أن يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها) (١) قال الماوردي: مع الكراهة، قال الشافعي: ولو تصدق به .. كان أحب إليّ (٢). ويستثنى من الفاضل: ما ينهك لحمها، وعبارة الشافعي في "المختصر": (ولا يشرب من لبنها إلا الفضل عن ولدها وما ينهك لحمها) (٣)، ومقتضاه: أنه لو مات الولد أو فطم .. كان له شرب ما لا ينهك لحمها. ٥٥٦٠ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (فإن كان صوفها يضر بها إلى وقت الذبح .. جاز له أن يجزه وينتفع به) يفهم أنه لو كان بعد وقت الذبح ولا حاجة بها لإبقائه .. أنه لا يُجَزُّ، ومفهوم كلام الرافعي خلافه (٤). ٥٥٦١ - قول "المنهاج" في المنذور [ص ٥٣٨]: (لزمه ذبحه فيه) قد يفهم أنه لو فات الوقت .. لا يذبحه، وليس كذلك، بل يذبحه بعده قضاءً، وقد صرح به "التنبيه" فقال [ص ٨١]: (فإن لم يذبحها حتى فات الوقت .. لزمه أن يذبحها) وقال قبل ذلك فيمن لم يضح حتى فات الوقت: (وإن كان منذوراً .. لزمه أن يضحي) (٥) فحمل بعضهم كلامه أولاً على الملتزمة في الذمة، والثاني على المعينة ابتداءً؛ دفعاً للتكرار، ولو قال: (واجباً) بدل (منذوراً) .. لكان أولى؛ ليدخل الواجب بالتعيين؛ كقوله: جعلتها أضحية. ٥٥٦٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (فإن تلفت قبله .. بقي الأصل عليه في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (على المذهب) ففي "أصل الروضة" طريقان: قطع الجمهور بوجوب الإبدال لمن اشترى بدينه سلعة من المديون فتلفت قبل القبض، وقيل: وجهان، نقلهما الإمام (٦). والضمير في قوله: (قبله) عائد إلى الذبح لا إلى الوقت؛ فإنها لو تلفت في الوقت قبل الذبح .. بقي الأصل عليه أيضاً، ومحل الخلاف: ما إذا لم يكن تلفها بعد أيام التشريق مع إمكانه الذبح في وقته، فإن كان كذلك .. بقي الأصل بلا خلاف.

стр. 2177

٥٥٦٣ - قوله: (وتشترط النية عند الذبح إن لم يسبق تعيين) (١) كذا في "المحرر" (٢)، والذي في "الروضة": النية شرط في التضحية، وهل يجوز تقديمها على الذبح، أم يجب قرنها به؟ وجهان، أصحهما: الجواز (٣). وقال الرافعي: قضية ما ذكره عن الإمام أنهما كالوجهين في تقدم النية على تفرقة الزكاة. وقيدهما في "شرح المهذب" في الزكاة بما إذا نوى بعد إفراز المال وقبل الدفع (٤)، قال في "المهمات": فتكون الأضحية كذلك، ثم قال في "الروضة": ولو قال: جعلت هذه الشاة ضحية .. فهل يكفيه التعيين والقصد عن نية الذبح؟ وجهان، أصحهما عند الأكثرين: لا، ولو التزم ضحية في ذمته ثم عين شاة عما في ذمته؛ فإن قلنا: تتعين .. فالوجهان، وإلا .. فلا بد من النية عند الذبح، كذا عبر في "الروضة" (٥)، وعبارة الرافعي: فلا بد من نية الذبح (٦)، وبينهما تفاوت، وسيأتي ما يخالف عدم الاكتفاء بالتعيين عن نية الذبح في الاكتفاء بذبح أجنبي المعينة. وقول الرافعي في تعليله: إن ذبحها لا يفتقر إلى نية، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": قوله (إن لم يسبق تعيين) فيه إلباس؛ لاحتمال أن يريد به: إن لم يسبق تعيين الأضحية، بقوله: هذه أضحي بها، وأن يريد به: إن لم يسبق تعيين بنذر، وأن يريد به: إن لم يسبق تعيين عن نذر في الذمة، وأيضاً فيحتمل: إن سبق تعيين .. لم يشترط النية، أو تشترط ولكن لا عند الذبح، فأما الصورة الأولى: فيجوز فيها تقديم النية على الذبح بعد التعيين، ولم يذكره في "الروضة" وأصلها، وهو مقتضى ما سبق عن "شرح المهذب" في الاكتفاء بنية الزكاة بعد إفراز المال، ولا يكفي التعيين المذكور عن النية بلا خلاف، وأما صورتا النذر: فلا يغني التعيين فيهما عن النية عند الذبح على الأصح في "أصل الروضة"، ونحن نخالف في ذلك. قلت: كيف يكتفي بتقديم النية على الذبح في المعين بلا نذر دون المعين بنذر، وقد عرفت أن الذي في "الروضة": تصحيح جواز التقديم، ولم يقيده بشيء، وظهر أن قول "المنهاج": (إن لم يسبق تعيين) أي: فلا نشترط النية عند الذبح فيما إذا سبق تعيين سواء أكان بنذر أم بغيره، وينبغي إطلاق "الروضة" نصحبح الجواز على ما إذا سبق تعيين، والله أعلم. وعبارة "الحاوي" في ذلك [ص ٦٢٩]: (بنيّة وإن تقدمت)، وهي موافقة لما في "الروضة".

стр. 2178

٥٥٦٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (وكذا إن قال: "جعلتها أضحية" في الأصح) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا نعرف هل هو تشبيه لقوله: (إن لم يسبق تعيين) .. فيكون: (كذا إن قال: "جعلتها أضحية" في الأصح) فإنه يكون كسبق التعيين فلا يحتاج إلى النية، أو فيجوز تقديم النية، أو تشبيه لقوله: (وتشترط النية عند الذبح) أي: وكذا إن قال: "جعلتها أضحية" .. فتشترط النية عند الذبح، وهذا الكلام غير مستقيم، وكلامه يوهم اختصاص الخلاف بما بعد (كذا)، وليس كذلك؛ ففي التي قبلها أيضاً خلاف. انتهى. وفهم في "المهمات" الثاني، فقال: وصحح في "المنهاج" أنه لا يكفي، وكذا حكاه في "أصل الروضة" عن تصحيح الأكثرين (١)، واضطرب كلامه في ذلك في "شرح المهذب" (٢). ٥٥٦٥ - قوله: (وإن وكل بالذبح .. نوى عند إعطاء الوكيل أو ذبحه) (٣) يوهم عدم جواز النية من الوكيل، وليس كذلك، بل له تفويض النية له كما يفوض الذبح إليه؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٢٩]: (لا إن وكل مسلماً بهما) أي: بالذبح والنية، والتقييد بالمسلم لأجل النية، ولا بد من تقيده أيضاً بأن يكون عاقلاً صاحياً، فكل من المجنون والسكران لا تصح نيته. ٥٥٦٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (وله الأكل من أضحية تطوع) فيه أمران: أحدهما: أنه يقتضي تحريم أكله من الواجب، وبه صرح "التنبيه" و"الحاوي" (٤)، وصححه في "شرح المهذب" (٥)، وحكى الماوردي عن أكثر الأصحاب الجواز (٦)، وصححه شيخنا في ["شرح المنهاج"] (٧)، وهو مقتضى قول "المنهاج" في ولد الواجبة [ص ٥٣٨]: (وله أكل كله) وقال الرافعي: يشبه أن يتوسط فيرجح في المعين الجواز، وفي المرسل المنع سواء عين عنه ثم ذبح، أو ذبح بلا تعيين؛ لأنه عن دين في الذمة، فأشبه الجبرانات، وإلى هذا ذهب صاحب "الحاوي", وهو مقتضى سياق الشيخ أبي على (٨). ومشى على تصحيح هذا التفصيل شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" (٩)، وقال في "التنقيح": إن الرافعي قرره في "الشرح"، وكذا النووي في "شرح المهذب" و"الروضة"، وقد عرفت أنه

стр. 2179

في "الشرح" و"الروضة" بحث، وأن المصحح في "شرح المهذب": المنع مطلقاً. وقال في "المهمات": خالف الرافعي ذلك في المعينة فقال فيما إذا [تعينت] (١) يوم النحر قبل التمكن: فيذبحها ويتصدق بلحمها، ونقل بعد ذلك عن "التهذيب" ما يوافقه، وذكر في الكلام على ولد الأضحية ما حاصله: أنه يجوز الأكل في المعينة عما في الذمة. انتهى (٢). ثم هذا كله في غير نذر المجازاة، فلا يجوز في نذر المجازاة الأكل مطلقاً على المذهب، وفي غير نذر اللجاج؛ كقوله على وجه الغضب: (إن كلمت زيداً .. فـ لله عليّ أن أضحي بهذه الشاة) فإذا كلمه واختار وفاء ما التزمه .. لم يجز الأكل منها قطعاً؛ لأنه ككفارة اليمين، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: لم يتعرضوا له هنا، وذكر في "المطلب" التفريع على ما إذا قلنا: يلزمه الوفاء بما عينه، ونحن ذكرنا التفريع على التخيير، وهو الأصح. ثانيهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل الأكل من أضحية تطوع: ما لم يرتد، فإن ارتد .. لم يكن له الأكل من أضحيته التي تطوع بها قبل الردة، وقال الشافعي ﵁ في "البويطي": ولا يطعم منها أحد على غير دين أهل الإسلام. ٥٥٦٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨] و"الحاوي" [ص ٦٣١]: (وإطعام الأغنياء، لا تمليكهم) قد عرفت مما تقدم أنه لابد من تقييد الأغنياء بأن يكونوا مسلمين، ونازع شيخنا الإمام البلقيني في أنه ليس له تمليكهم وقال: إنما ذكره الإمام من تفقهه، وظاهر نصوص الشافعي ﵁ والأصحاب وعمل الناس في الأعصار والأمصار على خلافه، والقياس على صدقة التطوع وعلى من يأخذ الزكاة مع الغنى كالغارم يدل على خلافه، وقد نازع ابن الصلاح الإمام فيما ذكره، وقال: إن فيه نظراً، وما أطلقه غيره من جواز الإهداء إلى الأغنياء ظاهره الهدية المفيدة للملك لا الإطعام على وجه الضيافة، وفي "المطلب": الظاهر مع ابن الصلاح، قال شيخنا: ويستثنى من كلام الإمام، ضحية الإمام من بيت المال؛ فيملك الأغنياء ما يعطيهم منها، وقال: ما أظن الإمام يخالف في هذه الصورة. ٥٥٦٨ - قول "التنبيه" [ص ٨١]: (والمستحب أن يأكل الثلث ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث في أحد القولين، وفيه قول آخر: أنه يأكل النصف ويتصدق بالنصف) الأصح في "تصحيح التنبيه": الأول (٣)، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص ٥٣٨]: (ويأكل ثلثاً، وفي قول: نصفاً) ولم يبين تمام القسمة، وقد أفصح عنه "التنبيه"، وقيل: يتصدق بالثلثين، وعليه مشى "الحاوي"

стр. 2180

فقال [ص ٦٣١]: (والتصدق بالباقي) أي: الأولى التصدق بالباقي بعد اللقمة ثم قال: (والكمال بالثلثين) (١) أي: وكمال الشعار يحصل بالتصدق بالثلثين، وإن كان الأفضل الأول. وهذا التفاوت الذي بين عبارتي "التنبيه" و"الحاوي" هو اختلاف بين الأصحاب في التعبير عن القول الجديد، وقال الرافعي في "التذنيب": إن المشهور التصدق بالثلثين (٢). وقال في "أصل الروضة": يشبه ألَاّ يكون اختلافاً في الحقيقة، لكن من اقتصر على التصدق بالثلثين ذكر الأفضل، أو توسع فعد الهدية صدقة، قال: والمفهوم من كلام الأصحاب أن الهدية لا تغني عن التصدق بشيء إذا أوجبناه، وأنها لا تحسب من القدر الذي يستحب التصدق به (٣). قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ويستثنى من أكل الثلث أو النصف: تضحية الإمام من بيت المال. ٥٥٦٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (والأصح: وجوب تصدق ببعضها) كان ينبغي التعبير بالأظهر؛ فإن في "البحر" حكاية مقابله عن رواية ابن القاص عن النص، وفي "المطلب": كأن مستند ابن القاص في حكايته عن النص كونه نص في القديم على ما حكاه البندنيجي على أنه لو أكل الكل .. لا يضمن، وقد يدخل في تعبيره بـ (بعضها) وتعبير "التنبيه" بـ (أدنى جزء) (٤) العظم والجلد، ولا شك في عدم إجزائهما. وتردد شيخنا في "تصحيح المنهاج" في الشحم وجلد السميط الذي يمكن أكله، ورتب الألية على الشحم، وقال: إنها أولى بالجواز، فتعبير "الحاوي" بقوله [ص ٦٣١]: (ويجب تمليك الفقير اللحم نياً أقل شيء) حسن؛ لتصريحه باللحم، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولم يتعرضوا للقديد، والظاهر أنه لا يجزئ. ٥٥٧٠ - قول "الحاوي" [ص ٦٣١]: (والتصدق بالباقي) أي: بعد اللقمة أحسن من قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (والأفضل: بكلها إلا لقماً يتبرك بأكلها) وقد خير في "أصل الروضة" بينهما، فقال: إلا لقمة أو لقماً (٥). ٥٥٧١ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (ولا تضحية لرقيق) أي: كامل الرق، فيجوز تضحية المبعض كما تقدم أول الباب.

стр. 2181

٥٥٧٢ - قوله: (فإن أذن سيده .. وقعت له) (١) يوهم وقوعها للعبد؛ لقرب ضميره في قوله: (سيده) وإنما تقع للسيد. ٥٥٧٣ - قوله: (ولا يضحي مكاتب بلا إذن) (٢) أي: فبالإذن القولان في تبرعه به. ٥٥٧٤ - قوله: (ولا تضحية عن الغير بغير إذنه) (٣) هذا هو المشهور المجزوم به هنا، لكن في "أصل الروضة" في (الوصية) بعد ذكر الصدقة عنه: وهذا القياس يقتضي جواز التضحية عن الميت؛ لأنها ضرب من الصدقة، وأطلق أبو الحسن العبادي جواز التضحية عن الغير، وروى فيه حديثاً، لكن في "التهذيب": لا تجوز التضحية عن الغير بغير إذنه، وكذا عن الميت، إلا أن يكون أوصى به. انتهى (٤). ويستثنى من التضحية عن الغير بغير إذنه صور: أحدها: المعينة بالنذر إذا ذبحها أجنبي وقت التضحية .. وقعت الموقع على المشهور في "أصل الروضة" (٥)، فيفرق صاحبها لحمها؛ لأنه مستحق الصرف إلى هذه الجهة، فلا يشترط فعله، كردّ الوديعة؛ ولأن ذبحها لا يفتقر إلى نية، فإذا فعله غيره .. أجزأ، وقد ذكرها "الحاوي" فقال [ص ٦٣١]: (وإن ذبح أجبني وقتها .. فضحية، وضمن أرش الذبح). الثانية: تضحية الولي من ماله عن محاجيره، ذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أن مقتضى قول "الأم": (ولا يضحى عما في البطن) (٦) جوازه، وقال الماوردي: ولا يجوز لولي الطفل والمجنون أن يضحي عنهما من أموالهما (٧)، فمفهومه: جوازه من ماله. الثالثة: أضحية واحد من أهل البيت يحصل بها سنة الكفاية لهم كما تقدم، وإن لم يصدر من بقيتهم إذن، وفي زيادة "الروضة" عن "العدة": لو أشرك غيره في ثواب أضحيته وذبح عن نفسه .. جاز (٨). الرابعة: الإمام يضحي عن المسلمين من بيت المال، صرح به الماوردي (٩).

стр. 2182

٥٥٧٥ - قوله: (ولا عن ميت إن لم يوص بها) (١) لا يخفى أنه من ذكر الخاص بعد العام، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ذكر ذلك البغوي، ومستنده أن علياً ﵁ كان يضحي عن النبي ﷺ ، وقال: (أمرني فلا أدعه أبداً) رواه أبو داوود والترمذي، واستغربه (٢)، ثم قال شيخنا: والذي يقتضيه مذهب الشافعي: أنه لا يضحى عن الميت مطلقاً؛ وهو الأرجح، وحديث على إن صح. . محمول على خصوصية النبي ﷺ بذلك، وكون الأصل عدم التخصيص إنما هو فيما ثبت فيه تشريع بطريق العموم. انتهى. وحيث ضحى عن الميت. . لا يجوز الأكل من الأضحية؛ لتعذر إذن الميت، بل يجب التصدق بجميعها، قاله القفال في "فتاويه".

стр. 2183

بابُ العَقِيقة ٥٥٧٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (يُسن أن يعُق) لم يبين الذي يسن له ذلك، وكذا لم يبينه "الحاوي"، وفي "التنبيه" أنه من ولد له (١)، وهذا يتناول الأم، والمجزوم به في "أصل الروضة" أنه من تلزمه نفقته (٢)، ومقتضاه: أنها لا تعق إلا عند [إعسار] (٣) الأب، والمراد: من تلزمه نفقته حقيقة لإعسار الولد، أو بتقدير إعساره فيما إذا كان موسراً .. فإنهم صرحوا بأنه لا يعق من مال المولود لو كان موسراً، فدل على ما ذكرناه، فهذا الولد الموسر لا يلزم أباه نفقته، ومع ذلك فهو الذي يعق عنه. قال الرافعي: وأما عق النبي ﷺ عن الحسن والحسين .. فمتأول. قال النووي: تأويله أنه ﵊ أمر أباهما بذلك، وأعطاه ما عق به، أو أن أباهما كان عند ذلك معسراً، فيكونان في نفقة جدهما رسول الله ﷺ . انتهى (٤). ولا بد أيضاً من تقدير [إعسار] (٥) أمهما في تلك الحالة، وقد ذكره في "شرح المهذب" (٦)، وهو في بعض نسخ "الروضة"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": اختصاص ذلك بمن تلزمه النفقة، ذكره الماوردي وغيره (٧)، ولم أجده في كلام الشافعي وأكثر أصحابه، والأقرب عندي: أن ذلك يتعلق بالأصول، لا على ترتيب النفقة، ولكن أولاهم به الأب، ثم أبوه، ثم الأم، ثم الجد للأم، ولو ذبح الأبعد .. وقع الموقع، ولا أأوّل الحديث. ودخل في قولهم: من تلزمه نفقته: الأب الكافر؛ فيعق عن ولده المسلم بإسلام أمه أو غير ذلك، وذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: كما يتعلق به إخراج زكاة الفطر عنه على الأصح، قال: ولم أر من تعرض لهذا. ٥٥٧٧ - قول "الحاوي" [ص ٦٣٢]: (من الولادة إلى البلوغ) موافق لقول "أصل الروضة": ويجزئ ذبحها قبل فراغ السبعة، ولا يحسب قبل الولادة، بل تكون شاة لحم، ولا تفوت بتأخرها عن السبعة، لكن الاختيار ألَاّ يؤخر إلى البلوغ، ثم قال أبو عبد الله البوشنجي من أصحابنا: إن لم

стр. 2184

تُذبح في السابع .. ذُبحت في الرابع عشر، وإلا .. ففي الحادي والعشرين، وقيل: إذا تكررت السبعة ثلاث مرات .. فات وقت الاختيار، فإن أخرت حتى بلغ .. سقط حكمها في حق غير المولود، وهو مخير في العقيقة عن نفسه، واستحسن القفال الشاشي أن يفعلها، ويروى أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة، ونقلوا عن نصه في "البويطي": أنه لا يفعل ذلك، واستغربوه: قال النووي: رأيت نصه في نفس كتاب "البويطي" قال: (ولا يعق عن كبير) هذا لفظه، وليس مخالفاً لما سبق؛ فإن معناه: لا يعق عنه غيره، وليس فيه نفي عقه عن نفسه (١). وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الظاهر أنه مطلق، ثم قال في "أصل الروضة" بعد ذلك: فلو كان المنفق عاجزاً عن العقيقة فأيسر في السبعة .. استحب له العق، وإن أيسر بعدها وبعد مدة النفاس .. فهي ساقطة عنه، وإن أيسر في مدة النفاس .. ففيه احتمالان للأصحاب؛ لبقاء أثر الولادة (٢). قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": فعلى المذكور أولاً إذا أيسر المنفق في أي وقت كان قبل البلوغ .. استحب له أن يفعلها. قلت: لا منافاة بين الكلامين؛ لأن كلامه أولاً في أصل العقيقة، وثانياً فيمن توجهت السنية إليه وقت الولادة، فما دام المولود غير بالغ .. فمخاطبة من تلزمه نفقته بعقيقته على سبيل الاستحباب باقية، والذي يتوجه إليه هذا الاستحباب هو من تلزمه نفقته بشرط اليسار في السبعة، أو في مدة النفاس على أحد الاحتمالين، ولا يتوجه إليه الاستحباب بيساره بعد مدة النفاس، بل ينتقل الاستحباب لمن بعده؛ ولهذا حين ذكر البلوغ .. عبر بسقوط حكمها، وحين ذكر انقضاء مدة النفاس .. قال: فهي ساقطة عنه، ولم يقل: سقط حكمها مطلقاً، بل حكمها مستمر، لكن على غير هذا المعسر طول مدة النفاس، والله أعلم. ٥٥٧٨ - قولهما - والعبارة لـ"المنهاج" -: (عن غلام بشاتين، وجارية بشاة) (٣) فيه أمور: أحدها: أنه يفهم أنه لا تحصل السنة عن الغلام بشاة، وليس كذلك، بل يحصل به أصل السنة؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٣٢]: (وشاتان، وللأنثى شاة أحبُّ) وقد تفهم عبارته أنه يستحب للخنثى شاتان؛ لأنه قرر ذلك ثم استثنى منه الأنثى خاصة، وقال بعضهم: الخنثى كالأنثى فيما يظهر، وفيه احتمال. ثانيها: قيده شيخنا في "تصحيح المنهاج" بأن يكون حراً نسيباً إلى أصله، قال: فلو كان رقيقاً

стр. 2185

وضعته جارية الإنسان أو زوجته الرقيقة .. لم تتعلق سنة العقيقة بوالده؛ لأنه لا يلزمه نفقته، ولا بمالكه؛ لأنه لا ينسب إليه، ولو كان حراً إلا أنه لا ينسب لصاحب الفراش .. لم يسن له العق عنه. نعم؛ يسن للأم إذا لزمتها نفقته. ثالثها: ظاهره أنه لا تتأدى السنة في العقيقة بغير الشاة، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولم يقل به أحد من الشافعية، وقال في "التوشيح": قاله أبو نصر البندنيجي في كتاب "المعتمد"، ونصه: ليس للشافعي نص في غير الغنم في العقيقة، وعندي لا تجزئ غيرها، وأبو نصر هذا من أكابر تلامذة أبي إسحاق الشيرازي. انتهى. ومقتضى قول "الحاوي" المتقدم: (وشاتان، وللأنثى شاة أحبُّ) مع قوله أولاً: (والعقيقة كهي) (١) - أي: كالأضحية - تأدي السنة بالإبل والبقر أيضاً، لكن مقتضاه: ترجيح الشياة عليهما، والأصح: تفضيل الإبل ثم البقر كالأضحية. قال الرافعي: وينبغي أن تتأدى السنة بسبع بدنة أو بقرة (٢). ٥٥٧٩ - قول "التنبيه" [ص ٨٢]: (ويفرق على الفقراء) فيه أمران: أحدهما: أن مقتضاه: تفرقة الجميع عليهم، لكن في "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (وسنهما وسلامتهما والأكل والتصدق كالأضحية) ومقتضاه: أكل الثلث، وهو مقتضى قول "الحاوي" [ص ٦٣٢]: (العقيقة كهي)، ولم يذكر "المنهاج" الهدية، ولا دخلت في عبارة "الحاوي" أيضاً؛ لأن رأيه في الأضحية التصدق بالثلثين، وذكرها في "الروضة" وأصلها (٣)، ودخل في عبارة "الحاوي" سائر أحكام الأضحية. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم نجد للشافعي ﵁ نصاً يقتضي التثليث في العقيقة، وجاءت أحاديث في إعطاء القابلة رجلها، وذكر في "أصل الروضة": أنه مستحب (٤)، فخرجت العقيقة عن تثليث الأضحية إن كانت الرجل قبل التثليث، وإن كانت من ثلث الهدية .. فليس ذلك كالأضحية، قال: وفي إعطاء القابلة الرجل والنهي عن إعطاء الجزار من الأضحية شيئاً دلالة على المسامحة في العقيقة، وإذا أهدي للغنى من العقيقة شيء .. ملكه، وفي الأضحية كلام الإمام وما تعقبناه به، والفرق: أن الأضحية ضيافة عامة من الله تعالى للمؤمنين، فلا يملكها الأغنياء بالهدية، بخلاف العقيقة.

стр. 2186

ثانيهما: أن مقتضاه: تفرقته نياً كالأضحية، لكن في "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (ويسن طبخها)، وفي "الحاوي" [ص ٦٣٢]: (والتصدق بالمطبوخ من الدعوة أحبُّ)، وهو الصحيح في "أصل الروضة" (١)، والمحكي عن الجمهور في "شرح المهذب" أي: أنه لا يتصدق بلحمها نياً، بل مطبوخاً (٢). ونازع شيخنا الإمام البلقيني في ذلك، وقال: ليس فيه خبر عن النبي ﷺ ، ولا أثر عن صحابي نحتج به، وما في "المهذب" عن عائشة لم نقف له على إسناد (٣)، ونقل البغوي عن الشافعي: أنه يطبخها بحموضة (٤)، لا يعرف في شيء من كتبه، ولم يذكره غيره، وبتقدير ثبوته فليس فيه أنه سنة، وإنما فيه جواز الطبخ، ولا خلاف في جواز طبخ أكثرها، وتمسك شيخنا بأن المارودي قال: إن لم نجوز ما دون الجذعة والثنية .. وجب التصدق بلحمها نياً (٥)، وأن الإمام قال: إن أوجبنا التصدق بقدر .. وجب تمليكه نياً (٦)، وهما محكيان في "أصل الروضة" (٧)، لكنه صحح خلافهما كما تقدم، وقال شيخنا: إن المحكي في "شرح المهذب" عن الجمهور لم أجده في كلام أحد من الأصحاب، ولا يوجد في تصنيف، والعجب أن في "المهذب": ويستحب أن يطبخ من لحمها طبيخاً حلواً (٨)، وهو مباين لنقل شارحه عن الجمهور! فإن كان عنده موافقاً له .. فممنوع، أو مخالفاً .. فكان ينبغي التنبيه عليه. ٥٥٨٠ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (ولا يُكسر عظم) و"الحاوي" [ص ٦٣٢]: (بلا كسر عظم) قد يفهم كراهته، وليس كذلك في الأصح؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص ٨٢]: (ويستحب نزع اللحم من غير أن يكسر العظم) والمراد: استحباب ذلك ما أمكنه. ٥٥٨١ - قول "التنبيه" [ص ٨٢]: (فإن كان غلاماً .. عق عنه بشاتين ... إلى آخره) بعد قوله: (المستحب لمن ولد له ولد أن يحلق رأسه يوم السابع) يتبادر إلى الفهم منه أن العقيقة يوم السابع، لكنه لم يصرح به، وصرح بذلك "الحاوي" فقال [ص ٦٣٢]: (وفي السابع أحب) لكنه لم يبين هل يحسب يوم الولادة من السبعة أم لا، فظاهر قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (وأن تذبح يوم سابع

стр. 2187

ولادته) حسبان يوم الولادة منها، وهو الأصح في "أصل الروضة" هنا (١)، لكنه صحح في الختان من زيادته: أنه لا يحسب (٢)، ونقل هنا من زيادته عن نص الشافعي في "البويطي": أنه لا يحسب (٣)، وقال في "شرح المهذب" مع نقله فيه هذا النص: إن المذهب: أنه يحسب (٤). قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وكيف استقام له بعد أن عرف النص أن يقول: إن المذهب غيره، وليس للشافعي نص يخالفه مع أن نص "البويطي" إنما حكاه الشافعي عن مالك، لكن لما لم يتعقبه .. كان العمل به في مذهبه أولى. وظاهر كلامهم: استحبابها في السابع وإن مات المولود قبله، وهو المذكور في "شرح المهذب" فقال: تستحب عندنا، وقال الحسن البصري ومالك: لا تستحب (٥)، لكن في "الكفاية": مذهبنا أنها لا تستحب، فهذان نقلان متباينان، ويوافق ما في "الكفاية" قول "أصل الروضة": ويستحب أن يعق عمن مات بعد الأيام السبعة والتمكن من الذبح، وقيل: يسقط بالموت. انتهى (٦). فإن مفهومه سقوطها عمن مات قبل السابع أو بعده وقبل التمكن من الذبح. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن مقتضى كلام "المنهاج" عدم استحبابها إذا مات قبله، وفي "أصل الروضة": ولا يترك تسمية السقط، ولا من مات قبل تمام السبعة (٧)، وهو موافق لما في "شرح المهذب" (٨)، وإن كانت المسألتان مختلفتين، وقال بعضهم في السقط الذي لم يتميز كونه ذكراً أو أنثى: يسمى بما يصلح لهما؛ كحمزة وطلحة وهند. ٥٥٨٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨] و"الحاوي" [ص ٦٣٢]: (ويُسَمَّى فيه) قال البيهقي في "سننه" بعد ذكره ما يدل عليه: إن ما جاء في تسميته حين يولد أصح، فذكر حديث أنس، قال: (ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ حين ولد) وفيه: (وسماه عبد الله)، وحديث أبي موسى الأشعري: (ولد لي غلام، فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم) (٩) فهذان حديثان ثابتان في "الصحيحين" يدلان على التسمية يوم

стр. 2188

الولادة (١)، وذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب" حديث أنس: قال: قال رسول الله ﷺ : "ولد لي الليلة غلام فسميته إبراهيم باسم أبي إبراهيم"، وقال: إنه أصح من قول الزبير بن بكار: أنه سماه يوم سابعه (٢). وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إذا ثبتت الأحاديث الصحيحة بالتسمية يوم الولادة .. فهو السنة، وليس للشافعي نص يخالفه. ٥٥٨٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (ويحلق رأسه) و"الحاوي" [ص ٦٣٢]: (وحَلْق شعره) لم يصرحا بكونه يوم السابع، وصرح به "التنبيه" (٣)، وجزم به في "أصل الروضة" (٤)، وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن الأخبار والآثار والنص واتفاق الأصحاب؛ فكان ينبغي أن يقولا: (فيه) كما فعلا في التسمية. ٥٥٨٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (بعد ذبحها) حكاه الرافعي عن البغوي، قال: والذي رجحه الروياني ونقله عن النص: أنه يكون قبل الذبح (٥)، قال في "الروضة": وبهذا قطع المحاملي في "المقنع"، وبالأول قطع صاحب "المهذب" والجرجاني في "التحرير"، وفي الحديث إشارة إليه، فهو أرجح (٦). ومال شيخنا في "تصحيح المنهاج" إلى كونه قبل الذبح؛ للنص، وحكاه عن الشيخ أبي حامد، وقال: إنه المذهب؛ فإنه ليس في ذلك الجانب نص للشافعي، ثم ذكر أن الماوردي حكى عن الشافعي أنه قال: وهذا - أي: حلق شعره والتصدق بزنته - أحب ما صُنع بالمولود بعد الذبح (٧)، ثم أوَّله شيخنا على أن الشافعي إنما أراد: اجتناب صنع الجاهلية في تدمية رأسه يوم العقيقة ثم حلقه؛ لأن تأخير الحلق عن الذبح سنة. قلت: وفي التأويل انظر، بل هما نصان، وفي المسألة قولان، والله أعلم. وذكر في "الكفاية" أن مقتضى عبارة "التنبيه" كونه قبل الذبح. ٥٥٨٥ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨] و"الحاوي" [ص ٦٣٢]: (ويتصدق بزنته ذهباً أو فضة) عبارة

стр. 2189

"أصل الروضة": ذهباً، فإن لم يتيسر .. ففضة (١). ٥٥٨٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٨]: (ويُؤذن في أذنه حين يولد) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هو مقيد بمقتضى الأدلة بالأذن اليمنى؛ لحديث عائشة: (كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (٢)، وهذا داخل في شأنه كله. قلت: وروى ابن السني عن الحسين بن عليّ مرفوعاً: (من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى .. لم تضره أم الصبيان" (٣)، وحكى استحبابه في "أصل الروضة" عن عمر بن عبد العزيز وبعض أصحابنا (٤)، وفي "الأذكار" عن جماعة من أصحابنا (٥). ٥٥٨٧ - قوله: (ويحنك بتمر) (٦) قال في "أصل الروضة": فإن لم يكن تمر .. فحلو غيره (٧)، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج": أن التحنيك مختص بالصبيان، فلم يجيء في السنة تحنيك الإناث، قال: ولهذا قال البغوي: إذا وُلد صبي .. يستحب أن يحنك (٨)، قال شيخنا: والحكمة فيه: أن الذكر تطلب فصاحته واشتداد حنكه وحلاوة لسانه، بخلاف الأنثى. قلت: إنما كانوا يحملون الصبيان إلى النبي ﷺ ؛ لاعتنائهم بهم دون الإناث، فالظاهر أنهم كانوا يحنكوهن في البيوت؛ تسوية بينهن وبين الذكور، والله أعلم. ٥٥٨٨ - قول "الحاوي" [ص ٦٣٢]: (ويكره تلطبخ رأسه بالدم) هو المنقول في "الروضة" وأصلها (٩)، قال في "المهمات": لكن المشهور: تحريم التضمخ بالنجاسة، ويحرم على الولي أن يفعل به شيئاً من المحرمات على المكلفين؛ كسقيه خمراً أو إدخال فرجه في فرج محرم ونحو ذلك.

стр. 2190

كتابُ الأَطعِمة ٥٥٨٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٩]: (حيوان البحر السمك منه حلال كيف مات) يفهم توقف الحل على موته، وليس كذلك، وقد تقدم في "المنهاج" في (الصيد والذبائح) أنه يحل بلع سمكة حية في الأصح (١)، ولهذا قال "الحاوي" هنا [ص ٦٣٣]: (وحيوان البحر حياً وميتاً). ٥٥٩٠ - قول "التنبيه" [ص ٨٤]: (وما سواهما - أي: ما سوى السمك والضفدع - .. فقد قيل: يؤكل، وقيل: لا يؤكل، وقيل: ما أكل شبهه من البر أكل، وما لا يؤكل شبهه من البر لا يؤكل) فيه أمور: أحدها: الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" فقال بعد ما تقدم [ص ٥٣٩]: (وكذا غيره في الأصح) و"الحاوي" فأطلق حيوان البحر كما تقدم (٢)، وظاهر كلامهم: حل ما يتقوى بنابه في البحر، ويوافقه تصحيحهم حل خنزير البحر. ثانيها: أن كلام "التنبيه" و"المنهاج" صريح في انقسام حيوان البحر إلى سمك وغيره، وهو مخالف لتصحيحه في "أصل الروضة" أن السمك يقع على جميعها (٣)، وقد يحمل كلام "الروضة" على الإطلاق اللغوي أو الشرعي، و"التنبيه" و"المنهاج" على العرف. ثالثها: أن "المنهاج" و"الحاوي" لم يستثنيا من حيوان البحر شيئاً، واستثنى "التنبيه" الضفدع (٤)، وذكره "الحاوي" هو والسرطان والسلحفاة في الحشرات (٥)، وذكر "التنبيه" و"الحاوي" التمساح فيما يتقوى بنابه (٦)، وذكر الرافعي أن تحريم التمساح للخبث والضرر (٧)، وقال "المنهاج" عقب ما تقدم [ص ٥٣٩]: (وما يعيش في بر وبحر كضفاع وسرطان وحية .. حرام). واعترض: بأنه كان ينبغي أن يذكر التمساح هنا، وبأن الحية لا تعيش في البحر، واعترض على "التنبيه": بأنه لا يحتاج إلى استثناء الضفدع؛ لأن المراد بحيوان البحر: هو ما يعيش في الماء

стр. 2191

وعيشه خارجه عيش المذبوح، والضفدع ليس كذلك كما تقدم، وقد تحرر أنا إن اعتبرنا مجرد كونه في البحر .. استثنينا من الحل الضفدع والسرطان والسلحفاة والتمساح، وإن فسرنا حيوان البحر بما تقدم .. لم يحتج إلى استثناء شيء منها، وقد ظهر بهذا الاستثناء حل شيئين: أحدهما: الحوت الرقيق المشبه للحية في البر، وهو: نوع من السمك لا سم فيه .. فإنه حلال بالاتفاق كما حكاه البغوي وغيره، وهو مستثنى من الوجه الثالث في "التنبيه" و"المنهاج" المفصل بين ما أكل شبهه في البر وغيره. ثانيهما: القِرش بكسر القاف، ومنهم من ضبطه بفتحها وبالشين المعجمة، وهو: اللخَم بفتح الخاء المعجمة، وقد صرح المحب الطبري في "شرح التنبيه" بحله فقال: لا أرى التمساح يتقوى بنابه، ولا ينبغي تعليل تحريمه بذلك؛ فإن في البحر حيواناً كبيراً يفترس بنابه كالقرش ونحوه وهو حلال، ولا ريب في أن البحري مخالف للبري. انتهى. وذكر ابن الأثير في "نهاية غريب الحديث" أن في الحديث حديث عكرمة: اللخَم حلال، وقال: وهو ضرب من سمك البحر يقال: اسمه القرش (١). رابعها: كلام "التنبيه" و"المنهاج" يقتضي أن الخلاف أوجه، وليس كذلك؛ فالأول المرجح نص عليه في "الأم" و"المختصر"، والثاني والثالث ذكر القاضي أبو الطيب والإمام والغزالي وغيرهم أنهما قولان أيضاً، وعبارة "أصل الروضة": أنها ثلاثة أوجه، ويقال: أقوال (٢)، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": عندي أن الخلاف قولان ووجه؛ لأني لم أجد في نصوص الشافعي ما يقتضي هذا الثالث، وكذا فعل أبو الفرج الزاز في "تعليقه". خامسها: كلامهما يقتضي أن الوجه الثاني: الحرمة مطلقاً ولو ذكّي، وفيه احتمالان للبغوي، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: أنه حلال؛ لأن غايته أن يكون برّياً فتحرم ميتته وتحل ذبيحته. سادسها: تمثيل "المنهاج" ما لا يؤكل مثله في البر بالحمار، تبع فيه "المحرر" (٣)، وليس في "الشرح"، وحكاه في زيادة "الروضة" عن صاحبي "الشامل" و"التهذيب" وغيرهما (٤)، ونازعه شيخنا في "تصحيح المنهاج" في النقل عن "الشامل"، وقال: إن الذي في "التهذيب" شذوذ، والصواب: إلحاقه بالوحشي؛ لأن هذا وحشي أيضاً، فإلحاق الوحشي بالوحشي أولى.

стр. 2192

٥٥٩١ - قول "التنبيه" [ص ٨٣]: (وسنور البر قيل: يؤكل، وقيل: لا يؤكل) الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" (١) ولذلك أطلق "الحاوي" تحريم الهرة (٢)، فتناول الإنسية والوحشية. ٥٥٩٢ - قول "الحاوي" فيما يحل [ص ٦٣٣]: (والدلق) هو ابن مقرض، وهو في ذلك مخالف لكلام الرافعي في "شرح الكبير" فإنه قال بعد ذكر حل الأرنب واليربوع: والوجهان يجريان في ابن مقرض، وهو الدلق، وفي ابن آوى أيضاً، وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد: أن الأشبه بالمذهب: حله، لكن الذي رجحه أبو على الطبري والبغوي والروياني: المنع؛ لأن رائحته كريهة، والعرب تستخبثه، وهذا ما حكى الإمام عن المراوزة القطع به. انتهى (٣). وتبعه في "الروضة" فقال: ويحرم ابن آوى وابن مقرض على الأصح عند الأكثرين. انتهى (٤). لكن قول الرافعي: (والوجهان يجريان في ابن مقرض) يدل على سقوط شيء؛ لأنه لم يتقدم ذكر وجهين، وقد علم ذلك من "الشرح الصغير" فإنه حكى وجهين في ابن عرس، وقال: الأظهر: الحل، ثم قال: ويجري الوجهان في ابن مقرض، وهو الدلق، وفي ابن آوى، لكن الأظهر في ابن آوى التحريم. انتهى. ومقتضاه: حل الدلق؛ فالذي في "الحاوي" هو الصواب، ولزم على السقوط الذي وقع في الرافعي أنه ليس فيه ولا في "الروضة" ذِكر ابن عرس، مع أنه في "الوجيز" وغيره من المختصرات (٥). ٥٥٩٣ - قول "التنبيه" [ص ٨٣]: (ولا يؤكل ما يتقوى بنابه) و"الحاوي" [ص ٦٣٥]: (وناب يعدو به) أحسن من قول "المنهاج" [ص ٥٣٩]: (وكل ذي ناب من السباع) لكونه لم يذكر تقوّيه ولا عدوانه به. ٥٥٩٤ - قول "التنبيه" في أمثلة ذلك [ص ٨٣]: (والزرافة) قال في "شرح المهذب": إنها حرام بلا خلاف، وإن بعضهم عدّها من المتولد بين المأكول وغيره (٦). وفي "الكفاية": منع ما في "التنبيه"، وأن البغوي أفتى بحلها، ومنهم من غير لفظها فقال:

стр. 2193

ليست الزرافة بالفاء، بل بالقاف، وقال السبكي: إنه ليس بشيء، وحكى ابن يونس في "النبيه" فيها وجهين، وأنكر موفق الدين حمزة الحموي تحريمها، وقال السبكي في "الحلبيات": المختار: حلها، وهو ما في "فتاوى القاضي الحسين" و"تتمة التتمة"، قال: وليس في "فتاوى البغوي"، وعذر ابن الرفعة أنه أراد بـ"فتاوى البغوي": الفتاوى التي علقها البغوي عن شيخه القاضي الحسين، وهي "فتاوى القاضي حسين" المشهورة (١). ٥٥٩٥ - قول "الحاوي" فيما يحرم [ص ٦٣٦]: (واللقلق) (٢) هو الأصح في "التهذيب" (٣)، وهو ما أورده العبادي، وصححه النووي في "أصل الروضة" (٤)، ومال الجويني إلى أنه حلال، وصححه الغزالي (٥)، فهذا مما خالف فيه "الحاوي" الغزالي على خلاف عادته، فنبهنا عليه لذلك. ٥٥٩٦ - قول "التنبيه" [ص ٨٤]: (وأما غراب الزرع والغداف .. فقد قيل: أنهما يؤكلان، وقيل: لا يؤكلان) صحح النووي في "تصحيح التنبيه" في الأول: أنه يؤكل، وفي الثاني: أنه لا يؤكل (٦)، فأما حل الأول فعليه مشى "المنهاج" (٧) و"الحاوي"، وعبر عنه بالزاغ (٨)، وأما تحريم الثاني: فهو ظاهر كلام "الحاوي" لأنه بعد ذكر حل الزاغ أطلق تحريم الغراب .. فدخل فيه الغداف، وهو صغير رمادي اللون، ولا يستفاد من عبارة "المنهاج" في ذلك شيء؛ لأنه أطلق تحريم الغراب الأبقع، وصحح حل غراب الزرع، فبقي الغداف مسكوتاً عنه، والمفهومان فيه متدافعان؛ وكذلك سكت عن ذكر الغراب الأسود، ويقال له: الغداف الكبير، وقد ذكره "التنبيه" فاستوفى ذكر الأربعة (٩)، ولسنا ننكر تحريم الغداف الكبير؛ فإنه الأصح وقطع به جماعة، وأما الغداف الصغير .. فإن النووي اعتمد في "تصحيحه" التحريم، على أنه الأصح في "أصل الروضة" (١٠). وكلام الرافعي غير موافق له، بل مخالف؛ فإنه قال: فيه وجهان كالوجهين في النوع الذي

стр. 2194

قبله؛ يعني: غراب الزرع (١)، وقد صحح فيه الحل كما تقدم، وعبارة "الشرح الصغير": فيه الوجهان، وفي "المطلب": أن الرافعي صحح في الغداف الصغير الحل، وعمدته في ذلك هذا التشبيه، وفي "شرح المهذب": أن الرافعي صحح فيه التحريم (٢)، وأخذ ذلك من "الروضة"، وفي "المهمات": أن الذي في "الروضة" غلط، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج": أنه لم يصر إليه أحد من الأصحاب، وكلامهم على خلافه. ٥٥٩٧ - قول "التنبيه" [ص ٨٣]: (والديك والدجاجة) من ذكر العام بعد الخاص، وهو سائغ، لكنه ينافي الاختصار، وقد اقتصر "المنهاج" على الدجاج (٣). ٥٥٩٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٩] و"الحاوي" [ص ٦٣٦]: (ويحرم بَبَّغَا وطاووس) نقل تصحيحه في "الروضة" وأصلها عن البغوي فقط (٤). ٥٥٩٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٣٩]: (وحمام، وهو كل ما عب وهدر) في "الروضة" في جزاء الصيد: المراد بالحمام: كل ما عب الماء، وهو أن يشربه جرعاً، ولا حاجة إلى وصفه بالهدير مع العب؛ فإنهما متلازمان؛ ولهذا اقتصر الشافعي على العب (٥). ٥٦٠٠ - قوله: (وما لا نص فيه؛ إن استطابه أهل يسار وطباع سليمة من العرب في حال رفاهية .. حل، وإن استخبثوه .. فلا، وإن جُهل اسم حيوان .. سُئِلوا وعُمِل بتسميتهم، وإن لم يكن له اسم عندهم .. اعتبر بالأشبه به) (٦) فيه أمور: أحدها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وإن أريد: نص كتاب أو سنة .. لم يستقم؛ فقد حكم بحل الثعلب واليربوع، وتحريم الببغا والطاووس وليس فيها نص كتاب ولا سنة، ولا يرجع في ذلك لاستطابة ولا استخباث، وإن أريد: نص كتاب أو سنة أو قول عالم .. فقول العالم ليس دليلاً يُعمل به، وإن أريد: نص كتاب أو سنة أو نص الشافعي أو أحد من أصحابه .. فهو بعيد؛ لأن مثل ذلك [لا] (٧) يطلق عليه نص في اصطلاح الأصوليين، وعبارة "أصل الروضة": لم يرد فيه نص بتحليل ولا تحريم، ولا أمر بقتله ولا نهي عنه (٨)، ولنا فيه نزاع من وجهين:

стр. 2195

أحدهما: أن في "سنن البيهقي" من حديث جماعة من الصحابة ﵃: أنه ﵊ قال: "وما سكت عنه .. فهو عفو" (١) ورواه أبو داوود بإسناد صحيح عن ابن عباس (٢)، ومقتضاه: أن السكوت عنه عفو من غير مراجعة العرب. ثانيهما: أن الذي ذكره الشافعي ﵁ في ذلك: أن الله تعالى أحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، لا على معنى: أنهم يراجعون، بل على معنى: أنه أحل لهم ما كانوا يستطيبونه ويأكلونه إلا ما استثنى، وحرم عليهم ما كانوا يستخبثونه (٣). قلت: الجواب عن الترديد المتقدم: أن المراد: نص كتاب أو سنة صريحاً أو استنباطاً ودلالة، ومن ذلك الأمر بقتله أو النهي عنه، فيوافق عبارة "الروضة". وعن الحديث: أن المستخبث ليس مسكوتاً عنه، بل هو منصوص على تحريمه. وعن النزاع الثاني: أنهم إنما يراجعون؛ لمعرفة أن هذا المشكوك فيه هل هو مما كانوا يستطيبونه أو يستخبثونه؟ وعبارة "الحاوي" [ص ٦٣٦]: (وإن أشكل .. روجعت) أي: العرب؛ ولم يقيدهم بشيء، وفي "التنبيه" [ص ٨٣]: (ولا يؤكل ما تستخبثه العرب من الحشرات) ولا حاجة لتقييده بالحشرات؛ فكل مستخبثهم حرام، واعتذر عنه في "الكفاية". ثانيها: أنه يعتبر مع ذلك أن يكونوا سكان البلاد أو القرى دون أجلاف البوادي، وقد يقال: هذا هو مراد "المنهاج" بقوله [ص ٥٣٩]: (أهل يسار وطباع سليمة). ثالثها: المراد: العرب الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ ؛ لأن الخطاب لهم، حكاه الرافعي عن جماعة، ثم قال: ويشبه أن يقال: يُرجع في كل زمان إلى العرب الموجودين فيه. انتهى (٤). والمحكي عن جماعة هو منصوص الشافعي ﵁، ورد شيخنا في "تصحيح المنهاج" بحث الرافعي: بأنا إذا رجعنا إلى عرب زمن فاستطابوه، ثم إن العرب في زمن بعده استخبثوه أو بالعكس؛ فإن قضينا للسابق .. لزم ألَاّ يعتبر عرب الزمن الثاني، أو للاحق .. لزم ألَاّ يعتبر عرب الزمن الأول، وكلاهما خلاف مدعاه، فإن قيل: يعتبر السابق وصار هذا معلوم الحكم بما ظهر من عرب ذلك الزمان .. قلنا: هذا خلاف إناطة الحكم بالرجوع إلى العرب الموجودين في كل زمن. انتهى.

стр. 2196

قلت: مراد الرافعي: أنه يرجع إلى العرب الموجودين في مجهول الأمر، وهذا قد عُرِفَ أمره فيما سبق، وأنه مستطاب أو مستخبث، والله أعلم. رابعها: اعترض عليه: بأن عبارته تفهم اعتبار اجتماعهم على ذلك، والمعتبر إنما هو الأكثر، فإن استويا .. قال الماوردي وأبو الحسن العبادي: تتبع قريش، فإن اختلفت قريش ولا ترجيح، أو شكوا فلم يحكموا بشيء، أو لم يجدهم ولا غيرهم من العرب .. اعتبرناه بأقرب الحيوان شبهاً به، إما في الصورة، أو في الطبع من الصيالة (١) والعدوان، أو في طعم اللحم، فإن استوى الشبهان، أو لم نجد ما يشبهه .. فوجهان، أصحهما: الحل (٢). خامسها: قوله: (وإن جهل اسم حيوان .. سئلوا) (٣) مقتضاه: عود الضمير للعرب الموصوفين بما تقدم، وليس كذلك؛ فمعرفة اسم الحيوان لا تتوقف على ذلك؛ فالضمير عائد على العرب بدون تلك الأوصاف. ٥٦٠١ - قول "التنبيه" [ص ٨٤]: (وتكره الشاة الجلالة) لا يختص بالشاة؛ فسائر الحيوانات كذلك؛ ولهذا عبر "المنهاج" و"الحاوي" بالجلالة من غير تقييد بالشاة (٤)، وظاهر تعبير "التنبيه" و"الحاوي" بالكراهة أنها كراهة تنزيه، وهو الذي حكاه الرافعي عن الأكثرين، وصححه النووي في كتبه (٥)، لكن صحح في "المحرر": التحريم (٦)، فاستدرك عليه "المنهاج". وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن المصحح في "المحرر" وهو ظاهر نص "الأم" حيث قال: والجلالة منهي عن لحومها (٧)، قال شيخنا: وهو ظاهر النهي الذي جاءت به الأخبار، وقول "المنهاج" [ص ٥٣٩]: (وإذا ظهر تغير لحم جلالة) فيه أمران: أحدهما: أن مقتضاه: أنه لا اعتبار بكثرة العلف، بل بالرائحة والنتن، فإن وُجد في عرقها وغيره ريح النجاسة .. فجلالة، وإلا .. فلا، وهذا هو الصحيح في "أصل الروضة" (٨)، لكن في "تحرير النووي" تبعاً لـ"المهذب": أن الاعتبار بكون أكثر أكلها النجاسة (٩)، ولذلك نسب

стр. 2197

ابن الرفعة تصحيح هذا للنووي، لكن المصحح في بقية كتبه ما قدمته. ثانيهما: أن ذلك لا يختص بلحمها، بل لبنها وبيضها كذلك، بل صرح "الحاوي" بذكر اللبن (١)، ويكره الركوب عليها بلا حائل، وفي "المطلب": لا خلاف أنه ليس بحرام ولو أصابه من عرقها شيء؛ لأنه لا خلاف أنها طاهرة فعرقها طاهر. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وعندي ليس كما قال، بل عرقها الذي فيه ريح النجاسة نجس؛ لتحلله من النجاسة، ولا يلزم من نجاسة عرقها نجاسة عينها؛ لأن عرقها يتحلل من النجاسة، فهو كفضلتها، فيتجه تحريم ركوبها حال عرقها؛ لتحريم التضمخ بالنجاسة، ويتنزل النهي على هذا، قال: ولم أر من تعرض لذلك. انتهى. فلو قال: حرمَت أو كرهت كما عبر به "التنبيه" و"الحاوي" .. لكان أولى. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وينبغي تعدي الحكم إلى شعرها وصوفها المنفصل في حياتها، فيكون نجسًا على القول بتحريمها تفريعًا على المذهب في نجاسة الشعر المنفصل من الحيوان غير المأكول في حياته. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ولو غذى شاة عشر سنين بمال حرام .. لم يحرم عليه أكلها ولا على غيره (٢). ٥٦٠٢ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فإن علفت طاهرًا فطاب .. حل) (٣) يقتضي أنه لو طاب بدون علف .. لم يحل، وكذا قال في "أصل الروضة": لو لم تعلف .. لم يزل المنع بغسل اللحم بعد الذبح، ولا بالطبخ وإن زالت الرائحة به، وكذا لو زالت بمرور الزمان عند صاحب "التهذيب"، وقيل بخلافه (٤). قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا في مرور الزمان على اللحم، فلو مر على الجلالة أيام من غير أن يأكل طاهرًا فزالت الرائحة .. حلت، وإنما ذكر العلف بطاهر؛ لأن الغالب أن الحيوان لا بد له من العلف. ٥٦٠٣ - قول "الحاوي" [ص ٦٣٧]: (لا زرع الزبل) أي: لا يكره الزرع النابت على الزبل وإن كثرت النجاسة في أصله، وليس في كلام الغزالي والرافعي نفي الكراهة، وإنما فيهما نفي التحريم (٥)، ولا يلزم منه نفي الكراهة.

стр. 2198

٥٦٠٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٤٠]: (ولو تنجس طاهر كخل) كذا سائر المائعات، ولو كانت دهنًا إذا قلنا: إنه لا يطهر بالغسل. ٥٦٠٥ - قوله: (ودبس ذائب) (١) أخرج به الجامد؛ فإنه لا يحرم جميعه، بل يزيله وما حوله ويحل الباقي، وقوله: (حرم) (٢) أي: أكله؛ فإنه يحل الاستصباح به كما تقدم، ومفهومه: أنه لا تحريم عند انتفاء التنجيس، لكن قال الغزالي: لو وقع في قدر طبيخ جزء من لحم آدمي ميت .. لم يحل منه شيء؛ لحرمة الآدمي، وقال في "شرح المهذب": المختار الصحيح: أنه لا يحرم؛ لأنه صار مستهلكًا (٣). ٥٦٠٦ - قول "التنبيه" [ص ٨٤]: (ولا يحرم كسب الحجام) لا يُعلم منه حكمه، وهو مكروه كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي"، وتعبيره بقوله: (ويكره الكسب بمخامرة النجاسة كالحجام) (٤) أحسن من تعبير "المنهاج" بقوله [ص ٥٤٠]: (وما كسب بمخامرة نجس؛ كحجامة وكنس .. مكروه) لأن ظاهره أن (ما) موصولة، فيكون معناه: أن المكسوب بذلك مكروه، ولا يظهر وصف نفس المكسوب بكراهة ولا غيرها، إنما تتعلق الكراهة بالكسب، فتُحمل (ما) في كلامه على أنها مصدرية، فيوافق تعبير "الحاوي"، ثم في تعبيرهما أمران: أحدهما: أن ظاهره كراهة الكسب بمخامرة النجاسة على كل أحد، وليس كذلك، بل الكراهة مختصة بالحر، وقولهما بعد ذلك: (ويطعمه رقيقه وناضحه) (٥) لا يدل على اختصاص ذلك بالحر؛ لأن المكاتب قد يكون له رقيق وناضح، فكان ينبغي التصريح بذلك. ثانيهما: أن كلامهما صريح في أن علة الكراهة: مخامرة النجاسة، وفي "أصل الروضة": أنه الذي أطلقه جمهور الأصحاب (٦)، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن المذهب المعتمد المنصوص في "الأم" و"المختصر" وقال به جمع من الطريقين: أن النظر إلى دناءة الحرفة، وعبارة الشافعي: (لا معنى له - أي: للنهي - إلا واحد، وهو أن من المكاسب دنِيًّا وحسنًا، فكان كسب الحجام دنيًا، فأحب له تنزيه نفسه عن الدناءة؛ لكثرة المكاسب التي هي أجمل منه، فلما زاده في أمره .. أمره أن يطعم رقيقه ويعلفه ناضحه؛ تنزيهًا له، لا تحريما عليه) انتهى (٧).

стр. 2199

وقول "المنهاج" [ص ٥٤٠]: (وكنس) أراد به: كنس النجاسة من المراحيض وغيرها؛ بناءً على ترجيحه التعليل بمخامرة النجاسة، وقول "التنبيه" [ص ٨٤]: (والأولى أن يتنزه الحر من أكله) مثل قول "المنهاج" [ص ٥٤٠]: (ويسن ألا يأكله ويطعمه رقيقه وناضحه)، وذلك لا يدل على كراهة أكل الحر له، والمنقول الكراهة، وعبارة "الحاوي" [ص ٦٣٧]: (ويطعم رقيقه وناضحه) وليس فيه تصريح بحكمه. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إطعامه ذلك لرقيقه وناضحه ليس بمسنون، وإنما هو جائز، وكذا قال الشافعي. انتهى. وتبعا في التعبير بالرقيق والناضح لفظ الحديث (١)، وسائر الدواب كذلك. ٥٦٠٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٤٠]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٦٣٣]: (ويحل جنينٌ وُجِد ميتًا في بطن مذكاة) فيه أمور: أحدها: أن محله: في جنين ظهرت صورة الحيوان فيه؛ ففي حل المضغة وجهان في "أصل الروضة" مبنيان على وجوب الغرة فيها وثبوت الاستيلاد (٢)، يعني: لو كان من آدمية، والأصح: أنه لا يجب الغرة ولا يثبت الاستيلاد، فلا تحل مضغة الحيوان المذكى. ثانيها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله: ما إذا لم يوجد قبل الذبح سبب يحال عليه موته، فلو ضرب حاملًا على بطنها وكان الجنين متحركًا فسكن حتى ذبحت فوجد ميتًا .. لم يحل، فلو لم يتحرك قبل ذلك ولم يعرف حاله وذبحنا الأم فوجدنا الجنين ميتًا مع احتمال أن يكون لم يدخله الروح، أو دخلته وخرجت بالضرب .. فيرجح التحريم أيضًا، قال: ولم أر من تعرض لشيء من ذلك. ثالثها: قوله: (ميتًا) كذا لو كان في حكمه؛ بأن يوجد وبه حركة مذبوح، فإن كان به حياة مستقرة .. لم يحل بدون ذبح. رابعها: مقتضاه: أنه لو أخرج الجنين رأسه وبه حياة مستقرة فلما فتح كرش الأم وُجد ميتًا .. أنه يحل، وهو الأصح في زيادة "الروضة" (٣)، لكن صحح شيخنا في "تصحيح المنهاج" مقابله.

стр. 2200

٥٦٠٨ - قول "الحاوي" [ص ٦٣٧]: (ويباح لخوف ومرض مخوف أكل الحرام، ويجب) المراد بالخوف الذي أطلقه أولًا: الخوف على نفسه، فلو صرح بذلك كما فعل "المنهاج" فقال [ص ٥٤٠]: (ومن خاف على نفسه موتًا أو مَرضا مخوفًا) .. لكان أولى، ومرادهما: مع الاضطرار لذلك، ثم في كلامهما أمور: أحدها: يستثنى منه العاصي بسفره؛ فليس له أكل الميتة عند الاضطرار على المذهب، وضم إليه شيخنا في "تصحيح المنهاج": مراق الدم؛ كالمرتد والحربي، قال: فلا يجوز لهما تناول الميتة حتى يسلما، قال: وكذا مراق الدم من المسلمين وهو متمكن من إسقاط القتل بالتوبة؛ كتارك الصلاة ومن قتل في قطع الطريق .. فلا يأكلان من الميتة حتى يتوبا، قال: ولم أر من تعرض له، وهو متعين. ثانيها: يستثنى منه أيضًا: ما إذا أشرف على الموت .. فلا يلزمه أكل، بل ولا يحل له؛ فإنه حينئذ لا ينفع، ذكره في "أصل الروضة" (١). ثالثها: يضم إلى خوف الموت أو المرض المخوف ما لو خاف طول المرض على الأصح أو الأظهر في "أصل الروضة"، وما لو عيل صبره وأجهده الجوع على الأظهر من زيادة "الروضة"، قال في "أصل الروضة": ولا خلاف في الحل إذا كان يخاف على نفسه لو لم يأكل منه من جوع أو ضعف عن المشي والركوب، وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك (٢)، ولو جوز تلف نفسه وسلامتها على السواء .. حلت له أيضًا كما حكاه الإمام عن صريح كلامهم، وأقره عليه في "الكفاية"، وصوبه بعضهم. رابعها: قال في "المطلب": إن الجزم باعتبار خوف المرض المخوف هنا مع حكاية الخلاف في إباحة التيمم به لا يستقيم، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه يخرج من نص "الأم" وظاهر نص "المختصر" في ذلك قولان، ونص "الأم" الإباحة، قال: وإذا جريا في هذه الصورة .. فجريانهما فيما إذا خاف طول المرض أولى. خامسها: أنهما أطلقا وجوب أكل، والواجب منه سد الرمق دون الشبع، حكاه في "شرح المهذب"عن الدارمي وصاحب "البيان" وآخرين (٣)، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وينبغي أن يقيد هذا القيد بما إذا لم يخف الهلاك لو ترك الشبع؛ فإنه يلزمه الشبع على الأصح. سادسها: ظاهر إطلاقهما التخيير بين أنواع الحرام، لكن لو كانت الميتة نوعين: أحدهما من

стр. 2201

جنس المأكول والآخر من غيره؛ كشاة وحمار، أو إحداهما طاهرة في الحياة دون الأخرى؛ كشاة وكلب .. فهل يتخير بينهما أو تتعين الشاة؟ وجهان، قال النووي: ينبغي أن يكون الراجح: ترك الكلب والتخيير في الباقي. انتهى (١). وحكى الماوردي الوجه الثاني: أنه يتخير إلا أن يكون خنزيرًا (٢)، واستحسنه شيخنا في "تصحيح المنهاج". واعلم: أنه لو عم الأرض الحرام .. جاز استعمال ما يحتاج إليه ولا يقتصر على الضرورة، قال الإمام: ولا يتبسط فيه كما يتبسط في الحلال، بل يقتصر على الحاجيّ، قال الشيخ عز الدين: صورة المسألة: أن يتوقع معرفة المستحقين في المستقبل، أما عند الإياس .. فلا يتصور؛ لأن المال حينئذ يكون للمصالح العامة (٣). ولو اضطرت المرأة إلى الطعام فامتنع المالك من بذله إلا بوطئها زنا .. قال المحب الطبري في "شرح التنبيه": لم أر فيه نقلًا، والذي ظهر لي أنه لا يجوز لها تمكينه، وخالف إباحة الميتة في أن الاضطرار فيها إلى نفس المحرم وقد تندفع الضرورة، وهنا الاضطرار ليس إلى المحرم، وإنما جعل المحرم وسيلة إليه، وقد لا تندفع به الضرورة؛ إذ قد يُصِرُّ على المنع بعد وطئها. ٥٦٠٩ - قول "التنبيه" [ص ٨٤]: (فإن اضطر إلى الميتة .. أكل منها قدر ما يسد به الرمق في أحد القولين، وقدر الشبع في الآخر) الأظهر: الأول، وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج" (٤)، وقيده بقيدين: أحدهما: ألَّا يتوقع حلالًا، فإن توقع حلالًا .. لم يجز غير سد الرمق. ثانيهما: ألَّا يخاف تلفًا إن اقتصر على سد الرمق (٥)، فإن خاف من ذلك تلفًا .. فله الشبع، وإليه أشار "الحاوي" بقوله [ص ٦٣٧]: (وإن عجز عن السير ويهلك الشبع) وفيه أمور: أحدها: مقتضى كلام "المنهاج" في القيد الأول القطع عند توقع الحلال بأنه لا يجوز غير سد الرمق، وليس محل قطع، وإنما هو طريقة للإمام؛ ففي "أصل الروضة": أن أكثرهم أطلق الخلاف، وفصل الإمام والغزالي تفصيلًا حاصله: أنه إن كان ببادية وخاف إن لم يشبع لم يقطعها ويهلك .. وجب القطع بالشبع، وإن كان ببلد وتوقع الحلال قبل عود الضرورة .. وجب القطع بعدمه، وإن كان لا يظهر حصول الحلال وأمكنه الرجوع إلى الحرام مرة بعد مرة إن لم يجد

стр. 2202

الحلال .. فهو موضع الخلاف، قال النووي: هذا التفصيل هو الراجح، والأصح من الخلاف: الاقتصار على سد الرمق (١). قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا طريق ضعيف مخالف لظواهر نصوص الشافعي ﵁ ولطريقة الجمهور، ثم هو مقيد بالخائف من الموت، فأما من خاف حدوث مرض مخوف أو طول المرض ولا يندفع إلا بالشبع .. فلا يتعين عليه الاقتصار على سد الرمق. ثانيها: أنه اقتصر في القيد الثاني على خوف التلف، فيزاد عليه: خوف حدوث مرض مخوف أو طوله إن اقتصر. ثالثها: رجح شيخنا في "تصحيح المنهاج": قول الشبع؛ للأخبار الدالة عليه، قال: وقد قال الشافعي في "اختلاف أهل المدينة وأبي حنيفة" كما نقله المزني: أن الاقتصار على سد الرمق ليس بالبيّن، وصرح في ذبائح بني إسرائيل بأن الأحب إليه أن يكون أكله على ما يقطع عنه الجوع، وأنه لا يتبين له تحريم الشبع، ويظهر من هذا أنه حيث يقول: يقتصر على ما يرد نفسه، محتمل أن يريد بذلك: الاستحباب كما صرح به؛ فقد ترجح بهذا قول الشبع، وأيضًا فإنه إذا خاف التلف إن لم يشبع .. تعيّن الشبع قطعًا، ولا يأتي قول سد الرمق، وليس لنا حالة يقطع فيها بسد الرمق، وحالة توقع الحلال تقدم ردّها، فإن قيل: فقد ذكر البندنيجي والقاضي حسين أن القول بسد الرمق مختار الشافعي .. قلنا: مختاره من جهة الاستحباب لا من جهة تحريم الشبع، وإن أجزأه ما دونه. انتهى. وهنا تنبيهان: أحدهما: ليس المراد من الشبع: ألَّا يبقى للطعام مساغ؛ فإن هذا حرام قطعًا، صرح به البندنيجي وأبو الطيب وغيرهما، بل المراد كما قال الإمام: أن يأكل حتى يكسر سورة الجوع بحيث لا يطلق عليه اسم جائع (٢). ثانيهما: المشهور في سد الرمق: أنه بالسين المهملة، وفي "المهمات": أنه بالشين المعجمة؛ لأن الرمق بقية الروح كما قاله جماعة، وقال بعضهم: القوة. ٥٦١٠ - قول "المنهاج" [ص ٥٤٠]: (وله أكل آدمي ميت) يستثنى منه: ما إذا كان الميت نبيًا .. فلا يجوز الأكل منه قطعًا، حكاه في "أصل الروضة" عن إبراهيم المروذي، وهو واضح، ولا يأكل من غير النبي إلا سد الرمق قطعًا، حكاه في "أصل الروضة" عن الماوردي (٣).

стр. 2203

قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو متعقب بالقدر الذي يدفع الخوف، ولا يأكله إلا نيًا؛ لأن في طبخه أو فيه هتك حرمته، حكاه في "الروضة" عن الماوردي أيضًا (١)، ولو كان المضطر ذميًا والميت مسلمًا .. فهل له أكله؟ فيه وجهان، قال في زيادة "الروضة": القياس: تحريمه (٢)، ولا بد من فقد الميتة ونحوها كما في قطع بعض المضطر. ٥٦١١ - قوله: (وقتل مرتد وحربي) (٣) أي: لأكلهما، قد يفهم أنه ليس له قتل الزاني المحصن والمحارب وتارك الصلاة، وليس كذلك، بل له قتلهم في الأصح، وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص ٦٣٧]: (لا معصوم) وله قتل من له عليه قصاص وأكله وإن لم يحضره السلطان. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وكذا لو كان له قصاص في طرفه .. فيجوز له قطعه وأكله. ٥٦١٢ - قول "المنهاج" من زيادته مستدركا على "المحرر" [ص ٥٤٠]: (الأصح: حل قتل الصبي والمرأة الحربيين لمل) و"الحاوي" [ص ٦٣٧]: (وقتل صبي الحربي) تبعا فيه الإمام والغزالي (٤)، وصحح شيخنا في "تصحيح المنهاج" تبعًا للبغوي و"المحرر" منعه (٥)، قال: ومحل الخلاف: ما إذا لم يستول عليهما قبل القتل، فإن استولى عليهما .. صارا رقيقين معصومين، ولا يجوز له حينئذ قتلهما قطعًا. ٥٦١٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٤٠]: (ولو وجد طعام غائب .. أكل وغرم) فيه أمور: أحدها: استثنى منه شيخنا في "تصحيح المنهاج": ما إذا كان الغائب مضطرًا يحضر عن قرب .. فليس له أكله، ولا يرد ذلك على قول "الحاوي" [ص ٦٣٧]: (كطلب طعام غير المضطر). ثانيها: المعتبر في المحجور غيبة الولي وحضوره دون المحجور، فلا عبرة به، فلو غاب المالك وله وكيل حاضر .. فقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هل نقول: لا أثر لحضوره كما يظهر من نص "الإملاء" في حضور وكيل الولي الغائب في النكاح، أو نقول: هنا ينزل الوكيل منزلة الحاضر، فيكون كالولي؟ الثاني أرجح. ثالثها: أسقط من "المحرر" قوله: (وغرم قيمته) وهو محمول على غير المثلي، فأما المثلي .. فيغرم مثله، وذلك مقرر في (الغصب).

стр. 2204

٥٦١٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٤٠]: (أو حاضرٍ مضطر .. لم يلزمه بذله إن لم يفضل عنه) يستثنى منه: ما إذا كان المضطر نبيًا .. فإنه يجب على المالك المضطر بذله، وكذلك يستثنى هذا من قول "الحاوي" [ص ٦٣٧]: (كطلب طعام غير المضطر). ٥٦١٥ - قول "المنهاج" [ص ٥٤٠]: (فإن آثر مسلمًا .. جاز) أي: غير مُراق الدم، فلا يجوز أن يؤثر مراق الدم ويترك نفسه المعصومة تهلك. ٥٦١٦ - قوله: (أو غير مضطر .. لزمه إطعام مضطر مسلم أو ذمي) (١) كذا المستأمن، ومحله: في غير مراق الدم؛ كالزاني المحصن والمحارب وتارك الصلاة، فلو كان المضطر من صبيان أهل الحرب أو نسائهم أو خنثى منهم أو مجنونًا .. فالقياس: أنه يلزمه إطعامهم، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، قال: ومحل التردد: ما لم يستول عليهم، فإن استولى عليهم بحيث رقوا .. لزمه ذلك قطعًا. ودخل في غير المضطر ما لو كان كذلك في الحال وإن كان قد يحتاج إليه في ثاني الحال، وهو الأصح. ٥٦١٧ - قوله: (فإن امتنع .. فله قهره وإن قنله) (٢) و"الحاوي" [ص ٦٣٨]: (وقتله إن دفع هدرٌ) في معنى الامتناع: ما لو بذله بأكثر من ثمن المثل، وهذا بخلاف ما لو قتل المالك المضطر في الدفع .. فإنه يلزمه القصاص، وإن منعه فمات جوعًا .. لم يضمنه، وفيه احتمال للماوردي (٣). ٥٦١٨ - قول "الحاوي" [ص ٦٣٧]: (ويجب؛ كطلب طعام غير المضطر وغصبه) تبع الغزالي في وجوب غصب طعام غير المضطر (٤)، وقال الرافعي: إن الخلاف فيه مرتب على الخلاف في وجوب أكل من الميتة، وأولى بأن لا يجب، وخصص البغوي الخلاف بما إذا لم يكن خوف في الأخذ قهرًا، فإن كان .. لم يجب قطعًا، قال: والمذهب: أنه لا يجب القتال كما لا يجب دفع الصائل وأولى (٥). ٥٦١٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٤٠]: (وإنما يلزمه بعوض ناجز إن حضر، وإلا .. فبنسيئة) قال القاضي أبو الطيب: إن لم يحتمل الحال التأخير إلى الاتفاق على العوض فأطعمه .. لم يلزمه العوض، ثم ظاهر كلامه لزوم المسمى وإن زاد على ثمن المثل، وهو الأقيس في "أصل الروضة" والأصح عند القاضي أبي الطيب، والأصح عند الروياني: لا يلزمه إلا ثمن المثل؛ لأنه كالمكره،

стр. 2205

واختار الماوردي: إن كانت الزيادة لا تشق على المضطر ليساره .. لزمته، وإلا .. فلا (١)، فهذه ثلاثة أوجه، وظاهر هذا الإطلاق جريانها في شراء الولي للمحجور المضطر، ويوافقه ما في "الروضة" في (الجزية) عن الغزالي: أن للولي أن يعقد له بالزيادة على الدينار، وليس للسفيه المنع كما يشتري له الطعام في المخمصة بثمن غال صيانة لروحه (٢)، ويمكن أن يكون كلامه هناك في غير المضطر. وقال في "المهمات": لا وجه لوجوب البيع نسيئة، بل الصواب الجاري على القواعد: جوازه بثمن حال، غير أنه لا يطالب به في هذه الحالة، لإعساره، وفائدة الحلول: جواز المطالبة عند القدرة. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج" في البيع نسيئة: ينبغي فيما إذا كان له مال غائب أن يكون الأجل ممتدًا إلى وصوله إليه كما في نظيره من التيمم، وإن لم يكن له مال أصلًا؛ فالنسيئة هنا ليست على ظاهرها، بل المراد بها: مجرد التأخير والرضا بالذمة. ٥٦٢٠ - قوله: (فإن أطعمه ولم يذكر عوضًا .. فالأصح: لا عوض) (٣) لا يخفى أن محل الخلاف: ما إذا لم يصرح بالإباحة، قال شيخا في "تصحيح المنهاج": وكذا لو ظهرت قرينة إباحة أو تصدق .. فلا عوض قطعًا. واعلم: أنه يشكل على تصحيح عدم العوض ما في "أصل الروضة" بعد ذلك من أنه لو أوجر المالك المضطر قهرًا أو وهو مغمى عليه .. استحق القيمة في أحسن الوجهين؛ لأنه خلصه من الهلاك، ولما فيه من التحريض على مثل ذلك (٤)، وفرع في "أصل الروضة" على الأول أنهما لو اختلفا فقال: أطعمتك بعوض، فقال: بل مجانًا .. فهل يصدق المالك؛ لأنه أعرف بدفعه، أم المضطر؛ لبراءة ذمته؟ وجهان، أصحهما: الأول (٥). ويخالفه ما في "أصل الروضة" في أوائل (القرض): أنهما لو اختلفا في ذكر رد البدل .. فالقول قول الآخذ (٦)، وفي أواخر (الصداق): لو بعث إلى بيت من لا دين له عليه شيئًا ثم قال: بعثته بعوض، وأنكر المبعوث إليه .. فالقول قول المبعوث إليه (٧)، ولا يخفى أن محل لزوم

стр. 2206

العوض بذكره: ما إذا لم يكن المضطر صبيًا؛ فإنه ليس من أهل الالتزام، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يحتمل أن يلزم في هذه الصورة؛ لما فيه من تحريض صاحب الطعام على بذله للمضطر ولو صبيًا، والأول أقيس. انتهى. ٥٦٢١ - قول "التنبيه" [ص ٨٤]: (فإن وجد المضطر الميتة وطعام الغير .. أكل طعام الغير وضمن بدله إذا قدر، وقيل: يأكل الميتة، وإن وجد صيدًا وميتة وهو محرم .. ففيه قولان، أحدهما: يأكل الميتة، والثاني: يأكل الصيد) الأظهر في الصورتين: أنه يأكل الميتة؛ وعليه مشى "الحاوي"، وتعبيره بقوله: (أولى) (١) أراد به: التعيُّن، و"المنهاج" وعبر بالمذهب (٢). وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": تعبيره بالمذهب لا يستقيم في صورة طعام الغائب؛ فليس فيها طريقان ولا طرق، وإنما فيها ثلاثة أوجه، وقيل: أقوال: ثالثها: يتخير، ولا في صورة الحاضر؛ لأنه إذا بذل طعامه مجانًا أو بثمن مثله .. لزم المضطر قبوله، ولا يأكل الميتة، وإن لم يرض إلا بزيادة كثيرة .. لم يلزمه الشراء، ويعدل إلى الميتة، وفي صورة ضعف المالك وسهولة دفعه يكون على الخلاف فيما إذا كان المالك غائبًا. انتهى. لكن في "الكفاية" في صورة الغائب طريقة قاطعة بأكل الميتة، وفي "شرح المهذب" عن نص الشافعي: أنه إذا خاف المضطر أن الطعام الذي أحضره له غيره مسموم .. فإنه يجوز له تركه والانتقال إلى الميتة (٣). ويرد عليهم جميعًا: أن محل الخلاف في صورة الميتة والصيد مقيد بقيدين: أحدهما: ألَّا يجد المحرم حلالًا يذبحه، فإن وجد .. لم تحل الميتة قطعًا؛ لأنه إن لم يذبحه للمحرم .. فواضح، وإن ذبحه لأجل المحرم .. فهو حرام على المحرم دون غيره؛ فتحريمه أسهل من الميتة، ذكره الشيخ أبو حامد. ثانيهما: تتعين الميتة قطعًا فيما إذا كان الصيد غير مأكول؛ كالمتولد بين الذئب والضبع وبين حماري الوحش والإنس .. فإنه يحرم على المحرم التعرض له، ويجب الجزاء فيه، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وعلله: بأن في قتله إذهاب روحه وإيجاب الفدية على المحرم، ثم هو حرام على كل أحد بلا خلاف، قال: ولم أر من تعرض لذلك. انتهى. واعلم: أن ما ذكرناه في الصيد للمحرم يجري أيضًا في صيد الحرم، ذكره في "الكفاية"، وهو واضح.

стр. 2207

٥٦٢٢ - قول "الحاوي" عطفًا على المنفي [ص ٦٣٧]: (وقطع فلذة منه) تبع فيه "المحرر" فإنه صحح فيه تحريم قطع بعضه لا كله (١)، لكنه قال في "الشرح الصغير": إن مقابله أظهر، وفي "الكبير": يشبه أن يكون أظهر، وبه قال الشيخ أبو حامد وغيره (٢)، فلذلك أطلق تصحيحه في "أصل الروضة" (٣)، واستدركه "المنهاج" فقال [ص ٥٤٠]: (قلت: الأصح: جوازه). قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والخلاف مقيد بما إذا لم يكن ذلك المقطوع يجوز قطعه في غير الاضطرار، فإن كان؛ كالسلعة واليد المتآكلة حيث جاز قطعها .. فيجوز قطع ذلك في حالة الاضطرار قطعًا، قال: ويجب تقييد الجواز بما يسد الرمق إلا إذا خاف تلفًا كما سبق، فيقطع بقدر الحاجة. قلت: في "أصل الروضة" هنا جعل محل الخلاف فيما إذا كان الخوف في القطع دون الخوف في ترك أكل، فإن كان أشد أو استويا .. لم يجز (٤)، وصحح في قطع السلعة عند تساوي الخطرين (٥) الجوازَ، مع جزمه في المضطر في هذه الحالة بالمنع، وهذا ينافي ما قيد به شيخنا ﵀ موضع الخلاف، وإن كان المذكور في "الروضة" وأصلها مشكلًا. ٥٦٢٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٤٠]: (ومن معصوم) يفهم منه أن غير المعصوم يجوز للمضطر قطع عضو منه ليأكله، وهذا ممتنع كما صرح به الماوردي في المرتد وقاطع الطريق والزاني المحصن، وعلله بما فيه من تعذيبه، قال: فإن أكل لحمه حيًا .. كان مسيئًا إن قدر على قتله، ومعذورًا إن لم يقدر على قتله؛ لشدة الخوف على نفسه (٦). ٥٦٢٤ - قول "الحاوي" [ص ٦٣٣]: (حلّ الطعام الطاهر) أورد عليه أمور: أحدها: أنه لا بد من تقييده بأن يكون من غير مضر؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص ٨٤]: (وكل طاهر لا ضرر في أكله يحل أكله) وقال "الحاوي" بعد ذلك [ص ٦٣٦]: (لا الضار؛ كالحجر والنبات). وقد أورد بعضهم على قول "التنبيه" بعده [ص ٨٤]: (وما ضر أكله؛ كالسم وغيره .. لا يحل أكله) أنه يستثنى منه ما ينفع يسيره للدواء، وكذا من فرض أن أكل السم لا يضره. وأجيب عنه: بأنه إنما حرم المضر، فخرج من لا يضره، وما لا يضره، وضر به السم مثلًا

стр. 2208

لا يقتضي أنه يكون مضرًا لكل شخص في كل حالة، بل هو على الأغلب. ثانيها: استثنى البغوي وغيره من ذلك: المستقذر؛ كالمخاط والمني؛ فإنه لا يحل تناوله على الأصح، والآدمي، وابتلاع الحيوان حيًّا سوى السمك والجراد، وأورد النووي في "تصحيحيه" الأولى على "التنبيه" (١)، وأورد غيره الأخيرتين أيضًا عليه، والحق أنه لا يرد شيء منها على "الحاوي" لخروج المستقذر والآدمي بلفظ (الطعام) فإنه لا يسمى طعامًا، ودلالة قوله بعده: (وحيوان البحر حيًّا وميتًا) (٢) على أن حيوان البحر يحل وحيوان البر لا يحل حيًا. ولا على "التنبيه" لأن المستقذر مضر فيدخل في كلامه، وكذلك الآدمي؛ ولقوله: (ولا يحل من الحيوان المأكول شيء من غير ذكاة إلا السمك والجراد) (٣). قال في "المهمات": واستثنى المحاملي في "اللباب" من تحريم المستقذر: الماء المستقذر؛ كالحاصل من غسل الأيدي عقب الأكل ونحو ذلك، فقال: وما يستقذر في الغالب فإنه حرام إلا الماء الآجن (٤)، قال في "المهمات": والظاهر أن العلة في المأكول الاستقذار عارضًا، بخلاف المخاط ونحوه، وحينئذ .. فيتعدى إلى المأكول أيضًا كاللحم المنتن، وقد صرحوا به. ثالثها: أن مفهومه تحريم النجس، وبه صرح "التنبيه" (٥)، ويستثنى منه: الدود المتولد من المأكول؛ كالفاكهة والجبن والخل إذا مات فيه؛ فإن الأصح: أنه يحل أكله معه لا منفردًا، ولا كراهة في أكل البيض المسلوق بماء نجس كما نقله في "الروضة" عن ابن الصباغ، وأقره (٦). ٥٦٢٥ - قول "التنبيه" [ص ٨٤]: (إلا جلد ما يؤكل إذا مات ودبغ .. فإنه لا يجوز أكله في أحد القولين، ويجوز في الآخر) الأول هو القديم، وصححه النووي (٧)، والثاني هو الجديد، وصححه الرافعي (٨)، وعليه مشى "الحاوي" (٩)، وخرج بالمأكول: جلد ما لا يؤكل إذا دبغ .. فإنه لا يحل قطعًا، وطرد بعضهم فيه الخلاف.

стр. 2209

كتاب المسابقة والمناضلة ٥٦٢٦ - كذا في "المنهاج" (١)، وبدأ بذكر حكمين مما يشتركان فيه، ثم قدَّم المناضلة في أشياء وأخرها في أشياء، وكان ينبغي [أن يذكر] (٢) ما يشتركان فيه ثم يذكر أحكام المسابقة ثم المناضلة، واقتصر "التنبيه" و"الحاوي" في التبويب على المسابقة (٣)، وأرادا: ما يشمل المناضلة على طريق التوسع، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: ننتضل، ذكره صاحب "الصحاح" (٤). ٥٦٢٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٤١]: (هما سنة) محله: فيما إذا قصد بهما التأهب للجهاد، ذكره في "أصل الروضة"، ثم زاد: أنه يكره لمن علم الرمي تركه كراهة شديدة؛ ففي "صحيح مسلم" عن عقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ قال: "ومن علم الرمي ثم تركه .. فليس منا، أو قد عصى" (٥). وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنهما فرض كفاية؛ لتعلقهما بالجهاد الذي هو فرض كفاية. انتهى. وفي "أصل الروضة" عن الصيمري: لا يجوز السبق والرمي من النساء؛ لأنهن لسن أهلًا للحرب. انتهى (٦). ومقتضاه: امتناعه عليهن ولو بغير عوض؛ ولعله إنما قال ذلك في العقد عليه بعوض. ٥٦٢٨ - قوله: (ويحل أخذ عوض عليهما) (٧) تعبيره هو و"التنبيه" بالعوض (٨) أعم من تعبير "الحاوي" و"المحرر" و"الروضة" بالمال (٩)، ويستثنى من كلامهم المرأة كما تقدم. ٥٦٢٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٤١] و"الحاوي" [ص ٦٣٩]: (وتصح المناضلة على سهام) أعم من تعبير "التنبيه" بالنشاب (١٠)، لاختصاصها فيما قيل بما يرمى به عن القسي الفارسية، ودخل في

стр. 2210

قول "التنبيه" [ص ١٢٧]: (وما أشبهها من آلة الحرب) الرمي بالمسلات والإبر، ولم يتناول ذلك قول "المنهاج" [ص ٥٤١]: (ومنافع في الحرب) لأنه قال فيه: (على المذهب) ولم يحك في "الروضة" وأصلها في العقد على المسلات والإبر خلافًا، بل جزما بجوازه (١)، ولم يتعرض لهما "الحاوي". وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنما ذكر ذلك الإمام والغزالي (٢)، ولا يعرف لغيرهما، ولم يتعرض له الشافعي، ودخول ذلك في لفظ النضل بعيد، وإن كان له وجه .. فهو في الإبرة أبعد، قال: والذي يظهر - والله أعلم - امتناع ذلك في الإبرة وجوازه في المسلة إذا كان يحصل برميتها النكاية الحاصلة من السهم. ٥٦٣٠ - قول "المنهاج" [ص ٥٤١]: (وكذا مزاريق) (٣) عبر في "التنبيه" بالزانات (٤)، وفسرها في "الكفاية" بها، وجمع "الحاوي" بينهما (٥)، وكذا في "الروضة" وأصلها (٦)، وذلك يدل على تغايرهما. ٥٦٣١ - قول "المنهاج" [ص ٥٤١]: (ورماح) تعبيره فيه بالمذهب يقتضي أن فيه طريقين، وليس كذلك؛ فليس في "الروضة" وأصلها في الرماح والسيوف غير وجهين (٧). ٥٦٣٢ - قوله: (ورميٌ بأحجار) (٨) أحسن من قول "الحاوي" [ص ٦٣٩]: (والحجر) لأنه قد يفهم من إطلاقه جواز العقد على إشالة الحجر باليد ويسمى العلاج، والأكثر على خلافه، فصرح "المنهاج" بأن المراد: الرمي، وذلك يتناول الرمي باليد وبالمقلاع، أما مراماتها؛ بأن يرمي كل واحد الحجر إلى صاحبه .. فباطلة بلا خلاف. ٥٦٣٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٤١]: (وكل نافع في الحرب) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": تمام العبارة أن يقول: ونكايته كنكاية السهام أو كنكاية ما ذُكر، لكن السهام أصل وما ذُكر بعد (كذا) ملحق بها (٩).
следующие страницы →