← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

للبغوي وغيره: أن الفطرة على مالك الرقبة (١)، لكن رجح النووي: أنَّها على الخلاف في (النفقة) (٢). الثانية: المكاتب كتابة فاسدة تجب فطرته على سيده، كما تقدم عن الرافعي (٣)، ولا تجب نفقته، كما حكاه الرافعي عن الإمام والغزالي، وأقرهما عليه (٤). الثَّالثة: لو كان له طفل يملك قوت يومه وليلته فقط .. فلا نفقة له، وفي وجه: إن فطرته على الأب، لكن الأصح في "الشَّرح الصَّغير": المنع؛ كالنفقة. ثالثها: يرد عليه: وجوبها على الكافر لممونه المسلم، كما تقدم، وفات "المنهاج" أن يقول: (إذا وجد ما يؤدي عنه)، لكنَّه استغنى عنه باشتراطه اليسار فيما تقدم، وأفهم قول "التَّنبيه" [ص ٦٠]: (ووجد ما يؤدي عنهم) أنَّه لا تجب عليه فطرة العبد الذِّي لا مال له غيره، والأصح: أنَّه يجب عليه بيع جزء منه لفطرته إن لم يحتج لخدمته، وقد ذكره "الحاوي" (٥). ١١٨١ - قول "التَّنبيه" [ص ٦٠]: (وإن زوج أمته بعبد أو حر معسر، أو تزوجت موسرة بحر معسر .. ففيه قولان، أحدهما: تجب على السيد فطرة الأمة، وعلى الحرة فطرة نفسها، والثَّاني: لا تجب، وقيل: تجب على السيد ولا تجب على الحرة، وهو ظاهر المنصوص) صحح الرافعي: طريقة القولين، وصحح منهما: الوجوب عليهما (٦)، وعليه مشى في "المحرر" و "الحاوي" (٧)، وصحح النووي: طريقة القطع بالوجوب على سيد الأمة دون الحرة (٨)، وعليه مشى "المنهاج" (٩)، ولو عبر بـ (المذهب) .. لكان أولى من تعبيره بالأصح. ١١٨٢ - قول "المنهاج" [ص ١٧٢]: (ولو انقطع خبر عبد .. فالمذهب: وجوب إخراج فطرته في الحال) خرج بمنقطع الخبر: غائب لم ينقطع خبره، والمذهب: وجوب فطرته أيضاً، فلا معنى لهذا التّقييد؛ ولهذا أطلق "الحاوي" في قوله [ص ٢٢٣]: (وعبد أبَقَ أو فُقِد) ومحل ذلك في منقطع الخبر: ما لم تنته غيبته إلى مدة يحكم فيها بموته، فإن كان كذلك .. لم تجب فطرته، صرح به الرافعي في (الفرائض) (١٠).

стр. 492

فإن قلت: الأصح في جنس الفطرة: اعتبار بلد العبد، فإذا لم يعرف موضعه، كيف يخرج من جنس بلده؟ قلت: لعل هذه الصورة مستثناة من القاعدة، أو يخرج من قوت آخر بلد عُلم وصوله إليها، أو تُدفَع فطرته للقاضي ليخرجها؛ لأنَّ له نقل الزكاة. ١١٨٣ - قول "المنهاج" [ص ١٧٢]: (وفي قولٍ: لا شيء) كان الأحسن: أن يقول: (وقيل: قولان، ثانيهما: لا شيء)، وطريقة القولين هي التي في "المحرر" (١)، وصحح في "شرح المهذب": طريقة القطع (٢)، وهي ظاهر عبارة "المنهاج". ١١٨٤ - قوله: (وقيل: إذا عاد) مقابل لقوله: (في الحال) (٣)، وهو منصوص في "الإملاء"، فلا يحسن التعبير عنه بقيل. ١١٨٥ - قول "التَّنبيه" [ص ٦٠]: (فإن فضل بعض ما يؤدي .. فقد قيل: يلزمه، وقيل: لا يلزمه) الأصح: اللزوم، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" (٤). ١١٨٦ - قول "التَّنبيه" - والعبارة له - و "الحاوي": (فإن وجد ما يؤدي عن البعض .. بدأ بمن يبدأ بنفقته) (٥) يقتضي أنَّه يبدأ بعد نفسِهِ بزوجته، ثم ولده الصَّغير، ثم أمه، ثم أبيه، ثم ولده الكبير، فهذا ترتيبهم في النفقة، لكن في "المنهاج" وأصله: تقديم الأب هنا على الأم (٦)، وكأنه ذهول عما قدراه في النفقة، ويدل لذلك أن عبارة "الروضة" وأصلها هنا: والمذهب من الخلاف الذي ذكرناه والذي أخرناه إلى (كتاب النفقات): أنَّه يقدم نفسه، ثم زوجته، ثم ولده الصَّغير، ثم الأب، ثم الأم، ثم الولد الكبير. انتهى (٧). وقد علم أن المذكور في (النفقات) تقديم الأم على الأب، ويوافق ذلك تصريح الشافعي هنا بتقديم الأم على الأب، لكن فرق في "شرح المهذب" بين النفقة والفطرة بمراعاة الحاجة في النفقة، والشرف في الفطرة، والأب أشرف من الأم وهي أحوج منه (٨). وفيه نظر؛ لتقديمهم هنا الولد الصَّغير على الأبوين، وهما أشرف منه، فدل على اعتبارهم

стр. 493

الحاجة في البابين، لكن قال السبكي: لم أر أحداً صحح تقديم الأم هنا، مع أنَّه يوافق الحديث في البداءة بالأم. قلت: تقدم عن الشافعي التصريح بذلك، وأورد في "الكفاية" على قول "التَّنبيه" [ص ٦٠]: (فإن وجد ما يؤدي عن البعض) أن ظاهره: أنَّه مع وجدان فطرة نفسه، ولا يلائم قوله: (وقيل: يقدم فطرة الزوجة على فطرة نفسه) (١) لاقتضائه أن الموجود صاع واحد؛ ولأن الشرط عنده في فطرة الغير: وجوب فطرة نفسه، وإذا وجب إخراج الصاع الواحد للزوجة .. فلا وجوب عليه لنفسه، وأجاب: بأن المراد: من صلح لوجوبه في حق نفسه في الجملة. ١١٨٧ - قول "الحاوي" [ص ٢٢٤]: (ثم يتخير بغير توزيع) أي: إذا استوى جماعة في درجة؛ كزوجات وأولاد .. بدأ بمن شاء، ولا يوزع الصاع بينهم، كذا صحَّحه النووي (٢)، ولم يصحح الرافعي شيئًا، بل أشعر كلامه بترجيح التوزيع؛ فإنَّه قال: ويتأيد وجه التقسيط بالنفقة؛ فإنَّها توزع في مثل هذه الحالة، قال: ولم يتعرضوا للإقراع هنا، وله مجال في نظائره (٣). وفي "المهمات" عن منصور التميمي صاحب "الرَّبيع" أنَّه قال في (كتاب المسافر) بعد حكايته عن الشَّافعي تقديم من شاء: قال منصور: بل يقرع بينهم، فيبدأ بمن خرجت قرعته. ١١٨٨ - قول "التَّنبيه" [ص ٦١]: (وأمَّا الأقط: فقد قيل: يجوز، وقيل: فيه قولان) فيه أمور: أحدها: الأصح: طريقة القولين، وأصحهما: الإجزاء، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" (٤)، وقال في "الروضة": ينبغي أن يقطع بجوازه؛ لصحة الحديث فيه من غير معارض (٥). ثانيها: محل الخلاف: ألَاّ يكون مملحاً بملح يفسد جوهره، فإن كان كذلك .. لم يجز قطعاً، وهذا وارد على "المنهاج" و "الحاوي" أيضاً، لكنَّه مفهوم من قول "التَّنبيه" [ص ٦١]: (ولا يؤخذ في الفطرة حب معيب) و "المنهاج" [ص ١٧٣]: (الواجب: الحب السليم)، فإذا اشترطت السلامة في الحب .. ففي غيره أولى، وهذا عيب. ثالثها: قد يفهم من اقتصاره هو و "المنهاج" على الأقط: عدم إجزاء الجبن الذي لم ينزع زبده واللبن، والمذهب: إجزاؤهما، وقد ذكرهما "الحاوي"، لكنَّه لم يقيد الجبن بكونه غير منزوع

стр. 494

الزبد (١)، والخلاف جار فيمن قوته الأقط وفيمن قوته اللبن، كما في الرافعي عن البغوي (٢)، لكن في "شرح المهذب" تخصيص الخلاف بمن قوته الأقط (٣)، أي: فمن قوته اللبن .. له إخراجه قطعاً، تفريعاً على إجزاء الأقط، وصحح في " تصحيح التَّنبيه" في (الظهار): أنَّه لا يجزئ اللبن (٤). ١١٨٩ - قول "التَّنبيه" [ص ٦١]: (وتجب الفطرة فيما يقتاته من هذه الأجناس، وقيل: من غالب قوت البلد) الثَّاني هو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" و "المنهاج" (٥)، لكنَّه لم يذكر الغلبة؛ فقوله بعد ذلك: (ولو كان في بلد أقوات لا غالب فيها .. تخيّر، والأفضل أشرفها) (٦)، إنَّما كان يحسن لو بَيّن أولاً أن الإخراج من الغالب، وفي "الوسيط": المعتبر غالب قوت البلد وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة (٧)، وفي "الوجيز": غالب قوت البلد يوم الفطر (٨)، قال الرافعي: وهذا التّقييد لم أظفر به في كلام غيره (٩)، قال في "شرح المهذب": وهو غريب كما قال، والصَّواب: أن المراد: قوت السنة، كما سنوضحه، ثم أوضحه؛ بأن حكى عن السرخسي فيما إذا اختلف القوت باختلاف الأوقات: أنَّه إن أخرج من الأعلى .. أجزأه، أو من الأدنى .. فأصح القولين: الإجزاء؛ أيضاً (١٠)، قال في "المهمات": وحاصله تصحيح اعتبار الغلبة في وقت من أوقات السنة، قال: وتقييد "الوسيط" ذكره في "الذخائر"، وهو القياس. انتهى. وقال السبكي فيما لو حصل جدب في بلد اقتضى اقتيات أهلها جميع سنتهم الشعير، وغالب قوتهم في غير تلك السنة القمح: إن الفقه ما يقتضيه أصل الغزالي، وأنَّه ينظر إلى الغالب وقت الوجوب؛ أي: فيخرج القمح في هذه الصورة، ومقتضى اعتبار قوت السنة: إخراج الشعير، والله أعلم. وإذا فرعنا على اعتبار قوته، فكان يليق به الشعير، فأكل القمح تنعماً، أو بالعكس .. فالأصح: وجوب ما يليق به، وعبارة "التَّنبيه" و "المنهاج" قد تفهم خلافه.

стр. 495

١١٩٠ - قول "التَّنبيه" [ص ٦١]: (فإن عدل عن القوت الواجب إلى قوت أعلى منه .. جاز) الاعتبار في كونه أعلى بزيادة الاقتيات في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" (١). ١١٩١ - قوله: (إن عدل إلى ما دونه .. ففيه قولان) (٢) مستشكل؛ فإن المقطوع به في الرافعي وغيره: أنَّه لا يجزئ ما دونه (٣)، وقال النووي في "التصحيح": مراده: أنَّه هل يتخير بين الأقوات، ولا يتعين قوته، ولا قوت البلد؟ قال: ولكن عبارته بعيدة عن المراد. انتهى (٤). ويؤيد هذا التأويل أن "التنبيه" لم يذكر وجه التخيير بين الأقوات أولاً، فنبه عليه آخراً، و "المنهاج" لما ذكره في الأوَّل .. جزم هنا بعدم إجزاء الأدنى (٥)، وقال في "الكفاية": كذا روى القولين ابن الصباغ وغيره، وحكاهما البندنيجي كذلك، والواجب قوت البلد، وقال: حاصل القول الآخر: التخيير، قال في "الكفاية": وقد نقول بالإجزاء ولا تخيير، كما لو أخرج رديء النقد عن الجيد على رأي، ويؤيده صحة ظُهر من تلزمه الجمعة على قول. انتهى. وفي "الحاوي" في (باب الكفارة بالطعام) تفريعاً على وجوب الإخراج من قوت نفسه: أنَّه لو أخرج ما دونه .. ففي إجزائه وجهان، أصحهما: لا يجزئ، ثم جعل حكم الفطرة كالكفارة (٦)، وهذا صريح في حكاية الخلاف الذي في "التنبيه"، إلَّا أنَّه حكى الخلاف وجهين، وهو في "التَّنبيه" قولان، وجعله مفرعًا على أن المعتبر قوت نفسه، وفي "التَّنبيه" أطلق. ١١٩٢ - قول "المنهاج" [ص ١٧٣] و "الحاوي" [ص ٢٢٤]: (إن الشعير خير من التمر) تبعاً فيه "المحرر" و "الشَّرح الصَّغير"، وحكاه في "الكبير" عن ترجيح البغوي (٧)، وصححه في "شرح المهذب" أيضاً (٨)، وقدم الشَّيخ أبو محمَّد التمر على الشعير، وقطع به الروياني في "البحر" (٩). ١١٩٣ - قول "الحاوي" [ص ٢٢٤]: (من غالب طعام بلد المؤدَّى عنه) أعم وأحسن من قول "المنهاج" [ص ١٧٣]: (ولو كان عبده ببلد آخر .. فالأصح: أن الاعتبار بقوت بلد العبد). ١١٩٤ - قول "التَّنبيه" [ص ١٧٣]: (ولا حب معيب) يقول "المنهاج" [ص ١٧٣]: (الواجب الحب السليم)، واستثنى القاضي الحسين: ما إذا لم يكن له سواه، وهو يقتاته، حكاه عنه في

стр. 496

"الكفاية"، وأقره، ثم قال: وعلى هذا ينبغي أن يخرج من المسوّس قدراً يتحقق أنَّه يملأ الصاع من اللب بقشره لو أخرجه. ١١٩٥ - قول "المنهاج" [ص ١٧٣]: (ولو أخرج من ماله فطرة ولده الصَّغير الغني .. جاز) الجد كالأب، والمجنون كالصغير، أما الوصي والقيم: فلا يجوز ذلك لهما إلَّا بإذن القاضي، كما قاله البغوي وغيره (١). ١١٩٦ - قوله: (بخلاف الكبير) (٢) قيده في "شرح المهذب" بالرشيد؛ لأنَّه لا ولاية له عليه، فلا بد من إذنه (٣). ١١٩٧ - قول "التَّنبيه" [ص ٦١]: (وإن كان عبدٌ بين نَفْسَيْن مختلفي القوت .. فقد قيل: يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته، وقيل: يخرجان من أدنى القوتين، وقيل: يخرجان من قوت البلد الذي فيه العبد) الأصح: الثالث، وعليه يدل قول "الحاوي" [ص ٢٢٤]: (بلد المؤدَّى عنه) لكن صحح في "المنهاج" و "التصحيح" و "أصل الروضة" الأوَّل (٤)، قال شيخنا الإسنوي في "تصحيحه": وهو غير مستقيم؛ فإن المصحح في كتبه كلها أن العبرة ببلد المؤدَّى عنه. نعم؛ إذا اعتبرنا بلد المؤدي .. ففيه خلاف، والراجح: ما قال، وقد ذكره هو في "شرح المهذب" والرافعي في "الشرحين" على الصواب، ولكن حصل له في "الروضة" ذهول عن تفريع ذكره الرافعي في آخر كلامه، ثم أخذ من "الروضة" إلى "التصحيح" وإلى "المنهاج" من زياداته. انتهى (٥). وذكر السبكي نحوه، قال: بل أقول: ولو فرعنا على أن المعتبر قوت الشخص في نفسه، وكان السيدان مختلفي القوت .. فالاعتبار بقوت العبد، وبه صرح صاحب "المرشد"، وقال: فإن كان قوت العبد مختلفاً كقوتهما .. أخرج كل واحد نصف صاع مما يقتاته، وهذه صورة حسنة يمكن تصحيح كلام المصنف بالحمل عليها، وفيها نظر؛ لأنَّه إذا اختلف قوته، ولم يكن غالب .. تخيّر، ومقتضاه: أن يتخير السيدان من غير تبعيض. انتهى. ١١٩٨ - قول "الحاوي" [ص ٢٢٤]: (وللزوجة فطرتها دون إذنه) أي: يجوز لها ذلك ولو كان موسرًا، بناءً على أنَّها وجبت عليها ثم تحملها الزوج، وكذا كل من فطرته على غيره، لو تكلف

стр. 497

تحصيلها باستقراض ونحوه وإخراجها .. جاز، بناءً على ما ذكرناه، قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": ويخرج من هذا أن الزوجة مستقلة بإخراج فطرة نفسها، وهي التي تنوي حينئذ، وقضية هذا أن الزوج يحتاج في إخراج فطرتها إلى إذنها، ولم نر من قال به، وهو قوي، ولا سيما فيما إذا كان الزوج كافراً أصلياً أو مرتداً، وكان بعد الدخول؛ فإن النفقة تجب لها في مدة العدة على المذهب، فإذا وجبت زكاة الفطر تبعاً للنفقة .. فإنه يقوي استقلالها؛ لأنها من أهل النية، وكذلك إذا كان القريب مسلمًا حيث تجب نفقته على الكافر. انتهى.

стр. 498

باب من تلزمه الزّكاة، وما تجب فيه ١١٩٩ - قولهم: (شرط وجوب الزكاة: إسلام) (١) أي: شرط وجوب إخراجها، كما صرح به القاضي حسين والمتولي والعمراني وآخرون (٢)، ولذلك قال الرافعي: الكافر الأصلي غير مُلزَم بالإخراج لا في الحال ولا بعد الإسلام. انتهى (٣). وأما العقوبة في الآخرة: فعلى الخلاف في تكليفه بالفروع، والأصح: نعم، لكن يشكل على ذلك جمعهم الحرية مع الإسلام؛ فإن الحرية شرط في أصل الخطاب، واحترز "المنهاج" بتقييده بزكاة المال عن زكاة الفطر؛ فإنها قد تلزم الكافر إذا كانت عن غيره كما تقدم. ١٢٠٠ - قول "التنبيه" [ص ٥٥]: (وإن كان مرتداً .. ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: تجب، والثاني: لا تجب، والثالث: إن رجع إلى الإسلام .. وجبت، وإن لم يرجع .. لم تجب) الأصح: الثالث، وعليه مشى "الحاوي" (٤)، وأشار إليه "المنهاج" بقوله [ص ١٧٤]: (وتلزم مرتدًا إن أبقينا ملكه) وقد يفهم عدم اللزوم إن أزلنا ملكه أو وقفنا، وليس مراده، وإنما مراده: أنها موقوفة إن قلنا بوقف ملكه، وهو الصحيح فيهما، وأورد على "التنبيه": أنه تردد كلامه في الردة في إثبات قول زوال الملك، وجزم بإثباته هنا. ١٢٠١ - قول "التنبيه" [ص ٥٥]: (لا تجب الزكاة إلا على حر) يرد عليه: المبعّض، فإذا ملك ببعضه الحر نصاباً .. وجبت زكاته في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" و"المنهاج"، وعبر بالأصح (٥)، وهو أولى من تعبير "الروضة" بالصحيح (٦). فإن مقابله قد قطع به أكثر العراقيين، أو كثير منهم، وجماعة من الخراسانيين، كما في "شرح المهذب" (٧). وأجيب عن "التنبيه": بأن الوجوب لم يلاق إلا البعض الحر، فلم تجب إلا على حر، ويؤيده قول "الحاوي" [ص ٢١٤]: (حر ولو بعضاً).

стр. 499

تنبيهٌ [في اشتراط تمام الملك] اقتصر "المنهاج" على اشتراطه الإسلام والحرية (١)، وزاد "التنبيه": تمام الملك، وقال بعد ذلك: (وما لم يتم ملكه عليه؛ كالدين الذي على المكاتب .. لا تجب الزكاة فيه) (٢)، وقال النشائي: إذا تأملت ما أورده في "الكفاية" .. لم تجد لما أورده مثالاً مشاركاً مثله، وقد قال في أثناء كلامه: المتفق عليه ما مثل به الشيخ فقط. انتهى (٣). وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك في قوله [ص ١٧٤]: (أو غير لازم كمال الكتابة)، وتعبير "التنبيه" بالدين الذي على المكاتب أعم من تعبير "المنهاج" بمال الكتابة، وضم "الحاوي" إلى الإسلام والحرية شرطين: أحدهما: كونه معينًا، فلا زكاة في الموقوف على جهة عامة، وتجب في الموقوف على معين. ثانيهما: كونه متيقن الوجود، فلا زكاة في مال الحمل (٤). وفي "الكفاية": إن "التنبيه" أخرجه بقوله: (تام الملك)، بل صرح "التنبيه" في (الوقف) بأنه لا يملك بقوله: (وإن وقف على من لا يملك الغلة؛ كالعبد والحمل) (٥)، ويمكن أن يحترز عنه "المنهاج" بقوله [ص ١٧٤]: (وتجب في مال صبي). ١٢٠٢ - قول "التنبيه" [ص ٥٥]: (وفي المال المغصوب والضال والدين الذي على مماطل قولان، أصحهما: أنه تجب فيه الزكاة) قال صاحب "المذاكرة": لعل المراد بالمماطل: الممتنع من إيفاء الدين ولم تكن عليه بينة ولا القاضي يعلم به. انتهى. فيكون المراد بالممطول به: المجحود، ويوافقه أن "المنهاج" ذكره بدله (٦)، لكن عبارة "الروضة": إذا تعذر الاستيفاء لإعسار من عليه، أو جحوده ولا بينة، أو مطله، أو غيبته .. فهو كالمغصوب تجب الزكاة على المذهب. انتهى (٧). فجعل المطل غير الجحود، وهو الظاهر المتعين، ويكون مرادهما: الدين المتعذر الاستيفاء،

стр. 500

فذكر "التنبيه" نوعاً منه، و"المنهاج" نوعا آخر، كل ذلك على سبيل المثال، وفي "نكت" النشائي: إن كلام "التنبيه" ظاهر في أن القولين في المماطل هما القولان في المغصوب، وليس كذلك؛ فإن العراقيين وغيرهم نسبوا الوجوب في المغصوب للجديد، وكذا في "شرح المهذب"، والمنع للقديم، وأما الدين .. فالقديم: منع الزكاة فيه مطلقاً. نعم؛ إذا قلنا بالجديد .. جاء في الدين على المماطل القولان. انتهى (١). وأسقط "المنهاج" مما في "المحرر" المسروق؛ كأنه رآه داخلًا في الضال، وفي معناه: ما إذا وقع في بحر، قال في "المنهاج" [ص ١٧٤]: (ولا يجب دفعها حتى يعود)، وصرح به "الحاوي" أيضًا (٢). ١٢٠٣ - قول "المنهاج" [ص ١٧٤]: (وتجب في الحال عن غائب إن قدر عليه) أي: إذا كان المال مستقراً في بلد، فإن كان سائراً .. قال في "العدة": لا يخرج زكاته حتى يصل إليه، فإذا وصل .. زكى الماضي بلا خلاف، قال في "شرح المهذب": وهو الصواب، وما وجدته بخلافه .. فَنَزِّله عليه. انتهى (٣). وفي "الروضة" وأصلها في الكلام على تأخير الزكاة: إن المال الغائب لا نُوجب إخراج زكاته من موضع آخر (٤)، وهو مخالف للمذكور هنا، وهما وجهان حكاهما القاضي والروياني (٥)، قال في "المهمات": والقياس: عدم اللزوم إلا أن يمضي زمان يمكنه المضي إليه فيه. ١٢٠٤ - قول "المنهاج" [ص ١٧٤] و"الحاوي" [ص ٢١٩]: (إنه لا زكاة في الدين إن كان ماشية) عللوه: بأن السوم شرط، وما في الذمة لا يوصف به، واستشكله الرافعي: بأن المسلِم في اللحم يذكر أنه من راعية أو معلوفة، فكما يثبتُ في الذمة لحمُ راعية .. فلتثبت الراعية نفسُها (٦). وضعفه القونوي بأن المدعى امتناع اتصافه بالسوم المحقق، وثبوتها في الذمة سائمةً أمر تقديري. ويرد على اقتصارهما على الماشية: المعشّر في الذمة .. فلا زكاة فيه أيضًا؛ لأن شرطها الزهو في ملكه، ولم يوجد.

стр. 501

١٢٠٥ - قول "المنهاج" [ص ١٧٤]: (أو غير لازم كمال الكتابة) لو عبر بـ (الدين الذي على المكاتب) كما في "التنبيه" (١) .. لكان أعم، وقد تقدم، واقتصر "الحاوي" على اعتبار لزوم الدين، ولم يذكر مثالًا (٢)، وألحق ابن الرفعة بمال الكتابة في الجزم بالمنع الثمن في الذمة في مدة خيار المجلس لهما أو للمشتري وحده، بسبب إجازة البائع إذا قلنا: الملك فيه للبائع؛ لأنه دين، ويقدر المشتري على إسقاطه، والبائع عاجز عن التصرف التام، قال: ويجوز أن يجب؛ لأنه يؤول إلى اللزوم. ١٢٠٦ - قول "المنهاج" [ص ١٧٤]: (إنه تجب الزكاة في الدين إذا كان عرضاً في الجديد) وهو مفهوم من قول "التنبيه" [ص ٥٥]: (كالدين الذي على المكاتب) ومن قول "الحاوي" [ص ٢١٨]: (ولا في دين الحيوان) وكذا في بقية كتب الرافعي والنووي، تبعاً للبغوي (٣)، وسوى في "التتمة" بين العروض والماشية، فقال: إذا كان غير النقد من الثياب والطعام والنعم .. فلا خلاف أنه لا زكاة فيه؛ فإن الثياب تجب فيها الزكاة للتجارة، وما في الذمة لا يتصور فيه التجارة. ١٢٠٧ - قول "المنهاج" في الدين المؤجل [ص ١٧٤]: (المذهب: أنه كمغصُوب) أي: فتجب زكاته في الأظهر، لكن لا يجب دفعها حتى يقبضه، كذا في كتب الرافعي والنووي (٤)، ويوافقه قول "المنهاج" عقبه [ص ١٧٤]: (وقيل: يجب دفعها قبل قبضه)، وقال السبكي: ينبغي أن يكون المراد بقولهم: (قبل قبضه): قبل حلوله؛ فإن محل الخلاف: إذا كان على مليٍّ مقرٍ ولا مانع سوى الأجل، وحينئذ: متى حل .. وجب الإخراج قبض أو لم يقبض، وتبعه على ذلك شيخنا في "المهمات"، فقال: إن التعبير بالقبض غير مستقيم، والصواب: التعبير بالحلول. ١٢٠٨ - قول "المنهاج" [ص ١٧٤]: (ولا يمنع الدين وجوبها في أظهر الأقوال) محل الخلاف: ما إذا لم يكن له من غير المال الزكوي ما يقضي به الدين، فإن كان .. لم يمنع قطعاً عند الجمهور، وتردد فيه الشيخ أبو محمد، ولا يدخل فيمن عليه دين الضامن؛ فإنه لم يثبت عليه للمضمون له مال، وإنما له عليه حق المطالبة والإبراء، ذكره الشيخ عز الدين في "القواعد" ثم قال: ويحتمل ثبوته في ذمته، ولكن لا تثبت له جميع أحكام الديون من وجوب الزكاة فيه وغيره (٥).

стр. 502

١٢٠٩ - قوله: (والثالث: يمنع في المال الباطن، وهو النقد والعرض) (١) أهمل من المال الباطن: الركاز، وقد ذكره "التنبيه" والجمهور (٢)، ولم يذكره "المنهاج" هنا؛ لاندراجه في النقد، لكنه منتقض بالمعدن، وأهملا معاً زكاة الفطر، وهي من الباطنة أيضًا على الأصح. ١٢١٠ - قوله: (فعلى الأول: لو حجر عليه لدين، فحال الحول في الحجر .. فكمغصوب) (٣) محله: ما إذا لم يعين الحاكم لكل غريم عيناً على ما يقتضيه التقسيط ويمكنه من أخذها، فإن عين لذلك، فحال الحول ولم يأخذوها .. فلا زكاة على المذهب، حكاه الرافعي هنا عن قطع المُعْظَم، وقال في (التفليس): إنه أظهر القولين (٤)، وهو وارد على إطلاق "الحاوي" أيضاً أن الدين لا يمنع الزكاة (٥)، لكن قال السبكي: ما نقل عن المعظم ظاهر إذا كان ماله من جنس الدين، وعزل لكل غريم قدر دينه، أما إذا كان من غيره: فكيف تمكنه من أخذه دون بيع أو تعويض؟ قال في "المهمات": وقد صورها بذلك الشيخ أبو محمد في "السلسلة". ١٢١١ - قول "التنبيه" [ص ٦١]: (وإن كان هناك - أي: مع الزكاة - دين آدمي .. ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: تقدم الزكاة)، هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٦)، ثم هنا أمور: أحدها: أنه يدخل في الزكاة: زكاة الفطر، فحكمها كزكاة المال على الصحيح، بل الأقوال جارية في اجتماع حق الله تعالى مطلقًا مع الدين، فيدخل في ذلك الحج وجزاء الصيد والكفارة والنذر، كما صرح به في "شرح المهذب" (٧). ثانيها: أن ظاهر كلامهم: جريان الأقوال وإن كان المال الزكوي باقياً، وهو الذي في "الروضة" وأصلها هنا، لكن في زكاة المعشرات والأيمان ترجيح القطع بتقديم الزكاة عند بقاء المال الزكوي (٨)، وصوبه في "المهمات". ثالثها: يستثنى من هذه القاعدة: اجتماع الجزية والدين؛ فإن الأصح: استواؤهما، مع أن الجزية حق الله تعالى.

стр. 503

رابعها: خرج بدين الآدمي: دين الله تعالى؛ كالكفارة ونحوها، قال السبكي: والوجه فيه أن يقال: إن كان النصاب موجوداً .. قدمت الزكاة، وإلا .. فيستويان. خامسها: خرج بتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بالتركة: ما إذا اجتمعا على حي، وضاق ماله عنهما، وهو مفهوم من "التنبيه" أيضًا؛ فإنه صور المسألة بالموت، وحكمه: أنه إن كان محجوراً عليه .. قدم حق الآدمي قطعاً، ويؤخر حق الله تعالى ما دام حياً، وإن لم يكن محجوراً عليه .. قدمت الزكاة جزمًا، ذكر الرافعي حكم المحجور في (الأيمان)، وحكم غيره هنا؛ فإنه جعله أصلاً، وقاس عليه تقديم الزكاة هنا (١)، لكن صرح القاضي أبو الطيب في المحجور في حال الحياة بأقوال، ثالثها: تقديم السابق، وفي "المهمات" عن "شرح المختصر" لابن أبي هريرة تعليق أبي على الطبري عنه: الجزم بجريان الأقوال في الحياة، والتوقف في إجرائها بعد الموت، وهو غريب، وذكر شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" في (الأيمان): أن المذكور هناك من القطع بتقديم حق الآدمي محله: فيما كان من حق الله على التراخي؛ ككفارة اليمين حيث لا تعدي يقتضي الفورية، وقطع بتقديم الزكاة ونحوها مما هو على الفور، واستشهد على ذلك بكلام الرافعي المذكور هنا، وحمله على المحجور، وتردد في غير المحجور في الحياة؛ هل يتخير أو يقدم الزكاة أو تجري الأقوال؟ والله أعلم. سادسها: هذه المسألة مفرعة على أن الدين لا يمنع الزكاة، كما في "الروضة" وأصلها (٢)، لكن قال السبكي: لا يتعين ذلك، بل إذا حدث الدين بعد وجوب الزكاة .. جرت الأقوال. ١٢١٢ - قول "التنبيه" [ص ٥٥]: (وفي الأجرة قبل استيفاء المنفعة قولان، أصحهما: أنه تجب فيها الزكاة) فيه أمران: أحدهما: كذا حكى الخلاف في نفس الوجوب، وهي طريقة طائفة من العراقيين، وقال الشيخ أبو حامد وأتباعه: الوجوب ثابت قطعًا، وإنما الكلام في كيفية الإخراج، قال الرافعي والنووي: وهذا مقتضى كلام الأكثرين (٣). ثانيهما: لم يتعرض للإخراج والأداء، وذكره "الحاوي" فقال [ص ٢١٩]: (وتقرر الأجرة شرط لوجوب الأداء)، و"المنهاج" وأوضح المسألة بمثالها، فقال [ص ١٧٥]: (ولو أكرى داراً أربع سنين بثمانين ديناراً وقبضها .. فالأظهر: أنه لا يلزمه أن يخرج إلا زكاة ما استقر، فيخرج عند تمام السنة الأولى زكاة عشرين ... إلى آخره) وللرافعي على هذا استدراك صحيح نقله عن

стр. 504

القاطعين بالوجوب، أسقطه من "الروضة"، تقريره: أن الزكاة تتعلق بالمال تعلق شركة على الصحيح، فانتقل للفقراء من العشرين التي لم يخرج زكاتها في السنة الأولى؛ لعدم استقرار الأجرة نصف دينار، فلم يحل الحول الثاني على عشرين كاملة، بل ناقصة نصف دينار، فتسقط حصة ذلك، وكذا قياس السنة الثالثة والرابعة، وقد ظهر بذلك أن هذا الحكم مفرع على ضعيف؛ فإن الأظهر: تعلق الشركة، ومحل ذلك أيضاً: إذا كان الإخراج من غيره، فإن كان من عينه .. نقص الواجب في السنة الثانية وما بعدها بقدر واجب ما أخرجه (١).

стр. 505

بابُ أداء الزّكاة ١٢١٣ - كذا ترجم في "الروضة" (١)، وهو أحسن من ترجمة "المنهاج" بقوله [ص ١٧٥]: (فصل) لأنه لا يظهر اندراج أحكامه في الباب المتقدم، وهو (باب من تلزمه الزكاة، وما تجب فيه) (٢). ١٢١٤ - قول "المنهاج" [ص ١٧٥]: (تجب الزكاة على الفور إذا تمكن، وذلك بحضور المال والأصناف) هو معنى قول "التنبيه" في (قَسْم الصدقات) [ص ٦١]: (ومن وجبت عليه الزكاة وقدر على إخراجها .. لم يجز له تأخيرها، فإن أخرها .. أثم وضمن) ويستثنى من كلامهما مسائل: إحداها: أن له التأخير لانتظار قريب أو جار، لكن يضمن لو تلف المال على الأصح فيهما، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص ٢١٩]: (ولو انتظر القريب والجار .. جاز وضمن) وفي معنى ذلك: ما لو انتظر الأحوج، أو الأصلح، أو أخر لطلب الأفضل؛ بأن وجد السلطان .. فأخر ليفرق بنفسه حيث جعلناه أفضل، أو عكسه حيث جعلناه أفضل، لكن قال الإمام: له شرطان: أحدهما: أن يظهر استحقاق الحاضرين، فإن تردد في استحقاقهم فأخر ليتروى .. جاز بلا خلاف. الثاني: ألَاّ يشتد ضرر الحاضرين وَفَاقَتُهم، فإن تضرروا بالجوع .. لم يجز التأخير للقريب وشبهه بلا خلاف (٣). قال الرافعي: وفي هذا الشرط الثاني نظر؛ فإن إشباعهم لا يتعين على هذا الشخص، ولا من هذا المال، ولا من مال الزكاة (٤). قال النووي: هذا النظر ضعيف أو باطل (٥). الثانية: زكاة الفطر؛ فإنها تجب بغروب ليلة العيد، وله التأخير إلى غروب يومه. الثالثة: قد يستثنى المعدن، فتجب زكاته بوجوده في الأصح، وله التأخير إلى الطحن والتصفية. الرابعة: المعشر، فتجب زكاته بالزهو واشتداد الحب، وله التاخير إلى الجفاف والتصفية، وقد يجاب عن هاتين الصورتين: بأنه قبل التصفية والجفاف غير قادر؛ فإنها لا تجزئ حينئذ، إلا

стр. 506

إن دفع من غيره جافًا وخالصًا، وتعبير "الحاوي" [ص ٢١٩] (بحضور المال والمصروف إليه) أحسن من تعبير "المنهاج" [ص ١٧٥] بـ (الأصناف) لتناول المصروف إليه: الإمام، والساعي؛ فهو أعم، وأهملا للتمكن شرطاً آخر، ذكره البغوي وغيره، وهو: ألَّا يكون مشتغلًا بأمر مهم ديني أو دنيوي؛ كالصلاة وأكل ونحوهما (١)، وتعبير "التنبيه" أحسن من تعبير "المنهاج" من وجه؛ إذ ليس في عبارة "المنهاج" الإفصاح عن كون اعتبار ذلك إنما هو بعد حولان الحول، وذلك مفهوم من قول "التنبيه" [ص ٦١]: (ومن وجبت عليه الزكاة) فإنها إنما تجب بعد الحول. ١٢١٥ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وله أن يؤدي بنفسه زكاة المال الباطن) (٢) أورد بعضهم عليه: السفيه؛ فإنه لا يفرق بنفسه. وجوابه: أن تفرقة وليه كتفرقته بنفسه. ١٢١٦ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وكذا الظاهر على الجديد) (٣) محل الخلاف: ما إذا لم يطلبها الإمام، فإن طلب زكاة الظاهر .. وجب دفعها إليه بلا خلاف، قاله في "الروضة" (٤)، لكن في "الشافي" للجرجاني: في وجوب الدفع إليه قولان، ثم قال: وقيل: إن طلبها .. وجب قطعًا. انتهى. ومقتضاه: طرد الخلاف مع الطلب، وبالمنع مع الطلب، قال القاضي أبو الطيب: وفي "البحر" وجهان في أنه هل له مطالبة من يعلم أنه يؤديها بنفسه أم لا؟ (٥) قال في "المهمات": فتحصّلنا على ثلاثة أوجه. ١٢١٧ - قولهم: (ويجوز أن يدفع إلى الإمام) (٦) في معنى الإمام: نائبه، وهو الساعي. ١٢١٨ - قول "التنبيه" [ص ٦٢]: (وفي الأفضل ثلاثة أوجه، أحدها: أن يفرق بنفسه، والثاني: أن يدفع إلى الإمام، والثالث: إن كان الإمام عادلاً .. فالأفضل: أن يدفع إليه، وإن كان جائراً .. فالأفضل: أن يفرق بنفسه) فيه أمور: أحدها: أن الأصح: الثالث، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٧)، وصحح في "شرح

стр. 507

المهذب": أن الدفع إليه أفضل إن كانت ظاهرة مطلقًا، فإن كانت باطنة .. فيفرق بين أن يكون عادلاً أم لا (١). ثانيها: أنه حكى هذا الخلاف أوجها، وحكاه "المنهاج" أقوالاً، فقال [ص ١٧٥]: (والأظهر: أن الصرف إلى الإمام أفضل، إلا أن يكون جائرًا) وعبارة "الروضة" تقتضي أن الخلاف في الباطنة وجهان، وفي الظاهرة طريقان؛ فإنه قال: إن كانت باطنة .. فأصح الوجهين عند الجمهور، وبه قطع الصيدلاني: أن الدفع إليه أفضل، وإن كانت ظاهرة .. فالمذهب: أن الدفع إليه أفضل، وبه قطع الجمهور، وطرد الغزالي فيه الخلاف، ومحل أفضلية الدفع إليه: هو إذا كان عادلاً، فإن كان جائراً .. فأصح الوجهين: أن التفريق بنفسه أفضل، والثاني: أنه كالعادل (٢). وذكر شيخنا ابن النقيب: أن ظاهر "المنهاج" الجزم بتفضيل التفرقة بنفسه إذا كان الإمام جائرًا (٣). وفيه نظر؛ فالظاهر: أن الاستثناء في قوله: (إلا أن يكون جائراً) داخل تحت الأظهر أيضاً، فيكون من محل الخلاف، كما صرح به غيره. ثالثها: لم يحك "التنبيه" هذه الأوجه إلا في المال الباطن، وسكت عن المال الظاهر، وظاهر "المنهاج" حكاية الخلاف فيهما معاً، وهو كذلك. رابعها: قال الماوردي: المراد بالعادل: العدل في الزكاة وإن جار في غيرها، وكذا في الجور، حكاه في "الكفاية" عن الماوردي (٤)، وظاهره: تفسير كلام الأصحاب في المراد بالعدل والجور هنا، وعلل الماوردي منع الدفع إلى الجائر: بانه لا يصل الحق إلى المستحق (٥)، ومقتضاه: أنه لو علم أنه يصل .. دفع، وهو ما صرح به في (قسم الصدقات)، وهذا يقتضي أن المراد به: الجائر في إيصال تلك الزكاة بخصوصها لا في مطلق الزكاة، وهذا أخص من الأول، واقتضى كلام السبكي: أن كلام الماوردي المتقدم وجه في المسألة؛ فإنه جمع في الدفع إلى الجائر أربعة أوجه: الجواز، والوجوب، والمنع، والتفصيل بين الجائر في الزكاة وغيرها. ١٢١٩ - قول "المنهاج" [ص ١٧٥]: (وتجب النية، فينوي: "هذا فرض زكاة مالي"، أو "فرض صدقة مالي"، ونحوهما) يقتضي اشتراط نية الفرضية مع نية الزكاة، وليس كذلك، فلو

стр. 508

نوى الزكاة دون الفرضية .. أجزأه على المذهب، بخلاف نية الصدقة بدون الفرضية .. فإنه لا يجزئ؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٢٢٠]: (وينوي بالقلب الزكاة أو الصدقة الفرض) فقيد الصدقة بالفرض دون الزكاة، وقد استدرك ذلك النووي في "التصحيح" على قول "التنبيه" [ص ٦٢]: (ينوي أنها زكاة ماله أو زكاة واجبة)، فقال: الأصح: أنه إذا نوى الزكاة فقط .. أجزأه، وتبعه على ذلك شيخنا الإسنوي (١)، ولا حاجة لاستدراكه؛ فقد ذكره أولًا في قوله: (زكاة ماله)، فدل على أنه مخير في نية الوجوب. ١٢٢٠ - قول "المنهاج" [ص ١٧٥]: (ولو عيَّن .. لم يقع عن غيره) محله: ما إذا لم ينو أنه إن بأن ذلك المنوي عنه تالفاً .. فعن غيره، فإن نوى ذلك فبان تالفًا .. وقع عن الآخر، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص ٢٢٠]: (إلا إذا صرَّح أن يسترد حينئذ، أو أن يقع عن الآخر)، قال الرافعي: وتجويز الإخراج عن الغائب جعله الكرخي جواباً على جواز نقل الصدقة، ويصح تصويره بما أشار إليه في "الشامل"، وهو أن تفرض الغيبة عن المنزل لا عن البلد (٢). قال في "المهمات": وهذا خروج عن ظاهر اللفظ ولا حاجة إليه، بل يتصور بما إذا كان ماله الغائب في موضع ليس فيه فقراء، وكان الموضع الذي هو فيه أقرب موضع إليه. ١٢٢١ - قول "المنهاج" [ص ١٧٥]: (وتلزم الولي النية إذا أخرج زكاة الصبي والمجنون) ضم إليهما في "شرح المهذب" السفيه، وحكى الاتفاق على ذلك (٣)، وقال السبكي: فيه نظر، وصرح بمسالة السفيه الجرجاني في "الشافي"، وقال ابن الرفعة: قضية تعليل منع نية الصبي بأنه ليس أهلَا للنية: اعتبار نية السفيه، قال: وفي الاعتداد بنيته نظر، وهذا يقتضي أنه لم يظفر فيه بنقل، وقد عرفت أنه منقول، ولعل إطلاق "الحاوي" نية الولي تشمله (٤). ١٢٢٢ - قول "التنبيه" [ص ٦٢]: (وإن دفع إلى وكيله ونوى الوكيل ولم ينو رب المال .. لم يجزه) يستثنى منه: ما إذا فوّض النية إلى الوكيل، فنوى الوكيل عند التفرقة .. فإنه يجزئ، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص ٢٢٠]: (أو الوكيل إن فوض النية إليه). ١٢٢٣ - قول "التنبيه" [ص ٦٢]: (وإن نوى رب المال ولم ينو الوكيل .. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) الأصح: الإجزاء، ومحل الخلاف: ما إذا كانت نية المالك عند الدفع للوكيل، فإن كانت نيته عند تفرقة الوكيل .. أجزأ قطعا.

стр. 509

وقد ذكر "المنهاج" التصحيح ومحل الخلاف، فقال [ص ١٧٦]: (وتكفي نية الموكِّل عند الصرف إلى الوكيل في الأصح) ولذلك أطلق "الحاوي" نية الموكل (١)، وأصل هذا الخلاف: أنه هل يجب اقتران النية بالدفع للمستحقين أم يجوز قبله؛ والأصح: الثاني، والمسألة في "التنبيه"، قال [ص ٦٢]: (ويجوز أن ينوي قبل حال الدفع، وقيل: لا يجوز)، وكذا قال "الحاوي" [ص ٢٢٠]: (وإن تقدمت على الأداء)، وقال ابن الرفعة: محل تقديم النية: أن ينوي عند العزل، أما قبله .. فقال الماوردي: لا يجزئه قطعاً؛ لأنها حينئذ قصد لا نية، وفي كلام القفال ما ينازع فيه، وفي "شرح المهذب" أن المتولي وغيره شرطوه، وأشار إليه الماوردي والبغوي، وألحق في "الكفاية" الكفارة المالية بالزكاة في ذلك، ونقله في "شرح المهذب" عن ظاهر النص، وصوبه (٢)، ولكن في "الروضة" وأصلها في أول كفارة الظهار تصحيح المنع (٣). ١٢٢٤ - قول "المنهاج" [ص ١٧٦]: (ولو دفع إلى السلطان .. كفت النية عنده) كذا حكم النية عند الدفع إلى الساعي. ١٢٢٥ - قوله: (فإن لم ينو .. لم يُجْزِ على الصحيح وإن نوى السلطان) (٤) عبر في "الروضة" بالأصح (٥)، وهو أولى لقوة مقابله؛ فإن جماعةً جزموا به وآخرين صححوه، وهو ظاهر نصه في "المختصر" (٦). ١٢٢٦ - قوله: (والأصح: أنه تلزم السلطان النية إذا أخذ زكاة الممتنع) (٧) محله: إذا لم ينو الممتنع عند الأخذ منه قهرًا، فإن نوى .. كفى وبرئ ظاهراً وباطنًا، ولعل تسمية هذا ممتنعاً إنما هو باعتبار امتناعه السابق، وإلا .. فقد صار بنيته غير ممتنع. ١٢٢٧ - قوله: (وأن نيته تكفي) (٨) محل الخلاف في الاكتفاء بها: في إسقاط الفرض باطناً، أما الاكتفاء بها ظاهراً .. فلا خلاف فيه، أما إذا لم ينو الإمام ولا المأخوذ منه .. لم يبرأ باطناً، وكذا ظاهراً في الأصح.

стр. 510

باب تعجيل الزّكاة كذا بوب في "الروضة" (١)، وهو أولى من ترجمة "المنهاج" عنه ب (فصل) (٢)؛ لأنه لا يظهر اندراجه في التبويب المتقدم كما تقدم في الفصل قبله. ١٢٢٨ - قول "المنهاج" [ص ١٧٦]: (لا يصح تعجيل الزكاة على ملك النصاب) محله: في الزكاة العينية، فأما في زكاة التجارة: فإنه إذا اشترى عرضاً للتجارة بمئة مثلاً، وهو لا يملك غيرها، وهو يساوي دون مائتين، فعجل زكاة مئتين، فحال الحول وقيمته مئتان .. أجزأه المعجل على المذهب، بناء (على المذهب) أن النصاب إنما يعتبر آخر الحول، وهذا وارد أيضًا على مفهوم قول "التنبيه" [ص ٦١، ٦٢]: (وكل مال تجب الزكاة فيه بالحول والنصاب .. جاز تقديمها على الحول) فإن مفهومه منع تقديمها على النصاب، فيستثنى منه هذه المسألة، وقد ذكرها "الحاوي" مع مسألة أخرى فقال [ص ٢٢١]: (والمُعجّل يجزئ إن انعقد حوله ولو قبل نصابه؛ كمال التجارة، وشاتين في مئة بنتاجها تم نصابهما). وصورة الثانية: ما إذا ملك مئة من الغنم، فعجل عنها شاتين، ثم بلغت قبل الحول مئة وإحدى وعشرين بنتاجها، وما ذكره فيها من الإجزاء صححه الغزالي (٣)، لكن نقل الرافعي والنووي عن الأكثرين عدم الإجزاء (٤)، فخالف "الحاوي" ما عليه المعظم خلاف شرطه، ثم إن عبارته تقتضى إجزاء التعجيل قبل النصاب مطلقًا، وأن ذلك لا يختص بهاتين الصورتين، وإنما هما مثال، وليس كذلك. ١٢٢٩ - قول "المنهاج" [ص ١٧٦]: (ويجوز قبل الحول) أي: قبل تمامه، وكذا قول "التنبيه" [ص ٦٢]: (جاز تقديمها على الحول) أي: على تمامه، وقول "الحاوي" [ص ٢٢١]: (إن انعقد حوله) أي: بعد الدخول فيه وقبل تمامه. ١٢٣٠ - قول "المنهاج" [ص ١٧٦]: (ولا تعجَّل لعامين في الأصح) الخلاف في العام الثاني، فيجزئ في العام الأول كما صرح به الإمام (٥)، قال في "المهمات": وهو مسلّم مع تمييز حصة كل سنة، فإن لم يميز .. فينبغي ألا يجزئ؛ لأن المجزئ عن خمسين شاة مثلاً إنما هو: شاة كاملة، لا مشاعة ولا مبهمة، وهنا ليست كذلك. انتهى.

стр. 511

ولا يختص الخلاف بعامين، بل يجزئ فيما زاد أيضًا حتى لو ملك خمسين شاة، فعجل عشرة لعشرة أعوام .. جاء الخلاف، ونقل في "المهمات" عن الأكثرين تصحيح الجواز، وقال: إن ما صححه الرافعي والنووي من المنع لم نجد من سبقهما إليه غير البغوي (١). ١٢٣١ - قوله عطفاً على الصحيح: (وأنه لا يجوز إخراج زكاة الثمر قبل بدو صلاحه، ولا الحب قبل اشتداده) (٢) محل الخلاف: فيما بعد ظهوره، أما قبله: فيمتنع قطعاً. ١٢٣٢ - قول "التنبيه" [ص ٦٢]: (وإن هلك الفقير أو استغنى من غير الزكاة قبل الحول .. لم يجزئه عن الفرض) يتناول ما إذا طرأ له بعد الغنى فقر، وحال عليه الحول، وهو فقير، والأصح في هذه الصورة: الإجزاء؛ ولهذا اعتبر "المنهاج" كون القابض في آخر الحول مستحقًّا، و"الحاوي" وجود شروط الإجزاء وقت وجوبه (٣). ١٢٣٣ - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولا يضر غناه بالزكاة) (٤) فيه أمران: أحدهما: أنه يتناول استغناءه بهذه الزكاة المعجلة وبغيرها من الزكوات، لكن قال السبكي: إن استغناءه بزكاة أخرى كاستغنائه بغير الزكاة، كما يشير إليه كلام الأصحاب، قال: ولم أر من صرح به إلا الفارقي في كلامه على "المهذب"، واستشكله السبكي بما إذا كانتا معجلتين واتفق حولهما؛ إذ ليس استرجاع إحداهما بأولى من الأخرى، ثم قال: والثانية أولى بالاسترجاع، وكلام الفارقي يشعر باسترجاع الأولى، ولو كانت الثانية واجبة .. فالأولى هي المسترجعة، وعكسه بالعكس. انتهى. وقد يقال: لم تتناول عبارته زكاة أخرى، واللام في عبارته للعهد، والمراد: الزكاة التي قبضها معجلة. ثانيهما: قد تفهم عبارته أنه إذا استغنى بها وبغيرها .. أنه يضر، وبه جزم الجرجاني في "الشافي"، لكن الذي جزم به الرافعي والنووي: أنه لا يضر (٥)، وقد يقال: مراد "المنهاج" باستغنائه بالزكاة: أن يكون لها مدخل في صيرورته غنياً وإن لم يكن غناه بها وحدها. ١٢٣٤ - قول "المنهاج" [ص ١٧٦]: (والأصح: أنه إن قال: " هذه زكاتى المعجلة" فقط .. استرد) محل الخلاف: ما إذا دفعها المالك، فإن دفعها الإمام .. استرد قطعاً؛ إذ لا يمكن جعله تطوعاً، قال الرافعي: لكن لو لم يعلم أنه زكاة غيره، فيجوز أن يقال: لا يسترد على وجه،

стр. 512

ويضمنه الإمام للمالك لتقصيره، وصرح بذلك في "الشرح الصغير" أيضًا، فقال: إنما يسترد إذا علم القابض أنها زكاة غيره، وإلا .. فيجيء فيه وجه (١). وتقييد محل الخلاف بما ذكرته مفهوم من قول "المنهاج": (زكاتي) فإن الإمام لا يضيفها إلى نفسه، وإطلاق "التنبيه" و"الحاوي" الاسترجاع عند البيان يتناول المالك والإمام؛ فإنهما لم يحكيا خلافًا (٢). ١٢٣٥ - قول "التنبيه" [ص ٦٢]: (واسترجع إن كان قد بين أنها زكاة معجلة) كذا إذا علمه القابض، وإن لم يكن ببيان من الدافع؛ ولهذا رتب "الحاوي" الحكم على علم المستحق (٣)، وهو مفهوم من قول "المنهاج" [ص ١٧٦]: (إن لم يتعرض للتعجيل ولم يعلمه القابض .. لم يسترد). ١٢٣٦ - قول "المنهاج" عطفاً على الأصح [ص ١٧٦]: (وأنه إن لم يتعرض للتعجيل ولم يعلمه القابض .. لم يسترد) مخالف لتعبيره عنه في "الروضة" بالمذهب (٤)، ووقع في "شرح المهذب" أن الرافعي رجح الرجوع (٥)، وهو سبق قلم، قال السبكي: وعلم القابض إنما يؤثر إذا اقترن بالقبض، فإن تجدد بعده .. فلم أر فيه تصريحًا، والأقرب: أنه كالمقارن، وفي كلام الشيخ أبي حامد والإمام ما يوهم خلافه. ١٢٣٧ - قوله: (وأنهما لو اختلفا في مُثْبِتِ الاسترداد .. صُدَّقَ القابض بيمينه) (٦) موافق لتصحيح "الروضة"، لكنه صحح في "شرح المهذب": تصديق الدافع (٧)، ويستثنى من الخلاف: ما إذا ادعى المالك علم القابض بالتعجيل، وأنكر القابض، وما إذا قال المالك: قصدت التعجيل، وفرعنا على إثبات الرجوع عند الدفع ساكتًا، وأنكر القابض .. فالمصدق في الأولى القابض، وفي الثانية المالك بلا خلاف فيهما مع اختلافهما في مثبت الاسترداد. ١٢٣٨ - قوله: (والأصح: اعتبار قيمة يوم القبض) (٨) محله: في المتقوم، أما المثلي .. فيضمن بالمثل؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٢٢٢]: (وقيمته يوم القبض إن تلف متقوماً) وصحح

стр. 513

السبكي: الضمان بالمثل مطلقًا، وعزاه إلى ظاهر النص. ١٢٣٩ - قول "المنهاج" عطفاً على الأصح [ص ١٧٧]: (وأنه إن وجده ناقصاً .. فلا أرش) عبر عنه في "الروضة" بالصحيح (١)، فدل على ضعف مقابله، ومحل ذلك: في نقص الصفة؛ كالمرض والهزال، أما نقص الجزء؛ كتلف شاة من شاتين .. فإنه يرجع ببدل التالف قطعًا، وهذا وارد أيضًا على إطلاق قول "الحاوي" عطفاً على المنفي [ص ٢٢٢]: (وأرش نقصٍ). ١٢٤٠ - قول "المنهاج" عطفاً على الأصح [ص ١٧٧]: (وأنه لا يسترد زيادةً منفصلة) مخالف لتعبير"الروضة" عنه بالمذهب الذي قطع به الجمهور، ونص عليه الشافعي، ثم قال: وقيل: وجهان (٢). قال البغوي وغيره: وهذا فيما إذا كان القابض حال القبض مستحقاً، أما لو بأن أنه كان حينئذ غنيًا، أو عبداً، أو كافراً .. استرده بزوائده كلها، وبأرش نقصه بلا خلاف (٣) وإن كان عند الحول مستحقاً؛ لفساد القبض، قال الإمام: ومحل عدم الرجوع بالزيادة المنفصلة وأرش النقص: ما إذا وُجِدا قبل حدوث سبب الرجوع، فإن وجدا بعده .. رجع بهما (٤)، وهذان واردان على إطلاق "الحاوي" أيضاً. ١٢٤١ - قول "التنبيه" [ص ٦٢]: (وإن تسلف الإمام الزكاة من غير مسألة الفقراء فهلك في يده .. ضمنها) يدخل في مسألة الفقراء سؤالهم إذا كانوا رشداء، وسؤال أوليائهم إذا لم يكونوا رشداء، فإن كان الإمام ولي غير الرشيد .. فحاجته مغنية عن السؤال، فيقع الموقع، ولا ضمان؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٢٢١]: (وقبضه بلا سؤال المستحق وحاجة الطفل) فجعل حاجة الطفل كسؤال المستحق، وهو محمول على الطفل الذي هو محجوره، فإن كان محجور غيره .. فلا بد من سؤال وليّه، كما قدمته، ويستثنى من كلامهما: ما إذا بقي المالك بصفة الوجوب إلى آخر الحول .. فإنه يجزئ، ويكون كأنه أخرجها عند الحول، حكاه في "الكفاية" عن الفوراني، وقال القاضي الحسين: إن القفال أجاب به ثانياً. ١٢٤٢ - قول "التنبيه" [ص ٦٢]: (وإن تسلف بمسألة الفقراء .. فهو من ضمانهم) أراد بالفقراء: جميع أصناف الزكاة؛ أي: طائفة من كل صنف؛ ولهذا عبر "الحاوي" بالمستحق كما تقدم (٥)، وقال بعضهم: يجوز أن يحمل كلام "التنبيه" على حقيقته؛ لأن للإمام دفع زكاة الواحد

стр. 514

لواحد من الأصناف الثمانية، ذكره في "المهمات". ١٢٤٣ - قوله: (وإن تسلف بمسألة أرباب الأموال .. فهو من ضمانهم) (١) محله: ما إذا لم يفرط الإمام، فإن فرط .. فهو من ضمانه؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٢٢١]: (وضمن الإمام من ماله إن فرط أو أخذ بلا سؤال). ١٢٤٤ - قول "التنبيه" [ص ٦٢]: (وإن تسلف بمسألة الجميع .. فقد قيل: إنه من ضمان الفقراء، وقيل: من ضمان أرباب الأموال) الأصح: الأول، وهو مأخوذ من مفهوم قول "الحاوي" [ص ٢٢١]: (وقبضه بلا سؤال المستحق) فإن مفهومه الإجزاء إذا كان بسؤال المستحق ولو انضم إليه سؤال المالك. قال صاحب "المعين": ومحل الخلاف: ما إذا نوى الإمام عند أخذها النيابة عن الجميع، فلو نوى عن أحدهما .. كان من ضمان من عينه بالنية قطعًا، واعلم: أن الساعي في جميع ما ذكرناه كالإمام، والكلام في التلف قبل الحول، أما بعده .. فلا ضمان إلا أن يكون بتفريط الإمام، وإليه أشار "الحاوي" بقوله [ص ٢٢١]: (لا إن تلف قبله) أي: قبل الحول. ١٢٤٥ - قول "المنهاج" [ص ١٧٧]: (وتأخير الزكاة بعد التمكن يوجب الضمان وإن تلف المال) فيه أمر ان: أحدهما: ليس المراد بالضمان: ما يتبادر إلى الفهم من ضمان القيمة، وإنما المراد: استمرار وجوب ما كان واجباً قبل ذلك. ثانيهما: في جعل التلف غاية نظر؛ فإن ذلك هو محل الضمان، وأما قبل التلف .. فيقال: وجب الأداء، ولا يحسن فيه القول بالضمان، فكان ينبغي إسقاط الواو، وقد عبر "التنبيه" و"الحاوي" بالضمان، لكنهما لم يجعلا التلف غاية، بل أطلقا الضمان (٢)، ومحله: عند التلف. ١٢٤٦ - قول "المنهاج" [ص ١٧٧]: (ولو تلف بعضه .. فالأظهر: أنه يَغْرَمُ قسط ما بقِيَ) فيه أمران: أحدهما: أنه لو احترز عن لفظ الغرم، وعبر باللزوم .. لكان أحسن، وعبارة "المحرر": (يبقى قسط ما بقي) (٣)، لكنه عبر بالغرم قبل ذلك. ثانيهما: أنه لم يبين هل المغروم قسط من النصاب أو المال؟ وهو مبني على أصل أسقطه

стр. 515

"المنهاج"، وذكره "التنبيه" فقال [ص ٥٦]: (وفي الأوقاص التي بين النصب قولان، أحدهما: إنه عفو، والثاني: إن فرض النصاب يتعلق بالجميع) والأظهر: الأول، فعلى هذا يكون القسط من النصاب، فلو ملك تسعًا من الإبل، فهلك منها أربع بعد الحول وقبل التمكن، وفرعنا على أن التمكن شرط في الضمان، وأن الوقص عفو، وهو الأظهر فيهما .. وجب شاة، وإن لم نجعله عفواً .. وجب القسط من جميع المال، فتجب خمسة أتساع شاة، وقد عبر "الحاوي" بقوله [ص ٢١٩]: (وما تلف قبله لا الوقص .. سقط) فسلم من الأمرين. ١٢٤٧ - قول "التنبيه" [ص ٥٥]: (وهل تجب في أعيانها أو في الذمة؟ قولان) الأظهر: الأول، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص ١٧٧]: (وهي تتعلق بالمال تعلق الشركة) و"الحاوي" فقال [ص ٢٢٠]: (والمستحق شريك بالواجب من جنسه، وبقدر قيمته من غير جنسه) وهذا كالشرح لتعلق الشركة الذي في "المنهاج". ١٢٤٨ - قول "المنهاج" [ص ١٧٧]: (وفى قولٍ: تَعَلُّقَ الرَّهن) قد يفهم أن جميع المال مرهون، والأصح: أن المرهون قدر الزكاة فقط. ١٢٤٩ - قول "التنبيه" تفريعاً على الأظهر [ص ٥٥]: (فإن لم يخرج منه شيء .. لم يجب في السنة الثانية زكاة) فيه أمور: أحدها: أن صورة المسألة: أن يكون المال قدر النصاب فقط من غير زيادة؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص ٢٢٠]: (ولو تكرر الحول في نصاب فقط .. لم يتكرر الوجوب). ثانيها: أن منطوقه تناول مسألتين: إحداهما: إذ لم يخرج الزكاة أصلاً، وإنما لم تجب في الثانية؛ لأن الفقراء ملكوا قدر الزكاة، فبقي على ملكه دون النصاب، ولا تأثير لخلطتهم. الثانية: إذا أخرج من غيره، وما اقتضاه كلامه فيها من عدم الوجوب في السنة الثانية هو أظهر القولين عند العراقيين؛ لأن ملكه زال عند الحول عن قدر الزكاة، ثم عاد بالإخراج من غيرها، فانقطع الحول؛ لنقص المال عن النصاب، ومقتضى هذا التعليل: أنه لو عجل الإخراج قبل الوجوب، أو أخرجها حالة الوجوب .. لم ينقطع الحول، ووجبت الزكاة في الثانية. وما حكيته عن العراقيين هو في "الروضة" وأصلها في الخلطة فيما لو ملك أربعين شاة ستة أشهر، ثم باع نصفها مشاعاً - وفرعنا على المذهب: أن الحول لا ينقطع؛ لاستمرار النصاب بصفة الانفراد ثم بصفة الاشتراك - فأخرج البائع بعد مضي ستة أشهر من يوم الشراء نصف شاة من غير المشترك، وفرعنا على الأظهر، وهو: تعلق الزكاة بالعين، فهل ينقطع حول المشترى؟ قالا هناك: فيه قولان، أظهرهما عند العراقيين: الانقطاع، ومأخذهما: أن إخراج الزكاة من موضع

стр. 516

آخر يمنع زوال الملك عن قدر الزكاة، أو يفيد عوده بعد الزوال. انتهى (١). وكلام "الكفاية" ينازع في الصورة الثانية، وقال: إنه لو أخرج من غير المال .. وجبت في السنة الثانية بلا خلاف، وفي نفي الخلاف نظر؛ لما عرفته، وعبارة "الحاوي" المتقدمة موافقة "للتنبيه" أيضاً؛ لإطلاقه أنه لا يتكرر الوجوب. ثالثها: الصورة الخارجة بمفهوم "التنبيه" و"الحاوي" - وهي أن يخرج الزكاة منه، فلم يتكرر الحول في نصاب - لا زكاة فيها أيضًا؛ لعدم مقتضى الزكاة فيها، وهو ملك النصاب تاما حولاً كاملاً، فهي أولى بعدم الوجوب؛ لنقص النصاب حساً، وهذه من مفهوم الموافقة، وقد ظهر بذلك أنهما لو حذفا التقييد .. لكان أولى؛ لعدم وجوب الزكاة في جميع الصور، وإن أخذنا بما في "الكفاية" في الصورة الثانية .. فكان ينبغي لـ "التنبيه" أن يقول: (فإن لم يخرج من غيره شيء .. لم تجب في السنة الثانية زكاة)، ولـ"الحاوي" أن يقول: (إلا أن يخرج من غيره). واعلم: أن الأصحاب لم يفرقوا في الشركة بين الدين والعين، فيترتب على ذلك أمور مهمة ينبغي التفطن لها، منها: أن صاحب الدين بعد حولان الحول لا يدعي ملك جميعه، ولا يحلف عليه، ولا يشهد له الشهود بملك جميعه، بل طريق الدعوى والشهادة أن يقال: إنه باق في ذمته، وإنه يستحق قبضه؛ لأن له ولاية التفرقة في القدر الذي ملكه أصحاب الأصناف، نبّه على ذلك السبكي، وتبعه في "المهمات"، وهو حسن دقيق، والله أعلم.

стр. 517

كتابُ الصِّيام ١٢٥٠ - قول "التنبيه" [ص ٦٥]: (ولا يجب صوم شهر رمضان إلا برؤية الهلال ... إلى آخره) أحسن من تعبير "المنهاج" و"الحاوي" بـ (رمضان) (١) بدون لفظة شهر؛ للخروج من الخلاف، فإن جماعة قالوا بكراهته، وهو مذهب المالكية (٢)، وورد فيه حديث رواه البيهقي: "لا تقولوا: رمضان، ولكن قولوا: شهر رمضان" (٣)، لكن الأصح: عدم كراهته؛ لكون الحديث لم يصح، وفي "الصحيحين": أنه ﵊ قال: "من صام رمضان" (٤). وتعليق "التنبيه" و"المنهاج" وجوب الصوم بإكمال شعبان ثلاثين، أو رؤية الهلال يخرج إدراكه بحساب أو تنجيم، وهو كذلك، لكن صحح النووي في "شرح المهذب": أنه يجوز لهما دون غيرهما الصوم، ولكن لا يجزئهما عن فرضهما، وقيل: يجوز لهما ويجزئهما (٥). واستشكل السبكي ما صححه النووي، وقال: أكثر الكتب ساكتة عنه في الحاسب، وكلام الرافعي عند الكلام في يوم الشك ينازع فيه (٦)، وصحح الجمهور في المنجم: عدم الجواز، وسبقه إلى نقل ذلك عن الجمهور ابن الصلاح (٧)، قال السبكي: وأما الجواز مع عدم الإجزاء .. فبعيد، بل الصواب: أنه إذا جاز .. يجزئ، وهو الوجه الثاني. انتهى. وقد تفهم عبارة "الحاوي" أنه لا يجوز لهما الصيام؛ لقوله [ص ٢٢٥]: (إنما يثبت رمضان باستكمال شعبان ... إلى آخره) فلم يعبر بالوجوب، وإذا لم يثبت كونه رمضان .. فصومه حرام كيوم الشك، وقال السبكي في "بيان الأدلة في إثبات الأهلة": محل الخلاف: إذا دل الحساب على الإمكان، فاكتفى به بعضهم، والصحيح: خلافه، أما إذا دل الحساب على عدم إمكان الرؤية وذلك يدرك بمقدمات قطعية .. ففي هذه الحالة لا يمكن تقدير الرؤية؛ لاستحالتها، فمن شهد به .. رددنا شهادته؛ لأن من شرط البينة إمكان المشهود به حساً وعقلاً وشرعاً، قال: ولا يعتقد الفقيه أن هذا الفرع مسألة الخلاف؛ لأن الخلاف فيما إذا دل الحساب على الإمكان، وهذا

стр. 518

عكسه، فمن قال بجواز الصوم هناك أو وجوبه .. يقول هنا بالمنع بطريق أولى، ومن منع هناك .. لم يقل هنا شيئاً، والذي اقتضاه نظرنا: المنع، وهو عندنا من محالّ القطع مُتَرقّ عن الظن يُنقض في مثله قضاء القاضي. انتهى. وقد وقع هذا في بعض السنين أنه قامت البينة برؤيته عند قاض وحكم بها، مع قول أهل الميقات: إنه غير ممكن، وانضم إلى ذلك أن القمر غاب ليلة الثالث على مقتضى تلك الرؤية قبل دخول وقت العشاء، فقلت: إن هذا الحكم يُنقض؛ لمخالفته النص، وهو: (أنه ﵊ كان يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة) (١)، فهذا فيه مع عدم الإمكان مخالفة للنص، فهو أخص مما قاله السبكي، والله أعلم. ١٢٥١ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وثبوت رؤيته بعدلٍ، وفي قولٍ: عدلان) (٢) فيه أمور: أحدها: قال في "المهمات": هذا خلاف مذهب الشافعي؛ فإن المجتهد إذا كان له قولان، وعلم المتأخر منهما .. كان مذهبه هو المتأخر، وفي "الأم" في (الصيام الصغير): (قال الشافعي بَعْدُ: لا يجوز على رمضان إلا شاهدان) انتهى (٣). وكنت جوزت في تأويل هذا الكلام أن مراد الربيع: أن النص على أنه لا يثبت إلا بشاهدين .. متأخر عن النص على ثبوته بواحد في الترتيب لا في التاريخ، فيكون قوله: (بَعْدُ) أي: بعد هذا بأوراق، حتى رأيت شيخنا الإمام البلقيني نقل مع هذا النص نصاً آخر في (الشهادات) في ترجمة رؤية الهلال، صيغته: رجع الشافعي ﵁ بعد فقال: لا يُصام إلا بشاهدين. انتهى (٤). وهذا النص لا يحتمل هذا التأويل الذي ذكرته. ثانيها: أن محل ثبوته برؤية عدل واحد: إنما هو بالنسبة للصوم فقط، فلا يقع الطلاق والعتق المعلقان به، ولا تحل الآجال المقدرة به، كذا أطلق الرافعي نقلاً عن البغوي (٥)، ومحله: إذا سبق التعليق الشهادة، فلو حكم القاضي بدخول رمضان بشهادة واحد، ثم قال قائل: إن ثبت رمضان فعبدي حر أو زوجتي طالق .. وقعا، كما نقله القاضي حسين عن ابن سريج، وذكر الرافعي

стр. 519

عنه وعن الأصحاب نظيره في (كتاب الشهادات) (١)، ومحله أيضًا: إذا لم يتعلق بالشاهد، فإن تعلق به .. ثبت؛ لاعترافه به، ذكره في "المهمات". ثالثها: ظاهر عبارته: أن كيفية الشهادة به أن يقول: (أشهد أني رأيت الهلال)، وقد صرح بذلك ابن سراقة والقفال والرافعي في صلاة العيد وغيرهم (٢)، ومنع ذلك ابن أبي الدم؛ لأنها شهادة على فعل نفسه. رابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني في "تصحيح المنهاج" في (الشهادات): لم أجد للشافعي نصاً صريحاً بالصوم بشهادة واحد، والنص الذي فيه إنما هو على طريق الاستحباب، ولفظه: ولا يلزم الناس أن يصوموا إلا بشهادة عدلين فأكثر، وكذلك لا يفطرون، وأَحَبُّ إليَ لو صاموا بشهادة العدل؛ لأنه لا مؤنة عليهم في الصيام؛ إن كان من رمضان .. أدَّوْهُ، وإن لم يكن .. رجوت أن يؤجروا به (٣)، قال شيخنا: وهذا يدل على أن شهادة الواحد عنده تقتضي استحباب الصوم عنده دون إيجابه، ولم أر من تعرض لذلك، على القول بأنه لا يثبت بواحد، وأنه يكون مؤدياً له إن كان من رمضان. ١٢٥٢ - قول "المنهاج" [ص ١٧٨]: (وشرط الواحد: صفة العدول في الأصح، لا عبدٍ وامرأة) فيه أمور: أحدها: أن قوله: (وشرط الواحد: صفة العدول) بعد قوله: (بعدل) فيه ركَّة، فإن العدل من كانت فيه صفة العدول، وإنما كان يحتاج إلى هذا لو عبر بقوله أولاً: (بواحد). ثانيها: أنه يفهم أن العبد والمرأة ليسا عدلين، وليس كذلك، ومثار الخلاف: أن هذا هل هو من باب الشهادة .. فلا يكفي قولهما فيه، أو من باب الرواية .. فيكفي؟ ثالثها: ظاهره: أنه لا بد من العدالة الباطنة، وهي المستندة للتزكية، لكن صحح في "شرح المهذب": الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، والمراد بذلك: المستور (٤)، وخالفه السبكي، وقال في "المهمات": تصحيح القبول متجه على القول بأنه رواية، وأما على القول بالشهادة .. فبعيد. رابعها: محل اعتبار العدالة: وجوب صومه على عموم الناس، وأما وجوبه على الرائي نفسه .. فلا يتوقف على كونه عدلاً، بل من رأى هلال رمضان .. وجب عليه الصوم وإن كان فاسقاً.

стр. 520

١٢٥٣ - قول "التنبيه" [ص ٦٥]: (وفي سائر الشهور لا يقبل إلا عدلان) يرد عليه: ما لو نذر صوم شعبان فشهد برؤيته واحد وقلنا: يثبت به في رمضان .. فأصح الوجهين في "البحر": ثبوته (١). ١٢٥٤ - قوله: (ولا يجب صوم شهر رمضان إلا برؤية الهلال) (٢)، قال في "الكفاية": مقتضاه: أنه إذا رئيَ في بلدٍ .. عم حكمه جميع البلاد، قال النشائي في "نكته": ولعل عكسه أقرب للفظه (٣)، وبين ذلك "المنهاج" فقال [ص ١٧٨]: (وإذا رُئيَ ببلد .. لزم حكمه البلد القريب دون البعيد في الأصح)، وقوله: (في الأصح) يرجع إلى البعيد فقط، أما القريب .. فيلزم حكمه بلا خلاف، ثم قال "المنهاج" [ص ١٧٨]: (والبعيد: مسافة القصر، وقيل: باختلاف المطالع. قلت: هذا أصح) انتهى. وتبع "الحاوي" ترجيح "المحرر" في اعتبار مسافة القصر، وكذا رجحه في "الشرح الصغير"، ورجحه النووي في "شرح مسلم" (٤)، قال السبكي: وهنا تنبيه لم أر من نبه عليه، وهو أنه قد تختلف المطالع والرؤية في أحد البلدين مستلزمة للرؤية في الآخر من غير عكس، فإن الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل دخوله في الغربية، فإذا غربت في بلد شرقي، وبينه وبين الشمس سبع درج مثلاً .. لا يمكن رؤيته فيها، وإذا غربت في بلد غربي يتأخر الغروب، وبينه وبين الشمس أكثر من عشر درج .. أمكنت رؤيته فيها وإن لم يُرَ في ذلك الشرقي، فإذا غربت في غربي آخر بعد ذلك بدرجتين .. كانت رؤيته فيه أظهر، ويكون مكثه بعد الغروب أكثر، وقس على هذا يتبين لك أنه متى اتحد المطلع .. لزم من رؤيته في أحدهما رؤيته في الآخر، ومتى اختلف .. لزم من رؤيته في الشرقي رؤيته في الغربي، ولا ينعكس. انتهى، وتبعه على ذلك في "المهمات". ١٢٥٥ - قول "المنهاج" [ص ١٧٨]: (ومن سافر من البلد الآخر إلى بلد الرؤية .. عَيَّدَ معهم وقضى يوماً) محل قضاء يوم: ما إذا كان تعييده معهم في التاسع والعشرين؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٢٢٥]: (إن صام ثمانية وعشرين). ١٢٥٦ - قول "المنهاج" [ص ١٧٨]: (ومن أصبح مُعَيِّداً فسارت سفينته إلى بلد؛ بعيد؛ أهلها صيامٌ .. فالأصح: أنه يُمْسِكُ بقية اليوم) تبع في تصحيحه "المحرر" و"الشرح الصغير" (٥)، وحكاه في "الروضة" وأصلها عن الشيخ أبى محمد، قال: واستبعده الإمام والغزالي؛ لما فيه من تجزئة اليوم

стр. 521

الواحد (١)، وفي تسمية هذا الاستبعاد وجهًا نظر، وقد رده الرافعي بيوم الشك إذا ثبت الهلال في أثنائه؛ فإنه يجب إمساك باقيه دون أوله (٢)، لكن قال السبكي: للإمام أن يقول: إنما يُبعّض الحكم في يوم الشك ظاهراً، وأما في مسألتنا: فهو متبعض ظاهرًا وباطنًا بالنسبة إلى حكم البلدتين، فيكون كما لو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو بلغ الصبي وهو مفطر؛ فإنه لا يلزمهم الإمساك على الأصح. فصلٌ [في النية] ١٢٥٧ - قول "المنهاج" [ص ١٧٩]: (النية شرط للصوم) صريح في أنها ليست ركنًا داخلاً في الماهية، وقال الغزالي: (ركن الصوم: النية والإمساك) (٣)، قال الرافعي: تقدم الخلاف في أن النية ركن في الصلاة أم شرط، ولم يوردوا الخلاف هنا، واللائق بمن اختار الشرطية هناك أن يقولوا بمثله هنا، ومنهم الغزالي، وحينئذ .. فيتمحض نفس الصوم؛ أي: الإمساك ركنا (٤)، وأسقط هذا الكلام في "الروضة"، وقال: لا يصح الصوم إلا بالنية (٥)، وكذا عبر "التنبيه" و"الحاوي" (٦)، وعبارة "المحرر": (لا بد منها) (٧)، وهذا التعبير محتمل للاشتراط والركنية، والحق: أنها ركن كما في الصلاة، مع أن الغزالي إنما قال هناك: هي بالشروط أشبه، ولم يجزم بأنها شرط (٨). ١٢٥٨ - قول "التنبيه" [ص ٦٥]: (ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصوم الواجب إلا بنية من الليل) أحسن من قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي": (ويشترط لفرضه التبييت) (٩) لأن عبارتهما قد تخرج الصبي المميز؛ فإنه لا فرض عليه، والذي في "شرح المهذب" تبعاً للروياني وغيره: أنه كالبالغ في ذلك، قال الروياني: ليس [على أصلنا] (١٠) صوم نفل يشترط فيه التبييت إلا هذا (١١).

стр. 522

١٢٥٩ - قول "المنهاج" عطفًا على الصحيح [ص ١٧٩]: (وأنه لا يضر الأكل والجماع بعدها)، عبر في "الروضة" بالمذهب (١)، وفي "شرح المهذب": إنه الصواب المنصوص، وبه قطع جميع الأصحاب، وعن أبي إسحاق المروزي بطلانها، ووجوب تجديدها، وهو غلط بالاتفاق، وقال الإصطخري: هو خلاف الإجماع، وأنكر ابن الصباغ وغيره نسبته إليه، وقال الإمام وغيره: إنه رجع عنه عام حج، وأَشْهَدَ على نفسه (٢). قال الرافعي: فإن لم ينقل هذا الوجه إلا عنه، وثبت أحد هذين .. فلا خلاف في المسألة (٣). قال السبكي: ولك أن تقول: إذا لم يكن في المسألة إجماع سابق، وثبت خلاف أبي إسحاق، شم رجوعه يشخرج على الخلاف في الاتفاق بعد الاختلاف إن لم نجعله إجماعاً .. فالخلاف مستمر. ١٢٦٠ - قول "التنبيه" - والعبارة له - و"المنهاج" في النفل: (وفيه قول آخر: أنه يصح بنية بعد الزوال) (٤) لهذا القول شرط، وهو ألَاّ تتصل النية بالغروب، بل يفصل بينهما زمن وإن قل، قاله البندنيجي وغيره، لكن عبارة "الروضة" من زوائده توافق ما تقدم؛ حيث قال: تصح في جميع ساعات النهار (٥). ١٢٦١ - قول "المنهاج" [ص ١٧٩]: (والصحيح: اشتراط حصول شرط الصوم من أول النهار) قيل: كان ينبغي التعبير بالمذهب؛ فإنا إن قلنا: إنه صائم من أول النهار .. اشترط قطعاً، وإلا .. فوجهان، أصحهما: الاشتراط أيضًا، وقطع به بعضهم (٦). ١٢٦٢ - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ويجب التعيين في الفرض) (٧) يخرج النفل، وصرح به "التنبيه" فقال [ص ٦٦]: (ويصح النفل بنية مطلقة)، قال في "شرح المهذب": وينبغي اشتراط التعيين في الصوم المرتب؛ كعرفة، وعاشوراء، وأيام البيض، وستة شوال كرواتب الصلاة (٨).

стр. 523

وألحق في "المهمات" بذلك ما له سبب؛ كصوم الاستسقاء إذا لم يأمر به الإمام، وهو قياس اشتراطه في الصلاة. ١٢٦٣ - قول "المنهاج" [ص ١٧٩]: (وفي الفرضية الخلاف المذكور في الصلاة) كذا في "الروضة" وأصلها (١)، وظاهره: تصحيح الاشتراط، وعليه مشى "الحاوي" (٢)، لكن صحح في "شرح المهذب": عدم الاشتراط، وحكاه عن تصحيح الأكثرين، وفرق بينهما بأن صوم البالغ رمضان لا يكون إلا فرضاً بخلاف صلاته الظهر؛ فإن المعادة نفل (٣). ورده السبكي باشتراط نية الفرض في المعادة على الأصح، وإن علل في الصلاة بتميزها عن ظهر الصبي .. فالصوم كذلك. وظاهر "التنبيه": عدم اعتبار نية الفرضية؛ فإنه لم يذكره، وظاهر كلامهم: أنه لو تسحر للصوم، أو شرب لدفع العطش نهاراً، أو امتنع من الأكل مخافة الفجر .. لم يكن ذلك نية، وبه صرح صاحب "العدة"، وقال أبو العباس الجرجاني: إنه نية، قال الرافعي: وهو الحق إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها؛ لأنه إذا تسحر ليصوم يوم كذا .. فقد قصده (٤). ١٢٦٤ - قول "المنهاج" [ص ١٧٩]: (ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غدٍ عن رمضان إن كان منه، فكان منه .. لم يقع عنه) ليس قوله: (إن كان منه) قيداً، فلا فرق بين أن يقول: إن كان منه أم لا بعد كونه غير معتقد أنه من رمضان؛ فإن غير المعتقد لا يتأتى منه الجزم بالنية، فهو متردد وإن لم يأت بصيغة التردد، وخالف في الأولى المزني (٥)، وفي الثانية وجه، حكاه صاحب "التقريب"، ونقل شيخنا الإمام البلقيني عن نص الشافعي ﵁ في اختلاف العراقيين أنه قال: وإذا أصبح يوم الشك من شهر رمضان، وقد بيّت الصوم من الليل على أنه من رمضان .. فهذه نية كاملة له تؤدي عنه ذلك اليوم إن كان من رمضان، وإن لم يكن من رمضان .. أفطره، ثم قال الربيع: قال الشافعي في موضع آخر: لا يجزئه؛ لأنه صام على الشك (٦). ١٢٦٥ - قوله: (إلا إذا اعتقد كونه منه بقول من يثق به؛ من عبد أو امرأة أو صبيان رشداء) (٧) فيه أمور:

стр. 524

أحدها: أن ظاهره تصوير المسألة مع اعتقاد كونه منه؛ بأن ينوي صوم غد عن رمضان إن كان منه، وصورها في "الروضة" وأصلها: بأن ينوي صومه عن رمضان، ولم يذكرا في التصوير قوله: (إن كان منه) وجزما فيها بالصحة، ثم قال: فإن قال في نيته، والحالة هذه: أصوم عن رمضان، فإن لم يكن عن رمضان فهو تطوع .. فظاهر النص: أنه لا يصح صومه إذا بأن رمضان؛ للتردد فيه، وفيه وجه أنه يصح؛ لاستناده إلى أصل، ورأى الإمام طرد هذا الخلاف فيما إذا جزم (١)، ورجح السبكي: الصحة في هذه الحالة، ولو مع قوله: فإن لم يكن عن رمضان فهو تطوع، وقال في "المهمات": إنه المتجه، وعزاه لـ"المحرر" (٢). ثانيها: استشكل السبكي وغيره ما ذكروه هنا من صحة الصوم اعتماداً على قول عبدٍ أو امرأةٍ أو صبيانٍ رشداء، مع تفسيرهم يوم الشك باليوم الذي يتحدث برؤيته فيه من لا يعتمد قوله من عبيد وصبيان ونساء وفسقة؛ فإن مقتضاه: تحريمُ صومه، فيحتاج إلى الجمع بين الكلامين، والذي عندي في الجمع بينهما: أن كلامهم هنا فيما إذا تبين كونه من رمضان، وهناك فيما إذا لم يتبين شيء، فليس الاعتماد على هؤلاء في الصوم، بل في النية فقط، فإذ نوى اعتماداً على قولهم، ثم تبين ليلاً كون غد من رمضان .. لا يحتاج إلى تجديد نية أخرى، ألا تراهم لم يذكروا هذا فيما يثبت به الشهر، وإنما ذكروه فيما يعتمد عليه في النية، وقد أشار السبكي إلى هذا الجواب في آخر كلامه احتمالاً، فقال أولاً: ويمكن الجمع بأن المراد هنا: إذا حصل الظن بقولهم، بخلافه هناك، قال: لكن الرافعي في "الشرح" قيد ذلك هناك بظن صدقهم، وقال: إنه المشهور، ولا يمكن أن يقال: يحرم ويصح؛ فإنه ليس له جهتان (٣)، ثم قال السبكي: والذي خطر لي فيه أمران: أحدهما: الفرق بين الاعتقاد والظن، فالحاصل هناك ظن وهنا اعتقاد، كما عبر به "المصنف" في الموضعين، تبعاً للرافعي، وليس هذا بمَرضي؛ فإن جماعة عبروا هنا بالظن، وأيضا يبعد حصول اعتقاد جازم بقول عبد أو امرأة. والثاني: أن قول الرافعي: (وظن صدقهم) لا يلزم منه ظن كونه من رمضان؛ فإن استصحاب شعبان يفيد ظن كونه منه، وإخبار المخبر يعارضه، فإن لم يظن صدقه لِريبَةٍ .. استصحبنا شعبان، وإن ظننا صدقه، ولم نزد على ظننا استصحاب شعبان .. فهو الشك، ولا يلزم من ظن الصدق ظن الحكم المترتب عليه، وإن زاد على ظن الاستصحاب .. زال الشك، وجاز صومه، وأجزأ، وهو المذكور هنا، بل يجب على من صدقه.

стр. 525

ثم قال السبكي: وقد يقال: الكلام هنا في تصحيح النية ... فذكر نحو ما قدمته أولاً واعتمدته، وقال شيخنا ابن النقيب: إن وقفنا مع ظاهر التصوير بالنسبة إلى الوصف هنا بالرشد بخلافه هناك .. اتجه الفرق (١). ثالثها: ظاهر تعبيره بالصبيان: أنه لا بد من جمع بينهم، وكذا عبر "الحاوي" بالصبية (٢)، وهو أحد جموع الصبي، وفي موضعين من "شرح المهذب": أن الصبي الواحد يكفي (٣)، وقال السبكي: إذا حصل الثقة بالصبي الواحد .. كان الحكم كذلك، وبه صرح المحاملي والجرجاني، قال: فصيغة الجمع ليست للاشتراط، وقال في "المهمات": والفتوى على المنع؛ ففي "البحر" ما حاصله: أن الجمهور عليه (٤). رابعها: لم يصف "الحاوي" الصبية بالرشد، وزاده ناظمه ابن الوردي عليه (٥)، والمراد به: الاختبار بالصدق، قال في "المهمات": ولا يبعد اجتناب النواهي خصوصًا الكبائر، ويدل عليه تعبير بعضهم بالموثوق به. قلت: والمقصود بالرشد هنا غير المقصود به في قوله: (شرط العاقد: الرشد) (٦). خامسها: قوله: (رشداء) قيد في الصبيان، ويحتمل عوده إلى البواقى. ١٢٦٦ - قول "التنبيه" [ص ٦٦]: (ومن نوى الخروج من الصوم .. بطل صومه، وقيل: لا يبطل) الأصح: الثاني، وظاهر كلامه: البطلان على الأول في الحال، وهو وجه حكاه الماوردي، وحكى معه وجهًا آخر: حتى يمضي عليه من الزمان قدر الأكل والجماع (٧)، وذكر في "شرح المهذب" أن الأول هو المشهور، وأن الثاني غريب ضعيف (٨). ١٢٦٧ - قوله: (وإن اشتبهت الشهور على أسير .. تحرى وصام) (٩) ذكر الأسير مثال، فالمحبوس في مطمورة، ومن هو بطرف بلاد الإسلام، أو بموضع لا يعدون فيه الشهور كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص ١٧٩]: (ولو اشتبه .. صام شهراً بالاجتهاد) وكذا أطلق "الحاوي" الاجتهاد (١٠).

стр. 526

١٢٦٨ - قولهما: (فإن وافق ما بعد رمضان .. أجزأه) (١)، قال في "الكفاية": ظاهره: التسوية بين شوال وذي الحجة وغيرهما، ولو وافق شوالاً .. لم يصح منه يوم العيد، أو ذا الحجة .. لم يصح يوم النحر، وكذا ثلاثة أيام بعده، إلا إذا قلنا بصحة صوم أيام التشريق، قال النشائي: هذا قد عُلم من ذكر تحريم صوم يومي العيد وأيام التشريق، ولا حاجة لذكر الشروط في كل مكان، وإلا .. فكان حقه إيراد موافقة الليل؛ لشموله أيضاً (٢). ١٢٦٩ - قول "التنبيه" [ص ٦٥]؛ (وإن وافق ما قبله .. لم يجزئه في أصح القولين) محلهما: ما إذا لم يظهر له ذلك إلا بعد فوات رمضان بجملته، فإن ظهر له قبل مجيئه .. لزمه صومه، وإن ظهر له وقد بقي بعضه .. لزمه صوم البقية قطعا، ولذلك قال "المنهاج" [ص ١٧٩]: (ولو غلط بالتقديم فأدرك رمضان .. لزمه صومه) وبقي عليه: ما لو أدرك بعضه. فصلٌ [أركان الصوم] ١٢٧٠ - قول "المنهاج" [ص ١٧٩]: (شرط الصوم: الإمساك: عن الجماع ... إلى آخره) مع قوله في الفصل المتقدم [ص ١٧٩]: (النية شرط للصوم) يقتضي أن الصوم لا حقيقة له؛ فإنه لا شيء فيه غير النية والإمساك، فإذا كانا شرطين فأين الصوم؟ والظاهر في الموضعين: أنه لم يرد الشرط الاصطلاحي، وإنما أراد: ما يعتبر لتحصل حقيقة الصوم، وعبارة "المحرر": (لا بد) (٣)، وعبارة "الحاوي" [ص ٢٢٥]: (صحة الصوم) بترك كذا وكذا، وعبارة "التنبيه" [ص ٦٦]: (فإن أكل - وعطف عليه أموراً - .. بطل صومه)، وهي كلها محتملة، فلتحمل على الركنية. ١٢٧١ - قول "المنهاج" في الاستقاءة [ص ١٨٠]: (والصحيح: أنه لو تيقن أنه لم يرجع إلى جوفه شيء .. بطل) عبر في "الروضة" بالأصح (٤). ١٢٧٢ - قوله عطفاً على ما لا يفطر: (وكذا لو اقتلع نخامة ولَفَظَهَا في الأصح) (٥) عبر في "الروضة" بالمذهب (٦)، والمراد: اقتلعها من الباطن ولَفَظها في حد الظاهر، فالباطن: مخرج

стр. 527

الهاء والهمزة، والظاهر: مخرج الخاء المعجمة، وأما الحاء المهملة: فقال الرافعي تبعًا للغزالي: مخرجها باطن (١)، وقال النووي: إنه من الظاهر (٢). ١٢٧٣ - قوله: (إن وصول عين إلى باطن الدماغ مفطر) (٣) تبع فيه "المحرر"، وكذا في "الروضة" وأصلها تبعاً للغزالي (٤)، ومقتضاه: أن وصول عين إلى ظاهر الدماغ لا يفطر، لكن في أصل "الروضة" عقبه: أنه لو كان برأسه مأمومة (٥)، فوضع عليها دواءً، فوصل خريطة دماغه .. أفطر وإن لم يصل باطنها، وحكاه الرافعي عن الإمام والبغوي والروياني، ولم يخالفهم (٦)، وهو صريح في أن باطن الدماغ ليس بشرط، بل ولا الدماغ نفسه، فإن الدماغ في باطن الخريطة، كما هو مذكور في (كتاب الجراح)، فالمعتبر مجاوزة الِقحْف، كما قاله الإمام وغيره (٧)، واعتبر "التنبيه" الوصول إلى الدماغ (٨). ١٢٧٤ - قوله: (أو صب الماء في أذنه فوصل إلى دماغه) (٩) الأصح: أنه لا يتوقف الإفطار على الوصول إلى الدماغ، بل الوصول إلى باطن الأذن كاف، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (١٠). ١٢٧٥ - قول "المنهاج" عطفاً على الدماغ [ص ١٨٠]: (والأمعاء) فيه ما تقدم؛ فإنه لا يشترط وصوله إلى باطن الأمعاء، بل لو كان على بطنه جائفة (١١)، فوضع عليها دواء، فوصل جوفه .. أفطر وإن لم يصل باطن الأمعاء، كما جزم به في أصل "الروضة" (١٢)، وفي "التنبيه" [ص ٦٦]: (أو داوى جرحه، فوصل الدواء إلى جوفه). ١٢٧٦ - قول "المنهاج" [ص ١٨٠]: (وكونه بقصدٍ، فلو وصل جوفه غبار الطريق .. لم يفطر) يرد عليه: أنه لو فتح فاه عمداً حتى دخل الغبار جوفه .. لم يفطر على الأصح في "التهذيب"،

стр. 528

حكاه عنه الرافعي والنووي، وأقراه، وصححه النووي في " فتاويه " (١)، ويرد ذلك على إطلاق "الحاوي" القصد، وإن لم يذكر هذا المثال (٢). ١٢٧٧ - قول "المنهاج" [ص ١٨٠، ١٨١]: (فلو خرج - أي: الريق - من الفم ثم رده وابتلعه .. أفطر) قد يتناول ما لو أخرجه على لسانه ثم أدخله وابتلعه، وكذا صححه في "الشرح الصغير"، لكن الأصح في "الروضة" وأصلها: أنه لا يفطر (٣)، وقد يرد ذلك على إطلاق "الحاوي" عدم الفطر بالريق بكونه من الفم (٤). ١٢٧٨ - قول "المنهاج" فيما يفطر [ص ١٨١]: (أو ابتلع ريقه مخلوطاً بغيره) وهو مفهوم من تقييد "الحاوي" الريق بكونه صِرْفاً (٥)، قليل الفائدة؛ فإن الفطر إنما هو بالعين المختلطة به، فهو مندرج فيما تقدم. ١٢٧٩ - قول "التنبيه" [ص ٦٦]: (وإن تمضمض أو استنشق فوصل الماء إلى جوفه .. بطل صومه في أحد القولين دون الآخر)، فال في "المنهاج" [ص ١٨١]: (المذهب: أنه إن بالغ .. أفطر، وإلا .. فلا) وعليه مشى "الحاوي" (٦)، والكلام في المضمضة والاستنشاق المشروعين، فلو سبق من رابعة .. قال البغوي: إن بالغ .. أفطر، وإلا .. ترتب على المشروعية، وأولى بالفطر (٧)، وقال النووي: المختار: الجزم بالفطر؛ لأنها منهي عنها كالمبالغة (٨)، قال السبكي: وهو متعين، وغسل الفم من نجاسةٍ كالمضمضة، قال الرافعي: والمبالغة هنا للحاجة ينبغي أن تكون كالمضمضة بلا مبالغة، وجزم به في "الشرح الصغير" (٩)، وقال في "شرح المهذب": هو متعين (١٠). ١٢٨٠ - قول "المنهاج" [ص ١٨١]: (فإن أُكْرِهَ حتى أكل .. أفطر في الأظهر) كذا قال في "المحرر": إنه الذي رُجِّح من القولين (١١)، وحكى في "الشرح الكبير" تصحيحه عن الغزالي في

стр. 529

"الوجيز"، وعليه مشى "الحاوي" (١)، لكنه في "الشرح الصغير" قال: لا يَبعُدُ ترجيحُ الصحة، وأطلق في " أصل الروضة" تصحيح الصحة (٢)، ولا مستند له في ذلك؛ فإن الرافعي لم ينقل تصحيحاً سوى عن الغزالي للبطلان، واغتر بذلك في "شرح المهذب"، فصرح فيه بأن الرافعي صحح الصحة (٣)، وذكره في "المنهاج" من زيادته، فقال [ص ١٨١]: (الأظهر: لا يفطر) وكذا صححه في "التنبيه"، وجزم به الغزالي في "الخلاصة" (٤)، ولم يرجح في "البسيط" و"الوسيط" شيئًا. ١٢٨١ - قول "التنبيه" [ص ٦٦]: (فإن فعل ذلك ناسياً .. لم يبطل) يتناول الكثير، وقد صحح فيه في "المحرر ": البطلان، وكذا في "الحاوي" (٥)، وصحح "المنهاج" مقابله، فقال [ص ١٨١]: (الأصح: لا يفطر) وكذا في زوائد "الروضة" (٦)، وفي "شرح المهذب": إنه المذهب المنصوص الذي قطع به الجمهور من العراقيين وغيرهم، وذكر الخراسانيون فيه وجهين، والمذهب: أنه لا يفطر وجها واحداً (٧). ١٢٨٢ - قول "التنبيه" [ص ٦٦]: (أو جاهلاً) فيه أمور: أحدها: محل عدم الإفطار بالجهل: ما إذا كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة بحيث يجهل فيها مثل ذلك، جزم به في "أصل الروضة" (٨). ثانيها: ظاهر إطلاقه أنه لا فرق في البطلان مع الجهل بين قليل الأكل وكثيره، وهو مقتضى إطلاق "الروضة" وأصلها (٩)، قال في "المهمات": وهو متجه، وكلامه في "الشرح الصغير" يقتضي جريان خلاف الناسي فيه؛ فإنه قال: والجاهل القريب العهد بالإسلام كالناسي، ومقتضاه: البطلان بالكثير على المرجح عنده، وصرح به في نظيره، وهو الجاهل بتحريم الأكل في الصلاة. ثالثها: المراد: الجهل بتحريم الأكل، كما في "شرح المهذب" (١٠)، وعبر في "الروضة"

стр. 530

وأصلها بالجهل بكونه مفطرًا (١)، ومقتضاه: أن من جهل الإفطار به .. لم يفطر وإن علم التحريم، وليس كذلك، كما في نظيره من الكلام في الصلاة، وفي "النهاية": لو تكلم عالماً بأن الكلام محرّم في الصلاة، ولكن لم يعلم كونه مفسداً .. فتفسد صلاته وفاقاً، وهذا يطّرد في الصوم وغيره (٢). رابعها: بعد تقرير أن المراد: الجهل بالتحريم، ففي المسألة إشكال؛ لأن ذلك جهل بحقيقة الصوم، فإن من جهل المفطر .. جهل الإمساك عنه الذي هو حقيقة الصوم، فلا تصح نيته، قال السبكي: فلا مخلص إلا بأحد أمرين، إما أن يفرض في مفطر خاص من الأشياء النادرة كالتراب؛ فإنه قد يخفى، ويكون الصوم: الإمساك عن المعتاد، وما عداه شرط في صحته، وإما أن يفرض، كما صوره بعض المتأخرين فيمن احتجم أو أكل ناسياً، فظن أنه أفطر، فأكل بعد ذلك جاهلًا بوجوب الإمساك .. فإنه لا يفطر على وجه، لكن الأصح فيه: الفطر، وسيأتي في "المنهاج". انتهى. وقال القاضي حسين: كل مسألة تَدِقّ وتَغمُض معرفتُها هل يعذر فيها العامي، على الوجهين؛ أي: فيما إذا علم المصلي أن جنس الكلام محرم، ولم يعلم أن ما أتى به محرم، والأصح: فيها الصحة. ١٢٨٣ - قولهم: (إن الصوم يبطل بالاستمناء) (٣) المراد به: استنزال المني باليد قصداً، أما لو حك ذكره لعارض، فخرج المني .. فالأصح في "شرح المهذب": أنه لا يفطر؛ كسبق ماء المضمضة (٤). ١٢٨٤ - قول "المنهاج" [ص ١٨١] و"الحاوي" [ص ٢٢٦]: (إن الصوم يبطل بخروج المني بقبلة) محله: فيما إذا كانت بدون حائل، فلو قَبَّل بحائل، فأنزل .. فجزم المتولي بأنه لا يفطر، ولو قَبَّل، ثم أنزل بعد مفارقتها بساعة فأكثر .. فالأصح عند الروياني: إن استمرت الشهوة وقيام الذكر حتى أنزل .. أفطر، وإلا .. فلا (٥)، ومحل ذلك: في الواضح، فأما المشكل .. فلا يفطر بإنزال المني من أحد الفرجين؛ لاحتمال الزيادة، قاله في "البيان"، وحكاه في "شرح المهذب" عنه (٦).
следующие страницы →