← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

١٢٦٨ - قولهما: (فإن وافق ما بعد رمضان .. أجزأه) (١)، قال في "الكفاية": ظاهره: التسوية بين شوال وذي الحجة وغيرهما، ولو وافق شوالاً .. لم يصح منه يوم العيد، أو ذا الحجة .. لم يصح يوم النحر، وكذا ثلاثة أيام بعده، إلا إذا قلنا بصحة صوم أيام التشريق، قال النشائي: هذا قد عُلم من ذكر تحريم صوم يومي العيد وأيام التشريق، ولا حاجة لذكر الشروط في كل مكان، وإلا .. فكان حقه إيراد موافقة الليل؛ لشموله أيضاً (٢). ١٢٦٩ - قول "التنبيه" [ص ٦٥]؛ (وإن وافق ما قبله .. لم يجزئه في أصح القولين) محلهما: ما إذا لم يظهر له ذلك إلا بعد فوات رمضان بجملته، فإن ظهر له قبل مجيئه .. لزمه صومه، وإن ظهر له وقد بقي بعضه .. لزمه صوم البقية قطعا، ولذلك قال "المنهاج" [ص ١٧٩]: (ولو غلط بالتقديم فأدرك رمضان .. لزمه صومه) وبقي عليه: ما لو أدرك بعضه. فصلٌ [أركان الصوم] ١٢٧٠ - قول "المنهاج" [ص ١٧٩]: (شرط الصوم: الإمساك: عن الجماع ... إلى آخره) مع قوله في الفصل المتقدم [ص ١٧٩]: (النية شرط للصوم) يقتضي أن الصوم لا حقيقة له؛ فإنه لا شيء فيه غير النية والإمساك، فإذا كانا شرطين فأين الصوم؟ والظاهر في الموضعين: أنه لم يرد الشرط الاصطلاحي، وإنما أراد: ما يعتبر لتحصل حقيقة الصوم، وعبارة "المحرر": (لا بد) (٣)، وعبارة "الحاوي" [ص ٢٢٥]: (صحة الصوم) بترك كذا وكذا، وعبارة "التنبيه" [ص ٦٦]: (فإن أكل - وعطف عليه أموراً - .. بطل صومه)، وهي كلها محتملة، فلتحمل على الركنية. ١٢٧١ - قول "المنهاج" في الاستقاءة [ص ١٨٠]: (والصحيح: أنه لو تيقن أنه لم يرجع إلى جوفه شيء .. بطل) عبر في "الروضة" بالأصح (٤). ١٢٧٢ - قوله عطفاً على ما لا يفطر: (وكذا لو اقتلع نخامة ولَفَظَهَا في الأصح) (٥) عبر في "الروضة" بالمذهب (٦)، والمراد: اقتلعها من الباطن ولَفَظها في حد الظاهر، فالباطن: مخرج

стр. 527

الهاء والهمزة، والظاهر: مخرج الخاء المعجمة، وأما الحاء المهملة: فقال الرافعي تبعًا للغزالي: مخرجها باطن (١)، وقال النووي: إنه من الظاهر (٢). ١٢٧٣ - قوله: (إن وصول عين إلى باطن الدماغ مفطر) (٣) تبع فيه "المحرر"، وكذا في "الروضة" وأصلها تبعاً للغزالي (٤)، ومقتضاه: أن وصول عين إلى ظاهر الدماغ لا يفطر، لكن في أصل "الروضة" عقبه: أنه لو كان برأسه مأمومة (٥)، فوضع عليها دواءً، فوصل خريطة دماغه .. أفطر وإن لم يصل باطنها، وحكاه الرافعي عن الإمام والبغوي والروياني، ولم يخالفهم (٦)، وهو صريح في أن باطن الدماغ ليس بشرط، بل ولا الدماغ نفسه، فإن الدماغ في باطن الخريطة، كما هو مذكور في (كتاب الجراح)، فالمعتبر مجاوزة الِقحْف، كما قاله الإمام وغيره (٧)، واعتبر "التنبيه" الوصول إلى الدماغ (٨). ١٢٧٤ - قوله: (أو صب الماء في أذنه فوصل إلى دماغه) (٩) الأصح: أنه لا يتوقف الإفطار على الوصول إلى الدماغ، بل الوصول إلى باطن الأذن كاف، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (١٠). ١٢٧٥ - قول "المنهاج" عطفاً على الدماغ [ص ١٨٠]: (والأمعاء) فيه ما تقدم؛ فإنه لا يشترط وصوله إلى باطن الأمعاء، بل لو كان على بطنه جائفة (١١)، فوضع عليها دواء، فوصل جوفه .. أفطر وإن لم يصل باطن الأمعاء، كما جزم به في أصل "الروضة" (١٢)، وفي "التنبيه" [ص ٦٦]: (أو داوى جرحه، فوصل الدواء إلى جوفه). ١٢٧٦ - قول "المنهاج" [ص ١٨٠]: (وكونه بقصدٍ، فلو وصل جوفه غبار الطريق .. لم يفطر) يرد عليه: أنه لو فتح فاه عمداً حتى دخل الغبار جوفه .. لم يفطر على الأصح في "التهذيب"،

стр. 528

حكاه عنه الرافعي والنووي، وأقراه، وصححه النووي في " فتاويه " (١)، ويرد ذلك على إطلاق "الحاوي" القصد، وإن لم يذكر هذا المثال (٢). ١٢٧٧ - قول "المنهاج" [ص ١٨٠، ١٨١]: (فلو خرج - أي: الريق - من الفم ثم رده وابتلعه .. أفطر) قد يتناول ما لو أخرجه على لسانه ثم أدخله وابتلعه، وكذا صححه في "الشرح الصغير"، لكن الأصح في "الروضة" وأصلها: أنه لا يفطر (٣)، وقد يرد ذلك على إطلاق "الحاوي" عدم الفطر بالريق بكونه من الفم (٤). ١٢٧٨ - قول "المنهاج" فيما يفطر [ص ١٨١]: (أو ابتلع ريقه مخلوطاً بغيره) وهو مفهوم من تقييد "الحاوي" الريق بكونه صِرْفاً (٥)، قليل الفائدة؛ فإن الفطر إنما هو بالعين المختلطة به، فهو مندرج فيما تقدم. ١٢٧٩ - قول "التنبيه" [ص ٦٦]: (وإن تمضمض أو استنشق فوصل الماء إلى جوفه .. بطل صومه في أحد القولين دون الآخر)، فال في "المنهاج" [ص ١٨١]: (المذهب: أنه إن بالغ .. أفطر، وإلا .. فلا) وعليه مشى "الحاوي" (٦)، والكلام في المضمضة والاستنشاق المشروعين، فلو سبق من رابعة .. قال البغوي: إن بالغ .. أفطر، وإلا .. ترتب على المشروعية، وأولى بالفطر (٧)، وقال النووي: المختار: الجزم بالفطر؛ لأنها منهي عنها كالمبالغة (٨)، قال السبكي: وهو متعين، وغسل الفم من نجاسةٍ كالمضمضة، قال الرافعي: والمبالغة هنا للحاجة ينبغي أن تكون كالمضمضة بلا مبالغة، وجزم به في "الشرح الصغير" (٩)، وقال في "شرح المهذب": هو متعين (١٠). ١٢٨٠ - قول "المنهاج" [ص ١٨١]: (فإن أُكْرِهَ حتى أكل .. أفطر في الأظهر) كذا قال في "المحرر": إنه الذي رُجِّح من القولين (١١)، وحكى في "الشرح الكبير" تصحيحه عن الغزالي في

стр. 529

"الوجيز"، وعليه مشى "الحاوي" (١)، لكنه في "الشرح الصغير" قال: لا يَبعُدُ ترجيحُ الصحة، وأطلق في " أصل الروضة" تصحيح الصحة (٢)، ولا مستند له في ذلك؛ فإن الرافعي لم ينقل تصحيحاً سوى عن الغزالي للبطلان، واغتر بذلك في "شرح المهذب"، فصرح فيه بأن الرافعي صحح الصحة (٣)، وذكره في "المنهاج" من زيادته، فقال [ص ١٨١]: (الأظهر: لا يفطر) وكذا صححه في "التنبيه"، وجزم به الغزالي في "الخلاصة" (٤)، ولم يرجح في "البسيط" و"الوسيط" شيئًا. ١٢٨١ - قول "التنبيه" [ص ٦٦]: (فإن فعل ذلك ناسياً .. لم يبطل) يتناول الكثير، وقد صحح فيه في "المحرر ": البطلان، وكذا في "الحاوي" (٥)، وصحح "المنهاج" مقابله، فقال [ص ١٨١]: (الأصح: لا يفطر) وكذا في زوائد "الروضة" (٦)، وفي "شرح المهذب": إنه المذهب المنصوص الذي قطع به الجمهور من العراقيين وغيرهم، وذكر الخراسانيون فيه وجهين، والمذهب: أنه لا يفطر وجها واحداً (٧). ١٢٨٢ - قول "التنبيه" [ص ٦٦]: (أو جاهلاً) فيه أمور: أحدها: محل عدم الإفطار بالجهل: ما إذا كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة بحيث يجهل فيها مثل ذلك، جزم به في "أصل الروضة" (٨). ثانيها: ظاهر إطلاقه أنه لا فرق في البطلان مع الجهل بين قليل الأكل وكثيره، وهو مقتضى إطلاق "الروضة" وأصلها (٩)، قال في "المهمات": وهو متجه، وكلامه في "الشرح الصغير" يقتضي جريان خلاف الناسي فيه؛ فإنه قال: والجاهل القريب العهد بالإسلام كالناسي، ومقتضاه: البطلان بالكثير على المرجح عنده، وصرح به في نظيره، وهو الجاهل بتحريم الأكل في الصلاة. ثالثها: المراد: الجهل بتحريم الأكل، كما في "شرح المهذب" (١٠)، وعبر في "الروضة"

стр. 530

وأصلها بالجهل بكونه مفطرًا (١)، ومقتضاه: أن من جهل الإفطار به .. لم يفطر وإن علم التحريم، وليس كذلك، كما في نظيره من الكلام في الصلاة، وفي "النهاية": لو تكلم عالماً بأن الكلام محرّم في الصلاة، ولكن لم يعلم كونه مفسداً .. فتفسد صلاته وفاقاً، وهذا يطّرد في الصوم وغيره (٢). رابعها: بعد تقرير أن المراد: الجهل بالتحريم، ففي المسألة إشكال؛ لأن ذلك جهل بحقيقة الصوم، فإن من جهل المفطر .. جهل الإمساك عنه الذي هو حقيقة الصوم، فلا تصح نيته، قال السبكي: فلا مخلص إلا بأحد أمرين، إما أن يفرض في مفطر خاص من الأشياء النادرة كالتراب؛ فإنه قد يخفى، ويكون الصوم: الإمساك عن المعتاد، وما عداه شرط في صحته، وإما أن يفرض، كما صوره بعض المتأخرين فيمن احتجم أو أكل ناسياً، فظن أنه أفطر، فأكل بعد ذلك جاهلًا بوجوب الإمساك .. فإنه لا يفطر على وجه، لكن الأصح فيه: الفطر، وسيأتي في "المنهاج". انتهى. وقال القاضي حسين: كل مسألة تَدِقّ وتَغمُض معرفتُها هل يعذر فيها العامي، على الوجهين؛ أي: فيما إذا علم المصلي أن جنس الكلام محرم، ولم يعلم أن ما أتى به محرم، والأصح: فيها الصحة. ١٢٨٣ - قولهم: (إن الصوم يبطل بالاستمناء) (٣) المراد به: استنزال المني باليد قصداً، أما لو حك ذكره لعارض، فخرج المني .. فالأصح في "شرح المهذب": أنه لا يفطر؛ كسبق ماء المضمضة (٤). ١٢٨٤ - قول "المنهاج" [ص ١٨١] و"الحاوي" [ص ٢٢٦]: (إن الصوم يبطل بخروج المني بقبلة) محله: فيما إذا كانت بدون حائل، فلو قَبَّل بحائل، فأنزل .. فجزم المتولي بأنه لا يفطر، ولو قَبَّل، ثم أنزل بعد مفارقتها بساعة فأكثر .. فالأصح عند الروياني: إن استمرت الشهوة وقيام الذكر حتى أنزل .. أفطر، وإلا .. فلا (٥)، ومحل ذلك: في الواضح، فأما المشكل .. فلا يفطر بإنزال المني من أحد الفرجين؛ لاحتمال الزيادة، قاله في "البيان"، وحكاه في "شرح المهذب" عنه (٦).

стр. 531

١٢٨٥ - قول "التنبيه" و"المحرر": (وتكره القبلة لمن حركت شهوته) (١) فيه أمور: أحدها: أن الكراهة هنا للتحريم، صرح به "المنهاج"، فقال من زيادته [ص ١٨١]: (هي كراهة تحريم في الأصح) وصححه في "أصل الروضة"، والرافعي إنما حكاه عن البغوي (٢). ثانيها: أن هذه العبارة أحسن من قول "الحاوي" [ص ٢٢٨]: (وتكره للشاب)، وقد تبع في هذه العبارة الرافعي في "الشرح الكبير" (٣)، لكنه أسقط لفظ (الشاب) في "الشرح الصغير" و"الروضة"، وصرح في "شرح المهذب" بأنه لا فرق بين الشاب والشيخ، والمدار على تحريك الشهوة، لكن الأغلب حصول ذلك للشاب (٤). ثالثها: المراد بتحريك الشهوة: التلذذ، كما قاله بعضهم، وخطأه الإمام، وكلام طائفة يقتضي أن المراد: خشية الإنزال (٥)، ويوافقه قول "شرح المهذب": الضابط: تحريك الشهوة، وخوف الإنزال (٦)، وعبارة "أصل الروضة": لمن حركت شهوته ولا يأمن على نفسه (٧)، وقال السبكي: يحتمل أن يراد: خوف الإنزال أو الجماع، قال: والإنزال بها نادر، وخوف الوقاع كثير، والتلذذ غالب؛ فالتلذذ فقط الوجه القطع بإباحتها معه، وخوف الإنزال والوقاع الكراهة معه وجه، قال: والذي أقوله: إن تلذذ فقط .. لم يحرم ولم تكره، وإن غلب على ظنه الإنزال أو الوقاع .. اتجه التحريم، وإن خاف منها من غير دليل: فإن صح الحديث الناهي عنها للشاب .. اتجه التحريم، وإلا .. فالكراهة. رابعها: ظاهره: التسوية في ذلك بين الرجل والمرأة، قال في "المهمات": وهو متجه. ١٢٨٦ - قول "المنهاج" [ص ١٨١]: (ويحل - أي: الأكل آخر النهار - بالاجتهاد في الأصح) عبر في "الروضة" بالصحيح (٨). ١٢٨٧ - قول "التنبيه" [ص ٦٦، ٦٧]: (وإن أكل شاكاً في غروب الشمس .. لزمه القضاء، وإن أكل شاكاً في طلوع الفجر .. لم يلزمه القضاء) صورة المسألة فيهما: ألا يتبين الحال بعد ذلك، فإن تبين أنه أكل نهاراً .. لزمه القضاء فيهما، أو ليلاً .. فلا قضاء فيهما؛ ولهذا قيده "المنهاج"

стр. 532

بألا يتبين الحال (١)، وهو مفهوم من تقييد "الحاوي" المسألة قبلها بالغلط (٢). ١٢٨٨ - قول "التنبيه" [ص ٦٧]: (وإن طلع الفجر وفي فيه طعام) أحسن من قول "المنهاج" [ص ١٨٢]: (فمه) لأن إضافة الفم مع بقاء ميمه وإن كان جائزاً لكن الأفصح: خلافه. ١٢٨٩ - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (أو كان مجامعًا فنزع .. صح صومه) (٣) شرطه عند ابن سريج والشيخ أبي حامد وغيرهما: أن يقصد بالنزع الترك دون التلذذ، ولا يضر إنزاله مع النزع؛ لتولده من مباح. ١٢٩٠ - قولهم: (وإن استدام .. بطل صومه) (٤) يقتضي أنه انعقد ثم بطل، وهو ظاهر عبارة الرافعي والنووي هنا (٥)، واختاره السبكي، لكن الأصح: أنه لم ينعقد أصلاً، ولو لم يبق من الليل إلا ما يسع الإيلاج دون النزع .. ففي جواز الإيلاج وجهان، عن ابن خيران: المنع، وعن غيره: الجواز، ذكره الرافعي في (الإيلاء) (٦)، وأسقطه في "الروضة". فصلٌ [شروط صحة الصوم] هو معقود لذكر شروط صحة الصوم، والذي بعده لذكر شروط وجوبه، وأما قوله في الفصل الذي قبله: (شرط الصوم) (٧) فقد تقدم أنه تَجَوّز، وأن المراد بالشرط فيه: الركن. ١٢٩١ - قولهم: (إن شرط الصوم: العقل) (٨) قيده البارزي في "توضيحه الكبير" بما إذا لم يشرب دواء، ومقتضاه: صحة الصوم فيما إذا شرب دواء ليلاً وزال عقله نهاراً، وهو وجه، والأصح: المنع؛ لأنه بفعله. ١٢٩٢ - قولهم: (والنقاء عن الحيض والنفاس) (٩) قد يرد عليه: ما لو ولدت ولم تَرَ دَماً لوجود النقاء، لكن الأصح في "شرح المهذب": بطلان صومها بناء على وجوب الغسل عليها (١٠).

стр. 533

١٢٩٣ - قول "التنبيه" [ص ٦٦]: (وإن أغمي عليه في بعضر النهار .. ففيه ثلالة أقوال، الأظهر: أنه لا يضر) وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج"، وعبر عنه بالأظهر، وعبر عنه في "الروضة" بالمذهب (١). ١٢٩٤ - قول "المنهاج" [ص ١٨٢]: (وكذا التشريق في الجديد) قد يفهم أن مقابله: جواز صوم أيام التشريق مطلقًا، وليس كذلك، وقد أوضحه "التنبيه"، فقال [ص ٦٨]: (وقال في القديم: يجوز للمتمتع صوم أيام التشريق) أي: إذا عدم الهَدْي، واختار النووي هذا القديم من جهة الدليل، والأصح: أن القديم لا يجري في غير المتمتع، وعلى مقابله قال النووي: هو مختص بما له سبب من واجب أو نفل، وإلا .. فلا، عند جمهور من حكاه، وصرحوا فيه بنفى الخلاف (٢)، وذكر الإمام ما يقتضي خلافاً فيه، وكذا أطلق العمراني الوجهين (٣). ١٢٩٥ - قول "التنبيه" [ص ٦٨]: (ولا يجوز صوم يوم الشك إلا أن يوافق عادة له، أو يصله بما قبله) أهمل حالة ثالثة، وهي صومه عن نذر أو قضاء أو كفارة، وقد ذكرها "الحاوي"، وذكرها "المنهاج"، إلا أنه أهمل الكفارة (٤)، وإطلاقهما يتناول قضاء المستحب، وكذا هو مقتضى إطلاق غيرهما هنا، وتصريحهم بقضاء صلاة النافلة في الأوقات المكروهة، وأهملا وصله بما قبله، وقد ذكره "التنبيه" كما تقدم، ومحله: فيما إذا وصله بما قبل نصف شعبان، فإن وصله بما بعده .. انْبَنَى على أنه هل يجوز الصوم بعد نصف شعبان غير متصل بما قبله؛ وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص ٦٨]: (وقيل: لا يجوز إذا انتصف شعبان أن يصوم إلا أن يوافق عادة له، أو يصله بما قبله) وهذا هو الذي صححه النووي في "شرح المهذب" و"تصحيح التنبيه" (٥)، فعلى هذا يمتنع وصله به، ويستثنى من عدم التحريم في هذه الصور: ما لو أخر صوماً ليوقعه يوم الشك .. فقياس كلامهم في الأوقات المنهي عنها تحريمه، ذكره في "المهمات"، ومع عدم التحريم في صومه عن ورد: لا كراهة فيه أيضاً، وكذا لا كراهة في صومه عن فرض، كما نقله في "شرح المهذب" عن مقتضى كلام الجمهور (٦)، ونقله الرافعي عن ابن الصباغ، ونقل الكراهة عن القاضي أبي الطيب (٧)، ونقلها في "المهمات" عن صاحب "المهذب" والجرجاني والماوردي،

стр. 534

ورجحها، ومنع قياس الفرض على التطوع؛ بأنه لا تبرأ ذمته في الفرض بتقدير كونه من رمضان (١). واعلم: أن المجزوم به في هذه الكتب من تحريم صوم يوم الشك في غير ما استثني، هو الذي في كتب الرافعي والنووي، ونازع فيه في "المهمات" وادعى أن المعروف الكراهة، ونقل ذلك عن نص الشافعي في "البويطي"، وعن البندنيجي، ونصر المقدسي وابن الصباغ والماوردي والروياني والقاضي الحسين والفوراني والقاضي أبي الطيب والجرجاني والمحاملي والدارمي والصِيمري وأبي حامد العراقي والبيضاوي في "التبصرة" وغيرهم (٢). ١٢٩٦ - قول "المنهاج" [ص ١٨٢]: (وهو: يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناس برؤيته، اْو شهد بها صبيانٌ، أو عبيدٌ، أو فسقةٌ) قال في "الروضة" تبعاً للإمام: وظن صدقهم (٣)، وعبارة "الحاوي" [ص ٢٢٧]: (والشك؛ بأن شهد العبد والفاسق) فلم يذكر الصبي ولا الشياع بلا شهادة، واقتضى كلامه: الاكتفاء بواحد، ومقتضى عبارة "المنهاج": أنه لا بد من جمع، والذي في "أصل الروضة": اعتبار قول عدد من النساء أو العبيد أو الفسّاق (٤)، وذلك يتناول الاثنين فأكثر، ولم يذكر"المنهاج" و"الحاوي" النساء، وتقدم ما في المسألة من الإشكال. ١٢٩٧ - قول "المنهاج" [ص ١٨٢]: (ويسن تعجيل الفطر) محله: إذا تحقق غروب الشمس، كما ذكره "التنبيه" و"الحاوي" (٥)، وهل يكره التأخير؛ قال في "الأم": إن تعمد ذلك، ورأى الفضل في التأخير .. كرهته، وإلا .. فلا بأس (٦). ١٢٩٨ - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (ويستحب أن يفطر على تمر، فإن لم يجد .. فعلى الماء) (٧) فيه أمور: أحدها: في "سنن أبي داوود" و"الترمذي": عن أنس قال: (كان رسول الله ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات .. فتمرات، فإن لم تكن .. حسا حسوات من ماء) (٨) ومقتضى هذا الحديث: تقديم الرطب على التمر إن وجده.

стр. 535

ثانيها: مقتضى تعبيرهم بالتمرات: ألا تحصل السنة إلا بثلاث تمرات؛ لأن التمر جمع، وأقله: ثلاث، ونص على ذلك في "حرملة"، كما نقله القاضي أبو الطيب، فقال: يستحب أن يفطر على تمرات أو حسوات من ماء، وصرح به الشيخ عز الدين بن عبد السلام في الماء، لكن عبر القاضي والمتولي بتمرة. ثالثها: قال الروياني: إن فقد التمر .. فحلو آخر، فإن فقده .. فماء (١). وقال القاضي الحسين: الأولى في زمننا: أن يفطر على ماء يأخذه بكفه من النهر؛ لكثرة الشبهات، قال النووي: وهما شاذان، والصواب: التمر، ثم الماء (٢). وقال المحب الطبري: من هو بمكة يستحب له الفطر على ماء زمزم، ولو جمع بينه وبين التمر .. فحسن. ١٢٩٩ - قول "الحاوي" [ص ٢٢٧، ٢٢٨]: (وتأخير السحور) محله: ما لم يخش من التأخير طلوع الفجر، وقد ذكره "التنبيه" و"المنهاج" (٣)، ويدخل وقته بنصف الليل، كما ذكره الرافعي في (الأيمان) عن العبادي، وجزم به في "شرح المهذب" هنا (٤)، وفي "المهمات" عن ابن أبي الصيف: بدخول السدس الأخير. ١٣٠٠ - قول "المنهاج" [ص ١٨٢]: (وليصن لسانه عن الكذب والغيبة) و"التنبيه" [ص ٦٧]: (وينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الشتم والغيبة) يقال عليه: هذا واجب مطلقا، فكيف يُعَد تركه من آداب الصوم؟ وجوابه: أنه يتأكد وجوبه في حقه لكونه يبطل ثواب الصوم، وهذا معنى ما ورد من أن الغيبة تفطر الصائم، وقد يقال: لام الأمر في عبارة "المنهاج" تدل على الوجوب، وقول "التنبيه": (ينبغي) لا ينافي الوجوب، ومنه قوله: (وينبغي أن يكون القاضي ذكراً ... إلى آخره) (٥)، وقد قال النووي في "الدقائق": هذه لام الأمر؛ أي: يلزمه ذلك، وهو مراد "المحرر" وإن أوهمت عبارته غيره (٦). وقال في "المهمات": ينبغي تأويله على الحالة التي يجوز تعاطي هذه الأشياء فيها؛ كالكذب للحاجة، والغيبة للتظلم، ونحوه.

стр. 536

١٣٠١ - قول "التنبيه" [ص ٦٧]: (فإن شوتم .. فليقل: إني صائم) ظاهره: أنه يقوله بلسانه لينكف عنه خصمه، وهو الذي صححه النووي (١)، وحكى الرافعي عن الأئمة: أنه يقول ذلك بقلبه لِيَنْزَجِرَ (٢)، وحكي الروياني في "البحر" وجهاً استحسنه أن يقوله بلسانه في الفرض، وبقلبه في النفل (٣). ١٣٠٢ - قول "المنهاج" [ص ١٨٢، و"الحاوي" [ص ٢٢٨]: (ويستحب أن يغتسل عن الجنابة قبل الفجر) كذا الحيض. ١٣٠٣ - قولهما: (وأن يحترز عن الحجامة) (٤) يقتضي أنها للصائم خلاف الأولى، وكذا في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" (٥)، وفي "التنبيه": إنها مكروهة (٦)، وكذا في "الروضة" في موضع آخر (٧). ١٣٠٤ - قول "المنهاج" و"الحاوي" عطفاً على الحجامة: (والقُبْلَة) (٨) تقدم كراهتها، بل تحريمها. ١٣٠٥ - قولهما: (والعِلْكِ) (٩) يوافقه كلام "الروضة" وأصلها (١٠)، لكن في "التنبيه" [ص ٦٧]: (إنه مكروه) وكذا في "شرح المهذب" (١١)، ومحل ذلك: ألَاّ ينزل به شيء إلى الباطن، وإلا .. بطل الصوم، وكذا في ذوق الطعام. ١٣٠٦ - قول "التنبيه" [ص ٦٧]: (ويكره له السواك بعد الزوال) كرره مع تقدمه في (باب السواك) لذكره له في "المختصر" هنا (١٢)، وعبارة "الحاوي" [ص ٢٢٨]: (وتكره - أي: القبلة - للشاب كالسواك بعد الزوال)، وقد تفهم هذه العبارة اختصاص كراهة السواك بعد الزوال بالشاب، وليس كذلك، واختار النووي: أنه لا يكره السواك للصائم مطلقا (١٣)، وحكاه الترمذي عن الشافعي (١٤).

стр. 537

١٣٠٧ - قول "التنبيه" [ص ٦٧]: (ويطلب ليلة القدر في جميع شهر رمضان، وفي العشر الأخير أكثر) هذا وجه حكاه المحاملي، واختاره السبكي، وأنكره غير واحد، والمعروف بين مذهبنا أنها منحصرة في ليالي العشر الأخير؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٢٢٨]: (وفيه - أي: العشر الأخير - ليلة القدر). ١٣٠٨ - قول "التنبيه" [ص ٦٧]: (والمستحب أن يكون دعاؤه فيها: " اللهم؛ إنك عفو تحب العفو فاعفو عني") المراد: الكثرة، لا كل الدعاء. ١٣٠٩ - قوله: (ويكره له الوصال) (١) الأصح: أنها كراهة تحريم، وعليه مشى "الحاوي" (٢)، وحِله من الخصائص، وهو أن يصوم يومين فصاعداً، ولا يتناول بالليل شيئاً، كذا في "الروضة" وأصلها (٣)، ومقتضاه: أن الجماع ونحوه لا يخرجه عن الوصال، وأوضح من ذلك في إفادة هذا نقله في "شرح المهذب" عن الجمهور: أنهم فسروه بصوم يومين فأكثر من غير أكل ولا شرب في الليل، ثم صوب أنه لا بد من تقييد ذلك بكونه عمداً بلا عذر (٤). قال في "المهمات": وهو ظاهر المعنى؛ لأن تحريم الوصال للضعف، وترك الجماع ونحوه لا يُضْعِف، بل يقوي، لكن قال في "البحر": هو أن يستديم جميع أوصاف الصائمين (٥)، وقال الجرجاني في "الشافي": أن يترك بالليل ما أبيح له من غير إفطار، وقال ابن الصلاح: يزول الوصال بما يزول به الصوم (٦)، قال في "المهمات": وتعبير الرافعي بقوله: (أن يصوم يومين) يقتضي أن الممسك ليس امتناعه ليلاً من المفطّر وصالاً، فليس بين صومين، قال: إلا أن الظاهر أنه جرى على الغالب. ١٣١٠ - قول "التنبيه" [ص ٦٧]: (ويكره له ولغيره صمت يوم إلى الليل)، قال السبكي: كذا أطلق الأصحاب الكراهة، وينبغي أن تكون كراهة تحريم؛ لقول أبي بكر الصديق ﵁ لامرأة حجت مُصْمِتَةً: (تكلمي؛ فإن هذا لا يحل) رواه البخاري (٧)، وأبعد المتولي، فحكى وجهًا أن الصمت قربة.

стр. 538

فصلٌ [شروط وجوب الصوم] ١٣١١ - قول "التنبيه" [ص ٦٥]: (يجب صوم رمضان على كل مسلم) ثم قال: (فأما الكافر إن كان أصلياً .. لم يجب عليه) مخالف للمرجح في الأصول عند أصحابنا: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة (١)، ولذلك لم يذكر "المنهاج" الإسلام في شروط الوجوب، وكأن مراد "التنبيه": نفي الوجوب الذي يترتب عليه القضاء عند الفوات، فإن خطاب الكفار بالفروع إنما تظهر فائدته فيما يقال في تضعيف العذاب في الآخرة، ولكن لا يصح إطلاق اشتراط الإسلام في وجوب الصوم، لانتقاض ذلك بالمرتد مع وجوبه عليه، وأمره بقضائه، وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص ٦٥]: (وإن كان مرتداً .. وجب عليه) وأهمل "التنبيه" و"المنهاج" ذكر النقاء عن الحيض والنفاس، وكان ينبغي ذكره كما ذكراه في شروط وجوب الصلاة، فإن الأصح عند النووي من زيادته: عدم وجوبه على الحائض، وأن القضاء بأمر جديد، ونقله هو وابن الرفعة عن الجمهور (٢)، والخلاف في الرافعي بلا ترجيح، أحدهما: هذا، والثاني: أنه وجب ثم سقط عنها (٣)، وحكى ابن الرفعة أن فائدة الخلاف فيما إذا أوجبنا التعرض للأداء والقضاء في النية، يعني إن قلنا: وجب ثم سقط .. فتنوي القضاء، لوقوعه خارج الوقت الذي وجب فيه، وإن قلنا: لم يجب إلا بعد ذلك .. فتنوي الأداء؛ لأنه وقت وجوبه، قال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": وهذا في غاية الضعف؛ لأنه خارج وقته الأصلي على كل تقدير، وإنما امتنع الوجوب، لعدم الأهلية، وصار كما إذا نام إلى أن خرج الوقت .. فإنه ينوي القضاء مع أن الوجوب لم يتعلق به. ويمكن خروج الحائض والنفساء بذكر "التنبيه" و"المنهاج" القدرة على الصوم (٤) " فإنهما عاجزتان عنه شرعاً، والعجز الشرعي كالحسي. ١٣١٢ - قول "التنبيه" [ص ١٨٣]: (إن الصبي يؤمر به لسبع) محله: فيما إذا أطاق ذلك، كما ذكره "المنهاج" (٥)، وأن يكون مميزًا، وفي معنى الصبي: الصبية، وكان ينبغي لـ"المنهاج" ذكر الضرب على تركه لعشر كما فعل في الصلاة، وقد ذكره "التنبيه" هنا (٦).

стр. 539

١٣١٣ - قوله: (ومن ترك الصوم جاحداً لوجوبه .. كلفر) (١) لا يتوقف ذلك على تركه، فمجرد الجحد كاف في التكفير، وإنما أداه إلى ذكر الترك: التقسيم، ومحل التكفير أيضاً: ما إذا كان قديم الإسلام، فإن كان حديث عهد بالإسلام .. عُزفَ وُجوبَه، فإن أنكره بعد ذلك .. كفر، وأجيب عنه: بأن هذا ليس جاحداً؛ لأن الجحد إنكار ما سبق الاعتراف به، كما تقدم في الصلاة. ١٣١٤ - قول "الحاوي" [ص ٢٢٨]: (ويبيح الفطر: المرض) قد يوهم الإباحة بمطلق المرض، وفي "التنبيه" [ص ٦٦]: (ومن مرض وخاف الضرر) فزاد خوف الضرر، وفي "المنهاج" [ص ١٨٣]: (ضرراً شديداً) فزاد تقييد الضرر بالشدة، وقال الرافعي: شرط إباحة المرض: أن يجهده الصوم، ويلحقه ضرر يشق احتماله، كما عددنا وجوه المضار في التيمم (٢)، وذكر مثله في "الروضة" إلا أنه قال: فيلحقه ضرر، بالفاء بدل الواو (٣)، ومقتضاهما: أنه لا بد مع الضرر المقرر في التيمم من أن يجهده الصوم؛ أي: يحصل له به ألم كبير، فلو لم يجهده الصوم، لكن قال له الطبيب: إن لم تفطر باستعمال هذا الدواء تضررت .. لم يكن له الفطر، لكن عبر في "المحرر" بـ (أو) (٤)، ومقتضاه: أن الاجتهاد والضرر المعروف في التيمم كل منهما على انفراده يبيح الفطر، وصوبه في "المهمات"، وقال الإمام: عندي أنه كل مرض يمنع من التصرف مع الصوم (٥)، واستحسنه في "المهمات". ١٣١٥ - قول "التنبيه" [ص ٦٦]: (والأفضل: أن يصوم) محله: ما إذا لم يتضرر به، فإن تضرر .. فالفطر أفضل، وقد ذكره "الحاوي" (٦)، وألحق به المتولي: من يطيقه وسفره للغزو أو الحج، وخاف لو صام أن يضعف عنهما. ١٣١٦ - قول "المنهاج" [ص ١٨٣]: (ولو أصبح المسافر والمريض صائمين ثم أرادا الفطر .. جاز) قد يفهم أنه لا كراهة في ذلك، وكذا صحح في "شرح المهذب" (٧)، واختار السبكي: الكراهة فيما إذا كان لغير حاجة. ١٣١٧ - قولهما: (إنه لا يجب قضاء ما فات بالجنون) (٨) يستثنى منه: ما لو ارتد ثم جن ..

стр. 540

فإنه يجب قضاء مدة الردة ولو كانت في زمن الجنون في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص ٢٢٨]: (وجنون غير المرتد) وهو مفهوم من إطلاقهما قضاء زمن الردة، فصار بين إثباتهما قضاء الردة ونفيهما قضاء الجنون عموم وخصوص من وجه لا يمكن الحكم لأحدهما إلا بدليل خارجي، فأحسن "الحاوي" باستثناء زمن الردة من الجنون. ١٣١٨ - قول "التنبيه" [ص ٦٦]: (وإن بلغ الصبي أو قدم المسافر وهما صائمان .. فقد قيل: يلزمهما إتمام الصوم) هو الأصح، وعليه جرى "المنهاج" و"الحاوي" (١)، وقوله: (وعندي: اْنه يلزم المسافر دون الصبي) (٢) هو قول ابن سريج، وقال النووي في "التصحيح": فيهما خلاف تركه المصنف (٣). قال النشائي: هو ممنوع؛ فهذا اللفظ ظاهر في الخلاف، وإن إلزام الإتمام لهما ضعيف عنده، وإن سُلّم .. فقوله: (وعندي) كذا في مقابلة ذلك خلاف، وهو ثابت في الصبي، وللفرق وجهٌ، وهو أهلية المسافر للفرض، ولم أر له موافقاً. انتهى (٤). ١٣١٩ - قوله: (فإن قامت البينة بالرؤية يوم الشك .. وجب عليهم قضاؤه، وفي إمساك بقية النهار قولان، الأظهر: وجوبه) (٥) وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج" لكنه عبر بقوله: (والأظهر: أنه يلزم من أكل يوم الشك ثم ثبت كونه من رمضان) (٦)، فقيّد محل الخلاف بأن يكون أكل، ومقتضاه: أن حكم من لم يأكل بخلافه إما مجزوم فيه بالوجوب - وهو الذي يقتضيه نقل "الكفاية" عن الأكثرين - أو فيه خلاف مرتب، وأولى بالوجوب، والذي في "أصل الروضة" عن "التتمة": أن القولين فيما إذا بأن أنه منه قبل الأكل، فإن بان بعده: فإن لم نوجبه هناك .. فهنا أولى، وإلا .. فوجهان، أصحهما: الوجوب (٧)، وعبارة "المحرر": (أصبح مفطراً) (٨)، وهي أعم من الأكل؛ فإن تارك النية مفطر، وصوب في "المهمات" ما في "المنهاج" فإن الأكثرين على القطع بالوجوب إذا لم يأكل، وفي "الروضة": إن الممسك ليس في صوم (٩)، وعبارة الرافعي: ليس في عبادة (١٠)، ولا يلزم من

стр. 541

نفي الصوم نفي العبادة، وصحح في "شرح المهذب": أنه يثاب عليه، وليس في صوم شرعي (١)، وفي "المهمات": مقتضى القواعد: الجزم بالثواب؛ لقيامه بواجب، ومقتضى كلامهم: أنه لا يجب الإمساك إلا بعد ثبوت كونه من رمضان، وهو كذلك، وفي "المهمات": نص المالكية على استحبابه قبل الثبوت، والقياس: خلافه؛ لأن صومه حرام، فلا يشرع التشبه به (٢). فصلٌ [من مات قبل تمكنه من قضاء ما فاته من رمضان] ١٣٢٠ - قول "المنهاج" [ص ١٨٤]: (من فاته شيء من رمضان، فمات قبل إمكان القضاء .. فلا تدارك له ولا إثم) محله: فيما إذا فات لعذر، وذلك مفهوم من قول "المحرر": (كما إذا دام مرضه) (٣)، أما غير المعذور .. فيأثم ويتدارك عنه بالفدية، صرح به الرافعي في نذر صوم الدهر، وجعله أصلاً قاس عليه (٤)، وأسقطه في "الروضة"، وهذا وارد أيضاً على مفهوم قول "التنبيه" [ص ٦٧]: (ومن مات وعليه صوم تمكن من فعله) و"الحاوي" [ص ٢٢٩]: (متمكن القضاء) فإن مفهومه: أنه متى لم يتمكن من فعله .. لا تدارك عليه، وذلك شامل لما إذا كان بغير عذر، فيحمل على حالة العذر، وصور في "الروضة" وأصلها موته قبل إمكان القضاء: بأن لا يزال مريضًا أو مسافراً من أول شوال حتى يموت (٥). والصواب: اعتبار ذلك من قبل الفجر من اليوم الثاني من شوال؛ لأن ما قبل ذلك لا يصح صومه، بل لو طرأ حيض، أو نفاس، أو مرض قبل الغروب من ثاني شوال .. لم يحصل التمكن أيضًا، ذكره في "المهمات" وقال: ولو لزمه يوم، فسافر بعد الفجر من اليوم الثاني، واستمر السفر إلى رمضان .. ففي وجوب الفدية احتمالان، حكاهما الروياني عن والده، وقال: الأصح عندي: عدم الوجوب (٦). ١٣٢١ - قول "المنهاج" [ص ١٨٤]: (وإن مات بعد التمكن .. لم يصم عنه وليه في الجديد) فيه أمور:

стр. 542

أحدها: أنه لا فرق في هذا القسم بين فواته بعذر أو بغيره، وتقدم تقييد مورد التقسيم بالعذر، فالتركيب مشكل. ثانيها: أن معنى قوله: (لم يصم عنه وليه): أنه لا يصح صومه عنه، وليس معناه: عدم الوجوب خاصة. ثالثها: ليس هذا جديداً محضاً، فقد نص عليه في أكثر كتبه القديمة أيضاً، كما حكاه القاضي أبو الطيب، وقال الماوردي في مقابله: أنكر سائر أصحابنا كونه مذهباً له (١). ١٣٢٢ - قوله: (وكذا النذر والكفارة) (٢) أطلقه الرافعي والنووي في كتبهما (٣)، وقيده "الحاوي" بكفارة القتل (٤)، قيل: وليس في غيره، ووخهَه بعضهم: بأن غيرها يَخلُفُ صومَها الإطعامُ، والعجز بالموت كغيره، فيجب في التركة ما قدره الشرع، وهو ستون مداً، وأما كفارة القتل: فلا إطعام فيها في الأصح، فالفائت فيها صوم لا محالة، وإطلاق "التنبيه" الصوم دخل فيه صوم النذر والكفارة بأنواعها (٥). ١٣٢٣ - قوله: (وفيه قول آخر: أنه يصام عنه) (٦) معناه: أنه يجوز لوليّه الصوم عنه، وليس المراد: أنه يتعين عليه ذلك، بل هو مخير بين الصوم والإطعام، قال في "شرح المهذب": إنه لا خلاف في ذلك (٧)، لكن في "المهمات" عن القاضي أبي الطيب وجوبه، وصرح في "شرح مسلم" باستحباب الصوم عنه على القديم، واقتصر في "الروضة" على الجواز (٨)، قال في "المنهاج" [ص ١٨٤]: (قلت: القديم هنا أظهر)، وقد يفهم هذا التعبير ترجيحه من جهة المذهب، وإنما هو راجح من جهة الدليل، وهو قوله ﵊: "من مات وعليه صيام .. صام عنه وليه" رواه مسلم في "صحيحه" (٩) ولذلك عبر عنه في "التصحيح" بالمختار (١٠)، وقال في "الروضة": المشهور في المذهب: تصحيح الجديد، وذهب جماعة من محققي أصحابنا إلى تصحيح القديم، وهو الصواب، بل ينبغي الجزم به، للأحاديث الصحيحة

стр. 543

فيه، وليس للجديد حجة من السنة؛ فالحديث الوارد بالإطعام ضعيف (١). ١٣٢٤ - قوله: (والولي: كلل قريبٍ على المختار) (٢) تبع في اختياره ابن الصلاح والقاضي مجلّيًا (٣)، وتوقف الإمام في أن المراد: الولاية، أو مطلق القرابة، أو بشرط العصوبة، أو الإرث، وقال: لا نقل عندي في ذلك (٤)، قال الرافعي: وأنت إذا فحصت عن نظائره .. وجدت الأشبه: اعتبار الإرث (٥)، وخالفه النووي، فاختار مطلق القرابة (٦)، وكلامهم يقتضي أنه لا نقل في المسألة، وليس كذلك؛ ففي "المهمات" عن القاضي أبي الطيب اعتبار القرابة، وعن الماوردي والبغوي وغيرهما اعتبار الإرث (٧). ١٣٢٥ - قوله: (ولو صام أجنبي بإذن الولي .. صح) (٨) كذا لو صام بوصية ممن عليه الصوم، كما صرح به الرافعي في (الوصية) (٩)، ولا يخفى تفريع الأمرين على القول القديم، وتناول هذا ما لو صام عنه ثلاثون إنساناً في يوم واحد عن جميع رمضان، قال النووي: ولم أر لأصحابنا فيه كلاماً، وذكر البخاري في "صحيحه" عن الحسن: أنه يجزئه، قال: وهو الظاهر (١٠). ١٣٢٦ - قوله: (ولو مات وعليه صلاةٌ أو اعتكافٌ .. لم يُفْعَلْ عنه ولا فدية، وفي الاعتكاف قول) (١١) لم يبين حقيقة هذا القول، هل هو في فعله عنه أو في الفدية؛ وهو مختلف فيه، قال الرافعي: نقل البويطي أن الشافعي قال: يعتكف عنه وليّه، وفي رواية: يطعم عنه، وقال البغوي: لا يبعد تخريجه في الصلاة؛ فيُطعم لكل صلاة مدّ، وقال الجويني: كل يوم وليلة في الاعتكاف يُقابل بمُدٍّ، واستشكله الإمام بأن كل لحظةٍ عبادة تامة (١٢)، ونقل النووي عن القاضي عياض وأصحابنا الإجماع أنه لا يصلي عنه (١٣)، لكن الرافعي في (الوصية) أشار إلى وجه

стр. 544

فيه (١)، واختار الجواز ابن أبي عصرون والسبكي. ١٣٢٧ - قوله: (والأظهر: وجوب المُدّ على من أفطر لِلْكِبَرِ) (٢) في معناه: المريض الذي لا يرجى برؤه، وقد ذكره "التنبيه" (٣)، فلو قدر بعد ذلك على الصوم .. فكالمَعْضُوب في الحج، ولو قَدَرَ الهرم بعد ذلك .. لم يلزمه القضاء، كما نقله في "التهذيب"، وقاله أيضاً القاضي الحسين والخوارزمي، وقال البغوي من عند نفسه: إن قَدَرَ قبل الفدية .. صام، أو بعدها .. احتمل وجهين (٤)، ونقل صاحب "التتمة" وآخرون خلافاً في أنه هل خوطب بالصوم ثم انتقل بالعجز إلى الفداء، أم خوطب بالفداء ابتداء؟ وصحح في "شرح المهذب": الأول (٥)، وفي "الكفاية": الثاني. ١٣٢٨ - قول "التنبيه" [ص ٦٦]: (وإن خافتا - أي: الحامل والمرضع - على ولديهما .. أفطرتا وعليهما القضاء، وفي الفدية ثلالة أقوال، أحدها: أنه يجب عليهما عن كل يوم مدّ من الطعام) هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٦)، وتعبيرهما بالولد أحسن من تعبير "التنبيه" بولديهما؛ لأن المتبرعة كالأم وإن لم تتعين، ذكره في "الروضة" (٧)، وكذا صحح النووي: أن المستأجرة لو خافت على الولد المستأجرة لإرضاعه .. أفطرت ووجبت الفدية، وهل الفدية عليها أم على المستأجر؛ فيه احتمالان للقاضي الحسين؛ كدم التمتع، قال في "شرح المهذب": ولعل الأصح: أنها عليها، بخلاف دم التمتع؛ فإنه على المستأجر في الأصح؛ لأن الأول من تتمة إيصال المنفعة الواجبة، بخلاف دم التمتع؛ فإنه من تمام الحج الواجب عليه (٨)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لا يتخرج على الوجهين المذكورين؛ لأن العبادة هناك وقعت للمستأجر، وأما هنا: فإن العبادة إنما تقع لها، فتكون الفدية عليها جزماً. ١٣٢٩ - قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي": (والأصح: أنه يُلْحَقُ بالمرضع من أفطر لإنقاذ مشرفي على هلاكٍ) (٩) أي: إذا لم يمكنه تخليصه إلا بالفطر، ويجب الفطر، صرح به

стр. 545

الغزالي والنووي (١)، وقيده عبد الملك المقدسي بما إذا تعين عليه، قال السبكي: وفيه نظر؛ لأنه يؤدي إلى التواكل، والمراد: الشخص المشرف على الهلاك، أما لو أفطر لتخليص مال مشرف على الهلاك .. لم تجب فدية، كما صرح به القفال في "فتاويه". ١٣٣٠ - قول "التنبيه" [ص ٦٧]: (ولا يجوز أن يؤخر القضاء إلى رمضان آخر من غير عذر) هذا في الفائت بعذر، فأما الفائت بغير عذر .. فيجب قضاؤه على الفور في الأصح. ١٣٣١ - قوله: (فإن أخره .. لزمه مع القضاء عن كل يوم مدّ من الطعام) (٢) قد يفهم أنه لا يجب غير ذلك، وليس كذلك، بل الأصح: أنه يتكرر بتكرر السنين، وقد صرح به "المنهاج" (٣)، وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص ٢٢٩]: (ومؤخّر القضاء عن كل سنة) فلو أخره بعذر؛ كسفر ومرض .. فلا فدية، كذا مثل الرافعي هنا بالسفر (٤)، ونقل في صوم التطوع عن البغوي تحريم تأخيره للسفر (٥)، ومتى حرم التأخير، فهو بغير عذر .. فتجب الفدية، ومحل الخلاف في التكرر بتكرر السنين: ما إذا لم يكن أخرج الفدية، فإن أخرجها .. تكررت جزماً، صرح به البغوي والخوارزمي (٦). ١٣٣٢ - قول "المنهاج" [ص ١٨٤]: (وأنه لو أخر القضاء مع إمكانه فمات .. أخرج من تَرِكَتِهِ لكل يومٍ مُدَّانِ: مُدّ للفوات ومُدّ للتأخير) لا يخفى أن هذا تفريع على الجديد، فأما على القديم: فإذا صام الولي .. حصل تدراك أصل الصوم، وتجب فدية للتأخير. فصلٌ [في الكفارة العظمى لإفساد الصوم بالجماع] ١٣٣٣ - قول "التنبيه" [ص ٦٧]: (وإن جامع امرأته في نهار رمضان من غير عذر .. لزمهما القضاء، وفي الكفارة ثلالة أقوال) فيه أمور: أحدها: أنه يتناول الجماع بعد الفطر بجماع أو غيره مع أنه لا كفارة فيه، ويخرج عنه جماع جاريته مع أنها كالمرأة في ذلك، بل الموطوءة بشبهة والمزني بها كذلك في جريان القولين الأولين - وهما وجوب الكفارة عليهما، وعليه دونها - لكن لا يأتي القول الثالث - وهو وجوب كفارة عنه

стр. 546

وعنها - بل تلزمه كفارة عنه، ولا شيء عليها على الأصح؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ١٨٥]: (تجب الكفارة بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع أثم به بسبب الصوم) فأخرج الجماع بعد الفطر؛ لأن الصوم لم يفسد به، بل فسد قبله، وتناول كل جماع، وقد يقال: لم يتناول الزاني عمدًا؛ لأن إثمه بسبب الزنا، والحق: أنه أثم بسببهما معاً، فتناولته عبارته، لكن يرد عليه: أنه لا يأتي فيه القول بوجوب كفارة عنه وعنها، وزاد "الحاوي" في الضابط المذكور في "المنهاج": تقييد الجماع بكونه تامًا (١)؛ ليحترز به عن جماع المرأة؛ فإنه يفسد صومها قبل صدق اسم الجماع بوصول رأس الذكر إلى باطنها، وقد تبع في هذا القيد الغزالي (٢)، وأسقطه "المحرر" و"المنهاج" إذ لا فائدة فيه؛ فإن فساد صومها في هذه الصورة بغير الجماع، بل بوصول عين إلى جوفها، فقد خرجت بقولنا: بجماع، ولو أولج فيها نائمة أو ناسية ثم استيقظت أو تذكرت واستدامت .. ففساد صومها هنا بجماع تام لا بوصول عين؛ لأن استدامة الجماع جماع، ومع هذا لا كفارة عليها، فظهر بهذا أن عدم وجوب الكفارة على المرأة ليس لانتفاء الجماع التام في حقها، بل ولو وجد الإفطار بالجماع التام .. لم يكن عليها كفارة، ومع ذلك فأورد على هذا الضابط أمور: أحدها: لو طلع الفجر وهو مجامع فاستدام .. وجبت الكفارة، مع أنه لا يقال: فسد صومه؛ فإن المشهور: أنه لم ينعقد، والفساد فرع الانعقاد. الثاني: لو جامع شاكًا في الغروب .. حرم، كما في "الروضة"، ولا كفارة، كما في "التهذيب" وغيره (٣)، وهو داخل في قول "المنهاج" بعد ذلك [ص ١٨٥]: (ولا كفارة على من ظن الليل فبان نهاراً)، لكن قال الرافعي والنووي بعد نقلهما عدم الكفارة عن صاحب "التهذيب" وغيره: وهذا ينبغي أن يكون مفرعاً على تجويز الإفطار والحالة هذه، وإلا .. فتجب الكفارة وفاءً بالضابط المذكور لوجوب الكفارة (٤)، ولم يتناول قول "الحاوي" [ص ٢٢٩]: (وظان بقاء الليل) إلا ما إذا كان ذلك في أول النهار. الثالث: لو جامع مسافرًا ونحوه امرأته، ففسد صومها .. لا كفارة عليه بإفساد صومها، فينبغي التقييد بصوم نفسه. الرابع: أنه لا بد من تقييد ذلك بكون الواطئ مكلفاً، فلو كان صبياً .. لم تلزمه كفارة في الأصح.

стр. 547

الأمر الثاني: مما يرد على "التنبيه": أن ظاهره أنه لا فرق بين أن يطرأ عليه ما يبيح الفطر كالمرض والسفر، أو يسقط الصوم كالجنون والحيض أم لا، والأصح في المرض والسفر: أنه لا يسقط، وفي الباقي: السقوط، وقد ذكره "الحاوي"، وذكر "المنهاج" الأول، وهو عدم السقوط بالسفر والمرض (١). الأمر الثالث: الأصح: القول الثاني، وهو وجوب الكفارة عليه دونها، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " (٢). الأمر الرابع: شرط القول بوجوب الكفارة عليها: أن يكون الوطء في قبلها، فالموطوءة في الدبر لا كفارة عليها، ذكره ابن الرفعة، ويستثنى: المتحيرة، فالأصح من زيادة " الروضة " في (الحيض): لا تلزمها الكفارة (٣)، وهذا وارد على " المنهاج " أيضًا. الأمر الخامس: في تحرير القول بانه يجب عليه كفارة عنه وعنها أوجه في " البحر " للروياني و" شرح السبكي ": أحدها: أنه يجب على كل واحد النصف، ثم يتحمل الزوج. والثاني: يجب على كل واحد كفارة تامة، ثم يتحمل، فيتداخلان. الثالث: تجب الكفارة الواحدة على كل منهما، ولكن إذا أخرجها الزوج .. سقطت عنها؛ كالدين على الضامن والمضمون متعلق بكل منهما، فإذا أدى .. برئت الذمتان (٤). ١٣٣٤ - قول " التنبيه " [ص ٦٧]: (فإن لم يجد .. ثبت في ذمته في أحد القولين إلى أن يجد، ويسقط في الثاني) فيه أمران: أحدهما: أن الأول هو الأظهر، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " (٥). ثانيهما: قال في " الكفاية " في قوله: (فإن لم يجد): أي: الطعام، ثم قال: وكلامه يقتضي أن الثابت في ذمته إنما هو الإطعام، والذي أورده القاضي والرافعي أن ما قدر عليه من الخصال بعد ذلك .. يلزمه الإتيان به، وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي التخيير بين الخصال الثلاث. انتهى (٦).

стр. 548

وعلى ذلك مشى " المنهاج " فقال [ص ١٨٥]: (فلو عجز عن الجميع .. استقرت في ذمته في الأظهر، فإذا قدر على خصلةٍ .. فعلها) و" الحاوي " فقال [ص ٢٢٩]: (وتستقر في الذمة إن عجز) ويوافق كلامهم ما في بعض نسخ " التنبيه " بدل: (ثبت): (ثبتت) أي: الكفارة، وقد يحمل قوله في النسخة المشهورة: (ثبت) على الواجب لا على ما حمله عليه في " الكفاية " من الطعام، وحينئذ .. فلا إيراد، والله أعلم.

стр. 549

باب صوم التّطوّع ١٣٣٥ - قول " المنهاج " [ص ١٨٦] و" الحاوي " [ص ٢٣٠]: (يسن: صوم عرفة) يستثنى منه: الحاج، فيكره له، كما في " التنبيه " (١)، وحكاه الرافعي والنووي عن إطلاق كثيرين بعد أن صدَّرا كلامهما بأنه ينبغي له فطره (٢)، وصحح النووي في " تصحيح التنبيه ": أن صومه خلاف الأولى، وحكاه في " شرح المهذب " عن الشافعى والجمهور (٣). وقال في " التتمة ": الأَوْلى لمن لا يضعفه عن الدعاء وأعمال الحج: صومه، واستشهد له بعضهم باستحباب صوم الدهر لمن لم يخف ضررًا ولا فوَّت حقًا، ومقتضى قول " التنبيه " [ص ٦٧]: (إلا أن يكون حاجًا بعرفة) أن المحرم إذا لم يصل إلى عرفة وعلم أنه لا يصلها إلا بعد الغروب .. أنه يستحب له صومه؛ لأنه حاج لا بعرفة، وبه صرح النووي في " نكت التنبيه "، لكن نص الشافعي في " الإملاء " على استحباب فطره للمسافر مطلقًا، حكاه في " المهمات "، وقريب منه ما في الرافعي عن " التتمة ": أنه إذا سافر في رمضان سفر حج أو غزو، وكان يخاف الضعف لو صام .. فإن الأولى له: الفطر (٤). ١٣٣٦ - قولهم: (يسن: صوم تاسوعاء، وعاشوراء) (٥) كذا الحادي عشر، كما نص عليه. ١٣٣٧ - قول " المنهاج " [ص ١٨٦] و" الحاوي " [ص ٢٣٠]: (وأيام البيض) أحسن من قول " التنبيه " [ص ٦٧]: (والأيام البيض) لأن الأيام كلها بيض، وتقدير الأول: أيام الليالي البيض؛ لأن ضوء القمر يعُم ليلها. واعلم: أن قولهم أن أيام البيض هي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، يستثنى من إطلاقه: ذو الحجة؛ فإن صوم ثالث عشره حرام، فهل يسقط في هذا الشهر، أو يعوض عنه السادس عشر، أو يوم من التسعة الأول؟ فيه احتمال، ولم أر من تعرض لذلك. ويستحب أيضًا: صوم أيام السود، وهي: الثامن والعشرون وتالياه، قاله الماوردي. ولا يخفى سقوط الثالث منها إذا كان الشهر ناقصًا، ولعله يعوضه عنه بأول الشهر الذي يليه، وهو من أيام السود أيضًا؛ لأن ليلته كلها سوداء. ١٣٣٨ - قول " التنبيه " [ص ٦٧]: (يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بست من شوال) يقتضي

стр. 550

أن من لم يصم رمضان لمرض أو صِبًا أو سفر أو كفر أو غيرها .. لا يستحب له صوم الستة من شوال، وليس كذلك؛ ولهذا أطلق " المنهاج " و" الحاوي " استحباب صوم ستة من شوال (١)، زاد " المنهاج " [ص ١٨٦]: (وتتابعها أفضل) أي: ووصلها بالعيد، وتعبيرهما بستة أوفق للعربية من تعبير " التنبيه " بست، لكن ذاك موافق للفظ الحديث. ١٣٣٩ - قولهما: (ويكره إفراد الجمعة) (٢) محله: ما إذا لم يوافق عادة له، ذكره في " شرح المهذب "، لكنه فسره بأن ينذر صوم يوم شفاء مريضه أو قدوم زيد أبدًا، فوافق يوم جمعة (٣)، لكن الكلام في صومه نفلًا، وهو في هذا المثال فرض، فالصواب: تمثيله بما إذا كانت عادته صوم يوم وفطر يوم، فوافق صومه يوم جمعة، ذكره في " المهمات "، قال: نعم؛ يستقيم المثال إن كان النهي شاملًا للفرد حتى يكره إفراد الجمعة بالقضاء، وفيه نظر، وحكى البيهقي في " المعرفة " عن الشافعي: تقييد الكراهة بمن يضعفه الصوم عن القيام بالوظائف المطلوبة فيه (٤)، وذكر مثله ابن الصباغ، وقال الماوردي والعمراني: إنه مذهب الشافعي (٥). ولو أراد الاعتكاف في يوم جمعة أو في غيره مما يكره إفراده بالصوم، فهل تستمر الكراهة، أو يستحب صومه للخروج من خلاف من أوجب الصوم مع الاعتكاف؟ توقف فيه النووي في " نكت التنبيه "، وزاد " المنهاج " كراهة إفراد السبت (٦)، وعلله الرافعي: بأنه يوم اليهود (٧)، ومقتضاه: كراهة إفراد الأحد أيضًا؛ لأنه يوم النصارى، وقد صرح بكراهته ابن يونس في " النبيه ". ١٣٤٠ - قول " الحاوي " [ص ٢٣٠]: (إنه يستحب صوم الدهر) تبع فيه الغزالي (٨)، ولا يخفى أن محله: إذا أفطر يومي العيد وأيام التشريق، ثم هو محمول على ما إذا لم يتضرر به، ولا فوَّت حقًا، وقد ذكره " المنهاج " فقال [ص ١٨٦]: (وصوم الدهر غير العيد والتشريق مكروهٌ لمن خاف به ضررًا أو فَوْتَ حقٍّ، ومستحبٌ لغيره) وكذا حكاه في " الروضة " وأصلها عن الأكثرين، إلا أنهما لم يقولا بالاستحباب في الحالة الثانية، وإنما قالا فيها: بعدم الكراهة (٩)، وأطلق البغوي وغيره الكراهة (١٠)،

стр. 551

والغزالي الاستحباب كما تقدم، وحيث لا يكره .. فقال المتولي: صوم يوم وإفطار يوم أفضل منه، واختاره السبكي، ورأى أن صوم الدهر مكروه أو خلاف الأولى، وفي " فتاوى الشيخ عز الدين بن عبد السلام " أن سرد الصيام أفضل منه؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وقوله في حديث عبد الله بن عمرو في صوم يوم وإفطار يوم: " لا أفضل من ذلك " (١) أي: لك، ثم تفويت الحق يحتمل أن يراد به: الواجب، لكن تفويته حرام، فتكون الكراهة إذا كان الموجود الخوف دون العلم والظن، فإن أمن تفويته وخاف تفويت مندوب فعله راجح على السرد .. فيوم ويوم أفضل، ويمكن أن يراد بالحق: كل مطلوب وإن لم يكن واجبًا، ذكره السبكي وقال: لم أر من صرح فيه بشيء، ورجح في " المهمات " الاحتمال الثاني، فقال: إنه المتجه. ١٣٤١ - قول " الحاوي " [ص ٢٢٩]: (إنه لا يجب إتمام التطوع) يستثنى منه: تطوع الحج والعمرة، فيجب إتمامه؛ ولذلك قصر " التنبيه " و" المنهاج " ذلك على تطوع الصلاة والصوم، وتعبير " التنبيه " بقوله [ص ٦٧، ٦٨]: (ومن دخل في صوم تطوع أو صلاة تطوع .. استحب له إتمامها، فإن خرج منها .. لم يلزمه القضاء) أحسن من قول " المنهاج " [ص ١٨٦]: (ومن تلبس بصوم تطوعٍ أو صلاة تطوعٍ .. فله قطعهما ولا قضاء) لأمور: أحدها: تصريح " التنبيه " باستحباب الإتمام، وقد قالوا: إن القطع بعذر غير مكروه، وبغير عذر مكروه على الأصح. ثانيها: إفصاح " التنبيه " عن كون المنفي لزوم القضاء بخلاف قول " المنهاج ": (ولا قضاء) فإنه قد يفهم نفي استحبابه أيضًا، وليس كذلك، بل قضاؤه مستحب. ثالثها: أن إفراد " التنبيه " الضمير في قوله: (إتمامها) أحسن من تثنية " المنهاج " في قوله: (قطعهما) فإن (أو) لأحد الشيئين، والذي في " المنهاج " على حد قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ ويستثنى من كلامهم: ما لو نذر إتمامه .. فالأصح: لزومه. ١٣٤٢ - قول " المنهاج " [ص ١٨٦]: (ومن تلبس بقضاءٍ .. حرم عليه قطعه إن كان على الفور، وكذا إن لم يكن في الأصح) المراد: قضاء الواجب، أما المستحب: فقد سبق الكلام عليه، وفهم عدم القطع في الأداء من طريق الأولى، وهو كذلك في فروض الأعيان، أما فروض الكفايات .. فله قطعها بعد التلبس بها، إلا صلاة الجنازة، وقد ذكر ذلك " الحاوي " بقوله [ص ٢٢٩]: (وإتمام القضاء؛ كصلاة الجنازة لا العلم وفروض الكفايات) وكان ينبغي الاكتفاء بنفي وجوب إتمام فروض الكفايات عن ذكر العلم؛ فانه من فروض الكفاية، وأن يؤخر ذكر صلاة الجنازة عن فروض الكفاية، فيستثنيها منها؛ لأنها من جملتها، والله أعلم.

стр. 552

كتاب الاعتِكاف ١٣٤٣ - قول " التنبيه " [ص ٦٨]: (ولا يجب إلا بالنذر) هو مفهوم من قوله قبله: (إنه سنة) فهو تأكيد. ١٣٤٤ - قول " المنهاج " [ص ١٨٧]: (وفي العشر الأواخر من رمضان أفضل لطلب ليلة القدر) قد تقدم ذكره عند ذكر سنن الصوم (١)، فقد يقال: إنه تكرير، وقد يقال: المقصود هناك: كونه سنة للصوم، ووصفًا مقصودًا فيه، والمقصود هنا: استحبابه في نفسه لأجل ليلة القدر حتى لو لم يصم لعذر .. ندب له الاعتكاف. ١٣٤٥ - قولهم: (والجامع أولى) (٢) فيه أمران: أحدهما: أن المعنى فيه: كيلا يحتاج فيما فيه جمعة إلى الخروج إليها، قال الرافعي: إن هذا المعنى أظهر عند الشافعي (٣)، ومقتضاه: أنه إذا اعتكف دون أسبوع وليست الجمعة منه .. أن يستوي الجامع وغيره، وصرح القاضي الحسين فيه باستحباب الجامع. ثانيهما: أن محله: في التطوع، وفي النذر إذا لم تقع فيه جمعة، فلو نذر اعتكاف مدة متتابعة يتخللها جمعة، وهو من أهلها .. تعين الجامع؛ لأن الخروج لها يقطع التتابع على الأصح. ١٣٤٦ - قول " المنهاج " [ص ١٨٧] و" الحاوي " [ص ٢٣١]: (ولو عين المسجد الحرام في نذره الاعتكاف .. تعين) في المراد بالمسجد الحرام الذي تضاعف فيه الصلاة خلاف، حكى صاحب " البيان " عن الشريف العثماني: أن المراد به: الحرم كله، ثم اختار صاحب " البيان " أنه الكعبة وما في الحجر من البيت فقط (٤)، وجزم النووي في " شرح المهذب " بأنه الكعبة والمسجد حولها (٥)، لكنه نقل في " مناسكه " عن الماوردي: أنه الحرم كله (٦)، فيتخرج مثل ذلك هنا؛ لأن تعينه بالنذر إنما هو لتضعيف الصلاة والاعتكاف فيه، فلو نذر الصلاة أو الاعتكاف في الكعبة .. فالمتجه في " المهمات ": تعينها دون بقية المسجد والحرم كله. ١٣٤٧ - قول " الحاوي " [ص ٢٣١]: (لا الصلاة) أي: فإنه لا يتعين لها زمان، كذا قاله

стр. 553

الرافعي هنا، وجعله أصلًا قاس عليه، وقال في (كتاب النذر): إن التعيين أرجح (١). ١٣٤٨ - قوله: (والصدقة) (٢) أي: فإنه لا يتعين لها زمان، كذا قاله الرافعي هنا، وجعله أصلًا قاس عليه، ونقل في (النذر) عن الصيدلاني: أنه يجوز تقديمها على وقتها قطعًا، وأقره (٣)، فأشعر ذلك بأنها لا تؤخر، بخلاف ما اقتضاه كلامه هنا، وظاهر" الحاوي " أن الاعتكاف: مطلق اللبث من شخص مخصوص، وزاد عليه " المنهاج " فقال [ص ١٨٧]: (والأصح: أنه يشترط في الاعتكاف لبث قدرٍ يسمى عكوفًا)، وفسره الإمام: بأن يزيد على أقل ما يكفي في طمأنينة الصلاة، ولا يكفي قدر الطمأنينة، ولا يجب السكون، بل يكفي التردد (٤). ١٣٤٩ - قولهم: (ويبطل بالجماع) (٥) فيه أمور: أحدها: أنه لا فرق في ذلك بين أن يجامع في المسجد أو في طريقه لقضاء الحاجة سواء قلنا: إنه في خروجه للحاجة معتكف أم لا، وإنما يفترقان بالنسبة إلى الحل والتحريم، فإن كان في المسجد .. فهو حرام مطلقًا، وإن كان في غيره .. حرم إن كان الاعتكاف منذورًا، ولا يتجه تحريمه في التطوع؛ فإن غايته الخروج من العبادة، وهو جائز، قاله في " المهمات ". ثانيها: أن الحكم بالبطلان إنما هو بالنسبة للمستقبل، وأما الماضي .. فكذلك؛ إن كان منذورًا متتابعًا .. فيستأنفه، وان لم يكن متتابعًا .. لم يبطل ما مضى سواء أكان منذورًا أم نفلًا. ثالثها: أن محل ذلك: ما إذا كان ذاكرًا عالمًا بالتحريم، فإن كان ناسيًا أو جاهلًا .. فهو كالصوم، وقد ذكره " المنهاج " بعد ذلك فقال [ص ١٨٧]: (وإن جامع ناسيًا .. فكجماع الصائم)، لكنه صحح في " شرح المهذب ": أنه لا يتخرج على خلاف الصوم، فقال: لم يبطل على المذهب، وبه قطع العراقيون، وقال أكثر الخراسانيين: فيه الخلاف في الصوم (٦). ١٣٥٠ - قول " التنبيه " [ص ٦٨]: (وإن باشر فيما دون الفرج بشهوة .. ففيه قولان) الأظهر: قول ثالث، وهو: الإبطال إن أنزل، وإلا .. فلا، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " (٧)، ولو أولج خنثى في قبل خنثى، أو أولج في امرأة أو رجل أو خنثى مطلقًا .. فهو كالمباشرة بغير جماع،

стр. 554

فيفرق بين أن ينزل أم لا، كما في " شرح المهذب " في الأحداث (١)، وهو مستثنى من إطلاقهم بطلان الاعتكاف بالجماع. ١٣٥١ - قول " المنهاج " - والعبارة له - و" الحاوي " فيما إذا أطلق نية الاعتكاف: (لو خرج وعاد .. احتاج إلى الاستئناف) (٢) محله: ما إذا لم يعزم عند خروجه على العود، فإن فعل ذلك .. قام عزمه مقام النية، كما نقله الرافعى عن " التتمة "، واستشكله: باشتراط اقترانها بأول العبادة، فلا يكتفي بعزم متقدم (٣)، لكن صوب فى " شرح المهذب " قول المتولي (٤). ١٣٥٢ - قول " المنهاج " [ص ١٨٧]: (ولو ارتد المعتكف أو سَكِرَ .. بطل، والمذهب: بطلان ما مضى من اعتكافهما المتتابع) فيه أمور: أحدها: أن قوله: (بطل) أي: في زمن الردة والسكر، فإذا زالا ولم يكن الاعتكاف متتابعًا .. بنيا على ما مضى؛ ولهذا قال " المحرر ": (لم يبق معهما الاعتكاف) (٥). ثانيها: المراد ببطلان الماضي: تعذر البناء عليه، لا حبوطه. ثالثها: اعترض عليه: بأنه كان الأصوب أن يقول: (من اعتكافه بالإفراد) لأن العطف بـ (أو)، وفي هذا نظر؛ لأن المعطوف بـ (أو) هو الفعل، والضمير ليس عائدًا عليه، وإنما هو عائد على المرتد والسكران المفهومين من لفظ الفعل، وقد تقدم ما يدل عليهما، فصح عود الضمير عليهما، وعبارة " الحاوي " [ص ٢٣١]: (ويقطعه السكر والكفر) وهي وافية بالمقصود من غير اعتراض. ١٣٥٣ - قول " المنهاج " [ص ١٨٧]: (ولو طرأ جنونٌ أو إغماءٌ .. لم يبطل ما مضى إن لم يخرج) فيه أمران: أحدهما: أن محل ذلك: فيما إذا طرأ الجنون بسبب يُعذر فيه، فإن طرأ بسبب لا يعذر فيه .. فكالسكران، حكاه في " الكفاية " عن البندنيجي، وهو مفهوم من تعليل الرافعي عدم البطلان في الجنون بالعذر (٦). ثانيهما: كان ينبغي ترك التقييد بعدم الخروج؛ لاستواء حكمهما، فإنه إذا خرج: إن لم يمكن حفظه في المسجد .. لم يبطل أيضًا، كما لو حمل العاقل مكرهًا، وإن أمكن بمشقة؛ فكالمريض

стр. 555

إذا خرج .. فالمذهب: لا يبطل أيضًا، وإطلاق " الحاوي " أن الجنون يقطع الاعتكاف مُنْتَقَدٌ (١). ١٣٥٤ - قول " المنهاج " [ص ١٨٨]: (وكذا الجنابة - أي: يجب الخروج لها - إن تعذر الغسل في المسجد، فلو أمكن .. جاز الخروج، ولا يلزم) كذا في " الروضة " وأصلها (٢)، وهو يقتضي جواز الغسل فيه، واستبعده الإمام، ونقل عن المحققين إيثار الخروج، طال الزمان أو قصر (٣)، وهو مقتضى قول " الحاوي " [ص ٢٣١]: (ويغتسل سريعًا لا في المسجد). فصلٌ [في التتابع] ١٣٥٥ - قول " المنهاج " [ص ١٨٨]: (والصحيح: أنه لا يجب التتابع بلا شرط) فيه أمران: أحدهما: أنه عبر في " الروضة " بالمذهب، قال: وخرج ابن سريج قولًا، وهو شاذ (٤). ثانيهما: أنه يفهم أنه إذا لم يشرط التتابع، ونواه .. لا يجب، وبه صرح " الحاوي " فقال [ص ٢٣٢]: (لا التتابع وإن نواه)، وهذا هو الأصح عند الرافعي والنووي (٥)، واختار السبكي مقابله، وصوبه في " المهمات " لما سيأتي فيما لو نذر اعتكاف يومين متتابعين، هل تلزم الليلة التي بينهما؟ ١٣٥٦ - قول " الحاوي " [ص ٢٣٢]: (كالتفرق وإن شرطه) أي: لا يلزم التفريق ولو شرطه، بل له مع اشتراط التفريق أن يأتي به متتابعًا. يستثنى منه: ما إذا قصد أيامًا معينة، كما قيده الغزالي في " الخلاصة " وغيره (٦)، قال في " المهمات ": وهو متعين؛ لأنه إذا نذر يومًا بعينه .. امتنع عليه التقديم والتأخير على الصحيح. ١٣٥٧ - قول " المنهاج " عطفًا على ما عبر فيه بالصحيح [ص ١٨٨، ١٨٩]: (وأنه لو نذر يومًا .. لم يجز تفريق ساعاته) عبر في " الروضة " بالأصح (٧)، وهو معنى قول " الحاوي " بعد ما لا يجب فيه التتابع [ص ٢٣٢]: (لا كيوم) أي: فإنه [يجب تتابع ساعاته] (٨). ويستثنى من كلامهما: ما لو دخل أثناء النهار، واستمر إلى مثله من اليوم الثاني .. فإن الأكثرين

стр. 556

على أنه يجزئه، وقال أبو إسحاق: لا يجزئه، قال الرافعي: وهو الوجه (١)، ومحل الخلاف: فيما إذا غاير بين الساعات، فلو أتى بساعة معينة من يوم، ثم أتى بها بعينها من آخَرَ إلى أن استكمل ساعات اليوم .. لم يجزئه جزمًا، حكاه في " المهمات " عن القاضي حسين. ١٣٥٨ - قول " المنهاج " عطفًا على الصحيح [ص ١٨٩]: (وأنه لو عيَّن مدةً كأسبوع وتعرض للتتابع وفاتته .. لزمه التتابع في القضاء) فيه أمران: أحدهما: أنه عبر في " الروضة " بالأصح (٢). ثانيهما: أن قوله: (كأسبوع) أي: بعينه، ولهذا قال في " المحرر ": (هذا الأسبوع) (٣)، أما لو قال: (أسبوعًا) كما هو ظاهر " المنهاج " .. فقال السبكي: لم أر فيه نقلًا، والأقرب: أنه يكفيه سبعة أيام متفرقة. ١٣٥٩ - قوله: (وإن لم يتعرض له .. لم يلزمه في القضاء) (٤) قد يفهم أنه معطوف على ما عبر فيه بالصحيح، وليس كذلك، فلا خلاف في عدم لزوم التتابع في هذه الصورة. ١٣٦٠ - قوله: (وإذا ذكر التتابع وشَرَطَ الخروج لعارض .. صح الشرط في الأظهر) (٥) عبر في " الروضة " بالمذهب، وبه قطع الجمهور، وحُكيَ قول: أنه لا يصح (٦)، وذكر " الحاوي " فيما إذا شرط الخروج لكل شغل يطرأ له .. أنه يخرج لسائر الأشغال سوى النظارة والتنزه، والنظارة - بتخفيف الظاء - يستعملها العجم، يعنون بها: النظر إلى ما يقصد النظر إليه، وليست معروفة في اللغة لهذا المعنى، قاله النووي (٧). ١٣٦١ - قول " التنبيه " فيما إذا خرج لما له منه بد [ص ٦٨]: (وعيادة المريض)، قال في " الكفاية ": يفهم أنه لو كان المريض قريبه، ولم يكن له من يقوم به .. عدم البطلان، وبه صرح الماوردي (٨)، واستغرب في " شرح المهذب " مقالة الماوردي (٩)، وأطلق في " الروضة " وأصلها انقطاع التتابع بالخروج للعيادة (١٠).

стр. 557

١٣٦٢ - قوله: (إلا أن يكون قد شرط ذلك في نذره) (١) يستثنى: ما إذا شرط الخروج للجماع؛ فإنه يلغو الشرط، حكاه في " الكفاية " عن الماوردي والبندنيجي وغيرهما (٢)، وفي زيادة " الروضة ": قال الروياني: قال أصحابنا: لو نذر اعتكافًا وقال: إن اخترت جامعت، أو إن اتفق لي جماع جامعت .. لم ينعقد نذره (٣). ١٣٦٣ - قولهم - والعبارة لـ" الحاوي " -: (ولا يقطع الولاء الخروج لقضاء الحاجة) (٤)، زاد " المنهاج " [ص ١٨٩]: (ولا يجب فعلها في غير داره وإن أمكن، ولا يضر بعدها إلا أن يفحش فيضر في الأصح) ويستثنى منه: ما إذا لم يجد في طريقه موضعًا، أو كان لا يليق به غير داره .. فلا يضر فحش البعد، ولو كان له داران .. تعينت القربى في الأصح. ١٣٦٤ - قول " التنبيه " [ص ٦٨]: (وإن خرج لما لا بد منه، فسأل عن المريض في طريقه ولم يعرج .. جاز) محله: ما إذا لم يطل وقوفه، كما صرح به " المنهاج " (٥)، وذكر " الحاوي " بدل العيادة الصلاة على الميت، فقال [ص ٢٣٢]: (وإن صلى على الميت بلا عدولٍ)، ولا بد من تقييده أيضًا بألَّا ينتظره. ١٣٦٥ - قول " التنبيه " [ص ٦٨] و" الحاوي " [ص ٢٣٢]: (إنه لا ينقطع التتابع بالخروج للمرض) قيده " المنهاج " بأن يُحْوج إلى الخروج (٦)، أي: لخوف التلويث لإسهال أو بول، أو لمشقة الإقامة معه لاحتياجه إلى فراش وخادم وتردد طبيب، وخرج به الخفيف كصداع ونحوه، وأسقط " المنهاج " وجهًا في " المحرر " أنه ينقطع بالمرض (٧). ١٣٦٦ - قول " التنبيه " فيما لا يقطع التتابع [ص ٦٨]: (والحيض) محله: ما إذا طالت مدة الاعتكاف، فإن كانت بحيث تخلوا عنه .. انقطع في الأظهر، قاله في " المنهاج " (٨)، وعبر عنه " الحاوي " بقوله [ص ٢٣٢]: (إن لم يسعه وقت الطهر). ١٣٦٧ - قول " المنهاج " - والعبارة له - و" الحاوي ": (ولا بالخروج ناسيًا على المذهب) (٩) محله: ما إذا قصر زمنه، فإن طال .. فهو كالأكل الكثير ناسيًا، ففيه اختلاف تصحيح الرافعي

стр. 558

والنووي (١)، والإكراه كالنسيان، وقد ذكره " الحاوي " (٢)، ولو استمر مستترًا خوفًا من ظالم، والمراد: الإكراه بغير حق؛ ليخرج ما إذا أكره على الخروج لحق عليه هو مماطل به .. فإنه يبطل اعتكافه؛ لتقصيره بعدم الوفاء. ١٣٦٨ - قول " التنبيه " [ص ٦٨]: (وإن خرج إلى المنارة الخارجة من المسجد .. لم يضره) محله: أن يخرج للأذان، ويكون مؤذنًا راتبًا، وتكون المنارة مبنية للمسجد، وقد ذكر الأولين " المنهاج " بقوله [ص ١٨٩]: (ولا بخروج المؤذن الراتب إلى منارةٍ منفصلةٍ عن المسجد للأذان في الأصح) و" الحاوي " بقوله [ص ٢٣٢]: (وأذان الراتب) ويرد عليهما الشرط الثالث، ويشترط أيضًا: كونها قريبة من المسجد، واستغنى بعضهم عن هذا باشتراط كونها مبنية له؛ لأن المبنية له لا تكون بعيدة منه غالبًا، والله أعلم. ١٣٦٩ - قول " التنبيه " فيما لا يقطع التتابع [ص ٦٨]: (وَأَدَاءُ الشهادة التي تعينت عليه) أي: أداؤها، وكذا تحملها، فإن لم يتعين عليه التحمل .. بطل على الصحيح. ١٣٧٠ - قول " التنبيه " [ص ٦٨] و" الحاوي " [ص ٢٣٢]: (وقضاء العدة) محله: ما إذا لم تكن بسبب من جهتها، فإن كانت " كما إذا قال: أنت طالق إن شئت، فقالت وهي معتكفة: شئت، فخرجت للعدة .. انقطع التتابع، كما صححه في " شرح المهذب " (٣)، ولم يستحضره في " المهمات "، فذكره بحثًا، وقال: الظاهر: أنه لا بد منه، وفي " الكفاية " عن القاضي أبي الطيب والماوردي أن الخلاف فيمن لم يفوض طلاقها إليها، فإن فوضه فطلقت نفسها .. انقطع جزمًا (٤)، وقال الفوراني: محل الخلاف: إذا لم يكن الزوج قد أذن لها في مدة مقدرة، فإن أذن لها كذلك، فمات قبلها: فإن قلنا: تقيم إلى انقضاءها فخرجت .. انقطع، وإلا .. فالقولان. ١٣٧١ - قول " التنبيه " [ص ٦٨] و" الحاوي " [ص ٢٣٢]: (والأكل) أي: لا يقطع الخروج له التتابع ولو أمكن في المسجد، واختار السبكي خلافه. ١٣٧٢ - قول " التنبيه " [ص ٦٨]: (والشرب) الأصح: الانقطاع إذا أمكن في المسجد. ١٣٧٣ - قول " الحاوي " [ص ٢٣٢]: (والحد) محله: ما إذا ثبت بالبينة، فإن ثبت بإقراره .. انقطع الاعتكاف. ١٣٧٤ - قول " المنهاج " - والعبارة له - و" الحاوي ": (ويجب قضاء أوقات الخروج بالأعذار

стр. 559

إلا أوقات قضاء الحاجة) (١) يستثنى أيضًا: زمن الأكل والوضوء والغسل، صرحوا به كما نقله في " المهمات ". ١٣٧٥ - قول " التنبيه " [ص ٦٨]: (وإن نذر اعتكاف يومين متتابعين .. ففي الليلة التي بينهما وجهان، أصحهما: أنه لا يلزمه) حكى الرافعي عن الأكثرين لزومه (٢)، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص ٢٣٢]: (وعشرة .. تناول الليالي إن شرط التتابع)، لكن الرافعي في نقله عن الأكثرين ألحق نية التتابع بشرطه، ثم حكى عن صاحب " المهذب " وآخرين: عدم وجوبه، ثم قال: والوجه: التوسط، فإن أريد بالتتابع: توالي اليومين .. فالحق: ما ذكره، وإن أُريد: تواصل الاعتكاف .. فالحق: ما ذكره الأكثرون (٣)، وما ذكره بحثًا صرح به الدرامي، كما نقله في " شرح المهذب " (٤)، وما ذكره الرافعي هنا عن الأكثرين في نية التتابع يخالف ما سبق فيما لو نوى التتابع في اعتكاف شهر معين .. أنه لا يلزمه، كما تقدمت الإشارة إليه. وفي " الأم ": وإذا جعل لله عليه اعتكاف يومين .. دخل قبل الفجر، فيعتكف يومًا وليلة ويومًا إلا أن تكون له نية النهار دون الليل. انتهى (٥). ومقتضاه: لزوم الليلة وإن لم يشرط التتابع ولا نواه، وهو أحد الأوجه، ولم يحك الرافعي ترجيحه عن أحد. ١٣٧٦ - قوله: (ولا يعتكف العبد بغير إذن مولاه) (٦) يستثنى منه: ما لو نذر اعتكافًا في زمن معين بإذن سيده ثم باعه .. فليس للمشتري منعه منه؛ لأنه صار مستحقًا قبل ملكه، وله الخيار في فسخ البيع إن جهل ذلك، حكاه في " شرح المهذب " عن المتولي، وأقره (٧)، وقياسه: أن تكون الزوجة كذلك إلا في ثبوت الخيار، والله أعلم.

стр. 560

كتابُ الحَجّ ١٣٧٧ - قول " المنهاج " [ص ١٩٠]: (وشرط صحته: الإسلام) لو قال: (صحتهما) ليعود على العمرة أيضًا .. لكان أحسن، وقد يقال: الضمير عائد على ما تقدم، وهو تكلف، وعبارة " الحاوي " [ص ٢٣٤]: (وشرطهما: الإسلام)، فهي أحسن من هذا الوجه، ومن جهة دلالتها على أن الإسلام شرط الصحة وشرط الوجوب؛ ولذلك استَغْنَى عن ذكره في شروط الوجوب. وهل المراد: الإسلام حكمًا أو اعتقادًا؟ حكى في "البحر" عن والده: أن صبيًا لو اعتقد الكفر، فلم يحكم بكفره لكونه تابعًا لأبويه في الإسلام، فحج أو اعتمر .. أن الأصح عنده: الصحة؛ لأن اعتقاده لم يجعله كافرًا، وحكمه حكم المسلم، وليس الحج مما يبطل بنية الإبطال حتى يجعل اعتقاده الكفر كنية إبطاله، قال الروياني: وعندي أنه لا يصح؛ لأن اعتقاده يضاد نية القربة (١). وقال بعضهم: يشترط لصحتهما أيضًا: العلم، فلو جرت أفعال النسك اتفاقًا من غير عالم بالنسك ولا بالإحرام .. لم يصح. انتهى. وما أدري كيف يجيء الاتفاق مع قصد الإحرام، ولا يحتاج في بقية الأركان إلى نية تخصه؟ فإن أريد بذلك: العلم بوجوبها .. فهذا غير شرط؛ إذ الكلام في الصحة خاصة. ١٣٧٨ - قول " التنبيه " [ص ٦٩]: (فإن كان مميزًا .. أحرم بإذن الولي، وإن كان غير مميز .. أحرم عنه أحد أبويه) فيه أمور: أحدها: أنه أطلق الولي في الإذن للمميز، وقيد في الإحرام عن غير المميز بأحد الأبوين، والذي في كلام الأصحاب: التسوية بينهما، فالذي يحرم عن غير المميز هو الآذن للمميز، والأصح: أنه ولي ماله؛ أبًا كان أو جدًا أو صبيًّا أو حاكمًا أو قَيِّمَهُ؛ ولذلك عبر " الحاوي " بـ (المتصرف في ماله) (٢)، وأطلق " المنهاج " الولي (٣)، وهو محمول على ما ذكرناه، وحينئذ .. فلا تُحْرِم عنه الأم إلا إن كانت وصية. ثانيها: أن كلامه يقتضي أن الولي لا يحرم عن المجنون؛ لأنه لم يذكر ذلك إلا في الصبي، وأطلق قبل ذلك في المجنون أنه لا يجب عليه، ولا يصح منه، وظاهره نفي الصحة عن المباشرة وغيرها؛ بدليل أنه ذكر بعده أنه يصح من الصبي، وفصل في مباشرته ذلك بين المميز وغيره،

стр. 561

والأصح: أن الولي يُحرِم عن المجنون أيضًا، وقد صرح به " المنهاج " (١)، وهو داخل في قول " الحاوي " [ص ٢٣٤]: (فيحرم عن غير المكلف). وخرج بتعبيرهم: العبد، وقد قال الإمام: ليس للسيد الإحرام عنه إن كان بالغًا (٢)، وقال ابن الرفعة: القياس في الصغير أنه كتزويجه، وَرُدَّ بأن الوصي والقاضي يُحرِمان عن الصبي وإن لم يزوجاه؛ تمرينًا وتحصيلًا للثواب من غير لزوم مال، وفي " المهمات ": أن في " الأم " الجزم بالصحة مطلقًا، فقال: (وإذا أُذِنَ للملوك بالحج أو أَحَجَّهُ سيده .. كان حَجُّهُ تطوُّعًا)، هذا لفظه، وأَحَجَّهُ معناه: صيره حاجًا (٣). ثالثها: أنه يقتضي أن الولي لا يُحرِم عن المميز، وكذا يقتضيه تقييد "المنهاج " الصبي بغير المميز، لكن الأصح: أن للولي الإحرام عن المميز أيضًا، وهو داخل في تعبير " الحاوي " بغير المكلف. رابعها: أنه يفهم أنه لا يصح إحرام غير الولي عنه، والأصح من زوائد " الروضة ": أنه لو أذن الولي لمن يُحْرِم عنه .. جاز (٤)، وهذا وارد على " المنهاج " و" الحاوي " أيضًا. خامسها: مقتضى تعبيرهم بالإحرام عنه: أنه يقول: (أحرمت عنه)، وهو أحد وجهين، ثانيهما: أنه يقول: (أحرمت به)، قال الماوردي: والخلاف مبني على اشتراط كون الولي حلالًا (٥). قلت: ومقتضى هذا: تصحيح ما اقتضته عبارتهم؛ لأن الأصح: أنه لا يشترط كون الولي حلالًا، وقد يفهم من قول " المنهاج " [ص ١٩٠]: (فللولي أن يُحْرِم عن الصبي الذي لا يميِّز والمجنون): أن الولي يستقل بمباشرة جميع الأفعال، وليس كذلك، بل يجب إحضاره المواقف كعرفة وغيرها، ويأمره بما يطيق فعله كالرمي ونحوه، فيناوله الأحجار ليرمي بها إن قدر، وإلا .. رمى عنه، ويطوفه إن قدر، وإلا .. طاف عنه؛ ولذلك قال " التنبيه " [ص ٦٩]: (وفعل عنه وليه ما لا يتأتى منه)، و" الحاوي " [ص ٢٣٤]: (ويحضره المواقف، ويأمره مقدُورَه) وقد يقال: فهم ذلك من اقتصار " المنهاج " على الإحرام؛ ولذلك كان أحسن من تعبير " المحرر " بقوله: (أن يحج) (٦) لتناوله العمرة، ولكونه لا يشمل جميع الأركان. ١٣٧٩ - قول " التنبيه " [ص ٦٩]: (ونفقته في الحج وما يلزمه من الكفارة في ماله في أحد القولين، وفي مال الولي في الآخر) فيه أمور:

стр. 562

أحدها: أنه أطلق الخلاف، ومحله كما قال النووي في " شرح المهذب ": في الزائد على نفقة الحضر (١)، وكذا صوره الرافعي هنا، لكنه حكى في (قسم الصدقات) وجهين في أن الولي يضمن الكل أو الزائد، كما في القدر المعطى لابن السبيل أو الغازي (٢)، وبتقدير صحة الأول .. فقد يقال: إن في قوله: (في الحج) إشعارًا به. ثانيها: ومحله أيضًا: إذا أحرم بإذن الولي، فإن أحرم بغير إذنه وجوزناه .. فالفدية في مال الصبي قطعًا. ثالثها: ومحله أيضًا: إذا لم يتسبب الولي في وجوب الكفارة، فإن تسبب: فإن لم يكن لمصلحة ترجع للصبي؛ كما إذا فوته الحج .. فعلى الولي قطعًا، وإن كان لمصلحة ترجع إليه؛ كتطييبه لمداواةٍ .. فطريقان، أصحهما: تخريجه على ما لو طيب الصبي نفسه، وفيه خلاف مبني على أن عمده عمد أو خطأ؛ فإن قلنا: عمد .. وجبت، وإلا .. فلا. رابعها: الأظهر: أنه في مال الولي؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص ٢٣٥]: (وزيادة النفقة ولازم الأحرام على الولي). خامسها: لا معنى للتقييد بالحج؛ فالعمرة كذلك، وهي داخلة في عموم عبارة " الحاوي ". سادسها: كان ينبغي أن يقول: (وما يلزم) كقول " الحاوي " [ص ٢٣٥]: (ولازم الإحرام)، فكيف يجتمع قوله: (يلزمه) مع قوله: (إنه في مال الولي في أحد القولين)؟ وأجيب عنه: بأن الكفارة تلزم الحاج، وهو الصبي، وتجب في مال الولي، فمحل إيجابها: الحاج، فلا كفارة على غيره، ومحل وجوبها: مال الولي على قول مرجح. ١٣٨٠ - قول " المنهاج " [ص ١٩٠]: (وإنما تصح مباشرته من المسلم المميِّز) يتناول الصبي، ولكن شرطه: إذن الولي، فإن لم يأذن له .. لم يصح، وقد ذكره " التنبيه " و" الحاوي " (٣). ١٣٨١ - قول " المنهاج " [ص ١٩٠]: (وإنما يقع عن حجة الإسلام بالمباشرة إذا باشره المكلَّفُ الحرُّ) لو قال: (فرض الإسلام) كما في " الحاوي " (٤) ليتناول العمرة .. لكان أولى، واعترض قوله: (بالمباشرة) بأنه لا فائدة له، وأن الأحسن: أن يقول: (إذا باشره المكلف الحر لنفسه أو نيابة عن مثله)، والمراد: التكليف في الجملة، لا التكليف بالحج خاصة. ١٣٨٢ - قول " التنبيه " [ص ٦٩]: (فإن بلغ الصبي وعتق العبد قبل الوقوف في الحج وقبل

стр. 563

الطواف في العمرة .. أجزأهما عن حجة الإسلام وعمرته) كذا إذا وجد ذلك في أثناء الوقوف أو بعده والوقت باق، فعاد إلى الموقف، قال في " الحاوي " [ص ٢٣٥]: (ويعيد السعي) أي: إن سعى عقب طواف القدوم قبل الكمال، والمجنون إذا حج عنه الولي ثم أفاق .. كالصبي. ١٣٨٣ - قول " المنهاج " [ص ١٩٠]: (وشرط وجوبه: الإسلام)، وقول " الحاوي " [ص ٢٣٤]: (وشرطهما: الإسلام) لتناوله الوجوب كما تقدم، مثل قول " التنبيه " [ص ٦٩]: (ولا يجب إلا على حر مسلم) لكنه قال بعد ذلك: (وأما المرتد: فإنه يجب عليه، ولا يصح منه) (١) فلو لم يَحْصُر أولًا .. لكان أولى، وفائدة وجوبه على المرتد: أنه لو استطاع في ردته ثم أسلم وهو معسر واستمر به الإعسار للموت، أو زال قبيل موته بحيث لم يتمكن معه من الحج .. فإنه يستقر في ذمته، ويُقضى عنه من تركته، بخلاف الأصلي إذا استطاع ثم أسلم معسرًا .. فإنه لا يستقر حتى يستطيع في الإسلام، ولعل مرادهم: الوجوب مع الصحة. وحذف النووي في " الروضة " تقييد الرافعي الكافر بكونه أصليًا، وهو معترض، قال في " المهمات ": واعلم أن شرط الوجوب: ملك المال، وفي ملك المرتد أقوال، فتتخرج هذه المسألة عليها، وبه صرح الروياني في " البحر " (٢)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الحرية التي يتوجه الإيجاب معها ويسقط الحج بها عن فرض الإسلام قطعًا هي الحرية المستقرة، فلو كانت حرية بصدد الزوال باحتمال؛ كالعتيق في المرض .. فهل يجب عليه عند الاستطاعة؟ يظهر تخريجه على تزويج القريب العتيقة في مرض الموت. ١٣٨٤ - قول " المنهاج " [ص ١٩٠]: (وقيل: إن لم يكن له ببلده أهلٌ وعشيرةٌ .. لم نشترط نفقة الإياب) فيه أمران: أحدهما: كان ينبغي التعبير بـ (أو) فإن وجود أحدهما - إما الأهل وإما العشيرة وفقد الآخر - كاف في الجزم باشتراط نفقة الإياب، كما نقل النووي في " شرح المهذب " الاتفاق عليه، واقتضاه كلام الرافعي (٣). ثانيهما: لو قال: (مؤنة الإياب) .. لكان أحسن؛ ليتناول الراحلة، وأصح احتمالي الإمام عنده وعند الغزالي: اختصاص الوجهين بما إذا لم يكن له ببلده مسكن، فإن كان .. فلا يجيء الوجه الثاني (٤).

стр. 564

واعلم: أن الذي يقتضيه كلامهم في (الوقف) و (الوصية) أن الأهل: من تلزمه نفقته من زوجة وقريب، والعشيرة: الأقارب من قبل الأب أو الأم، ومقتضاه: أنه لا يلتحق بهم الموالي من أعلى ولا من أسفل، قال في " المهمات ": وفيه نظر. ١٣٨٥ - قول " المنهاج " - والعبارة له - و" الحاوي ": (وإن قصُرَ وهو يكسب في يومٍ كفايةَ أيابم .. كُلّفَ) (١) ليس فيه ضبط الأيام، ويتبادر إلى الفهم أن أقلها: ثلاثة، قاله شيخنا ابن النقيب (٢)، واستنبط شيخنا الإسنوي من تعليل الرافعي بأنه ينقطع عن الكسب في أيام الحج: أنها ستة، وهي أيام الحج من أول الثامن إلى آخر الثالث عشر (٣). ١٣٨٦ - قول " التنبيه " في المستطيع بنفسه [ص ٦٩]: (وأن يكون واجدًا لراحلة تصلح لمثله إن كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة) مفهومه أنه لا يشترط وجودها فيمن هو دون مسافة القصر، ومحله: فيمن هو قويٌّ على المشي، كما ذكره " المنهاج " و" الحاوي " (٤)، فإن ضَعُف؛ بأن لحقه بالمشي ضرر ظاهر .. فهو كالبعيد، ويشترط أيضًا فيمن تلحقه بركوب الراحلة مشقة شديدة: وجود محمل وشريك يجلس في الشق الآخر، وقد ذكره " المنهاج " و" الحاوي" (٥) أي: وإن قدر على مؤنة المحمل بتمامه، وعلله في " الوسيط " بأن بدل الزيادة خسران لا مقابل له (٦)، قال في " المهمات ": ومقتضاه: أن المحتاج إليه من زاد وغيره يقوم مقام الشريك، وكلام كثير يقتضي تعيين الشريك، وليس توجيهه ببعيد، وفي " الروضة " وأصلها عن المحاملي وغيره إطلاق اعتبار المحمل للمرأة من غير تقييد بمشقة، وعن ابن الصباغ: أنه لو لحقه مشقة شديدة بركوب المحمل .. اعتبر في حقه الكنيسة؛ أي: بالنون، وهي الأخشاب الساترة فوق المحمل (٧). ١٣٨٧ - قول "التنبيه" [ص ٦٩]: (وقضاء دين إن كان عليه)، قال النسائي: لعله أخرج ما يستقرضه ونحوه، وإلا .. فالدين حقيقة ما عليه (٨)، وقال في " التوشيح ": إنه وهم؛ فذاك حقيقة دينية لا حقيقة مطلق الدين، كما أن قيامك حقيقة في الحال لا مطلق القيام. انتهى.

стр. 565

وقد يقال: احترز به عن المؤجل، لكن المنقول: أنه كالحال؛ ولذلك أطلق " المنهاج " الدين (١). ١٣٨٨ - قول " المنهاج " [ص ١٩١]: (ومؤنة من عليه نفقتهم) أحسن من تعبير " المحرر " و" الحاوي " بالنفقة (٢)؛ لأن المؤنة تشمل الكسوة والسكنى والإخدام والإعفاف، وغير ذلك، لكن كان ينبغي التعبير به في الموضع الثاني أيضًا، فيقول: (من عليه مؤنتهم) لأن قريبه قد لا يعجز عن النفقة ويعجز عن غيرها من المؤن .. فتجب، ولم يذكر " التنبيه " ذلك، واستنبطه في " الكفاية " من اعتبار الدين؛ فإنه مقدم عليه، وليس في كلامهم منعه من الحج حتى يترك لهم نفقة الذهاب والإياب، وقد صرح به الدارمي في " الاستذكار ". ١٣٨٩ - قولهم - والعبارة لـ" المنهاج " -: (والأصح: اشتراط كونه فاضلًا عن مسكنه وعبدٍ يحتاج إليه لخدمته) (٣) يستثنى منه: لو كان المسكن والعبد نفيسين لا يليقان بمثله، ولو أبدلهما لَوَفَّى التفاوت بمؤنة الحج .. فإنه يلزمه، قال الرافعي: كذا أطلقوه هنا، لكن في لزوم بيعهما في الكفارة إذا كانا مألوفين .. وجهان، ولا بد من عودهما هنا (٤)، وقال في " الشرح الصغير ": وقد يفرق بأن الحج لا بدل له وللعتق في الكفارة بدلًا، وكذا فرّق النووي (٥). قال في " المهمات ": وينتقض بالمرتبة الأخيرة من الكفارة؛ فإنه لا بدل لها، وأيضًا فالفطرة لا بدل لها مع أنها كالحج، كما نقله هو عن الإمام (٦)، قال في " المهمات ": والجارية النفيسة المألوفة كالعبد إن كانت للخدمة، فإن كانت للاستمتاع .. لم يكلف بيعها، قال: وهذا التفصيل لم أره، ولا بد منه، قال: وكلامهم يشمل المرأة المكفية بإسكان الزوج وإخدامه، وهو متجه؛ لأن الزوجية قد تنقطع فيحتاج إليهما، وكذا المسكن للمتفقهة الساكنين بيوت المدارس، والصوفية بالربط ونحوها. واعترض على تعبير " التنبيه " بقوله [ص ٦٩]: (وأن يكون ذلك فاضلًا عما يحتاج إليه من مسكن، وخادم إن احتاج إليه) في تكرير الاحتياج. وأجيب عنه: بأن المذكور أولًا بيان لما يشترط أن يكون فاضلًا عنه، وقوله: (من مسكن) على إطلاقه؛ لأن كل أحد يحتاج إلى المسكن، وقوله: (وخادم) لا يصلح بيانًا، فرب من لا يحتاج إلى الخادم، فقيده، فإذًا كلامه إطلاقًا
следующие страницы →