وفتى أبي ليلى وقول قريعهم ... زفر القياس أخى الحجاج الأنظر
وحطمت قول الشافعي وصحبه ... ومقالة ابن علية لم تصحر
ألزقت قولهم الحصير فلم يجز ... عرض الحصير فإن بدا لك فاشبر
والمالكية بعد ذكر شائع ... أخملتها فكأنها لم تذكر
ثم ذكر إكراه علماء مصر على القول بخلق القرآن وغير ذلك، راجع كتاب (قضاة مصر) ص ٤٥٢.
رابعاً: غلبت الأعاجم على الدولة فتعصبوا لمذهبكم لعلة في سبيلها وما فيه من التوسع في الرخص والحيل!
خامساً: تتابعت دول من الأعاجم كانوا على هذه الوتيرة.
سادساً: قام أصحابكم بدعاية لا نظير لها واستحلوا في سبيلها الكذب حتى على النبي ﷺ ، كما نراه في كتب المناقب.
سابعاً: تمموا ذلك بالمغالطات التي ضرب فيها الكوثري المثل الأقصى في (التأنيب) كما شرحت أمثلة من ذلك في (الطليعة) وفي هذا الكتاب، ومر بعضها في هذه الترجمة نفسها.
فأما النضج الذي يدعيه الأستاذ فيظهر نموذج منه في قسم الفقهيات، بل في المسألة الأولى منها!
وقد كان خيراً للأستاذ ولأصحابه ولنا وللمسلمين أن يطوى الثوب على غزة ويقر الطير على مكناتها ويدع ما في (تاريخ بغداد) مدفوناً فيه ويذر النزاع الضئيل بين مسلمي الهند مقصورا عليهم ويتمثل قول زهير:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وماهر عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا أضريتموها فتضرم
стр. 457
فتعرككم عرك الرحى بثفالها ... وتلقح كشحا ثم تنتج فتتم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم
وقد جرني الغضب للسنة وأئمتها إلى طرف مما أكره، وأعوذ بالله من شر نفسي وسيء عملي، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
ومن أحب الوقوف على فضائل الثوري والأوزاعي فليراجع تراجمهما في (تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم، و (تهذيب التهذيب) وغير ذلك، ولنتبرك بذكر طرف منها: قال شعبة وابن عيينة وابن معين وغير واحد من الأئمة: «سفيان أمير المؤمنين في الحديث» وقال عبد الله بن المبارك: «كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان» ، ثم قال: «ما رأيت من سفيان» . وقال عبد الله بن داود الخريبي: «ما رأيت أفقه من سفيان» .
وقال أبو إسحاق الفزاري: «ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعي والثوري ... ولو خيرت لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي.. وكان والله إماماً إذ لا نصيب اليوم إماما» . وقال ابن المبارك: «لو قيل لي أختر لهذه الأمة لاخترت الثوري والأوزاعي، ثم لاخترت الأوزاعي لأنه أرفق الرجلين» وقال الخريبي: «كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه» .
٩٩- سفيان بن عيينة . شارك الثوري في بعض الكلمات التي نقمها الأستاذ، ولا حاجة لذكر ذلك هنا ولعلك ترى طرفا منه في مواضعه، وأكتفي بالنظر فيما ذكره الأستاذ في (الترحيب) ص ٢٧ قال: «لم أذكر في (التأنيب) أن سفيان بن عيينة نفسه كان قد اختلط قبل وفاته بسنة أو أكثر فيمكن أن يقع منه هذا التخليط في عام الاختلاط» .
стр. 458
أقول: قال الذهبي في (الميزان) : «روى محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن يحيى بن سعيد القطان قال: أشهد أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة فمن سمع منه فيها فسماعه لاشيء ... قلت: سمع منه فيها محمد بت عاصم صاحب ذاك الجزء العالي، ويغلب على ظني أن سائر شيوخ أئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع، وأما سنة ثمان وتسعين ففيها مات ولم يلقه أحد فيها لأنه توفي قبل قدوم الحاج بأربعة أشهر؛ وأنا استبعد هذا الكلام من القطان وأعده غلطاً من ابن عمار، فإن القطان مات في صفر من سنة ثمان وتسعين وقت قدوم الحاج، ووقت تحدثيهم عن أخبار الحجاز، فمتى يمكن يحيى بن سعيد من أن يسمع اختلاط سفيان ثم يشهد عليه بذلك والموت قد نزل به؟ فلعله بلغه ذلك في أثناء سنة سبع مع أن يحيى متعنت جداً في الرجال، وسفيان فثقته مطلقا والله أعلم» . قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب) : «ابن عمار من الإثبات المتقين وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة ممن حج في تلك السنة واعتمد قولهم وكانوا كثيراً فشهد على استفاضتهم؟ وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئاً يصلح أن يكون سبباً لما نقله عن ابن عمار في حق ابن عيينة، وذلك ما أورده أبو سعيد ابن السمعاني في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن من (ذيل تاريخ بغداد) بسند له قوي إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث وتحدث اليوم وتزيد في إسناده أو تنقص منه؟ فقال: عليك بالسماع الأول فإني قد سئمت. وقد ذكر أبو معين الرازي في زيادة (كتاب الإيمان) لأحمد أن هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره باخرة، وإن سليمان بن حرب قال له: إن ابن عيينة أخطأ في عامة حديثه عن أيوب» .
أقول: كان ابن عيينة بمكة والقطان بالبصرة ولم يحج القطان سنة فلعله حج سنة ست فرأى ابن عيينة قد ضعف حفظه قليلا فربما أخطأ في بعض مظان الخطأ من الأسانيد وحينئذ سأله فأجابه كما أخبر بذلك عبد الرحمن بن بشر ثم كأنه بلغ القطان في أثناء سنة سبع أو أوائل سنة ثمان أن ابن عيينة اخطأ في حديثين فعد
стр. 459
ذلك تغيرا أطلق كلمة «اختلط» على عادته في التشديد.
وقد كان ابن عيينة أشهر من نار على علم فلو اختلط الاختلاط الاصطلاحي لسارت بذلك الركبان وتناقله كثير من أهل العلم وشاع وذاع وهذا (جزء محمد بن عاصم) سمعه من ابن عيينة في سنة سبع ولا نعلمهم انتقدوا منه حرفا واحدا فالحق أن ابن عيينة لم يختلط ولكن كبر سنه فلم يبق حفظه على ما كان عليه فصار ربما يخطئ في الأسانيد التي لم يكن قد بالغ في إتقانها كحديثه عن أيوب والذي يظهر أن ذلك خطأ هين ولهذا لم يعبا به أكثر الأئمة ووثقوا ابن عيينة مطلقا.
ومع هذا فالحكاية التي تكلم فيها الأستاذ هي واقعة جرت لابن عيينة أخبر بها وليس ذلك من مظان الغلط وراويها عنه إبراهيم بن بشار الرمادي من قدماء أصحابه قال أبو عوانة في (صحيحه) ج ١ ص ٣٦٥: «كان ثقة من كبار أصحاب سفيان وممن سمع قديما منه» .
ومناقب ابن عيينة في الكتب المشار إليها في ترجمة الثوري وغيرها ومن ذلك قال ابن وهب صاحب الإمام مالك: «ما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله من ابن عيينة» وقال الشافعي: «ما رأيت أحدا من الناس فيه من آلة العلم ما في ابن عيينة وما رأيت أحدا أكف عن الفتيا منه» وقال أحمد: «ما رأيت أحدا علم بالقرآن والسنن منه» .
١٠٠- سفيان بن وكيع . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٩ عنه قال: «جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة فجلس إلينا فقال: سمعت أبي حماد يقول بعث ابن أبي ليلى إلى أبي حنيفة فسأله عن القرآن فقال: مخلوق ... .» قال الأستاذ ص ٥٧ «كان وراقه كذبا يدخل في كتبه ما شاء من الأكاذيب فيرويها هو فنبهو هـ على ذلك وأشاروا عليه أن يغير وراقه فلم يفعل فسقط عن مرتبة الاحتجاج عند النقد» .
أقول: حسن الترمذي بعض أحاديثه وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال:
стр. 460
«كان شيخا فاضلا صدوقا إلا إنه ابتلى بوراق سوء ... وهو من الضرب الذين لأن يخر أحدهم من السماء أحب إليهم من أن يكذبوا على رسول الله ﷺ » . وذكر له ابن عدي خمسة أحاديث معروفة إلا أن في أسانيدها خللا ثم قال: «إنما بلاؤه أنه كان يتلقن، يقال: كان له وراق يلقنه من حديث موقوف فيرفعه أو مرسل يوصله أو يبدل رجلا برجل» والحكاية التي ساقها الخطيب ليست من مظنة التلقين ولا من مظنة الإدخال في الكتب فإذا صح أن هذا الرجل صدوق في نفسه لم يكن في الطعن فيه بقصة الوراق فائدة هنا واكبر ما في الحكاية قول أبي حنيفة المقالة المذكورة والأستاذ يثبت ذلك ويتبجح به.
١٠١- سلام بن أبي مطيع . مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة سعيد بن عامر. قال الأستاذ ص ١٠٩: «قال ابن حبان لا يجوز أن يحتج بما ينفرد به. وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة وسوء الحفظ» .
أقول هذا الرجل من رجال (الصحيحين) منسوب إلى العقل لا إلى الغفلة فكأن الحاكم صحف، قال أبو داود: «كان يقال هو أعقل أهل البصرة» وقال البزار: «كان من خيار الناس وعقلائهم» وقال أحمد وأبو داود: «ثقة» . وقال ابن عدي: «لم أر أحداً من المتقدمين نسبة إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث ليست بمحفوظة وهو مع ذلك كله لا بأس به» .
فكأن ابن حبان رأى بعض حديثه عن قتادة غريباً فأطلق، وروايته هنا هنا ليست عن قتادة، وإنما هي قصة جرت لأيوب شهدها سلام وليس ذلك من مظنة الغلط. راجع ص٩.
١٠٢- سلامة بن محمود القيسي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٤ عنه «حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو قال سمعت أبا مسهر يقول كان أبو حنيفة رأس المرجئة» قال الأستاذ ص ٤٤٥ «من الزهاد المستثنين في كل شيء إلا في مثل هذا» !
стр. 461
أقول: يعني أن الرجل منهم كان إذا قال: أنا مؤمن. قال: إن شاء الله. وليس هذا بقادح، وقد ذكرت هذه المسألة في قسم الاعتقاديات (١) .
١٠٣- سلمة بن كلثوم . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٧ من طريق أبي توبة «حدثنا سلمة بن كلثوم وكان من العابدين في أصحاب الأوزاعي أحيا منه قال: قال الأوزاعي لما مات أبو حنيفة: الحمد لله إن كان لينقض الإسلام عروة عروة» قال الأستاذ ص ١٠٩: «يقول عنه الدارقطني: كثير الوهم» .
أقول عبارة الدارقطني على ما في (التهذيب) «يهم كثيراً» وليست حكايته هذه مظنة للوهم، وقد توبع عليها. وراجع ص ٩. وقال أبو اليمان «كان يقاس بالأوزاعي» . (٢)
١٠٤- سليمان بن عبد الله . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٢ من طريق «أحمد بن مهدي حدثنا أحمد إبراهيم حدثني سلم (وفي طبعة الهند: سليمان) بن عبد الله حدثتا جرير عن ثعلبة ... » وفيه (١٣ / ٣٩٨) مثل هذا السند وفيه «سليمان بن عبد الله» باتفاق النسخ، قال الأستاذ ص ٦٥: «واه إن كان سلم بن عبد الله الزاهد، وليس بشيء إن كان سليمان ابن عبد الله الراقي، وإن كان غيرهما فمجهول» وقال ص ١١٠: «هو أبو وليد الرقي قال ابن معين: ليس بشيء» .
أقول ذكر الذهبي في (الميزان) سليمان بن عبيد الله أبا أيوب الرقي، وذكر قول ابن معين «سليمان بن عبيد الله الرقي ليس بشيء» وذكر قبله بتراجم «سليمان بن عبد الله أبو الوليد القي قال ابن معين: ليس بشيء تعقبه ابن حجر في (اللسان) في هذا فقال: «ما أعلم أن هذا غير أبي أيوب أم لا؟ بل لعله هو فقد ذكر المؤلف
стр. 462
في ترجمته قول ابن معين هذا» . وابن حجر واسع الإطلاع وقد استدرك على الذهبي عدة أو هام، ويظهر أن الذهبي كان إذا ظفر باسم في مطالعاته قيده في مذكراته ليلحقه في موضعه من (الميزان) فقد يقع التصحيف والوهم إما من المأخذ نقل عنه الذهبي وغما من سرعة كتابة الذهبي في مذكرته.
وعلى كل حال فقد جازف الأستاذ بجزمه أن الواقع في السند هو هذا الذي ذكره الذهبي لأنه إن كان هذا الذي ذكره الذهبي لا وجود له فواضح، وإن كان موجوداً فلا يدري في أي عصر كان، وعمن روى، ومن روى عنه، وليس هو من بلد أحمد بن إبراهيم، ولا من بلد جرير، وهذا الاسم «سليمان بن عبد الله» ليس بغريب حتى يقل الاشتراك فيه. أرأيت لو قال قائل: بل المذكور في السند هو سليمان بن عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله ابن محمد بن سليمان أبي داود الحراني لأنه موجود قطعاً وكان في تلك الطبقة قطعا ألا يكون هذا أقرب من قول أبي داود الحراني لأنه موجود قطعاً وكان في تلك الطبقة قطعاً ألا يكون هذا أقرب من قول الأستاذ ويقول: هذا سعي في تصحيح المثالب التي يأبى العقل صحتها. فنقول له إن كان العقل الذي يعرفه الناس فلا يضرك معه أن يكون هذا الواقع في السند هو الحراني أو هو أثبت منه لأن الخبر المخالف للعقل لا يقبل ولو من الثقة كما ذكرته أنت في (الترحيب) ، وإذا تفرد الثقة بما لا يقبل حمل على الخطأ واسترحت منه. وإن كان المراد بالعقل ما يسميه الناس الهوى فليس لك أن تتبعه، فإن لم تستطع إلا اتباعه فعلى الأقل لا ترم بدائك من هو أقرب إلى الحق منك، فإن صح أن له هوى مضادا لهو اك وتنكر على من خالفك أن تجحده بقلبك وإن جحدته بلسانك، كأن يقال إن المتنين المرويين بهذا السند قد رويا وما في معناهما من طرق أخرى قوية قد ذكرتها أنت أو بعضها في (تأنيبك) . بل لعل أحدهما متواتر التواتر في اصطلاح أهل العلم لا في اصطلاحك الخاص إن أحسنا الظن بك، فإنك تطلق كلمة «متواتر» على ما يشتهر في كتب المناقب وإن كان أصله مما لا تقوم به الحجة!
стр. 463
١٠٥- سليمان بن عبد الحميد البهراني . ذكر الخطيب من طريقة حكاية في ترجمة محمد بن الحسن فقال الأستاذ ص ١٨٦ «مختلف فيه يقول النسائي عنه: كذاب ليس بثقة» .
أقول: قد أحسن الأستاذ بقوله «مختلف فيه» فإن سليمان هذا وثقه مسلمة وقال ابن أبي حاتم: «هو صديق أبي كتب عنه، وسمعت منه بحمص وهو صدوق» وروى عنه أبو داود وهو لا يروى إلا عن ثقة عنده كما مر في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم. وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «كان ممن يحفظ الحديث ويتنصب» والنسائي ﵀ نسب إلى طرف من التشيع وهو ضد التنصب فلعله سمع سليمان يحكي بعض الكلمات الباطلة التي كان يتناقلها أهل الشام في تلك البدعة التي كانت رائجة عندهم وهي النصب. وقد قال الأستاذ ص ٤٦٣: «فلا يعتد بقول من يقول: فلان يكذب. ما لم يفسر وجه كذبه ... » !
١٠٦- سليمان بن فليح . تقدمت من طريقة حكاية في ترجمة خالد القسري. وفي (تاريخ بغداد) ١٤ / ٢٥٦، من طريق «هارون بن موسى الفروي حدثني أخي عمران بن موسى قال حدثني عمي سليمان بن فليح قال حضرت مجلس هارون الرشيد ... » قال الأستاذ ص ٦٢: «قال أبو زرعة: لا أعرفه ولا أعرف لفليح ولداً غير محمد ويحيى» وذكر نحو ذلك ص ١٧٥ وزاد «قلت وله أيضاً موسى إلا أنه في عداد المجاهيل، وأما ما يقوله ابن حجر في (اللسان) من احتمال كون الاسم مقلوباً عن فليح بن سليمان فبعيد عن القبول والاحتمال ... فسليمان ابن فليح مجهول على كل حال فمجرد تصور شخص يغشى مجلس الرشيد ويرد على مثل أبي يوسف ولا تكون شخصيته معلومة عند أهل العلم سلفا وخلفا كاف في معرفة أن الخبر مختلق، والسند مركب» .
أقول في (الأغاني) ج ١٨ ص٧٣ من طريق «أبي محمد اليزيدي قال كان الرشيد جالسا في مجلسه فأتى بأسير من الروم فقال لذفافة العبسي: قم فاضرب عنقه
стр. 464
فضرب فنبا سيفه. فقال لابن فليح المدني: قم فاضرب عنقه. فضربه فنبا سيفه أيضاً. فقال: أصلح الله أمير المؤمنين تقدمتني ضربة عبسية ... » وفيها ج١٤ ص٥٩ «أخبرني الحرمي ابن أبي العلاء ثنا الزبير بن بكار عن عمه عن فليح بن سليمان المشهور توفي سنة ١٦٨ قبل ولاية الرشيد الخلافة، ولا أحسبه دخل بغداد، ولو دخلها لما كان له شأن بمروره مع خالصة في موكبها؛ ومع ذلك فليس هو من آل أبي فروة وهارون وعمران ابنا موسى لم أعرفهما؛ والأشبه والله أعلم أنه كان لفليح بن سليمان المعروف أربعة أبناء محمد ويحيى وموسى وسليمان وجهل أبو زرعة سليمان كما جهل موسى؛ ثم كان لموسى ابنان هارون وهو ابن فليح الذي ذكره اليزيدي وهو الواقع في رواية (الأغاني) الثانية باسم «فليح بن سليمان» أما أن يكون انقلب، وإما أن يكون الأصل «ابن فليح بن سليمان» فسقطت كلمة «ابن» . ولم يكن لسليمان هذا اعتناء برواية الحديث فيعرفه أهل الحديث وإنما كان كما قال أخوه «علامة بالناس» يعني بأخبارهم، ويشهد لذلك قوله في رواية اليزيدي «تقدمتني ضربة عبسية» يشير إلى قصة ورقاء بن زهير العبسي التي ذكرها الفرزدق في قوله:
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... تبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
وكان منقطعاً إلى خدمة الرشيد وآله، وكثير من هذا الضرب وممن هو أولى بالاشتهار منه لا نكاد نعرف عنهم شيئاً كما يأتي في ترجمة أبي جزي، ومثل هذا لا مانع أن تكون له دالة تجرئه على الكلام في مجلس الرشيد. وعلى كل حال فليس هو ممن يثبت بروايته خبر فان كان هناك ما يدفع صحة خبره كما يقول الأستاذ فالحمل عليه، ولا مسوغ للحكم على السند بأنه مركب، كما زعم الأستاذ. وراجع (الطليعة) ص ٢٧- ٢٨ و٩٣ - ٦٤.
١٠٧- سنيد بن داود . مرت حكايته وكلام الأستاذ فيه والجواب عن بعضه
стр. 465
في ترجمة حجاج بن محمد وبقي قول النسائي: غير ثقة» وقول أبي داود: «لم يكن بذلك» وقول أبي حاتم: «ضعيف» كذا في كتاب ابنه، وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في. لسان الميزان) ج ٢ ص ٤١٦ وقال الخطيب: «كان له معرفة بالحديث، وما أدري أي سيئ غمضوا عليه، وقد ذكره أبو حاتم في شيوخه الذين يروي عنهم فقال: بغدادي صدوق» . قال الخطيب: «كان له معرفة بالحديث وضبط» .
أقول: ما أراهم غمضوا عليه إلا ما تقدم في ترجمة حجاج، ولعل من شدد لم يتدبر القصة وقد تقدم الجواب الواضح عنها وكفى بقول حاكيها نفسه وهو الإمام أحمد: «كان سنيد لزم حجاجاً قديما، وقد رأيت حجاجاً يملي عليه، وأرجو أن لا يكون حدث إلا بالصدق» .
١٠٨- شريك بن عبد الله النخعي القاضي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٢ عمه: «كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى ... » وفيه ١٣ / ٣٨١ عن أحمد بن إبراهيم قال: «قيل لشريك استتيب أبو حنيفة؟ وقال: قد علم ذلك العوائق في خدورهن» ، وعن يحيى ابن آدم: «سمعت شريكاً يقول: استتيب من الزندقة مرتين» وعن أبي معمر (إسماعيل بن آبارهم معمر) قال: «قيل لشريك: مم استتبتم أبا حنيفة؟ قال: من الكفر» وفيه ٣/٣٩٧ عن شريك «لو كان في كل ريع من أرباع الكوفة خمار يبيع الخمر كان خيراً من أن يكون فيه من يقول بقول أبي حنيفة» قال الأستاذ ص ٤٠: «معروف أن شريكا كان له لسان ذلق لا واخذه الله وتشنيعه هذا تشنيع من لا يفرق بين مدلولي أو المعتزلة من حيث لا يعلم» وقال ص ٦١: «والتحقيق أن شريكا ثقة في الحديث لكنه طويل اللسان في الناس» وقال ص ٦٤: «الخبر كذب ملفق وخاصة بهذا اللفظ (استتبت أبا حنيفة) لأن شريكا إنما ولي القضاء بعد وفاة أبي
стр. 466
حنيفة بخمس سنين» وقال بعد ذلك: «كان يكون ممن لا يعرف ما هي الزندقة؟» وقال ص ١٠٨: «ولو فرضنا أن شريكا قال هذا لكان آذى نفسه ... لأن أبا حنيفة وأصحابه على قولهم المعروف في الأشربة غير الخمر كانوا يمنعون الناس من احتسائها بخلاف شريك ... فيكون شريك كأنه ما كان يعجبه منع أصحاب أبي حنيفة من احتساء النبيذ حتى نتمنى أن يكون في كل حي من الأحياء خمار لينتشي كما يشاء ... وشريك ممن عرف بطول اللسان وقد اضطربت أقواله في أبي حنيفة بين مدح وقدح، وقول أهل النقد فيه معروف، وحسابه على الله» .
أقول: أما القضية الأولى وهي في الارجاء فقد ذكرت المسألة في قسم الاعتقاديات. وأما حال شريك في نفسه فمن أجلة العلماء وأكابر النبلاء، فأما في الرواية فكثير الخطأ والغلط والاضطراب فلا يحتج بما ينفرد به أو يخالف، ونسبه الدارقطني وابن القطان وعبد الحق إلى التدليس. وأما قوله: «استتبت أبا حنيفة» وقولهم له «استتبتم أبا حنيفة؟» فلا مانع من صحته، وقد جاء نحو ذلك سفيان الثوري. وحقيقة الاستتابة أن يقال للرجل «تب» فقد يقول العالم وإن لم يكن قاضيا ولا أميراً ذلك لغيره، وقد يجتمع عالمان أو أكثر على واحد فيقولون له: «تب» وقد يهددونه بأنه إذا لم يتب رفعوه إلى الحاكم، وقد يحضر الحاكم بعض العلماء ويناورهم في رجل فيستتيبونه بحضرته. وهذا واضح جداً.
وأما ما قاله الأستاذ في قضية الأشربة فعبث ومقصود شريك واحد والنبيذ عند أهل العراق الذين يرخصون فيه ليس بخمر عندهم، وشريك إنما ذكر الخمار لا النباذ. ولو ذكر الأستاذ ما عنده عن شريك في المدح كما أشار إليه لكان أولى من ما ذكره هنا، بشرط أن يكون في روايته بعض القوة، ولكن الأستاذ يعرف بضاعته!
١٠٩- صالح بن أحمد . راجع (الطليعة) ص ١٢ - ١٨. ووقع في آخر
стр. 467
السطر السابع من صفحة ١٣ «أن» والصواب «ألاّ» ويزاد بعد السطر الثالث عشر هذه العبارة «والظاهر أنه جيء به إلى بغداد طفلا أو ولد بها فإن في ترجمته من (تاريخ بغداد) ذكر جماعة من شيوخه وكلهم عراقيون من أهل بغداد والبصرة ونواحيها أو ممن ورد على بغداد، وسماعه منهم قديم فمن شيوخه البغداديين يعقوب الدورقي المتوفى سنة ٢٠٢ ويوسف بن موسى القطان المتوفى سنة ٢٥٣، ومن البصريين محمد بن يحيى بن أبي حزم القطعي المتوفى سنة ٢٥٣ وصرح الخطيب في ترجمة فضلك الرازي بأن أبي مقاتل بغدادي، فلا شأن له من جهة السماع بهمذان ولا بهراة» ويبدل السطر الرابع من صفحة ١٥ بكلمة «بست وأربعين» فإن محمد بن عيسى بن عبد العزيز قتل سنة ٤٣٠ كما في ترجمته من (تاريخ بغداد) ج ٢ ص٤٠٦ وسقط هناك لفظ «عبد» خطأ كما لا يخفى وإن حاول الأستاذ أن يشكك فيه لإفلاسه، وفي (تاريخ بغداد) ١ / ٢١٤ «أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزار بهمذان قال سمعت أبا الفضل صالح بن أحمد بن محمد التميمي الحافظ يقول ... » . ووقعت في الترجمة من (الطليعة) أخطأ مطبعية لا بأس بأن أشير إليها هنا.
ص ١٢ س ٤: ١، و٢٠. ص ١٠: ابن أبي مقاتل. س ١٤: بصره كما قاله س ١٦: بمثل السند.
ص ١٣ س ٤: همذاني - همذانيان. س ٧: العادة إلا. س ١٢: همذاني.
ص ١٤ س ١١: أبو الفضل. س ١٤ عنها) ... وكان. س ١٥: ثبتا ... »
ص ١٥ س ١. ٥٩٢. س ٣: بست وأربعين.
ص ١٦ س ٥: الحذاء ... روى عنه. س ٦: الحافظ ... قال.
ص ١٧ س ١١: باثنتين.
стр. 468
هذا ولما كانت قضية صالح بن أحمد معها أول انتقاد أتى في (الطليعة) رأى الأستاذ أنه لا يجدر به السكوت عليها مهما كلفه الكلام من التعسف والتعجرف. وكنت ذكرت في (الطليعة) سبعة أوجه تبين أن صالح بن أحمد في السند هو أبو الفضل التميمي الهمذاني الحافظ الثقة المأمون لا ابن أبي مقاتل القيراطي المطعون فيه، فحاول الأستاذ في (الترحيب) الاعتراض على الثلاثة الأوجه الأولى بما حاصله أن كلاً منها لا يقتضي البت.
فأقول: ما منها إلا ما لو بنيت الحكم عليه وحده لصح، وراجع (فتح المغيث) للسخاوي ص ٤٤٩ طبعة الهند فكيف بسبعة أوجه لعل تلك الثلاثة أضعفها، وقد قدمت هنا ما يؤيد تلك الأوجه. هذا وشيوخ القيراطي قدماء كما مر، وهو مرمي بسرقة الحديث، والباعث على سرقة الحديث هو الغرام بدعوى العلو، فمن حملة غرامه بالعلو على الكذب فكيف بعد سماعه من الذين توفوا سنة ٢٥٢ ينزل إلى الرواية عمن كان في تلك السنة طفلاً أو لم يولد؟ وهو القاسم بن أبي صالح المتوفى سنة ٣٣٨ فإن أقدم من سمي من شيوخ القاسم أبو حاتم الرازي المتوفى سنة ٢٧٧، بل لو روى القيراطي عن محمد بن أيوب شيخ القاسم في تلك الحكاية لكان نزولاً فإن محمد بن أيوب توفي سنة ٢٩٤.
ثم ذكر الأستاذ في (الترحيب) ص ٢٦ أنه قد سبقه إلى القول بأن صالح بن أحمد الواقع في السند هو القيراطي، الملك عيسى واللجنة الأزهرية التي علقت على الطبعة الثانية للمجلد الثالث عشر من (تاريخ بغداد) .
فأقول أما أنا فلم أكن وقفت على ذلك. وليس للأستاذ في ذلك عذر، إذ ليس هو ممن يقلد مثل من ذكره في هذه المواضع، وكلامه يدل على أنه لم يقلد، بل بحث ونظر، فغاية الأمر، أن يكون جرأه الغلط على التغالط، فيلحق ذلك بنظائره في (الطليعة) ص٥٢ -٦٦. وقد رد على عيسى واللجنة حيث لم يكن له هوى في الموافقة وذلك قوله ص ٥٦ من (التأنيب) : «وأبو مسدد قطن بن
стр. 469
إبراهيم ... وليس المراد قطن بن نسير كما ظن ذلك الملك المعظم، وما وقع في كتاب الملك المعظم المطبوع من ذكر (بشير) بدل (نسير) تصحيف آخر ومتابعة للواهم في (قطن) » .
ثم قال الأستاذ في (الترحيب) ص ٢٨: «ومع هذا لا مانع من قبول تحقيق الأستاذ اليماني في عد صالح بن أحمد في السند هو الموثق مقداراً بحثه ... » ثم عاد فأقام الحجة على أن في نفسه مانعاً فقال: «على أن صالح بن أحمد المضعف ... » وذكر في ص٢٩ أنه لا يبعد أن يكون بين محمد بن عيسى وبين صالح بن أحمد اسم راو سقط من الأصل. يعني فيكون محمد بن عيسى روى عن رجل عن صالح بن أحمد وسقط اسم الرجل.
أقول: هذا التجويز يدل على مبلغ اضطرار الأستاذ. وإنني لأعجب من عقليته الجبارة كيف يجمع بين هذا وأمثاله وبين التألم مما فهمه من (الطليعة) من نسبته إلى تعمد المغالطة؟! على أن هذا التجويز الذي استروح إليه لا يقتصر الحال على أنه لا دليل عليه، بل الدلائل قائمة على خلافة كما يعلم بتدبر ما في (الطليعة) وما هنا.
وتعرض الأستاذ لما ذكرته في (الطليعة) ص ١٩ - ٢٠ من أن الحكاية ثابتة أيضا من وجه آخر عن إبراهيم بن بشار يعرفه الأستاذ، فقال ص ٢٥ من (الترحيب) : «ولم يدر المسكين أن ذلك الخبر في السقوط بحيث لا يمكن أن يقوم على قدم فضلاً عن قدمين لاستحالة المتن» . كأن القيام على قدم أيسر عند الأستاذ من القيام على قدمين، وثبوت الخبر بسند أقوى من ثبوته بسندين!!! أما الاستحالة فقد مرَّ الكلام عليها في الفصل الثاني من المقدمة، وتقدم الإشارة إليها قريباً في ترجمة سليمان بن عبد الله.
ثم ذكر أن ابن أبي خيثمة نسب إلى القدر وكان مختصاً بعلي بن عيسى، وأن إبراهيم بن بشار متكلم فيه، وأن سفيان عيينة اختلط بأخرة.
стр. 470
فأقول: أما إبراهيم وسفيان فقد تقدمت ترجمتاهما، وأما ابن أبي خيثمة فقال الدارقطني «ثقة مأمون» وقال الخطيب: «كان ثقة عالما متقناً حافظاً» هكذا في (تذكرة الحفاظ) و (لسان الميزان) ووقع في (تاريخ بغداد) : «متفقا» بدل ... متقناً» وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) : «الحافظ الحجة الأمام» فأما القدر فلو ثبت عنه لم يضره كما سلف في القواعد فكيف وهو غير ثابت إذ لا يدري من الناس الذين نسبوه إليه؟ وما مستندهم في تلك النسبة؟ وقد قال الأستاذ ص ٥٦ في قول الحماني: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق. فقال الأستاذ: «قول الراوي: سمعت الثقة يعد كرواية عن مجهول وكذا الثقات» . (١)
وأما اختصاصه بعلي بن عيسى فالظاهر أن الفرغاني لم يذكرها على جهة الذم إذ ليس فيها ما يقتضيه فإن علي بن عيسى الوزير كان من خيار الوزراء مع مشاركته في العلم وعنايته بالعلماء واختصاص ابن أبي خيثمة إنما كان لعلقة العلم.
بعونه تعالى وتوفيقه تم الجزء الأول من «التنكيل»
ويليه الجزء الثاني، وأوله ١١٠
стр. 471
التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل
تأليف: العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٦٨)
الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
مع تخريجات وتعليقات
محمد ناصر الدين الألباني - زهير الشاويش - عبد الرزاق حمزة
الجزء الثاني
المكتب الإسلامي
стр. 472
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١١٠- صالح بن محمد التميمي الحافظ الملقب: «جزرة» ذكر الأستاذ ص ١٨٧ قول صالح في الحسن بن زياد اللؤلؤي: «ليس بشيء لا هو محمود عند أصحابنا ولا عندهم يتهم بداء سوء وليس هو في الحديث بشيء» فقال الأستاذ: «جزرة على سعة علمه في الحديث كان بذيء اللسان مداعبا أسوأ مداعبة وهو القائل لمن رأى سوأته قد انكشفت: لا ترمد عيناك أبداً. بدل أن يخجل ويستتر. وقد قال مرة لمن سأله عن الثوري: كذاب. فكتب السائل قوله، فخاطبة أحد جلسائه مستنكراً صنيعه: لا يحل لك هذا فالرجل يأخذه على الحقيقة فيحكيه عنك. فقال: أما أعجبك من يسأل مثلي عن مثل سفيان الثوري يفكر فيه أنه يحكى أو لا يحكى. كما في (تاريخ الخطيب) ٩/٤٢٦ و٤٢٧. فيفيد جوابه هذا أنه ممن لا يقبل قوله لضياع كلامه بين الهزل والجد. والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يتصور قيام الحجة مع علمهم بحكم الله في القذفة. ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل» .
أقول: قوله «بذيء اللسان» كلمة شنيعة لا مبرر لها. وقوله «مداعباً أسوأ مداعبة» إسراف لا مسوغ له، وقد ذكر أشهر ما يحكى من مداعبة صالح فليزنها القارئ وليحكم أهي مما يسوغ لمثل الكوثري أن يقول في هذا الرجل الجليل «بذيء اللسان مداعباً أسوا مداعبة» ؟ ولفظ القصة «كنا نقرأ على صالح جزرة وهو عليل فتحرك فبدت عورته فأشار إليه بعض أهل المجلس بأن يجمع عليه ثيابه، فقال: رأيته؟ لا ترمد عيناك أبداً» فلا يشك عاقل أنه بادر فاستتر،
стр. 473
ولوضوح ذلك لم يحتج الراوي إلى ذكره، فأما الخجل فهو حال نفسية ليس في القصة دليل على عدمه، على أن الذين حضروا وثقلوا عليه في مرضه بطلب السماع أولى بأن يخجلوا، فأما هو فمريض معذور.
وأما قوله لمن سأله عن الثوري فكان السائل كما في القصة «من أهل الرستاق» وفي ذلك مع جواب صالح ما يعلم منه أن السائل كان جاهلاً مغفلاً وثقل على صالح بالسؤال عن المحدثين حتى بلغ من جهله أن يسأل عن سفيان الثوري المجمع على إمامته وجلالته إجماعاً صادقا لا يخفى عن طالب العلم في تلك الأزمنة، وكان الحاضرون غير ذاك الجاهل يعرفون عادة صالح في التنكيت، ويشاهدون جهل السائل وتثقيله، ويعرفون اعتقاد صالح في الثوري، فتجوز صالح في تلك الكلمة عالما بأن الحاضرون سينهبون السائل على الحقيقة، ولو لم ينبهوه لنبهه صالح في المجلس، وما وقع في القصة «أما أعجبك» صوابه «ما أعجبك!» كما يوضحه السياق وقوله «من يسأل مثلي» يريد به أن الرجل مغفل فلو فرض أنه لم ينبه في المجلس وذهب يحكي عن صالح أنه قال لما سأله عن الثوري «كذاب» لما قبل منه ذلك أحد ولا التفتوا إليه لظهور تغفيله عن العلم بحال الثوري وعقيدة صالح فيه.
قول الأستاذ «فيفيد جوابه هذا أنه ممن لا يقبل قوله في الأئمة» .
إن أراد به أنه حكى بعض المغفلين عن صالح مثل تلك الكلمة أنه قالها في مثل الثوري فيما تقدم لم يلتفت إلى تلك الحكاية فحق، وإن كنا لا نعلم شيئاً من هذا القبيل غير ما تضمنته تلك الحكاية.
قوله «لضياع قوله بين الهزل والجد» باطل وأي شيء له من الهزل في هذا الباب غير تلك الحكاية الفذة التي مر توجيهها؟ أما جده في هذا الباب أعني كلامه في
стр. 474
الرواة جرحاً وتعديلاً فأكثر من أن يحصى وهو في قبول ذلك منه كغيره من أئمة الحديث بإجماع أهل العلم.
قوله «والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار ... » إن أراد به قول صالح في الحسن ابن زياد يتهم بداء سوء» فليس بقذف كما لا يخفى على ذي فقه.
أولاً: لأن صالحاً يثبت، وإنما ذكر أن الحسن يتهم، أي يتهمه بعض الناس، وفي كتب الحنفية أنفسهم «إن قال قد أخبرت بأنك زان لم يكن فيه حد» .
ثانياً: لأنه لم يثبت الفعل وإنما أثبت اتهام بعض الناس.
ثالثاً: لم يذكر صريح الزنا، وإنما قال «بداء سوء» وأدواء السوء كثيرة بل لعل تلك الكلمة لا تعريض فيها بموجب الحد، وإنما المراد بداء السوء ما دون الفاحشة ولم تقتصر حال اللؤلؤي على التهمة بما دون الفاحشة بل شهد عليه الأئمة الإثبات بفعله في الصلاة كما سلف في ترجمة الخطيب، وتراه في ترجمة اللؤلؤي من (لسان الميزان) وغيره. وصالح مكلف شرعاً بإخبار سائله عن اللؤلؤي بحاله في ما يقتضي عدالته أو جرحه، وقد نص جماعة من أهل العلم على أن قاصد الجرح إذا قال في المسئول عنه «هو زان» لم يكن قذفاً محرماً وإنما هو شهادة وجب عليه أداؤها. فتدبر ما تقدم ثم انظر هل هناك كلمة يؤدي بها صالح ما وجب عليه أعف وأطهر من قوله «يتهم بداء سوء» ؟ وقد حكى الحنفية أنفسهم عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة كلمة شنيعة قالها وليس في ترجمة الخطيب كلمات الكوثري في حقه، فالأستاذ يستحل لنفسه ولأصحابه ما لا يكاد يحل لمن رفع عنه القلم، ويحاول التشنيع على هذا الحافظ المجمع على ثقته وأمانته بكلمة هي أعف وأطهر ما يمكنه أن يؤدي بها ما أوجب الله تعالى عليه، ثم يضج ويعج من مخالفيه إذا نسبوه إلى تعمد المغالطة. وستأتي شيء من حال اللؤلؤي في الرواية في ترجمة محمد بن سعد العوفي.
стр. 475
١١١- الصقر بن عبد الرحمن بن مالك بن مِغْوَل . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٣٢ «أخبرني البرقاني أخبرنا محمد بن العباس الخزاز حدثنا عمر بن سعد حدثنا عبد الله بن محمد حدثني أبو مالك بن أبي بهز البجلي عن عبد الله بن صالح بن أبي يوسف ... » قال الأستاذ ص٢٩: «أبو مالك هو محمد بن الصقر بن عبد الرحمن ابن بنت مالك بن مغول المعروف بابن مالك بن مغول فالصقر وعبد الرحمن من الكذابين المعروفين ... »
أقول الصقر وعبد الرحمن لا شأن لهما بهذه الحكاية، ولا تزر وازرة وزر أخرى، والصقر ذكره أبو حاتم فقال «صدوق» وذكره ابن حبان في (الثقات) في موضعين سماه في الأول «سقر» وقال «يخطئ ويخالف» وسماه في الثاني «صقر» وقال «في قلبي من حديثه ما حدثنا أبو يعلى ثنا الصقر ... » فذكر حديثاً قد أنكره غيره على الصقر حتى رماه بعضهم لأجله بالكذب ووضع الحديث، وذاك الحديث رواه الصقر ابن عبد الله بن إدريس أحد الثقات الأثبات عن المختار بن فلفل. قال ابن حجر في (لسان الميزان) : «لم ينفرد الصقر بهذا فقد رواه إبراهيم بن زياد السكوني عن بكر بن المختار بن فلفل عن أبيه، وتقدم في ترجمة بكر ورواه ابن أبي خيثمة في (تاريخه) عن عبد الأعلى بن أبي المساور عن المختار بن فلفل - مثله، لكن ابن أبي المساور واهٍ فالظاهر أن الصقر سمعه من عبد الأعلى وأبو بكر فجعله عن عبد الله بن إدريس ليروج له، أو سها» أقول قد بان بصنيع أبي حاتم الرازي وأبي حاتم ابن حبان أنه لم ينكر على الصقر إلا هذا الحديث، وأن بقية أحاديثه مستقيمة، فالحمل على السهو والغلط هو الأقرب وكم من رجل وثقوه وقد وقع له ما يشبه هذا، فأما عبد الرحمن بن مالك بن مغول فتالف. والله أعلم.
١١٢- ضرار بن صرد . في (تاريخ بغداد ١٣/٣٨٠ من طريق «محمد بن يونس ثنا ضرار بن صرد قال حدثني سليم ... » فذكر الحكاية، ومن طريق «عبد الأعلى بن واصل: ثنا أبو نعيم ضرار بن صرد قال سمعت سليم بن عيسى ... »
стр. 476
فذكرها. وقال البخاري في ترجمة سليم من (التاريخ الكبير) «قال لي ضرار بن صرد حدثنا سليم سمع سفيان: قال لي حماد بن أبي سليمان أبلغ أبا حنيفة المشرك أني برئ منه. وقال وكان يقول: القرآن مخلوق» وفي رواية الخطيب الثانية «قال سليم كان يزعم أن القرآن مخلوق» وفي الرواية الأولى « ... إني برئ منه حتى يرجع عن قوله في القرآن» وكأن ذلك من تخليط محمد يونس الكديمي. قال الأستاذ ص٦٠ «ضرار بن صرد هو أبو نعيم الطحان الذي يقول عنه ابن معين: كذاب ... »
أقول: قال علي بن الحسن الهسنجاني عن ابن معين: «بالكوفة كذابان أبو نعيم النخعي وأبو نعيم ضرار بن صرد» وظاهر هذا تعمد الكذب لكن قال الأستاذ ص١٦٣ «الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب، والكذب بهذا المعنى يشمل الغالط والواهم فمن غلط أو وهم في شيء يمكن عده كاذباً على هذا الرأي ... فلا يعتد بقول من يقول: فلان يكذب. ما لَم يفسر وجه كذبه ولذا عد عند كثير من أهل النقد قول القائل: كذب فلان. من الجرح غير المفسر ... » أقول وقد قال ابن معين لشجاع بن الوليد أبي بدر السكوني: يا كذاب وقد قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين «شجاع بن الوليد ثقة» وثقه غيره ولكنه يهم ويغلط. فلننظر كلام غير ابن معين في أبي نعيم النخعي واسمه عبد الرحمن بن هانئ. ثم في أبي نعيم ضرار بن صرد. فأما النخعي فقد قال العجلي «ثقة» وقال أبو حاتم «لا بأس به يكتب حديثه» وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج٢ ص٤١٦. وقال البخاري «فيه نظر» معدودة من أشد الجرح في اصطلاح البخاري لكن تعقيبه هنا بقوله «وهو في الأصل صدوق» يخفف من وطأتها. وأما ضرار فروى عنه أبو زرعة أيضاً، وقال البخاري والنسائي «متروك الحديث» لكن البخاري روى عنه وهو لا يروي إلا عن ثقة كما صرح به الشيخ تقي الدين ابن تيمية ومر النظر في ذلك في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن. والظاهر التوسط وهو أن البخاري
стр. 477
لا يروي إلا عمن هو صدوق في الأصل يتميز صحيح حديثه من سقيمه كما صرح به في رواية الترمذي عنه كما تقدم في تلك الترجمة. فقوله في ضرار «متروك الحديث» محمول على أنه كثير الخطأ والوهم لا ينافي ذلك أن يكون صدوقاً في الأصل يمكن لمثل البخاري تمييز بعض حديثه. وقال أبو حاتم في ضرار: «صدوق صاحب قرآن وفرائض يكتب حديثه ولا يحتج به، روى حديثاً عن معتمر عن أبيه عن الحسن عن أنس عن النبي- ﷺ في فضيلة بع الصحابة ينكره أهل المعرفة بالحديث» .
أقول: متنه: «قال لعلي: أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي» أخرجه الحاكم في (المستدرك) ج٣ ص١٢٢، وقال: «صحيح على شرط الشيخين» قال الذهبي: «بل هو فيما أعتقده من وضع ضرار قال ابن معين: كذاب» .
أقول: لا ذا ولا ذاك، والصواب ما أشار إليه أبو حاتم، فإنه أعرف بضرار وبالحديث وعلله. فكأن ضراراً لقن أو أدخل عليه الحديث أو وهم، فالذي يظهر أن ضراراً صدوق في الأصل لكنه ليس بعمدة فلا يحتج بما رواه عنه من لم يعرف بالإتقان ويبقى النظر فيما رواه عنه مثل أبي زرعة أو أبي حاتم أو البخاري. والله أعلم. ولضرار رواية في (مناقب أبي حنيفة) كما في (تاريخ بغداد) . (١)
١١٣- طريف بن عبيد الله . في (تاريخ بغداد) ١٣/٤١٣ عنه «سمعت ابن أبي شيبة ... » قال الأستاذ ص١٤٧: «ضعيف عنده مناكير، قال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو زكريا يزيد بن محمد بن إياس الموصلي في (تاريخه) لم يكن من أهل الحديث، توفي سنة ٣٠٤» .
أقول: لم يتهموه بتعمد الكذب، ولكن يظهر أنه كان مغفلاً يحدث على التوهم. والله أعلم.
стр. 478
١١٤- طلق بن حبيب . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٤ من طريقين عن «سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد قال: جلست إلى أبي حنيفة فذكر سعيد بن جبير فانتحله في الإرجاء، فقلت: يا أبا حنيفة من حدثك؟ قال: سالم الأفطس. قال: قلت: سالم الأفطس كان مرجئاً، ولكن حدثني أيوب قال: رآني سعيد بن جبير جلست إلى طلق فقال: ألم أرك جلست إلى طلق؟ لا تجالسه. قال حماد: وكان طلق يرى الإرجاء. قال: فقال رجل لأبي حنيفة: ما كان رأي طلق؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم قال: ويحك كان يرى العدل» قال الأستاذ ص٤٣: «وقع في الطبعات الثلاث: العدل. وهو مصحف من: القدر. وتصويبه من (الجواهر المضيئة) ... ولفظ ابن أبي العوام: حدثني أبو بكر محمد بن جعفر الإمام قال: حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان الحمال قال: حدثنا سليمان بن حرب بن حماد بن زيد قال: جلست إلى أبي حنيفة بمكة فقلت له: حدثنا أيوب قال: رآني سعيد بن جبير قد جلست إلى طلق بن حبيب فقال لي: ألم أرك جلست إلى طلق؟ لا تجالسه. قال أبو حنيفة: كان طلق يرى القدر ... وطلق بن حبيب بصري من أصحاب ابن عباس ... والإرجاء الذي يقول هو به بالمعنى الذي قال به جمهور أهل الحق، وقد أحسن أبو حنيفة صنعاً في تَرَوّيه في نسبته إلى شيء من البدع الممقوتة على تقدير صحة المحادثة لأن الجواب على مثله في مثله عدم التسرع، ولما اضطر إلى الجواب بتكرير السؤال أجاب بأنه بصري كان ينسب إلى القدر كغالب أهل البصرة، فيكون هذا هو السبب لقول سعيد بن جبير السابق لا الإرجاء الذي كان يقول به فإنه رأي مشترك بينهم، وأبو حنيفة أعرف بمذهب سعيد بن جبير لأنه من أهل الكوفة وقد أدركه بخلاف حماد بن زيد فإنه بصري متأخر» .
أقول: (تاريخ بغداد) مطبوع عن أصلين عتيقين جيدين بتصحيح جيد وقد دل اتفاق الثلاث الطبع (!) على أن الكلمة فيها الكلمة فيها «العدل» ، ومن عرف حرص الأستاذ على تقوية ما يقوله يكاد يجزم بأنه قد راجع الأصلين أو روجعا له. واقتصار الأستاذ على قوله: «وتصويبه من (الجواهر المضيئة) » يجعلنا نشك في الواقع في
стр. 479
أصل كتاب ابن أبي العوام، فإن كان وقع فيه «القدر» كما قال الأستاذ فالواقع في (تاريخ بغداد) أثبت، وحال ابن أبي العوام قد أشرت إليها في (الطليعة) ص٢٧-٢٨. ومؤلف (الجواهر المضيئة) من أهل القرن الثامن ولم يشتهر بالضبط والإتقان، ولا بين مأخذه، وإنما ذكر أن أبا حنيفة قد تكلم في الجرح والتعديل فأوردت كلمات منها أنه قال: «كان طلق يرى القدر» وقد يكون أخذ من كتاب ابن أبي العوام وأصل كتاب
(الجواهر المضيئة) وتصحيحه لا يوازي أصلي (تاريخ بغداد) وتصحيحه وتحريف كلمة «العدل» إلى «القدر» هو الجاري على طريقة التصحيف والتحريف فإن القارئ أو الناسخ إنما يعدل عما لا يعرفه إلى ما يعرفه وقد شرحت طرفاً من ذلك في قسم الفقهيات في مسألة سهمان الخيل من الغنيمة وقد يفهم بعضهم من قول أبي حنيفة: «كان يرى العدل» أنه أراد بالعدل القدر لأن القدرية يسمون أنفسهم أهل العدل فأبدلها ذاك الفاهم بكلمة «القدر» لأنه يرى المعنى واحداً وكلمة «القدر» أو ضح. وإنما أراد: القول العدل، أي: الحق في زعمه يعني الإرجاء. ومن عرف أبا حنيفة وقوة عارضته جزم أو كاد بأنه لو كان عنده أن طلقاً كان قدرياً وأن سعيد بن جبير إنما نهى عن مجالسته لذلك لبادر إلى ذكر ذلك دفعاً لحجة خصمه، والتروي الذي ذكره الأستاذ لا وجه له، بل ربما يقال: لو كان أبو حنيفة إنما قال بعد أن ألجئ إلى الجواب «كان يرى القدر» لكان هذا أطلق للسان من يعيبه فإن طلقاً لم يصفه أحد بالقدر وقد وصفوه بالإرجاء وهو كالمضاد للقدر. وصف طلقاً بالإرجاء حماد بن زيد وأبو حاتم وابن سعد وقال البخاري في (تاريخه الكبير) ج٢ قسم ٢ ص٣٦٠: «حدثنا مسدد ثنا حماد بن زيد عن أيوب: «ما رأيت أحد أعبد من طلق بن حبيب، فرآني سعيد بن جبير جالساً معه، فقال: ألم أرك مع طق؟ لا تجالس طلقاً، وكان يرى الإرجاء» . وهذا السند بغاية الصحة، ويبعد أن لا يبين سعيد لأيوب سبب المنع إلا وهو يرى أنه لا يعرفه، وكذلك الحال في أيوب وحماد. والذي كان يعرفه حماد أن السبب هو الإرجاء وشدة أيوب على المرجئة معروفة، وفي (تذكرة الحفاظ) ج٢
стр. 480
ص٧٦ من طريق: «عبد الرحمن بن مهدي عن سلام بن أبي مطيع سمعت أيوب وعنده رجل من المرجئة، فقال الرجل: أرأيت قوله ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ ، أمؤمنون أم كفار؟ قال: اذهب فاقرأ القرآن، فكل آية فيه ذكر النفاق، فإني أخاف على نفسي» .
قول الأستاذ: «قال به جمهور أهل الحق» .
قد كشفت حاله في الاعتقاديات وقد هجر سعيد بن جبير بن عبد الله المرهبي لأجل الإرجاء كما في ترجمة ذر. (التهذيب) .
قوله: «بصري كان ينسب إلى القدر كغالب أهل البصرة» ، مردود عليه فإن القدر إنما فشا في البصرة بعد سعيد بن جبير بمدة ومع ذلك، فلم يبلغ أن يكون هو الغالب، وقد ذكر إبراهيم الحربي أبا قطن عمرو بن الهيثم ثم قال: «ثنا عنه أحمد يوماً فقال له رجل إن هذا تكلم بعدكم في القدر. فقال أحمد إن ثلث أهل البصرة قدرية» هكذا في ترجمة أبي قطن من (التهذيب) مع أن كلمة أحمد محتملة للمبالغة لأن المقام يقتضيها.
قَوْله: «أبو حنيفة أعرف بمذهب سعيد بن جبير ... » مردود عليه أيضاً فإن سعيد أُخرج من الكوفة عقب وقعة ابن الأشعث، وعمر أبي حنيفة سنتان أو ثلاث، وأيوب صحب سعيداًُ مرة فكيف لا يكون أعرف به؟ وحماد أعرف الناس بأيوب، وهما أعرف بطلق، فإنه بصري مثلهما وقد جالسه أيوب.
هذا وقد عرف من القصة أنه لم يكن لأبي حنيفة حجة على نسبة الإرجاء إلى سعيد ابن جبير إلا ما ذكر أن سالماً الأفطس حدثه. ولا ندري ما قال سالم عن سعيد، وما الذي سمعه من سعيد فظنه إرجاء، والمرجئة يتمسكون بآيات وأحاديث
стр. 481
يحملونها على معاني يخالفهم أهل السنة فيها، فلعل سالماً سمع من سعيد كلاماً حمله على الإرجاء، ولو نقله بنصه لبان على خلاف ما حمله عليه، وسالم وثقه جماعة ونسبوه إلى الإرجاء، وقال بعضهم إنه كان داعية، وقال ابن حبان: «كان ممن يرى الإرجاء، ويقلب الأخبار، وينفرد بالمعضلات اتهم بأمر سوء، فقتل صبراً» . قيل اتهم بالممالأة على قتل إبراهيم الإمام.
١١٥- عامر بن إسماعيل أبو معاذ البغدادي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧١ من طريقه عن مؤمل بن إسماعيل عن سفيان الثوري عن عباد بن كثير حكاية قال الأستاذ ص٣٨: «مجهول الحال، ولم يخرج له أحد من أصحاب الأصول الستة» .
أقول: هو مقل واغترب عن بغداد، وقد أدرك الأئمة الستة شيوخه ومن هو أكبر منهم، وقد روى الخطيب نحو حكايته من وجه آخر» وراجع ترجمة إبراهيم بن شماس.
١١٦- عباد بن كثير . تقدم قريباً الإشارة إلى حكايته. قال الأستاذ ص٣٨ «هو الثقفي البصري كان الثوري يكذبه ويحذر الناس من الرواية عنه فكيف يتصور أن يروي الثوري عن مثله؟»
أقول هناك عباد بن كثير آخر، هو الرملي وثقه ابن معين وغيره ووهنه الأكثرون ولم يتبين لي أيهما الواقع في السند؟ وتحذير الثوري من الثقفي معروف، فأما تكذيبه له إنما حكاه الحاكم وأبو نعيم الأصبهاني، ولا أدري من أين أخذاه، فإن صح إنما أراد الوهم والغلط، وقد أثنى على الثقفي بالصلاح جماعة منهم ابن المبارك وأحمد وابن معين وأبو زرعة والعجلي ووصفوه مع ذلك بأنه ليس بشيء في الحديث، وأنه يحدث بما لم يسمع لبلهه وغفلته، فانظر هل يتناول ذلك حكايته المذكور، وهي قَوْله: «قلت لأبي حنيفة ... » فذكر سؤالاً وجواباً، وقد تقدم أن الخطيب روى نحوها من وجه آخر. وعلى كل حال فلا مانع أن يحكي الثوري عن
стр. 482
عباد ما يظهر له صحته، وفي ترجمة محمد بن السائب الكلبي من (الميزان) «يعلى بن عبيد قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي. فقيل: فإنك تروي عنه. قال: أنا أعرف صدقه من كذبه» .
١١٧- عبد الله بن أبي القاضي . في (تاريخ بغداد) من طريقه «سمعت محمد بن حماد يقول رأيت النبي ﷺ في المنام ... » قال الأستاذ ص١٢١: «لم نر أحداً وثقه من رجال هذا الشأن وإن روى البخاري عنه في (الضعفاء) ، وأما من ظن أنه روى عنه في (الصحيح) فقد وهم وليس هو من شرطه ولم يخرج عنه أحد من أصحاب الأصول الستة» .
أقول: ذكره الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج٢ ص ٢٠٦ قال: «عبد الله بن أبي الخوارزمي الحافظ قاضي خوارزم رحّال جوّال مفضال لحق أحمد بن يونس اليربوعي وسعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وسليمان ابن بنت شرحبيل وإسحاق بن راهويه وطبقتهم، حدث عنه الإمام أبو عبد الله البخاري في (كتاب الضعفاء) و ... وقد روى البخاري في (صحيحه) : أنا عبد الله عن سليمان بن عبد الرحمن (وهو ابن بنت شرحبيل) ، فقيل: إنه هو، مات سنة نيف وتسعين ومائتين عن سن عالية التقارب التسعين ... » وفي ترجمته من (التهذيب) ذكر الحديث المذكور قال: «فقيل إنه ابن حماد الآمُلي، ويحتمل أن يكون هذا فإنه قد روى (البخاري) في (الضعفاء) عدة أحاديث عنه عن سليمان بن عبد الرحمن وغيره سماعاً وتعليقاً» وأشار المزي إلى ذلك في ترجمة عبد الله بن حماد فذكر ابن حجر عن جماعة أنهم جزموا بأنه ابن حماد وأنه وقع في بعض النسخ منسوباً كذلك. وفي هذا أمران:
الأول: أن البخاري قد روى عنه في (كتاب الضعفاء) عدة أحاديث سماعاً وتعليقاً وذلك يقضي بأنه عنده ثقة أو صدوق كما سلف في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن.
الثاني: أن المزي والذهبي اتفقا على أنه يحتمل أن يكون هو الذي روى عنه في (الصحيح) وهذا يقضي بأن عندهما أهل لأن يخرج عنه البخاري في (صحيحه)
стр. 483
وأقرهما ابن حجر على ذلك، غير أنه رجح أن الواقع في (الصحيح) لأنه قد جاء منسوباً في بعض النسخ وجزم به جماعة. فأما عدم إخراج البخاري له في (الصحيح) إن صح أن راوي ذاك الحديث غيره فهذا لا يدل على أنه ليس على شرط الصحيح لاحتمال أن البخاري إنما لم يخرج له في (الصحيح) بنزول، وقد سمع البخاري من شيوخ هذا الرجل وممن هو أكبر منهم بكثير.
فأما بقية الستة فإنما لم يرووا عنه لأنه من أقرانهم، وأصغر من بعضهم، وقد سمعوا من شيوخه وممن هو أكبر من شيوخه وبلده بعيد فلم يحتاجوا إلى الرحلة إليه والرواية عنه بنزول. [راجع ترجمة إبراهيم بن شماس] .
١١٨- عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني . في (تاريخ بغداد) ١٣/٤١٤ من طريقه عن أبي بكر الأعين الحكاية التي تقدمت في ترجمة الحسن بن الربيع. قال الأستاذ ص١٥١: «وعبد الله بن أحمد صاحب (كتاب السنة) ، وما حواه كتابه هذا كاف في معرفة الرجل، ومثله لا يصدق في أبي حنيفة وقد بلي فيه الكذب ... » إلى آخر ما مرّ في ترجمة أحمد بن عبد الأصبهاني.
أقول: أما (كتاب السنة) فهو من صفات المحدثين التي لم يلتزم بها صحة كل خبر على حدة، فقد يقع فيه ما في سنده ضعف، وما يكون في الأدلة الثابتة عند أئمة السنة ما يخصصه أو يقيده أو يبينه أو نحو ذلك، وبحسب هذا يكون اعتقاد جامعه وما يريد تثبيته. ومع هذا فلا اعتداد باستنكار من استقى عقيدته من مستنقعات مقالات الراغبين على الصراط المستقيم إلى غيره فإن هؤلاء يستنكرون معاني القرآن نفسه وقد أشبعت الكلام في ذلك في قسم الاعتقاديات، وأما قوله: «لا يصدق في أبي حنيفة» فمن أماني الأستاذ. وأما قَوْله: «وقد بلي فيه بالكذب» فإن كان المراد أنه قد بلي في أبي حنيفة بالكذب، يعني أن الناس قد كذبوا في شأنه، فجوابه أنه قد بلي فيه الصدق أيضاً، والحق إنما هو تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فأما ما سلكه الأستاذ من تصديق الكذابين كأحمد بن محمد
стр. 484
بن الصلت ابن المغلس الحماني، وتكذيب الصادقين كأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري وأضرابه كعبد الله بن أحمد فهذا طريق لا يرضاه مؤمن. وإن أراد أنه قد بلي في عبد الله بن أحمد الكذب، أي أنه قد جرب عليه أن يكذب، فهذا من قبيل تكذيب الصديقين وقد تقدم الكلام في تلك الحاكية في ترجمة أحمد بن عبد الله الأصبهاني واتضح هناك من هو الكاذب! وقد كنت أشرت إلى طرف من ذلك في (الطليعة) ص٩٢-٩٣ فلم يعرض الكوثري لما في (الترحيب) بشيء. وعبد الله قد أثنى عليه أبوه ووثقه النسائي وابن أبي حاتم والدارقطني والخطيب وغيرهم وأجمع أهل العلم على الاحتجاج به. والله الموفق.
١١٩- عبد الله بن جعفر بن درستويه . كان يروي (تاريخ يعقوب بن سفيان) فرواه عن جماعة، ويروي الخطيب عن رجل عنه فيأخذ الخطيب الحكاية من (تاريخ يعقوب) ولا ينص على ذلك بل يسوقها بالسند عن شيخه عن ابن درستويه عن يعقوب الخ على ما جرت به عادة محدثي عصره كما ترى في (سنن البيهقي) يأخذ من سنن أبي داود وسنن الدراقطني ومؤلفات أخرى كثيرة فيسوق الحديث بسنده إلى أبي داود ثم يصله بسند أبي داود، ويكرر ذلك في كل حديث، وقد قرر أهل العلم أن جل الاعتماد في مثل هذا على الوثوق بصحة النسخة، فلا يضر أن يكون مع ذلك في الوسائط التي دون مؤلف الكتاب رجل فيه كلام، لأنه واسطة سندية فقط، والاعتماد على صحة النسخة، وهذا كما لو أحب إنسان منا أن يسوق بسند له إلى البخاري ثم يصله بسند البخاري لبعض الأحاديث في (صحيحه) ، فإنه بعد ظهور أنه إنما يروي بذلك السند من (صحيح البخاري) لا يكون هناك معنى لأن يعترض عليه بأن في سنده إلى البخاري رجلاً فيه كلام. والأئمة الإثبات كالبيهقي والخطيب قد عرف عنهم كمال التحري والتثبت في صحة النسخ، وتأكد ذلك بأن من كان من أهل العلم والنقد في عصرهم وما بعده لم ينكروا عليهم شيئاً مما رووه من تلك الكتب مع وجود نسخ أخرى عندهم، وكانوا بغاية الحرص على أن يجدوا للمحدث زلة أو تساهلاً فيشيعوا ذلك ويذيعوه نصيحة
стр. 485
للدين من وجه، وحباً للسمعة وللشهرة من وجه آخر، ولما قد يكون في صدر بعضهم من الحنق على الرجل أو الحسد له من وجه ثالث، وقد كان القدماء كسعيد بن أبي عروبة ووكيع وغيرهما يروون من حفظهم وتكون لأحدهم كتب ومصنفات لا تحيط بحديثه فكثيراً ما يحدث من حفظه بما ليس في كتبه، مع ذلك كان الرجل إذا روى عن أحد هؤلاء ما ليس في كتبه أنكر الناس عليه ذلك قائلين: ليس هذا في كتب ابن أبي عروبة، ليس هذا في كتب وكيع، حتى تناول بعضهم يحيى بن معين إذا روى عن حفص بن غياث حديثاً لم يوجد في كتب حفص كما تقدم في ترجمة حسين بن حميد، فما بالك بالمتأخرين الذين إنما يروون من الكتب، فما بالك بمثل الخطيب الذي قد عرف أنه إنما يروي بذاك السند من كتاب يعقوب، فإذا لم يطعن أحد في شيء يرويه الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب ولا قال أحد: هذه الحكاية ليست في (تاريخ يعقوب) . ولا هذا السياق مخالف لما في (تاريخ يعقوب) بزيادة أو نقص أو تغيير، فقد ثبت بذلك وبغيره صحة نسخة الخطيب وثبوت ذلك عن يعقوب، وهكذا لم يطعن أحد في شيء رواه ابن درستويه عن يعقوب بأنه ليس في كتاب يعقوب إما البتة وإما بذلك السياق، فظهر بذلك أن كل ما رواه ابن درستويه عن يعقوب فهو ثابت في كتاب يعقوب، وبهذا يتبين أن محاولة القدح في كل الحكايات التي يرويها الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب بمحاولة الطعن في ابن درستويه تعب لا يجدي ولا يفيد، ولا يبدئ ولا يعيد. ومع ذلك فلننظر في حال ابن درستويه.
قال الأستاذ ص ٣٥ «كان يحدث عمن لم يدركه لأجل دريهمات يأخذها، فادفع إليه درهماً يصطنع لك ما شيءت من الأكاذيب، وروايته عن الدوري ويعقوب خاصة منكرة، وقول البرقاني واللالكائي فيه معروف، وتضعف كواهل الخطيب وأذنابه عن حمل أثقال التهم التي ركبت على أكتاف هذا الإخباري الهاذي، وقد أكثر الخطيب عن عبد الله بن جعفر هذا جد الإكثار» .
أقول: قَوْله «يحدث عمن لم يدركه» فرية كما سترى، وَقَوْلُه «لأجل دريهمات يأخذها» فرية أخرى، وصار الأستاذ يكررها في مواضع وينبز هذا الرجل بقوله:
стр. 486
«الدراهمي» ويسيء القول فيه في عدة مواضع. وحقيقة الحال أن هذا الرجل كان يروي عن عباس الدوري أحاديث، ويروي عن يعقوب بن سفيان (تاريخه) ، وغير ذلك، وكانت ولادة هذا الرجل سنة ٢٧١ ووفاة يعقوب سنة ٢٧٧ فقد أدركهما قطعاً، وكان سنه لما مات عباس ثلاث عشرة سنة. وقد ذكر الخطيب أن جعفر بن درستويه والد عبد الله هذا كان «من كبار المحدثين وفهمائهم وعنده عن علي بن المديني وطبقته فلا يستنكر أن يكون بكر بابنه في السماع» أقول بل هذا هو الظاهر كما جرت عليه عادة المحدثين في ذاك العصر من التبكير بأبنائهم للسماع من المعتمرين على أمل أن يعيش الابن فيكون سنده علياً فيكون له بذلك صيت وشهرة ويرحل الناس إليه، وتلك مرتبة يحرص المحدث أن ينالها ابنه. وقد ولد أبو حنيفة سنة ٨٠ بالكوفة ونشأ بها ولم يعرف والده بشيء من العلم، ونشأ هو غير معنيّ بطلب الحديث كما يدل عليه النظر في وفيات شيوخه الذين تثبت روايته عنهم، وعاش أنس ﵁ بالبصرة إلى أن مات سنة إحدى وتسعين وقيل بعدها بسنة وقيل بسنتين. أي وعمر أبي حنيفة ما بين إحدى عشرة إلى ثلاث عشرة ولم يكن عادة الناس في ذاك العصر بالتبكير بالسماع. وفي (الكفاية) ص٥٤ «قل من كان يثبت (وفي نسخة: يكتب) الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريباً منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكراتهم وسؤالهم، وقيل: إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة» . ثم روي بعد ذلك حكايات منها «أنه قيل لموسى بن إسحاق: كيف لم تكتب عن أبي نعيم؟ قال: كان أهل الكوفة لا يخرجون أولادهم في طلب الحديث صغاراً حتى يستكملوا عشرين سنة» . وروى الخطيب في (التاريخ) من طريق حمزة السهمي قال «سئل الدارقطني عن سماع أبي حنيفة من أنس هل يصح؟ قال: لا ولا رؤيته» فذكر الأستاذ ذلك ص١٥ ونازع في ذلك بما نظرت فيه في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت، وضج الأستاذ في ص١٩٦ من إنكار سماع بي حنيفة من أنس، قال «مع أن أبا
стр. 487
حنيفة كان أكبر سناً من أقل سن التحمل عند المحدثين بكثير في جميع الروايات في وفاة أنس» . هذا كله مع أن أسطورة الدراهم والتحديث عمن لم يدركه، إنما أخذها الأستاذ من قول الخطيب «سمعت هبة الدين الحسين الطبري (اللالكائي) ذكر ابن درستويه وضعفه وقال: بلغني أنه قيل له حدث عن عباس الدوري حديثاً ونحن نعطيك درهماً ففعل، ولم يكن سمع من عباس» قال الخطيب «وهذه الحكاية باطلة لأن أبا محمد بن درستويه كان أرفع قدراً من أن يكذب لأجل العرض الكثير فكيف لأجل التافه الحقير وقد حدثنا عنه ابن رزقويه بآمالي أملاها في جامع المدينة وفيها عن عباس الدوري أحاديث عدة» أقول واللالكائي توفي سنة ٤١٨ وقد قال الخطيب في ترجمته «عاجلته المنية فلم ينشر عنه كبير شيء» فهذا يدل أن مولد اللالكائي كان بعد وفاة ابن درستويه بمدة فإن وفاته كانت سنة ٣٤٧. وَقَوْلُه «بلغني ... » لا يدري من الذي بلغه، ومثل هذا لا يثبت به حكم ما، وقد قال الحماني «سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق» فرده الأستاذ ص٥٦ بقوله «قول الراوي سمعت الثقة. يعد كرواية عن مجهول وكذا الثقات» ثم تراه يبني على قول اللالكائي «بلغني ... » القصور والعلالي جازماً بذلك مكرراً نبز ابن درستويه بقوله «الدراهمي» وغير ذلك، ومع أن المبلغ اللالكائي إنما قال: «ولم يكن سمع من عباس» فلم يقنع الأستاذ «الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير صاحب الفضيلة مولانا الشيخ محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقاً» كما نعته صاحبه على لوح (التأنيب) أو كما نعت نفسه، ولم يقنع بذلك بل قال: «كان يحدث عمن لم يدركه لأجل دريهمات يأخذها» ، ثم مع هذا وأمثاله وكثرة ذلك يضج ويعج ويرغى ويزيد إذا نُسب إلى المغالطة، وليت شعري كيف يمكننا إحسان الظن به وحمله على الغلط والوهم من (١) أن تلك الزلات الكثيرة كلها فيما يؤيد به هواه، ولا أذكر له زلة واحدة فيما يخالف هواه.
стр. 488
هذا ولم ينكروا على ابن درستويه حديثاً واحداً مما حدث به عن الدوري فدل ذلك على أن تلك الأحاديث ثابتة عن الدوري حتماً، وإنما زعم من لا يُدرى من هو أن ابن درستويه لم يسمع من الدوري، وقد علمت إمكان سماعه منه، فإن ثبت أن ابن درستويه ثقة - وسنثبته إن شاء الله تعالى - ثبت السماع.
أما ما شأنه مع يعقوب بن سفيان فقد علم بما مرّ أنه لما توفي يعقوب كان سن ابن درستويه نحو عشرين سنة لكن قال الخطيب: «سألت البرقاني عن ابن درستويه فقال. ضعفوه لأنه لما روى (التاريخ) عن يعقوب بن سفيان أنكروا عليه ذلك وقالوا له: إنما حدث يعقوب بهذا الكتاب قديماً فمتى سمعته؟ !» . ولم يبينوا تاريخ تحديث يعقوب بـ (التاريخ) فقد يكون حين كان سن ابن درستويه اثنتي عشرة سنة أو نحوها واستبعدوا أن يكون سمع حينئذ لصغره، وعلى هذا يدل قول الخطيب عقب ما حكاه عن البرقاني، قال: «في هذا القول نظر لأن جعفر بن درستويه من كبار المحدثين ... فلا يستنكر أن يكون بكر بابنه في السماع من يعقوب بن سفيان» ثم استأصل الخطيب الشأفة واقتلع الجرثومة بقوله «مع أن أبا القاسم الأزهري حدثني قال رأيت أصل كتاب ابن درستويه بتاريخ يعقوب بن سفيان لما بيع في ميراث ابن الآبنوسي (١) فرأيته أصلاً حسناً ووجدت سماعه فيه صحيحاً» ، والأزهري من أهل المعرفة والتيقظ والثقة والأمانة ترجمته عند (الخطيب) ج١٠ ص٣٨٥. فثبت السماع وبطل النزاع.
فأما حال ابن درستويه فتضعيف اللالكائي له قد بين وجهه، وهو قَوْله «بلغني ... » وقد علمت أنه ليس في ذلك حجة، وقول البرقاني «ضعفوه» قد بين وجهه، وهو استبعادهم أن يكون سمع (التاريخ) ، وقد ثبت سماعه له فزال سبب التضعيف. على أنه لو لم يتبين أن ذلك هو وجه التضعيف لكان تضعيفاً مجرداً وهو جرح غير مفسر، وقد ثبت التوثيق. قال الخطيب: «سألت أبا سعد الحسين بن
стр. 489
عثمان الشيرازي عن ابن درستويه؟ فقال: ثقة ثقة، حدثنا عنه أبو عبيد الله «الصواب: أبو عبد الله. كما في (لسان الميزان) وهو الحافظ محمد بن إسحاق بن منده من شيوخ الشيرازي هذا كما في ترجمته من (التاريخ) ج٨ ص٨٤» ابن منده الحافظ بغير شيء وسألته عنه، فأثنى عليه ووثقه» وقال الخطيب في ترجمة الشيرازي هذا «كتبنا عنه وكان صدوقاً متنبهاً» وقد تقدم ثناء الخطيب على ابن درستويه.
وذكر الأستاذ ص١٠٥ ما رواه الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب عن الحسن بن الصباح عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: «قال مالك ما ولد في الإسلام مولود أضر على الإسلام من أبي حنيفة. وكان (مالك) يعيب الرأي. ويقول: قبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل ... » فذكر الأستاذ أن ابن عبد البر ذكر في (كتاب العلم) عن (تهذيب الآثار) للطبري عن الحسن بن الصباح عن الحنيني أن مالكاً قال «قبض رسول الله ﷺ ... » ولم يذكر ما قبله، قال الأستاذ «فيكون ابن درستويه الدراهمي هو الذي زاد في أول الخبر ما شاءه» .
أقول: ليس هذا بشيء وإنما اقتصر ابن جرير أو ابن عبد البر على موضع الحجة، وقد جرت عادتهم بتقطيع الأحاديث النبوية كما فعله البخاري في (صحيحه) وغيره فما بالك بمثل هذا؟
وقال الخطيب في ترجمة ابن درستويه: «حمل عنه من علوم الأدب كتب عدة صنفها منها (تفسير كتاب الجرمي) ، ومنها كتاب في النحو الذي يدعى (الإرشاد) ، ومنها كتابه في الهجاء وهو من أحسن كتبه، وروى عنه محمد بن المظفر والدارقطني وابن شاهين ... حدثنا عنه أبو الحسن بن رزقويه وأبو الحسين بن الفضل وأبو علي بن شاذان ... » وفي (تاريخ ابن خلكان) : «تصانيفه في غاية الجودة والإتقان، منها ... » وزاد على ما ذكره الخطيب (شرح الفصيح) ، (الرد على المفضل الضبي في الرد على الخليل) ، (كتاب الهداية) ، (كتاب المقصور
стр. 490
والممدود) ، (كتاب غريب الحديث) ، (كتاب معانيي الشعر) ، (كتاب الحي والميت) ، (كتاب التوسط بين الأخفش وثعلب في تفسير القرآن) ، (كتاب خبر قس بن ساعدة) ، (كتاب الأعداد) ، (كتاب أخبار النحويين) ، (كتاب الرد على الفراء) في المعاني.
١٢٠- عبد الله بن خُبَيْق . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٠ من طريقه «حدثنا أبو صالح الفراء ... » قال الأستاذ ص٨٥ «صالح، غير صالح لتلقي شيء منه غير القراءة» .
أقول: أما صلاحه فمشهور، وأما روايته فلم يغمزه فيها أحد، وقد ذكره ابن أبي حاتم فقال: «كتب إلى أبي بجزء من حديثه» .
١٢١- عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي . تقدمت الإشارة إلى بعض حكاياته في ترجمة الحارث بن عمير وغيرها. قال الأستاذ ص ٣٦ «الحميدي كذبه عبد الله بن عبد الحكيم - في كلامه في الناس. راجع (طبقات السبكي) ج١ ص٢٢٤ وهو شديد التعصب وقّاع مضطرب يروي مرة عن حمزة بن الحارث ومرة عن الحارث مباشرة» .
أقول: أما التعصب فحقيقته هنا نفرة دينية وقد مر حكمها في القواعد. وأما الوقيعة ففيمن يراه من أهل البدع. قال يعقوب بن سفيان «ثنا الحميدي وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه» وأما الاضطراب في تلك الحكاية فقد أشار الخطيب إلى أن الصواب عن الحميدي ثنا حمزة، وقول محمد بن محمد الباغندي عن أبيه عن الحميدي: حدثني الحارث. وهم من ابن الباغندي أو أبيه، وقد طعن الأستاذ فيهما كما سيأتي في موضعه. وأما قصته مع ابن عبد الحكم فهذه عبارة ابن السبكي التي استند إليها الأستاذ جازماً بقوله «كذبه ... في كلامه في الناس» ! قال ابن السبكي «قال ابن خزيمة فيما رواه الحاكم عن الحافظ حسينك التميمي عنه: كان ابن عبد الحكم من أصحاب الشافعي فوقعت بينه وبين البويطي وحشة في مرض الشافعي فحدثني أبو جعفر السكري صديق الربيع قال: لما مرض الشافعي جاء ابن عبد الحكم ينازع
стр. 491
البويطي في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحق به منك. فجاء الحميدي وكان بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من البويطي، وليس أحد من أصحابي أعلم منه. فقال له ابن عبد الحكم: كذبت. فقال له الحميدي: كذبت أنت وأبوك وأمك. وغضب ابن عبد الحكم فترك مذهب الشافعي. فحدثني ابن عبد الحكم قال: كان الحميدي معي في الدار نحواً من سنة، وأعطاني كتاب ابن عيينة، ثم أبوا إلا أن يوقعوا بيننا ما وقع» .
فأول ما يجب البحث عنه هنا هو النظر في أبي جعفر السكري حاكي القصة أثقة هو أم لا؟ أما الأستاذ فلم يهمه هذا إذ كان في القصة ما يوافق هواه، وأما أنا فقد فتشت عنه فلم أعرفه، ورأيت القصة في (تاريخ بغداد) ج١٤ ص٣٠١ وفيها «صديق للربيع» وهذا يشعر أنه ليس بالمعروف. فعلى هذا لا تثبت القصة، وإن دلت الشواهد على أن لها أصلاً في الجملة، فإن ذلك لا يُثبت من تفاصيلها ما لا شاهد له. وفي (توالي التأسيس) ص٨٤ عن الربيع صاحب الشافعي قال: «وجه الشافعي الحميدي إلى الحلقة، فقال: الحلقة لأبي يعقوب البويطي فمن شاء فليجلس ومن شاء فليذهب» وكان البويطي أسن أصحاب الشافعي وأفقههم حتى كان الشافعي يعتمده في الفتيا ويحيل عليه إذا جاءته مسألة كما في (الطبقات الشافعية) وكان ابن عبد الحكم حينئذ فتى ابن إحدى وعشرين سنة فلم يكن قد استحكم علمه ولا عقله، فمنازعته للبويطي طيشة من طيشات الشباب. وكان الحميدي أعلمهم بالحديث وأقدمهم صحبة للشافعي، لأنه قدم معه من الحجاز إلى مصر، والباقون إنما صحبوه بمصر، والحميدي قرشي مكي كما أن الشافعي كذلك فهو أقربهم إلى الشافعي وألصقهم به، ولذلك والله أعلم لما ذهب أصحاب الشافعي في مرضه إلى الجامع تخلف الحميدي عنده ثم خشي الشافعي أن يتنازعوا الحلقة فأرسل الحميدي إليهم ليبلغهم عنه، فلو شك ابن الحكم في خبر الحميدي لكان حقه أن يذهب ليراجع الشافعي لكنه عرف صدقه فاضطرم في نفسه اليأس والحزن والغضب وإن بدرت منه تلك الكلمة فهي من فلتات الغضب كما لا يخفى فلا يتشبث بمثلها في الطعن في مثل الحميدي إلا مثل الأستاذ! وقد قال هو نفسه في حاشية
стр. 492
ص٩٩: «وأهل العلم قد تبدر منهم بادرة فيتكلمون في أقرانهم بما لا يقبل فلا يتخذ ذلك حجة» .
وقد أسلفت تحقيق هذا المعنى في القاعدة الرابعة من قسم القواعد، والأستاذ يقصر عن الحق تارة، ويتعداه أخرى!
صعدة نابتة في حائر ... أينما الريح تميّلها تمل
وهكذا إن كان الحميدي لما استقبله صديقه الفتى الطياش بتلك الكلمة غلبه الغضب فأجاب بما أجاب، وحق للحميدي أن ينشق غضباً فإنه لو جاء بذاك الخبر أكذب الناس لما ساغ لعاقل أن يكذبه فيه لأن الشافعي حي يرزق بالقرب منهم، تمكن مراجعته بالسهو لة، فمن الذي يجترئ أن يكذب عليه مع علم الحميدي (١) بصدقه وأمانته وأنه لا هوى له، بل لو كان له هوى لكان مع ابن الحكم صديقه الذي أضافه في بيتهم نحواً من سنة كما نص على ذلك ابن عبد الحكم نفسه. وعلى كل حال فذاك الجواب فلتة غضب أيضاً كما لا يخفى، ولا عتب على الأستاذ في تشبثه به أيضاً لما احتاج إلى الكلام في ابن عبد الحكم كما يأتي في ترجمته!
ولم يبق الأستاذ على نفسه بل أخذ يتكهن فقال في ص ١٣٠ في الحميدي: «لما استصحبه الشافعي إلى مصر باعتبار أنه رواية ابن عيينة أخذ يطمع أن يخلف الشافعي بعد وفاته، ولما علم أن أصحابه لا يرضونه لبعده عن الفقه، حكى الشافعي أن أحق جماعته بمقامه هو البويطي، فكذبه محمد بن الحكم، ولم يكن مثل الإمام الشافعي ليسر إلى آحاد الآفاقيين بما يكتمه عن جماعته، ولو كان رأيه أن يكون البويطي خلفاً له لجاهر بذلك أمام جماعته لئلا يختلفوا بعده، وقد غرم البويطي ألف دينار والألف كثير إلى أن يصلح قلوب الجماعة كما حكى الحافظ ابن حجر في (توالي التأسيس) ، وللبراطيل أفاعيل، وكان هوى الحميدي مع البويطي
стр. 493
لتقاربهما في المنزع، وبعدهما عن الغوص على دقائق الفقه، بخلاف المزني وابن عبد الحكم ولولا أن كان راويه ابن عيينة لكان الناس استغنوا عنه وعن حديثه لبذاءة لسانه» .
أقول: الحميدي هو الذي اعتمد صحبة الشافعي وفي كتاب ابن أبي حاتم ج٣ قسم ٢ ص ٢٠٢ عن الحميدي أنه يقول: «كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة فقال لي ذات يوم: ههنا رجل من قريش له بيان ومعرفة. قلت: ومن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي. وكان أحمد بن حنبل قد جالسه في العراق. فلم يزل حتى اجترني إليه ودارت مسائل، فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ ألا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة وهذا البيان؟ فوقع كلامه في قلبي فجالسته فغلبتهم عليه ... وخرجت مع الشافعي إلى مصر» وكان الشافعي قد استكثر من ابن عيينة فلم يكن به حاجة إلى الحميدي ولا غيره، وزعم طمع الحميدي أن يخلف الشافعي بمصر من مخلوقات الأستاذ ليس عليه أدنى شبهة بل كان الحميدي مكيناً بمكة مؤثراً لها، وإنما فارقها تلك المدة إلى مصر إيثاراً لصحبة الشافعي، فكان أقصى همه أن يعود إليها ودعوى بعده عن الفقه مخلق آخر. إنما كان الغالب على الحميدي الحديث، وقد صحب ابن عيينة وأخذ من أخلاقه، وقد تقدم قول الشافعي في ابن عيينة: «ما رأيت أحداً من الناس فيه من آلة العلم ما في ابن عيينة، وما رأيت أحداً أكف عن الفتيا منه» ولعل هذين الأمرين إيثاره الرجوع إلى مكة، وعدم التبسط في الفتوى، من الأسباب التي منعت ترشيحه لخلافة الشافعي.
وحكايته عن الشافعي أن البويطي أحق الجماعة كانت برسالة من الشافعي وهو حي بالقرب منهم يمكنهم مراجعته كما تقدم في القصة نفسها، ومحاولة الأستاذ أن يري القارئ أن الحميدي إنما أخبر بذلك بعد وفاة الشافعي مخلوق آخر من مخلوقاته! وتكذيب ابن عبد الحكم له إن صح طيشة فتى غر محنق كما سلف،
стр. 494
والشافعي لم يسرَّ إليه، وإنما كان عنده وبقية الأصحاب بالجامع فأرسله إليهم وهم بحيث تمكنهم مراجعته. وقد جاء عن الربيع قال: «دخلنا على الشافعي عند وفاته أنا والبويطي والمزني وابن عبد الحكم، فنظر إلينا الشافعي فأطال، ثم التفت إلينا فقال: أما أنت يا يعقوب فستموت في حديدك، وأما أنت يا مزني فسيكون لك بمصر هنات وهنات، ولتدركن زماناًُ تكون أقيس أهل زمانك، وأما أنت يا محمد فسترجع إلى مذهب أبيك وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قال الربيع: «فكان كما قال» ترى القصة بسندها في (توالي التأسيس) ص٨٥.
والحميدي وإن لم يكن مصرياً فقد كان أعلم الجماعة بالحديث وأقدمهم صحبة للشافعي، ورفيقه في سفره، وكان قرشياً مكياً كالشافعي، فأخصيته به واضحة. والمجاهرة قد وقعت. وذاك الاختلاف كان في حياة الشافعي كما هو صريح في القصة. وغرامة البويطي ألف دينار لا شأن للحميدي بها، ولا لاختلاف الأصحاب، فإن الأستاذ إنما أخذ مما في (توالي التأسيس) : «قال زكريا الساجي: سمعت إبراهيم بن زياد يقول سمعت البويطي يقول: لما مات الشافعي اجتمعنا في موضعه جماعة من أصحابه فجعل أصحاب مالك يسعون بنا عند السلطان حتى بقيت أنا ومولى الشافعي، ثم صرنا بعد نجتمع ونتألف ثم يسعون بنا حتى نتفرق، فلقد غرمت نحواً من ألف دينار حتى تراجع أصحابنا وتألفنا» . فغرامة الألف كانت للسعي في إنقاذه من تحبسه الأمراء أو تنفيه من الأصحاب، فإن كان هناك برطيل فللأمراء وأشياعهم. وزعم أن البويطي رشا الحميدي حتى شهد له زوراً بهتاناً عظيم لا يضر في الدنيا والآخرة غلا مختلقه. وزعم أن هوى الحميدي كان مع البويطي مخلوق آخر ولو كان للهوى مدخل لكان هواه مع ابن عبد الحكم صديقه ومضيفه، وكان آل عبد الحكم أهل الكلمة والمكانة والثروة بمصر، لا يكاد يذكر البويطي في ذلك بالنسبة إليهم. وزعم التقارب في المنزع خلاف الواقع فإن الحميدي كان محدثاً قبل كل شيء والبويطي كان فقيهاً قبل كل شيء وبُعد
стр. 495
البويطي عن الغوص مخلوق آخر فقد كان الشافعي يحيل عليه بالفتوى في حياته وإن كان أقل مخالفة له من المزني، والمزني لم يكن عند وفاة الشافعي يحيل عليه بالفتوى في حياته وإن كان أل مخالفة له من المزني، والمزني لم يكن عند وفاة الشافعي في حد أن يصلح لخلافته كما يعلم من قول الشافعي له: «وليأتين عليك زمان ... » وكانت سنه عند وفاة الشافعي دون الثلاثين وكأنه إنما صحب الشافعي بأخرة فإنه استعان على ما فاته عن الشافعي بكتاب الربيع كما مر في ترجمة الشافعي. فأما ابن عبد الحكم فكان دون ذلك بكثير كما يعلم مما مر.
ولم ير الأستاذ في تخرصاته بعد عنائه الطويل ما يغتر به عاقل فأردف ذلك بحاشية علقها على ص ١٣١ أعاد فيها بعض ما تقدم وحاول الاستنساخ على ذلك الأسلوب فلا أطيل بذكر ذلك وما عليه، لكن زاد فيها ما قيل: أن البويطي لما حبس قال: «بريء الناس من دمي إلا ثلاثة حرملة والمزني وآخر» . وقال بعضهم أنه أراد بالآخر ابن الشافعي. فالحكاية ذكرها السبكي بقوله: «قال أبو جعفر الترمذي فحدثني الثقة عن البويطي أنه قال ... » ولا أدري كيف سندها إلى أبي جعفر ومن شيخ أبي جعفر أثقة كان حقاً أم لا، أسمع من البويطي أم بلغه عنه، والحكاية منكرة، لأن ألئك الثلاثة إن كانوا سعوا به كما قيل فالمباشر لترحيله من مصر وتقييده وحبسه غيرهم فكيف يبرئ المباشرين لظلمه دون الساعين؟ وأيضاً فلا موضع للسعي لأن قضاة مصر الحنفية الجهمية كانوا يتبعون كل من عرف بعلم أو فقه فيكرهو نه على القول بخلق القرآن وشمل ذلك جميع علماء الشافعية والمالكية بمصر. وأشبه ما تحمل عليه الحكاية إن صحة هو أن يكون الجهمية حينئذ إنما كانوا يتعرضون لمن جاهر بالإنكار عليهم وأعلن منابذتهم وتضليلهم، وكان البويطي يؤثر عدم المجاهرة فجاهر أولئك الثلاثة فأدى ذلك إلى قبض الجهمية على البويطي باعتبار أنه رئيس الجماعة والمعروف عن أولئك الثلاثة عقيدة أهل السنة.
وكأن الأستاذ يقيس أصحاب الشافعي على أصحاب أبي حنيفة إذا كذب أبو يوسف محمداً تكذيباً صريحاً فيما يرويه عنه ما في كتب الحنفية كـ (شرح السير الكبير) ج ١ ص٣ إذ ذكر الوحشة التي كانت بين أبي يوسف ومحمد ثم قال: «وسببها الخاص ما يحكى أنه جرى ذكر محمد ﵀ في مجلس الخليفة فأثنى عليه