البويطي في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحق به منك. فجاء الحميدي وكان بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من البويطي، وليس أحد من أصحابي أعلم منه. فقال له ابن عبد الحكم: كذبت. فقال له الحميدي: كذبت أنت وأبوك وأمك. وغضب ابن عبد الحكم فترك مذهب الشافعي. فحدثني ابن عبد الحكم قال: كان الحميدي معي في الدار نحواً من سنة، وأعطاني كتاب ابن عيينة، ثم أبوا إلا أن يوقعوا بيننا ما وقع» .
فأول ما يجب البحث عنه هنا هو النظر في أبي جعفر السكري حاكي القصة أثقة هو أم لا؟ أما الأستاذ فلم يهمه هذا إذ كان في القصة ما يوافق هواه، وأما أنا فقد فتشت عنه فلم أعرفه، ورأيت القصة في (تاريخ بغداد) ج١٤ ص٣٠١ وفيها «صديق للربيع» وهذا يشعر أنه ليس بالمعروف. فعلى هذا لا تثبت القصة، وإن دلت الشواهد على أن لها أصلاً في الجملة، فإن ذلك لا يُثبت من تفاصيلها ما لا شاهد له. وفي (توالي التأسيس) ص٨٤ عن الربيع صاحب الشافعي قال: «وجه الشافعي الحميدي إلى الحلقة، فقال: الحلقة لأبي يعقوب البويطي فمن شاء فليجلس ومن شاء فليذهب» وكان البويطي أسن أصحاب الشافعي وأفقههم حتى كان الشافعي يعتمده في الفتيا ويحيل عليه إذا جاءته مسألة كما في (الطبقات الشافعية) وكان ابن عبد الحكم حينئذ فتى ابن إحدى وعشرين سنة فلم يكن قد استحكم علمه ولا عقله، فمنازعته للبويطي طيشة من طيشات الشباب. وكان الحميدي أعلمهم بالحديث وأقدمهم صحبة للشافعي، لأنه قدم معه من الحجاز إلى مصر، والباقون إنما صحبوه بمصر، والحميدي قرشي مكي كما أن الشافعي كذلك فهو أقربهم إلى الشافعي وألصقهم به، ولذلك والله أعلم لما ذهب أصحاب الشافعي في مرضه إلى الجامع تخلف الحميدي عنده ثم خشي الشافعي أن يتنازعوا الحلقة فأرسل الحميدي إليهم ليبلغهم عنه، فلو شك ابن الحكم في خبر الحميدي لكان حقه أن يذهب ليراجع الشافعي لكنه عرف صدقه فاضطرم في نفسه اليأس والحزن والغضب وإن بدرت منه تلك الكلمة فهي من فلتات الغضب كما لا يخفى فلا يتشبث بمثلها في الطعن في مثل الحميدي إلا مثل الأستاذ! وقد قال هو نفسه في حاشية
стр. 492
ص٩٩: «وأهل العلم قد تبدر منهم بادرة فيتكلمون في أقرانهم بما لا يقبل فلا يتخذ ذلك حجة» .
وقد أسلفت تحقيق هذا المعنى في القاعدة الرابعة من قسم القواعد، والأستاذ يقصر عن الحق تارة، ويتعداه أخرى!
صعدة نابتة في حائر ... أينما الريح تميّلها تمل
وهكذا إن كان الحميدي لما استقبله صديقه الفتى الطياش بتلك الكلمة غلبه الغضب فأجاب بما أجاب، وحق للحميدي أن ينشق غضباً فإنه لو جاء بذاك الخبر أكذب الناس لما ساغ لعاقل أن يكذبه فيه لأن الشافعي حي يرزق بالقرب منهم، تمكن مراجعته بالسهو لة، فمن الذي يجترئ أن يكذب عليه مع علم الحميدي (١) بصدقه وأمانته وأنه لا هوى له، بل لو كان له هوى لكان مع ابن الحكم صديقه الذي أضافه في بيتهم نحواً من سنة كما نص على ذلك ابن عبد الحكم نفسه. وعلى كل حال فذاك الجواب فلتة غضب أيضاً كما لا يخفى، ولا عتب على الأستاذ في تشبثه به أيضاً لما احتاج إلى الكلام في ابن عبد الحكم كما يأتي في ترجمته!
ولم يبق الأستاذ على نفسه بل أخذ يتكهن فقال في ص ١٣٠ في الحميدي: «لما استصحبه الشافعي إلى مصر باعتبار أنه رواية ابن عيينة أخذ يطمع أن يخلف الشافعي بعد وفاته، ولما علم أن أصحابه لا يرضونه لبعده عن الفقه، حكى الشافعي أن أحق جماعته بمقامه هو البويطي، فكذبه محمد بن الحكم، ولم يكن مثل الإمام الشافعي ليسر إلى آحاد الآفاقيين بما يكتمه عن جماعته، ولو كان رأيه أن يكون البويطي خلفاً له لجاهر بذلك أمام جماعته لئلا يختلفوا بعده، وقد غرم البويطي ألف دينار والألف كثير إلى أن يصلح قلوب الجماعة كما حكى الحافظ ابن حجر في (توالي التأسيس) ، وللبراطيل أفاعيل، وكان هوى الحميدي مع البويطي
стр. 493
لتقاربهما في المنزع، وبعدهما عن الغوص على دقائق الفقه، بخلاف المزني وابن عبد الحكم ولولا أن كان راويه ابن عيينة لكان الناس استغنوا عنه وعن حديثه لبذاءة لسانه» .
أقول: الحميدي هو الذي اعتمد صحبة الشافعي وفي كتاب ابن أبي حاتم ج٣ قسم ٢ ص ٢٠٢ عن الحميدي أنه يقول: «كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة فقال لي ذات يوم: ههنا رجل من قريش له بيان ومعرفة. قلت: ومن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي. وكان أحمد بن حنبل قد جالسه في العراق. فلم يزل حتى اجترني إليه ودارت مسائل، فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ ألا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة وهذا البيان؟ فوقع كلامه في قلبي فجالسته فغلبتهم عليه ... وخرجت مع الشافعي إلى مصر» وكان الشافعي قد استكثر من ابن عيينة فلم يكن به حاجة إلى الحميدي ولا غيره، وزعم طمع الحميدي أن يخلف الشافعي بمصر من مخلوقات الأستاذ ليس عليه أدنى شبهة بل كان الحميدي مكيناً بمكة مؤثراً لها، وإنما فارقها تلك المدة إلى مصر إيثاراً لصحبة الشافعي، فكان أقصى همه أن يعود إليها ودعوى بعده عن الفقه مخلق آخر. إنما كان الغالب على الحميدي الحديث، وقد صحب ابن عيينة وأخذ من أخلاقه، وقد تقدم قول الشافعي في ابن عيينة: «ما رأيت أحداً من الناس فيه من آلة العلم ما في ابن عيينة، وما رأيت أحداً أكف عن الفتيا منه» ولعل هذين الأمرين إيثاره الرجوع إلى مكة، وعدم التبسط في الفتوى، من الأسباب التي منعت ترشيحه لخلافة الشافعي.
وحكايته عن الشافعي أن البويطي أحق الجماعة كانت برسالة من الشافعي وهو حي بالقرب منهم يمكنهم مراجعته كما تقدم في القصة نفسها، ومحاولة الأستاذ أن يري القارئ أن الحميدي إنما أخبر بذلك بعد وفاة الشافعي مخلوق آخر من مخلوقاته! وتكذيب ابن عبد الحكم له إن صح طيشة فتى غر محنق كما سلف،
стр. 494
والشافعي لم يسرَّ إليه، وإنما كان عنده وبقية الأصحاب بالجامع فأرسله إليهم وهم بحيث تمكنهم مراجعته. وقد جاء عن الربيع قال: «دخلنا على الشافعي عند وفاته أنا والبويطي والمزني وابن عبد الحكم، فنظر إلينا الشافعي فأطال، ثم التفت إلينا فقال: أما أنت يا يعقوب فستموت في حديدك، وأما أنت يا مزني فسيكون لك بمصر هنات وهنات، ولتدركن زماناًُ تكون أقيس أهل زمانك، وأما أنت يا محمد فسترجع إلى مذهب أبيك وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قال الربيع: «فكان كما قال» ترى القصة بسندها في (توالي التأسيس) ص٨٥.
والحميدي وإن لم يكن مصرياً فقد كان أعلم الجماعة بالحديث وأقدمهم صحبة للشافعي، ورفيقه في سفره، وكان قرشياً مكياً كالشافعي، فأخصيته به واضحة. والمجاهرة قد وقعت. وذاك الاختلاف كان في حياة الشافعي كما هو صريح في القصة. وغرامة البويطي ألف دينار لا شأن للحميدي بها، ولا لاختلاف الأصحاب، فإن الأستاذ إنما أخذ مما في (توالي التأسيس) : «قال زكريا الساجي: سمعت إبراهيم بن زياد يقول سمعت البويطي يقول: لما مات الشافعي اجتمعنا في موضعه جماعة من أصحابه فجعل أصحاب مالك يسعون بنا عند السلطان حتى بقيت أنا ومولى الشافعي، ثم صرنا بعد نجتمع ونتألف ثم يسعون بنا حتى نتفرق، فلقد غرمت نحواً من ألف دينار حتى تراجع أصحابنا وتألفنا» . فغرامة الألف كانت للسعي في إنقاذه من تحبسه الأمراء أو تنفيه من الأصحاب، فإن كان هناك برطيل فللأمراء وأشياعهم. وزعم أن البويطي رشا الحميدي حتى شهد له زوراً بهتاناً عظيم لا يضر في الدنيا والآخرة غلا مختلقه. وزعم أن هوى الحميدي كان مع البويطي مخلوق آخر ولو كان للهوى مدخل لكان هواه مع ابن عبد الحكم صديقه ومضيفه، وكان آل عبد الحكم أهل الكلمة والمكانة والثروة بمصر، لا يكاد يذكر البويطي في ذلك بالنسبة إليهم. وزعم التقارب في المنزع خلاف الواقع فإن الحميدي كان محدثاً قبل كل شيء والبويطي كان فقيهاً قبل كل شيء وبُعد
стр. 495
البويطي عن الغوص مخلوق آخر فقد كان الشافعي يحيل عليه بالفتوى في حياته وإن كان أقل مخالفة له من المزني، والمزني لم يكن عند وفاة الشافعي يحيل عليه بالفتوى في حياته وإن كان أل مخالفة له من المزني، والمزني لم يكن عند وفاة الشافعي في حد أن يصلح لخلافته كما يعلم من قول الشافعي له: «وليأتين عليك زمان ... » وكانت سنه عند وفاة الشافعي دون الثلاثين وكأنه إنما صحب الشافعي بأخرة فإنه استعان على ما فاته عن الشافعي بكتاب الربيع كما مر في ترجمة الشافعي. فأما ابن عبد الحكم فكان دون ذلك بكثير كما يعلم مما مر.
ولم ير الأستاذ في تخرصاته بعد عنائه الطويل ما يغتر به عاقل فأردف ذلك بحاشية علقها على ص ١٣١ أعاد فيها بعض ما تقدم وحاول الاستنساخ على ذلك الأسلوب فلا أطيل بذكر ذلك وما عليه، لكن زاد فيها ما قيل: أن البويطي لما حبس قال: «بريء الناس من دمي إلا ثلاثة حرملة والمزني وآخر» . وقال بعضهم أنه أراد بالآخر ابن الشافعي. فالحكاية ذكرها السبكي بقوله: «قال أبو جعفر الترمذي فحدثني الثقة عن البويطي أنه قال ... » ولا أدري كيف سندها إلى أبي جعفر ومن شيخ أبي جعفر أثقة كان حقاً أم لا، أسمع من البويطي أم بلغه عنه، والحكاية منكرة، لأن ألئك الثلاثة إن كانوا سعوا به كما قيل فالمباشر لترحيله من مصر وتقييده وحبسه غيرهم فكيف يبرئ المباشرين لظلمه دون الساعين؟ وأيضاً فلا موضع للسعي لأن قضاة مصر الحنفية الجهمية كانوا يتبعون كل من عرف بعلم أو فقه فيكرهو نه على القول بخلق القرآن وشمل ذلك جميع علماء الشافعية والمالكية بمصر. وأشبه ما تحمل عليه الحكاية إن صحة هو أن يكون الجهمية حينئذ إنما كانوا يتعرضون لمن جاهر بالإنكار عليهم وأعلن منابذتهم وتضليلهم، وكان البويطي يؤثر عدم المجاهرة فجاهر أولئك الثلاثة فأدى ذلك إلى قبض الجهمية على البويطي باعتبار أنه رئيس الجماعة والمعروف عن أولئك الثلاثة عقيدة أهل السنة.
وكأن الأستاذ يقيس أصحاب الشافعي على أصحاب أبي حنيفة إذا كذب أبو يوسف محمداً تكذيباً صريحاً فيما يرويه عنه ما في كتب الحنفية كـ (شرح السير الكبير) ج ١ ص٣ إذ ذكر الوحشة التي كانت بين أبي يوسف ومحمد ثم قال: «وسببها الخاص ما يحكى أنه جرى ذكر محمد ﵀ في مجلس الخليفة فأثنى عليه
стр. 496
الخليفة فخاف أبو يوسف أن يقربه فخلا به وقال: أترغب في قضاء مصر؟ فقال محمد: ما غرضك في هذا؟ فقال: قد ظهر علمنا بالعراق وأحب أن يظهر بمصر. فقال محمد: حتى أنظر. وشاور في ذلك أصحابه فقالوا له: ليس غرضه قضاؤك ولكن يريد أن ينحيك عن باب الخليفة. ثم أمر الخليفة أبا يوسف أن يحضره مجلسه، فقال أبو يوسف: إن به داءً لا يصلح معه لمجلس أمير المؤمنين. فقال: وما ذاك؟ قال: به سلس البول بحيث لا يمكنه استدامة الجلوس. فقال الخليفة: فأذن له بالقيام عند حاجته. ثم خلا بمحمد ﵀ وقال: إن أمير المؤمنين يدعوك، وهو رجل ملول فلا تطل الجلوس عنده، وإذا أشرت إليك فقم ... ولما مات أبو يوسف ﵀ لم يخرج محمد ﵀ في جنازته» .
لكن الفرق يا أستاذ واضح كان إمام أبي يوسف ومحمد مجلس الرشيد وملاذ الدنيا وبدر الدنانير وتخوت الثياب وغير ذلك، ولم يكن أمام البويطي شيء من ذلك، إنما أمامه مخالفة المالكية والجهمية والدولة واحتاج أن ينفق من صلب ماله وقوت عياله حتى ختم الله له على أيدي أصحابك بالحسنى وزيادة.
من ثناء الأئمة على الحميدي قال الإمام أحمد «الحميدي إمام» وقال أبو حاتم: «هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام» وقال يعقوب بن سفيان: «ثنا الحميدي وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه» .
فأما شدة الحميدي على أبي حنيفة فاضطره إليها ما بلغه عنه مما ذكر بعضه في الترجمة وقد صرح الأستاذ نفسه ص ٣٦ في بعضها أنه كفر صرخ، وتلك الحكاية سمعها الحميدي من حمزة بن الحارث بن عمير يرويها عن أبيه أنه سمعها من أبي حنيفة. وقد روى رجاء بن السندي - وقد تقدمت ترجمته - عن حمزة بن الحارث عن أبيه نحوها كما في الترجمة، وحمزة ثقة عندهم وكذلك أبوه عند القدماء كما تقدم في ترجمته فكان ثقة عند الحميدي، فكان عند الحميدي أن الحكاية صحيحة. وسمع الحميدي أبا صالح الفراء وهو محبوب بن موسى يحدث عن الفزاري وهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث قال: قال أبو حنيفة: «إيمان آدم وإيمان إبليس واحد ... » وقد قال عثمان بن سعيد الدارمي: ثنا محبوب بن
стр. 497
موسى الأنطاكي قال: سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: «إيمان أبي بكر الصديق وإيمان أبي بكر واحد ... » وقد مرت ترجمة الفزاري، وتأتي ترجمة عثمان وحبوب. وكان عند الحميدي أن هذه الحكاية صحيحة أيضاً. ومن تدبر الترجمة علم أنه كان عند الحميدي حكايات أخرى قد سمعها ممن هو عنده ثقة وبهذا يتبين للعالم العاقل أن الحميدي إن كان مخطئاً فهو معذور مأجور إن شاء الله تعالى. وقد عذر أهل السنة بعض من قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وجاهر بسبه ولعنه، فإن كان الحميدي مخطئاً فهو أولى وأجدر بأن يعذر ويؤجر.
فإن قيل فكذلك ينبغي أن تعذروا الكوثري وإن اعتقدتم خطأه.
قلت: أما في خطئه الذي يعذر به فحباً وكرامة، وأما ما زاد على ذلك، فقد جعل الله لكل شيء قدر!
١٢٢- عبد الله بن سعيد . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٠ من طريق أبي بكر الشافعي «حدثني عمر بن الهيثم البزاز أخبرنا عبد الله بن سعيد - بقصر ابن هبيرة - حدثني أبي أن أباه أخبره أن ابن أبي ليلى كان يتمثل ... » قال الأستاذ ص ٦٠ «إن كان أبا عباد المقبري ... وإن كان أبا سعيد الأشج.. وإن كان غيرهما كان مجهولاً هو وأبوه وجده» .
أقول: ما هو بأحدهما. والله أعلم.
١٢٣- عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبو بكر بن أبي داود السجستاني . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٣ عنه أنه قال لأصحابه «ما تقولون في مسألة ... » قال الأستاذ ص٦٨ «كذبه أبوه وابن صاعد وإبراهيم ابن الأصبهاني وابن جرير وهو ناصبي مجسم خبيث روى أخلوقة التسلق عن الزهري كذباً وزوراً، وقد شهد عليه بذلك شهود عدول هم الحفاظ محمد بن العباس الأخرم وأحمد بن علي بن الجارود ومحمد بن يحيى بن منده وكاد أن يراق دمه في أصبهان بيد أميرها أبي ليلى لولا سعي بعض الوجهاء ممن كان يجل أباه في استنقاذه بالطعن في أمثال هؤلاء
стр. 498
الشهود. وهذا حاله وإن راج على من لم يعرف دخائله. وكان هو في صف أبي عبد الله الجصاص المكشوف الأمر ضد ابن جرير» .
أقول: أما كلام أبيه فقال ابن عدي على ما في (الميزان) و (لسانه) : «حدثنا علي بن عبد الله الداهري سمعت أحمد بن محمد بن عمر بن كركرة (وفي (تذكرة الحفاظ) : محمد بن أحمد بن عمرو) بن كركرة (١) سمعت علي بن الحسين بن الجنيد سمعت أبا داود يقول: ابني عبد الله كذاب قال ابن صاعد: كفانا ما قال أبوه فيه» .
الداهري وابن كركرة لم أجد لهما ذكراً في غير هذا الموضع وقول ابن صاعد: «ما قال أبوه فيه» إن أراد هذه الكلمة، فإن كانت بلغته بهذا السند فلا نعلمه ثابتاً، وإن كان له مستند آخر فما هو؟ وإن أراد كلمة أخرى فما هي؟ وقد ارتاب الذهبي في الحكاية فقال في (تذكرة الحفاظ) ج٢ ص٣٠٢ بعد ذكر الحكاية بسندها: «وأما قول أبيه فيه فالظاهر أنه إن صح عنه فقد عنى أنه كذاب في كلامه لا في الحديث النبوي وكأنه قال هذا وعبد الله شاب طري ثم كبر وساد» . وقال ابن عدي - مع حشره كلما قيل في عبد الله - قال: كما في (الميزان) «ولولا ما شرطنا (يعني من ذكر كل من تكلم فيه وإن كان الكلام فيه غير قادح) (٢) لما ذكرته ... وهو معروف بالطلب وعامة ما كتب مع أبيه، هو مقبول عند أصحاب الحديث، وأما كلام أبيه فما أدري أيش تبين منه» .
أقول لم تثبت الكلمة، وقال ابن عدي: «سمعت عبدان يقول: سمعت أبا داود
стр. 499
السجستاني يقول: ومن البلاء أن عبد الله يطلب القضاء» . كان أبو داود على طريقة كبار الأئمة من التباعد عن ولاية القضاء، فلما طلبه ابنه كره ذلك ومن الجائز إن صح أنه قال: «كذاب» أن يكون إنما أراد الكذب في دعوى التأهل للقضاء والقيام بحقوقه. ومن عادة الأب الشفيق إذا رأى من ابنه تقصيراً أن يبالغ في تقريعه. وقد قال الأستاذ ص١٦٣. «الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب والكذب بهذا المعنى يشمل الغالط والواهم ... فلا يعتد بقول من يقول: فلان يكذب. ما لم يفسر وجه كذبه» .
وأما ابن صاعد وابن جرير فلم أجد لهما كلاماً غير قول الأول: «كفانا ما قال أبوه فيه» وقد تقدم. وقول الثاني لما قيل له: إن ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل علي بن أبي طالب: «تكبيرة من حارس» وهذا ليس بجرح إنما مقصوده أنه كما أن الحارس قد يقول رافعاً صوته: الله أكبر، لا ينوي ذكر الله وإنما يقصد أن يسمع السراق صوته فيعرفوا أنه موجود يقظان فلا يقدموا على السرقة، فكذلك قد يكون بن أبي داود يروي فضائل علي ليدفع عن نفسه ما رماه بعض الناس من النصب وهو بغض علي ﵁. وقد قال الذهبي في (التذكرة) : «لا ينبغي سماع قول ابن صاعد فيه، كما لم يعتد تكذيبه لابن صاعد، وكذا لا يسمع قول ابن جرير فيه، فإن هؤلاء بينهم عداوة بينة» .
أقول وقد قدمت تحقيق هذا البحث في القواعد.
وأما ابن الأصبهاني، فقال ابن عدي: «سمعت موسى بن القاسم الأشيب يقول: حدثني أبو بكر سمعت إبراهيم الأصبهاني يقول: أبو بكر بن أبي داود كذاب، أبو بكر شيخ الأشيب يحتمل أن يكون هو ابن أبي الدنيا لأنه ممن يروي عن إبراهيم وممن يروي عنه الأشيب، ويحتمل أن يكون غيره لأن أصحاب هذه الكنية في ذاك العصر ببغداد كثيرون ولم يشتهر ابن أبي الدنيا بهذه الكنية بحيث إذا ذكرت وحدها في تلك الطبقة ظهر أنه المراد، فعلى هذا لا يتبين ثبوت هذه الكلمة عن ابن الأصبهاني. وابن أبي داود إن كان سنة عند وفاة الأصبهاني سنة ٢٦٦ فوق
стр. 500
الثلاثين فلم يكن قد تصدى للرواية في زمانه. قال الخطيب: «أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى الهمذاني حدثنا أبو الفضل صالح بن أحمد الحافظ قال: أبو بكر عبد الله بن سليمان إمام أهل العراق وعلم العلم في الأمصار نصب السلطان المنبر فحدث عليه لفظه ومعرفته، وحدث قديماً قبل التسعين ومائتين، قدم همذان سنة نيف وثمانين ومائتين وكتب عنه عامة مشايخ بلدنا ذلك الوقت وكان في وقته بالعراق مشايخ أسند منه ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ هو» . بلى كان يذاكر وربما يتعرض لأكابر الحفاظ يذاكرهم فيتفق أن يكون عنده حديث ليس عندهم فتعجبه نفسه ويتكلم بما يعد جرأة منه وسوء أدب فيغضبهم كما فعل مع أبي زرعة. قال «قلت لأبي زرعة «ألق عليَّ حديثاً غريباً من حديث مالك. فألقى عليَّ حديث وهب بن كيسان عن أسماء: لا تحصي فيحصى عليك. رواه لي عن عبد الرحمن بن شيبة - وهو ضعيف. فقلت له: يجب أن تكتبه عني عن أحمد بن صالح عن عبد الله بن نافع بن مالك. فغضب وشكاني إلى بي وقال: انظر إلى م يقول لي أبو بكر» هكذا في (تهذيب تاريخ ابن عساكر) وغيره. فلعله كان يتعرض بمثل هذا لابن الأصبهاني، فاتفق أن وهم ولجّ فقال ابن الأصبهاني ما قال، إن صحت الحكاية عنه.
فأما بعد أن تصدى للحديث فإن الناس أكثروا السماع منه وكان كثير من الحفاظ يعادونه ويتعطشون إلى أن يقفوا له على زلة في الرواية فلم يظفروا بشيء، ولم ينكر أحد عليه حديثاً واحداً، وكانوا كلما استغربوا شيئاً من حديثه أبرز أصله بسماعه من أبيه وهو القائل:
إذا تشاجر أهل العلم في خبر ... فليطلب البعض من بعض أصولهم
إخراجك الأصل فعل الصادقين فإن ... لم تخرج الأصل لم تسلك سبيلهم
فاصدع بعلم ولا تردد نصيحتهم ... وأظهر أصولك إن الفرع متهم
وأما النصب فقال ابن عدي على ما في (تذكرة الحفاظ) : «نسب في الابتداء إلى شيء من النصب ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط ثم رده علي بن عيسى
стр. 501
فحدث وأظهر فضائل علي ثم تحنبل فصار شيخاً منهم، وهو مقبول عند أصحاب الحديث» ولم يتحقق من الذي نسبه إلى النصب وما حجته في ذلك، وكان الرجل شكس الأخلاق تياهاً وله أعداء. فإن كان شيء فقد تاب وأناب، قال أحمد يوسف الأزرق: «سمعت أبا بكر بن أبي داود غير مرة يقول: كل من بيني وبينه شيء - أو قال: كل من ذكرني بشيء - فهو في حل إلا من رماني ببغض علي بن أبي طالب» .
وأما أخلوقة التسلق فقال ابن عدي: «سمعت محمد بن الضحاك بن عمرو بن أبي عاصم يقول: أشهد على محمد بن يحيى بن منده بين يدي الله قال: أشهد على أبي بكر بن أبي داود بين يدي الله أنه قال: روى الزهري عن عروة قال: حفيت أظافر فلان من كثرة ما كان يتسلق على أزواج النبي ﷺ » محمد بن الضحاك هذا له ترجمة في (تاريخ بغداد) ج٥ ص٣٧٦ لم يذكر فيه توثيقاً ولا جرحاً.
وابن منده هو أحد الذين شهدوا بأصبهان فجرحوا، وقد ذكر الحافظان الأصبهانيان الجليلان أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان وأبو نعيم في كتابيهما في (تاريخ علماء أصبهان والواردين عليها) أبا بكر بن أبي داود وأثنيا عليه ولم يتعرضا في ترجمته للقصة، لكن ذكراها في ترجمة محمد بن عبد الله بن الحسن بن حفص فقال أبو الشيخ: «كان ورد أصبهان أبو بكر بن أبي داود السجستاني وكان من العلماء الكبار فكان يجتمع معه حفاظ أهل البلد وعلماؤهم فجرى منهم يوماً ذكر علي بن بي طلب رضوان الله عليه فقال ابن أبي داود: إن الناصبة يروون عليه أن أظفاره حفيت من كثرة تسلقه على أم سلمة. فنسبوا الحكاية إليه وألغوا ذكر الناصبة وألبوا عليه جعفر بن شريك وأولاده ... » وساق أبو نعيم القصة بأتم من ذلك قال: «محمد بن عبد الله بن الحسن بن حفص الهمذاني ... وهو الذي عمل وسعى في خلاص عبد الله بن أبي داود لما أمر أبو ليلى الحارث بن عبد العزيز بضرب عنقه لما تقولوا عليه وكان ﵀ احتسب في أمر عبد الله بن أبي
стр. 502
داود السجستاني لما امتحن، وتشمر في استنقاذه من القتل، وذلك أن أبا بكر بن أبي داود قدم أصبهان وكان من المتبحرين في العلم والحفظ والذكاء والفهم، فيحسده جماعة من الناس، وأجرى يوماً في مذاكرته ما قالت الناصبة في أمير المؤمنين علي ﵁، فإن الخوارج والنواصب نسبوه إلى أن أظافيره قد حفيت من كثرة تسلقه على زوج أم سلمة زوج النبي ﷺ . ونسبوا الحكاية إليه وتقولوا عليه وحرضوا عليه جعفر بن محمد بن شريك وأقاموا بعض العلوية خصماً له، فأحضر مجلس أبي ليلى الحارث بن عبد العزيز وأقاموا عليه الشهادة فيما ذكر محمد بن يحيى بن منده وأحمد بن علي بن الجارود ومحمد بن العباس الأخرم، فأمر الوالي أبو ليلى بضرب عنقه، واتصل الخبر بمحمد بن عبد الله بن الحسن فحضر الوالي أبا ليلى، وجرح الشهود فنسب محمد بن يحيى إلى العقوق وأنه كان عاقاً لوالده، ونسب ابن الجارود إلى أنه مُربي يأكل الربا ويؤكل الناس، ونسب الأخرم إلى أنه مفتري غير صدوق، وأخذ بيد عبد الله بن أبي داود فأخرجه وخلصه من القتل، فكان عبد الله بن أبي داود يدعوا لمحمد بن عبد الله طول حياته ويدعوا على الذين شهدوا عليه فاستجيب له فيهم وأصابت كل واحد منهم دعوته، فمنهم من احترف، (!) ومنهم من خلط وفقد عقله» . فهذان حافظان جليلان من أهل البلد الذي جرت القضية فيه، وهما أعرف بالقصة والشهود. وبعد أن قضى الحاكم ببراءة ابن أبي داود فلم يبق وجه للطعن فيه بما برأه منه الحكم، وقد شهد ثلاثة خير من هؤلاء على المغيرة بن شعبة وتلكأ الرابع فحد الصحابة الشهود ونجا المغيرة (١) ثم اتفق أهل السنة على أنه ليس لأحد أن يطعن في المغيرة بما برأه منه الحكم. فإن كان أهل العلم بعد ذلك عدلوا الثلاثة الذين شهدوا على ابن أبي داود فليس في ذلك ما ينفي أن يكونوا كانوا حين الشهادة مجروحين بما جرحوا به في مجلس الحكم. بل يقال: تابوا مما جرحوا به
стр. 503
فلذلك عدلهم أهل العلم.
وبعد فقد كانت أم سلمة ﵂ أتم أمهات المؤمنين ولاء لفاطمة ﵍ وللحسن والحسين وأبيهما، وكان علي ﵁ يثق بعظم ولائها وبعقلها ورأيها ودينها فكان يستنصحها ويستشيرها، فقد يكون بعض الناس روى أن علياً كان يتردد عليها ذلك فأخذ بعض أعداء الله تلك الحكاية وغيرها ذاك التغيير الفاجر، كما غير بعضهم حديث «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» فجعل بدل هارون قارون كما تراه في ترجمة حريز بن عثمان. وكان من عادة المحدثين التباهي بالإغراب يحرص كل منهم على أن يكون عنده من الروايات ما ليس عند الآخرين لتظهر مزيته عليهم وكانوا يعتنون شديداً لتحصيل الغرائب ويحرصون على التفرد بها كما ترى في ترجمة الحسن بن علي المعمري من (لسان الميزان) وغيره، وكانوا إذا اجتمعوا تذاكروا فيحرص كل واحد منهم على أن يذكر شيئاً يغرب به على أصحابه بأن يكون عنده دونهم، فإذا ظفر بذلك افتخر به عليهم واشتد سروره وإعجابه وانكسارهم. وقد حكى ابن فارس عن الوزير أبي الفضل ابن العميد قال: «ما كنت أظن في الدنيا كحلاوة الوزارة والرياسة التي أنا فيها حتى شاهدت مذاكرة الطبراني وأبي بكر الجعابي ... » فذكر القصة وفيها غلبة الطبراني قال ابن العميد «فخجل الجعابي، فوددت أن الوزارة لمتكن وكنت أنا الطبراني وفرحت كفرحه» راجع (تذكرة الحفاظ) ج٣ ص١٢١. ولم يكونوا يبالغون في سبيل إظهار المزية والغلبة أكان الخبر عن ثقة أو غيره، صحيحاً أو غير صحيح؟ وقد كان عند زكريا الساجي حديث عن رجل واه ومع ذلك لما لم يوجد ذاك الحديث إلا عند الساجي صار له به شأن. وفي (لسان الميزان) : «قال الساجي: كتب عني هذا الحديث البزاز وعبدان وأبو داود وغيرهم من المحدثين. قال القراب: هذا حديث الساجي الذي كان يسأل عنه» . وكانت طريقتهم في المذاكرة أن يشير أحدهم إلى الخبر الذي يرجو أنه ليس
стр. 504
عند صاحبه ثم يطالبه بما يدل على أنه قد عرفه، كان يقول الأول: مالك عن نافع قال ... ، فإن عرفه الآخر قال: حدثناه فلان عن فلان عن مالك. وقد يذكر ما يعلم أنه لا يصح أو أنه باطل كأن يقول: المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً: «أبغض الكلام إلى الله الفارسية» . أو يقول: أبو هريرة مرفوعاً: «خلق الله الفرس» الخ. وقد تقدم في ترجمة حماد بن سلمة.
وكان ابن أبي داود صلفاً تياهاً حريصاً على الغلبة فكأنه سمع من بعض النواصب يروي بسند فيه واحد أو أكثر من الدجالين إلى الزهري أنه قال: قال عروة ... فحفظ ابن أبي داود الحكاية مع علمه واعتقاده بطلانها لكن كان يعدها للأغراب عند المذاكرة ولما دخل أصبهان ضايق محدثيها في بلدهم فتجمعوا عليه وذاكروه فأعوزه أن يغرب عليهم ففزع إلى تلك الحكاية فقال: الزهري عن عروة ... فاستفظع الجماعة الحكاية ثم بدا لهم أن يتخذوها ذريعة إلى التخلص من ذلك التياه الذي ضايقهم في بلدهم، فاستقر رأيهم على أن يرفعوا ذلك إلى الوالي ليأمر بنفي ابن أبي داود فيستريحوا منه، إذ لا يرون في القضية م يوجب القتل فلما مر أبو ليلى بما أمر سقط في أيديهم، رأوا أنهم إن راجعوه عاد الشر عليهم فقيظ (١) الله ﵎ ذلك السّري الفاضل محمد بن عبد الله بن الحسن فخلصهم جميعاً. ومن الجائز أن يكون ابن أبي دود قبل نفيه من بغداد وقعت له مثل هذه الواقعة ولكن كان أهل بغداد أعقل من أهل أصبهان فاقتصروا على نسبته إلى النصب ونفيه من بغداد. وعلى كل حال فقد أساء جد الإساءة بتعرضه لهذه الحكاية من دون أن يقرنها بما يصرح ببطلانها، ولا يكفيه من العذر أن يقال قد جرت عادتهم في المذاكرة بأن يذكر أحدهم من يرجوا أن يغرب به على الآخرين بدون التزام أن يكون حقاً أم باطلاً. لكن الرجل قد تاب وأناب كما تقدم والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولو كان الذنب كفراً صريحاً. وبعد التوبة لا يجوز الطعن في الرجل بما قد تاب منه ولو كان كفراً. والذين كانوا يشنعون على أبي حنيفة بأنه
стр. 505
استتيب من الكفر مرتين إنما كانوا يستروحون إلى أن عوده إلى ما استتيب منه حتى استتيب ثانياً كأنه يريب في صحة توبته الأولى، وأنه بقي عنده ما يناسب ما استتيب منه وإن لم يكن كفراً، وهذا تعنت سوغه عندهم أنهم احتاجوا إليه للتنفير عن أتباع أبي حنيفة فيما لم يرجع عنه مما يرونه أخطأ فيه.
وبعد فقد أطبق أهل العلم على السماع من ابن أبي داود وتوثيقه والاحتجاج به ولم يبق معنى للطعن فيه بتلك الحكاية وغيرها مما مرّ، فروى عنه الحاكم أبو أحمد والدارقطني وابن المظفر وابن شاهين وعبد الباقي بن قانع حافظ الحنفية وأبو بكر بن مجاهد المقري، وخلق لا يحصون، وتقدم قول بي الفضل صالح بن أحمد التميمي الهمذاني الحافظ فيه: «إمام العراق وعلم العلم في الأمصار ... » وتقدم أيضاً ثناء أبي الشيخ وأبي نعيم، وذكر السلمي أنه سأل الدارقطني عنه؟ فقال: «ثقة إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث» وقال الخليلي «حافظ إمام وقته عالم متفق عليه واحتج به من صنف الصحيح أبو علي النيسابوري وابن حمزة الأصبهاني. وكان يقال: أئمة ثلاثة في زمن واحد ابن أبي داود وابن خزيمة وابن أبي حاتم» وقد طعن لأستاذ في هؤلاء الثلاثة كلهم وعدهم مجسمين يعني أنهم على عقيدة أئمة الحديث، وقد ذكرت ما يتعلق بذلك في قسم الاعتقاديات. وقال محمد بن عبد الله بن الشخير في ابن أبي داود «كان زاهداً عالماً ناسكاً ﵁ وأسكنه الجنة برحمته» .
١٢٤- عبد الله بن صالح . مرت الإشارة إلى حكايته في ترجمة الصقر قال الأستاذ ص٢٩ «كتب الليث المختلط» .
أقول: لم يتبين لي أهو هو أم عبد الله بن صالح العجلي أحد الثقات أم غيرهما؟ وكاتب الليث لم يختلط، ولكن أدخلت عليه أحاديث وترى شرح ذلك والفصل فيه في (مقدمة فتح الباري) . (١)
١٢٥- عبد الله بن عدي أبو أحمد الجرجاني الحافظ مؤلف (الكامل) وغيره.
стр. 506
تعرض له الأستاذ ص١٦٩ قال: كان ابن عدي عل بعده من الفقه والنظر والعلوم العربية طويل اللسان في أبي حنيفة وأصحابه» .
أقول: أبو أحمد إمام في الحديث ورجاله وعلله، واشتغاله بذلك عن التبسط في الفقه والنظر، لا يدل على بعده عن التأهل لذلك، وكان عنده من معرفة اللسان ما يكفيه، وأما طول لسانه فذلك مقتضى مقامه وله في ذلك أسوة بأكابر أئمة السنة. (١)
١٢٦- عبد الله بن عمر بن الرماح . راجع (الطليعة) ص٦٠ - ٦١. وفي (تهذيب التهذيب) ج٧ ص٤٤٧ وص١٦٠: أنه يقال لعمر بن ميمون بن بحر بن الرماح والد عبد الله هذا «عمر بن الرماح» ينسب إلى جده الأعلى، وهكذا وقع في (سنن الترمذي) في «باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر» ومن لازم هذا أن يقال لعبد الله هذا: «عبد الله بن عمر بن الرماح» فزعم الأستاذ في (الترحيب) ص٤٤ - ٤٥ أنني أنا تزيدت في نسبه ما شيءت من الأسماء. تهمة باطلة، إنما بينت ما قام عليه الدليل، فأما تصحيف «عمر» إلى عثمان كعكسه فكثير في الكتب، وقد ذكرت في (الطليعة) شاهده من كلام الأستاذ نفسه. وإذا ذكر صاحب العلم أنه وقع في العبارة تصحيف أو نسبة للرجل إلى جده أو غير ذلك، فالمدار على الدليل فإن كان معه دليل فحقه أن يشكر، وإلا فحقه أن يعاب ويزجر، ولا سيما إذا كان الدليل يدفع ما ذكره. فلا يكفي الأستاذ في دفع ما انتقدته عليه من هذا القبيل مما يخالف الدليل أن ينتقد علي ما وقع مني من ذاك القبيل حيث يقتضيه الدليل!.
بقي أن الأستاذ زعم أن عبد الله زعم أن عبد الله بن عمر بن ميمون بن بحر بن الرماح مجهول الصفة. فأقول: قال ابن حبان في (الثقات) : «عبد الله بن عمر بن ميمون بن الرماح السعدي أبو عبد الرحمن البلخي قاضي نيسابور روى عن مالك ووكيع وأهل
стр. 507
العراق، حدثنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاري وعبد الله بن محمد الأزدي: مستقيم الحديث إذا حدث عن الثقات، وقد قيل: كنيته أبو محمد، وكان مرجئاً، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين» . وهذا من ابن حبان توثيق مقبول كما يأتي في ترجمته.
قال الأستاذ: «فلا يناهض ما تواتر ... » .
أقول: أجل، لا يناهض ما صح تواتره، بل لا يناهض ما هو أثبت منه وإن لم يتواتر، فإن كان الذي يناقض خبر عبد الله هذا متواتراً حقاً أو أثبت من خبر عبد الله على الأقل، اندفع خبر عبد الله، وليس هذا موضع النظر في ذلك، وقد عرفنا الأستاذ ودعاويه. والله الموفق.
١٢٧- عبد الله بن عمرو أبو معمر المنقري . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٢ من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: «حدثني أبو معمر قال: قيل لشريك ... » قال الأستاذ ص٦٤: «فإن كان عبد الله بن عمرو المنقري البصري فهو قدري لا تقبل روايته في حق مخالفه في المذهب، وإن كان الهروي فقد سبق. على أن لفظ أبي معمر لفظ انقطاع» .
أقول: هو الهروي حتماً واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن معمر تقدمت ترجمته، وفي ترجمته من (تهذيب التهذيب) : « ... نزيل بغداد روى عن ... شريك ... وعنه البخاري ومسلم ... وعبد الله بن أحمد ... قال عبد الله بن أحمد سمعت أبا معمر يقول: من زعم أن الله لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر - وذكر أشياء من الصفات - فهو كافر بالله ... مات ... سنة ٢٣٦» فأما المنقري فبصري معقد توفي سنة ٢٢٤ وعبد الله بن أحمد ولد ببغداد سنة ٢١٣ وليس في ترجمته من (التهذيب) ذكر روايته عن شريك ولا رواية لعبد الله بن أحمد عنه، وهو مع ذلك ثقة جليل. وما ذكر به من القدر لا يقدح فيه، وقول الأستاذ: «لا تقبل روايته في حق مخالفه» وقد تقدم النظر في ذلك في القواعد، وكذلك النظر فيما يتعلق بقوله: «لفظ انقطاع» . وكلا الرجلين أعني: المنقري، والهروي غير مدلس. والله الموفق.
стр. 508
١٢٨- عبد الله بن محمد بن حميد أبو بكر بن أبي الأسود . في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٨٧ -) عنه «عن بشر بن مفضل قال قلت لأبي حنيفة ... » قال الأستاذ ص٧٨: قال ابن أبي خيثمة: كان ابن معين سيء الرأي في أبي بكر بن أبي الأسود» .
أقول هذا مجمل وقد جاء عن ابن معين أنه قال: «ما أرى به بأساً» وجاء عنه أيضاً أنه قال: «لا بأس به ولكنه سمع من أبي عوانة وهو صغير وقد يطلب الحديث» فهذا يفسر رواية ابن أبي خيثمة. وقال ابن المديني: «بيني وبين أبي الأسود ستة أشهر ومات وأبو عوانة وأنا في الكتاب» ومولد ابن المديني سنة ١٦١ وذكر هو أن وفاة أبي عوانة سنة ١٧٥ وقال غيره سنة ١٧٦. فعلى ذلك يكون سن ابن أبي الأسود حين وفاة أبي عوانة خمس عشرة سنة أو أكثر وكان ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي فقد يكون ساعده هو أو غيره في الضبط، وقد صح الجمهور السماع في مثل تلك السن وفيما دونها. نعم يؤخذ من كلام بعضهم أن أبا عوانة توفي سنة ٢٧٠ ووقع في (تاريخ جرجان) لحمزة السهمي حكاية ذلك عن بعض الحفاظ كما يأتي في ترجمة أبي عوانة فعلى هذا يكون سن ابن أبي الأسود نحو تسع سنين لكن ذلك القول شاذ ومع ذلك فابن تسع سنين قد يصح سماعه عندهم. والذي يرفع النزاع من أصله أنه ليس في سماع الرجل وهو صغير ما يوجب الطعن فيه، وإنما يتوجب الطعن فيه، وإنما يتوجه الطعن إذا كان السماع غير صحيح، ومع ذلك كان الرجل يبني عليه ويروي بدون أن يبين وهذا منتف ها هنا، أما أو ّلاً فلأن احتمال صحة سماعه من أبي عوانة ظاهر ولا سيما على المعروف من أن وفاة أبي عوانة كانت سنة خمس أو ست وسبعين ومائة. وأما ثانياً فلأن البخاري وأبا داود والترمذي أخرجوا لابن أبي الأسود ولم يذكروا شيئاً من روايته عن أبي عوانة وذلك يدل على أحد أمرين: إما أن يكون ابن أبي الأسود لم يروعن أبي عوانة شيئاً، وإما أن يكون ربما روى عنه مع بيان الواقع. وعلى هذا فيكون كلام ابن معين وابن المديني إنما هو على
стр. 509
سبيل الاحتياط علماً أنه سمع من أبي عوانة وهو صغير فخشيا أن يعتمد على ذلك فيروي من غير بيان. فأما حاله في نفسه وفي روايته عن غير أبي عوانة فلا مطعن فيه، وقد روى عنه البخاري في (صحيحه) وروى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده كما في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم، وقال الخطيب: «كان حافظاً متقناً» . وحكايته المتقدمة أول الترجمة من روايته عن بشر بن المفضل المتوفى سنة ١٨٧، أي حين كان سن ابن أبي الأسود ستا وعشرين سنة أو أزيد. والله الموفق.
١٢٩- عبد الله بن محمد بم جعفر بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني الحافظ . قال الأستاذ ص٤٩: «صاحب (كتاب العظمة) و (كتاب السنة) وفيهما من الأخبار التالفة مالا آخر له، وقد ضعفه بلديه الحافظ العسال بحق» .
أقول: أما ما في كتبه من الأخبار الواهية فهو كغيره من حفاظ عصره وغيرهم قال ابن حجر في (لسان الميزان) ج٣ ص٧٥ في ترجمة الطبراني: «عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث الأفراد مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات ... وهذا أمر لا يختص به الطبراني ... بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جرا إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته» وقد مر النظر في ذلك في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني.
فأما العسال فهو أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان الأصبهاني، له أيضاً كما في ترجمته من (تذكرة الحفاظ) ج٣ ص٩٧ (كتاب العظمة) ، و (كتاب المعرفة في السنة) ، و (كتاب الرؤية) وغيرها ولعل فيها نحو ما في كتب أبي الشيخ. وما زعم الأستاذ أن العسال ضعف أبا الشيخ فلم أظفر بذلك، إلا أني أذكر أنني قبل مدة وقفت على قصته في كتاب لا أذكر الآن أي كتاب هو؟ جرت ببن عالمين، فإن كانا هما العسال وأبا الشيخ فحاصل القصة على ما أذكر أن
стр. 510
أبا الشيخ كان عنده حكاية يرى العسال أنه خطأ من بعض الرواة أو أن فيه مقالة رجع عنها صاحبها، وذكر العسال أنه سيهجر أبا الشيخ حتى يخرج الحكاية من كتابه، وليس في هذا تضعيف، ولا أذكر في القصة ما يصح أن يعد تضعيفاً، وعلى العالم أن لا يُعمي مصدره فيتعب الناس ويرتابوا فيه. بل ينبغي له أن ينص على مصدره اللهم إلا أن يكون على طرف التمام كأن يقول في راوٍ: ضعفه فلان، وذلك موجود في ترجمة الرجل من (الميزان) مثلاً فهذا لا حرج فيه. فأما من يعمي مصدره ولا سيما في عصرنا هذا، فإنما يدل على أنه لأمر م يكره أن يعرفه الناس والكتب التي بأيدينا ليس فيها إلا لثناء على أبي الشيخ وتوثيقه وإطراؤه فلم يذكر الذهبي في (الميزان) ولا ابن حجر في (اللسان) ولا أشار الذهبي إلى تليين له في
(تذكرة الحفاظ) وهكذا عدة كتب أخرى توجد فيها ترجمته وذلك م تعمية الأستاذ لمصدره كافٍ في الدلالة على أن ما زعمه لأستاذ غير صحيح، إما لعدم صحة إسناده، وإما لأنه ليس ما وقع بتضعيف، وإما لغير ذلك.
هذا وقد كنت كتبت إلى بعض أهل العلم أسألهم، فلم أحصل على خبر إلا أن أحدهم أخبرني أنه اجتمع بالأستاذ الكوثري نفسه (١) .
١٣٠- عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني . في (تاريخ بغداد) (١٣/٤٠٤) : أخبرني أبو نصر أحمد بن الحسين القاضي بالدينور أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السني الحافظ قال: حدثني عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا هارون بن إسحاق سمعت محمد بن عبد الوهاب القناد يقول: حضرت مجلس أبي حنيفة فرأيت مجلس لغو لا وقار فيه، وحضرت مجلس سفيان الثوري فكان الوقار والسكينة والعلم فلزمته» . قال الأستاذ ص١٢٥: «ليس أبا الشيخ ابن حيان لأنه لم يدرك هارون بن إسحاق الهمذاني المتوفى سنة ٢٥٨ بل هو القاضي القزويني الكذاب
стр. 511
المشهور الذي وضع على لسان الشافعي نحو مائتي حديث ولم يرو الشافعي شيئاً من ذلك أصلاً، لكن الخطيب لا يتورع أن يروي بطريقه في مثالب أبي حنيفة كما لا يتحرج أن يروي بطريقه في مناقب الشافعي ... ولولا مثل هذه الأمور المكشوفة لما كانت السهام المصوبة إلى نحر الخطيب لتصيب المقتل منه» .
أقول: أما الجزم بأنه ليس أبا الشيخ ففي محله، وأما الجزم بأنه القزويني فليس بجيد لأنهم لم ينصوا على أنه يروي عن هارون ولا على أن ابن السني يروي عنه، وكتب الرجال التي بين أيدينا لم تستوعب الرواة، نعم يظهر من كلام الذهبي في خطبة (الميزان) أنه استوعب المتكلم فيهم، أن من لم يذكره فهو إما ثقة وإما مستور، ومعلوم أن ذلك بحسب ما وقف عليه ولم يغفل عنه، وقد استدرك عليه من بعده جماعة ووقفت أنا في الكتب الأخرى على أفراد مضعفين لم يذكروا في (لسان الميزان) . وحاول جماعة استيعاب الثقات. والموجود بين أيدينا من كتاب ابن حبان وهو مختص بالقدماء هارون ابن إسحاق وطبقته من قبلهم، وكثيراً ما يوجد في أسانيد كتب الحديث التي لم يعتن أهل العلم باستيعاب رواتها وكتب التاريخ وغيرها مما تذكر فيه الأخبار بأسانيدها أسماء رواة لا نجدهم في الكتب التي بأيدينا ومنها أسماء تشبه الموجودين في الكتب ولكن تقوم القرائن على أن المذكور في السند رجل آخر، فإن فرضنا أن الخطيب التزم أن لا يروي في (تاريخه) شيئاً عن مثل القزويني فهذه قرينة على أنه كان يرى أن هذا الرجل غير القزويني، وإن كان الخطيب لم يلتزم ذلك وفرضنا أن هذا الرجل هو القزويني وأن الخطيب عرف ذلك فعذر الخطيب واضح وهو أنه لم يلتزم أن لا يروي عن مثله مثل تينك الحكايتين.
أما الحكاية التي في (مناقب الشافعي) فإنما هي رؤيا لا تضع حكماً ولا ترفعه، والمناقب مما يتسامح فيها وقد تسامح الحنفية في رواية الأكاذيب المكشوفة والأحاديث الموضوعة في مناقب إمامهم كما يأتي في ترجمة محمد بن سعيد البورقي مع أمثلة أخرى لا تحصى، وتبعهم الخطيب نفسه فروى في مناقب أبي حنيفة كثيراً من
стр. 512
ذلك، بل تسامح الحنفية في الكتب التي يسميها الأستاذ «المسانيد السبعة عشر» ، وزاد عليهم الأستاذ فاحتج أشياء من ذلك.
وأما الحكاية التي في صدر هذه الترجمة فما يتعلق منها بالثوري ثابت من غير وجه كما يعلم من مراجعة ترجمته في (تقدمة الجرح التعديل) لكتاب ابن أبي حاتم و (تاريخ بغداد) وغيرهما «حتى كان الرجل يجئ إلى المكان الذي فيه الثوري وأصحابه فيقرب من المكان فيحسبه خالياً فإذا فتح الباب وجده غاصاً بالناس» . وما يتعلق بأبي حنيفة إنما المراد باللغو رفع الأصوات في المناظرة وبالرأي والمراد بالوقار خفض الأصوات. وعلى هذا فمعنى ذلك ثابت أيضاً بروايات أخرى. ومع هذا فالقزويني إنما خلط في آخر عمره فإن كان هو الواقع في السند وعرف الخطيب ذلك فلعله علم أن سماع بن السني من القزويني قديم. قال مسلمة بن قاسم في القزويني: «كان كثير الحديث والرواية وكان فيه بأوٌ (١) شديد وإعجاب، وكان لا يرضى إذا عورض في الحديث أن يخرج لهم أصوله ويقول: هم أهو ن من ذلك. قال: فحدثني أبو بكر المأمون وهو من أهل العلم العارفين بوجوهه قال: ناظرته يوماً وقلت له: ما عليك لو خرجت لهم أصلاً من أصولك؟ فقال: لا ولا كرامة ثم قام فأخرجها، وعرض عليّ كل حديث اتهموه فيه مثبتاً في أصوله» وقال ابن يونس: «كان محموداً في القضاء وكانت له حلقة بمصر وكان يظهر عبادة وورعاً، وثقل سمعه جداً، وكان يفهم الحديث ويحفظ ويُملي ويجتمع إليه الخلق فخلط في الآخر ووضع أحاديث ... » ثم قال: «مات بعد أن افتضح بيسير» .
١٣١- عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بصاحب الخان بأرمية . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٨ «أخبرنا أبو نصر أحمد بن إبراهيم المقدسي بسادة حدثنا عبد الله (كذا) محمد بن جعفر المعروف بصاحب الخان بأرمية قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي ... » قال الأستاذ ص١١١ «والله أعلم بحال من لا يعرف إلا بصاحب الخان بأرمية» .
стр. 513
أقول: وأنا لم أعرفه ولا أدري ما الساقط أكلمة «بن» بعد عبد الله أم كلمة «أبو» قبلها؟
١٣٢- عبد الله بن محمد بن سيار الفرهياني ويقال الفرهاذاني . في (تاريخ بغداد) الأئمة تلعن أبا فلان على هذا المنبر - وأشار إلى منبر دمشق. قال الفرهياني: وهو أبو حنيفة» قال الأستاذ ص١٤٥ «من شيوخ ابن عدي ومحمد بن الحسن النقاش ومن طرازهما في المعتقد فلا يوثقه إلا مثله» قال قبل ذلك: «لعن شخص معين لا يكون فيه نص في الشرع على أنه من أهل النار يعد ذنباً عظيماً في هذا الدين الحنيف ... على أن ... في رواية أبي مسهر ... كانت الأئمة تلعن أبا فلان ... فجعل الفراهيناني (١) الخبيث أبا فلان أبا حنيفة من غير دليل ... »
أقول: قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج٢ ص٢٥ «الحافظ الإمام الثقة ... روى عنه محمد بن الحسن النقاش المقرئ وأبو أحمد بن عدي وأبو بكر الإسماعيلي وبشر بن أحمد الأسفرائني وأبو عمرو بن حمدان وغيرهم قال ابن عدي: كان رفيق النسائي وكان ذا بصر بالرجال وكان من الأثبات، سألته أن يملي عليّ عن حرملة؟ فقال: حرملة ضعيف.
ثم أملى عليّ ثلاثة أحاديث ولم يزدني» وقد حاول الأستاذ ص٦٦ أن يجعل ابن أبي العوام من الثقات الأثبات لأنه روعن النسائي، مع أن رواية عن مثل النسائي أو من هو خير منه لا تدل على إسلام الراوي فكيف عدالته؟ فكيف أن يكون من الثقات الأثبات. فأما مرافقة مثل النسائي في العلم وطلبه فدلالتها على حسن حال المرافق ظاهرة؛ وابن عدي من أجلة
стр. 514
أئمة الفن وإن كره الأستاذ. ومعتقده هو السنة بل هو الإسلام وإن رغم الجهمية! وقد تقدم الإشارة إلى هذا في قسم القواعد وبسطت الكلام في العقائد في قسم الاعتقاديات.
وأما لعن المعين فالخلاف فيه مشهور. ولعل من شدد في المنع منه إنما ذهب إلى سد الذريعة لئلا يتوصل إلى لعن بعض الصحابة. على أنه قد كان يبلغ علماء دمشق عن أبي حنيفة كلمات يرونها كفراً وبعضها مسطر في (التأنيب) نفسه، وظاهر أسانيدها الصحة، فلا مانع أن يبنوا على ظاهر ذلك ومن بنى على الظاهر فأخطأ فهو معذور. وقول الفرهياني «وهو أبو حنيفة» لم يقلها بغير دليل وقد مرّ في (الترجمة) نفسها من (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٨ من طريق أبي مسهر نفسه «قال سلمة بن عمرو القاضي على المنبر: لا رحم الله أبا حنيفة فإنه أول من زعم أن القرآن مخلوق» والدعاء بعدم الرحمة هو معنى الدعاء بالإبعاد عنها وهو معنى اللعن. فأما قول الأستاذ: «الخبيث» فأدع حسابها إلى الله .
١٣٣- عبد الله بن محمد بن عبد العزيز أبو القاسم البغوي ابن بنت حمد بن منيع. و: ابن منيع. و: المنيعي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٨: «أخبرنا العتيقي أخبرنا جعفر ابن محمد بن الطاهري حدثنا أبو القاسم البغوي حدثنا زياد بن أيوب حدثني حسن بن أبي مالك وكان من خيار عباد الله قال: قلت لأبي يوسف القاضي: ما كان أبو حنيفة يقول في القرآن؟ قال فقال: كان يقول: القرآن مخلوق. قال قلت: فأنت يا أبا يوسف؟ فقال: لا. قال أبو القاسم: فحدثت بهذا الحديث القاضي البرتي، فقال لي: وأي حسن كان، وأي حسن كان؟ يعني: الحسن بن أبي مالك. قال أبو القاسم: فقلت للبرتي: هذا قول أبي حنيفة؟ قال: نعم المشيءوم، قال جعل يقول: أحدث بخلقي» قال الأستاذ ص٥٤: «هذه كذبة متراكبة على ألسنة أبي يوسف وابن أبي مالك وأحمد بن القاسم البرتي وثلاثتهم من أغير أهل العلم على مذهب بي حنيفة، وأرطبهم لساناً في الثناء على أبي حنيفة. ولا أتهم بهذه الرواية السخيفة سوى أبي القاسم البغوي - إن كان الخطيب سمعها من العتيقي،
стр. 515
وقد قال ابن عدي عن حاله عند أهل بغداد: وجدت الناس أهل العلم والمشايخ مجمعين على ضعفه. وتجد بعد هذا الإجماع من يروي عنه. وكم أوقع الرواة تطلب العلو في الرواية عن الضعفاء والهلكى، لولا أن البغوي الحنبلي عاش وعلت سنه لما كان يروي عن أحد ممن له شأن لظهور مبدأ أمره كما سبق» .
أقول: أما غيرة أولئك الثلاثة على مذهب أبي حنيفة وثناؤهم عليه فلم يصح من ذلك أن يخالفوه في تلك المقالة كما خالفه أبو يوسف في مسائل لا تحصى، ولا مانع من أن يخبر بعضهم بعضاً بها، ولا أن يخبرها الحسن زياداً ليعلمه براءة أبي يوسف من تلك المقالة، ولا سيما إذا علم أنه مستفيضة عن أبي حنيفة، وكان حفيده إسماعيل بن حماد يصرخ بها صراخاً أيام المحنة وأنها دين أبيه وجده، وجاء عن الحِمَّاني أنه حدثه عشرة كلهم ثقات أنهم سمعوا أبا حنيفة يقول هذه المقالة. الأستاذ وإن تكلم في الرواة فهو يعترف بل يتبجح بأن أبا حنيفة كان يقول ذلك. وكذلك لا مانع أن يخبر البرتي البغوي لعلمه بأنه قد علم ذلك وليعلمه براءته، مع أن الحسن والبرتي كانا من لاعتدال والاستقامة وحب السنة بمكان، ولذلك أطاب أهل الحديث أنفسهم الثناء عليهما.
وأما البغوي فإن أهل العلم بعده أجمعوا على توثيقه، هذا ابن عدي بعد أن حط عليه بما لا يوجب جرحاً لم ينكر عليه إلا حديثاً واحداً أشار إلى أنه غلط في إسناده فأثبت ابن حجر في (لسان الميزان) أن الغلط من شيخ البغوي، وأن البغوي بعد اطلاعه على أنه غلط كف عن روايته ثم عاد ابن عدي فأنصف وقال: «ولولا أني شرطت أن كل من تُكُلِّمَ فيه (يعني ولو بكلام يسير لا يقدح) أذكره أذكره وإلا كنت لا أذكره» . وأعرض الخطيب عن كلام ابن عدي رأساً، وذكره ابن الجوزي في (المنتظم) ج٦ ص٢٢٩ وذكر بعض كلام ابن عدي وأجاب عنه وقال: «هذا كلام لا يخفى أنه صادر عن تعصب» وقال الذهبي في (الميزان) : «تكلم فيه ابن عدي بكلام فيه تحامل ثم في أثناء الترجمة أنصف ورجع عن الحط عليه» . وإنما كان البغوي عالي الإسناد حديد اللسان يفتخر على المحدثين في عهده في
стр. 516
بلده ويتكلم فيهم فيتكلمون فيه بم ليس بموجب جرحاً، وروى الخطيب أن ابن أبي حاتم سئل البغوي فقال: «لا شك أنه يدخل في الصحيح» وعن الدارقطني أنه سئل عن البغوي فقال: «ثقة جبل إمام من الأئمة ثبت أقل المشايخ خطأ» وعن موسى بن هارون أنه سئل عن البغوي؟ فقال: «ثقة صدوق لو جاز أن يقال لإنسان إنه فوق الثقة لقيل له» . وقال الخطيب في أول ترجمته «كان ثقة ثبتاً مكثراً فهماً عارفاً» . وقال الذهبي في (التذكرة) : «واحتج به عامة من خرج الصحيح كالإسماعيلي والدارقطني والبرقاني ... وقال أبو يعلى الخليلي: البغوي شيخ معمر ... حافظ عارف صنف مسند عمه وقد حسدوه في آخر عمره فتكلموا فيه بشيء لا يقدح فيه» . ووثقه أيضاً مسلمة بن قاسم كما في (لسان الميزان) فهذا هو الإجماع يا أستاذ! وهل يضر البغوي بعد ذلك أن يتهمه مثلك؟
وأما الخطيب فقد ترجمته وأنت تعرف صدقه وثبته حق المعرفة وإن أظهرت التشكك. والله المستعان. (١)
١٣٤- عبد الله بن محمد العتكي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٢٥ من طريق «الأبار حدثنا عبد الله بن محمد العتكي البصري حدثنا محمد بن أيوب الذراع قال: سمعت يزيد بن زُريع ... » قال الأستاذ ص١٦: «العتكي والذراع مجهولان» .
أقول: لم أعرفهما بعد وفي الرواة حسين بن محمد بن أيوب الذراع يروي عن يزيد بن زريع وغيره كما في ترجمته من (التهذيب) وهو بصري ثقة. فالله أعلم.
١٣٥- عبد الله بن محمود . راجع (الطليعة) ص٨٦ - ٨٧. زعم الأستاذ في (الترحيب) أنه لم يوثقه أحد من أهل عصره (٢) وأن الحاكم متأخر عنه، مع أن الحاكم
стр. 517
لا يعتد به. فأما الذهبي فمتابع للحاكم. ثم أومأ الأستاذ إلى أن بعض أهل عصره وثقه، وأنني إذا فتشت وجدته.
فأقول: لا حاجة إلى التفتيش، والحاكم أقرب إلى عبد الله بن محمود من ابن معين إلى أبي حنيفة! فضلاً عن التابعين وأتباعهم الذين يوثقهم ابن معين وعمل أهل العلم بتوثيقه لهم، والحاكم إمام مقبول القول في الجرح والتعديل ما لم يخالفه من يرجح عليه وستأتي ترجمته. ولم يقتصر الذهبي على حكاية كلمة الحاكم بل قال من عنده: «الحافظ الثقة» ، وفوق ذلك فعبد الله من شيوخ ابن خزيمة كما في (تذكرة الحفاظ) ولعله روى عنه في صحيحه. ومن شيوخ ابن حبان كما في معجم البلدان (بُسْت) وذكره في (ثقاته) وذكر تاريخ وفاته، وتوثيق ابن حبان لمن عرفه حق المعرفة من أثبت التوثيق كما يأتي في ترجمته.
١٣٦- عبد الله بن معمر . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٢ من طريق أحمد بن مهدي حدثنا عبد الله بن معمر حدثنا مؤمّل بن إسماعيل ... » قال الأستاذ ص٦٥: «متروك كما في (الميزان) » .
أقول: الذي في (الميزان) لا يتبين أهذا هو أم غيره. والحكاية التي ساقها الخطيب لما عنده عدة طرق أخرى.
١٣٧- عبد الأعلى بن مسهر أبو مسهر الدمشقي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٢ من طريق «يعقوب بن سفيان حدثني علي بن عثمان بن نفيل حدثن أبو مسهر حدثني يحيى بن حمزة ... » قال الأستاذ ص٣٩: «ممن أجاب في المحنة، فترد الرواية مطلقاً عند من يرد رواية من أجاب في المحنة» .
أقول: هذا إمام جليل من الشهداء في سبيل السنة ومن فرائس الحنفية الجهمية لمخالفته لهم في الفقه والعقيدة ولم يجب بحمد الله تعالى، ومن زعم أنه أجاب فقد صرح بأن ذلك بعد تحقق الإكراه، قال ابن سعد: «أشخص من دمشق إلى المأمون في المحنة فسئل عن القرآن فقال: كلام الله. فدعي له بالسيف ليضرب عنقه، فلما
стр. 518
رأى ذلك فقال: مخلوق. فأمر بإشخاصه إلى بغداد فحبس بها فلم يلبث إلا يسيراً حتى مات» وقال أبو داود: «كان من ثقات الناس، لقد كان من الإسلام بمكان حمل على المحنة فأبى، وحمل على السيف فمد رأسه وجرد السيف فأبى أن يجيب، فلما رأوا ذلك منه حمل إلى السجن فمات» . وأبو داود أثبت من عدد مثل ابن سعد، والظاهر أنه لم يحضر الواقعة واحد منهما ولكن بعض الحاضرين لها من الجهمية أخبر بما ذكر ابن سعد، وبعض الحاضرين من أهل السنة أخبر بما ذكر أبو داود. والمشدِّد على الذين أجابوا في المحنة هو الإمام أحمد ومع ذلك لم يقل لا تقبل روايتهم، وإنما كره الكتابة عنهم. وقد سلف بيان الوجه في ذلك في ترجمة إسماعيل بن إبراهيم بن معمر، ثم الظاهر أن ذاك خاص بمن أجاب قبل تحقق الإكراه. فأما أبو مسهر فإن كان أجاب فبعد تحقق الإكراه وقد أثنى عليه بعد موته الإمام أحمد نفسه قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: رحم الله أبا مسهر ما كان أثبته» .
١٣٨- عبد الرحمن بن بشير بن سلمان . في (تاريخ بغداد) (١٣/١٨١) من طريق «علي بن ياسر حدثني عبد الرحمن بن الحكم بن شتر (؟ بشير) بن سلمان عن أبيه أو غيره وأكبر ظني أنه من غير أبيه قال: كنت عند حماد بن أبي سليمان ... » قال الأستاذ ص ٦١: «ولم أر من وثقه» .
أقول: ذكر ابن أبي حاتم في جملة من روى عن عبد الرحمن هذا أبا زرعة ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج ٢ص ٤١٦. وذكر ابن أبي حاتم عن إبراهيم بن موسى قال: ما رأيت أحداً أفهم لمشيخة أبي إسحاق الهمداني من عبد الرحمن بن الحكم» قال ابن أبي حاتم: «سمعت محمد بن مسلم (بن وارة) يقول: كان عبد الرحمن بن الحكم أعلم الناس بشيوخ الكوفيين» . ورأيت ابن أبي حاتم ينقل أشياء من كلامه جرحاً وتعديلاً وهذا يقتضي أنه عنده ممن يقبل منه ذلك (١) .
стр. 519
١٣٩- عبد الرحمن بن عمر الزهري أبو الحسن الأصبهاني الأزرق المعروف برسته . في (تاريخ بغداد) (١٣/٤١٠) عنه عن جبر وهو عصام بن يزيد الأصبهاني «سمعت سفيان الثوري يقول: أبو حنيفة ضال مضل» قال الأستاذ ص١٣٦: «رسته أصبهاني ميلاده سنة ١٨٨ في رواية ابن أخيه قبل وفاة ابن مهدي بعشر سنين فقط ويستبعد أن يجهل ابن أخيه ميلاده، ومع هذا يقال: إنه روى عن ابن مهدي ثلاثين ألف حديث فلا يتصور هذا لإكثار لابن عشر وقد انفرد ابن ماجه من أصحب الأصول الستة بالرواية عنه. قال أبو موسى المديني: تكلم فيه أبو مسعود - وهو الحافظ البارع أحمد بن الفرات الرازي - كتب إلى أهل الري وينهاهم عن الرواية عنه. ويكثر الغريب في حديثه، وقال أبو محمد بن حيان غرائب حديثه تكثر» .
أقول في (تهذيب التهذيب) : «قال محمد بن عبد الله بن عمر بن مزيد: ولد عمي عبد الرحمن سنة ١٨٨ ومات سنة ٢٥٥ وقال أبو الشيخ: مات سنة ٢٤٦ ويقال سنة ٥٠» قال ابن حجر «في صحة ما ذكر من مولده نظر. فإن أبا نعيم في (تاريخ أصبهان) وصفه بأنه كان رواية يحيى القطان وابن مهدي ... وابن مهدي مات سنة١٩٨ ... ويحيى القطان مات أيضاً في أوائل سنة ٩٨» أقول: وقفت على نسخة قلمية من (كتاب أبي الشيخ) ونسخة قلمية من (تاريخ أبي نعيم) وفي كل واحد منهما أنه مات سنة ٣٤٦ ويقال سنة ٥٠ (١) ولم يذكروا خلاف ذلك ولا ذكرا مولده ولم أجد فيهما ترجمة لابن أخيه. وذكرا أخاه عبد الله وأنه أيضاً رواية لابن مهدي والقطان وأنه توفي سنة ٢٥٢ زاد أبو نعيم: «ولد سنة سبع وثمانين ومائتين» كذا، وفي المطبوعة: سبع وثمانين ومائة. وذكر أبو نعيم أخاهما محمد بن عمر وقال: «توفي سنة ثلاث وستين ومائتين وله اثنان وسبعون سنة وكان أصغر الأخوة» ! وكنت أخشى أن يكون في العبارة تصحيفاً، لكن في النسخة المطبوعة ١/١٨٧ ما يوافقها، ولفظه: «توفي سنة ثلاث وستين ومائتين في الوباء وله اثنان وتسعون
стр. 520
سنة» ؛ فعلى هذا سكون مولده سنة ١٧١ فعلى أقل تقدير يكون مولد عبد الرحمن سنة ١٧٠. وذكر أبو الشيخ وأبو نعيم ترجمة لابن عبد الرحمن وهو الحسن بن عبد الرحمن بن عمر وأنه سمع من عثمان بن الهيثم، وعثمان بن الهيثم توفي سنة ٢٢٠. وروى أبو نعيم من طريق الحسن: «نا العلاء بن عبد الجبار» والعلاء توفي سنة ٢١٢ وهو بصري نزل مكة فسمع الحديث، كل هذا وعمر عبد الرحمن نحو أربع وعشرين سنة. وروى أبو الشيخ عن إبراهيم بن محمد بن الحارث عن أحمد بن حنبل قال: «ما ذهبت يوماً إلى عبد الرحمن بن مهدي إلا وجدت الأخوين لأزرقين عنده، يعني عبد الرحمن وأخاه» ولإبراهيم هذا عند أبي الشيخ وأبي نعيم ترجمة حسنة وإن لم يصرحا بتوثيقه.
وفي (التهذيب) في ترجمة عبد الرحمن هذا: «قال أحمد: ما ذهبت إلى ابن مهدي إلا وجدته عنده» وابن مهدي قدم بغداد سنة ثمانين ومائة وفي التي تليها وأخذ أحمد يتردد إليه من حينئذ. وربما كان الصواب في عمر محمد «اثنان وسبعون سنة» فلا يلزم أن يكون مولد عبد الرحمن على أقل تقدير سنة ١٧٠ كما مرّ. ومع ذلك فكلمة الإمام أحمد وما تقدم من رواية الحسن بن عبد الرحمن: حدثنا العلاء بن عبد الجبار. يدفع أن يكون مولد عبد الرحمن سنة ١٨٨ ولولا ذلك لقلت: لعله ولد أول سنة ١٨٨ وكان أخوه عبد الله أكبر منه بسنة فوردا بغداد في سنة ١٩٦ وأحد هما في التاسعة والآخر في العاشرة وكان الوارد بهما رجل ثقة ثبت ذو جاه فحظي عند ابن مهدي والقطان فأقبلا على الإملاء على الغلامين بحضرة كل منهما وضبط لهما سماعهما في أصول محققة، فاطلع أبو زرعة وأبو حاتم وابن وارة على تلك الأصول فوجدوها مثبتة محققة فاعتمدوا عبد الرحمن. والله أعلم بحقيقة الحال.
وقال أبو موسى المديني: «تكلم فيه أبو مسعود، وخرج إلى الري فكتب إليهم فيه فلم يبالوا بكتابه وحضر مجلسه أبو حاتم وأبو زرعة وابن وارة» . وقال ابن أبي
стр. 521
حاتم: «روى عن عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ... روى عنه أبي وأبو زرعة ... سئل أبي عنه فقال: صدوق» . ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج٢ ص٤١٦. وكل من أبي زرعة وأبي حاتم وابن وارة أجل من أبي مسعود وأثبت وأيقظ وأعرف، فما رووا عن هذا الرجل عن ابن مهدي والقطان إلا وقد عرفوا صحة سماعه منهما.
وأما الغرائب، فمن كثر حديثه كثرت غرائبه، وليس ذلك بقدح ما لم تكن منا كير الحمل فيها عليه، وليس الأمر هنا كذلك، وقد قال أبو الشيخ في أبي مسعود: «وغرائب حديثه وما ينفرد به كثير» ويقول نحو هذا في تراجم آخرين وثقهم هو وغيره. وذكر ابن حبان عبد الرحمن هذا في (الثقات) . وفي ترجمة جبّر من (كتاب أبي الشيخ) من طريق سفيان صالح بن مهران عن جبر عن الثوري كلمة أخرى أشد مما رواه عبد الرحمن فهي في معنى المتابعة له. والله أعلم. (١)
١٤٠- عبد الرحمن بن محمد بن إدريس أبو محمد بن أبي حاتم الرازي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٤٠٠ عنه «حدثنا أبي حدثنا ابن أبي سريج قال: سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك بن أنس، وقيل له تعرف أبا حنيفة؟ فقال: نعم، ما ظنكم برجل لو قال هذه السارية ذهب لقام دونها حتى يجعلها من ذهب أو فضة وهي من خشب أو حجارة!. قال أبو محمد: يعني أنه كان يثبت على الخطأ ولا يرجع إلى الصواب إذا بان له» تكلم الأستاذ في هذا ص ١١٤ - ١١٦ وهو كلام طويل، فلنلخص مقاصده:
الأول: أن المعروف في الحكاية «لقام بحجته» بدل «لقام دونها ... » كذلك في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٣٥ و (المنتظم) لابن الجوزي وكذلك في رواية أبي الشيخ عن أبي العباس الجمال عن أبي سريج ومثلها في (طبقات الفقهاء) للشيرازي.
الثاني: أن مقصود مالك مدح أبي حنيفة بقوة العارضة، وقد روى ابن عبد البر
стр. 522
من طريق «أحمد بن خالد الخلال: سمعت الشافعي يقول: سئل مالك ... قيل له: فأبو حنيفة؟ قال: لو جاء إلى أساطينكم هذه - يعني السواري - فقايسكم على أنها من خشب لظننتم أنها خشب» .
الثالث: أن ابن أبي حاتم مع اعترافه بأنه يجهل علم الكلام كما في (الأسماء والصفات) ص٢٩٦ يدخل في مضايق علم أصول الدين مباعداً التفويض والتنزيه كما يعلم من كتابه (الرد على الجهمية) ويقول: بأن قول «لفظي بالقرآن مخلوق» كفر مخرج عن الملة.
الرابع: أنه روى عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ما فيه غض من أبي حنيفة مع علمه بانحراف الجوزجاني من أهل الكوفة.
الخامس: قال الأستاذ: «لو كشفنا الستار عما ينطوي ابن أبي حاتم عليه من الاعتقاد الرديء الحامل له على أعداء أهل الحق لطال بنا الكلام فلنكتف بهذه الإشارة، ليعلم أنه لا يؤخذ منه إلا فنه فيما لا يكون مثار تعصبه» .
أقول: أما حكاية ابن أبي سريج عن الشافعي عن مالك فرواية ابن أبي حاتم أثبت إسناداً فإنه حافظ ثقة ثبت قيدها في كتاب مصنف وأبوه إمام، أما رواية الخطيب التي أشار إليها الأستاذ فرواها عن البرقاني هو على اصطلاح الأستاذ مجهول الصفة إنما ذكروا أن البرقاني سمع منه في أول أمره، ومحمد بن أيوب في تلك الطبقة وذاك البلد اثنان أحدهما: محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس الحافظ الثقة، والثاني محمد بن أيوب بن هشام، كذبه أبو حاتم ولا تعرف لواحد منهما رواية عن ابن أبي سريج ولا عن واحد منهما رواية لابن حمدان. وقد روى الخطيب (١٣/٣٩٤) من طريق القاسم بن أبي صالح حدثنا محمد بن أيوب بن هشام الرازي كذبه أبو حاتم» هذا مع أن ابن هشام هذا لا تعرف له رواية عن
стр. 523
إبراهيم، وإنما الذي يروي عن إبراهيم هو محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس كما في ترجمة إبراهيم من (تهذيب المزي) فإن أحب الأستاذ فليعترف بأن محمد بن أيوب هناك هو ابن يحيى بن الضريس فنعترف له بأن الظاهر هنا أنه هو أيضاً، وإن لم نعرف له رواية عن ابن أبي سريج، لكن هو المشهور في تلك الطبقة والمتبادر عند الإطلاق ويبقى النظر في ابن حمدان. فأما رواية أبي الشيخ فلم أقف عليها، فإن ثبتت عنه بقي النظر في حال أبي العباس الجمال، وقد ذكره أبو الشيخ وأبو نعيم فوصفاه بالعلم، ولم يوثقاه. فأما ما في (المنتظم) فمأخوذ من رواية الخطيب وكذلك ما في (طبقات الفقهاء) مأخوذ من رواية أبي الشيخ، فابن حمدان والجمال على اصطلاح الأستاذ مجهول الصفة فأين هما من ابن أبي حاتم؟ ومحمد بن أيوب بن يحيى الضريس وإن كان ثقة ثبتاً إلا أنه دون أبي حاتم، مع أن هناك احتمالاً أن محمد بن أيوب هو ابن هشام وهذا الاحتمال وإن كان خلاف الظاهر لكنة لا يهدر عند الحاجة إلى الترجيح. فأما رواية ابن عبد البر ففي سندها أحمد بن الفضل وهو كما قال لأستاذ «الدَيْنَوري» له ترجمة في (لسان الميزان) ج١ ص٢٤٦ وفيها عن الحافظ ابن الفرضي « ... وكان عنده مناكير وقد تسهل فيه الناس وسمعوا منه كثيراً وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى: لقد كان بمصر يلعب به الأحداث ويسرقون كتبه وما كان ممن يكتب عنه» وفيها عن أبي عمرو الداني أنه بلغه أن أبا سعيد ابن الأعرابي كان يضعف أحمد بن الفضل هذا ويتهمه ومع ذلك فليست هذه الرواية من طريق ابن أبي سريج.
فقد أتضح أن رواية ابن أبي حاتم هي الثابتة.
وأما ما هو مقصود مالك فالله أعلم، فقوله في رواية ابن أبي حاتم: «حتى يجعلها ذهباً» يحتمل معاني:
الأول: أن تكون «حتى» بمعنى إلى و «يجعل على حقيقته. أي لقام دونها وبقي على دعواه ومناظرته إلى أن يصير السارية ذهباً، وذلك ما لا يكون فالمعنى: أنه لا يرجع عن دعواه ومجادلته أبداً، كما قال الله : ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ
стр. 524
فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ .
المعنى الثاني: أن تكون حتى بمعنى إلى أيضاً و «يجعل ... » بمعنى يجعل في ظن السامع أي لا يزال يورد الشبهات إلى أن يخيل للسامع أن السارية ذهب.
المعنى الثالث: أن تكون «حتى» بمعنى كي و «يجعل ... » بمعنى يجعل في ظن السامع أي لقام يستدل على أنها ذهب لكي يخيل إلى السامع ذلك. والمعنى الأول هو الذي فهمه ابن أبي حاتم وهو ذم؛ والمعنى الثاني وصف بقوة العارضة والقدرة على الجدل. والمعنى الثالث وصف باستمرار الموصوف على ما سبق أن قاله، ومحاولة أن يخيل للسامع صحته. وقوله في الرواية الأخرى «لقام حجته» ظاهر في المعنى الثاني فإنه لا يمكن أن تكون هناك حجة حقيقة على أن الحجر أو الخشب ذهب وإنما قد يمكن أن تورد شبهة يتوهم السمع أنها حجة. وهذا المعنى كما تقدم وصف بقوة العارضة والقدرة على الجدل، وهو فيما بين الناس مدح، فأما بالنظر إلى الأحكام الشرعية فيحتمل المدح بأن يكون المقصود أن أبا حنيفة كان من القدرة على بيان الحق وإقامة الحجة عليه غاية بحيث لو فرض أنه ادعى الباطل لأمكنه أن يخيل لسامع أنه حق فما بالك بالحق؟ ويحتمل الذم بأن يكون المقصود أنه كان ماهراً في الجدل والمخاصمة بحيث يُرى الباطل حقاً والحق باطلاً.
وزعم الأستاذ أن ابن أبي حاتم إنما سمع الحكاية بلفظ «لقام بحجته» فغيرها إلى ما وقع في روايته ليصرفها إلى الذم، تهمة باطلة وفرية كاذبة وبهتان عظيم.
أولاً: لما ثبت من ديانة ابن أبي حاتم وأمانته وصدقه وورعه.
ثانياً: لأن اللفظ الواقع في روايته يحتمل ن يكون مدحاً كما مر فلو كان ممن يستحل التغيير لغير إلى لفظ صريح في الذم واستغنى عن التفسير الذي يمكن أن
стр. 525
ينازع فيه.
ثالثاً: لفظ «لقام حجته» يحتمل أن يكون ذماً أيضاً كما مر فلو كان ابن أبي حاتم حريصاً على أن يحمل الحكاية على الذم لأمكنه أن يفسر هذا اللفظ بما يقتضي الذم ويحتج بقول الله ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وبعد أحاديث معروفة، فما الذي يلجئ ابن أبي حاتم إلى أن يضحي بأمانته في النقل وهي رأس مال مثله لأجل غرض يمكنه تحصيله بدون تلك التضحية؟
ولو فرضنا أن الحكاية رويت عن ابن أبي سريج من عدة أوجه صحيحة وثيقة يجب ترجيحها على رواية ابن بي حاتم لما ساغ أن يتهم، بل يحمل على أنه سمع الحكاية، ففهم منها المعنى الذي ظهر من اللفظ الذي عبر به ولم يكتبها، ثم مضت عليها مدة فاحتاج إلى أن يذكر الحكاية فلم يتذكر لفظها فعبر عنها بما يراه يؤدي ذلك المعنى الذي فهمه. واحتاط فلم يأت بلفظ صريح، بل أتى بلفظ محتمل، ثم فسره بالمعنى الذي فهمه. ومثل هذا أو أشد منه قد يتفق في الأحاديث النبوية لمن هو أجل من ابن أبي حاتم ثم لا يكون موجباً وهناً ما في الراوي.
أما الأمر لثالث فقد أجبت عنه في قسم الاعتقاديات وإن صح عن ابن أبي حاتم إطلاق إن قول «لفظي بالقرآن مخلوق» كفر مخرج عن الملة، فمراده بذلك، قول تلك الكلمة معنياً بها أن القرآن مخلوق، وأهل العلم قد يحكمون على الأمر بأنه كفر ولا يحكمون بأن كل من وقع منه خارج عن الملة، لأن شرط ذلك أن لا يكون له عذر مقبول. ويأتي مثل هذا في الزنا والربا وغيرهما، وقد جاء في الحديث تعريف الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره، (١) وقد يذكر المؤمن أخاه بما يكره غير شاعر بأنه يكرهه بل ظاناً أنه يحبه. فلا يلحقه الإثم وإن صح أن يسمى ما وقع منه غيبة، وصح أن يقال: الغيبة حرام يأثم صاحبها، وقد قال الله ﵎ ﴿مَنْ
стр. 526
كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ النحل - ١٠٦.
المختار من معنى الآية أن التقدير: «من كفر بالله بعد إيمانه فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان» ، فحذف هذا الجواب وهو قولنا «فعليهم غضب ... » لدلالة ما بعد ذلك عليه. فدل الاستثناء على أن من أكره فأظهر الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فقد كفر من بعد إيمانه وإن كان لا غضب عليه ولا عذاب. ومع هذا فقد يكون أطلق في القرآن في مواضع كثيرة ترتب العقوبة على الكفر. فعلم بذلك جواز ذاك الإطلاق وإن كان الحكم مختصاً بغير المكره لأنه قد قام الدليل على إخراج المكروه فلا محذور في الإطلاق. فكذلك هنا لا حرج في إطلاق أن قول تلك الكلمة كفر مخرج عن الملة. وإن كان هذا الحكم مختصاً بمن ذكرنا.
وأما الأمر الرابع فقد سلف الجواب عنه في ترجمة الجوزجاني.
وأما الأمر الخامس فجابه في قسم الاعتقاديات وفي القاعدة الثالثة من قسم القواعد.
أما قوله: «لا يؤخذ منه إلا فنه فبما لا يكون مثار تعصبه» إن أراد به رد ما يرويه ابن أبي حاتم مما فيه غض من أبي حنيفة وأصحابه فقد أبطل، وأتى بما لا يستحق أن يذكر، فكيف أن يقبل؟! وإن أراد رد رأي ابن أبي حاتم كقوله في تفسير تلك الكلمة: «يعني أنه كان يثبت على الخطأ ... » فلا وجه للرد ولكن ينبغي التثبت والتدبر، فإن تبين خطأ ابن أبي حاتم رد عليه خطؤه كما يرد على غيره، وإن تبين صوابه وجب القبول، وإن لم يظهر ذا ولا ذا نظرنا فإن كان ذاك حكماً منه في جرح أو تعديل كقوله: «فلان ثقة» أو «فلان ضعيف» وجب قبوله إلا أن يعارضه ما هو أولى بالقبول منه. وراجع ترجمة ابن أبي حاتم في (تذكرة الحفاظ)
стр. 527
ج٣ ص٤٦. وفي مقدمتي لكتابه «الجرح والتعديل» (١) .
١٤١- عبد الرزاق بن عمر البَزيعي . في ترجمة أبي يوسف من (تاريخ بغداد) (١٤/٢٥٦) حكاية من طريقه عن ابن المبارك. قال الأستاذ ص١٧٨: «ليس في ترجمة أبي يوسف عند الخطيب كلمة تعزى إلى ابن المبارك إلا في سندها من لا يجوز الاحتجاج به ومن هو غير ثقة مثل ... وعبد الرزاق بن عمر» .
أقول: قال الراوي عنه محمد بن عبيد بن عتبة الكندي: «كان من خيار الناس» وذكره ابن حبان في (الثقات) .
١٤٢- عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٧ من طريقه «حدثني إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي قال: حدثني أبو إسحاق الفزاري قال: كنت آتي أبا حنيفة أساله عن الشيء من أمر الغزو، فسألته عن مسألة فأجاب فيها ... » قال الأستاذ ص٧٧: «عزله يحيى بن أكثم لسبب لا بد أن يكون غير ضعفه في الفقه ثم أعاده الحشوية إلى القضاء حينما قامت لهم سوق» .
أقول: روى عنه مسلم في مقدمة (صحيحه) وأبو داود في (سننه) ، وأبو داود لا يروي إلا عن ثقة كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد، وذكره ابن حبان في (الثقات) . وفي (التهذيب) : «قال أبو علي بن خاقان أحسن أحمد القول فيه قال: ما بلغني إلا خير. وقال أحمد بن كامل: كان عفيفاً، قال: وبلغني أن المتوكل قال ليحيى: لم عزلته؟ قال: أراه ضعيفاً في الفقه. قال: فكتب المتوكل إلى أهل بغداد كتاباً وكتب عهداً ولم يسم القاضي وأمر أن يسأل عن الوابصي فإن رضوا به وقع اسمه في العهد فأجمعوا على الرضا به. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: «كان جميل الطريقة» ، كان الوابصي سنياً فكأن الجهمية ألحوا على يحيى بن أكثم في عزله فعزله اتقاء لشرهم فلما كان في خلافة المتوكل بعد ارتفاع المحنة كانوا ربما يسألون الإمام أحمد عمن يريدون توليته القضاء فسألوه عن محمد بن شجاع ابن الثلجي الجهمي
стр. 528
الذي تقدم شيء من حاله في ترجمة حماد ابن سلمة، فقال أحمد: لا ولا على حارس. وكأنه سئل عن الوابصي فقال: ما علمت إلا خيراً. فقال المتوكل ليحيى بن أكثم: لم عزلته؟ فكأنه خاف أن يقول: إرضاءً للجهمية، فأجاب بما تقدم. فكأن الأستاذ أشار إلى هذا، كأنه أراد أن الوابصي - كما يقول - من الحشوية. وأراد بالحشوية أهل السنة الإمام أحمد وأصحابه وموافقيه. ولا أجازي الأستاذ على هذا ولكني أقول: الموفق حقاً ومن وفق لمعرفة الحق وأتباعه ومحبته، والمحروم من حرم ذلك كله، فما بالك بمن وقع في التنفير من الحق وعيب أهله؟!
١٤٣- عبد السلام بن محمد الحضرمي . مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة بقية. قال الأستاذ ص١٨٦: «يقول عنه أبو حاتم: صدوق. إلا أن هذا اللفظ مصطلح عنده فيمن يجب النظر في أمره، فيكون مردود الرواية إذا لم يتابع. ولم يتابع» .
أقول: أبو حاتم ﵀ معروف بالتشدد، قلما وجدته يقول في رجل «هو
صدوق» إلا وقد وثقه غيره، وعبد السلام هذا ذكره ابن حبان في (الثقات) وتفرده بتلك الحكاية لا يضره. والله الموفق.
١٤٤- عبد العزيز بن الحارث أبو الحسن التميمي . مر في ترجمة الخطيب أحمد بن علي بن ثابت تجني ابن الجوزي على الخطيب أنه مال على أبي الحسن ووعدت أن أفرد له ترجمة أو ضح فيها ما ظهر لي أن الخطيب إما مصيب مشكور وإما مخطئ معذور.
ترجمة أبي الحسن في (تاريخ بغداد) ١٠/٤٦١ وذكر فيه أمرين وذكر في ترجمة ابنه عبد الوهاب ١١/٣٣ ثالثاً، وهي هذه
الأول: قال: «حدثني الأزهري قال: قال لي أبو الحسن بن رزقويه: وضع أبو الحسن التميمي في مسند أحمد بن حنبل حديثين فأنكر أصحاب الحديث عليه ذلك وكتبوا محضراً أثبتوا فيه خطوطهم بشرح حاله. قال الأزهري: ورأيت المحضر عند ابن رزقويه، وفيه خط الدارقطني وابن شاهين وغيرهما» .
стр. 529
الثاني: قال الخطيب: حدثني أبو القاسم عبد الواحد بن علي العكبري قال: حدثني الحسن بن شهاب عن عمر بن المسلم قال حضرت مع عبد العزيز بن الحارث الحنبلي بعض المجالس فسئل عن فتح مكة أكان صلحاً أو عنوة؟ فقال: عنوة. فقيل: ما الحجة في ذلك؟ فقال: ثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الصواف حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق عن مالك - أو معمر: قال عبد الواحد: أنا أشك - عن الزهري عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في فتح مكة أكان صلحاً أو عنوة؟ فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: عنوة. قال ابن المسلم: فلما خرجنا من المجلس قلت له: ما هذا الحديث؟ قال: ليس بشيء وإنما صنعته في الحال لأدفع به الخصم» .
الثالث: قال الخطيب في ترجمة عبد الوهاب: «حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكنية بن عبد الله التميمي قال سمعت أبي يقول ... » فساق السند مسلسلاً بالآباء إلى أكنية «يقول سمعت علياً وسئل عن الحنان المنان ... » وساق الذهبي في ترجمة أبي الحسن من (الميزان) بالسند إليه قال «سمعت أبي ... » بسلسلة الآباء إلى «أكنية يقول سمعت أبي الهيثم يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما اجتمع قوم على ذكر إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة» قال الذهبي: «المتهم به أبو الحسن وأكثر أجداده لا ذكر لهم في تاريخ ولا في أسماء رجال» .
فأما الأمر الأول، فأجاب عنه ابن الجوزي في (المنتظم) ج٧ ص١١٠ بقوله: «يجوز أن يكون قد كتب في بعض المسانيد من مسند آخر، ومن مسموعاته من غير ذلك المسند، متى كان الشيء محتملاً لم يجز أن يقطع على صاحبه بالكذب، نعوذ بالله من الأغراض الفاسدة على أنها تحول عن صاحبها» .
أقول: يقع في بعض مسانيد الصحابة من (المسند) أحاديث لصحابي آخر ففي مسند ابن عباس من (المسند) ج١ ص٢٥٨ حديث من رواية أبي هريرة مرفوعاً وفي الصفحة التي تليها حديث من رواية أنس مرفوعاً، ولذلك نظائر فكأن مقصود
стр. 530
ابن الجوزي أنه يجوز أن يكون أبو الحسن حول الحديثين المذكورين مثلاً فألحق الأول في مسند أبي هريرة والثاني في مسند أنس. ولا يخفى بُعد هذا الاحتمال إذ لو كان هذا هو الواقع لما كان هناك ما يدعو الحفاظ الأثبات كالدارقطني وابن شاهين إلى شدة الإنكار وكتابه المحضر، ولما عبر ابن رزقويه بقوله: «وضع أبو الحسن» فأما قول ابن الجوزي «ومن مسموعاته» فكأنها راد به أنه إن لم يكون ذانك الحديثان من (المسند) فيجوز أن يكون سمعها من أبو الحسن خارج (المسند) بسند (المسند) كأن يكون (المسند) عنده من روايته عن ابن الصواف عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، وسمع بهذا السند نفسه حديثين مفردين فألحقهما في (المسند) . وهذا الاحتمال أقرب من الأول، وعليه فلم فلم يكن من أبي الحسن وضع ولا افتراء. ويبقى النظر في صورة إلحاقه، فإن كان أنهما علقهما في الحاشية على سبيل الفائدة الزائدة لا على إيهام أنهما منه، فقد أساء، إلا أنه لا يكون ذلك وضعاً للحديث وافتراءً له. وإنكار الحفاظ وكتابة المحضر وقول ابن رزقويه «وضع ... في (مسند أحمد) » يدل أن الواقع لم يقتصر على الكتابة في الحاشية بدون إيهام.
وقد وقع التقصير من الجانبين، قصر الأزهري عن تفصيل القضية فلم يذكر ما هما الحديثان وما قال الحفاظ، وقصر محدثوا الحنابلة فلم يراجعوا عند كتابة المحضر ولم ينقلوا بيان الحال إن كان كان الواقع على وجه لا يضر صاحبهم أبا الحسن. فلو ساغ لابن الجوزي أن يتهم الخطيب بالميل لساغ لمن يدافع عن الخطيب أن يقول: لو كان هناك ميل لتداركه محدثوا الحنابلة في عصر الخطيب عندما سمعوا ما ذكره الخطيب في (تاريخه) ، ولعلهم كانوا قد علموا بالقضية أو سألوا عنها فعرفوها ورأوا أن السكوت عنها أولى، لأن ذكرها مفصلة لا ينفع صاحبهم بل لعله يكون أضر عليه. وقد كان ابن الجوزي قريباً من عصر الواقعة فإن لم يعتن بالبحث عنها والسؤال فقد قصر، وإن بحث وسأل فعرفها فما باله اقتصر على التجويزات البعيدة والتجني على الخطيب؟ ولا يظن به أنه بحث وسأل فلم يجد خبراً ولا أثراً إلا ما ذكره الخطيب، لأنه لو كان الأمر