← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 12767

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (924 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ النحل - ١٠٦. المختار من معنى الآية أن التقدير: «من كفر بالله بعد إيمانه فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان» ، فحذف هذا الجواب وهو قولنا «فعليهم غضب ... » لدلالة ما بعد ذلك عليه. فدل الاستثناء على أن من أكره فأظهر الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فقد كفر من بعد إيمانه وإن كان لا غضب عليه ولا عذاب. ومع هذا فقد يكون أطلق في القرآن في مواضع كثيرة ترتب العقوبة على الكفر. فعلم بذلك جواز ذاك الإطلاق وإن كان الحكم مختصاً بغير المكره لأنه قد قام الدليل على إخراج المكروه فلا محذور في الإطلاق. فكذلك هنا لا حرج في إطلاق أن قول تلك الكلمة كفر مخرج عن الملة. وإن كان هذا الحكم مختصاً بمن ذكرنا. وأما الأمر الرابع فقد سلف الجواب عنه في ترجمة الجوزجاني. وأما الأمر الخامس فجابه في قسم الاعتقاديات وفي القاعدة الثالثة من قسم القواعد. أما قوله: «لا يؤخذ منه إلا فنه فبما لا يكون مثار تعصبه» إن أراد به رد ما يرويه ابن أبي حاتم مما فيه غض من أبي حنيفة وأصحابه فقد أبطل، وأتى بما لا يستحق أن يذكر، فكيف أن يقبل؟! وإن أراد رد رأي ابن أبي حاتم كقوله في تفسير تلك الكلمة: «يعني أنه كان يثبت على الخطأ ... » فلا وجه للرد ولكن ينبغي التثبت والتدبر، فإن تبين خطأ ابن أبي حاتم رد عليه خطؤه كما يرد على غيره، وإن تبين صوابه وجب القبول، وإن لم يظهر ذا ولا ذا نظرنا فإن كان ذاك حكماً منه في جرح أو تعديل كقوله: «فلان ثقة» أو «فلان ضعيف» وجب قبوله إلا أن يعارضه ما هو أولى بالقبول منه. وراجع ترجمة ابن أبي حاتم في (تذكرة الحفاظ)

стр. 527

ج٣ ص٤٦. وفي مقدمتي لكتابه «الجرح والتعديل» (١) . ١٤١- عبد الرزاق بن عمر البَزيعي . في ترجمة أبي يوسف من (تاريخ بغداد) (١٤/٢٥٦) حكاية من طريقه عن ابن المبارك. قال الأستاذ ص١٧٨: «ليس في ترجمة أبي يوسف عند الخطيب كلمة تعزى إلى ابن المبارك إلا في سندها من لا يجوز الاحتجاج به ومن هو غير ثقة مثل ... وعبد الرزاق بن عمر» . أقول: قال الراوي عنه محمد بن عبيد بن عتبة الكندي: «كان من خيار الناس» وذكره ابن حبان في (الثقات) . ١٤٢- عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٧ من طريقه «حدثني إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي قال: حدثني أبو إسحاق الفزاري قال: كنت آتي أبا حنيفة أساله عن الشيء من أمر الغزو، فسألته عن مسألة فأجاب فيها ... » قال الأستاذ ص٧٧: «عزله يحيى بن أكثم لسبب لا بد أن يكون غير ضعفه في الفقه ثم أعاده الحشوية إلى القضاء حينما قامت لهم سوق» . أقول: روى عنه مسلم في مقدمة (صحيحه) وأبو داود في (سننه) ، وأبو داود لا يروي إلا عن ثقة كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد، وذكره ابن حبان في (الثقات) . وفي (التهذيب) : «قال أبو علي بن خاقان أحسن أحمد القول فيه قال: ما بلغني إلا خير. وقال أحمد بن كامل: كان عفيفاً، قال: وبلغني أن المتوكل قال ليحيى: لم عزلته؟ قال: أراه ضعيفاً في الفقه. قال: فكتب المتوكل إلى أهل بغداد كتاباً وكتب عهداً ولم يسم القاضي وأمر أن يسأل عن الوابصي فإن رضوا به وقع اسمه في العهد فأجمعوا على الرضا به. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: «كان جميل الطريقة» ، كان الوابصي سنياً فكأن الجهمية ألحوا على يحيى بن أكثم في عزله فعزله اتقاء لشرهم فلما كان في خلافة المتوكل بعد ارتفاع المحنة كانوا ربما يسألون الإمام أحمد عمن يريدون توليته القضاء فسألوه عن محمد بن شجاع ابن الثلجي الجهمي

стр. 528

الذي تقدم شيء من حاله في ترجمة حماد ابن سلمة، فقال أحمد: لا ولا على حارس. وكأنه سئل عن الوابصي فقال: ما علمت إلا خيراً. فقال المتوكل ليحيى بن أكثم: لم عزلته؟ فكأنه خاف أن يقول: إرضاءً للجهمية، فأجاب بما تقدم. فكأن الأستاذ أشار إلى هذا، كأنه أراد أن الوابصي - كما يقول - من الحشوية. وأراد بالحشوية أهل السنة الإمام أحمد وأصحابه وموافقيه. ولا أجازي الأستاذ على هذا ولكني أقول: الموفق حقاً ومن وفق لمعرفة الحق وأتباعه ومحبته، والمحروم من حرم ذلك كله، فما بالك بمن وقع في التنفير من الحق وعيب أهله؟! ١٤٣- عبد السلام بن محمد الحضرمي . مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة بقية. قال الأستاذ ص١٨٦: «يقول عنه أبو حاتم: صدوق. إلا أن هذا اللفظ مصطلح عنده فيمن يجب النظر في أمره، فيكون مردود الرواية إذا لم يتابع. ولم يتابع» . أقول: أبو حاتم ﵀ معروف بالتشدد، قلما وجدته يقول في رجل «هو صدوق» إلا وقد وثقه غيره، وعبد السلام هذا ذكره ابن حبان في (الثقات) وتفرده بتلك الحكاية لا يضره. والله الموفق. ١٤٤- عبد العزيز بن الحارث أبو الحسن التميمي . مر في ترجمة الخطيب أحمد بن علي بن ثابت تجني ابن الجوزي على الخطيب أنه مال على أبي الحسن ووعدت أن أفرد له ترجمة أو ضح فيها ما ظهر لي أن الخطيب إما مصيب مشكور وإما مخطئ معذور. ترجمة أبي الحسن في (تاريخ بغداد) ١٠/٤٦١ وذكر فيه أمرين وذكر في ترجمة ابنه عبد الوهاب ١١/٣٣ ثالثاً، وهي هذه الأول: قال: «حدثني الأزهري قال: قال لي أبو الحسن بن رزقويه: وضع أبو الحسن التميمي في مسند أحمد بن حنبل حديثين فأنكر أصحاب الحديث عليه ذلك وكتبوا محضراً أثبتوا فيه خطوطهم بشرح حاله. قال الأزهري: ورأيت المحضر عند ابن رزقويه، وفيه خط الدارقطني وابن شاهين وغيرهما» .

стр. 529

الثاني: قال الخطيب: حدثني أبو القاسم عبد الواحد بن علي العكبري قال: حدثني الحسن بن شهاب عن عمر بن المسلم قال حضرت مع عبد العزيز بن الحارث الحنبلي بعض المجالس فسئل عن فتح مكة أكان صلحاً أو عنوة؟ فقال: عنوة. فقيل: ما الحجة في ذلك؟ فقال: ثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الصواف حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق عن مالك - أو معمر: قال عبد الواحد: أنا أشك - عن الزهري عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في فتح مكة أكان صلحاً أو عنوة؟ فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: عنوة. قال ابن المسلم: فلما خرجنا من المجلس قلت له: ما هذا الحديث؟ قال: ليس بشيء وإنما صنعته في الحال لأدفع به الخصم» . الثالث: قال الخطيب في ترجمة عبد الوهاب: «حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكنية بن عبد الله التميمي قال سمعت أبي يقول ... » فساق السند مسلسلاً بالآباء إلى أكنية «يقول سمعت علياً وسئل عن الحنان المنان ... » وساق الذهبي في ترجمة أبي الحسن من (الميزان) بالسند إليه قال «سمعت أبي ... » بسلسلة الآباء إلى «أكنية يقول سمعت أبي الهيثم يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما اجتمع قوم على ذكر إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة» قال الذهبي: «المتهم به أبو الحسن وأكثر أجداده لا ذكر لهم في تاريخ ولا في أسماء رجال» . فأما الأمر الأول، فأجاب عنه ابن الجوزي في (المنتظم) ج٧ ص١١٠ بقوله: «يجوز أن يكون قد كتب في بعض المسانيد من مسند آخر، ومن مسموعاته من غير ذلك المسند، متى كان الشيء محتملاً لم يجز أن يقطع على صاحبه بالكذب، نعوذ بالله من الأغراض الفاسدة على أنها تحول عن صاحبها» . أقول: يقع في بعض مسانيد الصحابة من (المسند) أحاديث لصحابي آخر ففي مسند ابن عباس من (المسند) ج١ ص٢٥٨ حديث من رواية أبي هريرة مرفوعاً وفي الصفحة التي تليها حديث من رواية أنس مرفوعاً، ولذلك نظائر فكأن مقصود

стр. 530

ابن الجوزي أنه يجوز أن يكون أبو الحسن حول الحديثين المذكورين مثلاً فألحق الأول في مسند أبي هريرة والثاني في مسند أنس. ولا يخفى بُعد هذا الاحتمال إذ لو كان هذا هو الواقع لما كان هناك ما يدعو الحفاظ الأثبات كالدارقطني وابن شاهين إلى شدة الإنكار وكتابه المحضر، ولما عبر ابن رزقويه بقوله: «وضع أبو الحسن» فأما قول ابن الجوزي «ومن مسموعاته» فكأنها راد به أنه إن لم يكون ذانك الحديثان من (المسند) فيجوز أن يكون سمعها من أبو الحسن خارج (المسند) بسند (المسند) كأن يكون (المسند) عنده من روايته عن ابن الصواف عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، وسمع بهذا السند نفسه حديثين مفردين فألحقهما في (المسند) . وهذا الاحتمال أقرب من الأول، وعليه فلم فلم يكن من أبي الحسن وضع ولا افتراء. ويبقى النظر في صورة إلحاقه، فإن كان أنهما علقهما في الحاشية على سبيل الفائدة الزائدة لا على إيهام أنهما منه، فقد أساء، إلا أنه لا يكون ذلك وضعاً للحديث وافتراءً له. وإنكار الحفاظ وكتابة المحضر وقول ابن رزقويه «وضع ... في (مسند أحمد) » يدل أن الواقع لم يقتصر على الكتابة في الحاشية بدون إيهام. وقد وقع التقصير من الجانبين، قصر الأزهري عن تفصيل القضية فلم يذكر ما هما الحديثان وما قال الحفاظ، وقصر محدثوا الحنابلة فلم يراجعوا عند كتابة المحضر ولم ينقلوا بيان الحال إن كان كان الواقع على وجه لا يضر صاحبهم أبا الحسن. فلو ساغ لابن الجوزي أن يتهم الخطيب بالميل لساغ لمن يدافع عن الخطيب أن يقول: لو كان هناك ميل لتداركه محدثوا الحنابلة في عصر الخطيب عندما سمعوا ما ذكره الخطيب في (تاريخه) ، ولعلهم كانوا قد علموا بالقضية أو سألوا عنها فعرفوها ورأوا أن السكوت عنها أولى، لأن ذكرها مفصلة لا ينفع صاحبهم بل لعله يكون أضر عليه. وقد كان ابن الجوزي قريباً من عصر الواقعة فإن لم يعتن بالبحث عنها والسؤال فقد قصر، وإن بحث وسأل فعرفها فما باله اقتصر على التجويزات البعيدة والتجني على الخطيب؟ ولا يظن به أنه بحث وسأل فلم يجد خبراً ولا أثراً إلا ما ذكره الخطيب، لأنه لو كان الأمر

стр. 531

هكذا لكان الظاهر أن يذكره ابن الجوزي فإنه أقوى للدفاع مما اقتصر عليه. وبعد فالأسلم للجانبين والأحقن لدم الأخوين أن يقال: لعل أبا الحسن سمع ذينك الحديثين مفردين ليسا من (المسند) ولكنهما بسنده فألحقهما في الحاشية أو بين السطور غير قاصد الإيهام، ولكن كانت صورة الإلحاق موهمة فأبو الحسن معذور لعدم قصده، والمنكرون معذورون لبنائهم على الظاهر. والله أعلم. وأما الأمر الثاني، فأجاب عنه بأن عبد الواحد «لا يعول على قَوْله ... » وستأتي ترجمة عبد الواحد، فلا هو بالذي تقوم الحجة بما ينفرد به ولا هو بمن يظنه أن يختلق مثل هذه القصة اختلاقاً. وإذا كان الأمر كذلك فلا مانع منه أبداً. احتمال يخف به الاستبعاد كأن يقال لعل صاحب القصة رجل آخر غير أبي الحسن ويكون ابن المسلم لم يسمعه بل قال مثلاً «بعض الفقهاء» أو «بعض الشيوخ» ولعله ذكر مذهبه، فظن عبد الواحد أنه أبو الحسن فسماه. وأما الأمر الثالث، فلم يذكره الخطيب في ترجمة عبد العزيز، وإنما الذي اهتم به عبد العزيز هو الذهبي، ولا حجة للذهبي على ذلك إلا أن عبد الوهاب موثق وعبد العزيز قد قيل فيه ما تقدم في الأمرين السابقين، وقد علمت أن الأمر الثاني لم يثبت ولا قارب، وأن الأمر الأول لا يخلوا عن احتمال، فالأولى في هذا الأمر الثالث الحمل على أحد الآباء المجاهيل. ومع أن ابن الجوزي دافع عن أبي الحسن فلم يذكر أن أحداً من حفاظ الحنابلة أو غيرهم وثقه، ولا وثقه هو، بل اقتصر على أنه لا يجوز القطع عليه بالكذب، وإنما ذكر قول أبي يعلى ابن الفراء الحنبلي «رجل جليل القدر وله كلام في مسائل الخلاف وتصنيف في الأصول والفرائض» . والذي يتحصل هنا أنه لم يثبت ما يقطع به أبي الحسن أنه وضع الحديث لكنه مع ذلك لم يثبت على قواعد الرواية ما يقتضي أن تجب الحجة برواية ينفرد بها. فأم الخطيب فمن أنصف علم بأنه لم يعتد ما يوجبه عليه فنه ومقامه. والله أعلم.

стр. 532

١٤٥- عبد الله بن حبيب القرطبي أحد مشاهير المالكية . ذكر الأستاذ ص٦ عن الباجي «روى عبد الملك بن حبيب أخبرني مطرف أنهم سألوا مالكاً عن تفسير الداء العضال ... » وفيه قول الباجي «وعندي أن هذه الرواية غير صحيحة ... » قال الأستاذ ص٨ «ووجه حكمه يظهر من ترجمة مطرف ... وعبد الملك في كتب الضعفاء» . أقول: كان ابن حبيب فقيهاً جليلاً نبيلاً صالحاً في نفسه لكن لم تكن الرواية من شأنه كان يتساهل في الأخذ ويروي على التوهم. هذا محصل ما ذكروه في ترجمته وقد توبع في هذه الحكاية كما يأتي في ترجمة مطرف. ١٤٦- عبد الملك بن قريب الأصمعي . ذكر الأستاذ ص ٢٤ ما حكى عن الأصمعي في قول العبي «لا تعقل العاقلة ... » وأن الأصمعي قال: «كلمت أبا يوسف بحضرة الرشيد فلم يفرق بين عقلته وعقلت عنه حتى فهمته» فقال الأستاذ ص ٢٥: «لا نقيم لكلامه وزنا فان كنت لا تكفي بما في الكتب المؤلفة في الضعفاء من قول مثل أبي زيد الأنصاري فيه: فعليك بكتاب التنبيهات على أغاليط الرواة لأبي القاسم علي بن حمزة البصري لتطلع على أغلاط هذا المتقعر وكلام الناس في أمانته في النقل» وذكر الأستاذ ص ٥٤ عن (تاريخ بغداد) حكاية من طريق الأصمعي فقال: «كذبه أبو زيد الأنصاري وذكر علي بن حمزة ... . ورماه بأمور تؤيد رأي أبي زيد فيه وليس بقليل ما ذكره الخطيب من نوادره ومن جملة نوادره أن الأصمعي لما توفي سنة ٢١٥ قال أبو قلابة الجرمي في جنازته: ... » فذكر البيتين. أقول: أما الحكاية الأولى فمسألة لغوية قد ذكرتها في الفقهيات. والحكاية الثانية لم ينفرد بها الأصمعي ومعناها مشهور إن لم يكن متواترا. وأما ما روى عن أبي زيد فلم يصح. كما أوضحته في (الطليعة) ص ٨٢ - ٨٣. ولو صح لما أو جب جرحا لأنه لم يفسر ويحتمل أن يراد به النسبة إلى الخطأ والغلط كما ذكره الأستاذ ص ١٦٣ ويؤيده أنه كان بين أبي والأصمعي منافسة دنيوية

стр. 533

واختلاف في الاعتقاد مع أن بعض أئمة الحديث تكلم في أبي زيد كما تراه في ترجمته من (التهذيب) والأصمعي وثقه الأئمة كما يأتي. وقال الأستاذ في (الترحيب) : «وأما الأصمعي فقد وثقه غير واحد في الحديث وأما أخباره ونوادره المدونة في الكتب ففيها كثير مما يرفض وقد قال أبن أخي الأصمعي عبد الرحمن بن عبد الله وقد سئل عن عمه: هو جالس يكذب على العرب. وقال أبو رياش: كان الأصمعي مع نصبه كذبا. وقال: سأله الرشيد: لم قطع علي يد جدك أصمع؟ فقال: ظلما يا أمير المؤمنين. وكذب عدو الله. إنما قطعه في سرقة. وأطال أبو القاسم علي بن حمزة ... . ومما قال: كان مجبرا شديد البغض لعلي كرم الله وجهه. وتكذيبه ليس بمنحصر فيما يروي عن أبي زيد الأنصاري» . أقول: كان الأستاذ يحسب الكلام في الأصمعي كما قالت الأعراب: قد هدم اليربوع بيت الفاره ... فجاءت الزغب من الوباره وكلها يشتد بالحجارة من عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي يا أستاذ؟! وهل عرفه الناس إلا بكلمات يرويها عن الأصمعي؟ ولعلها إن صحت الكلمة عنه كلمة قالها في صباه وهو يلعب مع الأطفال فاستظرفت من ذاك الصبي فنقلت. وأما أبو رياش فمن أبو رياش؟ اذكروه بأكثر من أنه كان حفظه للأشعار؟ أو أنه كان يتشيع أو أنه كان وسخا دنسا إلى الغاية وهل يحتج بكلامه في أصمعي عاقل؟ ولمعرفتنا بحاله لا نطالبك بتصحيح النقل عنه وكان بعد الأصمعي بزمان طويل. أما علي بن حمزة فمعدود من علماء اللغة بينه وبين اًلأصمعي زمان طويل حده أن يقبل منه تخطئة من قبله إذا أقام الحجة. وقوله: «إن الأصمعي كان مجبرا» دليل على أنه هو كان قدريا والقدرية تسمى أهل السنة «مجبرة» وقوله: «شديد البغض لعلي كرم الله وجهه» قول لا حجة عليه ولا نعلم عن الأصمعي شيئا يثبت عنه يسوغ أن ينسب لأجله إلى النصب. ودونك ثناء الأئمة على الأصمعي قال الأمام الشافعي بعد أن فارق بغداد: «ما

стр. 534

رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي» فتدبر هذه الكلمة وأنظر من كان ببغداد من الأكابر الذين رآهم الشافعي بها. وقال أبو أمية الطرطوسي: «سمعت أحمد ويحيى يثنيان على الأصمعي في السنة. قال: وسمعت على بن المديني يثني عليه» وقال عباس الدوري: قلت لابن معين: أريد الخروج إلى البصرة فعمن أكتب؟ قال: عن الأصمعي فهو صدوق» وقال أبو داود: «صدوق» وقال نصر بن علي: «كان الأصمعي يقول لعفان ك اتق الله ولا تغير حديث رسول الله ﷺ بقولي» قال نصر بن علي: «كان الأصمعي يتقي أن يفسر حديث رسول الله ﷺ كما يتقي أن يفسر القرآن» وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «ليس فيما يروي عن الثقات تخليط إذا كان دونه ثقة» . أقول: وتجد في كتب اللغة ومعاني الشعر مواضع كثيرة يتوقف عنها الأصمعي وذلك يدل على توقيه وتثبته. وكأن ابن جني أشار إلى كلام علي بن حمزة إذا قال في (الخصائص) : «وهذا الأصمعي وهو صناجة الرواة والنقلة وإليه محط الأعباء والثقلة، ومنه يجنى الفقر والملح، وهو ريحان كل مغتبق ومصطبح، كانت مشيخة القراء وأماثلهم تحضره وهو حدث لأخذ قراءة نافع عنه، ومعلوم قدر ما حذق من اللغة فلم يثبته لأنه لم يقو عنده غذ لم يسمعه ... فأما إسفاف من لا علم له وقول من تمسك به أن الأصمعي كان يزيد في كلام العرب ويفعل كذا ويقول كذا، فكلام معفو عنه غير معبوء به ولا متقدم في مثله حتى كأنه لم يتأد إليه توقفه عن تفسير القرآن وحديث الرسول ﷺ وتحرزه من الكلام في الأنواء» . وأما ما يحكى عن الأصمعي من النوادر فقد نحله الناس حكايات كثيرة جدا وكل من أراد أن يضع حكاية نسبها إلى الأصمعي فلا يلتفت من ذلك إلا إلى ما صح سنده ولن يوجد في ذلك إلا ما هو حق وصدق، أو يكون الحمل منه على من فوق الأصمعي؛ ومحاولة الأستاذ التفرقة بين الحديث والحكايات محاولة فاشلة، والصدق الذي يثنى به على الراوي شيء واحد إما أن يثبت للأصمعي كله، وهو الواقع كما صرحت به كلمة الشافعي السابقة، واقتضته كلمات غيره، وإما أن يسقط كله. وقد

стр. 535

تقدم شرح ذلك في القواعد. وأما قول الأستاذ: «ومن جملة نوادره أن الأصمعي لما توفي..» فهذا من العجائب كيف تكون من نوادره وقد مات؟ ! أو لم يستطع الأستاذ تخلصاً إلى ذينك البيتين اللذين هجي بهما الأصمعي بعد موته لتعطش الأستاذ إلى ذكرهما؟ والحكاية من رواية أبي العيناء وحاله معروف يأتي له ذكر في ترجمة الإمام مالك مع أن تمام الحكاية: «قال أبو العيناء: وجذبني من الجانب الآخر أبو العالية الشامي فأنشدني: لله در بنات الدهر إذ فجعت ... بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى ... في الناس منه ولا من علمه خلقا» لم أورد هذه التتمة منكراً على الأستاذ إعراضه عنها. ولكن كان الأجدر به وهو يعلم أن هذه تمام الحكاية أن يعرض عن أو لها يكون - أو لئلا يقال أنه - ممن يرضيه القول والزور الفاجر ويسخطه القول الصادق البار. هذا وقد كان الأصمعي أوائل أمره يخالط الخلفاء والأمراء ثم انقطع عن ذلك ولزم بيته ومسجده حتى أن المأمون الخليفة حرص جهده على أن يصير الأصمعي إليه فأبى، فكان المأمون يجمع المسائل ثم يبعث بها إلى الأصمعي بالبصرة ليجيب عنها. وليس للأصمعي ذنب إلا أنه من أهل السنة. والله المستعان. ١٤٧- عبد الملك بن محمد أبو قلابة الرقاشي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٢٣ من طريق الأصم «حدثنا أبو قلابة الرقاشي حدثنا أبو عاصم قال: سمعت سفيان الثوري بمكة وقيل له: مات أبو حنيفة. فقال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من الناس» ومن طريق الأصم أيضاً: «حدثنا محمد بن علي الوراق حدثنا مسدد قال: سمعت أبا عاصم يقول: ذكر عند سفيان موت أبي حنيفة فما سمعته يقول: ﵀، ولا شيئاً، قال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاه به» . قال الأستاذ ص ١٦٩: «أبو قلابة الرقاشي كثير الخطأ في الأسانيد والمتون على ما نقله الخطيب عن الدارقطني» . أقول: قال الدارقطني: «لا يحتج بما تفرد به، بلغني عن شيخنا أبي القاسم ابن بنت

стр. 536

منيع (هو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي تقدمت ترجمته) أنه قال: عندي عن أبي قلابة عشرة أجزاء ما منها حديث مسلم، إما في الإسناد وإما في المتن ن كان يحدث من حفظه فكثرت الأوهام فيه» ولا حاجة بنا ولله الحمد إلى مضايقة الأستاذ بأن نقول: أنت لا تثق بالبغوي فليس لك أن تعول عليه هنا. بل نقول: قال ابن جرير: «ما رأيت أحفظ منه» . وقال مسلمة بن قاسم عن ابن الأعرابي: « ... ما رأيت أحفظ منه وكان من الثقات ... » . قال مسلمة: «وكان رواية للحديث مثقفاً ثقة ... » وقال أبو داود: «رجل صدق أمين مأمون كتبت عنه بالبصرة» وقال ابن خزيمة: «ثنا أبو قلابة بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد» . فاتضح أن أبا قلابة كان ثقة متقناً إلا أنه تغير بعد أن تحول إلى بغداد، وفيها سمع منه البغوي. فإن كان الأصم منه بالبصرة ثبتت الحكاية، وإلا فقد تابعه عليها جبل من الجبال كما رأيت (١) قال البخاري في (صحيحه) في «باب من أين يخرج من مكة» : «كان يقال: هو مسدد كاسمه ... سمعت يحيى بن معين يقول ك سمعت يحيى بن سعيد يقول: لو أن مسدداً أتيته في بيته لاستحق ذلك، وما أبالي كتبي كانت عندي أو عند مسدد» . ١٤٨- عبد المؤمن بن خلف أبو يعلى التميمي النسفي الحافظ . ذكر الأستاذ ص ١٨٧ أن الخطيب روى من طريقة عن صالح بن محمد بن جزرة الحافظ كلاماً في الحسن بن زياد اللؤلؤي فقال الأستاذ: «عبد المؤمن ليس ممن يصدق فيه لأنه كان ظاهرياً طويل اللسان على أهل القياس» . أقول: قد سلف في القواعد أن المخالفة في المذهب لا ترد بها الرواية، كالشهادة، وهذا ما لا أرى عالماً يشك فيه. ومن حكم له أهل العلم بالصدق والأمانة والثقة فقد اندفع عنه أن يقال: «لا يصدق في كذا» اللهم إلا أن تقام الحجة الواضحة على أنه تعمد كذباً صريحاً فيزول عنه اسم الصدق والأمانة البتة،

стр. 537

والأستاذ يمر بالجبال الرواسي فينفخ ويخيل لنفسه وللجهال أنه أزالها أو جعلها هباء. والذي جرأه على ذلك كثرة الأتباع وغربة العلم وما لا أحب ذكره. والله المستعان. ١٤٩ - عبد الواحد بن برهان العكبري ، هذا الرجل روى عن الخطيب أشياء تتعلق برواة الحديث، ومن جملة ذلك ما تقدم في ترجمة عبد العزيز بن الحارث أبي الحسن التميمي وما يأتي في ترجمة عبيد الله بن محمد بن بطة العبكري. فاعترضه ابن الجوزي فقال في ترجمة أبي الحسن: «هذا العبكري لا يعول على قوله فإنه لم يكن من أهل الحديث والعلم، إنما كان يعرف شيئاً من الحديث. وكذلك ذكر عنه الخطيب، وكان أيضا معتزلياً يقول: إن الكفار لا يخلدون في النار» وذكر نحو ذلك في ترجمة ابن بطة ثم قال: فمن كان اعتقاده يخالف إجماع المسلمين فهو خارج عن الإسلام فكيف يقبل جرحه؟ وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني كان ابن برهان يميل إلى المرد ويقبلهم» وقال في ترجمة عبد الواحد من (المنتظم) ج ٨ ص ٢٣٦ «كان مجودا في النحو، وكان لا يغطي رأسه، وذكر محمد بن عبد الملك: كان ابن برهان يميل إلى المرد الصباح ويقبلهم من غير ريبة. وقوله: من غير ريبة. أقبح من القبيل، لأن النظر إليهم ممنوع منه إذا كان بشهو ة فهل يكون التقبيل بغير شهو ة؟ ... » وفي (لسان الميزان) ج ٣ ص ٨٢: «قال ابن ماكولا: كان فقيهاً حنفياً قرأ اللغة واخذ الكلام من أبي الحسين البصري. قلت: وقد بالغ محمد بن عبد الملك الهمذاني في (تاريخه) فقال: كان يمشي مكشوف الرأس وكان يميل إلى المردان من غير ريبة، ووقف مرة على مكتب عند خروجهم فاستدعى واحداً واحداً فيقبله ويدعو له ويسبح الله فرآه ابن الصباغ فدس له واحداً قبيح الوجه فأعرض عنه وقال: يا أبا نصر لو غيرك فعل بنا هذا» وفي ترجمة عبد الواحد من (تاريخ بغداد) ج ١١ ص ١٧: «كان يذكر أنه سمع من أبي عبد الله ابن بطة وغيره إلا أنه لم يرو شيئاً وكان مضطلعاً بعلوم كثيرة منها النحو واللغة ومعرفة النسب

стр. 538

والحفظ لأيام العرب وأخبار المتقدمين وله إنس شديد بعلم الحديث» . أقول: فقد كان ابن برهان على بدعته من أهل العلم والزهد والمنزلة بين العلماء ومحمد بن عبد الملك الهمذاني لا أعرف ما حاله؟ وقد ذكر ابن حجر أنه بالغ. وقد تصرف ابن الجوزي في عبارة الهمذاني ففي موضع زاد فيها «ويقبلهم» وحذف «من غير ريبة» وفي موضع زاد «الصباح فيقبلهم» وإنما أخذ الصباحة والتقبيل من قصة المكتب، وقد كان ببغداد في ذاك العصر عدد كثير من مشاهير العلماء ما منهم إلا من يخالف عبد الواحد في العقيدة والمذهب أو أحدهما، وكان عبد الواحد على غاية الصيانة ذكروا أنه «لما ورد الوزير عميد الدين إلى بغداد استحضر فأعجبه كلامه فعرض عليه مالاً فلم يقبله فأعطاه مصحفاً بخط ابن البواب وعكازة حملت إليه من الروم فأخذهما فقال له أبو علي ابن الوليد المتكلم: أنت تحفظ القرآن وبيدك عصا تتوكأ عليها فلم تأخذ شيئاً فيه شبهة؟ فنهض ابن برهان في الحال قاضي القضاة ابن الدامغاني وقال له: لقد كدت أهلك حتى نبهني أبو علي ابن الوليد وهو أصغر سناً إليه» فما كان في ذاك الجم الغفير من أهل العلم من ينكر علي ابن برهان ما نسبه ابن الجوزي إليه؟ ! وما كان فيهم من يعيبه بذلك الشاذة من ذاك الهمذاني؟ وليس المقصود رد كلمة الهمذاني وإنما المقصود تجريدها عما فيها من المبالغة التي أشار إليها ابن حجر. فأقول: كانت المكاتب في ذاك العصر خاصة بالأطفال إنما هي لتعليم القراءة والكتابة فأما ما زاد عن ذلك من العلم فكان محله الجوامع والمساجد ومجالس العلماء في بيوتهم والمدارس الكبيرة، فمر على ما يقول الهمذاني ابن برهان مع جماعة من أهل العلم وغيرهم فيهم الإمام أبو نصر الصباغ الشافعي بمكتب من مكاتب الأطفال فصادف وقت خروجهم فأخذ ابن برهان يقبلهم ويدعو لهم تنشيطاً لهم ورجاء أن يصيروا رجالاً صالحين فمازحه ابن الصباغ بأن قدم إليه واحدا منهم قبيح

стр. 539

الصورة فأعرض عنه ابن برهان علكاً بأنه لا مجال هناك لأدنى ريبة ولو كان هناك مجال لريبة لكان الظاهر أن يقبل ذاك القبيح كغيره. وأي عقل يميز أن يكون فيما جرى شيء من الريبة ويقره الحاضرون من أهل العلم وغيرهم ويقتصر ابن الصباغ على تلك الملاطفة؟ فأما أهل بغداد المخالفون لابن برهان في العقيدة أو المذهب أو كليهما فلم يروا فيما جرى ما يسوغ أن يعاب به ابن برهان. وأما ذلك الهمذاني فدعته نفرته عن ابن برهان لمخالفته في العقيدة والمذهب إلى أن عبر بقوله: «يميل إلى المردان» فنازعه واعظ الله تعالى في قلبه فدافعه بقوله: «من غير ريبة» وذكروا قصة المكتب فجاء ابن الجوزي فصنع ما تقدم، ولا أدري ما صنع سبطه، فإنه كثير التصرف في مثل هذا، فوقع التزيد في الحكاية كما تراه في (بغية الوعاة) وغيرها. أما العقيدة فذكروا أن ابن برهان كان معتزلياً ولا أدري ما الذي كان يوافق فيه المعتزلة، فأما قوله بأن الكفار لا يخلدون في العذاب، فهي مسألة مشهورة ولو رأى علماء بغداد أن قول ابن برهان فيها مخرج عن الإسلام لسعوا في إقامة الحد عليه فما بالهم أعرضوا عن ذلك وكانوا يجلون ابن برهان ويحترمونه؟ نعم. ابن برهان لم يوثقه أحد فيما نعلم، ومن المحتمل أنه كان يهم فيما يرويه من الحكايات أو يبنى على الظن، فحقه آن لا تقوم الحجة بما ينفرد به ولكنه يذكر في المتابعات والشواهد كما صنع الخطيب. والله الموفق. ١٥٠- عبد الوارث بن سعيد أبو عبيدة التنوري . في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٨٨) عنه حكايتان في رد أبي حنيفة حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» بقوله: «هذا سجع» ورده قولاً لعمر بن الخطاب في الولاء بقوله «هذا قول شيطان» بقوله: «هذا سجع» ورده قولاً لعمر بن الخطاب في الولاء بقوله: «هذا قول شيطان» قال الأستاذ في حاشية ص ٨١: «قدري كما ذكره الخطيب في (الكفاية) وقدرية البصرة في غاية من الانحراف عن أبي حنفية لكثرة هبوطه البصرة للرد عليهم في مبدأ أمره» ؛ أقول: هبوط أبي حنيفة البصرة للمخاصمة في القدر لم يثبت، وقول عبد الوارث بالقدر في ثبوته نظر، قال ابنه عبد الصمد وهو من

стр. 540

الثقات الأثبات: «إنه لمكذوب على أبي، وما سمعت منه يقول قط في القدر وكلام عمرو بن عبيد» فإن كان في نفسه منه شيء فلم يكن يرى خلافة ضلالة فيعادي مخالفيه وإلا لكان أهم شيء عنده أن يدعو ولده. وقد شهد له ابن المبارك أنه لم يكن داعية ذكره الذهبي في ترجته من (تذكرة الحفاظ) ج ١ ص ٢٣٧. فليس هنا ما يتشبث به دفع رواية عبد الوارث وهو مجمع على ثقته وجلالته. ١٥١- عبد بن أحمد أبو ذر الهروي . تأتي له حكاية في ترجمة عبيد الله بن محمد ابن بطة فقال ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٧ ص ١٩٤: «كان من الأشاعرة المبغضين وهو أول من أدخل الحرم مذهب الأشعري ولا يقبل جرحه لحنبلي يعتقد كفره» . أقول: قال ابن الجوزي نفسه في ترجمة أبي ذر من (المنتظم) نفسه ج ٨ ص ١١٥: «كان ثقة ضابطاً فاضلاً ... وقيل: إنه كان يميل إلى مذهب الشعري» ويظهر من هذه العبارة الأخيرة أن الميل لم يثبت، فإن ثبت فما مقداره؟ وقد كان ابن الجوزي نفسه مائلاً بل يوجد في كلامه وكلام كثير من الحنابلة ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من كلام الأشعري وأصحابه. هكذا قاله أعرف الناس بهم وهو رجل منهم (١) كما تقدم في ترجمة الخطيب. هب أن أبا ذر أشعرياً فما تفصيل ذلك؟ والنقل عن الشعري مختلف وأصحابه مختلفون. وعلى كل حال فلا يكفرون الحنابلة. نعم قد يبد عونهم. ولكن عقلاءهم ولا سيما العارفين بالرواية منهم كالبيهقي لا يرون ذلك موهنا للرواية ولا مسوغا للبغض والعداوة وقد مرت الإشارة إلى ذلك في القواعد، وأشبعت القول في قسم الاعتقاديات. فالحق الذي لا معدل عنه أن أبا ذر ثقة تقبل روايته ويرد عليه من قوله ورأيه ما أخطأ فيه الحق. (٢)

стр. 541

١٥٢- عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي . حكى الأستاذ ص ٤٢ عن كتاب ابن أبي العوام «حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل الترمذي قال: حدثنا عبد الواحد بن أحمد الرازي بمكة قال: أنبأنا بشار بن قيراط عن أبي حنيفة ... » وعلق الأستاذ في الحاشية على بشار بن قيراط: «مقبول عند الحنفية بنيسابور كما قال الخليلي في الإرشاد وإن طال لسان أبي زرعه فيه لكونه من أهل الرأي» . أقول: ابن أبي العوام قد تعرضت له في (الطليعة) ص ٢٧ - ٢٨. فأعرض الأستاذ في (الترحيب) عن ذلك، ولنا أن نسأله: من إبراهيم بن أحمد في السند؟ ومن شيخه؟ فما بال الأستاذ أعرض عن ذلك كله وتناول بشاراً؟ أليوهم أن بقية السند ثقات إجماعاً؟ أم ليتوصل إلى الغض من أبي زرعة؟ بشار قديم من أبي حنيفة المتوفى سنة ١٥٠، كذبه أبو زرعة الذي ولد سنة ٢٠٠ وقال أبو حاتم الذي ولد سنة ١٩٥ «هو نيسابوري قدم الري مضطرب الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به» وقال ابن عدي المولود سنة ٢٧٧: «روى أحاديث غير محفوظة وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق» وقال الخليلي المولود بعد ذلك بزمان فإنه توفي سنة ٤٤٦: «كان يتفقه على رأي أبي حنيفة رضيته الحنفية بخراسان، ولم يتفق عليه حفاظ خراسان» . وقد سبق في ترجمة عبد الله بن محمود، ذكر ما زعمه الأستاذ من أن من لم يوثقه أهل عصره يكون مجهول الصفة، وتراه هنا يرد جرح المتقدمين لبشار ويتشبث بقول المتأخر عنه بقريب من مائتي سنة «رضيته الحنفية بخراسان» ويزيد الأستاذ فيزعم أن أبا زرعة إنما كذبه لأنه مخالف له في المذهب. وقد علم مما سلف في القواعد أن من شهد له أهل العلم أنه «صدوق» لا يقبل من أحد أن يقول: إنه تعمد الكذب أو الحكم بالباطل إلا لأن يقيم على ذلك حجة صارمة، فما بالك بمن شهدوا له بأنه ثقة؟ فما بالك بمثل أبي زرعة في إمامته وجلالته وتثبته؟ والخليلي متأخر جداً عن زمن بشار كما مر. ولا ندري إلى ماذا استند في قوله: «رضيته الحنفية بخراسان» وهبه ثبت الرضا، فمن حنفية خراسان في ذلك الزمان؟ وقد

стр. 542

يكونون رضوه في رأيه ولا يدرون ما حاله في الحديث. كما رضي أهل المغرب أصبغ بن خليل وقد مرت ترجمته. وقد كان يمكن الأستاذ أن يقول: ذكروا أن أبا زرعة الرازي كذبه ولا ندري ما الذي اعتمده في تكذيبه، ولا كلام أبي حاتم يعطي أن بشاراً صدوق إلا أنه مضطرب الحديث، ويقوى ذلك رضا حنفية خراسان به والتصديق يقدم على التكذيب المبهم. والله أعلم. لكن الأستاذ لا يرى لأئمة السنة حقاً ولا حرمة، ولا يرقب فيهم إلا ولا ذمة لا يرعى تقوى ولا تقية، ولا يرى أن في أهل الحق بقية، فيدع بقية، فلندعه يصرح أو يكني، وعلى أهلها براقش تجني! ١٥٣- عبيد الله بن محمد بن حمدان أبو عبد الله ابن بطة العكبري . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٣ عنه: «حدثنا محمد بن أيوب بن المعافى البزار قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: وضع أبو حنيفة أشياء في العلم مضغ الماء أحسن منها. وعرضت يوماً شيئاً من مسائله على أحمد بن حنبل فجعل يتعجب منها. ثم قال: كأنه هو يبتدئ الإسلام» قال الأستاذ ص ١٤٨ «من أجلاد الحشوية له مقام عندهم إلا أنه لا يساوي فلساً، وهو الذي روى حديث ابن مسعود (كلم الله تعالى موسى ﵇ يوم كلمه وعليه حبة صوف، وكساء صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي) فزاد فيه: (فقال: من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة؟ قال: أنا الله) . والتهمة لاصقه به لا محالة لانفراده الزيادة كما يظهر من طرق الحديث في (لسان الميزان) وغيره، وما فعل إلا ليلقى في روع السامع أن كلام الله تعالى من قبيل كلام البشر بحيث يلتبس على السامع كلامه تعالى بكلام غيره. تعالى الله عن مزاعم المشبهة في إثبات الحرف والصوت له تعالى. وكتبه من شر الكتب وله طامات» . أقول: أما ذاك الحديث فيظهر أن ابن بطة لم يذكر تلك الزيادة على أنها من الحديث، وإنما ذكرها على جهة الاستنباط والتفسير أخذاً من الحديث ومن قول الله ﵎ في شأن موسى «فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي

стр. 543

الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» (القصص:٣٠) وقوله «فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (*) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (النمل ٨-٩) وابن بطة كغيره من أئمة السنة بحق يعتقدون أن الله ﵎ يتكلم بحرف وصوت، وقد نقل بعض الحنفية اتفاق الأشاعرة والماتريدية على أن الله تعالى كلم موسى بحرف وصوت كما نقلته في قسم الاعتقاديات. وذكر الحنفية في كتابهم المنسوب إلى أبي حنيفة باسم (الفقه الأكبر) ما لفظه: «وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى» قال المغنيساوي في شرحه: «والله تعالى قادر أن يكلم المخلوق من الجهات أو الجهة الواحدة بلا آلة ويسمعه بالآلة كالحرف والصوت لاحتياجه إليها في فهمه كلامه الأزلي فإنه على ذلك قدير لأنه على كل شيء قدير» . وكما يحتاج موسى إلى الحرف والصوت يحتاج إلى أن يكون بلغته وان يكون على وجه يأنس به. فعلى كل حال قد دل الكتاب والسنة كالآيات المتقدمة وسياق الحديث على أن الله تعالى كلم موسى بحرف وصوت، وظهر بما تقدم أنه كلمه بلسانه العبراني على الوجه الذي يأنس به. ودلت الآية الثالثة على أن موسى سمع الكلام فقال في نفسه إن لم يقل بلسانه: «من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة» فأجيب بقول الله تعالى: «إنه (١) أنا الله العزيز الحكيم» فذكر ابن بطة ذلك على وجه الاستنباط والتفسير، واعتمد في رفع الالتباس على قرينة حالية مع علمه بأن الحديث مشهور (٢) فجاء من بعده فنوهم أنه ذكر الكلام على أنه جزء

стр. 544

من الحديث. ولابن بطة أسوة فيمن اتفق له مثل من الصحابة وغيرهم كقول ابن مسعود مع حديث الطيرة «وما منا إلا» ومع حديث التشهد «إذا قلت هذا ... » ومع حديث آخر «ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار» وأمثال هذا كثير، قد أفردت بالتأليف كما تراه في الكلام على قسم المدرج من (تدريب الراوي) وغيره. قول الأستاذ: «تعالى الله عن مزاعم المشبهة في إثبات الحرف والصوت له تعالى» . جوابه: بل تعالى الله عن العجز والكذب، وتفصيل هذا في قسم الاعتقاديات قوله: «وكتبه من شر الكتب» . جوابه بل شر الكتب ما تضمن تكذيب خبر الله تعالى وخبر رسوله كذلك. قوله: «وله طامات» . إن كان يريد ما يتعلق بالعقائد فقد علم جوابه مما مر، وإن أراد ما يتعلق بالرواية فدونك النظر فيه: ذكر الخطيب في (تاريخه) ابن بطة وحكى أشياء انتقدت عليه في الرواية فتعقبه ابن الجوزي في (المنتظم) وأنحى باللائمة على الخطيب. قال الخطيب في أول الترجمة: «كان أحد الفقهاء على مذهب أحمد بن حنبل ... أخبرني الحسن بن شهاب بن الحسن العكبري (بها) حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان ابن بطة حدثنا أبو القاسم

стр. 545

حفص بن عمر بن الخليل بأردبيل حدثنا رجاء بن مرجي بسمرقند ... » ثم حكى عن عبد الواحد بن علي بن برهان وقد مرت ترجمته «قال: لم أر في شيوخ أصحاب الحديث ولا في غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة» ثم حكى عن أبي حامد أحمد بن محمد الدلوي وهو أشعري «قال: لما رجع أبو عبد الله ابن بطة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة فلم ير خارجاً منه في سوق ولا رئي مفطراً إلا في يوم الأضحى والفطر، وكان أماراً بالمعروف ولم يبلغه خبر منكر إلا غيره - أو كما قال» وفي أواخر الترجمة «أخبرنا العتيقي قال سنة ٣٨٧ فيها توفى بعكبرا أبو عبد الله ابن بطة في المحرم وكان شيخاً صالحاً مستجاب الدعوة» . وذكر الخطيب أموراً انتقدت على ابن بطة فيما يتعلق بالرواية. الأول: أنه روى عن حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجي (كتاب السنن) له فذكر الخطيب أن أبا ذر عبد بن أحمد الهروي كتب إليه من مكة أنه سمع نصر الأندلسي. قال: وكان يحفظ ويفهم فذكر قصة حاصلها أنه سمع من ابن بطة (كتاب السنن) لرجاء بن مرجى من ابن بطة عن الأردبيلي عن رجاء فذكر ذلك للدارقطني، قال: «هذا محال دخل رجاء بن مرجى بغداد سنة أربعين ودخل حفص بن عمر الأردبيلي سنة سبعين ومائتين فكيف سمع منه؟» وذكر الخطيب عن ابن برهان قصة حاصلها أن ابن بطة ورد بغداد فحدث عن حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجئ (كتاب السنن) قال: «فأنكر ذلك أبو الحسن الدارقطني وزعم أن حفصاً ليس عنده عن رجاء وأنه يصغر عن السماع منه، فابردوا بريداً إلى (أردبيل) وكان ابن حفص بن عمر حياً هناك وكتبوا غليه يستخبرونه عن هذا الكتاب، فعاد جوابه بأن أباه لم يرو عن رجاء بن مرجى ولا رآه قط وأن مولده كان بعد موته بسنين» قال ابن برهان: «فتتبع ابن بطة النسخ التي كتبت عنه وغير الرواية وجعلها عن ابن الراجيان عن (فتح بن) شحرف (١) عن رجاء. أجاب ابن الجوزي بأن أبا ذر أشعري وأن ابن برهان مبتدع على ما تقدم في

стр. 546

ترجمتيهما، ولا يخفي سقوط هذا الجواب فإن أبا ذر ثقة كما مر، وابن برهان يدل سياقه للحكاية على أنه صادق فيها، ورواية ابن بطة عن الأردبيلي عن رجاء ثابتة كما تقدم أن الخطيب روى عن الحسن ابن شهاب عن ابن بطة بهذا السند والحسن بن شهاب حنبلي ثقة. ورجاء توفي ببغداد وكان قد أقام بها آخر عمره مدة والأردبيلي توفي سنة ٣٣٩ وبين وفاتيهما تسعون سنة يضاف إليها مدة إقامة رجاء ببغداد آخر لأن الأردبيلي إنما سمع منه إن كان سمع بسمرقند على ما رواه الخطيب عن الحسن ين شهاب، وأضف إلى ذلك مقدار سن الأردبيلي الذي مكنه أن يرحل من بلده إلى سمرقند حيث سمع رجاء، وهذان المقداران يمكن حزرهما بعشرين أو ثلاثين سنة تضاف إلى التسعين التي بين الوفاتين، وعلى هذا يكون الأردبيلي بلغ من العمر مائة وبضع عشرة سنة على الأقل فيكون مولده قريباً من سنة ٢٢٠ على الأقل باطل حتماً وبيانه أن عادة الذهبي في «تذكرة الحفاظ) أن يذكر من مشايخ الرجل أقدمهم وإنما قال في ترجمة الأردبيلي «سمع أبا حاتم الرازي ويحيى بت أبي طالب وعبد الملك بن محمد الرقاشي وإبراهيم بن ديزيل» وهؤلاء كلهم ماتوا بعد سنة ٢٧٤ فهل رحل الأردبيلي وسمع سنة ٢٣٠ فسمع من رجاء بسمرقند ثم رقد بعد ذلك أربعين سنة ثم استيقظ فسمع من الذين سماهم الذهبي؟ فالوهم لازم لابن بطة حتماً وسببه انه ساح في أول عمره فكان يسمع ولا يكتب ولم يكن يؤمل أن يحتاج آخر عمره إلى أن يروي الحديث ولهذا لم تكن له أصول، وفي (لسان الميزان) : «قال أبو ذر الهروي: جهدت على أن يخرج لي شيئاً من الأصول فلم يفعل، فزهدت فيه» وبعد رجوعه من سياحته انقطع في بيته مدة ثم احتاج الناس إلى أن يسمعوا منه فكان يتذكر ويروي على حسب ظنه فيهم، وكأنه سمع (سنن رجاء بم مرجى) من الأردبيلي عن رجل فتوهم بآخره أن الأردبيلي رواها عن رجاء نفسه، وقد رجع ابن بطة عن هذا السند لما تبين له أنه وهم. والله أعلم. الأمر الثاني: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: «قال لي الحسن بن شهاب

стр. 547

سألت أبا عبد الله ابن بطة: أسمعت من البغوي حديث علي بن الجعد؟ فقال: لا» قال ابن برهان: «وكنت قد رأيت في كتب ابن بطة نسخة بحديث علي بن الجعد قد حككها وكتب بخطه سماعه عليها» . أقول: تفرد بهذا ابن برهان ولم يرو ابن بطة حديث علي بن الجعد عن البغوي، وابن برهان لا يقبل منه ما تفرد به، ولعله وهم كأن كان الخط غير خط ابن بطة فاشتبه على ابن برهان، وكأن يكون ابن بطة إنما كتب «هذا الكتاب من مسموعاتي» أو نحو ذلك يعني أنه سمعه من غير البغوي فوهم ابن برهان. الثالث: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: وروى ابن بطة عن أحمد بن سلمان النجاد عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي نحواً من مائة وخمسين حديثاً فأنكر ذلك عليه بن محمد بن ينال وأساء القول فيه وقال: إن النجاد لم يسمع من العطاردي شيئاً حتى همت العامة أن توقع بابن ينال واختفى. قال: وكان ابن بطة قد خرج تلك الأحاديث تلك الأحاديث في تصانيفه وضرب على أكثرها وبقي بقيتها على حاله» . أقول: قد مر الكلام في ابن برهان ولكن دخول الوهم عليه في هذا بعيد والنجاد يقال إنه ولد سنة ٢٥٣ وسمع من الحسن بن مكرم المتوفى سنة ٢٧٤ ورحل إلى البصرة وسمع بها من أبي داود المتوفى سنة ٢٧٥ ووفاة العطاردي سنة ٢٧٢ فلا مانع من أن يكون النجاد قد سمع من العطاردي فإن قبلنا ما حكاه ابن برهان عن ابن ينال فلا مانع من أن يكون للنجاد إجازة من العطاردي ولابن بطة إجازة من النجاد فروى ابن بطة تلك الأحاديث بحق ألا جازة فكان ماذا؟ فأما حكه لبعضها فلعله وجدها أو ما يغني عنها بالسماع من وجه آخر فحك ما رواه بالإجازة وأثبت السماع. الرابع: قال الخطيب: «حدثني أحمد بن الحسن بن خيرون قال: رأيت كتاب ابن بطة ب (معجم البغوي) في نسخة كانت لغيره وقد حكك اسم صاحبها وكتب اسمه عليها» وفي (لسان الميزان» عن ابن عساكر قال: «وقد أراني شيخنا أبو

стр. 548

القاسم السمرقندي بعض نسخة ابن بطة بـ (معجم البغوي) فوجدت سماعه فيه مصلحاً بعد الحك كما حكاه الخطيب عن ابن خيرون» . أجاب ابن الجوزي بقوله ك «أتراه إذا حصلت للإنسان نسخة فحك اسم صاحبها وكتب سماع نفسه وهي سماعه أن يوجب هذا طعنا؟» . أقول: هذا بمقتضى العادة يدل أنه لم يكن لابن بطة أصل بسماعه (المعجم) من البغوي فإنه لو كان له اصل به لكان اسمه كتب وقت السماع فإن كان سمع في ذاك الأصل مع آخر فإنه يكتب سماعها معاً فما الحاجة إلى الحك ثم الكتابة مرة أخرى؟ وقد قال الخطيب: «قال لي أبو القاسم الأزهري ك ابن بطة ضعيف ضعيف ليس بحجة، عندي عنه (معجم البغوي) ولا أخرج عنه في الصحيح شيئاً. قلت: له ك كيف كان كتابه ب (المعجم) ؟ فقال: لم نر له أصلاً وإنما دفع غلينا نسخة طرية بخط ابن شهاب فنسخنا منها وقرأنا عليه» . وتقدم عن أبي ذر الهروي أنه جهد أن له ابن بطة شيئاً من أصوله فلم يفعل. وذكر ابن بطة فيما رواه أبن الجوزي قصة سماعه (المعجم) من البغوي وفيها: «ثم قرأنا عليه (المعجم) في نفر خاص في مدة عشر أيام أو أقل أو أكثر وذلك في سنة خمس عشر أو ست عشرة» والظاهر أنه لو كان أصل سماعه عنده لكان التاريخ مقيدا فيه فلا يحتاج إلى الشك. فأما قول أبن الجوزي: «قرأت بخط أبي القاسم ابن الفراء ... قابلت أصل ابن بطة (المعجم) فرأيت سماعة في كل جزء إلا أني لم أر الجزء الثالث أصلا» . فذاك هو السماع الملحق الذي ذكره ابن خيرون وابن عساكر. فالذي يتحصل أنه لم يكن عند ابن بطة أصل سماعه ب (المعجم) فإما إن يكون كان له أصل فضاع أو تلف وإما أن يكون سمع في نسخة لغيره لم تصر إليه وكأنه ظفر بنسخة أخرى وثق بصحتها فتسمح في الرواية عنها. والله أعلم. الخامس: ذكر الخطيب عن أبي القاسم التنوخي عن أبي عبد الله بن بكير قال: «لبن بطة لم يسمع (المعجم) من البغوي وذلك أن البغوي حدث به دفعتين،

стр. 549

الأولى منها قبل سنة ثلاثمائة (قبل مولد ابن بطة) في مجلس عام والأخرى بعد سنة ثلاثمائة في مجلس خاص لعلي بن عيسى (الوزير) وأولاده» قال الخطيب: «وفي هذا القول نظر لأن محمد بن عبد الله بن الشخير قد روى عن البغوي (المعجم) وكان سماعه بعد الثلاثمائة بسنين عدة ولعل ابن بكير أراد بالمرتين قبل سنة عشر وثلاثمائة وبعدها ... ومما يدل على ذلك أن أبا حفص أبن شاهين كان من المكثرين عن الغوي وكذلك أبو عمر حيوية وابن شاذان ولم يكن عند أحد منهم (المعجم) فهذا يدل على أن رواية العامة كانت قبل العشر بسنين عدة» . أجاب ابن الجوزي بأن التنوخي كان معتزليا يميل إلى الرفض. أقول: هو صدوق ولكن قد دل ما ذكره الخطيب أن سماع ابن الشخير كان بعد الثلاثمائة بسنين عدة على أن البغوي حدث ب (المعجم) دفعة ثالثة ولعلها كانت لنفر خاص فلم يقف عليها ابن بكير ولم يحضرها ابن شاهين وابن حيوية ابن شاذان. وقد تكون هناك دفعة رابعة خاصة أيضا. وقد ذكر ابن بطة فيما رواه ابن الجوزي قصة حاصلها أن أباه بعثه وهو صغير مع شريك له من أهل بغداد فأدخله على البغوي واسترضوه أن يحدثهم ب (المعجم) في نفر خاص قال: «ثم قرأنا عليه المعجم ... » إلى آخر ما تقدم آنفا. وفي القصة: «وأذكره وقد قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني سنة ٢٤٤ فقال المستملي خذوا هذا قبل أن يولد كل محدث على وجه الأرض. وسمعت المستملي وهو أبو عبد الله بن مهران يقول له: من ذكريات يا ثلث الإسلام» والظاهر أن هذا كان في مجلس عام حدث فيه الغوي بأحاديث غير المعجم الذي أختص به ابن بطة ومن معه ويشهد لذلك أن ابن بطة قد روى عن البغوي أحاديث ليست في (المعجم) كما يأتي. والله أعلم. السادس: قال الخطيب: شاهدت عند حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق نسخة بكتاب محمد ابن عزيز في (غريب القرآن) وعليها سماع ابن السوسنجردي من ابن بطة عن ابن عزيز فسألت حمزة عن ذلك؟ فأنكر أن يكون ابن بطة سمع الكتاب من ابن عزيز وقال: ادعى سماعه ورواه» .

стр. 550

أقول: ليس هناك ما يدفع دعواه فقد أدرك ابن عزيز إدرار كأبينا. السابع: قال الخطيب: «قلت: وكذلك أدعى سماع كتب أبي محمد بن قتيبة ورواها عن شيخ سماه: ابن أبي مريم. وزعم أنه دينوري حدثه عن ابن قتيبة. وابن أبي مريم هذا لا يعرفه أحد من أهل العلم ولا ذكره سوى ابن بطة. والله أعلم» . أقول: كأن ابن بطة لقي في سياحته رجلا دينوريا ذكر له أنه سمع كتب ابن قتيبة ويكون هذا الدينوري سياحا لم يتصد للرواية وإنما اتفق أن لقيه ابن بطة في سياحته. الثامن: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: «قال لي محمد بن أبي الفوارس: روى ابن بطة عن البغوي عن مصعب بن عبد الله عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم» . قال الخطيب: «قلت: هذا الحديث باطل من حديث مالك ومن حديث مصعب ومن حديث البغوي عن مصعب وهو موضوع بهذا الإسناد والحمل فيه على ابن بطة» . (١) أقول: تقدم أن ابن برهان ليس بعمدة ولعله سمع من أبي الفوارس يقول: بلغني عن ابن بطة أو نحو ذلك. ولو روى ابن بطة هذا الحديث لكان الظاهر أن يشتهر عنه وينتشر. ولو صح عنه لحمل على الوهم فإنه سمع من البغوي. وهو صغير ولم يكن له أصول إنما كان يحمل على حفظه فيهم فيحتمل أن يكون سمع الحديث من البغوي بسند آخر وسمع منه حديثا أو أكثر بهذا السند فوهم. (٢) . التاسع: قال الخطيب: «حدثني أحمد بن محمد العتيقي بلفظه من أصل كتابه وكتبه لي بخطه قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان الفقيه (ابن بطة) بعكبرا

стр. 551

حدثنا عبد الله بن محمد البغوي حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري حدثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا» الحديث. وهذا الحديث أيضا باطل من رواية البغوي عن مصعب. ولم أره عن مصعب عن مالك أصلا، والله أعلم» . أقول: الحديث في (الصحيحين) وغيرهما من رواية جماعة عن مالك ولا يبعد أن يكون عند مصعب أيضا فلا يرويه عنه إلا البغوي لكن يبعد جدا أن يكون الحديث كان عند الغوي من هذا الوجه العالي فلا يرويه عنه إلا ابن بطة الذي حمل إليه وهو صغير ولم يطل مقامه عنده فالحكم بوهم ابن بطة في هذا واضح. (١) ولنعم ما قال الذهبي في (الميزان) : «إمام ذو أو هام ... ومع قلة إتقان ابن بطة في الرواية كان إماماً في السنة، إماماً في الفقه، صاحب أحوال وإجابة ودعوة ﵁» (٢) . وعليك أن لا تقصر نظرك على هذه الأمور فترى في اجتماعها واستضعافك لبعض الأجوبة ما يحملك على سوء الظن بابن بطة، بل ينبغي لك أن تنظر أيضاً إلى حاله في نفسه، وقدم قول ابن برهان المعتزلي نفسه: «لم أر في شيوخ أصحاب الحديث ولا غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة» . وقول أبي حامد الدلوي الأشعري: « ... ولا رئي مفطراً إلا في يوم الأضحى والفطر (٣) وكان أماراً بالمعروف، ولم يبلغه خبر منكر إلا غيره» . وقول العتيقي: « ... كان شيخاً صالحاً مستجاب الدعوة» . وقال أبو الفتح بن القواس: «ذكرت لأبي سعد الإسماعيلي ابن بطة وعلمه وزهده، فخرج غليه، فلما عاد قال: هو فوق الوصف» . وقال ابن الجوزي في

стр. 552

(المنتظم) ج ٧ ص ١٦٤: «أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي عن أبي محمد الحسن بن علي الجوهري قال: سمعت أخي عبد الله الحسين بن علي يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله قد اختلفت علينا المذاهب فبمن نقتدي؟ فقال لي عليك بأبي عبد الله ابن بطة. فلما أصبحت لبست ثيابي وأصعدت إلى عكبرا فدخلت إليه، فلما رآني تبسم وقال: صدق رسول الله. صدق رسول الله. صدق رسول الله. يقولها ثلاثاً» . فالذي يتحصل أن ابن بطة مع علمه وزهده وفضله وصلاحه البارع كثير الوهم في الرواية فلا يتهم بما ينافي ما تواتر من صلاحه ولا يحتج بما ينفرد بروايته، ولا يشنع على الخطيب فيما صنعه وفاء بواجب فنه وإظهاراً لمقتضى نضره. والله الموفق. ١٥٤- عبيدة الخراساني . في (تاريخ بغداد) ١٤ / ٢٥٧: «أبو داود سليمان بن الأشعث ثنا عبده بن عبد الله الخراساني قال: قال رجل لابن المبارك ... » . قال الأستاذ ص ١٧٨: « ... من لا يجوز الاحتجاج به ومن هو غير ثقة مثل ... وعبيدة الخراساني ... » . أقول: في الرواة عن ابن المبارك «عتبه بن عبد الله» و «عبدة بن سليمان» وكلاهما مروزيان. ومرو من خراسان، وهما ثقتان فإن كان هذا غيرهما فقد تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم أن أبا داود لا يروي إلا عن ثقة. (١) ١٥٥- عثمان بن أحمد أبو عمرو بن السماك الدقاق . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٢٨٩ من طريقه «حدثنا حنبل بن إسحاق ... » مرت الحكاية في ترجمة حنبل. قال الأستاذ ص ٨٤: «والمغموز عند الذهبي برواية الفاضحات» . أقول: عبارة الذهبي في (الميزان) : «صدوق في نفسه لكن روايته لتلك البلايا

стр. 553

عن الطيور كوصية أبي هريرة، فالآفة من بعده (يعني في سياق السند) أما هو فوثقه الدارقطني وينبغي أن يغمز ابن السماك بروايته لهذه الفضائح» . قال ابن حجر في (اللسان) : «لو فتح المؤلف على نفسه ذكر من روى خبراً كذباً آفته من غيره ما سلم معه سوى القليل من المتقدمين فضلاً عن المتأخرين، وأني لكثير التألم من ذكره لهذا الرجل الثقة في هذا الكتاب بغير مستند وقد عظمه الدارقطني ووصفه بكثرة الكتابة والجد في الطلب، وأطراه جداً. وقال الحاكم في (المستدرك) حدثنا أبو عمرو ابن السماك الزاهد حقاً ... » وأقول: نعم ينبغي أن يغمز بما يناسب حاله ن فلا يركن إلى ما يرويه بدون النظر في رجاله كما يركن إلى ما يرويه يحيى بن سعيد القطان مثلاً، وأنت إذا نظرت إلى سنده في هذه الحكاية وجدتهم ثقات. ١٥٦- عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٢٤ من طريقة «سمعت محبوب بن موسى يقول: سمعت ابن أسباط يقول: ولد أبو حنيفة وأبوه نصراني» . قال الأستاذ ص ١٦: «صاحب (النقض) مجسم مكشوف الأمر يعادي أئمة التنزيه، ويصرح بإثبات القيام والقعود والحركة والثقل والاستقرار المكاني والحد ونحو ذلك لله تعالى، ومثله يكون جاهلاً بالله سبحانه، بعيداً عن أن تقبل روايته» . أقول: كان الدارمي من أئمة السنة الذين يصدقون الله تعالى في كل ما أخبر به عن نفسه ويصدقون رسوله في كل ما أخبر به عن ربه يدون تكييف ومع إثبات انه سبحانه ليس كمثله شيء، وذلك الإيمان وإن سماه المكذبون جهلاً وتجسيماً (١) ،

стр. 554

وقد بسطت الكلام في قسم الاعتقاديات، ومر في القواعد أن مثل هذا الاعتقاد ليس مما يقدح في الرواية، وكذلك مر فيها ما يتعلق بما يرويه الرجل مما فيه غض من مخالفه في الاعتقاد أو المذهب. وهذه الحكاية منقطعة لأن يوسف بن أسباط أصغر من أبي حنيفة بأربعين سنة، ولا ندري ممن سمعها. ١٥٧- علي بن أبي الحسن المعروف بابن طيبة الرزاز . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٥ «أخبرني علي بن أحمد الرزاز اخبرنا علي بن محمد بن سعيد الموصلي قال: حدثنا الحسن بن الوضاح المؤدب ... » فذكر حكاية قد جاءت من غير هذا الوجه. قال الأستاذ ص ٧٢: «كان له ابن أدخل في أصوله تسميعات طرية على ما حكاه الخطيب فكيف يعول الآن على روايته» . أقول: قال الخطيب في ترجمة الرزاز: شاهدت أنا جزءاً من أصول الرزاز بخط أبيه ... ثم رأيته قد غير فيه بعد وقت ... وكان الرزاز مع هذا كثير السماع كثير الشيوخ وإلى الصدق ما هو» فهذه الحكاية مما رآه الخطيب في أصول الرزاز الموثوق بها كما هو معروف من تحري الخطيب وتثبيته. ١٥٨- علي بن إسحاق بن عيسى بن زاطيا . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨١ من طريقه «حدثنا أبو معمر القطيعي ... .» قال الأستاذ: ص ٦٣ «لم يكن بالمحمود كما أقر به الخطيب» . أقول: حكى الخطيب هذه الكلمة عن ابن المنادي وهذه الكلمة تشعر بأنه محمود في الجملة كما مر نظيره في ترجمة الحسن بن الصباح فإن عدت جرحا فهو غير مفسر وقد قال ابن السني: «لا بأس به» . ١٥٩- علي بن جرير الباوردي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٣ من طريق محمد بن المهلب السرخسي «حدثنا علي بن جرير قال: كنت في الكوفة فقدمت البصرة وبها ابن المبارك فقال لي: كيف تركت الناس؟ قال قلت تركت بالكوفة قوماً يزعمون أن أبا حنيفة أعلم من رسول الله ﷺ ... » ومن طريق محمد بن أبي عتاب الأعين «حدثنا علي بن جرير الأبيوردي قال: قدمت على ابن

стр. 555

المبارك فقال له رجل: إن رجلين تماريا عندنا في مسألة فقال أحدهما: قال أبو حنيفة، وقال الآخر: قال رسول الله ﷺ ، قال الأول: كان أبو حنيفة أعلم بالقضاء ... » قال الأستاذ ص ١٤٨: «لا نجد لعلي بن جرير رواية مطلقاً عن ابن المبارك في غير هذين الخبرين وعلي بن جرير البارودي هذا زائغ لم يستطيع ابن حاتم أن يذكر شيخاً له ولا راوياً عنه، وجعله بمنزلة من يكتب حديثه وينظر فيه - رواية عن أبيه - لا في عداد من يحتج به ونحن قد نظرنا فيه فوجدنا باهتا ... » . أقول: ذكره ابن حبان في (الثقات) قال: «علي بن جرير من أهل (أبيورد) يروي عن حماد بن سلمة وابن المبارك وكان يخضب لحيته روى عنه أحمد بن سيار. سمعت محمد بن محمود ابن عدي يقول: سمعت (محمد بن عبد الله) بن قهزاز يقول: سمعت علي بن جرير يقول: قلت لابن المبارك: رجل يزعم أن أبا حنيفة أعلم بالقضاة من رسول الله ﷺ . فقال عبد الله: هذا كفر. قلت: يا أبا عبد نفذ الكفر، قالوا: رويت فروى الناس. قال: ابتليت به. ودمعت عيناه» . فقد روى علي بن جرير عن إمامين عنه أربعة من الثقات. وفي ترجمة عمر بن صبح من (التهذيب) «قال البخاري في (التاريخ الأوسط) : حدثني يحيى اليشكري عن علي بن جرير ... » فهذا خامس. وقال أبو حاتم: «صدوق» ولم يكن ليقول ذلك حتى يعرفه كما ينبغي، وأبو حاتم معروف بالتشدد، وقد لا تقل كلمة «صدوق» منه عن كلمة «ثقة» من غيره، فإنك لا تكاد تجده أطلق كلمة «صدوق» في رجل إلا وتجد غيره قد وثقه هذا هو الغالب، ثم ذكره ابن حبان في (الثقات) وأورد له تلك الحكاية التي يستنكرها الأستاذ ولا يضره بعد ذلك أن لا يعرفه ابن أبي حاتم. وما أكثر الذين لم يعرفهم وقد عرفهم غيره. فأما قول الأستاذ «فوجدناه باهتا» فأطال في محاولة توجيهه بما أشعر أنه يمتنع أن يقول أن أبا حنيفة أعلم بالقضاء من النبي ﷺ ، فإن أقدم جاهل على امتنع أن لا يرفع إلى الحاكم ليقيم عليه حكم الشرع.

стр. 556

فأقول: أما امتناع القول، فإن كان المراد أن قائل ذلك لا يبقى مسلماً فهذا لا يدفع هذه الحكاية، وإن كان المراد امتناع أن يقول ذلك إنسان ينتحل الإسلام فهذا لا وجه له، فقد غلا كثيرا من منتحلي الإسلام في أفراد فادعوا لهم العصمة أو النبوة أو الألوهية، وذلك معروف مشهور. وقد حكيت عن أبي حنيفة كلمات لا يبعد أن يسمعها بعض جهلة معظميه فيتوهم أن الحكام التي مردها إلى القضاة بمنزلة الرأي في مصالح الدنيا كتدبير الحروب والمعايش وقد قال الله ﵎ لرسوله: «وشاورهم في الأمر» وجاء عنه ﷺ أنه قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» (١) وأنه ربما كان يرى الرأي في تدبير الحرب فيخبره بعض أصحابه بأن غيره أولى فيرجع إلى قوله، فمن تلك الكلمات ما حكى عنه في تلقيه من يذكر له حديثا يخالف قوله بمثل «من أصحابي من يبول قلتين، هذا حديث خرافة، لا آخذ به، دعنا من هذا. هذا رجز. هذا سجع. هذيان. حك هذا بذنب خنزير» وما عزي إليه من قوله: «لو أدركني النبي (في رواية: رسول الله) ﷺ لأخذ بكثير من قولي» زاد في رواية «وهل الدين إلا الرأي الحسن؟» وقد ذكرها الأستاذ ص ٧٥ و٨٥. وهذه الكلمة قد يكون أريد بها أن كثيراً مما أقوله باجتهادي موافق للحق فلو كنت في عهد النبي ﷺ لعلم صحة كثير من قولي وصوبه وحكم بما يوافقه كما يُروى من موافقات عمر أنه قد كان يرى الرأي أو يقول القول فينزل القرآن بموافقته. فأما قوله: «وهل الدين إلا الرأي الحسن» فالرأي الحسن حقاً هو المطابق للحكمة الحقة حق المطابقة وكذلك الدين. وقد زعم بعضهم أن أبا حنيفة إنما قال: «لو أدركني البتي ... » فصحف بعضهم فقال: «النبي» ثم رواها بعضهم بالمعنى فقال: «رسول الله» وجرى الأستاذ على هذا ولا بأس بالنظر فيه، قال الأستاذ: «وأما أصل الحكاية ... » فذكر طرفاً مما في (مناقب أبى حنيفة) للموفق المكي ج ٢ ص ١٠١ - ١٠٩ والرواية هناك من طريق عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي

стр. 557

قال: «حدثني أبو طالب سعيد بن محمد البرذعي بن قتيبة أبنا هلال بن يحيى الرأي البصري سمعت يوسف بن خالد السمتي قال: اختلفت إلى عثمان البتي فقيه أهل البصرة وكان يذهب مذهب الحسن وابن سيرين ومذهب البصريين فأخذت من مذاهبهم وناظرت عليها ثم استأذنته في الخروج إلى الكوفة ... فأذن لي فلما قدمت الموفية ... فإذا أنا بكهل قد أقبل ... وخلفه غلام أشبه الناس به ... فتوسمت أنه أبو حنيفة ... فقال: كنت من المختلفة إلى البتي؟ قلت: نعم، قال: لو أدركني البتي لترك كثيراً من قوله ... » إلى أن قال يوسف: «كنت أختلف إلى أبي حنيفة فكنت أمر بنادي قوم فمن كثرة مروري بهم صاروا لي أصدقاء ثم انقرضوا فصار أولادهم لي أصدقاء ثم استأذنت بالخروج إلى البصرة ... » وفي القصة عجائب. وقد ذكر الأستاذ البتي والسمتي في ص ١١٣ قال: «عثمان بن مسلم البتي هو فقيه البصرة توفي سنة ١٤٣ كما سبق وكانت تجري بينه وبين أبي حنيفة مراسلات ... وكان يوسف بن خالد السمتي بعد أن تفقه على أبي حنيفة رجع إلى البصرة وأخذ يجابه البتي وأصحابه ... حتى ثاروا ضده ... ولكن لما حل زفر بالبصرة جرى على الحكمة في مناظرتهم ... » . يشير الأستاذ إلى ما في كتاب ابن أبي العوام عن الطحاوي بسنده كما في (لسان الميزان) ج ٢ ص ٤٧٧ «قدم زفر بن الهذيل البصرة فكان يأتي حلقة عثمان البتي ... فلم يلبث أن تحولت الحلقة إليه وبقي عثمان البتي وحده» فقد اتضح أن البتي أدرك أبا حنيفة، ويقول الأستاذ أنه كانت تجري بينهما مراسلات، وصرحت القصة نفسها أن البتي كان حيا يرزق حين لقي يوسف السمتي أبا حنيفة وقال له أبو حنيفة كما تزعم القصة «له أدركني البتي ... » ويعلم من كلام الأستاذ أن البتي عاش بعد ذلك إلى أن أكمل السمتي تفقهه ورجع إلى البصرة ثم إلى أن ظهر إخفاق السمتي وورد زفر البصرة فليتدبر القارئ هل يقول أبو حنيفة والبتي حي يرزق يراسله ويكاتبه: «لو أدركني البتي ... » ؟ ثم ليحرز ما أقل ما يحتمل بحسب العادة أن يكون عمر السمتي حين استأذن البتي وذلك بعد اختلاف السمتي إليه وأخذه من

стр. 558

مذاهبهم ومناظرته عليها؟ ثم ليحرز ما عسى أن يكون عمر أبي حنيفة وعمر ولده حماد حين رآهما السمتي؟ والقصة تقول: «فإذا أنا بكهل قد أقبل ... وخلفه غلام أشبه الناس به» ثم تصرح بعد ذلك بأن الكهل أبو حنيفة وأن الغلام ابنه حماد. ثم ليحرز ما عسى أن تكون مدة عكوف السمتي على الأخذ من أبي حنيفة والقصة تقول: «أمر بنادي قوم فمن كثرة مروري بهم صاروا لي أصدقاء ثم انقرضوا فصار أولادهم لي أصدقاء ثم استأذنت ... » فكم المدة إلى أن استأذن في العود إلى البصرة واحتفل له أبو حنيفة بتلك الوصية الطويلة العريضة؟ ثم ليحرز ما عسى أن تكون مدة بقاء السمتي بالبصرة حتى تبين إخفاقه إلى أن ورد زفر فسحر أهل البصرة وبقي البتي وحده؟ ثم ليعرض النتائج على الحقائق التاريخية، مولد السمتي سنة ٣٣٠ كما في (طبقات ابن سعد) ج ٧ قسم ٢ ص ٤٧، أو بعد ذلك بسنتين على ما في (التهذيب) عن ابن سعد، ومولد أبي حنيفة سنة ثمانين على الأصح وسنة سبعين أو ستين على رأي الأستاذ كما تقدم في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت. ومولد حماد حول سنة ١٠٠ على ما يظهر وعلى رأي الأستاذ مولد حماد قبل مولد مالك، ومالك ولد سنة ثلاث وتسعين وقيل قبل ذلك، ووفاة البتي سنة ١٤٣ كما تقدم. والقصة تقول: أن السمتي الذي ولد سنة عشرين ومائة أو سنة عشرين ومائة أو سنة اثنتين وعشرين ومائة كان يختلف إلى البتي ويأخذ من مذاهبهم حتى صار يناظر عليها ثم قدم الكوفة فلقي الأعمش وجرت بينهما محاورة ثم لقي أبا حنيفة وجرت بينهما محاورة، فلنفرض أن ذلك كان وعمر السمتي دون عشرين سنة فليكن حول سنة أربعين ومائة وعمر أبي حنيفة حينئذ على قولنا ستون سنة وعلى رأي الأستاذ سبعون أو ثمانون. وعمر حماد على ما يظهر أربعون سنة وعلى رأي الأستاذ خمسون سنة، لكن القصة ذكرتهما بقولها: «فإذا أنا بكهل قد أقبل ... وخلفه غلام أشبه الناس به» !! ثم لا أدري كم نفرض بقاء السمتي مع أبي حنيفة وهي مدة كان أولاً يمر بقوم فصاروا له أصدقاء ثم انقرضوا فصار أبناؤهم له أصدقاء ثم رجع إلى البصرة فوجد البتي حياً إلى آخر ما ذكر الأستاذ، وقد علمت متى توفي البتي!! وأدع البقية إلى القارئ وإن أحب فليراجع القصة ليزداد بصيرة. والأستاذ عافانا الله وإياه يعمد إلى أمور نسبتها إلى هذه نسبة الخيال إلى

стр. 559

الحقيقة فيرد بها روايات الثقات الأثبات ومنها ما يروى من وجهين أو أكثر ومنها ما هو متواتر على الحقيقة فأما هذه الحكاية فتفرد بها الحارثي وهو تالف مرمي بالوضع راجع ترجمته في (لسان الميزان) ج ٣ ص ٣٤٨ - وشيخه لا يذكر إلا في هذه الحكاية وقد ذكره صاحب (الجواهر المضيئة في تراجم الحنفية) ص ٢٤٩ بما يؤخذ من هذه الحكاية فقط فإما أن يكون اسماً اختلقه الحارثي، وإما أن يكون رجلاً مغموراً هلك فاختلق الحارثي هذه الحكاية ونسبها إليه فإن القصة تدل على اطلاع وتفيهق وهذه صفة الحارثي يمتنع أن يكون شيخه بهذه الصفة ثم لا يذكر إلا في هذه الحكاية، فأما الطحاوي فبريء منها حتماً ولو كان عنده شيء منها لما فات ابن أبي العوام. والظاهر أن الحارثي سمع ما حكى عن أبي حنيفة من قوله: «لو أدركني النبي ... » فحاول أن يعالجها فوقع فيه. وكأن الأستاذ شعر بذلك فحاول التأويل فزعم أن معنى قول أبي حنيفة «لأخذ بكثير من قولي» لأخذني أي للامني ووبخني! ولا يخفى حال هذا التأويل، على أنه ناقصة بما أجاب به عن قوله: «وهل الدين إلا الرأي الحسن» فزعم أن كلمة «الدين» محرفة عن «أرى» وأن الأصل «وهل أرى إلا الرأي الحسن» ولنقتصر على هذا القدر. فأما امتناع أن يقول قائل: «أبو حنيفة أعلم ... » ولا يرفع إلى الحاكم ليقيم عليه حكم الشرع، فإنما يتجه إذا قاله على رؤوس الأشهاد، وليس فيما رواه علي بن جرير ما يقتضي ذلك. وقد مر علي بن جرير بالكوفة غريباً فإذا سمع يقول ذلك ولم يكن هناك جمع كثير رأى أنه لا فائدة في الذهاب إلى القاضي غذ لعله لو قال للقائل تعال معي إلى القاضي امتنع، فان ذهب علي إلى القاضي قال له القاضي: ومن القائل؟ فلا يعرفه، فإن عرفه فلعل القائل يجحد، بل لعلهم يعكسون القضية على ذاك الغريب ويؤذونه! بقي ما وقع من اختلاف ألفاظ الحكاية. فأقول: ذاك من جهة الرواية بالمعنى ومثله كثير، وفي (صحيح مسلم) في أحاديث لا تقضي الحائض الصلاة، من طريق «يزيد الرشك عن معاذة أن امرأة سألت عائشة ... » ومن طريق «عاصم عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت ... »

стр. 560

ولهذا نظائر. فأما قول الأستاذ في علي بن جرير «زائغ السفيه. الخبيث. النذل. الخبيث» فحاسبها إلى الله . ١٦٠ - علي بن زيد الفرائضي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٨ من طريقه قال: «حدثنا علي بن صدقة قال: سمعت محمد بن كثير قال: سمعت الأوزاعي ... » قال الأستاذ ص ١١١: «تكلموا فيه» . أقول: كذا قال ابن يونس ولم يبين من المتكلم ولا ما هو الكلام، وقد قال مسلمة بن قاسم: «ثقة» والتوثيق، مقدم على مثل هذا الجرح كما لا يخفى. ١٦١- علي بن صدقة . تقدم الإشارة إلى روايته في الذي قبله. قال الأستاذ ص ١١١: «كثير الإغراب» . أقول ذكره ابن حبان في «الثقاة» وقال: «يغرب» . وابن حبان قد يقول مثل هذا لمن يستغرب له حديثاً واحداً أو زيادة في حديث فقول الأستاذ: «كثير الإغراب» من تصرفاته، والحكاية التي ذكرها الخطيب بهذا السند معروفة جاءت من عدة طرق. ١٦٢- علي بن عاصم . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٧ عنه قال: «حدثنا أبا حنيفة بحديث عن النبي ﷺ . فقال لا آخذ به. فقلت: عن النبي ﷺ . قال: لا آخذ به» قال الأستاذ ص ٧٨: «أبو حنيفة كغيره من أهل العلم في عدم الأخذ بحديث علي بن عاصم الذي يكتبه الوراقون ويحدث هو به بدون سماع ولا مقابلة بأصل صحيح، والكلام فيه طويل الذيل في كتب الضعفاء فتباً لمن يقيم نفسه مقام الرسول ﷺ ويجعل الرد عليه رداً على المصطفى صلوات الله وسلامه عليه. وأبو حنيفة الذي يقول: لعن الله من يخالف رسول الله ﷺ به أكرمنا الله وبه استنقذنا كما في (الانتقاء) لابن عبد البر ص ١٤١ كيف يخالف حديثاً صح عن الرسول ﵊. ومن زعم فقد أبعد في البهت نسأل الله الصون» . أقول: أما ما في (الانتقاء) فطرف من حكاية ردها الأستاذ نفسه ص ٩٤؛

стр. 561

وقال في حاكيها داود بن المحبر «متروك باتفاق» فكيف يستند إليها هنا جازماً بقوله «الذي يقول» ؟ وظاهر قول علي بن عاصم «حدثنا أبا حنيفة ... » إنه وافقه غيره على التحديث، وهبه لم يوافقه أحد أفما كان ينبغي أن يجيبه أبو حنيفة بقوله: «من روى هذا معك؟» أو نحو ذلك، وهبه علم تفرده، أفما كان الأولى أن يجيبه بقوله: «لم يثبت عندي» أو نحو ذلك، بل لو قال له: لا أثق بروايتك لكان أولى من قوله: «لا آخذ به» . فأما علي بن عاصم فالذي يظهر من مجموع كلامه فيه أنه خلط في أول أمره ثم تحسنت حاله، وبقي كثرة الغلط والوهم، فما حدث به أخيراً ولم يكن مظنة الغلط فهو جيد. ١٦٣- علي بن عبد الله بن المديني . تقدم في ترجمة إبراهيم بن بشار الرمادي متابعة ابن المديني له في حكايته عن ابن عيينة. أشار الأستاذ ص ٨٢ إلى ذلك ثم قال: «لو فكر ابن المديني في مسايرته لابن أبي داود ... وسعى في إعداد الجواب ... لكان أحسن له ونحسن أنه لم يعد ولن يعد ... » . وفي (تاريخ بغداد) ١٣/٤٢٠ من طريق عبد الله بن علي بن المديني أنه سأل أباه عن أبي حنيفة؟ «فضعفه جداً، وقال: لو كان بين يدي ما سألته عن شيء، وروى خمسين حديثاً أخطأ فيها» قال الأستاذ ص ١٦٨: «إن كان ابن المديني كما نهش الخطيب عرضه في (١١/٤٥٩) وابن الجوزي في (مناقب أحمد) لا يكون لكلامه قيمة» ثم أشار الأستاذ إلى أن ابن المديني تناقض قال: «ينافي ما ذكره أبو الفتح الأزدي في (كتاب الضعفاء) وحيث قال: قال علي ابن المديني أبو حنيفة روى عنه ... وهو ثقة لا بأس به» ثم قال الأستاذ: «نسأل الله السلامة» وفي (تاريخ بغداد) (١٣/٤٢٣) عنه: «قال لي بشر بن أبي الأزهر النيسابوري رأيت في المنام ... » قال الأستاذ ص ١٧٠: «ليس بقليل ما ذكره الخطيب عن ابن المديني في (تاريخه) ومن جملة ذلك صلته الوثيقة بأحمد ابن أبي داود في محنة أهل الحديث ... وقد ترك أبو زرعة وأحمد الرواية عنه بعد المحنة وبشر بن «أبي» الأزهر من أخص أصحاب أبي

стр. 562

يوسف ... ومن أتبع أهل العلم لأبي حنيفة وأرعاهم لجانبه فلا أشك أن هذه الرواية مختلقة» . أقول: أما مسايرته لابن أبي داود فقد أجاب عنها مراراً بأنه مكره وكان في أيام المحنة إذا خلا بمن يثق به من أهل السنة ذكر له ذلك وأنه يرى أن الجهمية كفار، جاء ذلك من طرق. فإن قيل: لم يكن الدعاة يكرهو ن أحداً أن يكون معهم وإنما كانوا يكرهو ن على قول مثل مقالتهم كما فعلوا بيحيى بن معين وغيره، فكيف أكرهو اابن المديني على مسايرتهم؟ قلت: كان الدعاة يرون أنه لا غنى لهم عن أن يكون بجانبهم من يعارضون به الإمام أحمد ولم يكن هناك إلا ابن المديني أو يحيى بن معين، فأما ابن معين فإنه وإن كان أضعف صبراً وأقل ثباتاً من أحمد بحيث أنه أجاب عند الإكراه إلى إجراء تلك المقالة على لسانه، فلم يكن من الضعف بحيث إذا هددوه وخوفوه على أن يسايرهم ليجيبهم إلى ذلك، ولعلهم قد حاولوا ذلك منه فأخفقوا، فما بقي إلا ابن المديني، وكان هو نفسه شهد على نفسه بالضعف قال: «قوي أحمد على السوط ولم أقو» وقال لابن عمار: «خفت أن أقتل وتعلم ضعفي أني لو ضربت سوطاً واحداً لمت» أو نحو هذا. وقال لأبي يوسف القلوسي لما عاتبه: «ما أهو ن عليك السيف» . وقال لعلي بن الحسين: «بلغ قومك عني أن الجهمية كفار ولم أجد بداً من متابعتهم لأني حبست في بيت مظلم وفي رجلي قيد حتى خفت على نفسي» وذكر عند يحيى بن معين فقال: «رجل خاف» . وإنما أنكر عليه في طول مسايرته للجهمية ما جرى في حديث الوليد بن مسلم، كان الوليد يروي عن الأوزاعي عن الزهري عن أنس عن عمر أنه قرأ قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) فتردد في معنى الأب ثم قال: «أيها الناس خذوا بما بين لكم فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى عالمه» فأخطأ الوليد مرة فقال: «إلى خالقه» . كأنه جعل الضمير للأب ونحوه مما ذكره الله من مخلوقاته، فكان أهل العلم يروونه عن الوليد على الصواب وربما ذكروا أنه أخطأ فقال: «إلى خالقه» ورواه ابن

стр. 563

المديني بالبصرة: «إلى عالمه» ونبه على الخطأ فيما يظهر، ثم كأن الجهمية عرفوا ذلك فألزموا ابن المديني أن يرويه بلفظ «إلى خالقه» قائلين: إنك قد سمعت مرة كذلك، فإذا رويته كذلك لم يكن فيه كذب. فاضطر إلى إجابتهم، فسأله عباس العنبري فأجابه بقوله: «قد حدثتكم بالبصرة» وذكر أن الوليد أخطأ فيه. فذكروا للإمام أحمد أن ابن المديني روى بلفظ «إلى خالقه» ، فقال: «كذب» يريد أحمد أن ابن المديني يعلم أن الصواب «إلى عالمه» وأن كلمة: «إلى خالقه» كذب وقع من الوليد خطأ. وفي الحديث الصحيح: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» ، فقيل لأحمد: «إن عباساً العنبري قال لما حدث به علي بـ (العسكر) قلت: إن الناس أنكروه عليك، فقال: قد حدثتكم به بالبصرة. وذكر أن الوليد أخطأ فيه» فغضب أحمد وقال: «نعم، قد علم أن الوليد أخطأ فلمَ أراد أن يحدثهم به؟ يعطيهم الخطأ» وعذره في هذا ما قدمناه. فأما ترك أحمد وأبي زرعة الرواية عن علي بعد أن وقعت المحنة فقد تقدم الجواب عنه في ترجمة إسماعيل بن إبراهيم بن معمر. وأما قول الأستاذ: «ونحسب أنه لم يعد ولن يعد» فكأنه يشير إلى أن الدعاة كانوا على حق وأن ابن المديني سايرهم عارفاً أنهم على حق والحق لا يحتاج الإنسان إلى أن يعد عن اختياره له جواباً. فإن كان هذا مغزى الأستاذ فالكلام فيه مشروح في قسم الاعتقاديات. وأما ما ذكره الأزدي، فالأزدي نفسه متهم، ولا ندري مع ذلك ما سنده إلى ابن المديني، وهل أن ذلك صح فلا يدفع رواية ولد ابن المديني عن أبيه، فإن كثيراً من الأئمة تختلف أقوالهم في الرجال توثيقاً وجرحاً، إما لتغيير الاجتهاد، وإما لأن إحدى الكلمتين أريد بها خلاف ما يظهر منها، وإما لغير ذلك، كأنه يقال هنا: كان دعاة المحنة حنفية، وكانوا ينسبون مقالتهم التي امتحنوا الناس فيها إلى أبي حنيفة ويدعون إلى مذهبه في الفقه كما مرت الإشارة إلى طرف منه في ترجمة سفيان الثوري، فكأنهم استكرهو اابن المديني على أن يثني على أبي حنيفة ويوثقه فاضطر إلى أن يوافقه وقد يكون ورَّى فقصد بكلمة: «ثقة» معنى أنه لم يكن

стр. 564

يكذب، ثم لما سأله ابنه أخبره بما يعتقده. وأما استبعاد أن يخبر بشر وهو من أتباع أبي حنيفة في الفقه بتلك الرؤيا فلا يكفي لدفع الرواية إذا صح سندها، فقد يعترف الرجل على نفسه، فإذا أخبر بذلك عنه ثقة قبل، فما الظن بما يخبر به عن أستاذه أو أستاذ أستاذه، وقد يكون بشر مع متابعته لأبي حنيفة في الفقه يخالف في بعض العقائد كما روي عن أبي يوسف أنه قال: «إنما كان مدرساً فما كان من قوله حسناً قبلناه، وما كان قبيحاً تركناه» تراه في (التأنيب) ص ٤٦. وقد يكون بشر يرى أن تلك الرؤيا أضغاث أحلام فلا يقيم لها وزناً وإنما أخبر بها تعجباً. وقد يكون يرى أن لها تأويلاً تكون بحسبه فضيلة وبشارة لأبي حنيفة وأصحابه. فيتأول السواد بالسؤدد، وصحبة القسيسين بالإشارة إلى قول الله ﵎: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) المائدة: ٨٢ ـ ٨٥. ولو قيل: إن الخطيب إنما ختم ترجمة أبي حنيفة بهذه الرؤيا نظراً إلى هذا التأويل كعادته في ختم التراجم بالرؤيا التي فيها بشارة لأصحابها كما فعل في ترجمة محمد بن الحسن وغيرها لكان أقوى بكثير من كثير من دعاوي الأستاذ. والله الموفق. ١٦٤- علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن الدارقطني . ذكر الأستاذ ص ١٦٧ ما روي عن الدارقطني من نفيه سماع أبي حنيفة من أنس ثم قال: «وهو الذي يستبيح أن يقول: إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة ثلاثتهم ضعفاء. وأين هو من محمد بن عبد الله الأنصاري الذي يقول في إسماعيل: ما ولي القضاء من لدن عمر بن الخطاب إلى اليوم أعلم من إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. يعني بالبصرة. وأين هو أيضاً من محمد بن مخلد العطار الحافظ الذي ذكر حماد بن أبي حنيفة في عداد الأكابر الذين رووا عن مالك. وأين هو أيضاً من هؤلاء الذين

стр. 565

أثنوا على أبي حنيفة ... والدارقطني هو الذي يهذي في أبي يوسف بقوله: أعور بين عميان. وهو الأعمى المسكين بين عور حيث ضل في المعتقد وتابع الهوى في الكلام على الأحاديث واضطراب» وقال ص ١٧٨: «ومن طرائف صنيع الخطيب أيضاً روايته عن الدارقطني أنه قال عن أبي يوسف: أعور بين عميان. بعد أن ذكر عنه من رواية البرقاني أنه قال: هو أقوى من محمد بن الحسن. والدارقطني هو الذي يذكر محمد بن الحسن في عداد الثقات الحفاظ حيث يقول في (غرائب مالك) عن حديث الرفع عند الركوع: حدث به عشرون نفراً من الثقات الحفاظ منهم محمد بن الحسن الشيباني. كما تجد نص هذا النقل منه في (نصب الراية) ١ / ٤٠٨ كما سبق وقد اعترف الدارقطني في رواية البرقاني بأن أبا يوسف أقوى من محمد فيكون أبو يوسف حافظاً ثقةً وفوق الثقة عنده فإذا قال في بعض المجالس في حق مثله: أعور بين عميان كما حكى الخطيب يكون قوله هذياناً بحتاً وسفهاً صرفاً، فلو عارضه أحد أصحابنا قائلاً: بل هو الأعمى بين عور. ما بعد عن الصواب، لأن الله سبحانه أعمى بصيرة هذا المتسافه في صفات الله سبحانه حتى دون في صفات الله سبحانه ما لا يدونه إلا مجسم وهو حديث الشاب الجعد القطط، وحديث الإقعاد الذي يلهج هو به، كما أعمى بصيرة كثير من زملائه وهو معهم في الفروع، فإذن هو فاقد البصر في المعتقد كما أنه فاقد البصر في الفروع ومن يكون فاقد البصرين يكون هو الأعمى بين أناس عور لم يفقدوا إلا إحداهما بفقدهم التبصر في بعض الفروع فقط. راجع ما ذكره المحدث البارع الشيخ عبد العزيز الفنجابي الهندي مؤلف (نبراس الساري في أطراف البخاري) في حاشيته على (نصب الراية) ٣ / ٨ لتطلع على جلية أمر الدارقطني في الثقة والأمانة، نسأل الله السلامة» . والذي في تلك الحاشية مع إصلاح بعض الأخطاء «من مارس كتابه علم أنه قلما يتكلم على الأحاديث إلا حديثاً خالف الشافعي فيظهر عواره، أو وافقه فيصححه إن وجد إليه سبيلاً، لا أقول: أنه يفعل ذلك بهوى النفس ولكن إذا كان ثقة ضعفه بعضهم، أو ضعيفاً فيه كلام لبعضهم، أو ضعيفاً وثقه بعضهم، أو وجد مجهولاً لا يترقب، ويظهر طرفه الموافق لإمامه ... وهذا محمد بن عبد الرحمن بن أبي
следующие страницы →