وقال في حاكيها داود بن المحبر «متروك باتفاق» فكيف يستند إليها هنا جازماً بقوله «الذي يقول» ؟ وظاهر قول علي بن عاصم «حدثنا أبا حنيفة ... » إنه وافقه غيره على التحديث، وهبه لم يوافقه أحد أفما كان ينبغي أن يجيبه أبو حنيفة بقوله: «من روى هذا معك؟» أو نحو ذلك، وهبه علم تفرده، أفما كان الأولى أن يجيبه بقوله: «لم يثبت عندي» أو نحو ذلك، بل لو قال له: لا أثق بروايتك لكان أولى من قوله: «لا آخذ به» .
فأما علي بن عاصم فالذي يظهر من مجموع كلامه فيه أنه خلط في أول أمره ثم تحسنت حاله، وبقي كثرة الغلط والوهم، فما حدث به أخيراً ولم يكن مظنة الغلط فهو جيد.
١٦٣- علي بن عبد الله بن المديني . تقدم في ترجمة إبراهيم بن بشار الرمادي متابعة ابن المديني له في حكايته عن ابن عيينة. أشار الأستاذ ص ٨٢ إلى ذلك ثم قال: «لو فكر ابن المديني في مسايرته لابن أبي داود ... وسعى في إعداد الجواب ... لكان أحسن له ونحسن أنه لم يعد ولن يعد ... » . وفي (تاريخ بغداد) ١٣/٤٢٠ من طريق عبد الله بن علي بن المديني أنه سأل أباه عن أبي حنيفة؟ «فضعفه جداً، وقال: لو كان بين يدي ما سألته عن شيء، وروى خمسين حديثاً أخطأ فيها» قال الأستاذ ص ١٦٨: «إن كان ابن المديني كما نهش الخطيب عرضه في (١١/٤٥٩) وابن الجوزي في (مناقب أحمد) لا يكون لكلامه قيمة» ثم أشار الأستاذ إلى أن ابن المديني تناقض قال: «ينافي ما ذكره أبو الفتح الأزدي في (كتاب الضعفاء) وحيث قال: قال علي ابن المديني أبو حنيفة روى عنه ... وهو ثقة لا بأس به» ثم قال الأستاذ: «نسأل الله السلامة» وفي (تاريخ بغداد) (١٣/٤٢٣) عنه: «قال لي بشر بن أبي الأزهر النيسابوري رأيت في المنام ... » قال الأستاذ ص ١٧٠: «ليس بقليل ما ذكره الخطيب عن ابن المديني في (تاريخه) ومن جملة ذلك صلته الوثيقة بأحمد ابن أبي داود في محنة أهل الحديث ... وقد ترك أبو زرعة وأحمد الرواية عنه بعد المحنة وبشر بن «أبي» الأزهر من أخص أصحاب أبي
стр. 562
يوسف ... ومن أتبع أهل العلم لأبي حنيفة وأرعاهم لجانبه فلا أشك أن هذه الرواية مختلقة» .
أقول: أما مسايرته لابن أبي داود فقد أجاب عنها مراراً بأنه مكره وكان في أيام المحنة إذا خلا بمن يثق به من أهل السنة ذكر له ذلك وأنه يرى أن الجهمية كفار، جاء ذلك من طرق. فإن قيل: لم يكن الدعاة يكرهو ن أحداً أن يكون معهم وإنما كانوا يكرهو ن على قول مثل مقالتهم كما فعلوا بيحيى بن معين وغيره، فكيف أكرهو اابن المديني على مسايرتهم؟ قلت: كان الدعاة يرون أنه لا غنى لهم عن أن يكون بجانبهم من يعارضون به الإمام أحمد ولم يكن هناك إلا ابن المديني أو يحيى بن معين، فأما ابن معين فإنه وإن كان أضعف صبراً وأقل ثباتاً من أحمد بحيث أنه أجاب عند الإكراه إلى إجراء تلك المقالة على لسانه، فلم يكن من الضعف بحيث إذا هددوه وخوفوه على أن يسايرهم ليجيبهم إلى ذلك، ولعلهم قد حاولوا ذلك منه فأخفقوا، فما بقي إلا ابن المديني، وكان هو نفسه شهد على نفسه بالضعف قال: «قوي أحمد على السوط ولم أقو» وقال لابن عمار: «خفت أن أقتل وتعلم ضعفي أني لو ضربت سوطاً واحداً لمت» أو نحو هذا. وقال لأبي يوسف القلوسي لما عاتبه: «ما أهو ن عليك السيف» . وقال لعلي بن الحسين: «بلغ قومك عني أن الجهمية كفار ولم أجد بداً من متابعتهم لأني حبست في بيت مظلم وفي رجلي قيد حتى خفت على نفسي» وذكر عند يحيى بن معين فقال:
«رجل خاف» . وإنما أنكر عليه في طول مسايرته للجهمية ما جرى في حديث الوليد بن مسلم، كان الوليد يروي عن الأوزاعي عن الزهري عن أنس عن عمر أنه قرأ قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) فتردد في معنى الأب ثم قال: «أيها الناس خذوا بما بين لكم فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى عالمه» فأخطأ الوليد مرة فقال: «إلى خالقه» . كأنه جعل الضمير للأب ونحوه مما ذكره الله من مخلوقاته، فكان أهل العلم يروونه عن الوليد على الصواب وربما ذكروا أنه أخطأ فقال: «إلى خالقه» ورواه ابن
стр. 563
المديني بالبصرة: «إلى عالمه» ونبه على الخطأ فيما يظهر، ثم كأن الجهمية عرفوا ذلك فألزموا ابن المديني أن يرويه بلفظ «إلى خالقه» قائلين: إنك قد سمعت مرة كذلك، فإذا رويته كذلك لم يكن فيه كذب. فاضطر إلى إجابتهم، فسأله عباس العنبري فأجابه بقوله: «قد حدثتكم بالبصرة» وذكر أن الوليد أخطأ فيه. فذكروا للإمام أحمد أن ابن المديني روى بلفظ «إلى خالقه» ، فقال: «كذب» يريد أحمد أن ابن المديني يعلم أن الصواب «إلى عالمه» وأن كلمة: «إلى خالقه» كذب وقع من الوليد خطأ. وفي الحديث الصحيح: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» ، فقيل لأحمد: «إن عباساً العنبري قال لما حدث به علي بـ (العسكر) قلت: إن الناس أنكروه عليك، فقال: قد حدثتكم به بالبصرة. وذكر أن الوليد أخطأ فيه» فغضب أحمد وقال: «نعم، قد علم أن الوليد أخطأ فلمَ أراد أن يحدثهم به؟ يعطيهم الخطأ» وعذره في هذا ما قدمناه.
فأما ترك أحمد وأبي زرعة الرواية عن علي بعد أن وقعت المحنة فقد تقدم الجواب عنه في ترجمة إسماعيل بن إبراهيم بن معمر. وأما قول الأستاذ: «ونحسب أنه لم يعد ولن يعد» فكأنه يشير إلى أن الدعاة كانوا على حق وأن ابن المديني سايرهم عارفاً أنهم على حق والحق لا يحتاج الإنسان إلى أن يعد عن اختياره له جواباً. فإن كان هذا مغزى الأستاذ فالكلام فيه مشروح في قسم الاعتقاديات.
وأما ما ذكره الأزدي، فالأزدي نفسه متهم، ولا ندري مع ذلك ما سنده إلى ابن المديني، وهل أن ذلك صح فلا يدفع رواية ولد ابن المديني عن أبيه، فإن كثيراً من الأئمة تختلف أقوالهم في الرجال توثيقاً وجرحاً، إما لتغيير الاجتهاد، وإما لأن إحدى الكلمتين أريد بها خلاف ما يظهر منها، وإما لغير ذلك، كأنه يقال هنا: كان دعاة المحنة حنفية، وكانوا ينسبون مقالتهم التي امتحنوا الناس فيها إلى أبي حنيفة ويدعون إلى مذهبه في الفقه كما مرت الإشارة إلى طرف منه في ترجمة سفيان الثوري، فكأنهم استكرهو اابن المديني على أن يثني على أبي حنيفة ويوثقه فاضطر إلى أن يوافقه وقد يكون ورَّى فقصد بكلمة: «ثقة» معنى أنه لم يكن
стр. 564
يكذب، ثم لما سأله ابنه أخبره بما يعتقده.
وأما استبعاد أن يخبر بشر وهو من أتباع أبي حنيفة في الفقه بتلك الرؤيا فلا يكفي لدفع الرواية إذا صح سندها، فقد يعترف الرجل على نفسه، فإذا أخبر بذلك عنه ثقة قبل، فما الظن بما يخبر به عن أستاذه أو أستاذ أستاذه، وقد يكون بشر مع متابعته لأبي حنيفة في الفقه يخالف في بعض العقائد كما روي عن أبي يوسف أنه قال: «إنما كان مدرساً فما كان من قوله حسناً قبلناه، وما كان قبيحاً تركناه» تراه في (التأنيب) ص ٤٦. وقد يكون بشر يرى أن تلك الرؤيا أضغاث أحلام فلا يقيم لها وزناً وإنما أخبر بها تعجباً. وقد يكون يرى أن لها تأويلاً تكون بحسبه فضيلة وبشارة لأبي حنيفة وأصحابه. فيتأول السواد بالسؤدد، وصحبة القسيسين بالإشارة إلى قول الله ﵎:
(ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) المائدة: ٨٢ ـ ٨٥.
ولو قيل: إن الخطيب إنما ختم ترجمة أبي حنيفة بهذه الرؤيا نظراً إلى هذا التأويل كعادته في ختم التراجم بالرؤيا التي فيها بشارة لأصحابها كما فعل في ترجمة محمد بن الحسن وغيرها لكان أقوى بكثير من كثير من دعاوي الأستاذ. والله الموفق.
١٦٤- علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن الدارقطني . ذكر الأستاذ ص ١٦٧ ما روي عن الدارقطني من نفيه سماع أبي حنيفة من أنس ثم قال: «وهو الذي يستبيح أن يقول: إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة ثلاثتهم ضعفاء. وأين هو من محمد بن عبد الله الأنصاري الذي يقول في إسماعيل: ما ولي القضاء من لدن عمر بن الخطاب إلى اليوم أعلم من إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. يعني بالبصرة. وأين هو أيضاً من محمد بن مخلد العطار الحافظ الذي ذكر حماد بن أبي حنيفة في عداد الأكابر الذين رووا عن مالك. وأين هو أيضاً من هؤلاء الذين
стр. 565
أثنوا على أبي حنيفة ... والدارقطني هو الذي يهذي في أبي يوسف بقوله: أعور بين عميان. وهو الأعمى المسكين بين عور حيث ضل في المعتقد وتابع الهوى في الكلام على الأحاديث واضطراب» وقال ص ١٧٨: «ومن طرائف صنيع الخطيب أيضاً روايته عن الدارقطني أنه قال عن أبي يوسف: أعور بين عميان. بعد أن ذكر عنه من رواية البرقاني أنه قال: هو أقوى من محمد بن الحسن. والدارقطني هو الذي يذكر محمد بن الحسن في عداد الثقات الحفاظ حيث يقول في
(غرائب مالك) عن حديث الرفع عند الركوع: حدث به عشرون نفراً من الثقات الحفاظ منهم محمد بن الحسن الشيباني. كما تجد نص هذا النقل منه في (نصب الراية) ١ / ٤٠٨ كما سبق وقد اعترف الدارقطني في رواية البرقاني بأن أبا يوسف أقوى من محمد فيكون أبو يوسف حافظاً ثقةً وفوق الثقة عنده فإذا قال في بعض المجالس في حق مثله: أعور بين عميان كما حكى الخطيب يكون قوله هذياناً بحتاً وسفهاً صرفاً، فلو عارضه أحد أصحابنا قائلاً: بل هو الأعمى بين عور. ما بعد عن الصواب، لأن الله سبحانه أعمى بصيرة هذا المتسافه في صفات الله سبحانه حتى دون في صفات الله سبحانه ما لا يدونه إلا مجسم وهو حديث الشاب الجعد القطط، وحديث الإقعاد الذي يلهج هو به، كما أعمى بصيرة كثير من زملائه وهو معهم في الفروع، فإذن هو فاقد البصر في المعتقد كما أنه فاقد البصر في الفروع ومن يكون فاقد البصرين يكون هو الأعمى بين أناس عور لم يفقدوا إلا إحداهما بفقدهم التبصر في بعض الفروع فقط. راجع ما ذكره المحدث البارع الشيخ عبد العزيز الفنجابي الهندي مؤلف (نبراس الساري في أطراف البخاري) في حاشيته على (نصب الراية) ٣ / ٨ لتطلع على جلية أمر الدارقطني في الثقة والأمانة، نسأل الله السلامة» .
والذي في تلك الحاشية مع إصلاح بعض الأخطاء «من مارس كتابه علم أنه قلما يتكلم على الأحاديث إلا حديثاً خالف الشافعي فيظهر عواره، أو وافقه فيصححه إن وجد إليه سبيلاً، لا أقول: أنه يفعل ذلك بهوى النفس ولكن إذا كان ثقة ضعفه بعضهم، أو ضعيفاً فيه كلام لبعضهم، أو ضعيفاً وثقه بعضهم، أو وجد مجهولاً لا يترقب، ويظهر طرفه الموافق لإمامه ... وهذا محمد بن عبد الرحمن بن أبي
стр. 566
ليلى القاضي رجل واحد يوثقه في حديث طهارة المني ص ٤٦ ويقول: ثقة في حفظه شيء. ويشدد القول فيه في حديث شفع الإقامة ص ٨٩ ويقول: ضعيف سيء الحفظ. وفي حديث القارن يسعى سعيين ص ٢٧٣ يقول: رديء الحفظ كثير الوهم كأنه عليه غضبان وله غائض»
أقول: أما استباحة أبي الحسن قوله: «ثلاثتهم ضعفاء» فلم ينفرد بها والكلام في أبي حنيفة أشهر من أن نحتاج إلى ذكره (١) . وحماد ترجمته في (لسان الميزان) ج٢ ص ٣٤٦ ودعوى أن ابن مخلد ذكره في الأكابر الذين رووا عن مالك فيها نظر كما مر في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت، فإن ثبت ذلك فكبر العمر لا يستلزم الثقة في الرواية، وذاك الحديث باطل لم يروه حماد ولا أبوه فإن كان خفي على ابن مخلد بطلانه دل ذلك على ضعف نقده، وإن كان عرف ذلك وتسامح فلأن يتسامح في ذكر حماد أقرب. وكذلك إسماعيل ترجمته في (اللسان) ج١ ص ٣٩٨. وقد زعم مصححه الحنفي أنه أخرج له أبو داود والترمذي كأنه يزعم أنه هو إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان! وهذا من عجائب هؤلاء القوم، والأنصاري إن صح أنه قال تلك الكلمة تغير تغيراً شديداً في آخر عمره فلعله قال تلك الكلمة حين تغيره، على أنه كان مضطرباً في ميله إلى الرأي كان يتعصب له حتى يلي القضاء فإذا أو لي القضاء قضى بالحديث، وكان بينه وبين معاذ بن معاذ نفرة، ذكروا له قضية لمعاذ بن معاذ فأفتى بخلافها فلما ولي القضاء قضى بقول معاذ فقيل له في ذلك فقال: «كنت أنظر في كتب أبي حنيفة فإذا جاء دخول الجنة والنار لم نجد القول إلا ما قال معاذ» .
وأخرج الدارقطني في (السنن) ص٢١٤ حديث من طريق محمد بن موسى الحارثي (الإصطخري) عن إسماعيل بن يحيى ين بحر الكرماني عن الليث بن حماد الإصطخري عن أبي يوسف عن غورك بسنده. قال الدارقطني: «تفرد به غورك عن
стр. 567
جعفر وهو ضعيف جداً ومن دونه ضعفاء» فروى الخطيب عن بعضهم أنه لما كانت (السنن) تقرأ على الدارقطني بلغ هذا الموضع فقيل له: إن فيهم أبا يوسف فقال: «أعور بين عميان» يريد أن أبا يوسف وإن كان فيه ضعف ما فهو أحسن حالاً من غورك والليث بن حماد ومن معهما في السند من الضعفاء. فأما قوله مرة أخرى إن أبا يوسف أقوى من محمد فذلك والله أعلم بالنظر إلى حال محمد مطلقاً فإن من الأئمة من يتكلم في محمد ومنهم من قواه في روايته عن مالك خاصة كما قاله الذهبي في (الميزان) فمحمد قوي في روايته (الموطأ) عن مالك خاصة، فأما في بقية حديثه فيرى الدارقطني أن أبا يوسف أقوى منه. وأما ما حكاه الزيلعي عن كتاب (غرائب الرواة عن مالك) من قوله: «حدث به عشرون نفراً من الثقاة الحفاظ منهم محمد بن الحسن ... » فالجواب عنه من وجهين:
الأول: ما تقدم أن محمد قوي عندهم فيما يرويه في (الموطأ) عن مالك ولين فيما عدى ذلك، فلا مانع أن يعده الدارقطني في ذاك الحديث الذي هو عنده في (الموطأ) عن مالك من جملة الثقات الحفاظ، ثم يلينه في سائر شيوخه، ويقول: إن أبا يوسف أقوى منه مع لين أبي يوسف عنده غاية الأمر أن كلمات الدارقطني تحتاج إلى تقييد بعضها ببعض وليس في ذلك ما يضره فإن النصوص الشرعية أنفسها قد تحتاج إلى تقييد بعضها ببعض، على أن سياق كلامه في (الغرائب) يدل على التقييد ولعله كان مع كلمته الأخرى ما يدل على ذلك.
الوجه الثاني: أن قول المحدث «رواه جماعة ثقات حفاظ» ثم يعدهم لا يقتضي أن يكون كل من ذكره بحيث لو سئل عنه ذاك المحدث وحده لقال: «ثقة حافظ» هذا ابن حبان قصد أن يجمع الثقات في كتابه ثم قد يذكر فيهم من يلينه هو نفسه بالكتاب نفسه (١) ، وهذا الدارقطني نفسه ذكر في (السنن) ص٣٥ حديثاً فيه مسح
стр. 568
الرأس ثلاثاً وهو موافق لقول أصحابه الشافعية ثم قال: «خالفه جماعة من الحفاظ الثقات ... » فعدهم وذكر فيهم شريكا القاضي، وأبا الأشهب جعفر بن الحارث، والحجاج بن أرطأة، وجعفر الأحمر. مع أنه قال ص ١٣٢ «شريك ليس بالقوي فيما يتفرد به» وجعفر بن الحارث لم أر له كلاما فيه ولكن تكلم فيه غيره من الأئمة كابن معين والنسائي، وحجاج بن أرطأة. قال الدارقطني نفسه في مواضع من (السنن) : «لا يحتج به» وفي بعض المواضع «ضعيف» ، وجعفر الأحمر اختلفوا فيه. وقال الدارقطني كما في (التهذيب) : «يعتبر به» وهذا تليين كما لا يخفى.
ونحو هذا قول المصنف: «شيوخي كلهم ثقات» أو «شيوخ فلان كلهم ثقات» فلا يلزم من هذا أن كل واحد منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده على الإطلاق «هو ثقة» وإنما إذا ذكروا الرجل في جملة من أطلقوا عليهم ثقات فاللازم أنه ثقة في الجملة أي له حظ من الثقة وقد تقدم في القواعد أنهم ربما يتجوزون في كلمة «ثقة» فيطلقونها على من هو صالح في دينه وإن كان ضعيف الحديث أو نحو ذلك. وهكذا قد يذكرون الرجل في الجملة من أطلقوا أنهم ضعفاء وإنما اللازم أن له خطأ ما من الضعف كما تجدهم يذكرون في كتب الضعفاء كثيرا من الثقات الذين تكلم فيهم أيسر كلام.
هذا كله مع أن الدارقطني لو تناقضت بعض كلماته البتة لم يكن في ذلك ما يبيح سوء الظن به، فإن غيره من الأئمة اتفق لهم ذلك وما أكثر ما تجده من التناقض في كلمات ابن معين كما تقدم في القواعد.
وأما الفنجابي الذي يخلع عليه الأستاذ لقب (المحدث البارع) وينوه بكتابه
стр. 569
«نبراس الساري» الذي لا أجحد إفادته وإن كان يتمكن من ترتيبه الطالب العادي فما يظهر من كلامه أن الدارقطني إنما يصحح ما يوافق مذهب الشافعي (١) وذكر ص ٤٢ خبرا فيه الأمر بغسل الإناء من ولوغ الهر فصححه وهو خلاف مذهب الشافعي، ولذلك نظائر لا أرى حاجة لتتبعها.
وأما ما ذكر من اختلاف الظاهر كلامه في ابن أبي ليلى فذلك لاختلاف مقتضى الحال. ينبغي أن تعلم أن كلام المحدث في الراوي يكون على الوجهين:
الأول: أن يسأل عنه في فيحيل فكره في حاله في نفسه وروايته ثم يستخلص من المجموع ذلك معنى يحكم به.
الثاني: أن يستقر في نفسه هذا المعنى ثم يتكلم في ذاك الراوي في صدد النظر في الحديث الخاص من روايته، فالأول هو الحكم المطلق الذي لا يخالفه حكم آخر مثله إلا لتغيير الاجتهاد. وأما الثاني فإنه كثيراً ما ينحي به نحو حال الراوي في ذاك الحديث، فإذا كان المحدث يرى أن الحكم المطلق في الراوي أنه صدوق كثير الوهم ثم تكلم فيه في صدد حديث من روايته ثم في صدد حديث آخر وهكذا، فإنه كثيراً يتراءى اختلاف ما بين كلماته، فمن هذا أن الحجاج بن أرطأة عند الدارقطني صدوق يخطئ فلا يحتج بما ينفرد به واختلفت كلماته فيه في (السنن) فذكره ص ٣٥ في صدد الحديث وافق فيه جماعة من الثقات فعده الدارقطني في جملة «الحفاظ الثقات» كما مر، وذكره ص ٥٣١ في صدد حديث أخطأ فيه وخالف مسعراً وشريكاً فقال الدارقطني: «حجاج ضعيف» وذكره في مواضع أخرى فأكثر ما يقول: «لا يحتج به» وعلى هذا ينزل كلامه في ابن أبي ليلى فإنه عنده صدوق سيء الحفظ، ففي
стр. 570
ص ٤٦ ذكر حديثاً رواه إسحاق الأزرق عن شريك عن ابن أبي ليلى، عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً في طهارة المني. وذكر أن وكيعاً رواه عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس من قوله. وقد رواه الشافعي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار وابن جريج كلاهما عن عطاء عن ابن عباس من قوله. فالحديث صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد رواه وكيع وهو من الثقات الأثبات عن ابن أبي ليلى كذلك، ورواه شريك عن ابن أبي ليلى فرفعه، فحال ابن أبي ليلى في هذا الحديث جيدة لأنه في أثبت الروايتين عنه وافق الأثبات، وفي رواية الأزرق عن شريك عنه رفعه، وقد يحتمل أن يكون الخطأ من الأزرق أو من شريك، فان الأزرق ربما غلط، وشريكاً كثير الخطأ أيضاً، وقد رواه وكيع عن ابن أبي ليلى على الصواب فهذا اقتصر الدارقطني على قوله: (لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك، محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى ثقة في حفظه شيء) . وفي ص ٨٩ ذكر حديثاً رواه الجبلان سفيان وشعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلاً، وخالفهما محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فرواه موصولاً، فحاله في هذا الحديث رديئة، فظهر أثر ذلك في كلمة الدارقطني فقال: (ضعيف سيئ الحفظ) وفي ص ٢٧٣ ذكر أحاديث في القارن يطوف طوافاً واحداً ويسعى سعياً واحداً، وهناك روايات عن علي وابن مسعود أنهما قالا طوافين وسعيين. ثم ذكر من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي أنه (جمع بين الحج والعمرة فطاف لهم طواف واحد (كذا) وسعى لهما سعيين ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل) . ولا يخفي ما في هذا من التخليط فهذا هو الذي أغضب الدارقطني وغلظه أستاذ ! فلذلك قال: (رديء الحفظ كثبر الوهم) . فأين إتباع الهوى وأين الاضطراب؟ وماذا أفادتكم الحذلقة والانتحال؟
وأما حديث الشاب الجعد القطط فقد تقدم الجواب عنه في ترجمة حماد بن سلمة. وحديث الإقعاد تقدم الجواب عنه في ترجمة أحمد بن محمد بن الحجاج.
وأما ما زعم الأستاذ من ضلال الدارقطني وأئمة الحديث في المعتقد وعمي البصيرة فيه عمي بصيرة المخالفين لأبي حنيفة في الفروع فيعلم ما فيه من قسم الاعتقاديات
стр. 571
وقسم الفقهيات، وأدع ما بقي موفوراً على الأستاذ!
١٦٥- على بن عمر بن محمد . في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٧٣) : «أخبرني الخلال حدثنا على بن عمر بن محمد المشتري حدثنا محمد بن جعفر الأدمي ... » قال الأستاذ ص ٤٢: «علي بن عمر بن محمد المشتري لم أجد من وثقه» .
أقول: أما أنا فلم أجده إلا أن يكون هو علي بن عمر بن محمد الحميري يقال له: السكري، والصيرفي، والكيال، والختلي، والحربي، ترجمته في (تاريخ بغداد) (١٢/٤٠) وذكر في الرواة عنه الخلال، وذكر عن البرقاني أنه قال فيه: «لا يساوي شيئاً» وعن الأزهري قال: «صدوق كان سماعه في كتب أخيه لكن بعض أصحاب الحديث قرأ عليه شيئاً منها لم يكن فيه سماعه وألحق فيه السماع، وجاء آخرون فحكوا الإلحاق وأنكروه، وأما الشيخ فكان في نفسه ثقة» وعن عبد العزيز الأزجي: «كان صحيح السماع ولما أضر قرأ عليه بعض طلبة الحديث شيئاً لم يكن فيه سماعه ولا ذنب له في ذلك» وعن العتيقي «حدث قديماً وأملى في جامع المنصور وذهب بصره في آخر عمره وكان ثقة مأموناً» .
أقول: فحاصل القصة أن الرجل لم يكن يحفظ وكان سماعه مقيداً في كتب أخيه وكان من الكتب ما لم يقيد سماعه فيه فلما عمى كان يخرج الكتب فينظر المحتاطون ما سماعه فيه فيقرؤونه عليه فاتفق أن جاء بعض من لا خير فيه فطلب إخراج الكتب فاتفق أن رأى جزأً ليس عليه سماع الشيخ، فعلم أنه لم يروه قبل ذلك فألحق فيه سماعاً للشيخ، والشيخ لا يدري، وقال للشيخ: أحب أن أقرأ عليك هذا الجزء فإن سماعك فيه. فظنه الشيخ صادقاً فقال: اقرأ؛ ثم عثر أهل الحديث على ذاك الجزء، فمنهم من لم يحقق كالبرقاني ظن أن ذلك الإلحاق برضا الشيخ فتكلم فيه، ومنهم من حقق، فعلم أن الشيخ بريء من ذلك كما رأيت. فالقول فيه أن ما سمعه منه قبل عماه الصحيح، فأما بعد عماه فما رواه عنه المحتاطون كالخلال، أو سمع منه بحضرة واحد من المحتاطين فهو صحيح. والله أعلم.
стр. 572
١٦٦- علي بن محمد بن سعيد الموصلي . تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة علي بن أحمد الرزاز. قال الأستاذ ص ٧٢: «كذبه أبو نعيم وقال ابن الفرات: مخلط غير محمود» .
أقول تَسَمَّحَ الخطيب فروى من طريقه ما جاء من طريق أخرى قوية. والله المستعان.
١٦٧- علي بن محمد بن مهران السواق . تقدم له ذكر في (الطليعة) ص ١٠٩ فأشار الأستاذ في (الترحيب) ص ٣٩ وص ٦٠ إلى أني جعلت السواق الصواف، وصدق الأستاذ، وهو الذي سبقني إلى ذلك! وذلك أنه وقع في (تاريخ بغداد) ١٣/٤١٦: «أخبرنا الخلال حدثنا أحمد بن إبراهيم شاذان أخبرنا علي بن محمد بن مهران السواق حدثنا محمد بن حماد المقرئ ... » فقال الأستاذ ص ١٥٦: «علي بن محمد بن مهران السواق من الضعفاء شيوخ الدارقطني» مع إنه لا ذكر للدارقطني في السند ففتشت عن علي بن محمد بن مهران فلم أجد، إلا أنني وجدت في (تاريخ بغداد) ١٢/٧١ «علي بن محمد بن يحيى بن مهران أبو الحسن الصواف الضرير حدث عن أحمد بن محمد السكوني ... روى عنه الدارقطني وكان ثقة» فحدست أن الأستاذ يرى أن المذكور في السند هو هذا ومن عادتهم في الأسانيد أن يختصروا فيحذفوا بعض الأسماء في النسب كما يقولون أحمد بن حنبل، ثم يقولون في ابنه «عبد الله بن أحمد بن حنبل» مثل هذا كثير. بقى أن الذي في السند «السواق» والذي في الترجمة «الصواف» فراجعة ترجمة السكوني هي في (تاريخ بغداد) ٥/٥٩ فإذا فيها «روي عنه ... وعلي بن محمد بن يحيى السواق» فقوي الظن. ثم راجعت (سنن الدارقطني) فوجدت فيها ص ٢٥٥ «نا علي بن محمد بن مهران السواق» وفيها ص ٤٠٩ «نا علي بن محمد بن مهران السواق» فوضح الأمر وبان أن الواقع في سند الخطيب هو صاحب تلك الترجمة الذي قيل فيه «روى عنه الدارقطني وكان ثقة» وأن ما وقع في الترجمة
стр. 573
«الصواف» تحريف والصواب «السواق» وأن ذكر الأستاذ أن الواقع في السند من شيوخ الدارقطني كان عن تحقيق، فأما زعمه أنه من ضعفائهم فمن عنده!
١٦٨- علي بن مهران الرازي . في (تاريخ بغداد) ١٤/٢٥٧ من طريقه «ثنا ابن المبارك ... » قال الأستاذ ص ١٧٨ « ... وفي سندها من لا يجوز الاحتجاج به ومن هو غير ثقة مثل سليم بن سالم وعلي بن مهران» .
أقول: قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: «كان رديء المذهب غير ثقة» وقد تقدمة ترجمة الجوزجاني وتبين أنه يميل إلى النصب، ويطلق هذه الكلمة «رديء المذهب» ونحوها على من يراه متشيعاً وإن كان تشيعه خفيفاً، وتحقق في ترجمته في القواعد أنه إذا جرح رجلاً ولم يذكر حجة وخالفه من هو مثله أو فوقه فوثق ذلك الرجل فالعمل على التفريق، وعلى هذا ذكره ابن حبان في (الثقات) ، وقال ابن عدي: «لا أعلم فيه إلا خيراً ولا أرى فيه منكراً وقد كان روايته لسلمة بن الفضل» .
١٦٩- عمار بن زريق . في (تاريخ بغداد) ١٣/٤٠٧ من طريق أبي الجواب قال: «قال لي عمار بن زريق: خالف أبا حنيفة فإنك نصيب» . قال الأستاذ ص ١٣٣: «يقول السليماني عنه: إنه كان من الرافضة» .
أقول: هذا حكاه الذهبي في (الميزان) قال: (ثقة، ما رأيت لأحد فيه تلييناً إلا قول السليماني أنه من الرافضة. والله أعلم) .
ولم يذكر المزي ولا ابن الحجر هذه الكلمة في ترجمة عمار بن زريق، والسليماني مع تأخره وإنزوائه في (بيكند) مما ينسب المتقدمين إلى نحو هذا. وفي (لسان الميزان) ج٣ص٤٣٣ عنه أنه قال: قال: «ذكر أسامي ألشيعة من المتحدثين ... الأعمش، النعمان بن ثابت، شعبة بن الحجاج ... » والمتقدمون الذين هم أعرف بعمار اعتمدوه ووثقوه ولم يعيبوه بشيء. قال الإمام أحمد: «كان من الأثبات» ، ووثقه ابن معين وابن المديني وأبو زرعة وغيرهم وأخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
стр. 574
١٧٠- عمر بن الحسن أبو الحسين الشيباني القاضي المعروف بابن الأشناني . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٨: «أخبرني الحسن بن محمد الخلال قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن حدثنا عمر بن الحسن القاضي ... » قال الأستاذ ص ٥٤: «عمر بن الحسن الأشناني القاضي متكلم فيه وقد ضعفه الدارقطني وكذبه الحاكم وكان يساوي بين السماع الإجازة» .
أقول: حكي الخطيب عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه سأل الدارقطني عن هذا الرجل فقال: «ضعيف» وعن الخلال أنه قال: «ضعيف تكلموا فيه» ، فأما السلمي فأراهم يحتملون حكاياته عن الدارقطني مع أنه يدي عدل، راجع ترجمته في (لسان الميزان) ج٥ص ١٤٠ ومع ذلك لم يفسر السبب وكذلك كلمة الخلال. وقال الخطيب: «بلغني عن الحاكم أبي عبد الله بن البيع النيسابوري قال: سمعت أبا الحسن الدارقطني يذكر أبقن الأشناني فقلت: سألت عنه أبا على الحافظ فذكر أنه ثقة. فقال: بئس ما قال شيخنا أبو علي، دخلت عليه وبين يديه كتاب (الشفعة) فنظرت فيه فإذا فيه: عن عبد العزيز بن معاوية عن أبي عاصم عن مالك عم الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة في الشفعة، وبجنبه عن أبي إسماعيل الترمذي عن أبي صالح عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون عن مالك عن الزهري. وذلك أنه بلغه أن الماجشون جوده فتوهمه أنه عبد العزيز. قال: فقلت له: قطع الله يد من كتب هذا ومن حدث به، ما حدث به أبو إسماعيل ولا أبو صالح ولا الماجشون وما زال يداريني ... ورأيت في كتابه عن أحمد بن سعيد الجمال عن قبيصة عن الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: نهى عن بيع الولاء، وكان يكذب» ولم يذكر الخطيب من بلغه عن الحاكم. وقال الذهبي في (الميزان) : «ويروى عن الدارقطني أنه كذاب، ولم يصح هذا» والظاهر إن الذهبي عنى هذه الحكاية وأنها لم تصح للجهالة بمن بلغ الخطيب. أما ابن الحجر فقال في (اللسان) : «قال الحاكم: قلت للدارقطني: سألت أبا على الحافظ عنه؟ فذكر أنه ثقة. فقال: بئس ما ما قال شيخنا أبو علي» كذا جزم مع أن من عادته أن لا يجزم بما لا يصح. ثم قال ابن حجر: «وقال أيضاً: دخلت عليه - يعني الأشناني -
стр. 575
وبين يديه كتاب الشفعة ... » ساق القصة التي مضت؛ وقوله: «وقال أيضاً» يوهم سياق أن مراده: «وقال الحاكم» .
وعلى ذلك بني الأستاذ قوله: كذبه الحاكم» وقد علمت أن الذي في (تاريخ بغداد) إنها من جملة ما بلغ الخطيب عن الحاكم عن الدارقطني، ومع جزم ابن حجر هنا فإنه قال في ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي «قال موسى بن هارون ... » ، فجزم مع أن راوي تلك الكلمة عن موسى هو ابن الأشناني هذا كما في (تاريخ بغداد) ، وكذلك قال الذهبي في ترجمة محمد بن محمد بن سليمان الباغندي من (الميزان) وأقره ابن الحجر في للسان «قال محمد بن أحمد بن أبي خثيمة ... » مع أن الخطيب إنما أسند تلك الكلمة من طريق ابن الأشناني فجزم ابن حجر في هذين الموضعين يقتضي بمقتضى التزامه توثيق ابن الأشناني، والذي يتجه هنا هو ما أشار إليه الذهبي أن الحكاية التي قال فيها الخطيب: «بلغني عن الحاكم ... » لأتثبت الجهالة من بلغ الخطيب ويزيدها وهناً أن الدارقطني يروي عن ابن الأشناني هذا كما يأتي، وأن الخطيب يعتمد عليه في مواضع، وذكر في ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حكاية فيها ذكر موسى بن هارون ثم قال: «والمحفوظ ... » فذكر حكاية من طريق ابن الأشناني. وهب أنها تثبت فما فيها من قوله: «بئس ما قاله شيخنا أبوعلي» وقوله «وكان يكذب» مبني على ما ظهر له من حال ذنيك الحديثين حديث الشفعة وحديث الولاء وسيأتي الجواب عنهما. وقال الخطيب أيضاً: «أخبرني محمد بن نعيم الضبي (هو الحاكم) قال: سمعت أبا علي الهروي يحدث عن عمر بن الحسن الشيباني القاضي فسألته عنه فقال: صدوق. قلت: أني رأيت أصحابنا ببغداد يتكلمون فيه فقال: ما سمعنا أحداً يقول فيه أكثر من أنه يرى الإجازة سماعاً، وكان لا يحدث إلا من أصوله» .
أقول: هذه الحكاية مسندة صحيحة، وقوله: «يرى الإجازة سماعاً» ، يريد به الإجازة الخاصة بدليل قوله: «وكان يحدث إلا من أصوله» وهي قوية فإن كان معنى أنه يراها سماعاً هو أنه يعتد بها ويروي ما أجيز له عمن أجازه فليس في هذا
стр. 576
إلا أنه يصحح الإجازة الخاصة وهو قول أكثر أهل العلم وإن كان معناه أنه يروي ما أجيز له بلفظ «حدثنا» فاصطلاح له قد عرف ولا محذور فيه، وقوله أبي علي «وكان لا يحدث إلا من أصوله» عظيم القيمة كما سترى؛ فأما حديث الشفعة فهو في (الموطأ) مرسل، ورواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد والماجشون عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله عن مالك فوصلاه بذكر أبي هريرة، وفي تلك الحكاية أنه رئي في كتاب الأشناني من طريق أبي عاصم فعرف ذلك ولم ينكر، ورئي إلى جنبه عن أبي إسماعيل الترمذي عن أبي صالح عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون عن مالك، فاستنكر هذا، وحدس المستنكر أن ابن الأشناني بلغه أن الماجشون وافق أبا عاصم في تجويده أي وصله فظن أن الماجشون هذا هو عبد العزيز فركب السند إليه. والجواب أنه قد روى غيره هذا الحديث عن أبي إسماعيل الترمذي عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي قتيلة عن مالك فذكره موصولاً كما في (سنن البيهقي) ج٦ص١٠٣ فمن المحتمل أن يكون ابن الأشناني سمع هذا من الترمذي في جملة ما سمع، ولم يكتبه أو كتبه ولم يهتد إلى موضعه من كتبه وبقى عالقاً بذهنه أنه سمع الحديث من الترمذي من الطريق أخرى غير طريق أبي عاصم فلما بلغه أن الماجشون رواه موصولاً ظن أنه عبد العزيز وكان قد سمع من الترمذي عن أبي صالح عن عبد العزيز أحاديث فحدس هذا الحديث منها فكتبه كذلك ليتذكره ثم يبحث في أصوله لعله يجده ولم يكن من نيته أن يرويه قبل أن يجده في أصوله، فقد تقدم أنه كان «لا يحدث إلا من أصوله» وليس في هذا ما يغمز به عل أنه لو كان كتبه في بعض مسوداته وهو يعلم بطلانه فإنه لا يلزمه اسم الكذب حتى يحدث به، وإذا علم بأن من عادته أن لا يحدث إلا من أصوله فقد علم أنه لم يكن يريد أن يحدث بذلك الذي كتبه فكانت كتابته له ضرباً من العبث.
وأما حديث الولاء فهو متواتر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رواه الثوري وعبد الله بن عمر وجمع كثير من عبد الله بن دينار. ثم رواه يحيى بن سليم الطائفي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر فظنوا أنه وهم، لكن رواه أبو ضمرة ويحيى بن سعيد
стр. 577
الأموي عن عبيد الله عن عبد الله بن دينار ونافع معاً عن ابن عمر وعلى ما في الحكاية رئي في كتاب ابن الأشناني عن أحمد بن سعيد الجمال عن قبيصة عن الثوري عن عبيد الله عن نافع، فاستنكر هذا لأنه لم يعرف رواه عن الثوري كذلك. والجواب أنه يحتمل أن يكون الوهم من أحمد بن سعيد الجمال فقد عرف له شبيه ذلك ففي ترجمته في (تاريخ بغداد) ج ٤ص ١٧٠ عن قبيصة عن الثوري عن عبد الله بن دينا عن ابن عمر مرفوعاً: «من أريد ماله بغير حق فقاتل دونه فهو شهيد» . وذكر الخطيب أن المحفوظ عن الثوري عن عبد الله بن الحسن عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبد الله بن عمر بن وقاص مرفوعاً. وقال الذهبي في (الميزان) : «أحمد بن سعيد الجمال البغدادي الصدوق ... تفرد بحديث منكر رواه عنه أحمد بن كامل وغيره: حدثنا أبو نعيم ثنا هشيم حدثنا عوف عن محمد عن أبي هريرة مرفوعاً ابن السبيل أول شارب - يعني من زمزم» وهذا أخرجه الطبراني في (الصغير) ص ٥٠ «ثنا إبراهيم بن علي الواسطي المستملي ببغداد ثنا أحمد بن سعيد الجمال ثنا أبو نعيم ... » قال الطبراني: «لم يروه عن عوف إلا هشيم ولا عن هشيم إلا أبو نعيم تفرد به أحمد بن سعيد الجمال» فإذا قد عرف للجمال مثل هذا فالأولى حمل حديث الولاء عليه، وابن الأشناني مكثر لا يستنكر لمثله التفرد عن الجمال هذا. وذكر الذهبي لابن الأشناني حديثاً ثالثاً قال: «قال الدارقطني حدثنا عمرو بن الحسن بن علي ثنا محمد بن هشام المروزي هو ابن أبي الدميك الموثق - ثنا محمد بن حبيب الجارودي ثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ... » قال الذهبي: «فآفة هذا هو عمر، ولقد أثم الدارقطني بسكوته عنه فإنه بهذا الإسناد باطل ما رواه ابن عيينة قط ... » تعقبه ابن حجر في (اللسان) فقال: «لم ينفرد بهذا، تابعه عليه
في (المستدرك) الحاكم ولقد عجبت من قول المؤلف ما رواه ابن عيينة قط مع أنه رواه عنه الحديدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغيرهم من أصحابه إلا أنهم وقفوه على مجاهد لم يذكروا ابن عباس فيه فغايته أن يكون محمد بن حبيب وهم في رفعه (١) .
стр. 578
وذكر الخطيب في ترجمة ابن الأشناني تحديثه في حياة إبراهيم الحربي ثم قال: تحديث أبن الأشناني في الحياة إبراهيم الحربي له فيه أعظم الفخر وأكبر الشرف وفيه دليل على أنه كان في أعين الناس عظيماً ومحله كان عندهم جليلاً. أخبرنا على بن الحسن أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر قال ... واستقصى في هذا اليوم أبا الحسين ... المعروف بابن الأشناني ... وهذا رجل من جلة الناس ومن أصحاب الحديث المجودين وأحد الحفاظ له وحسن المذاكرة بالأخبار ... وقد حدث كثيراً وحمل الناس عنه قديماً وحديثاً» .
أقول: ولم ينكر عليه مما حدث به وسمعه الناس منه خبر واحد فلا أراه إلا قوياً. والله أعلم.
١٧١- عمر بن قيس المكي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٤٠٧ من طريق مؤمل بن إسماعيل قال: قال عمرو بن قيس: من أراد الحق فليأت الكوفة فلينظر ما قال أبو حنيفة وأصحابه فليخالفهم» . قال الأستاذ ص ١٣٣: «منكر الحديث ساقط على ما ذكره غير واحد من النقاد» .
стр. 579
أقول: صدق الأستاذ ولم يحسن الخطيب بذكر هذه الحكاية.
١٧٢- عمر بن محمد بن عمر بن الفياض . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٠ حكاية من طريقه قد توبع على أكثر ما فيها قال الأستاذ ص ٨٥: «غير موثق» .
١٧٣- عمر بن محمد بن عيسى السذابي الجوهري . في ترجمة أبو حنيفة من (تاريخ بغداد) حكايات من طريقه عن الأثرم منها ص ٣٨٠ و٣٨٤ و٤٠٥ و٤١٧ قال الأستاذ ص ٥٨: قال الذهبي: في حديثه بعض النكرة. تفرد برواية ذاك الحديث الموضوع: القرآن كلامي ومني خرج ... » .
أقول: روى السذابي هذا الحديث عن الحسن بن عرفة فقد يكون رواه من حفظه فوهم أو أدخله عليه بعض الجهال. فأما روايته من الأثرم فالظاهر أنها من كتاب مؤلف، والاعتماد في ذلك على صحة النسخة كما مر في ترجمة عبد الله بن جعفر وغيرها ولذلك تجد تلك الحكايات مستقيمة قد توبع عليها (١) .
١٧٤- عمر بن علي بن البحر أبو حفص الفلاس . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٢ من طريق إبراهيم عن سعيد الجوهري، ثم من طريق عمر بن علي يقول كل منهما: سمعت معاذ بن معاذ يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: استتبت أبا حنيفة من الكفر مرتين» قال الأستاذ ص ٦٥: «شديد التعصب وشديد الانحراف عن أهل الكوفة» .
أقول: لا أعرفه بالتعصب، ولو عرف به ما كان ذلك خادشاً في روايته مع ما ثبت من ثقته وأمانته (٢) والحكاية مشهورة بل متواترة حقاً.
стр. 580
١٧٥- عمران بن موسى الطائي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٩ من طريق سلامة بن محمود القيسي: حدثنا عمر بن موسى الطائي حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي ... » قال الأستاذ ص ٨٢ في الحاشية: قد أعل الدارقطني حديثاً في (السنن) لانفراد هذا الطائي به وعده منكراً راجع (سنن الدارقطني) ج ١ص ٢٢٥» .
أقول: الذي في ذاك الموضع من (سنن الدارقطني) : «حدثنا محمد بن مخلد حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الأشقر أبو بكر ثنا عمران بن موسى الطائي بمكة ثنا إسماعيل بن سعيد الخراساني ثنا إسحاق بن سليمان الرازي قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله كم وزن صاع النبي ﷺ ؟ قال: خمسة أرطال وثلث بالعراقي أنا حررته، قلت: يا أبا عبد الله خالفت شيخ القوم. قال من هو؟ قلت: أبو حنيفة يقول: ثمانية أرطال. فغضب غضباً شديداً وقال: قاتله الله ما أجرأه على الله، ثم قال لبعض جلسائه: يا فلان هات صاع جدك، ويا فلان هات صاع عمك، ويا فلان هات صاع جدتك. قال إسحاق فاجتمعت آصع ... » ولم يتكلم الدارقطني عليه بشيء. وإنما في الحاشية: «قال صاحب التنقيح: إسناده مظلم وبعض رجاله غير مشهور ... » وفي كتاب ابن أبي حاتم ج ٣ قسم ١ ص ٣٠٦ «عمران بن موسى الطرسوسي وهو أبو موسى روى عن رواد (١) بن الجراح وفيض بن إسحاق وعبد الصمد بن يزيد خادم الفضيل روى عنه أبي ... سئل أبي عنه فقال: صدوق ثقة» ربما يكون هذا وقد توبع على الحكاية التي ذكرها الخطيب رواها ابن أبي خيثمة في (تاريخه) عن إبراهيم بن بشار الرمادي شيخ عمران وزاد في آخرها «قال سفيان: هل سمعتم بشر من هذا؟» . نقله ابن عبد البر في (الانتقاء) ص ١٤٩.
١٧٦- عنبسة بن خالد . قال الأستاذ ص ١٧٣ في الحاشية: «قال ابن أبي حاتم عنه أنه كان على خراج مصر وكان يعلق النساء بثديهن، وقال ابن القطان: كفى
стр. 581
بهذا في تجريحه، وكان أحمد يقول: مالنا ولعنبسة ... هل روى عنه غير أحمد بن صالح؟ وقال يحيى بن بكير: إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق لم يكن بموضع للكتابة عنه» .
أقول: الذي في كتاب ابن أبي حاتم ج ٣ قسم ١ ص ٤٠٢: «سألت أبي عن عنبسة بن خالد فقال: كان على خراج وكان يعلق النساء بثديهن» وأبو حاتم ولد سنة ١٩٥ وأول طلبه الحديث سنة ٢٠٩ وإنما دخل مصر بعد ذلك بمدة فلم يدرك عنبسة ولا ولايته الخراج لأن عنبسة توفي سنة ١٩٨ ولا يدرى من أخبر أبا حاتم بذلك؟ فلا يثبت ذلك ولا ما يترتب عليه من الجرح وقال ابن أبي حاتم: «سمعت محمد بن مسلم (ابن وارة) يقول: روى ابن وهب عن عنبسة بن خالد. قلت لمحمد بن مسلم: فعنبسة بن خالد أحب إليك أو وهب الله بن راشد؟ فقال: سبحان الله ومن يكون عنبسة إلى وهب الله؟ ما سمعت بوهب الله إلى الآن منكم» فقد روى عن عنبسة أحمد بن صالح على إتقانه وعبد بن وهب على جلالته وتقدمه وكل منهما أعقل وأفضل من مائة مثل يحيى بن بكير وروى عنه محمد بن مهدي الإخميمي وغيرهم كما في (التهذيب) . فأما الإمام أحمد فكأنه سمع بأن عنبسة كان يجبي الخراج فكرهه لذلك وليس في ذلك ما يثبت به الجرح وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) وأخرج له البخاري في (الصحيح) مقروناً بغيره، وأخرج له أبو داود في (السنن) وقال الآجري عن أبي داود: «عنبسة أحب إلينا من الليث بن سعد سمعت أحمد بن صالح يقول عنبسة صدوق» ، كنت استعظمت هذه الكلمة للاتفاق على جلالة الليث وإمامته ثم تبين لي كما يرشد إليه السياق أن مراده تفضيل عنبسة على الليث في أمر خاص وهو روايتهما عن يونس بن يزيد الأيلي. فإن أصول يونس كانت صحيحة كما قاله ابن المبارك وغيره وكان إذا حدث من غيرها ربما يخطئ وكان الليث سمع من يونس من غير أصوله وعنبسة سمع من عمه يونس من أصوله وكانت أصوله عند عنبسة ويدل على هذا أن أبا داود قال عقب كلمته تلك: «سألت أحمد بن صالح قلت: كانت أصول يونس أو نسخها؟ قال: بعضها أصول وبعضها نسخة» فعنبسة يروي عنه ابن وهب ويصدقه أحمد بن صالح، ويثني
стр. 582
عليه ابن وارة ويثبته أبو داود، ويستشهد به البخاري، ويوثقه ابن حبان (١) .
١٧٧- فهد بن عوف أبو ربيعة، اسمه زيد ولقبه فهد . في (تاريخ بغداد) ١٣/٤٠٦ من طريق «إبراهيم بن راشد الأدمي قال: سمعت أبا ربيعة محمد (؟) بن عوف يقول: سمعت حماد بن سلمة ... » . قال الأستاذ ص ١٢٩: «وأبو ربيعة فهد بن عوف، وقد كذبه ابن المديني» .
أقول: قال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: ما رأيت بالبصرة أكيس ولا أحلى من أبي ربيعة فهد بن عوف وكان ابن المديني يتكلم فيه ... قيل لأبي: ما تقول فيه؟ فقال: تعرف وتنكر، وحرك يده» . ثم ذكر عن أبي زرعة قصة حاصلها: أن أبا إسحاق الطالقاني ورد البصرة فحدث من حديث ابن المبارك بحديثين غريبين أحدهما عن وهيب بسنده، والآخر عن حماد بن سلمة بسنده فبعد مدة يسيرة حدث فهد بالحديث الأول عن وهيب بن خالد بذاك السند، والثاني عن حماد بن سلمة بسنده، فرموا فهداً بسرقة الحديثين وأنه إنما سمعهما من الطالقاني عن ابن المبارك عن وهيب وعن حماد فحدث بهما عن وهيب وعن حماد، وغلط مع ذلك فروى الأول عن وهيب بن خالد، وإنما وهيب شيخ ابن المبارك وهيب بن الورد. والحجة في رميه بسرقة الحديث الثاني أنه حديث غريب لم يكن في كتب حماد بن سلمة ولا رواه عنه غير ابن المبارك حتى حدث به الطالقاني عن ابن المبارك فوثب عليه فهد. وقد يحتمل في هذا أن يكون فهد قد سمعه من حماد بن سلمة ثم غفل عنه فلما حدث به الطالقاني واستفاده الناس وأعجبوا به فتش فهد في كتبه فوجده عنده عن حماد بن سلمة ولكن في هذا الاحتمال بعد. فأما الحديث الأول فالتهمة فيه أشد لأنه ليس من حديث وهيب بن خالد أصلاً وإنما هو من حديث وهيب بن الورد. ولا يخفى أنه ليس من الممتنع أن يكون الحديث عند وهيب بن خالد أيضاً ولم يسمعه منه إلا فهد، لكن في هذا من البعد ما فيه. فالظاهر أن هذين الحديثين هما، ولا سيما الأول بلية هذا الرجل ولأجل ذلك
стр. 583
كذبه ابن المديني وتكلم فيه غيره لكن يظهر من كلمة أبي حاتم أنه متوقف، وقال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي زرعة: يكتب حديثه؟ فقال: أصحاب الحديث ربما أراهم يكتبونه» وأسند إلى ابن معين أنه سأل عنه فقال: «ليس لي به علم، لا أعرفه، لم أكتب عنه» وقد يبعد أن لا تكون القصة بلغت ابن معين، ومع ذلك توقف. وقال العجلي: «لا بأس به» . وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «مات يوم الاثنين لأربع خلون من المحرم سنة تسع عشرة ومائتين» . والذي يتجه أنه إن كان صرح في الحديث الأول بسماعه من وهيب بن خالد فقد لزمته التهمة وإن لم يصرح وإنما رواه بصيغة تحتمل التدليس، فقد يقال: لعله دلسه، ولكن يبقى أنهم لم يذكروه بالتدليس، والمدلس إنما يسلم من الجرح بالتدليس إذا كان قد عرف عنه أنه يدلس، فإن ذلك يكون قرينة تخلصه من أن يكون تدليسه كذباً، وقد يقال: كان جازماً بصحة الخبرين عن وهيب وحماد فاستجاز تدليسهما وإن لم يكن قد عرف بالتدليس. وفي هذا نظر. والله أعلم.
١٧٨- القاسم بن حبيب . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٣ من طريق «ابن فضيل عن القاسم بن حبيب قال: وضعت نعلي في الحصى ثم قلت لأبي حنيفة: أرأيت رجلا صلى لهذه النعل حتى مات إلا أنه يعرف الله بقلبه؟ فقال: مؤمن» قال الأستاذ ص ٣٩: «هو راوي حديث ذم القدرية والمرجئة عند الترمذي وقال ابن معين: ليس بشيء ولفظ لبن أبي حاتم: ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: القاسم بن حبيب الذي يحدث عن نزار بن حبان لا شيء أهم يعني حديث المرجئة والقدرية عند الترمذي وتوثيق ابن حبان لا يناهضه بل الجرح مقدم» .
أقول: أفاد الأستاذ أن كلمة ابن معين مدارها على حديث المرجئة والقدرية وكلمة ابن معين تحتمل أوجها:
الأول: أن يكون قوله: «الذي ... » قصد به تميز هذا الرجل عن آخر يقال له: القاسم بن حبيب أيضا. وهذا بعيد لأننا لا نعرف آخر يقال له: «القاسم بن حبيب» .
стр. 584
الثاني: أن يكون أراد بقوله: «الذي» الحديث كأنه قال: «حديثه الذي يحدث به ... » وهذا كأن فيه بعدا عن الظاهر.
الثالث: أن يكون ذلك إيحاء إلى العلة كأنه قال: «لا شيء لأجله حديثه الذي حدث به عن نزار» .
وقول الأستاذ: «يعني حديث المرجئة والقدرية عند الترمذي» .
ظاهرة أنه يحمل كلمة ابن معين على الوجه الثاني وأيا ما كان فالمدار على ذاك الحديث فإذا تبين أن القاسم بريء من عهدته أو معذور فيه تبين أنه لا مطعن فيه فإنه يروي عن جماعة منهم عكرمة ومحمد بن كعب القرظي وسلمة بن كهيل وغيرهم، ولم ينكر عليه خبر واحد إلا ذاك الخبر الذي رواه عن نزار وحينئذ يصفو له توثيق ابن حبان فلننظر في ذلك نزار بن حبان لم يوثقه أحد وذكره ابن حبان في (الضعفاء) وقال: «يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه حتى يسبق إلى القلب أنه المعتمد لذلك» . والقاسم إنما روى هذا الحديث عن نزار عن عكرمة فكان ابن حبان يشير إليه. والقاسم قد روى عن عكرمة كما مر فلو أراد الكذب لروى ذاك الحديث عن عكرمة رأسا وربح العلو وشهادة نزار له. وقد تابع القاسم على رواية هذا الحديث عن نزار ابنه علي بن نزار وقال ابن معين في علي بن نزار: «ليس حديثه بشيء» لعله أراد هذا الحديث وعلي بن نزار قد روى عن عكرمة فلو أراد الكذب لروى هذا الحديث عن عكرمة رأسا ويربح العلو والشهادة لأبيه. وقال ابن عدي في ترجمة علي في هذا الحديث «أنكروه على علي وعلى والده» . ويؤخذ من (الميزان) أن بعضهم رواه عن فضيل عن نزار وابنه عنه عكرمة ولكن أشار الذهبي إلى أن المحفوظ: «عن ابن فضيل عن القاسم بن حبيب وعلي بن نزار» يعني كلاهما عن نزار عن عكرمة كما في (سنن الترمذي) فالذي يتجه اتجاها واضحا أن الحمل في هذا الحديث على نزار له غنمه وعليه غرمه وقد قال الترمذي بعد أن رواه من طريق القاسم بن حبيب وعلي بن نزار عن نزار عن عكرمة: «وفي الباب عن عمر وابن عمر ورافع بن خديج وهذا حديث غريب حسن صحيح» ثم قال عقبه: «حدثنا محمود
стр. 585
ابن رافع حدثنا محمد بن بشر حدثنا سلام بن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عيه وسلم ونحوه» ، فهذا سلام بن أبي عمرة قد تابع نزار لكن تكلموا في سلام فقال ابن معين: «ليس بشيء» وقال ابن حبان: «يروي عن الثقات المقلوبات لا يجوز الاحتجاج بخبره وهو الذي روى عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية» والترمذي يقول: إن الحديث «حسن صحيح» كما مر.
والذي يهمنا هنا شأن القاسم بن حبيب وقد تبين براءته من تبعه هذا الحديث فارتفعت عنه كلمة ابن معين وصفا له توثيق ابن حبان. ومع هذا فحكايته التي حكاها عن أبي حنيفة قد روى نحوها يحيى بن حمزة وهو ثقة وستأتي ترجمته ولفظه: «إن أبا حنيفة قال: لو أن رجلا عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أر بذلك بأسا» ذكره الأستاذ ص ٣٩ أيضا وهناك كلمات أخرى تلاقي هذا في المعنى وقد أشرت إلى الجواب الذي يرفع معرة تلك الكلمات عن أبي حنيفة في موضع آخر. والله المستعان (١) .
١٧٩- القاسم بن عثمان . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٣: «حدثنا أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب الدسكري لفظا بحلوان أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم السهمي بجرجان حدثنا أبو شافع معبد بن جمعة الروياني حدثنا أحمد بن هشام بن طويل قال: سمعت القاسم بن عثمان يقول: مر أبو حنيفة بسكران يبول قائما فقال أبو حنيفة: لو بلت جالسا. قال: فنظر في وجهه وقال: ألا تمر يا مرجئ؟ قال أبو حنيفة: هذا جزائي منك صيرت إيمانك كإيمان جبريل» . قال الأستاذ ص ٤١: «صيغة القاسم بن عثمان الرحال صيغة انقطاع وعنه يقول العقيلي: لا يتابع «على» (٢) حديثه ومعبد بن جمعة كذبه أبو زرعة الكشي، وفي
стр. 586
السند رجال مجاهيل هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب ! والذي أخرجه الحافظ أبو بشر الدولابي عن إبراهيم بن جنيد عن داود بن أمية المروزي قال: سمعت عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد يقول: جاء رجل إلى أبي حنيفة وهو سكران فقال له: يا مرجئ فقال له أبو حنيفة: لولا أني أثبت لمثلك الإيمان ما نسبتني إلى الأرجاء ولولا أن الأرجاء بدعة ما باليت أن أنسب إليه. اهـ. رواه ابن أبي العوام عن الدولابي ... » .
أقول: قوله «الرحال» تبع فيه ابن حجر في (اللسان) والمعروف أن القاسم الرحال آخر اسم أبيه يزيد له ترجمة في (اللسان) أيضا وكلاهما يروي عن أنس وذكرهما ابن حبان في (الثقات) والقاسم بن عثمان الذي في (اللسان) تكلم فيه البخاري والدارقطني ولم يتبين أنه هو الواقع في سند الحكاية ومعبد بن جمعة لم يكذبه الكشي بل وثقه كما يأتي في ترجمة. ويوسف بن إبراهيم السهمي موثق والحكاية التي ذكرها الأستاذ في كتاب ابن أبي العوام قد نظرت في بعض رجالها في (الطليعة) ص ٢٧ - ٢٨ وعبد المجيد مرجئ متكلم فيه ومع ذلك لا تنافي بين الحكايتين وقد جاء عن أبي حنيفة أشد من ذلك والحنفية والأستاذ في أخرهم يعترفون بأن أبا حنيفة يقول: إن الأيمان لا يزيد ولا ينقص فإذا أثبت لذلك السكران الأيمان فقد أثبت له أن إيمانه كإيمان جبريل وهم لا ينكرون هذا فأي وجه لإنكار الحكاية؟
١٨٠- القاسم بن محمد بن حميد العمري (*) . ذكر الأستاذ ص ٦٢ ما روي في ذبح الجعد بن درهم ثم قال: «والخبر على شيوعه وانتشاره وذيوعه غير ثابت لانفراد القاسم بن محمد بن حميد المعمري وبروايته ويقول عنه ابن معين: كذاب خبيث كما في (ميزان الذهبي) » .
أقول: عبارة (الميزان) : «وثقه قتيبة وقال يحيى بن معين: كذاب خبيث.
قال عثمان الدارمي: ليس هو كما قال يحيى وأنا أدركته ببغداد» وفي (التهذيب) : قال عثمان بن سعيد: سمعت ابن معين يقول: قاسم المعمري كذاب خبيث. قال
стр. 587
عثمان: وليس كما قال يحيى. ثم ذكر توثيق قتيبة له ثم قال: «وذكره ابن حبان في (الثقات) » وذكره ابن أبي حاتم في كتاب ج ٣ قسم ٢ ص ١١٩ وذكر مقالة عثمان: «سمعت يحيى بن معين يقول: قاسم المعمري خبيث كذاب. قال عثمان: وقد أدركت قاسما المعمري وليس كما قال يحيى» وذكره البخاري في (تاريخه) ج٤ قسم ١ص ١٥٨ فقال: «سمع عبد الرحمن بن محمد بن حبيب روى عنه قتيبة» وأخرج القصة من طريقه في كتاب (خلق أفعال العباد) ورواية البخاري من تقويه كما مر في ترجمة أحمد بن الله أبو عبد الرحمن. وأحسب ابن معين لم يتكلم في هذا وإنما تكلم في قاسم المعمري ولكن الدارمي خَطْرَفَ الكتابة أولا ثم صحف ثم رجع يخالف كما تقدمت الإشارة إليه في القاعدة السادسة.
ولعل الأستاذ يحرص على أن لا تصح قصة الجعد لتتوفر عليه الأولية مع أنه لا منافاة! والله المستعان.
١٨١- قطن بن إبراهيم . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٩ من طريق «مسدد بن قطن يقول: سمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن عبد الحميد ... » قال الأستاذ ص ٥٦: «حدث بحديث إبراهيم بن طهمان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر في الدباغ فطالبوه بالأصل فأخرجه وقد كتبه على الحاشية فتركه مسلم بعد أن صار إليه وكتب عنه جملة وهو متهم بسرقة حديث حفص عن محمد بن عقيل» .
أقول: هو حديث واحد رواه محمد بن عقيل عن حفص عن عبد الله السلمي عن إبراهيم بن طهمان.
وكان قطن قد سمع من حفص كثيرا. ثم ذكر محمد بن عقيل أن قطنا سأله: أي حديث عندك من حديث إبراهيم بن طهمان أغرب؟ فذكر له هذا الحديث. فذهب قطن فحدث به بالعراق عن حفص فبلغ محمد بن عقيل فأنكر ذلك وقال: «لم يكن حفظ هذا الحديث - يعني عن حفص - إلا أنا ومحمود أخو خشتام» وأتهم قطنا أنه سرقه منه ثم حدث به قطن بنيسابور فطالبوه بالأصل فدافعهم ثم أخرجه فرأوا الحديث مكتوبا على الحاشية فأنكروا ذلك. هذا حاصل
стр. 588
القصة. وقطن مكثر عن حفص وغيره وقد قال الحاكم أبو أحمد: «حدث بحديثين لم يتابع عليها ويقال: دخل له حديث في حديث وكان أحد الثقات النبلاء» وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «يخطئ أحيانا يعتبر حديثه إذا حدث من كتابه» وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة ومن عادة أبو زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج ٢ ص ٤١٦ وقال النسائي: «فيه نظر» ثم روى عنه في (السنن) . وقال الذهبي في (الميزان) : «صدوق» . فإذا كانت هذه حالة ولم ينقم عليه مع إكثاره إلا ذاك الحديث فلعل الأولى أن يحمل على العذر فلا يمتنع أن يكون قد سمع الحديث من حفص ثم نسيه أو خفي عليه أنه غريب أو طمع أن يدله محمد بن عقيل على حديث غريب آخر ثم ذكره وتنبه لفريته فرواه وقد يكون كتبه بعد أن سمعه في الحاشية أو لا يكون أو لا ثم لما ذكر أنه سمعه أو عرف أنه غريب ألحقه في الحاشية وكان مع حفص في بلد واحد فلا مانع أن يكون سمع منه الحديث في غير المجلس الذي سمع فيه محمد بن عقيل وصاحبه. وأهل الحديث جزاهم الله خيرا ربنا يشددون على الرجل وهم يرون أن له عذرا خشية أن يتساهل غيره طمعا في أن يعذروه كما عذروا ذاك. والله أعلم.
١٨٢- قيس بن الربيع . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٥ « ... . سئل قيس بن الربيع عن أبي حنيفة فقال: من أجهل الناس بما كان وأعلمه بما لم يكن» ومن وجه آخر «أنا من أعلم الناس به كان أعلم الناس بما لم يكن وأجهلهم بما كان» قال الأستاذ ص ١٢٦: «تركه غير واحد وكان أبنه يأخذ أحاديث الناس فيدخلها في كتابه فيرويها أبو قيس بسلامة باطن» .
أقول: وثقه جماعة منهم سفيان الثوري وشعبة وأثنوا عليه بالعلم والفضل وتكلموا في روايته وليس ما هنا من روايته حتى ننظر فيها.
١٨٣- مالك بن أنس الأصبحي الإمام . قال الأستاذ ص ١٠٠ عند ذكر الموالي: «حتى إن مالكا منهم عند الزهري ومحمد بن إسحاق» وفي الحاشية «حيث قال البخاري ... بسنده إلى ابن شهاب الزهري: حدثني ابن أبي أنس مولى التيميين.
стр. 589
وابن أبي أنس مالك هذا عم مالك بن أنس ﵁» .
أقول: كلمة «مولى» تطلق في لسان العرب على معاني مختلفة منها الحليف وذلك معروف مشهور في كلامهم وأشعارهم وهو المراد هنا كما بينه مالك وغيره وابن أبي أنس الذي روى عنه الزهري هو نافع بن مالك بن أبي عامر وقال البخاري في (تاريخه) في ترجمة نافع هذا: «الأصبحي حليف بني تيم من قريش» وقال في ترجمة أبيه مالك بن أبي عامر: «الأصبحي حليف عثمان بن عبيد الله التيمي» وهكذا قال في ترجمة مالك الإمام. فأما ابن إسحاق فيظهر أنه إنما كان يطلق أن مالكا مولى يريد أنه حليف ولكن يحب أن يوهم خلاف ذلك لكدورة كانت بينه وبين مالك.
ولا نلوم الأستاذ في التشبت بالشبهات فإنه أقام نفسه مقاما يضطره إلى ذلك ولكننا كنا نود لو أعرض عن الشبهات التي قد سبق إليها فحلت وانحلت واضمحلَّت واقتصر على الشبهات الأبكار التي يجد لذة في اختراعها ويجد أهل العلم لذة في افتراعها!
وذكر الأستاذ ص ١١٦ ما روي عن مالك أنه ذكر أبا حنيفة فقال: «كاد الدين كاد الدين» قال الأستاذ (لست أدري كيف يرميه من يرميه بكيد الدين مع أنه لم يكن متساهلا في أمر الطهو ر ولا متبرئا من المسح على الخفين في رواية من الراويات ولا منقطعا عن الجمعة والجماعات ... .» ذكر الأستاذ أمورا تنسب إلى مالك ليس فيها ما يداني ما عيب به غيره بل ليس فيما يصح منها بحمد الله ما يسوغ الذي علم أن يذكره في معرض العيب وأشفها لزوم البيت وترك حضور الجماعة وقد روي عن مالك أنه قيل له في ذلك فقال: «ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره» فعرف الناس أن له عذرا وعلموا أنه مؤتمن على دينه ما كان ليمنعه من ذلك إلا عذر شديد وقد يكون ذلك كراهية الصلاة خلف أمراء الجور ومثل هذا العذر لو باح به بطشوا به وأفقدوا الأمة علمه وإمامته وفي ذلك من الضرر على الدين والأمة ما فيه.
стр. 590
وقال الأستاذ ص ٦٧: «ذكر المبرد في كتاب (اللحنة) عن محمد بن القاسم التمائمي عن الأصمعي قال: دخلت المدينة على مالك بن أنس فما هبت أحدا هيبتي له فتكلم فلحن فقال: مطرنا البارحة مطرا أي مطرا. فخف في عيني فقلت ... . فقال: فكيف لو رأيتم ربيعة كنا نقول له: كيف أصبحت؟ فيقول: بخيرا بخيرا.
أقول: هذه الحكاية منكرة عن الأصمعي فينظر من حكاها عن كتاب المبرد وعلى فرض ثبوتها عن المبرد ففيه كلام معروف ومحمد بن القاسم التمائمي لم أعرفه ولعله محمد بن القاسم اليمامي وهو أبو العيناء أصله من اليمامة وليس بثقة قد اعترف بوضع الحديث فما بالك بالحكايات. ومما يدل على بطلان هذه الحكاية أمور:
الأول: أن الأصمعي كان من أشد الناس توقيرا لأئمة السنة.
الثاني: أنه كان مبجلا لمالك حتى روي عنه أنه كان يفتخر بأن مالكا روى عنه.
الثالث: أن فيها قرن مالك بشيخه ربيعة وهذا يدل على تحري الطعن في علماء المدينة وليس ذلك دأب الأصمعي إنما هو دأب أصحاب الرأي.
الرابع: أن اللحن الذي تضمنته الحكاية خارج عن المعتاد فإن العامة فضلا عن العلماء يقفون بالسكون. وهذا كله يدل أن هذه الحكاية فرية قصد بها الغض من علماء المدينة.
وقال الأستاذ ص ١٠٦: «ومالك هو القائل في أبي حنيفة ... عرقت مع أبي حنيفة إنه لفقيه يا مصري ... وهو الذي كان عنده عن أبي حنيفة فقط نحو ستين ألف مسألة كما رواه الطحاوي بسنده عن عبد العزيز الدراوردي ونقله مسعود بن شيبه في (كتاب التعليم) وكان يستفيد من كتب أبي حنيفة كما ذكره أبو العباس بن أبي العوام بسنده ... . وكان يذاكره العلم في المسجد النبوي كلما قدم كما ذكره الموفق الخوارزمي وغيره» .
أقول: الحكاية الأولى لم يذكر سندها. والثانية منكرة ولم يذكر سند الطحاوي ثم إن لم توجد إلا في (كتاب التعليم) فكتاب التعليم حديث خرافة كما بينته في
стр. 591
(الطليعة) وغيرها، والثالثة يعلم حالها من حال ابن أبي العوام وسنده، والرابعة يراجع ما قد يفيدها في (مناقب أبي حنيفة) للموفق ج ٢ ص ٣٣ - ليعرف ما في تلك الأسانيد المظلمة. وليت الأستاذ جاء بخير واحد قوي يمكنه أن يثبت قليلا أمام الأخبار التي يضج منها الأستاذ !
وقال الأستاذ ص ١٠٥: «وكان مالك صاحب القدح المعلى في الرأي ... . وما رده من الأحاديث التي رواها هو بأصح الأسانيد عنده في (الموطأ) ولم يعمل هو به يزيد على سبعين حديثا ... عن الليث بن سعد قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي ﷺ مما قال فيها مالك برأيه ... وما دونه أبو العباس محمد بن إسحاق السراج الثقفي من مسائله البالغة سبعين ألفا كما في (طبقات الحفاظ) للذهبي ج ٢ ص ٢٦٩ صريح في أنه كان من أهل الرأي ... ...» .
أقول: أما الأحاديث فقد توقف مالك عن الأخذ ببعضها وليس ما توقف عنه وقد رواه بأصح الأسانيد عنده في (الموطأ) بكثير كما زعم الأسانيد بدون أن يذكر مستندا ومع ذلك فلم يرد مالك حديثا واحدا بمحض الرأي ولا ذكر له حديث فقال: هذا سجع. أو: هذا رجز. أو: حك هذا بذنب خنزير أو نحو ذلك من الكلمات المروية عن غيره بل أشتهر عنه قوله: «ما من أحد إلا ويؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب هذا القبر» يعني النبي ﵌. وقوله: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فما وافق السنة فخذوا به» (١) .
وكان يأخذ بالرأي عند الضرورة وجاء عنه من وجوه أنه كان يسأل عن مسائل فيجيب عن بعضها ويدع سائرها ولو جاءه رجل فقال: جئتك بمائة مسألة لبادر إلى الأمر بإخراجه فكيف يقاس إلى من قيل له: «جئتك بمائة ألف مسألة» فقال: «هاتها» ! فأما ما حكي عن الليث فالأفهام في السنة تختلف، يختلف العالمان في فهم الحديث أو في ترجيح أحد الحديثين على الآخر فيري كل منها أن قول صاحبه مخالف للسنة، وقصة سبعين ألف
стр. 592
مسألة حكاها الذهبي بقوله: «وعن السراج ... .» ولا ندري كيف سندها إلى السراج.
ومع ذلك فقول الأستاذ «صريح في أنه كان من أهل الرأي» مجازفة وهذه كتب الظاهرية موجودة فليتصفحها الأستاذ وليحص المسائل التي فيها ليعلم بطلان ما زعمه من الصراحة وأوضح من هذا أن الظاهرية وأهل الحديث يجيبون عن كل مسألة حدثت أو تحدث وذلك يزيد عن سبعين ألفا مضروبة في مثلها بدون أن يكونوا من أهل الرأي وخاصة أهل الرأي هي الرغبة عن العناية بالسنة استغناء بالرأي ورد السنن الصحيحة بمحض الرأي ومالك رحمه الله تعالى بريء من هذا.
قال أبو مصعب عن مالك «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك وقال حرملة عن الشافعي: «مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين» وأتفق الشافعي ومحمد بن الحسن على أن مالكا أعلم من أبي حنيفة بالكتاب والسنة وآثار الصحابة وقال ابن عيينة وعبد الرزاق في حديث أبي هريرة مرفوعا «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة» (١) . هو مالك. وما روي عن ابن عيينة أنه قال مرة: هو العمري العابد لا وجه له لأن العمري العابد وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن الله بن عمر - لم يشتهر بالعلم - بالمعنى المعروف، بل لم يعرف به، بل قال ابن حبان: «لعل كل شيء حدث في الدنيا لا يكون أربعة أحاديث» .
وليس له في الأمهات الست ولا في الكتب الأخرى لأصحابها التي أخذ رجالها في (التهذيب) إلا حديث واحد مرسل في (مراسيل أبي داود) ولم تضرب إليه أكباد الإبل بل لعله لم يرحل إليه بعير واحد وإنما كان هو ﵀ يخرج إلى البراري لتعليم الأعراب ضروريات الدين فكيف ينطبق عليه هذا الحديث؟ فأما انطباقه على مالك فكالشمس وضوحا ولم يثبت في فضل غيره من الأئمة ما يظهر انطباقه مثل هذا الظهور ولا قريبا منه. والله الموفق.
стр. 593
١٨٤- محبوب بن موسى أبو صالح الفراء ، جاءت من طريقه روايات تقدم بعضها في ترجمة عبد الله بن الزبير الحميدي وبعضها في ترجمة عثمان بن سعيد ألد ارمي. قال الأستاذ ص ١٧: «صاحب تلك الحكايات التالفة الذي يقول عنه أبو داود: لا تقبل حكاياته إلا من كتاب» .
أقول لفظ أبي داود «ثقة لا يلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب» كما تقد في (الطليعة) ص ٧٣. فقوله «ثقة» يدفع عنه الكذب والمجازفة والتساهل الفادح ويعين أن ^ ٣٨٥
المقصود أنه كان لا يتقن حفظ الحكايات كما يحفظ الحديث فكان إذا حكاها من حفظه يخطئ. فلا يحتج من حكاياته إلا بما رواه من كتابه أو توبع عليه أو ليس بمظنة للخطأ. وقد قال العجلي: «ثقة صاحب سنة» وقال ابن حبان قي (الثقات) : «متقن فاضل» وقال أبو حاتم «هو أحب إلي من المسيب بن واضح» .
١٨٥- محمد بن إبراهيم بن جناد المنقري . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٤ من طريقه قال: «حدثنا أبو بكر الأعين حدثنا إبراهيم بن شماس قال: سمعت ابن خراش ولعله كان على مذهبه» .
أقول: قد روى عنده موسى بن هارون الحمال الحافظ الجليل وغيره ولم يغمزه أحد , وقال ابن خراش «ثقة مأمون» وقد توبع على هذه الحكاية معناها على وجهه.
وقال ابن حبان في ترجمته إبراهيم بن شماس من (الثقات) : «سمعت عمر بن محمد البحيري يقول: سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول: سمعت إبراهيم شماس يقول: رأيت ابن مبارك يقرأ كتابا على الناس في ثغر , وكلما مر على ذكر أبي حنيفة قال: اضربوا عليه، وهو آخر كتاب قرأ على الناس , ثم مات» .
وقال أبو حاتم في ترجمته النعمان: «تركه ابن المبارك فأخره» ومع تضافر الروايات بذلك حاول الأستاذ ص ١٢٤ وص ١٥٠ أن يدفعه في ذكر أوجها: أحدها إن ابن مهدي لم ينشد مرثية أبي تميلة لابن المبارك فبلغ المنشد قوله:
стр. 594
وبرأي النعمان كنت بصيرا ... حين يؤتي مقاييس النعمان
قاطعة قائلا: «أسكت فقد أفسدت الشعر وليس لابن المبارك ذنب بالعراق غير روايته عن أبي حنيفة» قال الأستاذ: «ولو كان ابن مهدي يعلم أنه رجع عن الرواية عن أبي حنيفة لصارحه بذلك ومثله في انحرافه عن أبي حنيفة واهتمامه بابن المبارك جدير بأن يعلم رجوعه لو كان رجع.
وكذلك لو صح رجوع ابن المبارك عن الأخذ والرواية عن أبي حنيفة ما صح لأبي تميلة أن يمدح في مرثيته بكونه بصيرا برأي النعمان وأهل بلده الرجل أعرف بأحواله.
الثاني: أن في (مسانيد أبي حنيفة) أحاديث كثيرة من طريق ابن المبارك عنه.
الثالث: كثرة ما يروي من ثناء ابن المبارك على أبي حنيفة.
أقول: أما الوجه الأول فلا يخفي وهنه فإن ترك ابن المبارك الرواية عن أبي حنيفة كان في أواخر عمره كما صرحت به الروايات فقد لا يكون ذلك بلغ ابن مهدي حين أنشد المرثية وقد يكون بلغة ولكنه رأى أن الرواية قد وقعت ووقع ما يترتب عليها من المفسدة وتركها بأخرة لا يمحو تلك المفسدة ولم يكن المنشد في مقام الاحتجاج بأن ابن المبارك كان يروي عن أبي حنيفة حتى يحتاج ابن مهدي إلى أن يقول له: قد تركه باخرة وإنما سمع شعرا فأنشده.
وأبو تميلة لم يثن على ابن المبارك بأنه كان يروي عن أبي حنيفة وإنما أثنى عليه بأنه كان بصيرا برأيه والبصر بالرأي فضيلة على كل حال لا يعاب بها أحد وإنما يعاب الرغبة عن السنة وردها بالرأي وكان ابن المبارك بحمد الله بريئا من ذلك أو لا وأخرا. وأما أن أهل بلده الرجل أعرف بأحواله فلا يجدي شيئا لأن أبا تميلة لم يشر أدنى إشارة إلى نفي الترك ولو أشار أو صرح لم يكن في ذلك ما يدفع روايته المثبتين ومنهم من كان أخص بابن المبارك من أبي تميلة كالحسن بن الربيع الذي غمض ابن المبارك عند موته. وأما مسانيد (أبي حنيفة) فقد تقدم الكلام فيها في ترجمة الجراح بن منهال، فإن صح عن ابن المبارك شيء من روايته عن أبي حنيفة فهو مما
стр. 595
رواه سابقا فأنه لا يلزم من تركه الرواية عنه باخرة أن يمحي ما رواه سابقا من الصدور والدفاتر ولا يتحتم على من بلغه الترك باخرة أن لا يروي ما سمعه سابقا.
وأما ما يروي عن ابن المبارك من الثناء فحاله تعرف بالنظر في أسانيده ومتونه كتلك الأبيات السخيفة التي يلهج بها الحنفية ومنهم الأستاذ. وقوم لم يتورعوا عن الكذب على النبي ﵌ في مناقب إمامهم كيف يستبعد منهم الكذب على ابن المبارك؟ فإن قوي شيء من تلك الروايات فليوازن بينه وبين روايات الذم , على أنه لا مانع من أن يثني على رجل لمعنى ويذم لمعنى آخر بل هذا موجود بكثرة.
١٨٦- محمد بن أحمد بن الحسين بن القاسم بن الغطريف أبو أحمد الجرجاني الغطريفي الحافظ . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٢٥ «أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو أحمد الغطريفي قال سمعت الساجي ... .» قال الأستاذ ص ١٨: «صاحب مناكير وقد أنكروا عليه حديثه في إهداء الرسول ﷺ جملا لأبي جهل وكان يزعم أن فلانا وفلانا أفاداه من غير أن يخرج أصله وأنكروا عليه أيضا تحديثه بـ (مسند ابن راهويه) من غير أصله وقد تفرد عن أبي العباس بن سريج بأحاديث لم يروها عنه غيره وقد ذكره ابن الصلاح في عداد المختلطين ومع ذلك يبقى هو وأبو نعيم والخطيب مقبولين مرضيين عند أهل مذهبهم» .
أقول: قوله: «صاحب مناكير» لم يقلها أحد ولا في كلامهم ما يعطي ذلك كما سترى.
أما حديث الجمل ففي (الموطأ) في «المناسك» «باب ما يجوز من الهدي» : «مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ أهدى جملا كان لأبي جهل ابن هشام في حج أو عمرة» وهكذا رواه
стр. 596
الناس عن مالك حتى رواه سويد بن سعيد عن مالك فقال: «عن الزهري عن أنس عن أبي بكر أن النبي ﷺ ... » فأنكر على سويد حتى قال ابن معين لما ذكر له هذا: «لو أن عندي فرسا خرجت أغزوه»
وممن رواه عن سويد أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي فأستنكره الناس فأبرز الصوفي أصله العتيق ثم تبين أن جماعة رووه عنه سويد كذلك. ثم رواه الغطريفي إما عن الصوفي كما يظهر من بعض العبارات وإما عن صاعد وابن مظاهر عن الصوفي كما يظهر من بعضها قال حمزة السهمي في ترجمة الغطريفي من (تاريخ جرجان) ص ٣٨٧: «وقد أنكروا على أبي أحمد الغطريفي ﵀ حيث روى حديث مالك ... وكان يذكر أن ابن صاعد وابن مظاهر أفاده عن الصوفي هذا الحديث ولا يبعد أن يكون قد سمع إلا أنه لم يخرج أصله وقد حدث غير واحد من المتقدمين والمتأخرين هذا الحديث عن الصوفي ... » وفي (تاريخ بغداد) ج ٤ ص ٨٣: «أخبرنا البرقاني قال: سألت أبا بكر الإسماعيلي عن حديث الصوفي ... أهدى رسول الله ﷺ جملا لأبي جهل؟ فقال لي: حدثناه بحضرة ابن صاعد وابن مظاهر فاختلفا فيه ... فأخرج الصوفي أصله العتيق فكان كما قال.
قال البرقاني: وحدثناه عن الصوفي أيضا أبو أحمد الغطريفي كذلك وذكر القصة نحو هذا» . والإسماعيلي إمام وكذلك البرقاني وكان الغطريفي رفيق الإسماعيلي في الطلب ثم كان نازلا في بيته وروى عنه الإسماعيلي في (الصحيح) أحاديث كثيرة وسئل عنه فقال: «ما علمته إلا صواما قواما» .
وكان الذين أنكروا عليه الحديث توهموا أنه تفرد به وقد أتضح خطأهم في ذلك. فأما عدم إبرازه أصله فلا يضره إذا قد يكون قصر فلم يكتبه أو كتبه وغاب عنه أصله أو لم يعثر عليه حينئذ فإنه كان مكثرا جدا وأما تحديثه ب (مسند إسحاق) من غير أصله فمسند إسحاق كتاب مصنف محفوظ مروي فإذا لم يصل إلى أصله الذي سمع فيه ووصل إلى نسخة أخرى يثق بمطابقتها لأصله لم يكن عليه حرج في ذلك وإنما المحذور أن يحدث الرجل من كتاب لا يثق بمطابقته لأصله. وأما أحاديثه عن ابن سريج فإنما قال حمزة: «لا أعلم روى عنه غيره» يعني تلك الأحاديث لم يستنكر حمزة شيئا منها وابن سريج كان بابه الفقه،
стр. 597
ولم يكن يبذل نفسه لإملاء الحديث وكان الغطريفي مولعا بالإكثار واستيعاب ما عند الشيخ كما في ترجمته من (تذكرة الحفاظ) : «سمع أبا خليفة حتى استوعب ما عنده» فكأنه ألح على ابن سريج حتى أخذ ما عنده ولم يكن غيره يحرص على السماع من ابن سريج لأنه لم يكن مكثرا من الحديث ولا متجردا له ولا عالي الإسناد فإنه مات وعمره بضع وخمسون سنة على أنه يحتمل أن يكون غير الغطريفي قد روى عن ابن سريج تلك الأحاديث ولم يعلم حمزة.
وأما حكاية الاختلاط فقد ردها العراقي وذكر أن المختلط رجل آخر غير الغطريفي. ولو كان هناك اختلاط أو شبهه لتعرض له حمزة في (تاريخ جرجان) فإنه بلدي الغطريفي وصاحبه وقد جمع كل ما قيل فيه.
وقد أتضح أنه ليس فيما تجنوه على الغطريفي ما يضره وقال الذهبي في (الميزان) بعد حكاية ما قيل: «قلت: ثقة ثبت من كبار حفاظ زمانه» .
وقال في (تذكرة الحفاظ) : «الحافظ المتقن الإمام ... من علماء المحدثين ومتقنيهم صواما قواما صالحا ثقة»
١٨٧- محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق يعرف بابن رزق وبأبي رزقويه . قال الأستاذ ص ٣٢: «إنما لازمه الخطيب بعد أن هرم وكف بصره والكفيف لا يؤخذ عنه إلا ما يحفظه عن ظهر القلب ... والإكثار عن مثل هذا الضرير لا يصدر إلا من المتساهلين ... » .
أقول: قد حقق الخطيب نفسه هذه القضية في (الكفاية) ص ٢٢٦ - ٢٢٩ وص ٢٥٨ - ٢٥٩ وذكر هنالك من كان يروي من كتبه بعد ما عمي ومنهم يزيد بن هارون وأبو معاوية محمد بن حازم وعبد الرزاق. والذين حكى عنهم المنع من ذلك اعتلوا بخشية أن يزاد في كتاب الأعمى وهو لا يدري. وغيرهم يقول:
стр. 598
المدار في هذا الأمر على الوثوق فإذا كان الضرير واثقا بحفظ كتابه ثم قرأ عليه منه ثقة مأمون متيقظ فقد حصل الوثوق وقد استغنى أهل العلم منذ قرون بالوثوق بصحة النسخة فمن وثق بصحة نسخة كان له أن يحتج بما فيها كما يحتج به لو سمعه من مؤلف الكتاب.
والخطيب كما يعلم من (تاريخه) غاية في المعرفة والتيقظ والاحتياط فإذا وثق بأن كتب ابن رزق محفوظة ثم دفع إليه ابن رزق كتابا منها فرأي سماعه فيه صحيحا وعلم أنه قد رواه مرارا قبل عماه فقد حق له أن يحتج بما يجد فيه وإن لم يقرأه هو أو غيره بحضرته على ابن رزق فكيف إذا وفي الحجة بقراءته عليه؟ بل إذا تدبرت علمت أن الوثوق بهذا أمتن من الوثوق بما يرويه الرجل من حفظه فإن الحفظ خوان.
وقد رأيت في (تاريخه) ج ٩ ص ٣٠٩: «دفع إلي ابن رزق أصل كتابه الذي سمعه من مكرم ابن أحمد القاضي فنقلت منه ثم أخبرنا الأزهري أخبرنا عبد الله بن عثمان أخبرنا مكرم ... » فذكر خبرا؛ وهذا مما يبين تحري الخطيب وتثبته. وفوق ذلك فعامة ما رواه الخطيب عن ابن رزق في ترجمة أبي حنيفة إنما هو من كتاب مصنف للآبار وجل الاعتماد في مثل هذا على صحة النسخة كما تقد في ترجمة الحسن بن الحسين.
١٨٨- محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الآدمي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٥: أخبرنا البرقاني حدثني محمد بن أحمد بن محمد الأدمي حدثنا محمد بن علي الأيادي حدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا بعض أصحابنا قال: قال ابن إدريس: إني لأشتهي من الدنيا أن يخرج من الكوفة أبي حنيفة وشرب المكسر وقراءة حمزة» .
قال الأستاذ ص ١٢٧: «ترى البرقاني يصف نفسه في صف هؤلاء فيروي عن مثل الآدمي ... راوي (العلل) للساجي وهو لم يكن صدوقا يسمع لنفسه في كتب لم يسمعها وكان بذيء اللسان كما سبق من الخطيب ... وواضع الحكاية على لسان ابن إدريس وقح قليل الدين يجمع بين شرب المسكر وبين الفقه والقراءة المتواترة» .
стр. 599
أقول: لفظ الخطيب في ترجمة الآدمي ج١ ص ٣٤٩: «قال لي أبو طاهر حمزة بن محمد ابن طاهر الدقاق: لم يكن الآدمي هذا صدوقا في الحديث كان يسمع لنفسه في كتب لم يسمعها.
فسألت البرقاني عن الآدمي فقال لي: ما علمت إلا خيرا وكان شيخا قديما ... . غير أنه كان يطلق لسانه في الناس ويتكلم في ابن مظفر والدارقطني» .
فعدم التفات البرقاني إلى كلام حمزة يدل على أنه لم يعتد به لأن حمزة لم يبين أي كتاب الحق الآدمي سماعه فيه ولم يسمعه ومن أين علم حمزة أنه لم يسمعه؟ وقول البرقاني: «غير انه كان يطلق لسانه ... » كأنه قصد بها أن الآدمي كان يتكلم في الناس فتكلم بعضهم فيه ومثل هذا يقع فيه التجوز والتسامح فلا يعتد به إلا مفسرا محققا مثبتا.
ومع هذا فالخبر في كتاب (العلل) للساجي ولم يكن البرقاني ليسمع الكتاب من الآدمي حتى يثق بصحة سماعه وبصحة النسخة فهب أن البرقاني أو الخطيب قال: «قال الساجي في (العلل) ... » أل يكفي هذا للحجة؟ وقد كان يكفي الأستاذ أن يقول: شيخ الساجي لا يدري من هو.
ولكنه يأبى إلا التطويل والتهويل.
وزعمه أن الحكاية موضوعة مجازفة منه وكلام أئمة السنة في ذلك العصر في قول أبي حنيفة متواتر حق التواتر وكلام جماعة منهم في قراءة حمزة مشهور والقرآن متواتر حقا
فأما وجوده الأداء التي تفرد بها حمزة فالأئمة الذين أنكروها لا يعلمون صحتها فكيف تواترها؟ وراجع ترجمة حمزة في (الميزان) .
١٨٩- محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الشافعي أبو عبد الله .
هكذا نسبه صاحبه الربيع كما في صدر كتاب (الرسالة) وأسنده إليه الخطيب في (تاريخ بغداد) والسند إليه بغاية الصحة.
وهكذا نسبه صاحبه الزعفراني كما تراه عنه من وجهين في (توالي التأسيس) ص ٤٤؛ وهكذا نسبه الإمام أبو محمد
стр. 600
عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في (كتابه) ج ٣ ص ٢٠١.
وهكذا نسبه أحمد بن محمد بن عبيد العدوي النسابة رواه عنه زكريا الساجي في (مناقب الشافعي) كما في (توالي التأسيس) أيضا و (تاريخ بغداد) .
وقال ابن النديم في (الفهرست) ص ٢٩٤: «قرأت بخط أبي القاسم الحجازي في كتاب (الأخبار الداخلة في التاريخ) أنه أبو عبد الله محمد بن إدريس من ولده شافع بن السائب بن عبيد ... » كما مر.
وقال أبو عمر بن عبد البر في (الانتقاء) ص ٦٦: «لا خلاف علمته بين أهل العلم والمعرفة بأيام الناس من أهل السير والعلم بالخبر والمعرفة بأنساب قريش وغيرها من العرب وأهل الحديث والفقه أن الفقيه الشافعي ﵁ هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد ... » كما مر.
وقال ابن أبي حاتم في (كتابه) : «حدثني أبو بشر بن أحمد بن حماد الدولابي نا أبو بكر بن إدريس قال: سمعت الحميدي يقول: كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة فقال لي ذات يوم: ههنا رجل من قريش له بيان ومعرفة
قلت: ومن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي، -وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق - فلم يزل بي حتى اجترني إليه فجلسنا إليه ودارت مسائل فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ ألا ترضى أن يكون رجل من قريش له هذه المعرفة وهذا البيان؟ ... » . الدولابي حافظ حنفي فيه مقال ومثله لا يهتم في هذا وشيخه هو وراق الحميدي ثقة والحميدي قرشي إمام.
وفي أوائل (سنن الشافعي) التي رواها الطحاوي عن المزني صاحب الشافعي بسندين إلى الطحاوي قال: «حدثنا ... المزني في ذي القعدة من سنة ٢٥٢ قراءة منه علينا قال: حدثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس المطلبي الشافعي ... » والذين ذكروا الشافعي وأثنوا عليه بأنه قريش أو مطلبي من أقرانه والذين يلونهم كثير وقد جاء عنه أنه لما حمل إلى بغداد ناظر محمد بن الحسن فاستعلى عليه فبلغ ذلك هارون الرشيد فأعجبه وقال: «صدوق الله ورسوله قال رسول الله ﷺ : تعلموا من