الناس عن مالك حتى رواه سويد بن سعيد عن مالك فقال: «عن الزهري عن أنس عن أبي بكر أن النبي ﷺ ... » فأنكر على سويد حتى قال ابن معين لما ذكر له هذا: «لو أن عندي فرسا خرجت أغزوه»
وممن رواه عن سويد أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي فأستنكره الناس فأبرز الصوفي أصله العتيق ثم تبين أن جماعة رووه عنه سويد كذلك. ثم رواه الغطريفي إما عن الصوفي كما يظهر من بعض العبارات وإما عن صاعد وابن مظاهر عن الصوفي كما يظهر من بعضها قال حمزة السهمي في ترجمة الغطريفي من (تاريخ جرجان) ص ٣٨٧: «وقد أنكروا على أبي أحمد الغطريفي ﵀ حيث روى حديث مالك ... وكان يذكر أن ابن صاعد وابن مظاهر أفاده عن الصوفي هذا الحديث ولا يبعد أن يكون قد سمع إلا أنه لم يخرج أصله وقد حدث غير واحد من المتقدمين والمتأخرين هذا الحديث عن الصوفي ... » وفي (تاريخ بغداد) ج ٤ ص ٨٣: «أخبرنا البرقاني قال: سألت أبا بكر الإسماعيلي عن حديث الصوفي ... أهدى رسول الله ﷺ جملا لأبي جهل؟ فقال لي: حدثناه بحضرة ابن صاعد وابن مظاهر فاختلفا فيه ... فأخرج الصوفي أصله العتيق فكان كما قال.
قال البرقاني: وحدثناه عن الصوفي أيضا أبو أحمد الغطريفي كذلك وذكر القصة نحو هذا» . والإسماعيلي إمام وكذلك البرقاني وكان الغطريفي رفيق الإسماعيلي في الطلب ثم كان نازلا في بيته وروى عنه الإسماعيلي في (الصحيح) أحاديث كثيرة وسئل عنه فقال: «ما علمته إلا صواما قواما» .
وكان الذين أنكروا عليه الحديث توهموا أنه تفرد به وقد أتضح خطأهم في ذلك. فأما عدم إبرازه أصله فلا يضره إذا قد يكون قصر فلم يكتبه أو كتبه وغاب عنه أصله أو لم يعثر عليه حينئذ فإنه كان مكثرا جدا وأما تحديثه ب (مسند إسحاق) من غير أصله فمسند إسحاق كتاب مصنف محفوظ مروي فإذا لم يصل إلى أصله الذي سمع فيه ووصل إلى نسخة أخرى يثق بمطابقتها لأصله لم يكن عليه حرج في ذلك وإنما المحذور أن يحدث الرجل من كتاب لا يثق بمطابقته لأصله. وأما أحاديثه عن ابن سريج فإنما قال حمزة: «لا أعلم روى عنه غيره» يعني تلك الأحاديث لم يستنكر حمزة شيئا منها وابن سريج كان بابه الفقه،
стр. 597
ولم يكن يبذل نفسه لإملاء الحديث وكان الغطريفي مولعا بالإكثار واستيعاب ما عند الشيخ كما في ترجمته من (تذكرة الحفاظ) : «سمع أبا خليفة حتى استوعب ما عنده» فكأنه ألح على ابن سريج حتى أخذ ما عنده ولم يكن غيره يحرص على السماع من ابن سريج لأنه لم يكن مكثرا من الحديث ولا متجردا له ولا عالي الإسناد فإنه مات وعمره بضع وخمسون سنة على أنه يحتمل أن يكون غير الغطريفي قد روى عن ابن سريج تلك الأحاديث ولم يعلم حمزة.
وأما حكاية الاختلاط فقد ردها العراقي وذكر أن المختلط رجل آخر غير الغطريفي. ولو كان هناك اختلاط أو شبهه لتعرض له حمزة في (تاريخ جرجان) فإنه بلدي الغطريفي وصاحبه وقد جمع كل ما قيل فيه.
وقد أتضح أنه ليس فيما تجنوه على الغطريفي ما يضره وقال الذهبي في (الميزان) بعد حكاية ما قيل: «قلت: ثقة ثبت من كبار حفاظ زمانه» .
وقال في (تذكرة الحفاظ) : «الحافظ المتقن الإمام ... من علماء المحدثين ومتقنيهم صواما قواما صالحا ثقة»
١٨٧- محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق يعرف بابن رزق وبأبي رزقويه . قال الأستاذ ص ٣٢: «إنما لازمه الخطيب بعد أن هرم وكف بصره والكفيف لا يؤخذ عنه إلا ما يحفظه عن ظهر القلب ... والإكثار عن مثل هذا الضرير لا يصدر إلا من المتساهلين ... » .
أقول: قد حقق الخطيب نفسه هذه القضية في (الكفاية) ص ٢٢٦ - ٢٢٩ وص ٢٥٨ - ٢٥٩ وذكر هنالك من كان يروي من كتبه بعد ما عمي ومنهم يزيد بن هارون وأبو معاوية محمد بن حازم وعبد الرزاق. والذين حكى عنهم المنع من ذلك اعتلوا بخشية أن يزاد في كتاب الأعمى وهو لا يدري. وغيرهم يقول:
стр. 598
المدار في هذا الأمر على الوثوق فإذا كان الضرير واثقا بحفظ كتابه ثم قرأ عليه منه ثقة مأمون متيقظ فقد حصل الوثوق وقد استغنى أهل العلم منذ قرون بالوثوق بصحة النسخة فمن وثق بصحة نسخة كان له أن يحتج بما فيها كما يحتج به لو سمعه من مؤلف الكتاب.
والخطيب كما يعلم من (تاريخه) غاية في المعرفة والتيقظ والاحتياط فإذا وثق بأن كتب ابن رزق محفوظة ثم دفع إليه ابن رزق كتابا منها فرأي سماعه فيه صحيحا وعلم أنه قد رواه مرارا قبل عماه فقد حق له أن يحتج بما يجد فيه وإن لم يقرأه هو أو غيره بحضرته على ابن رزق فكيف إذا وفي الحجة بقراءته عليه؟ بل إذا تدبرت علمت أن الوثوق بهذا أمتن من الوثوق بما يرويه الرجل من حفظه فإن الحفظ خوان.
وقد رأيت في (تاريخه) ج ٩ ص ٣٠٩: «دفع إلي ابن رزق أصل كتابه الذي سمعه من مكرم ابن أحمد القاضي فنقلت منه ثم أخبرنا الأزهري أخبرنا عبد الله بن عثمان أخبرنا مكرم ... » فذكر خبرا؛ وهذا مما يبين تحري الخطيب وتثبته. وفوق ذلك فعامة ما رواه الخطيب عن ابن رزق في ترجمة أبي حنيفة إنما هو من كتاب مصنف للآبار وجل الاعتماد في مثل هذا على صحة النسخة كما تقد في ترجمة الحسن بن الحسين.
١٨٨- محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الآدمي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٥: أخبرنا البرقاني حدثني محمد بن أحمد بن محمد الأدمي حدثنا محمد بن علي الأيادي حدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا بعض أصحابنا قال: قال ابن إدريس: إني لأشتهي من الدنيا أن يخرج من الكوفة أبي حنيفة وشرب المكسر وقراءة حمزة» .
قال الأستاذ ص ١٢٧: «ترى البرقاني يصف نفسه في صف هؤلاء فيروي عن مثل الآدمي ... راوي (العلل) للساجي وهو لم يكن صدوقا يسمع لنفسه في كتب لم يسمعها وكان بذيء اللسان كما سبق من الخطيب ... وواضع الحكاية على لسان ابن إدريس وقح قليل الدين يجمع بين شرب المسكر وبين الفقه والقراءة المتواترة» .
стр. 599
أقول: لفظ الخطيب في ترجمة الآدمي ج١ ص ٣٤٩: «قال لي أبو طاهر حمزة بن محمد ابن طاهر الدقاق: لم يكن الآدمي هذا صدوقا في الحديث كان يسمع لنفسه في كتب لم يسمعها.
فسألت البرقاني عن الآدمي فقال لي: ما علمت إلا خيرا وكان شيخا قديما ... . غير أنه كان يطلق لسانه في الناس ويتكلم في ابن مظفر والدارقطني» .
فعدم التفات البرقاني إلى كلام حمزة يدل على أنه لم يعتد به لأن حمزة لم يبين أي كتاب الحق الآدمي سماعه فيه ولم يسمعه ومن أين علم حمزة أنه لم يسمعه؟ وقول البرقاني: «غير انه كان يطلق لسانه ... » كأنه قصد بها أن الآدمي كان يتكلم في الناس فتكلم بعضهم فيه ومثل هذا يقع فيه التجوز والتسامح فلا يعتد به إلا مفسرا محققا مثبتا.
ومع هذا فالخبر في كتاب (العلل) للساجي ولم يكن البرقاني ليسمع الكتاب من الآدمي حتى يثق بصحة سماعه وبصحة النسخة فهب أن البرقاني أو الخطيب قال: «قال الساجي في (العلل) ... » أل يكفي هذا للحجة؟ وقد كان يكفي الأستاذ أن يقول: شيخ الساجي لا يدري من هو.
ولكنه يأبى إلا التطويل والتهويل.
وزعمه أن الحكاية موضوعة مجازفة منه وكلام أئمة السنة في ذلك العصر في قول أبي حنيفة متواتر حق التواتر وكلام جماعة منهم في قراءة حمزة مشهور والقرآن متواتر حقا
فأما وجوده الأداء التي تفرد بها حمزة فالأئمة الذين أنكروها لا يعلمون صحتها فكيف تواترها؟ وراجع ترجمة حمزة في (الميزان) .
١٨٩- محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الشافعي أبو عبد الله .
هكذا نسبه صاحبه الربيع كما في صدر كتاب (الرسالة) وأسنده إليه الخطيب في (تاريخ بغداد) والسند إليه بغاية الصحة.
وهكذا نسبه صاحبه الزعفراني كما تراه عنه من وجهين في (توالي التأسيس) ص ٤٤؛ وهكذا نسبه الإمام أبو محمد
стр. 600
عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في (كتابه) ج ٣ ص ٢٠١.
وهكذا نسبه أحمد بن محمد بن عبيد العدوي النسابة رواه عنه زكريا الساجي في (مناقب الشافعي) كما في (توالي التأسيس) أيضا و (تاريخ بغداد) .
وقال ابن النديم في (الفهرست) ص ٢٩٤: «قرأت بخط أبي القاسم الحجازي في كتاب (الأخبار الداخلة في التاريخ) أنه أبو عبد الله محمد بن إدريس من ولده شافع بن السائب بن عبيد ... » كما مر.
وقال أبو عمر بن عبد البر في (الانتقاء) ص ٦٦: «لا خلاف علمته بين أهل العلم والمعرفة بأيام الناس من أهل السير والعلم بالخبر والمعرفة بأنساب قريش وغيرها من العرب وأهل الحديث والفقه أن الفقيه الشافعي ﵁ هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد ... » كما مر.
وقال ابن أبي حاتم في (كتابه) : «حدثني أبو بشر بن أحمد بن حماد الدولابي نا أبو بكر بن إدريس قال: سمعت الحميدي يقول: كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة فقال لي ذات يوم: ههنا رجل من قريش له بيان ومعرفة
قلت: ومن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي، -وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق - فلم يزل بي حتى اجترني إليه فجلسنا إليه ودارت مسائل فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ ألا ترضى أن يكون رجل من قريش له هذه المعرفة وهذا البيان؟ ... » . الدولابي حافظ حنفي فيه مقال ومثله لا يهتم في هذا وشيخه هو وراق الحميدي ثقة والحميدي قرشي إمام.
وفي أوائل (سنن الشافعي) التي رواها الطحاوي عن المزني صاحب الشافعي بسندين إلى الطحاوي قال: «حدثنا ... المزني في ذي القعدة من سنة ٢٥٢ قراءة منه علينا قال: حدثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس المطلبي الشافعي ... » والذين ذكروا الشافعي وأثنوا عليه بأنه قريش أو مطلبي من أقرانه والذين يلونهم كثير وقد جاء عنه أنه لما حمل إلى بغداد ناظر محمد بن الحسن فاستعلى عليه فبلغ ذلك هارون الرشيد فأعجبه وقال: «صدوق الله ورسوله قال رسول الله ﷺ : تعلموا من
стр. 601
قريش ولا تعلموها وقدموا قريش ولا تؤخروها ... .»
كما في (توالي التأسيس) ص ٧٠ وفيها ص ٤٧ من وجه آخر عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي: «ناظر الشافعي محمد بن الحسن فبلغ الرشيد فقال: أما علم محمد أن النبي ﷺ قال: قدموا قريشا فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض» .
وفيها ص ٦٠: «وقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي وهو من كبار الأئمة: تصفحنا أخبار الناس فلم نجد بعد الصدر الأول من هذه الأمة أو ضح شأنا ولا أبين بيانا ولا أفصح لسانا من الشافعي مع قرابته من رسول الله ﷺ »
وقال بعد قليل: «وقال داود بن علي الأصبهاني فيما أخرجه البيهقي من طريقه قال: اجتمع للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره فأول ذلك شرف نسبه ومنصبه وأنه من رهط النبي ﷺ » .
وفيها ص ٦١: «وأخرج الحاكم من طريق داود بن علي قال في مسألة ذكرها: هذا قول مطلبينا الشافعي الذي علاهم بنكته وقهرهم بأدلته وباينهم بشهامته وظهر عليهم بحمازته، التقي في دينه النقي في حسبه الفاضل في نفسه المتمسك بكتاب ربه المقتدي قدوة رسوله الماحي لآثار أهل البدع الذاهب بجمرتهم الطامس لسنتهم فأصبحوا كما قال تعالى: ﴿فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا﴾ » ومثل هذا من الثناء عليه بأنه قرشي أو مطلبي أو من رهط النبي ﵌ كثير وهذا ابن دريد يقول في مرثيته:
لرأى ابن إدريس ابن عم محمد ... ضياء إذا ما أظلم الخطب صادع
وفي (تاريخ البخاري) ج ١ قسم ١ ص ٢٤٢: «محمد بن مسافع بن مساور ... وقال سعيد بن سليمان: محمد بن شافع بن السائب بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن. عبد مناف» وذكروا في الصحابة عبد الله بن السائب بن عبيد بن يزيد بن هاشم بن المطلب. وفي (توالي التأسيس) ص ٥: «أخرج الحاكم
стр. 602
من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمه سمعت مسلم ابن الحجاج يقول: عبد الله بن السائب كان والي مكة وهو أخو شافع بن السائب جد محمد ابن إدريس الشافعي ... » .
وقال الشافعي في (الأم) ج ٧ ص ٢٥٠: «قال لي قائل ينسب إلى العلم بمذهب أصحابه: أنت عربي والقرآن نزل بلسان من أنت منهم ... » وقال في وصيته المثبتة في (الأم) ج ٤ ص ٤٩ «وأوصي لفقراء آل شافع بن السائب بأربعة أسهم ... » .
وقال في (الأم) ج ٤ ص ٣٨ ونحوه في (مختصر المزني) بهامش الأم ج ٣ ص ١٩٣ ... فماذا كان المعروف عند العامة أن من قال من قريش: لقرابتي - لا يريد جميع قريش ... فينظر إلى القبيلة التي ينسب إليها فيقال: من بني عبد مناف، ثم يقال: قد يتفرق بنو عبد مناف فمن أيهم؟ فبقال: من بني المطلب، فيقال: أفيتميز هؤلاء؟ قيل: نعم، هم قبائل، قيل فمن أيهم؟ قيل: نعم هم بنو السائب بن عبيد ابن عبد يزيد، قيل: وبنو شافع وبنو علي وبنو عباس، وكل هؤلاء من بني السائب، فإن قيل: أفيتميز هؤلاء؟ قيل: نعم، كل بطن من هؤلاء يتميز عن صاحبه، فإذا كان من آل شافع فقال: لقرابته، فهو لآل شافع دون آل علي وآل عباس ... » .
فالشافعي ومن أدركه وأقرانه وأصحابه ومن جاء بعدهم إلى نحو مائتي سنة بعد الشافعي - ما بين ناسب له ولمن عرف من أهل بيته بالعلم كعمه محمد بن علي بن شافع، ومحمد بن العباس ابن عثمان بن شافع وابنه إبراهيم وغيرهم هذا النسب تفضيلاً أو إجمالاً، وبين سامع له غير منكر. ولو كان الانتساب إلى قوم من الأعاجم لقد كان يجوز أن يقال: يمكن أن يكون الرجل - إن كان أهلاً أن يتوهم فيه الكذب - نسب نفسه بدون تحقيق فاتفق أن تغافل أهل المعرفة عن الإنكار عليه، أما العجم فلعدم اعتداد مسلميهم بأنسابهم وإنما كانوا ينتسبون إلى مواليهم من العرب، وأما العرب فلا يهمهم أن ينتسب الأعجمي إلى من شاء من العجم، وقريب من هذا لو انتسب إلى قبيلة خاملة من العرب، ولم يكن له هو من النباهة ما
стр. 603
يحمل كثيرا من الناس على حسده ومنافسته فيدعوهم إلى مناقشته، فهل يسوغ ذو عقل مثل هذا في رجل يقوم في القرن الثاني فيدعى لعشيرته كامله أنها من العرب ثم مر قريش ثم من بني عبد مناف ثم من بني المطلب فيثبت لها بذلك حقا في الخلافة، وحقا في الفيء، وحقا في خمس الخمس، والكفاءة لبني هاشم، والخلفاء منهم، فلا يبقى بينها وبين بني هاشم فرق آي في الفضل مع أنها تشاركهم في نصيب منه لما في (الصحيحين) وغيرهما عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» وثبت عن فاطمة ﵍ أنها لما وقفت صدقتها جعلتها لبني هاشم وبني المطلب وكذلك فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقوم هذا الرجل في القرن الثاني فيدعي هذا ويعلنه ويلهج به عارفوه وأصحابه وجماعة من عشيرته ثم لا يثور عليه التكذيب والعقوبة من كثير من الجهات؟ بل ولا ينكر عليه أحد هذا مع أن الرجل بغاية من النباهة ولم يكن له ولا لأحد من أقاربه ما يهاب لأجله ويتقي من منصب في الدولة أو نحو ذلك وقد كان في مبدأ أمره ولي بعض الولايات وطار له صيت بالعدل والجود والقبول فنسب إليه ترشيح نفسه للخلافة فحمل إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد وجاء من غير وجه أنه خاطبه بقوله: نحن إخوتكم من بني المطلب فأنتم ترونا أخوة. هذا والعارفون بالأنساب ولا سيما نسب قريش في ذاك العصر كثير وللرجل حساد يحرقون عليه الأرم ومع ذلك قبل الناس دعواه ووفقوه عليها وأستمر الأمر على ذلك تسمع موافقته من كل جهة ولا يحس وجس بمخالفته إلى نحو مائتي عام.
ثم إذا كان بعد ذلك؟ ذاك متفقه حنفي ملأه غيظا تبجح الشافعية بأن إمامهم ابن عم رسول الله ﵌ فسولت له نفسه أن يحاول المكابرة في ذلك فلم يجد إلى ذلك سبيلا فلجأ إلى غير ملجأ فقال: إن أصحاب مالك لا يسلمون أن الشافعي من قريش بل يدعون أن شافعا كان مولى لأبي لهب فطلب من عمر ﵁ أن يجعله من موالي قريش فامتنع فطلب من عثمان ﵁ ففعل» فافتضح هذا القائل الظالم لنفسه فان أصحاب مالك - وإن كان فيهم من
стр. 604
هو حنق على الشافعي وأصحابه لا يعرفون قائلا منهم بهذه المقالة وهذا صاحبهم ابن عبد البر أعرف الناس بهم وبأحوالهم ومقالاتهم نقل الإجماع على نسب الشافعي كما سلف.
ولو أن ذلك الحنفي نسب تلك المقالة إلى إنسان معروف من المالكية لساغ احتمال أنه لم يكذب على ذلك المالكي وأن كذبه وإنما رأى في بعض الروايات أن الشافعي لما حمل إلى الرشيد كان معه رجل من آل أبي لهب ثم حاول أن يروج مقالته بما نسب إلى عمر فزادها فضيحة فهل كان عمر ينكر أن يكون بنو هاشم من قريش؟ أم كان ظالما جائرا يمنع المولى حقه الواضح؟
تذهب هذه الأضحوكة ذهاب ضرطة عير بالفلاة، وتمر على ذلك ثلاثمائة سنة أخرى تقريبا وإذا بحنفي آخر محترق يكتب كتيبا يضمنه أشياء في فضل أبي حنيفة وعيب سائر الأئمة ولاسيما الشافعي وخوفا من الفضيحة نحل الكتاب من لا وجود له فكتب عنوانه « (كتاب التعليم) لشيخ الإسلام عماد الدين مسعود بن شيبة ابن الحسين السندي» ثم رمى بالكتاب في بعض الخزائن فعثر الناس عليه بعد مدة فتساءل العارفون: من مسعود بن شيبة؟ لا يجدون له خبرا ولا أثرا إلا في عنوان ذاك الكتيب.
القضية مكشوفة إلا أنها صادفت هوى في نفوس بعض الحنفية فصار بعض مؤرخيهم وجامعي طبقاتهم ومناقبهم يذكرون مسعود بن شيبة وينقلون من ذاك الكتيب فاضطر الحافظ ابن حجر إلى أن يقيم لذلك وزنا ما فقال في (لسان الميزان) :
«مسعود بن شيبة ... مجهول لا يعرف عمن أخذ العلم ولا من أخذ عنه له مختصر سماه التعليم كذب فيه على مالك وعلى الشافعي كذبا قبيحا ... »
فيجئ الأستاذ الذي يصف نفسه كما في لوح كتابه الذي طبع بتصحيحه ومراجعته بأنه «الأمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير صاحب الفضيلة مولانا الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقا» فيحتج بذاك الكتيب المسمى ب (التعليم) ويذكر مسعود بن شيبة كعالم حقيقي ويزيد على ذلك فيقول في حاشية ص ٣ من التأنيب «وابن شيبة هذا جهلة ابن حجر فيما جهل مع أنه معروف عند الحافظ (؟) عبد القادر القرشي وابن دقاق المؤرخ والتقي المقريزي والبدر
стр. 605
العيني والشمس ابن طولون الحافظ وغيرهم فنعد صنيع ابن حجر هذا من تجاهلاته المعروفة - لحاجة في النفس - وقانا الله إتباع الهوى» كذا يقول هذا الظالم لنفسه وهو يعلم حق العلم أن هؤلاء الذين سماهم وكلهم متأخرون لم يعرفوا إلا ذاك الكتيب فتجاهلوا حلمه وذكروا مسعود بن شيبة بما أخذوه من ذاك الكتيب فإن كانت هذه معرفة فالحافظ ابن حجر لم ينكرها بل أثبتها في تلك الترجمة والداهية الدهياء أن يختم الأستاذ عبارته بقوله: «وقانا الله إتباع الهوى» أفليس هذا أشنع وأفظع وأدل على المكروه من قول شارب الخمر حين يشربها: باسم الله؟ !
يقع في ذلك الكتيب ما نقله عنه الأستاذ كما يأتي، تناسى الناس ذاك الكتيب إلا أماني كما سبق ومضت بعد ذلك قرابة سبعمائة سنة فينشأ الكوثري فيبعثر فظائع أصحابه علق على (انتقاء ابن عبد البر) حيث حكى ابن عبد البر الإجماع على نسب الشافعي قوله: «ومن زعم أن شافعا كان مولى لأبي لهب فطلب من عمر أن يجعله من موالي قريش فامتنع فطلب من عثمان ذلك ففعل فقد بعد عن الصواب وشذ عن الجماعة والتعويل عليه من بعض الحنفية والمالكية تعصب بارد ولهم أن يناقشوا في علمه لا في نسبه» .
وغرضه هنالك إنما هو محاولة الخدش في الإجماع الذي ذكره ابن عبد البر ولكن حاول المواربة وزعمه أن بعض الحنفية والمالكية عولوا على تلك الفرية فرية أخرى إنما رمي بها ذاك الحنفي المحترق على المالكية والمالكية براء منها فإن كان هناك من يسوغ أن يقال إنه عول عليها فهو الكوثري فقد قضي على نفسه بالتعصب البارد وذلك أخف ما ينبغي أن يقضي عليه به!
وقال في (التأنيب) ص ١٠٠ فما بعدها عند الذكر الموالي «حتى إن الشافعي منهم عند أهل العلم (؟) وعلق عليه في الحاشية مقاله ذاك الحنفي ثم قال: «ومنهم
стр. 606
من يعده في عداد موالي عثمان كما في (التعليم) لمسعود بن شيبة» وقد علمت حاله هذين ثم قال: «وكان الشافعي يعضه فقر مدقع في نشأته كما في كتب المناقب والصليب في قريش كان يتناول من الديوان في ذلك العصر ما يقيم به أوده» .
أقول: الذي يقوي سنده من تلك الحكايات ما روي عن الشافعي أنه قال: كنت يتيماً في حجر أمي ولم يكن لها مال وكان المعلم يرضى من أمي أن أخلفه إذا قام فلما جمعت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث أو المسألة وكانت دارنا في شعب الخيف فكنت أكتب في العظم فإذا كثر طرحته في جره عظيمة، والحكايات الأخرى في أسانيدها مقال وهي مع ذلك لا تزيد على هذا، وهذا لا يصدق عليه كلمة «يعضه فقره مدقع» فقد كانت له دار وكفاف في المطعم والملبس وإلا لما تركته أمه يطلب العلم بل كانت تسلمه في حرفة، فإن كان يصل إليه من الديوان شيء فلا ندري ما قدره وقد لا يكون يصل إليه شيء لأن الأمراء كانوا ظلمة يصرفون بيت المال في أغراضهم وشهو اتهم، وكان والد الشافعي كما تشير إليه بعض الروايات ممن خرج مع العلوية على العباسين ولذلك اضطر إلى الفرار بأهله من الحجاز إلى فلسطين حيث ولد الشافعي وكان الأمراء يتتبعون من كان كذلك بالقتل والسجن فضلا عن حرمان حقهم في بيت المال، وقد نال ذلك ذرية فاطمة ﵍ قال دعبل:
أرى فيأهم في غيرهم متقسما ... وأيديهم من فيئهم صفرات
وقال الكوثري في ما كتبه على (مغيث الخلق) : «لم أرى أحد قبل زكريا الساجي رفع نسب شافع إلى عبد مناف» .
أقول قد أريناك. قال: «والساجي متكلم فيه» مما لا يعتد به وهو أحد الإثبات كما مر في ترجمته.
قال: اختلاف الروايات في مسقط رأس الأمام الشافعي ... . وعدم ذكر ترجمه لوالديه ولا تاريخ لوفاتهما في (كتاب الثقات) مما يدعوا إلى التثبت في الأمر» !
أقول: أما الاختلاف في موضع ولادته فليس مما يدعوا إلى التشكك وهؤلاء أبناء فاطمة وأبناء العباس لم تتعرض التواريخ لمواضع ولادة كثير منهم إذ ليس ذلك
стр. 607
مما يهتم به فيحفظ الناس إلى الآن مختلفون في تاريخ وفاة النبي ﵌ ومولده وكان والد الشافعي مشردا مطردا بسبب خروجه مع العلويين فكان مختفيا بأهله في فلسطين حيث ولد له الشافعي والذين ذكروا موضع ولادة الشافعي إنما استندوا إلى أخباره , فأقوى الروايات عنه أنه قال «بعسقلان» وفي رواية عنه أنه قال «بغزة» فإن ثبتت هذه أيضا تبين أنه ولد بإحداهما وأطلق عليها في رواية أخرى اسم أخرى لأنها من مضافاتها أو ولد في قرية صغيرة بينهما أطلق عليها في أحدا الروايتين اسم هذه وفي الأخرى اسم الأخرى لأنها لا تعرف إلا باضافتها إلى إحداهما، فأما ما روي عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب من ذكر اليمين فلذلك أسوة بال أحاديث الكثيرة التي غلط فيها أحمد هذا الغلط الفاحش حتى اضطر أخيرا إلى الرجوع عنها ومع ذلك فقد تكلف بعضهم تأويل روايته المذكورة بما لا حاجة إلى ذكره.
وأما أنهم لم يذكروا ترجمة لوالدي الشافعي فلم يعرف أبوه بالعلم، وما كل قرشي حفظت له ترجمة ولعل الذين حفظت تراجمهم لا يبلغون عشر معشار الذين كانوا موجودين. وأما تاريخ الوفاة فالمحدثون إنما عنوا بتقيد وفيات الرواة لمعرفة اتصال الرواية عنهم وانقطاعها، وما أكثر الرواة المشاهير الذين لم تقيد وفياتهم والذين ذكرت وفياتهم منهم وقع في كثير منها الاختلافات المتباينة فأما والدا الشافعي فلم يتعانيا الرواية أصلا والأستاذ نفسه يتحقق هذا كله ولكن يأبى إلا الشعبذة على الجهال وقد عرف الناس تاريخ ولادة الشافعي وأن أباه توفي عقب ذلك بستة أو نحوها فأما أمه فعاشت إلى أن بلغ أبها مبلغ العلماء وجهزته حيث خرج إلى اليمن فولي فيها ما ولي قال الكوثري: «وعد شافع صحابيا أول من ذكره هو أبو الطيب الطبري» أقول: لم أر في المنقول ما يصرح بصحبته فهو على الاحتمال فإن كان ولد قبل وفاة النبي ﵌ فهو صحابي وإلا كفتنا صحبة أبيه. قال: «أول من عد السائب صحابيا من مسلمة بدر هو الخطيب في (تاريخه) بدون سند» .
أقول: في (الإصابة) «قال الزبير في (كتاب النسب) ولد عبيد بن عبد يزيد
стр. 608
السائب وكان يشبه بالنبي ﷺ وأسر يوم بدر وذكر ابن الكلبي أنه كان يشبه بالنبي وأخرج الحاكم في «مناقب الشافعي» من طريق أبي محمد أحمد بن عبد الله بن العباس بن عثمان بن نافع بن السائب قال: سمعت أبي يقول أشتكى السائب بن عبيد فقال عمر: أذهبوا بنا نعود السائب بن عبيد فأنه من مصاصة قريش قال النبي ﷺ حين أتى به وبعمه العباس هذا أخي.
وذكر في ترجمة شافع ما رواه الحاكم من طريق أيأس بن معاوية عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ ذات يوم في القسطاس إذ جاء السائب بن عبيد ومعه ابنه فقال من سعادة المرء أن يشبه أباه وذكروا في الصحابة عبد الله بن السائب كما تقدم، فالسائب صحابي حتماً ولا يهمنا أتقدم إسلامه أم تأخر وقد عدوا في الصحابة عبيداً والد السائب وعبد يزيد جده وعلى كل حال ففي أجداد الشافعي صحابي حتماً وقيل اثنان في نسق وقيل ثلاثة وقيل أربعة وقد قال الأستاذ ص ١٦٥: «على أن النبي ﷺ توفي عمن يزيد عددهم على مائة ألف من الصحابة ولم تحتوي الكتب المؤلفة في الصحابة عشر معشار ذلك فإذا لم ينص المتقدم على صحبة رجل فاستدركه من بعده لم يكن في ذلك ما يريب في صحته.
ثم قال الأستاذ: «وربما يعذرنا إخواننا الشافعية ... » .
أقول لا ريب أنهم إذا عرفوا الأستاذ وما يقاسيه من ذات نفسه يعذرونه في أنفسهم ويرحمونه، وإن كان ذلك لا ينفعه عند الله . وقد ضج الأستاذ ص ١٨ مما روي عن يزيد بن زريع: «كان أبو حنيفة نبطيا» فقال الأستاذ: «ومن ساق هذا الخبر الكاذب ليطعن في نسبة فهو لم يزل على خلال الجاهلية» مع أن الأستاذ يعرف من مذهبه أن العجم أكفاء بعضهم لبعض من جهة النسب، وليسوا أكفاء للعرب، وأن سائر العرب ليسوا أكفاء لقريش، ولعل النبط أقرب إلى الشرف الديني من الفرس!
وقال الكوثري ص ٤ من (التأنيب) : «ومن تابع الشافعي قائلا: إنه قرشي،
стр. 609
فله ذلك، لكن هذه الميزة لا توجب الرجحان في العلم. وفي (صحيح مسلم) : «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» . على أن هناك من العلماء من هو قرشي باتفاق فيفضل على من في قرشيته خلاف، لو كان هذا الأمر بالنسب» .
أقول: قد علمت الإجماع إلى نسب الشافعي مع الحجج الأخرى. فأما أن هذه الميزة لا توجب الرجحان في العلم، فإن أراد أنه لا يجب أن يكون كل قرشي أعلم من كل أعجمي مثلا فهذا حق لا يشتبه على أحد، وكذلك لا يجب أن يكون كل تابعي أعلم من كل ما يأتي بعده ولا كل من كثر أتباعه أعلم من كل من أقل منه أتباعا، وكذلك كل من أبطأ به عمله لا تسرع به تابعيته ولا كثرة أتباعه بل ذلك أضر عليه. وقد وضع الحديث في غير كوضعه، فإن الشافعي لم يبطئ به علمه وإنما ينبغي أن يذكر هنا حديث (الصحيحين) وغيرهما وفيه قوله ﷺ : «أفعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهو ا» .
ومن ذكر من أهل العلم في مزايا الشافعي أنه عربي قرشي مطلبي فلم يحتج بفضلية النسب من حيث هو نسب، ولكن من حيث ما هو مظنة، فإن ذلك يقتضي فضل معرفة بالدين الذي أنزله الله تعالى على النبي العربي بلسان عربي روعي فيه عقول العرب وإفهامهم وطباعهم، ويقتضي فضل محبة الدين وغيره وحرص على عدم الشذوذ عنه، فإن من أجتمع له الحق والهوى أشد لزوما للحق ممن جاء الحق خلاف هواه، وقد قال الله ﵎: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (البقرة:١٢٧) «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» «رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (البقرة - ١٢٧- ١٢٩) . وقال : «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَآخَرِينَ
стр. 610
مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (الجمعة ٢ - ٤) . فالأميون الذين بعث فيهم الرسول عليهم آيات الله وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة وكانوا من قبل في ضلال مبين هم العرب الذين أدركوا نبوته، علمهم مباشرة أو قريبا منها بأن أرسل إليهم رسولا، وهو ﷺ حي ينزل عليه الوحي، والآخرون الذين لم يلحقوا بهم قد نص القرآن أنهم «منهم» فهم ذريتهم، فأما ما روي أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الآخرين فسكت عنه ثلاثا ثم وضع يده على سلمان الفارسي وقال: «لو كان الإسلام بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء» فهذا لا يخالف الدلالة الواضحة من القرآن، وإنما سكت النبي ﷺ عن جواب السؤال لأن القرآن واضح بنفسه لمن تدبره ثم وضع يده على سلمان وقال ما قال على سبيل أسلوب الحكيم كأنه قال: الأولى أن يسأل السائل هل يختص الدين بالأميين الذين بعث فيهم الرسول مباشرة ومن يلحق بهم منهم؟ فأجاب ﷺ عن هذا السؤال المقدر.
فأما ما وقع في الرواية «رجال أو رجل» فشك من الراوي وأكثر الروايات «رجال» بلا شك لكن جاء حديث آخر «لو كان الدين عند بالثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال من أبناء فارس - حتى يتناوله» ولم يذكر في هذا الحديث قصة الآية لكن كلا الحديثين من رواية أبي هريرة فإن كان أصل الحديثين واحدا، واللفظ «رجل» فلا شبهة أنه كناية عن سلمان كما تعينه القرينة. وإن كانا حديثين فالرجل سلمان والرجال هو وآخرون، هذا هو المعنى الواضح لمن أراد أم يفهم المراد من الكتاب والسنة. وأما من يريد أن يجرهما إلى هواه فلا كلام معه.
والمقصود هنا أن الشافعي ممن نالته المزية التي دعا بها إبراهيم وإسماعيل وذكرت في الآيات، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله والفضل العظيم. وقال الله ﵎: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» آل عمران ٣٣ - ٣٤ وجاء في كتاب الله عدة آيات تدل على انقطاع الاصطفاء عن ذرية آل عمران وبقي في غيرهم من
стр. 611
آل إبراهيم، وفي (الإصحاح الثاني) من (سفر أرميا) في صدد توبيخه اليهود على ارتدادهم وعبادتهم الأصنام ما يدل على أن بني قيدار كانوا في عهدة ثابتين على ملة إبراهيم، قال: «لذلك أخاصمكم يقول الرب وبني بنيكم أخاصم فاعبروا جزائر كتيم وانظروا وأرسلوا إلى قيدار وانتبهو اجدا (١) وانظر هل صار مثل هذا هل بدلت أمة آله وهي ليست آلهة، أما شعبي فقد بدل مجده بما لا ينفع» . هكذا في النسخة المطبوعة بنيويورك سنة ١٨٦٧ م.
وبنو قيدار هم بنو إسماعيل ومنهم عدنان أبو قريش وجاء في (الصحيحين) وغيرهما (كالمستدرك) ج ٤ ص ٦٠٥ وغيره كما ترى تفصيل ذلك في (فتح الباري) «باب قصة خزاعة» وفي (الإصابة) ترجمة أكتم بن الجون ما يعلم منه أن عمر بن لحي أول من بدل دين إبراهيم أي والله أعلم في مكة ونواحيها، وعمرو هذا من اليمن على الراجح وليس من ذرية إسماعيل على الراجح، وكان في عصر كنانة، وفي (صحيح مسلم) وغيره من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم «فهذا يدل أن عمرو بن لحي استغوى بعض بني إسماعيل وثبت كنانة، ثم سرى التبديل إلى بعض ذرية كنانة، وثبت قريش فانفرد بالاحتراز عن التبديل أو عن الإغراق فيه، ثم سرى الفساد في ذرية قريش وانفرد هاشم بنحو ما انفرد به قريش، فكان بنو هاشم أقرب الناس إلى الحق حتى اصطفى الله تعالى رسوله منهم، وقد تقدم قوله ﷺ : «بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» ، افترق بنو عبد مناف فانضم بنو نوفل إلى عبد شمس وانضم بنو المطلب إلى بني هاشم فكانوا معه ودخلوا معهم شعب أبي طالب لما فاطعن قريش بني هاشم بسبب النبي ﷺ ، ثم بقوا مع بني هاشم في الإسلام، وبقوا
стр. 612
معهم بعد النبي ﷺ ، ولما افترق بنو هاشم، انضم بنو المطلب إلى ألصق الفريقين بالنبي ﷺ وهم بنوا ابنته وكان والد الشافعي معهم فلما أصيبوا فر إلى فلسطين حيث ولد له الشافعي، فالشافعي من آل إبراهيم ثم من كنانة ثم من قريش ثم من بني المطلب الذين هم وبنو هاشم شيء واحد ثم ظهر في الإسلام أنهم ألصق بالنبي ﷺ من بعض بني هاشم، ثم فقه:
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل
بل قد يقال: إن الله تعالى اختص رسوله ﵌ وعشيرته بخصائص كثيرة فلا يكاد يوجد لغيرهم فضيلة إلا ولهم من جنسها ما هو أفضل، وهذه الأمة قد كادت تطبق على إتباع أربعة علماء فيهم رجل واحد من عشيرة النبي ﵌، فقضية ما تقدم أن يكون أكمل من بقية الأربعة. وقد ذكر بعضهم أن مذهب الشافعي هو مذهب أهل البيت لأنه من بني المطلب الذين كانوا وبني هاشم شيئا واحدا، ثم لما افترق بنو هاشم انضموا إلى ألصق الفريقين بالنبي ﵌، وكان بنو فاطمة في عصر تأسيس المذاهب مضطهدين مروعين لا يكاد أحد يتصل بهم إلا وهو خائف على نفسه فلم يتمكنوا من نشر علمهم كما ينبغي، وكان من أبناء الأعاجم قوم لهم منازع سياسية ضد الإسلام كانوا يتذرعون بإظهار التشيع للعلويين إلى أغراضهم فكذبوا على أئمة العلويين كذبا كثيرا، فاشتبه الأمر على كثيرا من أهل العلم، أما الشافعي فإنه تلقف العلم من أصحاب جعفر بن محمد بن علي الحسين وغيرهم، ثم تجرد للعلم وأعرض عن السياسة فصفا له الجو فأسس مذهبه فساغ أن يقال إن مذهبه هو مذهب أهل البيت. والذي لا ريب فيه أنه إن صح يسمى واحد من المذاهب الأربعة: مذهب أهل البيت فهو مذهب الشافعي، وأهل البيت أدرى بما فيه.
فصل
كما حاول الأستاذ أن يشكك في عربية الشافعي في نسبة كذلك حاول أن يتكلم
стр. 613
في عربيته في لسانه، فذكر حكايتين عن (كتاب التعليم) وقد عرفت حاله وذكر قضايا أخرى.
الأولى: أن الشافعي فسر قوله تعالى «أن لا تعولوا» بقوله: تكثر عيالكم.
أقول: نص الكسائي على أن من العرب الفصحاء من يقول: عال فلان - بمعنى كثر عياله. وكذلك جاء عن الأصمعي وغيره من الأئمة، ومع ذلك فعال يعول يأتي اتفاقا بمعنى الزيادة والكثرة كالعول في الفرائض، والآية تحتمل هذا الوجه أي أكثر أن لا تكثروا، ويكون المراد بدلالة السياق: يكثر عيالكم. أما الاعتراض بأن أكثر المفسرين فسروها بقولهم: أن لا تميلوا، فليس الكلام هنا في رجحان وجه على آخر، وإنما الكلام في قول الشافعي أخطأ هو في العربية أم صواب؟ وقد ثبت بما تقدم أنه ليس بخطأ في العربية، فغاية الأمر أن يقال هو خطأ في التفسير، وذلك لا يضرنا هنا لأن جماعة من الصحابة قد أخطأوا في بعض التفسير ولم يعد ذلك قادحا في فصاحتهم. ومع هذا فقد يرجح تفسير الشافعي بوجهين.
الأول: أن طاووس قرأ «أن لا تعيلوا» والمعنى على هذا حتما تكثر عيالكم، واتحاد المعنى على القراءتين أولى من اختلافه.
الوجه الثاني: أن سياق الآية «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا» (النساء:٣) ومعنى قولهم ذلك أدنى أن لا تميلوا، هو ذلك أدنى أن تعدلوا، وهذا قد علم من أول الآية فيكون تأكيدا، فإذا احتملت الآية ما قال الشافعي فهو أولى، لأن التأسيس أولى من التأكيد ن وقد صح نحو تفسير الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن اسلم رواه ابن جرير، ونسبة بعضهم إلى زيد بن أسلم نفسه.
الثانية: قال الأستاذ «قوله: حارة في تفسير «موصدة» ... مع أنها بمعنى محيطة
стр. 614
بلا خلاف» .
أقول: لم أجد هذا التفسير عن الشافعي. وقول الكوثري: «بمعنى محيطة بلا خلاف»
غلط بل منهم من قال: مطبقة، ومنهم من قال: مغلقة. فان صح ما نسب إلى الشافعي فهو من التفسير باللازم المقصود لأنها إنما تطبق أو تغلق ليشتد حرها.
الثالثة: قال: «وقوله: معلمي الكلاب - في تفسير «مكلبين» مع أنه بمعنى مرسلي الكلاب» !.
أقول: المعروف في اللغة والتفسير ما قال الشافعي.
الرابعة: قال: «وقوله: فحل الإبل والبقر - في تفسير الفحل في قول عمر ﵁: لا شفعة في البئر ولا في الفحل. مع أنه فحل النخل» .
أقول: يرد هلي هذا أمور:
الأول: أنه مطالب بتصحيح النسبة إلى الشافعي.
الثاني: أن الأثر مروي عن عثمان لا عن عمر.
الثالث: أنه لو صح ذلك عن الشافعي لكان دليلاً على فصاحته لأن لفظ «فحل» يطلق على الإبل والبقر بلا خلاف، فأما في النخل فالمعروف أن يقال «فحال» بل قال بعضهم لا يقال فيه إلا فحال كما في (النهاية) .
الخامسة: قال: «وقوله في التصرية أنها من الربط مع أنها من جمع الماء في الحوض ... »
أقول: عبارة الشافعي كما في (مختصر المزني) بهامش (الأم) ج ٢ ص ١٨٤ وغيره «التصرية أن تربط إخلاف الناقة أو الشاة ثم تترك من الحلاب اليوم واليومين والثلاثة حتى يجتمع بها لبن ... » . وهذه العبارة إنما تعطي أن حقيقة التصرية هي ما يحصل من مجموع تلك الأمور: الربط، وترك الحلاب مدة، واجتماع اللبن. فأما
стр. 615
اشتقاق الكلمة أمن الصر وهو الربط، أم من الصري وهو الاجتماع، فهذا لا علاقة له بكلام الشافعي، أولا: لأنه في مقام بيان المعنى لا الاشتقاق، ثانيا: لأنه قد ذكر الاجتماع كما ذكر الربط. وربط الإخلاف لازم التصرية في عادة العرب وذلك أنها إذا لم تربط رضعها ولدها، أو حلبها محتاج، وكان العرب يتسامحون في حلب إبل غيرهم إذا لم تكن مصراه، يعدون عدم تصريتها بمنزلة الإذن لمن يحتاج في حلبها قال الشاعر:
قد عاث ربك هذا الخلق كلهم ... بعام خصب فعاش الناس والنعم
وأبهلوا سرحهم من غير تودية ... ولا ديار ومات الفقر والعدم
يعني أرسلوها غير مصراه لاستغنائهم عن اللبن فلا يبالون أن ترضعها أولادها أو يجلبها من شاء وفي الحديث «لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم آن تؤتى مشربته فتكسر خزانته ... » وجاءت أحاديث أخرى بالإذن، منها حديث أبي سعيد مرفوعا: «إذا أتيت على راع فناده ثلاثا فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تفسد» . وجمع بعض أهل العلم بين الأحاديث بأن النهي محمول على المصراة، لأن تصريتها علامة على عدم الإذن، والآذن في غيرها لأن ترك التصرية دليل على الآذن، وهذا أقوى ما تحمل عليه الأحاديث، وفيها إشارة إليه لقوله في الأول «فتكسر خزانته» والكسر إنما يكون إذا كانت مغلقة وإغلاق صرع الناقة هو تصريته، فأما غير المصراة فهي شبيهة بالخزانة المفتوحة، ولقوله في الحديث الآخر «من غير أن تفسد» ، وحل الرباط إفساد.
والمقصود هنا أن الربط كان من لازم التصرية في عادتهم فكانت حقيقة التصرية إنما تحصل بالربط والترك مدة واجتماع اللين كما قال الشافعي. وذكر بعض أئمة اللغة أنه يجوز أن تكون المصراة أصلها المصررة أي المربوطة إلى آخر ما قال، ولا حاجة بعبارة الشافعي إلى هذا كما علمت.
السادسة: قال: «وقوله في تفسير الفهر في قول عمر: كأنهم اليهود قد خرجوا من فهرهم - البيت المبنى بالحجارة الكبار، مع أنه موضع عبادتهم أو اجتماعهم
стр. 616
ودرسهم مطلقا سواء كان في بنيان أو صحراء» .
أقول عليه في هذا أمور:
الأول: أنه مطالب بتثبيت النسبة إلى الشافعي.
الثاني: أن الأثر منسوب إلى علي كما في (نهاية ابن الأثير) لا إلى عمر، ولفظه في النهاية «خرجوا من فهو رهم» .
الثالث: قوله: «مطلقا ... » لم أجدها في كتب اللغة والغريب ن وراجع مفردات الراغب ليتبين لك كثرة الكلمات التي يطلق تفسيرها في كتب اللغة وحقها التقييد.
الرابع: كلمة «خرجوا من» ظاهرة في التقييد بالبيان.
الخامس: أنه قد أختلف في تفسير الفهر فقيل: مدارس اليهود يجتمعون إليه في عيدهم وقيل يوم يأكلون فيه ويشربون، فقول القائل: البيت المبني أن الصواب غيره دل ذلك على أنه يعرف معنى الكلمة وإنما قال باجتهاده وهذا لا يدل على عدم فصاحته، فإنه ليس من شرط الفصيح أن يعرف معاني جميع الألفاظ العربية فقد كانت تخفي على بعض الصحابة معاني بعض الكلمات من القرآن فيجتهدون ويقول كل منهم ما ظنه فيختلفون ويخطئ بعضهم وليس ذلك من عدم الفصاحة في شيء، ويتأكد هذا إذا كانت الكلمة أصلها من غير لغة العرب كهذه، فإنها نبطية أو عبرانية. ولا لوم على العربي الفصيح أن يخطئ» فزعم أن اليرندج ثوب ينسج، وقال آخر: «ولم تذق من البقول الفستقا» فزعم أن الفستق يقل، ولذلك نظائر معروفة.
السابعة: قال: «وصف الماء بالمالح مع أن الماء لا يوصف به وفي القرآن «ملح أجاج» وأما المالح فيوصف به نحو السمك» .
стр. 617
أقول: المعروف عن الأصمعي ومن تبعه أنه لا يقال لا في الماء ولا في السمك، وذكر ابن السيد في (الاقتضاب) ص ١١٦ ذلك ن ثم نقضه بعده حجج ثم قال: «وحكى علي ابن حمزة عن بعض اللغويين أنه ثقال: ماء ملح فإذا وصف الشيء بما فيه من الملوحة قلت: سمك مالح، وبقلة مالحة، قال ولا يقال: ماء مالح، لأن الماء هو الملح بعينه، وهذا قول غير معروف، وهو مع ذلك مخالف للقياس، لأن صفة الماء بأنه مالح أقرب إلى القياس من وصف السمك، لأنهم قالوا: ملح الماء وأملح، فاسندوا غليه الفعل مكان يسند إلى الفاعل ولم يقل أحد: ملح السمك. إنما قالوا: ملحت السمك إذا جعلت فيها الملح» ثم قال: «وأنشد أبو زياد الأعرابي قال أنشدني أعرابي فصيح:
صبحن قوا والحمام واقع ... وماء قو مالح وناقع»
وفي (لسان العرب) عن ابن الأعرابي «ماء أجاج ... وهو الماء المالح» وعن الجوهري «ولا يقال: مالح، قال وقال أبوالدقيش: ماء مالح وملح» ثم قال: «قال ابن بري: قد جاء المالح في أشعار الفصحاء ... وقال عمر بن أبي ربيعة:
ولوتفلت في البحر والبحر مالح ... لصبح ماء البحر من ريقها عذبا
قال ابن بري: وجدت هذا البيت المنسوب إلى عمر بن أبي ربيعة في شعر أبي عيينة محمد ابن أبي صفرة ... » .
والحاصل أن قولهم: ماء مالح - ثابت عن العرب الفصحاء نصا، وثابت قياسا، لكن أكثر ما يقولون: ملح - ولما غلب على ألسنة الناس في عصر الشافعي: مالح. أتى بها الشافعي في كتبه لأنه كان يتحرى التقريب إلى إفهام الناس كما يأتي عن صاحبه الربيع، ومع هذا فقد شهد جماعة للشافعي بأنه من الفصحاء الذين يحتج بقولهم فيكون قوله حجة على صحة الكلمة، فإن تنازلنا وسلمنا أن الشافعي مختلف في فصاحته قلنا فالكلمة مختلف في صحتها، فحقها إن لم يقم دليل على صحتها أن
стр. 618
لا يحتج على صحتها باستعمال الشافعي لها، ولا يطعن في فصاحته لاستعماله لها للاختلاف في الأمرين، فكيف إذا قام الدليل على صحة الكلمة من غير قوله، وقال الدليل علفى فصاحته؟ !
الثامنة: قال: «وقوله ثوب نسوي لفظة عامية» .
أقول: هذا أيضا لم يذكر ما يثبته عن الشافعي، ثم إن كان نسبة إلى النساء فهو الصواب كما قال سيبويه وغيره، وإن كان نسبة إلى (نسا) وهي البلدة المعروفة فهو القياس، وقول ياقوت: «والنسبة الصحيحة إليها نسائي وقيل نسوي أيضا وكان من الواجب كسر النون» فيه ما فيه.
التاسعة قال: «وقوله: العفريت - بالفتح - مما لم يقله أحد» .
أقول: ولا قاله الشافعي فيما نعلم، فيما قاله لعددناها لغة لبعض العرب.
العاشرة: قال: «وقوله: أسليت الكلب - بمعى زجرته، خطأ صوابه أن ذلك بمعنى أغريته كما قال ثعلب وغيره» أقول: لم يكف هذا الأنوك (١) أن كذب على الشافعي حتى كذب على ثعلب وغيره، والموجود في كتب استعماله بمعنى الأعزاء، وثعلب إنما زعم أنه بمعنى أن تدعوه إليك، قال: فأما الإغراء فإنمات يقال: آسدته» . وصحح غيره مجيئه في المعنيين.
العاشرة: قال: «وقوله في (مختصر المزني) : وليست الأذنان من الوجه فيغسلان - والصواب: فيغسلا» .
أقول: عليه في هذا أمور:
الأول: أن النصب في مثل هذا مرجوع أو ممتنع وفي (الهمع) ج ٢
стр. 619
ص ١٢: «وإن تقدمت جملة اسمية نحو: ما زيد قائم فيحدثنا - فأكثر النحويين على أنه لا يجوز النصب لأن الاسمية لا تدل على المصدر» وذهب طائفة إلى جوازه، وقال أبوحيان: الصحيح الجواز بشرط أن يقوم مقام الفعل ظرف أو مجرور ... ، فإن قيل: فإن «ليس» فعل، قلت: جامد لا يدل على المصدر، فأما دلالتها على النفي فكدلالة «ما» فإن «ليس» فعل، قلت: جامد لا يدل على المصدر، فأما دلالتها على النفي فكدلالة «ما» . بل قال جماعة: إن النصب بعد الفاء لا يجب بحال قال الرضي في (شرح الكافية) ج ٢ ص ٢٤٥: «وقد يبقى ما بعد فاء السببية على رفعه قليلا كقوله تعالى: «ولا يؤذن لهم فيعتذرون» وقوله ألم تسأل الربع القواء فينطبق - وقوله - لم تدر ما جزع عليك
فتجزع - جاء جميع هذا على الأصل ومعنى الرفع فيه كمعنى النصب لونصب ... جاز لك أن لا تصرف في المواضع المذكورة إلى النصب اعتمادا على ظهور المعنى» . ومع هذا فقد جاء إهمال «أن» مضمرة وظاهرة وعد ابن هشام من الأول قول الله : «أفغير الله تأمروني أعبد» وقوله ك ب ومن آياته يريكم البرق» ومن الثاني قراءة ابن محيصن: «لمن أراد أن يتم الرضاعة» برفع الميم. وفي (الهمع) ج٢ ص ٣ «قال الرؤاسي من الكوفيين: فصحاء العرب ينصبون (بأن) وأخواتها الفعل، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها» .
الثاني: أن المزني لم يسق عبارات الشافعي بنصها، فقد قال أول (المختصر) «اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي ﵀ ومن معنى قوله لأقربه على من أراده» وربما صرح بنسبة بعض ما ينقله عن الشافعي إلى بعض كتبه المطبوعة في (الأم) فإذا قوبلت العبارتان وجدتا مختلفتين في اللفظ. فقول المعترض «وقوله ... » يعني الشافعي - مجازفة.
الثالث: أن النساخ لم يزالوا من قديم يخطئون ويزيدون وينقصون
стр. 620
ويغيرون فنسبة عدم حذف النون إلى المزني يتوقف على وجودها في النسخة التي بخطه أو على نص ثقة سمع منه أنه قالها.
الرابع: قول المعترض: «والصواب: فيغسلا» لحن، والصواب «فتغسلا» وقد قالوا في قول الشاعر «ولا أرض أبقل إبقالها» وقول الآخر ك إن السماحة والشجاعة ضمنا» أنه ضرورة شعرية مع تأويل الأرض بالمكان، والسماحة والشجاعة بالجرد والبأس مثلا، ولا ضرورة في النثر، ولا يسوغ بعد النص على التأنيث في قوله: «ليس» تأويل، ولا حمل على مذهب الكوفيين. ثم قال الكوثري: «ولفظ الشافعي غثبات النون، وحذفها من تصرف الطابع، وأمانته في العلم كأمانته ... »
أقول: جزمه بأنه لفظ الشافعي مجازفة كما مر. وقوله: «من تصرف الطابع» مجازفة أيضا فهل وقف على الأصول المطبوع عنها ن وهل علم آن حذفها من فعل الطابع نفسه لا من إصلاح المصححين على ما ظهر لهم ن والذي في خاتمة طبع (الأم) و (المختصر) أن القائمين بالتصحيح مصححودار الطباعة نصري بن محمد العادلي ومحمد العادلي ومحمد البلبيسي ومحمود حسن زناتي. ولم يذكر لصاحب العزة أحمد بك الحسيني إلا أن الطبع على نفقته. ومع هذا فلم يزل المصححون ومنهم الأستاذ يصلحون ما يجدونه في الأصول القلمية مما يرونه خطأ، والغالب في ما يطبع بمصر أن لا ينبه على ما كان في الأصل، بناء على أن الخطا من النساخ كما جرت عاداهم حتى في كتابة القرآن. وقد وقفت على (منية الألمعي) للعلامة قاسم بن قطلوبنا الحنفي ومقدمة الكوثري عليها وتصفحت ما فصله قاسم من الأغلاط الكثيرة التي في نسخة الزيلعي من كتابه (نصب الراية) ، ومع ذلك أصلح الكوثري وأحبابه كثيرا منها في الطبع بدون تنبيه فعد الكوثري صنيعهم منقبة لهم قال: «وفي عداد تعقبات العلاقة الحافظ قاسم أمور قد يتبه إليها الفطن بنفسه لظهور أنها من قبيل سبق القلم فيوجد بعض ما هو من هذا القبيل على الصحة في النسخة المطبوعة لأن الانتباه إلى الصواب من فضل الله سبحانه؛ وفضل الله لا يكون وقفا على أحد» لكن عذر الأستاذ واضح وهو أنه راض عن نفسه وأحبابه! ولذلك رأى التصرف في طبع (نصب
стр. 621
الراية) من فضل الله سبحانه، وساخط على الحسيني لسعيه في طبع بعض كتب الشافعي فهو مضطر إلى أن يتجنى عليه، ولعنا لو لم ننبه على هذا لعدنا الأستاذ من الأغبياء الذين لا يعرفون بين السخط والرضا. والله المستعان.
الحادية عشر، والثانية عشرة - قال: «وقوله: الواوللترتيب، والباء للتبعيض، مما لا يعرفه أحد من أئمة اللسان بل الأولى للجميع مطلقا، والثانية للإلصاق» .
أقول: جازف في النفي والإثبات، أما النفي فقد نقل القول بأن الواوللترتيب عن قطرب والربعي والفراء وثعلب وآبى عمر الزاهي كما في (المغني) . ونقل القول بأن الباء تجيء للتبعيض عن الأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك وعن الكوفيين كما في (المغني) أيضا. وأما الإثبات فلم يقل الشافعي قط أو الواوللترتيب ولا أن الياء للتبعيض، ولا ما هو بين في هذا، وإنما بنى في الواوعلى قاعدة التقديم والتأخير المتفق عليها وهي أن ما يسوغ في أصل التركيب تقديمه وتأخيره لا يقدم في الكلام البليغ إلا لنكة عليها وهي أن ما يسوغ في أصل التركيب تقديمه وأخيره لا يقدم في الكلام البليغ إلا لنكتة فإذا قال البليغ: «ادع زيدا وبكرا» فلم يقدم زيدا إلا لنكتة والقرينة فمن قدم ولا نكتة ولا قرينه فقد أخطأ من وجهين ومن قدم مع وجود أحدهما فقط بينها وبين الفاء و (ثم) أن الواووإن كانت بمقتضى قاعدة التقديم بأن الواوللترتيب، والفرق بينها وبين الفاء و (ثم) أن الواووإن كانت بمقتضى قاعدة التقديم والتأخير يقتضي الترتيب فذلك ظاهر يجوز خروجها عنه لنكتة بقرينه، والفاء و (ثم) للترتيب حتما. وقد يقال بل التقديم في الحكم نكتة من النكت فحيث كانت هناك أو ضح منها مثل «جاء الملك وكاتبه» لم يفهم من الواوإلا مطلق الجمع، وإلا فالظاهر الترتيب في الحكم. والشافعي ﵀ إنما تعرض لهذا في الترتيب الوضوء. فنزع بالآية، ثم ذكر أن النبي ﵌ بدأ بما بدأ الله به، وأنه في السعي بدأ بالصفا وقال: «نبدأ بما بدأ الله به» (١) وأنه
стр. 622
في رمي الجنار يجب البدء بما بدأ به ﷺ . فهذه حجته، فكيف يتوهم انه بنى قوله على زعم أن الواوبمنزلة الفاء وثم؟ ! وأما الباء فإنه قال في مسح الرأس «كان معقولا في الآية أن مسح من رأسه شيئا فقد مسح برأسه ... ودلت السنة على أنه ليس على المرء مسح الرأس كله ... » (١) وهذا قد يكون بناء على معنى الإلصاق فقد ذكروا من أمثلة «أمسكت بزيد» مع أن يدك إنما تلاصق بعضه، وعلى هذا الفرق بين الباء و «من» أن «من» نص على التبعيض، وباء الإلصاق مطلقة تصدق بالبعض وتصدق بالكل، ولعل هذا مراد من أطلق أنها تجيء للتبعيض. وراجع لكلام الحنفية في الحكم والآية واضطرابهم في ذلك (روح المعاني) ج ٢ ص ٢٥٧- ٢٥٨.
وههنا انتهت المطاعن في فصاحة الشافعي، ولقد سعى الكوثري في تثبيت فصاحة الشافعي جهده، فإن أهل المعرفة يعلمون أن في الكلام الفصيح مواضع يعسر توجيهها حتى لو كان كلام من يجوز عليه اللحن لجزموا بأنها لحن، فإذا رأوا هذا المجلب بخيله ورجله لم يجد فيما ثبتت نسبته إلى الشافعي موضعا واحدا بهذه الصفة، فأضطر إلى الاتيان بما تقدم مع الكلام عليه، فأي ريبة تبقى في فصاحة الشافعي؟
ومما ذكره ابن حجر في (توالي التأسيس) ومن عادته أن لا يجزم إلا بما صح عنده قال: «قال ابن أبي حاتم عن الربيع قال: قال ابن هشام: الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة. قال ابن أبي حاتم وحدثت عن أبي عبيد القاسم بن سلام نحوه. وقال أيضا سمعت الربيع يقول: كان الشافعي عربي النفس واللسان، قال: وكتب إلى عبد الله بن أحمد قال: قال أبي: كان الشافعي من أفصح الناس. وقال الساجي: سمعت جعفر بن محمد الخوارزمي يحدث عن أبي عثمان المازني عن الأصمعي قال ك قرأت شعر الشنقري على الشافعي بمكة. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي: قلت لعمي: على من قرأت شعر هذيل؟ قال: على رجل من آل المطلب
стр. 623
يقال له: محمد بن إدريس» - وقال أيضا: «قال الحاكم سمعت محمد بن عبد الله الفقيه: سألت آبا عمر غلام ثعلب عن حروف أخذت على الشافعي مثل قوله: ماء مالح. وقوله / أنبغي أن يكون كذا وكذا، فقال لي: كلام الشافعي صحيح، وقد سمعت أبا العباس ثعلبا يقول: يأخذون على الشافعي، وهو من بيت اللغة يجب أن يؤخذ عنه» .
وقال: «قال الآبري أخبرنا أبو نعيم الإستراباذي سمعت الربيع بن سليمان يقول مرارا: لو رأيت الشافعي وحسن بيانه وفصاحته لعجبت منه، ولوأنه ألف هذه الكتب على عربيته التي كان يتكلم بها معنا في المناظرة لم يقدر على قراءة كتبه لفصاحته وغرائب ألفاظه غير أنه كان في تأليفه يجتهد أن يوضح للعوام» (١)
فصل
وكما حاول الكوثري الطعن في نسب الشافعي وفي فصاحته حاول القدح في ثقته
стр. 624
فقال: ص ١٦٥: «ومن الغريب أنه إذا روى ألف راوعن ابن معين أن الشافعي ليس بثقة مثلا، تعد هذه الرواية عنه كاذبة، بخلاف ما إذا كانت الرواية عنه في أبي حنيفة أو أحد أصحابه» ! أقول: لا نطالب الكوثري بألف ولا بمائة ولا بعشرة، وإنما نطالبه سالم، ولن يجد إلى ذلك سبيلا، إنما حكى هذه الكلمة عن ابن معين محمد بن وضاح الأندلسي، وابن وضاح قال فيه الحافظ أبووليد ابن الفرضي الأندلسي وهو بلديه وموافق به في المذهب: «له خطأ كثير بحفظ عنه ن وأشياء كان بغلط فيها، وكان لا علم عنده بالفقه، ولا بالعربية» .
وكان الأمير عبد الله بن الناصر ينكر عليه هذه الحكاية ويذكر انه رأى اصل ابن وضاح الذي كتبه بالشرق وفيه: سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال: هو ثقة. كما حكاه أبن عبد البر في (كتاب العلم) . ولم ينقل أحد غيره عن ابن معين أنه قال في الشافعي: «ليس بثقة» أو ما يؤدي معناها أو ما يقرب منها، ولابن معين أصحاب كثيرون اعرف به وألزم له وأحرص على النقل عنه من هذا المغربي، وكان في بغداد كثيرون يسرهم أن يسمعوا طعنا في الشافعي فيشيعوه.
فأما قول ابن عبد البر «قد صح عن ابن معين من طرق أنه يتكلم في الشافعي على ما قدمت لك حتى نهاه أحمد بن حنبل وقال له: لم تر عيناك مثل الشافعي» فالذي قدمه هو قوله: «ومما نقم على ابن معين وعيب به أيضا قوله في الشافعي، فقال أحمد: من أين يعرف يحيى الشافعي؟ هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقول الشافعي - أو نحو هذا، ومن جهل شيئا عاداه! قال ابوعمر: صدق أحمد بن حنبل ﵀ أن ابن معين كان لا يعرف ما يقول الشافعي، وقد حكى عن ابن معين أنه سئل عن مسالة من التيمم فلم يعرفها، ولقد احسن أكثم بن صيفي في قوله ك ويل لعالم أمر من جاهلة، من جهل شيئا عاده ومن أحب شيئا استعبده» . والتكلم في الرجل قد يكون بما ليس بجرح ن فلا يصلح قولهم: «كان يتكلم فيه» متابعة لكلمة:
стр. 625
«ليس بثقة» . وقدم ابن عبد البر أيضاً أن ابن معين سئل عن الشافعي فقال ك نا أحب حديثه ولا ذكره. وهذا تكلم للشافعي ولا يعطي معنى: «ليس بثقة» ولا ما يقرب منها، وقد جاء أن ابن معين رأى كتاب للشافعي تسميته لمقاتلي علي ﵁ بغاة، فأنكر ذلك، وعرضه على أحمد فقال أحمد: فماذا يقول؟ أو كما قال - يعني أن هذا الوصف هو الذي وصف به الكتاب والسنة الطائفة التي تقاتل أهل الحق مطلقا -: فقد يكون ابن معين عد ذلك ميلا إلى التشيع فأو حشه ذلك، وقد تواتر أن أحمد وابن معين كانا يكثران الاجتماع والمذاكرة، فلما ورد الشافعي بغداد لزمه أحمد وقصر في مجالسة ابن معين، وهذا أيضا مما يوحش ابن معين ن وقد مان ابن معين اعتاد من أصحاب الحديث أن يهابوه ويحترموه ويلاطفوه كما ترى شواهد في ترجمته من (التهذيب) وفي ترجمة موسى بن إسماعيل، فكأن الشافعي، لما ورد بغداد قصر في ذلك، وهذا أيضا مما يورث الوحشة، وقد كاتن الشافعي حسن الظن بإبراهيم بن آبى يحيى يكثر الرواية عنه، وابن معين والجمهور يكذبون ابن ابي يحيى، فلا بدع أن تجتمع هذه الأمور في نفس ابن معين فيقول في الشافعي: «لا أحب حديثه ولا ذكره» ولا يعطي ذلك معنى: «ليس بثقة» ولا تقارب. وقد روى الزعفراني وغيره عن ابن معين ثناء على الشافعي في الرواية كما تراه في (للتهذيب) و (تذكرة الحفاظ) وراجع ترجمة الزبير بن عبد الواحد الأسدابادي في. التذكرة) (١) . وقد كان الرواة الذين هم اثبت من ابن وضاح يخطئون على ابن معين، يتكلم السادسة من قسم القواعد ولعل هذا منه كما أو ضحته هناك. وإذا اختلف النقل عن إمام، أو اشتبه أو ارتيب فينظر في كلام غيره من الأئمة، وقضى فيما روى عنه بما ثبت عنهم، فإذا نظرنا كلام الأئمة في الشافعي لا نجد إلا البالغ ممن هو أكبر من ابن معين كابن مهدي ويحيى القطان، ومن أقران ابن
стр. 626
معين كالإمام أحمد وابن المديني، وممن هو بعده حتى قال أبو زرعة الرازي: «ما عند الشافعي حديث غلط فيه» ، وقال أبو داود: «ليس للشافعي حديث غلط» ، وقال النسائي: «كان الشافعي عندنا أحد العلماء، ثقة مأمونا» وأمثال هؤلاء كثير.
فتدبر ما تقدم ثم تصفح ما قيل في أبي حنيفة وأصحابه مما يثبت إسناده، ثم انظر كلمة الأستاذ هل تجد لها مسوغ، افرض أن لمحدثي الشافعية كلهم هوى في توثيق الشافعي وتليين مخالفية فهل يسوغ رد الحق لموافقته هواهم؟ أم هل يسوغ رد الحق لمخالفته هوى الكوثري؟ !
فصل
وكما حاول الكوثري الطعن في نسب الشافعي وفي فصاحته وفي ثقته، حاول الطعن في فقهه، قال الأستاذ ص ١٣٩ بعد أن ذكر ما روي عن الشافعي أنه قال: «أبو حنيفة يضع أول المسالة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها» قال الأستاذ: «لأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل، ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلا ففرع عليه المسائل، فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة حتى ردها صاحباه، وهكذا فعل في كتاب (المزارعة) حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي فجعله أصلا ففرع عليه الفروع، ولكن ما هو من هذا القبيل من مسائل (؟) أبي حنيفة ربما لا يبلغ في العد (١) عدد أصابع اليد الواحدة، في حين أن ما عند ذلك العائب من هذا القبيل (؟) بحيث يحار فيه كبار الفقهاء من أهل مذهبه فتجدهم مضطربين فيما يختارون في المذهب بين قديم المسائل وجديدها ن وبين الأجوبة الشفعية المروية عن الإمام التي يقال فيها: فيها قولان ن فيشكون من عدم مشي الفروع على الأصول، وعدم الاطراد في التأصيل والتفريع، ومما ليس هذا موضع شرحه، وله محل آخر» .
стр. 627
وذكر (ص ١٣٧) (١) قول ابن ابي حاتم عن ابن عبد الحكم: «قال لي محمد بن إدريس الشافعي ك نظرت في كتب لأصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة ن فعددت فيها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنة» . قال الأستاذ: « ... بل لفرض أن متن الرواية مما أسر به الشافعي إلى محمد بن عبد الحكم على خلاف ما تواتر (؟) عن الشافعي أنه قال: الناس كلهم عيال فب الفقه ... » وعلى فرض أن أحد أصحاب ابي حنيفة أخطأ في غالب مسائل كتيب فماذا على ابي حنيفة من ذلك؟ والشافعي نفسه رجع عما حواه كتاب (الحجة) كله المعروف بالقديم وأمر بغسله والإعراض عنه ... ولولا أن الشافعي رأى قديته كله مخالفا للكتاب والسنة لما رجع هذا الرجوع ولا شدد هذا التشدد ... وذلك العالم المفروض خطاؤه لم يعترف بعد بالخطأ اعتراف الشافعي بخطئه في القديم ... وها هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ... ألف كتابا سماه: (ما خالف فيه الشافعي كتاب الله وسنة رسوله) ... فهل نصدقه فيما يقول بالنظر إلى مبالغة ابن خزيمة في الثناء عليه حيث يقول: ليس تحت قبة السماء أحد اعلم باختلاف الصحابة والتابعين واتفاقهم من محمد بن عبد الله بن الحكم ... » .
وقال ص ١١٩: «يوجد بين الئنة من يروي عنه أجوبة في مسالة واحدة كالروايات الست عن مالك في المسح على الخفين وكالأجوبة المشفعة (٢) في (الأم) للشافعي ... وأما مذهب ابي حنيفة فلا تجد في مسائل ظاهر الرواية إلا قولا واحدا منه في كل مسالة، وأما كتب النوادر فحكم مساءلها في جنب مسائل ظاهر الرواية كحكم القراءات الشاذة ... على أن قيمة روايات النوادر تقدر بأحوال رواتها» .
أقول: أما كلمة الشافعي الأولى فقد اعترف الأستاذ بما يوافقها وزيادة، فدل
стр. 628
مجموع كلامة على أن لأبي حنيفة كتبا من كتب الفقه وهي الأبواب العظيمة فيه ككتاب الوقف وكتاب المزارعة يرى الأستاذ أنها لا تزيد على خمسة كتب بناها أبو حنيفة على ما ليس بحجة وهو مع ذلك مخالف للحجة ثم فرع فروع تلك الكتب كلها على ذلك، فأصبحت فروع تلك الكتب كلها غير مقبولة، وزلم يرجع عنها أبو حنيفة ن وإنما ردها صاحباه من بعده، وأما كلمة لصحاب ابي حنبفة كتابا عدد أو راقه مائة وثلاثون، ثمانون منها مخالف للكتاب والسنة.
واعترف الأستاذ بالأولى اعتراف بإمكان هذه كأن يكون في ذلك الكتاب بعض تلك الكتب المردودة ككتاب الوقف وكتاب المزارعة مع كتاب آخرأة لاكثر.
وأما مطتعنة فب فقه الشافعي فيتلخص في أمور:
الأول: أنه رجع عن قديمه وأمر بغسله.
الثاني: أنه يذكر في المسألة قوانين ولا يرجع.
الثالث: أن فروع مذهبه يكثر فيها عدم الجريان على أصوله.
فأما الأول فالأستاذ يعلم قبل غيره أنه يركب فيه المجازفة الفاحشة والكذب المفضوح، فإنه يعلم أنه لا بد أن يكون في القديم كثير من المسائل الإجماعية التي يخالفها الشافعي أو لا ولا أخرا وكثير من المسائل التي لم يزل الشافعي موافقا فيها لمالك لأن عانة المسائل التي رجع عنها في الجديد كان في القديم موافقا فيها لمللك، وكثير من المسائل التي كان في القديم موافقا فيها للحنيفة واستمر على ذلك في الجديد. فبأي دين أم بأي عقل يقول الأستاذ: «رجع عما حواه كتاب (الحجة) كله» ؟ !!!.
أما أمر الشافعي بغسل كتاب (الحجة) وأن لا يروي عنه إن صح فإنما هو - كما يعلم الأستاذ - لأنه كان فيه مسائل رجع عنها الشافعي، ولأنه لم يكن تهيأ له إتقان تهذيبه وترتيبيه واستيفاء الحجج وإيضاح البيان فيه، وعلم أن جميع ما فيه عدا المسائل التي رجع عنها قد ضمنه كتبه الجديدة مع سلامتها من تلك النقائص
стр. 629
وزيادتها لحجاج وأصول وفروع لا تحصى، فلم ضمنه كتبه الجديدة مع سلامتها من تلك النقائص وزيادنها لحجاج وأصول وفروع لا تحصى، فلم ير لبقائه وروايته عنه فائدة بل فيه مضرة ما، كأن يغتر بعض أتباعه ببعض المسائل التي رجع عنها أو يغتر مخالفة بما فيه من تقصير في الاحتجاج في بعض مسائل الخلاف فيتوهم أنه لا حجة للشافعي إلا ما في ذلك الكتاب. وهذا أمر بغاية الوضوح يخجل صاحب العلم من سرحه ولكن ماذا نصنع بالأستاذ؟ ويحاول التلبيس على الجهال فيضطرنا إلى أن نشرح القضية كأننا نشرحها لأجهل الناس، ويضيع وقته ووقت غيره، كأنه لا يوقن أنه مسؤول عن عمره فيم أفناه؟
وأما الأمر الثاني، فقد ذكر محققوالشافعية أن ذلك إنما وقع للشافعي في ستة عشر أو سبعة عشر موضعا فقد يكون الشافعي يرى رجحان أحد لبقولين وإنما لم ينص على ذلك ليلجئ أصحابه إلى النظر والتدبر ليكون ذلك أعون لهم على تحصيل ملكة الاجتهاد التي يتمكنون بها من النظر لأنفسهم فبما ذكره الشافعي وفيما لم يذكره وهذا كان مقصوده الأعظم من تأليف الكتب. قال المزني أول مختصر: «اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى لأقربه على من أراده مع إعلاميه نهية عن تقليد وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه» ويقرب من هذا ما تراه في كتب التعليم من إيراده عدة أسأله بدون حلها تمرينا للطالب ليعمل فكره في حلها. وقد لا يكون تمكن في الوقت من استيفاء النظر ولم تكن القضية واقعة حتى يلزمه استفياء النظر فيقع في مثل ما ذكره الأستاذ في (التأنيب) ص ١٢٣ عن حفص بن غياث قال: «كنت أجلس إلى أبي حنيفة فأسمعه يسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيبقى فيها بخمسة أقاويل» !
وأما الأمر الثالث، فلا ريب أن في مذهب الشافعي فروعا يتعسر على أصوله ولكن ما فيه من هذا القبيل لا يكاد يذكر في جانب ما في مذهب أبي حنيفة ن وكل عارف بفقه المذهبين وأصولهما يعرف الحقيقة وليس هذا موضع بسطها، ومن اطلع على قسم الفهيات من كتابنا هذا اتضح له الأمر. وكذلك ما
стр. 630
زعمه الكوثري من حيرة فقهاء الشافعية واضطرابهم ليس بالنسبة إلى ما وقع لفقهاء الحنفية، ومن شاء فليطالع كتب الفقه في المذهبين بل يكفيه أن ينظر أول مسالة من قسم الفقهيات وهي مسألة ضرورية من مبادىء الطهارة ارتبك فيها الحنفية أشد الارتباك، وما ذكره من كتب ظاهر الرواية عندهم ليس بشيء، ولأن كتب ظاهر الرواية يقع فيها الإختلاف.
وأما كتاب ابن عبد الحكم فلم يعترف الشافعية بصدقه كما اعترف الكوثري وغيره بصدق كلمة الشافعي كما مر، والعلم باتفاق الصحابة والتابعين واختلافهم لا يستلزم جودة النظر وصحة الفهم للترجيح فيما اختلفوا فيه ن واستنباط حكم ما لم ينقل عنهم فيه شيء، والأستاذ وكل ذي معرفة يتحقق آن البون في هذا بين الشافعي وابن عبد الحكم بعيدا جدا، وإن كان الشافعي غير معصوم عن الخطأ، وابن عبد الحكم غير محجوب البتة عن الإصابة.
وأما ما نقل عن الشافعي أنه قال: «الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة» فلم يتواتر كما زعم الأستاذ. ولو شيءنا لقلنا نقتصر هنا على ما يعترف به الأستاذ وهو أن أبا حنيفة إذا عرف الأصل أحسن في التفريع وأجاد ن وإذا لم يعرف الأصل أو لم يأخذ به وقع في التخطيط كما وقع له في الكتب التي تقدم ذكرها، ويقول الأستاذ: إنها لا تجاوز الخمسة فثناء الشافعي بحسب الضرب الأول وانتقاده بحسب الضرب الثاني. وأما ما يتعلق بمحمد بن الحسن فيعلم فيه مما يأتي.
فصل
عرف الأستاذ أن مطاعنة في الشافعي لا تؤثر الأمر الذي يهو اء أو لا تؤثر البتة، فحاول تحصيل بعض مقصوده من جهة أخرى، وهي زعمه أن علم الشافعي مستفاد من محمد بن الحسن تلميذا أبي حنيفة، وسأشرح ملخصا مبدأ الشافعي إلى اجتماعه بمحمد بن الحسن وما جرى له معه فأقول:
стр. 631
ثبت بالروايات الجيدة أن الشافعي شرع طلب العلم وستة نحوعشر سنين فأخذ عن علماء مكة والمدينة، وخرج غير مرة إلى اليمن، واقام بالبادية مدة، وكان فيمن أخذ عنه من الفقهاء بمكة من كان يشارك في طريقة أهل العراق كسعيد بن القداح، وكان الشافعي يبحث مع من يقدم مكة من علماء الآفاق. وفي (توالي التأسيس) ص ٥٨: «قال زكريا الساجي: حدثنا الزعفراني قال: حج بشر المريسي «الحنفي» إلى مكة ثم قدم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلا ما رأيت مثله ولا مجيبا، يعني الشافعي، (١) قال: فقدم الشافعي علينا بعد ذلك فاجتمع إليه الناس فجئت إلى بشر فسألته فقال: إنه قد تغير عما كان عليه ... » وفيها ص ٥٦ «وأخرج الآبري من طريق الزعفراني قال: كنا نحضر مجلس بشر المريسي فكنا لا نقدر على مناظرته، فقدم الشافعي فأعطانا كتاب الشاهد واليمين فدرسته في ليلتين ثم تقدمت إلى حبقة بشر فناظرته فيه فقطعته، فقال ليس هذا من كيسك، هذا من كلام رجل رأيته بمكة معه نصف عقل أهل الدنيا» . بقي الشافعي نحوعشرين سنة بالحجاز ثم ولي بعض الولايات باليمن، وفي (توالي التأسيس) ص ٧٨ «قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن إدريس وراق الحميدي حدثنا الحميدي قال: قال الشافعي ... ثم نجران وبها بنوالحارث بن عبد المدان وموالى ثقيف ... وتظلم عندي أناس كثير وقلت: اجمعوا لي سبعة يكون من عدلوه عدلا ومن جرحوه مجروحا، ففعلوا ... حتى آتيت على جميع الظلامات، فلما انتهيت جعلت أحكم واسجل ... حتى حملت إلى العراق ن وكان محمد بن الحسن جيد المنزلة عند الخليفة فاختلفت غليه ن وقلت هو أولى من حهة الفقه، فلزمته، وكتبت عنه وعرفت أقاويلهم ن وكان إذا قام ناظرت أصحابه، فقال لي ك بلغني انك تناظر فناظرني في الشاهد واليمين، فامتنعت، فألح علي، فتكلمت معه، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأعجبه ووصلني» وقد ذكر الأستاذ ص ١٨٤ طرفا من هذه
стр. 632
الحكاية ثم حملها مالا تطيق، فمن جملة ما قاله: «وبها يعلم أن محمد بن الحسن بعد أن درب (؟) الشافعي على الأخذ والرد هكذا رفع حديثه إلى الرشيد» .
أقول: الشافعي مدرب من بيته كما تقدم ورافع الحديث إلى الرشيد غير محمد كما تعينه عدة روايات أخرى ن والشافعي إنما جالس محمدا ليأخذ عنه كتبهم سماعا ليعرف أقوالهم، ومغزاه في ذلك أمران:
أحدهما: ما صرح به في بعض الروايات أنه أحب إن يعرف اقاويلهم وما يحتجون به ليتمكن من الرد عليهم فيما يراه خطأ ومناظرتهم فيه ن فإن عماد المناظرة أن يحتج على المخالف بأقواله لإنه قد يحتج بما ليس بحجة فيقال له ك إن كانت هذه حجة فلم خالفتها في موضع كذا وموضع كذا؟ وقد يرد الحجة فيقال له ك فقد احتججت بها أو بمثلها في موضع كذا وموضع كذا. ولا تكاد تخلومناظرة من مناظرات الشافعي من هذه الطريقة.
المغزى الآخر مغزى كل عالم متدين، وهو أن يعرف ما يحتجون به فربما وقف على حجة لم يكن قد عرفها أو على ما يدل على خلل في دليل كان يستدل به، أو نظر قد كان يعنمده وهذا لا يأنف منه المجتهد المتدين ن فإن غالب حجج الفقه ظنية لا يأمن المجتهد إن يخطئ وأن يكون عند غيره ما ليس عنده. فالحق إن الشافعي سمع بعض الكتب من محمد على سبيل الرواية، والعالم قد يسمع ممن هو فوقه وممن مثله وممن هو دونه. وقد يكون حضر بعض دروس محمد للمغزى المتقدم، كل ذلك والشافعي باق على مذهبه لم يقلد محمدا ولا تابعه متابعة التلميذ المطلق لأستاذه، بل كان محمد إذا قام ناظر الشافعي أصحاب محمد يقرر لهم مذهبه ويحتج عليه ويفند ما استدل به محمد وغيره. أما تأبيه أول من مناظرة محمد فمن كمال عقله ووفور أدبه، لأنه كان محتاجا إلى سماع تلك الكتب ومعرفة أقاويل القوم ن فخشى إن يتكدر محمد فيتعسر عليه، وقد جاء انه تعسر عليه في كتاب فكتب إليه أبياتا أثنى عليه فيها وقال فيها:
стр. 633
العلم ينهى أهله ... أن يمنعوه أهله
لعله يبذله ... لأهله لعله
قال الشافعي: «فحمل محمد الكتاب في كمه وجاء به معتذرا من حينه» .
ومن الأثقال التي حملها الأستاذ تلك الرواية قوله «فبهذه الرواية يعلم إن ما في (الأم) من محادثات للشافعي مع بعض الناس ليس مناظرة للشافعي مع محمد بن الحسن بل مع بعض أصحابه على خلاف ما توهمه بعضهم» .
أقول: من مكارم أخلاق الشافعي وكمال عقله وصدق إخلاصه أن غالب ما يسوقه من المناظرات لا يسمى من المناظر، ولأن مقصوده إنما هو تقرير الحق ودفع الشبهات وتعليم طرق النظر. وتسمية المناظر يتوهم فيها حظ النفس كأنه يقول: ناظرت فلانا المشهور فقطعته، وفيها غض من المناظر بما يبين من خطائه. والواقع أن المناظرات التي في (الأم) وغيرها من كتب الشافعي، منها ما هو مع محمد بن الحسن، ومنها ما هو مع بعض أصحابه في حياته أو بعد وفاته، وربما صرح الشافعي باسم محمد بن الحسن» كما تراه في (الأم) ج ٧ ص ٢٧٨ السطر الأول وص٢٨٣ السطر ٢٤ وص ٣٠٠ السطر ٣٠٠ والسطر ١٥ وساق ج ٣ ص ١٠٦ المناظرة مع غير مسمى ثم قال في أثنائها آخر الصفحة: «وقلت لمحمد بن الحسن أنت أخبرتني عن أبي يوسف عن عطاء بن السائب ... » وإنما صرح به لئلا يكون رواية عن مجهول، ثم صرح به الصفحة الثانية السطر ١٦ لأنه قد عرف سابقا فلم يبق معنى لإيهامه وانظر ج ٧ ص ٨٢. وربما لم يسمعه ولكن يكني عنه بما يعلم أنه محمد بن الحسن كما في ج ١ ص ٢٣١ وج ٤ ص ٥ ود ٧ ص ٧٩ وربما يكون في السياق ما يدل أنه محمد بن الحسن كما في ج ١ ص ٥٦ وج ٣ ص ١٨٩ وج ٤ ص ١٧ وج ٥ ص ١١٩. هذا ومناظرته لمحمد في الشاهد واليمين مشهورة في تلك الرواية وغيرها ومع ذلك ساقها الشافعي في (الأم) ولم يسم مناظرة، ومن المناظرات ما يدل السياق أنها مع غير محمد كما في
стр. 634
ج ٣ ص ١٩٥ و٢٧٥ ومنها ما هو على الاحتمال، وإنما تأبى الشافعي أو لا لما سبق، فلما عرف غنصاف محمد واغتبط محمد بمناظرته كثرت المناظرات بينهما. وفي (توالي التأسيس) ص ٧١ من طريق «أبي حسان الحسن بن عثمان الزيادي قال: كنت في دهليز محمد بن الحسن فخرج محمد راكبا فنظر فرأى الشافعي قد جاء فثنى رجله ونزل وقال لغلامه: أذهب فاعتذر، فقال له الشافعي / لنا وقت غير هذا، قال: لا، وأخذ بيده فدخلا الدار / قال أبوحسان: وما رأيت محمدا يعظم أحدا إعظام الشافعي» .
ومن تدبر مناظرات الشافعي لمحمد وجدها مناظرة الأكفاء، وعلم منها أن الشافعي كان حينئذ مجتهدا كاملا، وأن محمدا كان مع مكانته من الفقه والسن والمنزلة من الدولة وكثرة الأتباع على غاية من الإنصاف في البحث والنظر. والإنصاف أنه كان لتلك المناظرات أثر في الرجلين فاتفقا على مسائل رجع فيها الشافعي عما كان يتابع فيه مالكا، أو رجع محمد عما كان يتابع فيه أبا حنيفة، ومن تصفح كتب الحنفية التي يذكر فيها قول الشافعي ظهر له صحة ما قلنا، وواضح أنه لا يلزم من هذا أن يتفقا في جميع المسائل التي تناظرا فيها.
ومن براعة الشافعي الفائقة ومهارته الخارقة أنه يجمع في مناظراته بين لطف الأدب وحسن العشرة واستيفاء الحق حتى في التشنيع، ساق في كتاب (اختلاف الحديث) بابا تراه في هامش (الأم) ج ٧ ص ١٠٥- ١٢٥ في أحكام الماء وفيه ذكر القلتين وغير ذلك الأحاديث ومناظرة مع من لم يسمعه، لكن يتبين بالسياق أنها ولا إجماعا ولا قياسا، ولقد قلتم فيه أقاويل لعله لوقيل لعاقل: تخلطا، فقال ما قلتم لكان قد أحسن التخاطؤ» ! ثم ذكر الأحاديث وسأله: ^ ٤٢٣
أثابتة هي؟ فاعترف بثبوتها فقال ص ١١٦: «فقلت له: لقد خافتها كلها وقلت قولا اخترعته مخالفا للأخبار خارجا من القياس، قال: وما هو؟ قلت: اذكر القدر ... قال: الذي إذا حرك أدناه لم يضطرب اقصاه» فأجابه، ثم ساق الكلام إلى أن قال ص ١٢٠:
стр. 635
«قلت ... إني لأحسبكم لو قال هذا غيركم لبلغتم به أن تقولوا القلم عنه مرفوع! فقال: لقد سمعت أبا يوسف يقول: قول الحجازيين في الماء أحسن من قولنا، وقولنا فيه خطأ» ، ثم ساق إلى أن قال ص ١٢١- ١٢٢: «فقال: ما أحسن قولكم في الماء؟ قلت: أفترجع إلى الحسن؟ فما علمته رجع ... » .
ومن لطائفه ما تراه في (الأم) ج ٦ ص ١٦٠ ذكر مناظرته مع بعضهم إلى أن قال: «وكانت حجته في أن يقتل المرأة على الردة شيئا رواه عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس ... وكلمني بعض من يذهب هذا المذهب وبحضرتنا جماعة من أهل العلم بالحديث، فسألناهم عن هذا الحديث فما علمت واحدا منهم سكت عن أن قال: هذا خطأ، والذي روى هذا ليس ممن يثبت أهل العلم حديثه، فقلت له: قد سمعت ما قال هؤلاء الذين لا شك في علمهم بحديثك ... قال م إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء إلى القياس ... » فكأن الشافعي كان متوقعا البحث في ذاك المجلس عن هذه المسألة، وأن يستدل مناظره بحديث أبي حنيفة عن عاصم، وكره الشافعي أن يقول هو في أبي حنيفة شيئا يسوء صاحيه، وكان لا بد له من بيان آن الحديث أن يحضروا المجلس ليكون الكلام في أبي حنيفة منهم، ولعله أتم اللطف بأن أظهر انه لم يتواطأ معهم على الحضور! وألطف من هذا أنه حافظ على هذا الخلق الكريم في حكايته المناظرة في كتابه وهو بمصر بعيدا عن الحنفية فقال: «رواه عن عاصم» وترك تسمية الراوي عن عاصم وهو أبو حنيفة، وقال في حكاية قوله الجماعة: «والذي روى هذا» ولم يقل: «وأبو حنيفة» - وقد حاول التركماني استغلال هذا الأدب فقال في (الجوهر النقي) «أبو رزين صحابي، وعاصم وإن تكلم فيه بعضهم، قال الدارقطني: في حفظه شيء وقال ابن سعد: ثقة ن إلا أنه كثير الخطأ في حديثه، فإن ضعفوا هذا الأمر لجله فالأمر فيه قريب فقد وثقه جماعة ... وإن ضعف لأجل أبي حنيفة فهو وإن تكلم فيه بعضهم فقد وثقه كثيرون