ثبت بالروايات الجيدة أن الشافعي شرع طلب العلم وستة نحوعشر سنين فأخذ عن علماء مكة والمدينة، وخرج غير مرة إلى اليمن، واقام بالبادية مدة، وكان فيمن أخذ عنه من الفقهاء بمكة من كان يشارك في طريقة أهل العراق كسعيد بن القداح، وكان الشافعي يبحث مع من يقدم مكة من علماء الآفاق. وفي (توالي التأسيس) ص ٥٨: «قال زكريا الساجي: حدثنا الزعفراني قال: حج بشر المريسي «الحنفي» إلى مكة ثم قدم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلا ما رأيت مثله ولا مجيبا، يعني الشافعي، (١) قال: فقدم الشافعي علينا بعد ذلك فاجتمع إليه الناس فجئت إلى بشر فسألته فقال: إنه قد تغير عما كان عليه ... » وفيها ص ٥٦ «وأخرج الآبري من طريق الزعفراني قال: كنا نحضر مجلس بشر المريسي فكنا لا نقدر على مناظرته، فقدم الشافعي فأعطانا كتاب الشاهد واليمين فدرسته في ليلتين ثم تقدمت إلى حبقة بشر فناظرته فيه فقطعته، فقال ليس هذا من كيسك، هذا من كلام رجل رأيته بمكة معه نصف عقل أهل الدنيا» . بقي الشافعي نحوعشرين سنة بالحجاز ثم ولي بعض الولايات باليمن، وفي (توالي التأسيس) ص ٧٨ «قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن إدريس وراق الحميدي حدثنا الحميدي قال: قال الشافعي ... ثم نجران وبها بنوالحارث بن عبد المدان وموالى ثقيف ... وتظلم عندي أناس كثير وقلت: اجمعوا لي سبعة يكون من عدلوه عدلا ومن جرحوه مجروحا، ففعلوا ... حتى آتيت على جميع الظلامات، فلما انتهيت جعلت أحكم واسجل ... حتى حملت إلى العراق ن وكان محمد بن الحسن جيد المنزلة عند الخليفة فاختلفت غليه ن وقلت هو أولى من حهة الفقه، فلزمته، وكتبت عنه وعرفت أقاويلهم ن وكان إذا قام ناظرت أصحابه، فقال لي ك بلغني انك تناظر فناظرني في الشاهد واليمين، فامتنعت، فألح علي، فتكلمت معه، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأعجبه ووصلني» وقد ذكر الأستاذ ص ١٨٤ طرفا من هذه
стр. 632
الحكاية ثم حملها مالا تطيق، فمن جملة ما قاله: «وبها يعلم أن محمد بن الحسن بعد أن درب (؟) الشافعي على الأخذ والرد هكذا رفع حديثه إلى الرشيد» .
أقول: الشافعي مدرب من بيته كما تقدم ورافع الحديث إلى الرشيد غير محمد كما تعينه عدة روايات أخرى ن والشافعي إنما جالس محمدا ليأخذ عنه كتبهم سماعا ليعرف أقوالهم، ومغزاه في ذلك أمران:
أحدهما: ما صرح به في بعض الروايات أنه أحب إن يعرف اقاويلهم وما يحتجون به ليتمكن من الرد عليهم فيما يراه خطأ ومناظرتهم فيه ن فإن عماد المناظرة أن يحتج على المخالف بأقواله لإنه قد يحتج بما ليس بحجة فيقال له ك إن كانت هذه حجة فلم خالفتها في موضع كذا وموضع كذا؟ وقد يرد الحجة فيقال له ك فقد احتججت بها أو بمثلها في موضع كذا وموضع كذا. ولا تكاد تخلومناظرة من مناظرات الشافعي من هذه الطريقة.
المغزى الآخر مغزى كل عالم متدين، وهو أن يعرف ما يحتجون به فربما وقف على حجة لم يكن قد عرفها أو على ما يدل على خلل في دليل كان يستدل به، أو نظر قد كان يعنمده وهذا لا يأنف منه المجتهد المتدين ن فإن غالب حجج الفقه ظنية لا يأمن المجتهد إن يخطئ وأن يكون عند غيره ما ليس عنده. فالحق إن الشافعي سمع بعض الكتب من محمد على سبيل الرواية، والعالم قد يسمع ممن هو فوقه وممن مثله وممن هو دونه. وقد يكون حضر بعض دروس محمد للمغزى المتقدم، كل ذلك والشافعي باق على مذهبه لم يقلد محمدا ولا تابعه متابعة التلميذ المطلق لأستاذه، بل كان محمد إذا قام ناظر الشافعي أصحاب محمد يقرر لهم مذهبه ويحتج عليه ويفند ما استدل به محمد وغيره. أما تأبيه أول من مناظرة محمد فمن كمال عقله ووفور أدبه، لأنه كان محتاجا إلى سماع تلك الكتب ومعرفة أقاويل القوم ن فخشى إن يتكدر محمد فيتعسر عليه، وقد جاء انه تعسر عليه في كتاب فكتب إليه أبياتا أثنى عليه فيها وقال فيها:
стр. 633
العلم ينهى أهله ... أن يمنعوه أهله
لعله يبذله ... لأهله لعله
قال الشافعي: «فحمل محمد الكتاب في كمه وجاء به معتذرا من حينه» .
ومن الأثقال التي حملها الأستاذ تلك الرواية قوله «فبهذه الرواية يعلم إن ما في (الأم) من محادثات للشافعي مع بعض الناس ليس مناظرة للشافعي مع محمد بن الحسن بل مع بعض أصحابه على خلاف ما توهمه بعضهم» .
أقول: من مكارم أخلاق الشافعي وكمال عقله وصدق إخلاصه أن غالب ما يسوقه من المناظرات لا يسمى من المناظر، ولأن مقصوده إنما هو تقرير الحق ودفع الشبهات وتعليم طرق النظر. وتسمية المناظر يتوهم فيها حظ النفس كأنه يقول: ناظرت فلانا المشهور فقطعته، وفيها غض من المناظر بما يبين من خطائه. والواقع أن المناظرات التي في (الأم) وغيرها من كتب الشافعي، منها ما هو مع محمد بن الحسن، ومنها ما هو مع بعض أصحابه في حياته أو بعد وفاته، وربما صرح الشافعي باسم محمد بن الحسن» كما تراه في (الأم) ج ٧ ص ٢٧٨ السطر الأول وص٢٨٣ السطر ٢٤ وص ٣٠٠ السطر ٣٠٠ والسطر ١٥ وساق ج ٣ ص ١٠٦ المناظرة مع غير مسمى ثم قال في أثنائها آخر الصفحة: «وقلت لمحمد بن الحسن أنت أخبرتني عن أبي يوسف عن عطاء بن السائب ... » وإنما صرح به لئلا يكون رواية عن مجهول، ثم صرح به الصفحة الثانية السطر ١٦ لأنه قد عرف سابقا فلم يبق معنى لإيهامه وانظر ج ٧ ص ٨٢. وربما لم يسمعه ولكن يكني عنه بما يعلم أنه محمد بن الحسن كما في ج ١ ص ٢٣١ وج ٤ ص ٥ ود ٧ ص ٧٩ وربما يكون في السياق ما يدل أنه محمد بن الحسن كما في ج ١ ص ٥٦ وج ٣ ص ١٨٩ وج ٤ ص ١٧ وج ٥ ص ١١٩. هذا ومناظرته لمحمد في الشاهد واليمين مشهورة في تلك الرواية وغيرها ومع ذلك ساقها الشافعي في (الأم) ولم يسم مناظرة، ومن المناظرات ما يدل السياق أنها مع غير محمد كما في
стр. 634
ج ٣ ص ١٩٥ و٢٧٥ ومنها ما هو على الاحتمال، وإنما تأبى الشافعي أو لا لما سبق، فلما عرف غنصاف محمد واغتبط محمد بمناظرته كثرت المناظرات بينهما. وفي (توالي التأسيس) ص ٧١ من طريق «أبي حسان الحسن بن عثمان الزيادي قال: كنت في دهليز محمد بن الحسن فخرج محمد راكبا فنظر فرأى الشافعي قد جاء فثنى رجله ونزل وقال لغلامه: أذهب فاعتذر، فقال له الشافعي / لنا وقت غير هذا، قال: لا، وأخذ بيده فدخلا الدار / قال أبوحسان: وما رأيت محمدا يعظم أحدا إعظام الشافعي» .
ومن تدبر مناظرات الشافعي لمحمد وجدها مناظرة الأكفاء، وعلم منها أن الشافعي كان حينئذ مجتهدا كاملا، وأن محمدا كان مع مكانته من الفقه والسن والمنزلة من الدولة وكثرة الأتباع على غاية من الإنصاف في البحث والنظر. والإنصاف أنه كان لتلك المناظرات أثر في الرجلين فاتفقا على مسائل رجع فيها الشافعي عما كان يتابع فيه مالكا، أو رجع محمد عما كان يتابع فيه أبا حنيفة، ومن تصفح كتب الحنفية التي يذكر فيها قول الشافعي ظهر له صحة ما قلنا، وواضح أنه لا يلزم من هذا أن يتفقا في جميع المسائل التي تناظرا فيها.
ومن براعة الشافعي الفائقة ومهارته الخارقة أنه يجمع في مناظراته بين لطف الأدب وحسن العشرة واستيفاء الحق حتى في التشنيع، ساق في كتاب (اختلاف الحديث) بابا تراه في هامش (الأم) ج ٧ ص ١٠٥- ١٢٥ في أحكام الماء وفيه ذكر القلتين وغير ذلك الأحاديث ومناظرة مع من لم يسمعه، لكن يتبين بالسياق أنها ولا إجماعا ولا قياسا، ولقد قلتم فيه أقاويل لعله لوقيل لعاقل: تخلطا، فقال ما قلتم لكان قد أحسن التخاطؤ» ! ثم ذكر الأحاديث وسأله: ^ ٤٢٣
أثابتة هي؟ فاعترف بثبوتها فقال ص ١١٦: «فقلت له: لقد خافتها كلها وقلت قولا اخترعته مخالفا للأخبار خارجا من القياس، قال: وما هو؟ قلت: اذكر القدر ... قال: الذي إذا حرك أدناه لم يضطرب اقصاه» فأجابه، ثم ساق الكلام إلى أن قال ص ١٢٠:
стр. 635
«قلت ... إني لأحسبكم لو قال هذا غيركم لبلغتم به أن تقولوا القلم عنه مرفوع! فقال: لقد سمعت أبا يوسف يقول: قول الحجازيين في الماء أحسن من قولنا، وقولنا فيه خطأ» ، ثم ساق إلى أن قال ص ١٢١- ١٢٢: «فقال: ما أحسن قولكم في الماء؟ قلت: أفترجع إلى الحسن؟ فما علمته رجع ... » .
ومن لطائفه ما تراه في (الأم) ج ٦ ص ١٦٠ ذكر مناظرته مع بعضهم إلى أن قال: «وكانت حجته في أن يقتل المرأة على الردة شيئا رواه عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس ... وكلمني بعض من يذهب هذا المذهب وبحضرتنا جماعة من أهل العلم بالحديث، فسألناهم عن هذا الحديث فما علمت واحدا منهم سكت عن أن قال: هذا خطأ، والذي روى هذا ليس ممن يثبت أهل العلم حديثه، فقلت له: قد سمعت ما قال هؤلاء الذين لا شك في علمهم بحديثك ... قال م إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء إلى القياس ... » فكأن الشافعي كان متوقعا البحث في ذاك المجلس عن هذه المسألة، وأن يستدل مناظره بحديث أبي حنيفة عن عاصم، وكره الشافعي أن يقول هو في أبي حنيفة شيئا يسوء صاحيه، وكان لا بد له من بيان آن الحديث أن يحضروا المجلس ليكون الكلام في أبي حنيفة منهم، ولعله أتم اللطف بأن أظهر انه لم يتواطأ معهم على الحضور! وألطف من هذا أنه حافظ على هذا الخلق الكريم في حكايته المناظرة في كتابه وهو بمصر بعيدا عن الحنفية فقال: «رواه عن عاصم» وترك تسمية الراوي عن عاصم وهو أبو حنيفة، وقال في حكاية قوله الجماعة: «والذي روى هذا» ولم يقل: «وأبو حنيفة» - وقد حاول التركماني استغلال هذا الأدب فقال في (الجوهر النقي) «أبو رزين صحابي، وعاصم وإن تكلم فيه بعضهم، قال الدارقطني: في حفظه شيء وقال ابن سعد: ثقة ن إلا أنه كثير الخطأ في حديثه، فإن ضعفوا هذا الأمر لجله فالأمر فيه قريب فقد وثقه جماعة ... وإن ضعف لأجل أبي حنيفة فهو وإن تكلم فيه بعضهم فقد وثقه كثيرون
стр. 636
وأخرج له ابن حبان في (صحيحه) ... » أطنب في مدح أبي حنيفة إلى إن قال: «وذكر أبو عمر في. التمهيد) أن أبا حنيفة والثوري رويا هذا الأثر عن عاصم ن وكذا أخرجه الدارقطني بسند جيد عنهما عن عاصم وأخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) عنه فقد تابع الثوري أبا حنيفة..» كذا قال، وسعى جهده في قلب الحقائق فذكر أو لا أن يكونوا أرادوا عاصما ومهد لذلك بأن ذكر غمز الدارقطني وابن سعد له، ولما ذكر أبا حنيفة لم يذكر شيئا من كلامهم فيه. وإنما اكفى بخطفه مجملة ثم راح يطنب في إطرائه. وذكر إخراج ابن حبان في (صحيحه) ونسى كلام ابن حبان في أبي حنيفة في (كتاب الضعفاء) كما يأتي في ترجمة ابن حبان وغرضه أن يوقع في نفس القرىء. ترجيح أنهم أرادوا عاصما أرادوا أبا حنيفة وأعرض عما رواه البيهقي نفسه في ذاك الموضع « ... أحمد بن حنبل ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: سألت سفيان عن حديث عاصم في المرتدة فقال: أما من ثقة فلا» . وحكى عن (التمهيد) ولا أشك أن صاحب (التمهيد) قد أو ضح أن الثوري إنما سمعه من أبي حنيفة ثم حكى عن الدارقطني، والذي في (سنن الدارقطني) المطبوع ص ٣٣٨ « ... عبد الرزاق عن سفيان عن ابي حنيفة عن عاصم ... » نعم ذكروا أن عبد الرزاق رواه في (مصنفه) «عن سفيان عن عاصم» ولا يبعد أن يكون سفيان إنما قال: «يحكى عن عاصم» أو نحو ذلك فأطلق بعضهم «سفيان عن عاصم» اتكالا على أنه لا مفسدة في هذا لاشتهار سفيان بالتدليس فلا فلا يحمل على السماع كما قدمت شرحه في ترجمة حجاج بن محمد، وقد ساق الخطيب في (تاريخه) بعض ما يتعلق بهذا الحديث فاكتفى الأستاذ بالتبجح بأن سفيان قد روى عن ابي حنيفة! وقد روى ابن ابي حاتم في ترجمة الثوري من (تقدمه الجرح والتعديل) عن صالح بن أحمد بن حنبل عن علي ابن المديني عن يحيى بن سعيد القطان قال: «سألت سفيان عن حديث عاصم في المرتدة فانكر وقال: «ليس من حديثي» وقد أعل ابن التركماني بعض الأحاديث بان الثوري مدلس، وتغافل عن ذلك هنا مصرا على إن الثوري قد تابع أبا حنيفة. وإذا تسامح العالم نفسه مثل هذه المسامحة، فالجاهل خير منه بألف درجة! والمقصود هنا بيان كرم أخلاق الشافعي ﵀.
стр. 637
ومع مراعاة الشافعي للحنفية إلى حد الذي رأيت وإطلاقه الكلمة التي تكاد تكون رأس مالهم «الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة» ومجاملة أصحابه لهم حتى آلف جماعة منهم في مناقب الحنفية كان جزاؤه من الأستاذ ما تقدم. فأما الخطيب فإنما سرد أقوال الناس في الغض كما ساق ما روي في المناقب وذلك واجبه من جهة أنه مؤرخ ومحدث ن ومع ذلك فأعرض سائر الشافعية عما نقله الخطيب بل منهم من عرضه ومنهم من عارضه ومنهم من رد عليه كما حكاه الأستاذ، ولما تعرض للرد عليه الملك عيسى ومأجورة السبط وفي ردهما ما فيه من التهافت لم يعرض لهما أحد من لم يخلق كما تقدم، وفيه إن واحدا منهم ذكر إن مسعود بن شيبة مجهول، وبالجملة فإن مجاملة الشافعية للحفية بلغت حد الادهان ن فحسبها الأستاذ استكانة لا حراك بعدها ن فصنع ما صنع، ولم يدر أن للصبر حدا وأن للحق أنصارا، وأن وراء الأئمة رجالا، وقد جريت في كتابي هذا على المجاملة ما أمكن ن وأعددت لاستيفاء الحق عدته إن ألجئت إليه. والله المستعان.
١٩٠- محمد بن أبي الأزهر . تقدمت الإشارة إلى حكايته في ترجمة إسحاق بن إبراهيم.
قال الأستاذ ص ١٧٦: «يقول عنه الخطيب نفسه ج ٣ ص ٢٨٨: «كان كذابا قبيح الكذب ظاهره. اهـ. فظهر أن الخطيب فيما عزاه إلى أبي يوسف من الاحتيال بهات شنيع البهت ظاهرة» .
أقول: قد يعرف صدق بعض أخبار الكذاب بدللة، وأشهر الرواة بالكذب محمد بن السائب الكلبي ومع ذلك روى عنه ابن جريج والسفيانان وابن المبارك وغيرهم من الآجلة، وكان الثوري يحذر منه ويروي عنه ويروي عنه فقيل له في ذلك؟ فقال: أنا اعرف صدقه من كذبه.
ورووا عنه في التفسير وغيره فما بالك بالتاريخ الذي تدعوالحاجة إلى تزيينه بالحكايات المستظرفة. وراجع ما تقدم في ترجمة إسحاق.
стр. 638
١٩١- محمد بن إسحاق بن خزيمة . تعرض له الأستاذ ص ١٩ ولا دخل له هناك وإنما جرت الأستاذ عقليته الجبارة وعدؤه للحق وأهله إلى إن تطرق من الكلام في الحافظ أحمد بن علي الابار إلى الكلام في الحافظ دعلج مع أنه لا دخل لدعجل هنا ثم قال: «ودعلج كان على مذهب ابن خزيمة في اعتقاد والفقه ن واعتقاد ابن خزيمة يظهر من كتاب (التوحيد) ... وعنه يقول صاحب (التفسير) ... أنه كتاب الشرك فلا حب ولا كرامة» (أقول: نفسك ظلمت، وغياها حرمت ن أما صاحب التفسير وهو الفخر الرازي فقد ظهر منه بأخرة التوبة والإنابة، كما ذكرناه في (الاعنقاديات) ومنها يعرف حال الإمام ابن خزيمة وكتابه، وحال مبغضيه.
١٩٢- محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري صاحب (الصحيح) . قال الأستاذ ص ٤٨: «وأما قوله في (تاريخ الكبير) : كان «أبو حنيفة» مرجئا سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه ... فبيان لسبب إعراض من أعرض عنه، على أن إرجاءه هو محض السنة رغم تقولات جهلة النقلة، ... فالمعرض عنه، إما خارجي يزكي مثل عمران بن حطان وحريز بن عثمان، أو معتزلي قائل بالمنزلة بيت المنزلتين» .
أقول: قد تقدم مراد البخاري بقوله في بعض الرواة: «سكتوا عنه» في ترجمة إسحاق الحنيني، فأما إرجاء ابي حنيفة فقد نظرنا فيه في (الاعتقاديات) ، وبذلك تنكشف مغالطة الأستاذ. على أني سلكت هناك سبيل المجاملة وليس هذا موضع استيفاء الحق. وأما عمران وحريز فقد اتفق أهل العلم على أنهما من اصدق الناس في الرواية ن وقد جاء انهما رجعا عن بدعتيهما ن وذكر البخاري رجوع حريز في ترجمته من (التاريخ) ن ولم يحتج البخاري بعمران إنما ذكره في المتابعات في حديث واحد. ولعمري إن محاولة الأستاذ في دفاعه عن أبي حنيفة الطعن في أئمة الإسلام كسفيان الثوري وأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري وعبد الله بن الزبير الحميدي والإمام أحمد بن حنبل والإمام أبي عبد الله البخاري وغيرهم من الأئمة لأضر على أبي حنيفة من
стр. 639
كلام هؤلاء الأئمة فيه، ولو قال قائل: لا يتأتى تثبيت أبي حنيفة إلا بإزالة الجبال الرواسي لكان أخف على ابي حنيفة ممن يقول لا يتأتي محاولة ذلك إلا بالطعن في هؤلاء الأئمة، وإن صنيع الكوثري لأضر على أبي حنيفة من هذا كله، لأنم الناس يقولون الكوثري عالم مطلع، كاتب بارع، إن أمكن أحدا الدفاع عن أبي حنيفة فهو، ولوأمكنه ذلك بدون الطعن في هؤلاء الأئمة ودون ارتكاب المغالطات الشنيعة لكان من ابعد الناس عن ذلك. هذا وفضائل البخاري معروفة حتى قال ابوعمروالخفاف وهو من الحفاظ كما في (أنساب ابن السمعاني) : «حدثنا التقي النقي العالم الذي لم أر مثله محمد بن إسماعيل وهو أعلم بالحدبث من إسحاق وأحمد وغيرهما بعشرين درجة. من قال فيه شيئا فعليه مني ألف لعنة» .
١٩٣- محمد بن إسماعيل أبو إسماعيل الترمذي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٨ من طريق جماعة عنه «حدثنا ابوتوبة حدثنا الفزاري قال ك سمعت الأوزاعي وسفيان يقولان ما ولد في الإسلام مولود اشأم عليهم - وفي رواية شر عليهم - من أبي حنيفة» قال الأستاذ ص ١١١: «تكلم فيه ابوحاتم» وفي (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٣ من طريقه «حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا عبد الله بن المبارك قال: من نظر في كتاب (الحيل) لأبي حنيفة أحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله» قال الأستاذ ص ١٢١: «قال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه» .
أقول: لم يتكلم فيه أبو حاتم وإنما قال ابنه ك «تكلموا فيه» ولا يدري من المتكلم ولا الكلام ن وقد وثقه النسائي ومسلمة والدارقطني وغيرهم ن فهو ثقة حتما. (١)
١٩٤- محمد بن أعين أبو الوزير (راجع الطليعة) ص ٣١- ٣٤. روى
стр. 640
الخطيب في (التاريخ) من طريق أبي الوزير عن ابن المبارك فزعم الأستاذ في (التأنيب) أن أبا الوزير هو عمر بن مطرف فكشف مغالطته في (الطليعة) وأوضحت أنه محمد بن أعين، فرأى الأستاذ أنه لا فائدة في المكابرة فعدل في (الترحيب) إلى محاولة توهين بن أعين فقال: «توثيق ابن حبان على قاعدته ... وكون المرء خادما أو كاتبا أو وصيا أو معتمدا عنده في شيء ليس بمعنى توثيقه في الرواية عندهم، وقول الناقد: أحمد بن حنبل لا يروي إلا عن ثقة. رأي مبتكر، وروايته عن مثل عامر بن صالح معروفة.
أقول: قاعدة ابن حبان يأتي تحقيقها في ترجمته وبذلك يعرف أن توثيقه لابن أعين من التوثيق المقبول، وابن أعين قالوا: «أوصى إليه ابن المبارك وكان من ثقاته» وابن المبارك كان رجلا في الدين، رجلا في الدنيا فلم يكن ليعتمد بثقته في حياته وإيصائه بعد وفاته إلا إلى عدل أمين يقظ لا يخشى منه الخطأ في حفظ وصاياه وتنفيذها، فهذا توثيق فعلي قد يكون أبلغ من التوثيق القولي، غاية الأمر أنه قد يقال: ليس من الممتنع أن يكون ابن أعين ممن ربما اخطا في المواضع الملتبسة من الأسانيد، وهذا لا يضر هنا، لأن روايته في (تاريخ بغداد) إنما هي واقعة لابن المبارك على أن ذاك الاحتمال يندفع برواية أحمد وتوثيق ابن حبان، وأنه لم يتعرض أحد بغمز لابن أعين في روايته؛ وكون أحمد لا يروي إلا عن ثقة لم أقله، وإنما قلت: «ورواية أحمد عنه توثيق لما عرف من توقي أحمد» ومع ذلك فقد نص ابن تيميه والسبكي في (شفاء السقام) على أن أحمد كان لا يروي إلا عن ثقة. وفي (تعجيل المنفعة) ص ١٥ و١٩ وغيرهما ما حاصله أن عبد الله بن أحمد كان لا يكتب في حياة أبيه إلا عمن أذن له أبوه ن وكان أبوه لا يأذن له بالكتابة إلا عن الثقات. ولم يكن أحمد ليترخص أنفسه ويشدد على ابنه، وفي (فتح المغيث) ص ١٣٤: «تتمة ممن كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في النادر الأمام أحمد وبقي بن مخلد ... » وقوله: «إلا في النادر» لا يضرنا، إنما احترز بها لأن بعض أولئك المحتاطين قد يخطئ في التوثيق فيروي عمن يراه ثقة وهو غير ثقة، وقد يضطر إلى
стр. 641
حكاية شيء عمن ليس بثقة فيحكيه ويبين أنه ليس بثقة. والحكم فيمن روى عنه أحد أولئك المحتاطين أن يبحث عنه فإن تكون توثيقا، وإن وجد أن الذي روى عنه قد جرحه تبين أن روايته عنه كانت على وجه الحكاية فلا تكون توثيقا، وإن وجد أن غيره جرحه جرحا أقوى مما تقتضيه روايته عنه ترجح الجرح. وإلا فظاهر روايته عنه التوثيق، وابن أعين لم يغمزه أحد، ولا أحمد ولا غيره، بل وثقه ابن المبارك توثيقا فعليا كما سلف، ووثقه ابن حبان. فأما عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير فلم يقتصر أحمد على الرواية عنه، بل وثقه بالقول كما في ترجمته من (التهذيب) وغيره، فإن ترجح توثيق أحمد فذاك، وإن ترجح جرح غيره لم يضرنا لأن من كان شأنه إصابة اخطأ في النادر ثم جاء عنه مالا يعلم أنه أخطأ فيه، فهو محمول على الغالب، وهو الإصابة، سواء أكان محدثا أم ناقدا أم قاضيا أن مفتيا كما هو معروف وقد جاء عن ابن معين الذي جرح عامرا هذا أنه قيل له ك إن أحمد يحدث عنه، فقال ابن معين ك «ماله، جن؟ !» وهذا يدل أوضح دلالة على أن ابن معين يعرف من أحمد أنه لا يروي إلا عن ثقة.
فإن كنت لما كتبت ما كتبت في (الطليعة) استحضرت هذه النقول أو بعضها، وإن كنت بنيت على ما عرفته بالممارسة من حال الأمام أحمد فذاك أكمل، وعلى كلا الحالين فقد تبين أنه ليس برأي مبتكر، كما زعم الكوثري. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. (١)
١٩٥- محمد بن بشار بندار . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٧ من طريقة: «سمعت عبد الرحمن «بن مهدي» يقول: كان بين ابي حنيفة وبين الحق حجاب» . قال الأستاذ ص ٣٢: «تكلم فيه الأقدمون إلى أن اتهموا بالكذب وسرقة الحديث، ثم استقر عمل المتأخرين على الانتقاء من رواياته» .
стр. 642
أقول: هذا ثقة جليل وثقة أبو حاتم مع تشدده والنسائي والذهلي ومسلمة وابن خزيمة وكان يسميه: «إمام زمانه» وآخرون، واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وبقية الستة. وفي (التهذيب) عن (الزهرة) : «روى عنه البخاري مائتي حديث وخمسة أحاديث، ومسلم أربعمائة وستين» . ولم يتهمه أحد بالكذب بالمعنى المتبادر ولا بسرقة الحديث، وفي ترجمة محمد بن المثنى أبي موسى الزمن من (التهذيب) وغيره عن السلمي عن الدارقطني أن عمرو بن علي الصيرفي سئل عنه وعن بندار هذا فقال: «ثقتان يقبل منهم كل شيء إلا ما تكلم به أحدهما في الآخر» يعني لأنه كانت بينهما منافسة. والدارقطني لم يدرك عمرو بن علي ولكن الاستشهاد بمثل هذا مقبول. وقال عبد الله بن محمد بن يسار: سمعت عمرو بن علي يحلف أن بندارا يكذب فيما يروي عن يحيى، قال ابن سيار: وبندار وأبو موسى ثقتان، وأبو موسى اصح» وإنما أراد عمرو بن علي بالكذب الوهم والخطأ بدليل أنه قد جاء عنه توثيق بندار كما مر، وأن الراوي عنه وهو ابن سيار وثق بندارا، وإنما رجح آبا موسى عليه ن وقد كانت بين عمرو بن علي وبندار مخاشنة، ففي ترجمة عمرومن (التهذيب) : «حدث عمرو بن علي عن يحيى القطان فبلغه أن بندارا إلى أن قال ك ما نعرف هذا من حديث يحيى، فقال أبوحفص «عمروابن علي» : وبلغ بندار إلى أن يقول: ما نعرف؟ !» فهذا قضى عمرو بن علي بندار وأنى موسى أن لا يقبل كلام كل منهما في الآخر فقد قضى على نفسه ن والحق انه أراد إنما أراد الوهم والخطأ. وقد قال الأستاذ ص ١٦٣: «الإخبار بخلاف الواقع هو يكذب ما لم يفسر وجه كذبة ... » وفي (التهذيب) : «قال عبد الله بن علي ابن المديني: سمعت أبي وسألته عن حديث رواه بندار عن ابن مهدي عن أبي مهدي عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «تسحروا فإن في السحور بركة» ؟ فقال: هذا كذب، وأنكره أشد الإنكار، وقال: حدثني أبو داود: «موقوفا» ، يعني ليس فيه: «عن النبي ﷺ » ، وقد رواه النسائي عن بندار مرفوعا، ثم قال: «وقفه عبيد الله بن سعيد» ثم رواه من طريقة: موقوفا، والمتن ثابت عن النبي ﷺ من حديث أنس
стр. 643
وهو في (الصحيحين) وقد روي من حديث أبي هريرة، والخطأ في مثل هذا يقع كثيرا من الثقات، وإنما أراد ابن المديني أن رفعه من تلك الطريق غير واقع، لا أن بندارا تعمد الكذب، وهذا واضح، فبندار قد يقع له الخطا في مظانه كالحديث المذكور.
وأما سرقة الحديث فإنما أخذها الأستاذ مما روي عن أبي موسى أنه سبق بندارا إلى تصنيف حديث داود بن أبي هند ثم قال ك هنا قوم لوقدروا أن يسرقوا حديث داود لسرقوه - يعني بندارا - وإنما كانت بين الرجلين منافسة فأراد أبو موسى أن بندارا يحسده على السبق إلى تصنيف حديث داود حتى لوأمكنه أن يسرق ذاك الكتاب ليفقده أبا موسى لفعل.
وليس هذا من سرقة الحديث في شيء، ولم يقع من بندار لا هذا ولا ذاك، ولا هو ممن يقع منه ذلك، وإنما بالغ أبو موسى كما لا يخفى. ومع هذا لم يكن بين الرجلين بحمد الله ما يسمى عداوة، وقد توفي بندار قبل آبى موسى فجاء بعض الجهلة إلى أبي موسى فقال له: البشري، مات بندار. يعني وخلا لك الجو. فقال له أبو موسى ك «جئت تبشرني بموته؟ ! علي ثلاثون حجة إن حدثت أبدا» . فعاش بعد ذلك تسعين يوما لم يحدث ثم مات رحمهما الله تعالى، وإنما حلف أبو موسى أن لا يحدث على ما سبق منه من المنافسة وإظهارا لأنها لم تبلغ به إن يسر بموت صاحبه ن فامتنع من الحديث الذي كانت المنافسة فيه. وأما استقرار العمل على الانتقاء من رواياته فهذا يقال على وجهين:
الأول: أن يتقى ما تبين أنه أخطأ فيه ويؤخذ غيره.
الثاني: أن لا يؤخذ من رواياته إلا ما توبع عليه، فإن أراد الأستاذ هنا الأول فليس فيه ما ينفعه، وإن أراد الثاني فهو مردود عليه، ومع ذلك فقد توبع بندار في المقصود من هذه الحكاية كما ذكر الأستاذ نفسه في غير نوضع، وليست من مظان الخطأ والوهم. والله أعلم. (١)
стр. 644
١٩٦- محمد بن جابر اليمامي . ذكر الأستاذ ص ١١٥ قول ابن أبي حاتم: «أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوز جاني فيما كتب إلي حدثني إسحاق بن راهويه قال: سمعت جريرا يقول قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني» قال الأستاذ ص ١١٦ «الأعمى قد قال فيه أحمد: لا يحدث عنه إلا من هو شر منه. وقد ضعفه ابن معين» .
أقول: أما كلمة «لا يحدث عنه إلا من هو شر منه» ففي (التهذيب) : «قال ابن حبان كان أعمى ... قال أحمد بن حنبل لا يحدث عنه إلا من هو شر منه» فناسب الكلمة إلى أحمد هو ابن حبان وبين ابن حبان وأحمد مفازة ولا يدري ممن سمع تلك الكلمة، ولو صحت عن أحمد لكانت الكلمة أقرب إلى الإطراء البالغ منها إلى الذم، فقد روى عن محمد بن جابر من يعتقد أحمد عون وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وآخرين، فلا معنى يقال إن هؤلاء شر منه إلا إطراؤه بأنه خير منهم وعلى كل فالحكاية منقطعة منكرة، فأما تضعيف ابن معين وغيره له فلأمور.
الأول: أنه كان سيئ الحفظ يتعاطى الرواية من حفظه فيغلط.
الثاني: أنه اختلط عليه حديثه ن قاله ابن معين ن وكأنه كان في كتبه أحاديث سمعها من رجل وأحاديث سمعها من آخر فاختلط عليه بعض كتبه ن فدخلت أحاديث من حديث بعض شيوخه في حديث شيخ آخر.
الثالث: أن كتابه ذهب بأخرة فتأكد احتياجه إلى أن يروي ما علق منه بحفظه وهو سيئ الحفظ.
الرابع ك أن إسحاق ابن الطباع قال: «حدثت محمدا بحديث، قال: فرأيت في كتابه ملحقا بين سطرين بخط طري» والرجل كان أعمى فالملحق غيره حتما، ورواية
стр. 645
الأجلة عنه وشهادة جماعة منهم له بأنه صدوق تدل أن الإلحاق لم يكن بعلمه. فأما قول ابن حبان «كان أعمى يلحق في كتبه ما ليس من حديثه ويسرق ما ذوكر به فيحدث به» فإنما أخذه من هذه القضية، وقد بان أن الإلحاق من غيره، وإذا كان بغير علمه كما يدل عليه ما سبق فليس ذلك بسرقة. فالحكم فيه أن ما رواه الثقات عنه ونصوا على انه من كتابه الذي عرفوا صحته فهو صالح. ويتوقف فيما عدا ذلك.
لآلما هذه الحكاية وهي قوله: «سرق أبو حنيفة كتاب حماد مني» فليست بمظنة الإختلاط ولا الإلحاق، ثم إن أراد بسرقة الكتاب سرقة الحديث أي أبا حنيفة سمع منه عن حماد أحاديث فرواها أبو حنيفة عن حماد، فهذا ظن منه لا تقوم به حجة ن فان أبا حنيفة قد صحب حمادا واختص به فلعل ما سمعه من محمد بن جابر كان عنده عن حماد، وإن أراد سرقة الكتاب نفسه فلم يبين كيف عرف ذلك؟ وقد يكون كان في مجلس فيه أبو حنيفة وغيره ففقد كتابه ثم بلغه أن أبا حنيفة يحدث عن حماد فتوهم ما توهم وليس في هذا حجة. وقد جاء عنه ما لوصح لكان تفسيرا لهذا حكاه الأستاذ بحاشية ص ١١٥ (١) وهو أن العقيلي أخرج بسند فيه محمد بن حميد عن محمد بن جابر قال ك جائني أبو حنيفة من كتبي عن حماد فلم أعطه ن فدس إلي ابنه فدفعت كتبي إليه فدفعها إلى أبيه فرواها أبو حنيفة من كتبي عن حماد» قال الأستاذ «والرواية عن الخط مخالفة لمذهب أبي حنيفة ثم في سند الخبر إبراهيم بن سعيد ومحمد بن حميد» .
أقول: أما مخالفة المذهب إن صحت فلا تكفي هنا كما لا يخفي ن وإبراهيم بن سعيد ثقة كما تقدم في ترجمته، وإنما الوهن من محمد بن حميد فإنه ليس بعمدة (٢) .
١٩٧- محمد بن جعفر الأدمي. تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة أحمد بن عبيد قال الأستاذ ص ٤٢: «قال عنه محمد بن أبي الفوارس كان قد خلط فيما حدث» .
стр. 646
أقول: ذكروا أنه كان شاهدا فقد كان معدلا عند القضاة لكن لم أر من وثقه، فأما التخليط فلم يبين ما هو. (١)
١٩٨- محمد بن جعفر الأنباري . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٧: «أخبرنا ابن رزق والبرقاني قالا: أخبرنا محمد بن جعفر بن الهيثم الأنباري حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر ... » قال الأستاذ ص ١٠٩ «فيه بعض الشيء كما قال الخطيب» .
أقول: ترجمته في (التاريخ) ج ٢ ص ١٥١ وفيها: «سألت البرقاني عن ابن الهيثم فقلت: هل تكلم فيه أحد؟ قال: لا، وكان سماعه صحيحا بخط أبيه» ثم حكى عن ابن أبي الفوارس: «كان قريب الأمر فيه بعض الشيء وكانت له أصول بخط أبيه جياد» .
والظاهر أن بعض الشيء إنما هو فيما يتعلق بالسيرة لا بالرواية ولم يفسر، فلعله تقصير خفيف لا يعد جرحا، ومع ذلك فحاكيته هذه رواها عنه البرقاني وهو إمام مثبت فهي من تلك الأصول التي اتفقوا على صحتها. (٢)
١٩٩- محمد بن جعفر الراشدي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١١ من طريقة «حدثنا أبو بكر الاثرم ... » قال الأستاذ: ص ١٤١ «راوي (العلل) للأثرم وراوياه القطيعي وأحمد بن نصر الذراع غير صالحين للرواية» .
أقول: الراوي عنه هنا القطيعي وهو أحمد بن جعفر بن حمدان تقدمت ترجمته وأنه ثقة الراشدي وثقة غير واحد، ومع ذلك فالحكاية مأخوذة من ذاك المصنف المقطوع بنسبته، فلا يضرها لو كان في بعض الوسائط كلام.
٢٠٠- محمد بن حبان أبو حاتم البستي الحافظ . نقل الأستاذ ص ٩٠ قوله في أبي حنيفة «كان أجل في نفسه من أن يكذب ولكن لم يكن الحديث شأنه، فكن يروي فيخطئ من حيث لا يعلم ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم، حدث بمقدار
стр. 647
مائتي حديث أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما قلب إسنادها أو غير متنها» . أجاب الأستاذ بوجهين:
الأول: حاصله أم أبا حنيفة مشهور بالحفظ والفهم، واشتهر عنه أنه لا يبيح الرواية إلا لمن استمر حفظه من الأخذ إلى الأداء، ولا يبيح الرواية مما يجده الراوي بخط يده ما لم يذكر أخذه له، وتواتر (؟) عنه ختمه القرآن في ركعة - ونحو هذا.
الثاني: التنديد بابن حبان.
أقول: أما الوجه الأول فلم ينفرد ابن حبان بنسبة الخطأ والغلط في الرواية إلى أبي حنيفة بل وافقه على ذلك كثيرون حتى من المائلين إلى أبي حنيفة، نعم انفرد بذاك التحديد، لأنه اعتنى بذلك والف كتابين: أحدهما كتاب (علل ما استند إليه أبو حنيفة) ، والثاني كتاب (علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه) . واشتهار ابي حنيفة بالحفظ غير مسلم، وحفظ القرآن لا يستلزم حفظ الأحاديث، والفهم لا يستلزم الحفظ، وفهم المعاني والعلل غير فهم وجوه الرواية. وقد اشتهر ابن أبي ليلى بالفقه حتى كان الثوري إذا سئل قيل: فقهاؤنا ابن أبي ليلى وابن شبرمة، وكان ابن أبي ليلى رديء الحفظ للروايات كثير الغلط. وما اشتهر عن أبي حنيفة من اشتراط استمرار الحفظ إن صح فمراده التذكر في الجملة وإلا لزام ما هو أشد، والتذكر في الجملة لا يدفع احتمال التوهم والخطأ، وكان على الأستاذ أن ينقل نصوصا صحيحة صريحة عن الأئمة المعتمد عليهم ترد قول ابن حبان كما جاء في الشافعي قول أبي زرعة الرازي «ما عند الشافعي حديث غلط فيه» وقول أبي داود: «ليس للشافعي حديث أخطأ فيه» ، أو يتجشم جمع الأحاديث التي يثبت أن ابا حنيفة رواها وبيان ما يثبت من موافقة الثقات له ومخالفتهم.
وأما التنديد بابن حبان فذكر الأستاذ أمورا:
منها أن ابن الصلاح وصفه بأنه غلط الغلط الفاحش في تصرفه.
أقول: ابن الصلاح ليس منزلته أن يقبل كلامه في مثل ابن حبان بلا تفسير،
стр. 648
والمعروف مما ينسب ابن حبان فيه إلى الغلط أنه يذكر بعض الرواة في (الثقات) ثم يذكرهم في (الضعفاء) ، أو يذكر الرجل مرتين أو يذكره في طبقتين ونحو ذلك. وليس بالكثير وهو معذور في عامة ذلك وكثير من ذلك أو ما يشبهه قد وقع لغيره كابن معين والبخاري.
ومنها أن الذهبي وصفه بالتشغيب والتشنيج.
أقول: إنما ذلك في مواضع غير كثيرة يرى ما يستنكره للراوي فيبالغ في الحط عليه ن وهذا أمر هين، لأنه إن كان فيمن قد جرحه غيره فكما يقول العامة «لا يضر المقتول طعنه» وإن كان فيمن وثقه غيره لم يلتفت إلى تشنيعه وإنما ينظر في تفسيره وما يحتج به.
ومنها أنه يةثق المجاهيل الذين لم يسير أحوالهم.
أقول: قد بين ابن حبان اصطلاحه وهو أنه يذكر في (الثقات) كل من روى عنه ثقة ولم يرومنكرا، وأن المسلمين على الدالة حتى يثبت الجرح، وقد ذهب غيره من الأكابر إلى قريب من هذا كما قدمته في (قسم القواعد) في القاعدة السادسة. نعم إنه ينى على رأيه أن المسلمين على العدالة واستأنس بصنيع بعض من تقدمه من الأئمة من ذكر ذلك الرجل بدون إشارة ضعف فيه، وأهل العلم من الحنفية وغيرهم كثيرا ما يقوون الراوي بقولهم: «ذكره البخاري وابن ابن حاتم ولم يذكرا فيه جرحا» (١) ومع ذلك يبين ابن حبان بعدم ذكر شيخ للرجل ولا راو عنه أنه لم
стр. 649
يعرفه (١) .
ومنها أنه عريق في التعصب.
أقول: أئمة الحديث كلهم في رأي الأستاذ متعصبون ولا أعرف ابن حبان بتعصب.
ومنها أنه حكي عنه أنه قال في النبوة أنها العلم والعمل.
أقول: إن صح هذا عنه فهو قول مجمل وابن حبان معروف عنه في جميع تصانيفه أنه يعظم أنه يعظم النبوة حق تعظيمها ولعله أراد أن المقصود من أيجاد الله إلى النبي ﷺ أن يعلم هو ويعمل، ثم يبين للناس فيعلموا ويعلموا. وقد نسب إليه أنه أنكر الحد لله، ولعله امتنع من التصريح بإثبات الحد باللفظ الذي اقترح عليه، أو آتى بعبارة حملها المشنعون على إنكار الحد كما اتفق للبخاري في القرآن، وغير ذلك، وكتب ابن حبان من أو لها إلى آخرها جارية على التمسك بالسنة والثناء على أصحابها وذم من يخالفها ن وهو من أخص أصحاب ابن خزيمة أحد ائمة السنة. ثم أحال الأستاذ على ما في (معجم البلدان) : (بست) .
وأقول: هناك عبارة طويلة زعم ياقوت انه نقلها من خط ابن النفيس أنه نقلها من خط السليماني في (معجم شيوخه) ، وياقوت ليس بعمدة والأئمة الذين ذكروا ترجمة ابن حبان قد وقفوا على كتب السليماني ونقلوا عنها ثم لم يحكوا في ترجمة ابن حبان حرفا من تلك العبارة، وفيها ذكر أحوال لابن حبان تتعلق بسمرقند ونيسابور وبخاري، ولكل من هذه البلدان (تاريخ) ذكر فيه ابن حبان، ونقل ياقوت وغيره من تلك التواريخ فلم يقع في ذلك شيء مما في تلك العبارة وإنما نقلوا عن تلك التواريخ تعظيمه والثناء البالغ عليه ن على أن ما وصف به في تلك العبارة منه ما ليس
стр. 650
بجرح، ومنه ما هو جرح غير مفسر أو مفسر بما لا يقدح، أو غير مثبت، ضرورة أن قائل ذلك لم يكن ملازما لابن حبان في جميع تنقلاته في تلك البلدان، وإنما لفقت إن صحت عن السليماني من قيل، وقالوا، وزعموا، فعلى كل حال لا وجه للتعويل عليها، ولا الإلتفات إليها. والله المستعان.
هذا وقد أكثر الأستاذ من رد توثيق ابن حبان، والتحقيق أن توثيقه على درجات،
الأولى: أن يصرح به كأن يقول «كان متقنا» أو «مستقيم الحديث» أو نحو ذلك.
الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم.
الثالثة: أن يكون من المعروفين بكثرة الحديث بحيث يعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة.
الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذاك الرجل معرفة جيدة.
الخامسة: ما دون ذلك.
فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم، والثانية قريب منها، والثالثة مقبولة، والرابعة صالحة، والخامسة لا يؤمن فيها الخلل. والله أعلم. (١)
стр. 651
٢٠١- محمد بن الحسن بن محمد بن زياد النقاش . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٦ حكاية من طريقه. قال الأستاذ ص ٧٤: «كذاب زائغ من اسقط خلق الله، ولولا أن الداني المقرىء بعيد الدار عن الشرق لما خفيت عليه مخازيه» .
أقول: كان هذا الرجل مقرئا مفسرا تعب في الطلب وجمع فأكثر لكنهم نقموا عليه في أحاديث، فأما الدارقطني فكان يجمل القول فيه ويحمله على الهم والتساهل في الأخذ، وأما البرقاني وغيره فحطوا عليه وتبعهم الخطيب، وإنما روى عنه لأنه لم ينفرد بمعنى ما روى، وكان الأولى به ترك الرواية عنه. والله المستعان.
٢٠٢- محمد بن الحسن بن حميد بن الربيع . ساق الخطيب في (التاريخ) ١٣ / ٤٠٣ عدة روايات جيدة في تشديد ابن المبارك في شأن كتاب أطلق عليه (كتاب الحيل لأبي حنيفة) وروايته عن النضر بن شميل ليس فيها ذكر أبي حنيفة، وأشار الأستاذ إلى ما ذكره الذهبي في جزء (مناقب أبي حنيفة وصاحبه) ، ولفظ الذهبي في ذاك الجزء ص ٥٢ - ٥٣: «الطحاوي سمعت محمد بن أبي عمران يقول: قال محمد بن سماعة: سمعت محمد بن الحسين يقول: هذا الكتاب - يعني كتاب (الحيل) - ليس من كتبنا إنما ألقي فيها. قال ابن أبي عمران: إنما وضعه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة» . وقال الأستاذ ص ١٢٢ في الحاشية: «قال أبوسليمان
стр. 652
الجوزجاني: من قال إن محمدا ﵀ صنف كتابا سماه: (الحيل) فلا تصدقه، وما في أيدي الناس إنما جمعه وراقوبغداد كما في (مبسوط السرخسي) ... » وفي (فتح الباري) ذكر لكتاب (الحيل) لبي يوسف، وأطال الأستاذ في دفع نسبة ذاك الكتاب إلى أبي حنيفة، وأصحابه.
والذي تضافرت عليه الروايات الجيدة أنه كان في عصر ابن المبارك فما بعده كتاب يسمى (كتاب الحيل لبي حنيفة) أو (كتاب حيل أبي حنيفة) ن وهناك قرائن تدفع أن يكون من تصنيف أبي حنيفة نفسه؛ وهذه القرائن لا تقع التسمية فقد يكون مصنفه نسبة إليه أو يكون الناس لما رأو هـ مبنيا على قواعد أبي حنيفة أطلقوا عليه هذا الاسم، فأطلق عليه ابن المبارك اسمه المعروف به بين الناس غير قاصد الجزم بأنه تصنيف ابي نفسه، ولا ريب أنه لا يستنبط الحيل من قواعد أبي حنيفة إلا رجل عارف بتلك القواعد له يد في الاستنباط وليس هو بابي يوسف، ولا بمحمد بن الحسن، وقد مر عن ابن ابي عمران وهو من أجلتهم قوله: «إنما وضعه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة» .
والمقصود هنا أنه من المقطوع به وجود ذلك الكتاب وانه كان متداولا بين الناس في تلك الأزمنة، وتضافرت الروايات على أنه كان معروفا بذاك الاسم.
ثم قال الأستاذ ص ١٢٢ وقد حاول: بعض الكذابين رواية كتاب في الحيل عن أبي حنيفة في زمن التأخر بسند مركب فافتضح وهو أبو الطيب محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع الكذاب ابن الكذاب حيث زعم بعد سنة ثلاثمائة أنه كان سمع كتاب (الحيل) سنة ٢٥٨ ب (سر من رأى) من أبي عبد الله محمد بن بشر الرقي عن خلف بن بيان وقد قال مطين: أن محمد بن الحسين هذا كذاب ابن كذاب، وأقره ابن عقدة، ثم أقر ابن عدي وأبو أحمد الحاكم ابن عقدة في ذلك. وقد قوى ابن عدي أمر ابن عقدة. ورد على الذين تكلموا فيه بل قال السيوطي في «التعقبات» ص ٥٧: ابن عقدة من كبار الحفاظ وثقه الناس، وما ضعفه إلا عصري متعصب. اهـ، ثم شيخ محمد بن الحسين مجهول الصفة، بل مجهول العين، وشيخ شيخه مجهول أيضا بل لا
стр. 653
وجود له» .
أقول: أما رواية أبي الطيب هذا الكتاب فليس فيها ما يريب في صدقه، فقد تحقق أن الكتاب كان موجودا بأيدي ناس يسمى ذاك الاسم، فأي ريبة أم أي بعد في أن يجده أبو الطيب عند بعض الوراقين فيزعم الوراق أنه يروي بالسماع فيسموه منه أبو الطيب، وقد يكون ذاك الوراق كذابا زعم ما زعم يروج له الكتاب، ولم يفتش أبو الطيب عن حاله على عادتهم في ذاك العصر من الأخذ عن كل أحد وترك التحقيق لأهله أو لنقته. ثم أن صح قول الأستاذ «بعد سنة ثلاثمائة» فليس يلزم من ذلك أن لا يكون أبو الطيب ذكر قبل ذلك أن الكتاب عنده يروي، وكثيرا ما يروي الرجل بعد أن يسمع بستين أو سبعين سنة أو أكثر وقد كان للأستاذ في نهالة الشيخ أبو الطيب وشيخ شيخهم ما يكفيه في دفع النسبة إلى أبي حنيفة المحاولة الطعن في أبي الطيب الموثق كما يأتي، ومحاولة الدفاع عن أبي عقدة المجروح كما تقدم في ترجمته وهو أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة مع دعوى تقوية ابن عدي له، وفي ذلك ما فيه. فأما ما نسب إلى مطين فدون الشارحة:
زعم ابن عقدة أنه كان عن مطين فمر أبو الطيب فقال المطين هذا كذاب ابن كذاب. وفي بعض المواضع الزيادة (أبن كذاب) أخرى، فحكى ابن عدي عن أبي عقدة هذا وقواه بالنسبة إلى حسين بن حميد والده أبو الطيب كما تقدم في ترجمته مع النظر فيه، فأما أبو أحمد الحاكم فإنما قال في ابي الطيب: «كان أبن عقدة سيئ الرأي فيه» ، وهذا يشعر بأنه لن يعتمد على رواية ابن عقدة عن مطين وإلا بقال: «كان مطين سيئ الرأي فيه» ، وابن عقدة يس بعمده كما تقدم في ترجمته. وقد تعقب الخطيب حكايته هذا في «التاريخ» ج ٢ ص ٢٣٧ وقال: «في الجرح بما يحكيه أبو العباس بن سعيد «ابن عقدة» نظر، حدثني علي بن محمد بن نصر قال: سمعت حمزة السهمي يقول: سالت أبا بكر ابن الدان عن ابن عقدة إذا حكى حكاية عن غيره من الشيوخ في جرح فهل يقبل قوله أم لا؟ قال: لا يقبل «وهذه الروية مأخوذة عن كتاب معروف لحمزة. ثم روى الخطيب عن أبي يعلى الطوسي توثيق أبي الطيب قال:
стр. 654
«كان ثقة صاحب مذهب حسن وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وكان ممن يطلب للشهادة فيابا «وقال ابن الجوزى في «المنتظم» ج ٦ ص ٢٣٥: «كان ثقة يفهم، وقد روى ابن عقدة عن الحضرمي «مطين» أنه قال: هو كذاب - وهذا ليس صحيح «وقال ابن حجر في» (اللسان) : «الظاهر أن جرح ابن عقدة لا يؤثر فيه بينهما من المتباينة في الاعتقاد» .
أقول: أما جرحه من قبل نفسه بلى حجة فنعم، وأما روايته عن غيره فلو كان ثقة لم ترد بالمباينة في الاعتقاد ولكنه في نفسه على يدي عدل، فألمبتينة في الاعتقاد تزيده وهنا على وهن. والله الموفق ٠
٢٠٣- محمد بن حماد . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٢ من طريق «عبد الله بن أبي القاضي يقول: سمعت محمد بن حماد يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام ... » قال الأستاذ: ص ١٤١ «وضاع معروف من أصحاب مقاتل» .
أقول: صاحب مقاتل قديم ففي ترجمته من «اللسان» أنه قال: «اشخصني هشام بن عبد الملك من الحجاز إلى الشام ... » وقد مر في ترجمته عبد الله بن أبي القاضي أن أعلى شيخ له أحمد بن عبد الله بن يونس المتوفى سنة ٢٢٧، وهشام مات سنة ١٢٥ فأني يدرك عبد الله أبن ابي من كان في زمن هشام رجلا؟ فهذا رجل أخر. والله المستعان.
٢٠٤- محمد بن حمدويه أبو رجاء المروزي . ذكروا أنه ذكر في «تاريخ مرو» وأن محمود بن غيلان توفى سنة ٢٢٩ وأن البخاري وغيره قالوا: أن محمودا توفى سنة ٢٣٩ فذكر الأستاذ هذا ص ٦٤ وأطلق على أبي رجاء «رواية الغرائب» .
ولا يخفى أن هذا الخطأ الواحد لا يبرر هذه الكلمة وراجع «الطليعة» ص ٢٢- ٢٩ لتعرف حال الكوثري في تلك القضية.
٢٠٥- محمد بن روح . في «تاريخ بغداد» ١٣ / ٤١٢ من طريق «زكريا بن
стр. 655
يحيى الساجي حدثني محمد بن روح قال: سمعت أحمد بن حنبل ... » قال الأستاذ ص ١٤٣: «مجهول»
أقول: في «تاريخ بغداد» ج ٥ ص ٢٧٧ «محمد بن روح العكبري ... » ثم روى من طريق «عثمان بن إسماعيل بن بكر السكري ثنا محمد بن روح العكبري بعكبرا وكان صديقا لأحمد بن حنبل وكان أحمد بن حنبل إذا خرج الى عكبرا ينزل عليه «وعثمان هذا توفى سنة ٣٢٣ كمكا في «التاريخ» ج ١١ ص ٢٩٦ والسياجي توفى سنة ٣٠٧ ولم يكن أحمد ليصادق رجلا وينزل عليه إلا وهو خير فاضل.
٢٠٦- محمد بن سعد العوفي . في ترجمة الحسن بن زياد اللؤلوي من (لسان الميزان) تكذيب الأئمة له وطعنهم فيه، ساق كثبرا من ذلك ثم قال: «ومع ذلك كله أخرج له أبو عوانة في (صحيحه) والحاكم في (مستدركه) وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة» ذكر هذا استنكارا له، فجاء الكوثري فقال ص ١٨٧ في ترجمة اللؤلؤي: «مجتهد عظيم القدر ومحدث جليل الشأن ... أخرج عنه الحافظ أبو عوانة ... في (الصحيح المسند المستخرج) وهذا توثيق منه، والحاكم في (المستدركه) ... وهذا أيضا توثيق منه ووثقه مسلمة بن قاسم ... وكان يأبى الخرض في القياس في مورد النص كما فعل مع بعض المشاغبين في مسألة القهقهة في الصلاة. كما ذكره ابن حزم ... ومع هذا كله تجد ترجمته عند الخطيب من أسوأ التراجم ... » وهكذا قدم الكوثري المؤخر وعرف المنكر واحتج ببعض الروايات الزائفة ورد بعض الروايات الثابتة التي تقدمت الإشارة إلى بعضها في ترجمة الخطيب وفي ترجمة صالح بن محمد الحافظ، وحاول هدم أركان الإسلام لينصب هذا التالف. ثم قال «وقد روى - يعني الخطيب - في كتابه أيضا عن الساجي وابن معين وابن المديني ويعقوب بن سفيان وغيرهم تضعيف الحسن ابن زياد أو تكذيبه إلا أن في أسانيد تلك الروايات أمثال محمد بن «عثمان بن» أبي شيبة ومحمد بن سعد العوفي، والأدمي، وعبد الله «بن محمد بن عبد العزيز» البغوي، ودعلج، والآجري، والعقيلي وأضرابهم، وأمرهم يدور بين كذاب، وضعيف،
стр. 656
ومتعصب مردود القول، ومغفل، ومجسم متعصب، لا يقبل قوله في أهل السنة» .
ترى الأستاذ يطعن في بضعة عشر رجلا شرهم خير من ألف مثل اللؤلؤي، وأنا أسوق أسماءهم ليقابل العاقل تراجمهم في هذا الكتاب وغيره بترجمة اللؤلؤي في (لسان الميزان) وغيره، الحافظ أحمد علي الأبار، وإدريس بن عبد الكريم، وإسحاق بن إسماعيل، والحافظ الحسن ابن علي الحلواني، والحافظ دعلج بن السجزي، الحافظ صالح بن محمد جزرة، عبد الله ابن جعفر بن درستويه، الحافظ عبد الله بن سليمان أبو بكر ابن أبي داود، الحافظ عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي،
الحافظ عبد الله عبد المؤمن بن خلف، محمد بن رزق، محمد ابن جعفر الأدمي، محمد بن سعد العوفي، محمد بن العباس الخزار، الحافظ محمد بن عثمان بن ابي شيبة، الحافظ محمد بن علي بن عثمان الآجري، الحافظ محمد بم عمروالعقيلي.
ولم أطلق كلمة «الحافظ» إلا على من أطلقها عليه أهل العلم - لا كالكوثري يطلقها على من دب ودرج من أصحابه!
ولا بأس بأن نناقش الكوثري هنا فأقول: أما أبو عوانة فقد ذكر الأستاذ ص ١٧ عبد الله بن محمد البلوي فقال فيه وفي آخر: «كذابان معروفان» . وقد قرأ الأستاذ في (الميزان) و «اللسان» في ترجمة البلوي «روى عنه أبو عوانة في (صحيحه) في الإستسقاء خبرا موضوعا» وروى أبو عوانة في (صحيحه) ج ١ ص ٢٣٦ - ٢٣٧ حديثا في سنده عبد الله بن عمروالواقفي وجابر بن يزيد الجعفي وكلاهما متهم. وفي (فتح الباري) في شرح «باب القصد والمدارمة على العمل» من كتاب «الرقاق» « ... وهذا من الأمثلة لما تعقبه على ابن الصلاح في جزمه بأن الزيادات التي تقع في المستخرجات يحكم بصحتها ... ووجهه التعقب أن الذين استخرجوا لم يصرحوا بالتزام ذلك، سلمنا أنهم التزموا ذلك، لكن لم يفوا به» .
стр. 657
«أقول: أصحاب المستخرجات يلتزمون إخراج كل حديث من الكتب التي يستخرجون عليها» فأبو عوانة جعل كتابه مستخرجا على «صحيح مسلم» ومعنى ذلك أنه ألتزم أن يخرج بسند نفسه كل حديث أخرجه مسلم، فقد لا يقع له بسند نفسه الحديث إلا من طريق رجل ضعيف فيتساهل في ذلك، لأن أصل الحديث صحيح من غيره طريقه، ومع ذلك زاد أبو عوانة حديث ضعيفا لن يحكم هو بصحته فأنما يسمى كتابه «صحيحا» لأنه مستخرج على «الصحيح» ولأنه معظم أحاديثه وهي مستخرجة الصحاح، فأخرجه لرجل لا يلتزم توثيق ولا تصديق بل صحاب «الصحيح» نفسه قد يخرج في المتابعات والشواهد لمن لا يوثق وهذا أمر معروف عند أهل الفن لا يخفى على الكوثري! فأما «مستدرك الحاكم» فحدثه عنه ولا حرج، فأن في «مستردكا» كثيرا الرواة التالفين، وجماعه منهم قد قطع هو نفسه بضعفهم الشديد، ويأتي بسيط ذلك في ترجمته فأن الأستاذ حط عليه حيث خالفه، ثم عاد يحتج به هنا. وأما مسلمة بن قاسم وقد جعل الله بكل شيئا. قدرا. حده أن يقبل منه توثيق من لم يجرحه من هو وأجل منه ونحو ذلك، فأما آن يعارض بقوله نصوص جمهور الأئمة فهذا يقوله عاقل.
وأما قضية القهقهة فتراها في ترجمته اللؤلؤي من «لسان الميزان» ولا يرتاب مطلع أن اللؤلؤي إنما ولي دبره خشية أن يريد عليه ما لا قبل له به (١) إذ قد كان يمكنه أن
стр. 658
يجيب بهذا العذر الذي ذكره الكوثري ثم ينظر ما يرد عليه، على أنه يعلم أن هذا العذر باطل فإن أهل الرأي يردون بالقياس النصوص الصحيحة الثابتة فكيف يتقون أن يخوضوا فيه في مقابل مثل هذا الحديث؟! وجاء أن اللؤلؤي لما ولي القضاء لم يدر كيف يقضي! وذكر الحنفية أنه كان يثقل على أبي يوسف بالمناظرو، فقال ابويوسف لصحابه إذا جاء فابدروه بالمسالة فجاء فلم يستتم السلام حتى قال: ما تقول في كذا؟ خاف أن يبدروه بتلمسالة فبدرهم؟ يؤخذ من هذا أنه كان ضعيف البديهة، بطيء الإدراك، فكان يطيل الفكر في بيته في بعض المسائل وما يمكن آن يقال فيها أو يورد عليها وما يمكن أن يدفع به ذلك الإيراد ويمعن في ذلك ويتحفظ، ثم يجيء إلى أبي يوسف أو غيره ويناظر في تلك المسالة، وعرف أبو يوسف هذا فأمر أصحابه أن يبدروه فيسألوه عن مسألة لأنه يغلب أنه لم يكن استعد لها فينقطع، وعرف هو من نفسه هذا فبدرهم ن فكأنه لما سأله رفيق الشافعي عن مسالة القهقهة وأورد عليه ما أورد أجتمع عليه حرج الموقف وعدم استعداده فاعتصم بالفرار.
وأما من يحتج بالمرسل فذلك إذا كان الإرسال ممن لا يرسل إلا عن ثقة ن وليس حديث القهقهة من ذاك فقد وصف الذي أرسله بأنه كان ممن يصدق كل أحد.
وأما الجماعة الذين طعن فيهم الأستاذ فتراجمهم في مواضعها، فأما محمد بن سعد العوفي فقد ذكروا أن الحاكم حكى عن الدارقطني أنه لا باس به. وقال الخطيب: «كان لينا في الحديث» وعلق الأستاذ على مناقب أبي حنيفة) للذهبي ص ٢٨ - ٢٩ «قال الخطيب أخبرنا أبن رزق حدثنا أحمد بن علي بن عمرو بن حبيش الرازي سمعت محمد بن أحمد بن عصام يقول: سمعت محمد بن سعد ولا يحدث بما لا يحفظه» قال الأستاذ: «وهذا يقضي على من يرميه بقلة الضبط» وقد تكلم الأستاذ في الراوية الخطيب عن محمد بن أحمد بن رزق. وأشار إلى ذلك هنا كما مر ن ولا أدري ما يقول في محمد بن عصام ن فجعل الأستاذ هذه الرواية مع إنها من طريق محمد بن سعد العوفي وقد انفرد بها هذا الأستاذ قاضية على إجماع الأئمة ومعهم ابن
стр. 659
معين من عدة أوجه عنه ثم تراه هنا يرد رواية محمد بن سعد ومعه جماعة عن ابن معين ومعه جميع الأئمة إلا ما شذ! أما الحسن بن زياد فقد روى تكذيبه ثلاثة عن ابن معين وقال ابن أبي حاتم في كتابه «قريء على العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: حسن اللؤلؤي كذاب» ولعل الأستاذ قد وقف على ذلك في (تاريخ عباس) . ثم قال ابن أبي حاتم «سألت ابي عنه فقال: ضعيف الحديث ليس بثقة ولا مأمون» وفي كتاب (الضعفاء والمتروكين) للنسائي المطبوع في الهند «حسن بن زياد اللؤلؤي ليس بثقة ولا مأمون» وفي الجزء الملحق به وهو روايته، والضعفاء من أصحابه يوسف بن خالد السمتي، كذاب، والحسن ابن زياد اللؤلؤي، كذاب خبيث، ومحمد بن الحسن ن ضعيف، والثقات من أصحابه أبو يوسف القاضي ثقة ... » وفي ترجمة اللؤلؤي من (لسان الميزان) : «قال محمد بن عبد الله بن نمير: يكذب على ابن جريج، وكذا كذبه أبو داود فقال ك كذاب غير ثقة، وقال ابن المديني ك لا يكتب حديثه ... وقال أبوثور: ما رأيت اكذب من اللؤلؤي وقيل ليزيد بن هارون: ما تقول في اللؤلؤي قال: أو مسلم هو؟ وقال يعلي بن عبيد: اتق اللؤلؤي، وقال ابن أبي شيبة: كان أبو أسامة يسميه الخبيث ن وقال يعقوب بن سفيان والعقلي والساجي: كذاب ... » .
فأما قضية التقبل وقرص الخد في الصلاة فقد تقدمت الإشارة إليها في ترجمة الخطيب ثم في ترجمة صالح بن محمد وهي بغاية الثبوت. فهذا هو الذي يصفه الكوثري بأنه «مجتهد عظيم القدر ومحدث جليل الشان ... » استخفافا بالدين وأهله وسخرية من عقول الناس وعقله! (١)
٢٠٧- محمد بن سعيد البورقي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٣٥ من
стр. 660
طريقه (١) : «حدثنا سليمان بن جابر بن سليمان بن ياسر بن جابر حدثنا بشر بن يحيى قال: أخبرنا الفضل بن موسى السيناني عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: إن في أمتي رجلا اسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي ن هو سراج أمتي ن هو سراج أمتي» قال الخطيب:
«قلت: وهو حديث موضوع تفرد بروايته البورقي وقد شرحنا فيما تقدم أمره وبينا حاله» يعني في ترجمة وهي في (التاريخ) ج ٥ ص ٣٠٨ - ٣٠٩ وفيها عن حمزة السهمي «محمد بن سعيد البورقي كذاب حدث بغير حديث وضعه» وعن الحاكم «هذا البورقي قد وضع من المناكير على الثقات ما لا يحصى وأفحشها روايته ... سيكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي. هكذا حدث به في بلاد خرسان ثم حدث به بالعراق بإسناده وزاد فيه انه قال: سيكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس فتنته على أمتي أضر من إبليس» وذكر الخطيب غير هذا من مناكيره. قال الأستاذ ص ٣٠: «استوفى طرقه البدر العيني في (تاريخه الكبير) واستصعب الحكم عليه بالوضع مع وروده بتلك الطرق الكثيرة وقد قال: « ... فهذا الحديث كما ترى قد روى بطرق مختلفة ومتون متباينة ورواة متعددة عن النبي ﵊ فهذا يدل على أنه له أصلا، وإن كان بعض المحدثين بل أكثرهم ينكرونه وبعضهم يدعون أنه موضوع وربما كان هذا من أثر التعصب، ورواة الحديث أكثرهم علماء وهم من خير الأمم فلا يليق بحالهم الاختلاق على النبي ﵊ متعمدا» ! ذيل عليه الكوثري بقوله: «وعالم مضطهد طول حياته يموت وهو محبوس ثم يعم علمه البلاد من أقصاها إلى أقصاها شرقا وغربا ويتابعه في فقهه شطر الأمة المحمدية بل ثلثلها على توالي القرون، رغم مواصلة الخصوم من فقيه ومحدث ومؤرخ مناصبة العداء له، نبأ جلل لا يستبعد أن يخبر به النبي ﷺ ... » !
стр. 661
أقول: لا أدري أعلم هؤلاء القوم أحرى أن يؤسف عليه أم دينهم أن عقولهم؟! قد تأملت روايات هذا الحديث في (مناقب أبي حنيفة) وغيرها فرأيته يدور على جماعة:
أولهم البورقي وقد عرفت حاله رواه عن مجهول عن مثله عن السيناني بذاك السند، وقد صح عن السيناني أنه قال: «سمعت أبا حنيفة يقول: من أصحابي من يبول قلتين. يرد على النبي ﷺ : إذا كان الماء قلتين لم ينجس» ذكره الأستاذ ص ٨٣.
الثاني: أبو علي أحمد بن عبد الله بن خالد الجويباري الهروي وهو مشهور بالوضع مكشوف الأمر حدا وله فيه أربع طرق:
الأولى: عن السيناني بذاك السند.
الثانية: عن أبي يحيى المعلم عن حميد عن أنس.
الثالثة: عن أبي يحيى عن أبان عن أنس.
الرابعة: عن عبد الله بن معدان عن أنس، والراوي عنه في بعض هذه مأمون بن أحمد السليمي وهو شبيهه في الشهرة بالوضع الفاحش.
الثالث: أبو المعلى بن مهاجر، أن كان له ذنب، وهو مجهول رواه محمد بن يزيد المستملي وهو متهم عن مجهول عن مثله عن أبي المعلى عن أبان عن أنس. ورواه النظري بثلاثة أسانيد أخرى كلهم مجاهيل عن أبي المعلى عن أبان عن أنس.
الرابعة: أبو علي الحسن بن محمد الرازي، وهو متهم قد تقدم بعض ما يتعلق به في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت رقم «٦٤» رواه النظري من طريقه بسند كلهم مجاهيل إلا عبد الله بن مغفل «؟» عن علي بن أبي طالب قوله.
الخامسة: النضري قال فيه ابن السمعاني في «الأنساب» «الخيوي» باسم «أبي
стр. 662
القاسم يونس بن طاهر بن محمد بن يونس بن خيو النضري الخيوي من أهل بلخ الملقب شيخ الإسلام ... » ولم يذكر فيه توثيقا ولا جرحا والله أعلم به وبعض الطرق المتقدمة من طريق وزاد بسند كلهم مجاهيل عن أبان عن أنس، وبسند كلهم مجاهيل عن أبي هُدبه عن أنس، وبسند كلهم مجاهيل عن موسى الطويل عن ثابت عن انس، وبسند كلهم مجاهيل عن حماد عن الرجل عن نافع عن ابن عمر، وبسند كلهم مجاهيل عن أبي قتادة الحراني عن جعفر بن محمد عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. هذا ما وقفت عليه، في الأربعة الأولون قد عرفتهم، وأما الخامس وهو النضري فالله أعلم به، وعلى كل حال فكان بين قوم أعاجم جهال متعصبين لا بدع أن يتقربوا إلى الله بتكثير الطرق وكلهم مجاهيل، وأبان وأبو هدبة وموسى الطويل ثلاثتهم هلكى، ومع ذلك لا أراهم إلا أبرياء من هذا الحديث، وإلا لاشتهر في زمانهم. فما باله لم يعرف له أثر إلا بعد أن وضعه الجوبياري في القرن الثالث؟ وأبو قتادة الحراني فسد بآخره ومع ذلك لأراه إلا بريئا من هذا وحماد الذي روى عنه عن رجل عن نافع عن أبي عمر لا أدري من هو وربما يكون المقصود حماد بن أبي حنيفة فإنه قد قيل أنه يروي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فكأن بعض المجاهيل سمع بذلك فركب السند إليه بهذا الحديث فاستحيا النضري عن أن يقول عن مالك عن نافع عن ابن عمر فيكون أشنع للفضيحة فكنا عن مالك برجل!
وهذا ومن شأن الدجالين أن يركب أحدهما الحديث الواحد عدة أسانيد تغريرا للجهال وأن يضع أحدهم فيسرق الأخر وليركب سند من عنده، ومن شأن الجهال المتعصبين أن يتقربوا بالوضع والسرقة وتركيب الأسانيد وقد قال أبو العباس القرطبي: «استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي يدل عليه القياس إلى رسول الله ﷺ ... ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعه لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ... ولأنهم لا يقيمون لها سندا صحيحا» . وقد أشار إلى هذا ابن الصلاح بقوله: «وكذا المتفقهة الذين استجازوا نسبة ما دل عليه
стр. 663
القياس الى النبي ﷺ » .
فتدبر ما شرحناه ثم تأمل ما تقدم عن العيني، ثم راجع الطرق الكثيرة بالأسانيد الصحيحة لقصة استتابة أبي حنيفة من الكفر مرتين وأكثر تلك الطرق مسلسلة بالرجال المعروفين ما بين محدث ثقة وحافظ ثقة وإمام شهير، وانظر ما يقول فيها العيني والكوثري حتى كان أئمة الحديث ورجاله وفقهاء المذاهب الأخرى أهل عند العيني والكوثري لكل كذب، وإن اشتهروا بالإمامة والثقة والصدق والتقوى بخلاف أصحابها أهل الرأي كأنه لا يكون منهم ولا من حمرهم وكلابهم إلا الصدق.
ومع ذلك يرمي هؤلاء القوم مخالفهم بالتعصب وإتباع الهوى ويكثر الأستاذ من قوله: «وقانا الله إتباع الهوى. نسأل الله الصون. نسأل الله السلامة» وأشباه ذلك ويتحرى بهذه الكلمات مواضع ارتكابه الموبقات! والله المستعان (١)
٢٠٨- محمد بن الصقر بن عبد الرحمن . مرت روايته في ترجمته عبد الله بن صالح.
قال الأستاذ ص ٢٩: «فالصقر وعبد الرحمن من الكاذبين والمعروفين» .
أقول: لا أدري أوهم الأستاذ؟ «أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» (٢) .؟!
٢٠٩- محمد بن العباس بن حيوية أبو عمر الخزاز . راجع «الطليعة» ص ٤٠ - ٤١.
حاول الأستاذ في «الترحيب» ص ٣٨ - ٤٠ أن يجيب فتغافل عن الدليل الواضح وهو أن الذي في الحكاية «أبو الحسن أبو الرزاز» وصاحب هذا الاسم موجود وهو علي بن موسى فكيف يعدل عنه إلى من لم يذكر بهذا الاسم أصلا وهو علي بن أحمد فإنه وإن كان يكنى أبا الحسن فإنما تكرر وصفه في ترجمته وغيرها مرارا كثيرة بأنه «الرزاز» وذكروا أنه كان له دكان يبيع فيه الأرز ولم
стр. 664
يوصف قط بأنه «ابن الرزاز» . وذهب الأستاذ يصارع ما ذكرت من أن علي بن أحمد أصغر من ابن حيويه بأربعين سنة ولا تعرف بأنهما علاقة، فذكر «أنهما من أهل بغداد وعاشا هناك متعاصرين سبعا وأربعين سنة فماذا كان يمنع هذا من الاجتماع بذاك؟» .
أقول: أنا لم أدع امتناع الاجتماع وإنما بينت أن مما يرجح أن المراد في الحكاية ابن الرزاز وهو علي بن موسى أنه من شيوخ ابن حيويه بخلاف الرزاز وهو علي بن أحمد فإنه أصغر منه ولا تعرف له به علاقة. وأزيد الأمر إيضاحا فأقول:
عبارة الأزهري: «كان أبو عمر بن حيوي مكثرا، وكان فيه تسامح، لربما أراد أن يقرأ شيئا ولا يقرب أصله منه فيقرؤه من كتاب أبي الحسن ابن الرزاز لثقته بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعا، وكان مع ذلك ثقة» . ويأخذ منها مع ما تقدم أمور:
الأول: أنها تقتضي أن ذاك الكتاب كان في متناول ابن حيويه في كثير من الأوقات واحتمال أن يكون كتاب علي بن موسى أبي الحسن بن الرزاز صار بعد وفاته إلى تلاميذه ابن حيويه فكان متناوله ن أقرب من احتمال أن يكون الكتاب علي بن أحمد الرزاز الذي ولد بعد ابن حيويه بأربعين سنة ولا تعرف بأنهما علاقة كان يكون في متناول ابن حيوي. وهذه الأقربية لا يدفعها احتمال اجتماع ابن حيويه بعلي أحمد الرزاز.
الأمر الثاني: أن في عبارة الأزهري: «لثقته بذلك الكتاب» وابن حيويه يصفه الأزهري في العبارة نفسها بأنه ثقة. ويصفه العتيقي بأنه «كان ثقة صالحا دينا» وبأنه «كان ثقة متيقظا» ويصفه بأنه البرقاني بأنه «ثقة ثبت حجة» ومن كانت هذه صفته فاحتمال أن يثق بكتاب أستاذه الذي كان فاضلا أديبا ثقة ولعله قد قابل بأصله أقرب من احتمال أن يثق بكتاب من ولد بعده بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة.
стр. 665
الأمر الثالث: عبارة الأزهري تقتضي أنه لم يتفق لابن حيويه القراءة من غير أصله إلا من ذاك الكتاب، واقتصاره الوثوق بغير أصله على كتاب لأستاذه معقول بخلاف اقتصاره على كتاب لإنسان أصغر منه بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة، فلو كان ابن حيويه يتساهل بالقراءة من كتاب لعلي بن أحمد لتساهل بالقراءة من كتب جماعة أكبر من علي بن أحمد
وأوثق وعلاقتهم بابن حيويه معروفة.
الأمر الرابع: إطلاق البرقاني مع إمامته وجلالته والعتيقي مع ثقته وتيقظه ذاك الثناء البالغ على ابن حيويه يدل على أنه لم يكن منه تساهل يخدش فيما أثنيا عليه به، والأزهري وإن ذكر التساهل فقد عقب بقوله: «وكان من ذلك ثقة» وهذا يقضي أنه أن ساغ أن يسمى ما وقع منه تساهلا فهو تساهل عرفي لا يخدش في الثقة والتيقظ والحجة، وهذا إنما يكون بفرض أن ذاك الكتاب الذي قرأ منه كان موثوقا به وبمطابقته لأصل ابن حيويه، وإنما فيه أنه ليس هو أصله الذي كتب عليه سماعه وقد كانوا يكرهون مثل هذا وذلك من باب سد الذريعة، فأما أن يثق بكتاب لأصغر منه بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة ولا يوثق بمطابقته لأصله فعباراتهم تدفع هذا أشد الدفع.
قال الأستاذ: «رواية الخزاز لو كانت عن كتاب أحد شيوخه لكانت رواياته من أصل شيخه ولما كان يرمي بالتسامح» .
أقول: علي بن موسى أبو الحسن ابن الرزاز شيخ الخزاز حتماً، ثم هناك احتمالان:
الأول: أن يكون شيخه في ذاك الكتاب.
الثاني: أن لا يكون شيخه فيه وإنما سمعه الخزاز من رجل آخر.
فعلى الأول وهو الذي بنى عليه الأستاذ فصورة التساهل موجودة فإنه من المقرر عندهم أن التلميذ إذا سمع وضبط أصله ثم بعد مدة وجد في أصل شيخه زيادة أو
стр. 666
مخالفة لما في أصله لم يكن له أن يروي إلا ما في أصله، وقد قال حمزة السهمي في «تاريخ جر جان» ص ١٢٢ - ١٢٣ «أخبرنا أبو أحمد بن عدي ... أن النبي ﷺ قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. - في كتابي بخطي: عثراتهم. - ورأيت في كتاب ابن عدي بخطه: عقوبتهم» فلو أن حمزة أنه روى ذاك الحديث وقال: «عقوبتهم ٩٩ ثم رأى أهل العلم أصله وفيه «عثراتهم» فراجعه في ذلك فقال: نعم، ولكن بعد سماعي بمدة رأيت في أصل شيخي «عقوبتهم» لعدوا هذا تساهلا. ومن روى من أصل شيخه لا يؤمن أن يقع في نحو هذا إلا إذا كان قد كرر مقابلا حتى وثق كل الوثوق بالمطابقة، وأولى به وإن وثق كل الوثوق أن لا يروي إلا من أصله نفسه فإن كان الخزاز سمع ذاك الكتاب ومن أبي الحسن ابن الرزاز فتساهله هو ترك الأولى كما عرفت. وعلى الاحتمال الثاني لا يكون للخزاز أن يروي من كتاب ليس هو أصله ولا أصل شيخه إلا أن يقابله بأصله مقابلة دقيقة فيثق بمطابقته لأصله، ومع ذلك فالأولى به أن لا يروي إلا من أصله، وعلى هذا فتساهل الخزاز هو في ترك الأولى كما اقتضته عباراتهم في الثناء عليه كما مر.
قال الأستاذ: «وكان ينبغي أن يذكر في السند اسم شيخه الذي ناوله أصله، وليس بمعقول أن يهمل التلميذ ذكر شيخه في سند ما حمله وتلقاه بطريقه» .
أقول: هذا مبني على الاحتمال الأول وأن لا يكون الخزاز سمع الكتاب أصلا وإنما ناوله إياه ابن الرزاز، والذي نقوله إنه كان على الاحتمال الأول فالخزاز سمع ذاك الكتاب سماعا من ابن الرزاز، وإلا لغمزوه بأنه يعتمد على الإجازة بل عبارة الأزهري نفسه تصرح بهذا فإن فيها «ربما أراد أن يقرأ شيئا ولا يقرب أصله منه فيقرؤه من كتاب أبي الحسن بن الرزاز» وهذا يدل أن له أصلا بذاك المصنف غير ذاك الكتاب، إلا أنه لم يقرب منه ولو كان إنما يرويه بمناولة الشيخ ذاك الكتاب لما كان له أصل آخر. ثم إن كان سمع ذاك المصنف من ابن الرزاز فقد كان إذا قرأ منه قال: «أخبرنا أبو الحسن ابن الرزاز» ثم يقرأ من الكتاب، وإن كان إنما سمعه من غير ابن الرزاز فإنما كان يذكر اسم شيخه في ذاك المصنف
стр. 667
ولا معنى لذكر ابن الرزاز. فإن بنى الأستاذ على الاحتمال الأول وقال: لكني لم أر في (تاريخ الخطيب) شيئا رواه الخطيب من طريق الخزاز عن ابن الرزاز. قلت: أما كونه شيخه، فقد صرح به الخطيب؛ وأما اجتناب الخطيب أن يروي من طريق الخزاز عن ابن الرزاز فذلك من كمال احتياط الخطيب وتثبته البارع لم تطب نفسه أن يروي من ذاك الوجه الذي قد قيل فيه، وإن كان ذاك القيل لا يضر. والله أعلم.
٢١٠- محمد بن عبد الله بن أبان أبو بكر الهيتي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٢ «أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي حدثنا أحمد بن سلمان النجاد حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: قلت لأبي: كان أبو حنيفة استتيب؟ قال: نعم» . قال الأستاذ ص ٦٥ «كان مغفلا مع خلوه من علم الحديث كما يقول الخطيب» .
أقول: أول عبارة الخطيب: «كانت أصول أبي بكر الهيتي سقيمة كثيرة الخطأ أي أنه كان شيخا مستورا صالحا فقيرا مقلا معروفا بالخير وكان مغفلا ... » والخطيب معروف بالتيقظ والتثبت فلم يكن ليروي عن هذا الرجل إلا ما يثق بصحته، وقضية الاستتابة متواترة.
٢١١- محمد بن عبد الله بن إبراهيم أبو بكر الشافعي . قال الأستاذ ص ١١١ «يكثر المصنف عنه جدا في مثالب أبي حنيفة وكان كلفا بأن يدعى بالشافعي وليس له عمل في مذهب الشافعي غير النيل من فقيه الملة بالرواية عن مجاهيل وكذابين في مثالبه ... وأنت تعلم أن كثيرا من النقاد لا يقبل كلام الناس بعضهم في بعض عند اختلاف مذاهبهم ... حتى أن الإمام الشافعي لا يقبل شهادة المتعصب» .
стр. 668
أقول: قد تتبعت تلك الروايات فلم أر في شيوخه فيها كذابين ولا مجاهيل إنما له رواية واحدة عن الكديمي، والكديمي قد وثقه بعضهم، وأطلق بعضهم تكذبيه، وروايتان أخريان عن رجل لم أظفر بترجمته، وآخر لم أظفر بترجمته، وسائر رواياته عن الثقات المعروفين، ولم يعرف هذا الرجل بتعصب، وأما قضية اختلاف المذاهب وزعم أن الشافعي يرد شهادة المتعصب فقد مر تحقيقه في القواعد. وأبو بكر ثقة حافظ متفق على توثيقه وتثبيته راجع ترجمته في (تاريخ بغداد) و (تذكرة الحفاظ) .
٢١٢- محمد بن عبد الله سليمان الحضرمي الحافظ، لقبه «مُطين» تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة عامر بن إسماعيل. قال الأستاذ ص ٣٨: «تكلم فيه بن أبي شيبة» .
يعني محمد بن عثمان بن أبي شيبة وستأتي ترجمته وقول الأستاذ فيه: «الكذاب كذبه غير واحد» ! وقوله: «الكذاب مكشوف الأمر» فإن كانت هذه أو نصفها حاله عنده فكيف يعتد بكلامه في هذا الحافظ الجليل الذي قال فيه الدارقطني: «ثقة جبل» والأستاذ يعلم أنه كانت بين الرجلين ثغرة شديدة وهو يكرر الرواية بما دونها، فكيف لا يرد بها قول أحدهما في الآخر! على أن ذاك الكلام ليس فيه بحمد الله ما يقدح، لكن غير الأستاذ يلام على تشبته بما يعلم بطلانه!!
٢١٣- محمد بن عبد الله بن الحكم . مرت روايته في ترجمة الشافعي. قال الأستاذ ص ١٣٧: «لا أتكلم ... ولا بنقل ما قاله الحميدي والربيع المؤذن في ابن عبد الحكيم ... » .
أقول: أما كلمة الحميدي في ابن عبد الحكم فهي ككلمة ابن عبد الحكم في الحميدي، فلتة لسان عند استحقاق غضب كما سبق في ترجمة الحميدي فلا تضر ذا ولا ذاك كما سبق في القواعد. وأما مقالة الربيع فقد أجاب عنها أهل العلم كما في
стр. 669
(التهذيب) وغيره. ووثقوا ابن عبد الحكم.
٢١٤- محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي الحافظ . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٧ من طريق «الحسين بن إدريس قال ابن عمار: إذا شككت في شيء نظرت إلى ما قال أبو حنيفة ... » قال الأستاذ ص ١٣٣: «قال ابن عدي: رأيت أبا يعلي سيئ القول فيه ويقول شهد على خالي بالزور عن أهل الموصل أفراد وغرائب. اهـ وأبو يعلي الموصلي من أعرف الناس به، وكلامه قاض على كلام الآخرين» .
أقول: آخر ما حكاه ابن عدي عن أبي يعلي قوله «بالزور» ، ثم قال ابن عدي: «وابن عمار ثقة حسن الحديث عن أهل الموصل معافى بن عمران وغيره وعنده عنهم أفراد وغرائب وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان ولم أر أحدا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة» ووثقه وأثنى عليه جماعة كثيرة، فأما أبو يعلي فكانت بينه وبين ابن عمار مباعدة ما في المذهب كما يدل عليه عكوف أبي يعلي على سماع كتب أهل الرأي من بشر بن الوليد، وردفتها كدورة عائلية كما يدل عليه قول أبي يعلي: «شهد خالي بالزور» وهذه كلمة مرسلة لم يبين ما هو الزور؟ ومن أين عرف أبو يعلي أنه زور؟ وعلى فرض تحققه ذلك فهل تعمد ابن عمار الشهادة بالباطل أو أخطأ؟ وإعراض الناس - ومنهم ابن عدي حاكي الكلمة عن أبي يعلي - عن كلمته يبين أنها كلمة طائشة لا تستحق أن يلتفت إليها. وابن عمار أكبر من أبي يعلي بنحو خمسين سنة فلعل أبا يعلي سمع خاله - ومن خاله؟ - يقول: شهد على ابن عمار بالزور فأخذها أبو يعلي ولم يحققها، وقدمنا في القواعد في القواعد أنه إذا ظهر أن بين الرجلين ثغرة لم يقبل ما يقوله أحدهما في الآخر إلا مفسرا محققا مثبتا، ويتأكد ذلك بإعراض الناس عن كلمة أبي يعلي وإجماعهم على توثيق ابن عمار. فأما الغرائب فقد دلت كلمة ابن عدي على أنها غرائب صحاح ولهذا ذكرها في صدد المدح، فحوله الكوثري إلى القدح. والله المستعان.
٢١٥- محمد بن عبد الله بن محمد بن حموديه أبو عبد الله الضبي الحاكم
стр. 670
النيسابوري.
قال الأستاذ ص ٧٠: «اختلط في آخره اختلاطا شنيعا على تعصبه البالغ» وقال ص ١٤٩: «شديد التعصب اختلط في آخره، ويقال عنه أنه كان رافضيا خبيثا» .
أقول: أما التعصب فإن كان للحاكم طرف منه ففي تشيعه الخفيف، وأما على أهل الرأي فلم يعرف بتعصب وقد سبق حكم التعصب في المقدمة، وأما قول بعضهم «إمام في الحديث رافضي خبيث» فقد أجاب عنهما الذهبي في (الميزان) قال: «إن الله يحب الإنصاف ما الرجل برافضي، بل شيعي فقط» . وتذكرني هذه الكلمة ما حكوه أن الصاحب ابن عباد كتب إلى قاضي قم:
أيها القاضي بقم ... قد عزلناك فقم
فقال القاضي: ما عزلتني إلا هذه السجعة. وأما قول الكوثري «اختلط ... اختلاطا شنيعا فمجازفة، بل لم يختلط، وإنما قال ابن حجر في (اللسان) بعد أن ذكر ما في (المستدرك) من التساهل: «قيل في الاعتذار عنه أنه عند تصنيفه (المستدرك) كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب (الضعفاء) له وقطع بترك الرواية عنهم ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في (مستدركه) وصححها» ولعل المراد بقوله «ذكر بعضهم» ما في «تذكرة الحفاظ» وهذا لا يستلزم الغفلة، ومع ذلك قوله «تغيير وغفلة» لا يؤدي معنى الاختلاط، فكيف الاختلاط الشنيع؟ وقد رأيت في (المستدرك) المطبوع إثبات تواريخ السماع على الحاكم في أوله أي ج ١ ص ٢ ثم ص ٣٦، ص ٦٩ فـ ص ٩٤ فـ ص ١٢٩ فص ١٦٣، وتاريخ الأول سابع المحرم سنة ٣٩٣ (١) ، والثاني بعد ثلاثة أشهر