ابن أبي طالب ﵁، الملقَّب: الباقر: أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد جعفر الصادق، كان عالمًا سيدًا كبيرًا، وقيل له البادر؛ لأنه تبقر في العلم؛ أي: توسع، والتبقُّر: التوسع، وفيه يقول الشاعر:
يَا بَاقِرَ العِلْمِ لأِهْلِ التُّقَى ... وَخَيْرَ مَنْ لَبَّى عَلَى الأَجْبُلِ
ولد يوم الثلاثاء، سنة سبع وخمسين للهجرة، وكان عمره يوم قُتل جده الحسين ثلاث سنين (١)، وتوفي في شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث عشرة ومئة، ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه أبوه، وعمُّ أبيه الحسنُ بن علي ﵁، في القبة التي فيها قبر العباس.
* * *
٣٣٩ - أبو جعفر محمد بن علي الرِّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر المذكور قبله، المعروفُ بالجواد: أحد الأئمة الاثني عشر - أيضًا -، كان يروي مسندًا عن أبيه إلى علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال لي وهو يوصيني: "يَا عَلِيُّ! مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، يَا عَلِيُّ! عَلَيْكَ بِالدُّلْجَةِ - وهو السير في آخر الليل - فَإِنَّ الأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ
стр. 1017
مَا لَا تُطْوَى بِالنَّهَارِ، يَا عَلِيُّ! اغْدُ؛ فَإِنَّ اللهَ بَارَكَ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا" (١)، وكان يقول: من استفادَ أخًا في الله، فقد استفادَ أنيسًا في الجنة.
ولد في خامس رمضان، سنة خمس وتسعين ومئة، وتوفي يوم الثلاثاء، لخمسٍ خلون من ذي الحجة، سنة عشرين ومئتين ببغداد، ودفن عند جده موسى بن جعفر في مقابر قريش، وصلَّى عليه الواثقُ بن المعتصم.
* * *
٣٤٠ - أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي ابن محمد الجواد المذكور قبله: ثاني عشر الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، المعروف بالحجة، وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتَظَر، والقائم، والمهدي، وهو صاحب السِّرداب عندَهم، وأقاويلهم فيه كثيرة، وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسُرَّ مَنْ رأى.
وكانت ولادته منتصف شعبان، سنة خمس وخمسين ومئتين.
والشيعة يقولون: إنه دخل في السرداب في دار أبيه، وأمُّه تنظر إليه، فلم يعد يخرج إليها، وذلك في سنة خمس وستين ومئتين، وقيل: ست وخمسين، وهو الأصح، ولما دخل السرداب، كان عمره أربع سنين، وقيل: سبع عشرة، والله أعلم أي ذلك كان.
стр. 1018
والأئمة الاثنا عشر هم: علي بن أبي طالب، ثم ابنه الحسن، ثم ابنه الحسين، ثم زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم محمد الباقر بن زين العابدين، ثم جعفر الصادق بن محمد الباقر، ثم موسى الكاظم بن جعفر الصادق، ثم علي الرضا بن موسى الكاظم، ثم محمد الجواد بن علي الرضا، ثم علي الزكي بن محمد الجواد، ثم الحسن العسكري بن علي الزكي، ثم محمد المنتظر بن الحسن العسكري ﵏ أجمعين -.
* * *
٣٤١ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار، الأنصاريُّ الكوفيُّ: كان من أصحاب الرأي، وتولى القضاء بالكوفة، وأقام حاكمًا ثلاثًا وثلاثين سنة، وَلِيَ لبني أمية، ثم لبني العباس، وكان فقيهًا مفتيًا، وكانت بينه وبين أبي حنيفة وحشة يسيرة، وكان يجلس للعلم في مسجد الكوفة، فيحكى: أنه انصرف يومًا من مجلسه فسمع امرأة تقول: يا بن الزانيين، فامر بها، فأخذت، ورجع إلى مجلسه، وأمر بها، فضُربت حَدَّين وهي قائمة، فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال: أخطأ القاضي في هذه الواقعة في ستة أشياء:
في رجوعه إلى مجلسه بعد قيامه منه، ولا ينبغي له أن يرجع بعد قيامه منه.
وفي ضربه الحد في المسجد، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إقامة
стр. 1019
الحدود في المساجد.
وفي ضربه المرأة قائمةً، وإنما تضرب النساء قاعدات كاسيات.
وفي ضربه إياها حدين، وإنما يجب على القاذف إذا قذف جماعة بكلمة واحدة حدّ واحد، ولو وجب - أيضًا - حدان، لا يُوالى بينهما، بل يضرب أولًا، ثم يترك حتى يبرأ من آلام الأول.
وفي إقامته الحدّ عليها بغير طالب.
فبلغ ذلك محمد بن أبي ليلى، فسير إلى والي الكوفة، وقال: هاهنا شاب يقال له: أبو حنيفة يعارضني في أحكامي، ويفتي بخلاف حكمي، ويشنِّع عليَّ بالخطأ، فأريد أن تزجره عن ذلك.
فبعث إليه الوالي، ومنعه من الفتوى.
فيقال: إن ابنته سألته عن مسألة، فقال لها: سلي أخاك حماد [اً]؛ فإن الأمير منعني من الفتوى. وهذه من مناقب أبي حنيفة ﵁، وحسنِ تمسكه بامتثال إشارة ولي الأمر.
ولد محمد المذكور سنة أربع وسبعين للهجرة، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومئة بالكوفة، وهو باق على القضاء، فجعل أبو جعفر المنصور ابن أخيه مقامه.
* * *
٣٤٢ - ذكر محمد بن سيرين البصري: كان أبوه عبدًا لأنس بن مالك، كاتَبَه على أريعين ألفًا، وقيل: عشرين ألفًا، وأدَّى الكتابة، وكانت
стр. 1020
أمه صفيةُ مولاة أبي بكر الصديق ﵁، روى عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن الحصين، وأنس بن مالك ﵃، وهو من أَجَلِّ العلماء من أهل البصرة، والمشهور بالورع في وقته، وكانت له اليد الطولى في تعبير الرؤيا، وكانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، توفي يوم الأحد، تاسع شوال، سنة عشر ومئة بالبصرة، بعدَ الحسن البصري بمئة يوم ﵄، وكان بَزَّازًا.
وولد له ثلاثون ولدًا من امرأة واحدة، ولم يبق منهم غيرُ عبد الله، فلما مات، كان عليه ثلاثون ألف درهم دينًا فقضاها ولده عبد الله، فما مات عبد الله حتى قُوِّم مالُه بثلاث مئة الف.
* * *
٣٤٣ - أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد، الشيبانيُّ بالولاء، الفقيهُ الحنفيُّ: أصله من قرية على باب دمشق في وسط الغوطة اسمها: حرستا، وقدم أبوه من الشام إلى العراق، وأقام بواسط، فولد له بها محمد المذكور، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، ولقي جماعة من أعلام الأئمة، وحضر مجلس أبي حنيفة سنتين، ثم تفقه على صاحبه أبي يوسف، وصنف الكتب الكثيرة، ونشر علم أبي حنيفة، وكان من أفصح الناس.
ولما دخل الإمام الشافعي بغداد، كان بها، وجرى بينهما مجالس ومسائل بحضرة هارون الرشيد، وقال الشافعي: ما رأيت سمينًا ذكيًا إلا
стр. 1021
محمد بن الحسن، وكان الرشيد ولاه قضاء الرقة، ثم عزله عنها.
ولد محمد بن الحسن سنة خمس، وقيل: سنة إحدى، وقيل: اثنتين وثلاثين ومئة، ومات لما خرج صحبة الرشيد إلى الري خَرْجَتَه الأولى في سنة تسع وثمانين ومئة، مات هو والكسائي في يوم واحد بالرَّيِّ - رحمهما الله تعالى -.
* * *
٣٤٤ - أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف، الجعفيّ بالولاء، البخاريُّ: الحافظ، الإمام في علم الحديث، صاحب "الجامع الصحيح"، و"التاريخ".
رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدِّثي الأمصار، وكتب بخراسان، ومدن العراق، والحجاز، والشام، ومصر، وقدم بغداد، واجتمع إليه أهلُها، واعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية.
وكان ابنُ صاعد إذا ذكره، يقول: الكبشُ النطَّاح.
ونقل عنه محمد بن يوسف الفِرَبري أنه قال: ما وضعتُ في كتاب "الصحيح" حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك، وصليت ركعتين.
وعنه أنه قال: صنفت كتابي "الصحيح" لست عشرة سنة، خرَّجته من يست مئة الف حديث، وجعلته حجةً فيما بيني وبين الله .
وقال الفربري: سمع "صحيح البخاري" تسعون الف رجل، فما بقي أحد يرويه غيري.
стр. 1022
ولد البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة، لثلاثَ عشرةَ ليلة خلت من شوال، سنة أربع وتسعين ومئة، وتوفي ليلة السبت، عند صلاة العشاء، ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر، سنة ست وخمسين ومئتين بِخَرْتَك - بالباء الموحدة والخاء المعجمة والراء الساكنة والتاء المفتوحة المثناة والكاف (١)، وهي قرية من قُرى سمرقند، وكان شيخًا نحيفَ الجسم، لا بالطويل ولا بالقصير.
والبخاريُّ: نسبة إلى بخارى، ونسبة البخاريِّ إلى الجُعْفِيِّ هو سعيد بن جعفر الجُعفي والي خراسان، وكان له عليهم الولاء، فنُسِبوا إليه.
* * *
٣٤٥ - أبو الحسين مسلم بن الحجاج، القُشَيْريُّ النيسابوريّ: صاحب "الصحيح"، أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدِّثين، رحل إلى العراق، والحجاز، والشام، ومصر، وسمع من يحيى النيسابوري، وأحمد بن حنبل، وغيرهما، قدم بغداد غير مرّة، وآخر قدومه إليها سنة تسع وخمسين ومئتين، وصنف "المسند الصحيح" من ثلاث مئة الف حديث مسموعة.
وتوفي عشية يوم الأحد، ودفن بنصر أباد ظاهر نيسابور يوم الاثنين،
стр. 1023
لخمسٍ، وقيل: لستٍّ بقين من رجب، سنة إحدى وستين ومئتين، وعمره خمس وخمسون سنة.
* * *
٣٤٦ - أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر، الترمذيُّ الفقيهُ الشافعيُّ: لم يكن في الفقهاء الشافعية إلى وقته أرأَسُ منه، ولا أكثرُ نقلًا، سكن بغداد، وحدَّث بها، وكان ثقة، من أهل العلم والفضل، والزهدِ في الدنيا، وكانْ لا يسأل أحدًا شيئًا، وكان يقول: تفقهت على مذهب أبي حنيفة فرأيت النبي ﷺ في مسجد المدينة عام حججت، فقلت: يا رسول الله! قد تفقهتُ بقول أبي حنيفة، أفآخذ (١)، قال: لا، فقلت: آخذ بقول مالك بن أنس؟ فقال: خذ منه ما وافق سنتي، فقلت: [أ] فآخذ بقول الشافعي؟ فقال: ما هو بقوله، إلا أنه أخذ بسنتي، وردَّ على من خالفها.
قال: فخرجت إثر هذه الرؤيا إلى مصر، وكتبتُ كُتُبَ الشافعي.
وكان ثقة مأمونًا، كتب الحديث تسعًا وعشرين سنة.
ولد في ذي الحجة، سنة مئتين، وقيل: عشر ومئتين، وتوفي لإحدى عشرةَ ليلة خلت من المحرم، سنة خمس وتسعين ومئتين.
والترمذي: نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بَلْخ الذي يقال
стр. 1024
له: جيحون، وقد اختلف في كيفية هذه النسبة بين فتح التاء وضمها وكسرها، والمتداوَلُ على لسان أهل ذلك البلد - بالفتح، وكسر الميم - وهي في حساب ما وراء النهر من ذلك الجانب.
* * *
٣٤٧ - أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل، القفَّالُ الشاشِيُّ الشافعيّ: إمام عصره بلا مدافعة، وله مصنفات كثيرة، وهو أول من صنف الجدل الحَسَنَ من الفقهاء، وعنه انتشر مذهب الشافعي في بلاده.
ولد سنة إحدى وتسعين ومئتين، وتوفي في عاشر ذي الحجة، سنة خمس وستين وثلاث مئة - رحمه الله تعالى -.
* * *
٣٤٨ - أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، المروزيُّ القاشانيُّ الشافعيّ: كان من الأئمة الأجلاء، حسن النظر، مشهورًا بالعلم، حافظًا للمذهب، وله فيه وجوه غريبة.
دخل بغداد، وحدث بها، ثم خرج إلى مكة، فجاور بها سبع سنين، وكان في ابتداء أمره فقيرًا، ثم أقبلت عليه الدنيا في آخر عمره، وقد أسنَّ وقد تساقطت أسنانه، فكان لا يتمكن من المضغ، وبطلت منه حاسية الجِماع، فكان يقول مخاطبًا للنعمة: لا باركَ الله فيكِ، أقبلتِ حيثُ لا نابٌ، ولا نِصاب.
стр. 1025
وكان بعض الفضلاء قد أثرى، وصارت له نعمة، وهو في عشر الثمانين، فأنشد:
مَا كُنْتُ أَرْجُوهُ إِذْ كُنْتُ ابْنَ عِشْرِينَا ... مَلَكْتُهُ بَعْدَ أَنْ جَاوَزْتُ سَبْعِينَا
يَطُفْنَ بِي مِنْ بَنَاتِ الرُّومِ أَرْبَعَةٌ ... يَحْكِينَ بِالحُسْنِ حُورَ الجَنَّةِ العِينَا
يَغْمِزْننِي بِأَسَارِيع مُنَعَّمَةٍ ... تَكَادُ تَنْفُذُ مِنْ أَطْرَافِهَا لِينَا
يُرِدْنَ إِحْيَاءَ مَيْتٍ لَا حَرَاكَ لَهُ ... وَكَيْفَ يُحْيِينَ مَيْتًا صَارَ مَدْفُونًا
قَالُوا أَنِينُكَ طُولَ اللَّيْلِ يُقْلِقُنَا ... فَمَا الَّذِي تَشْتَكي؟ قُلْتُ الثَّمَانِينَا
توفي يوم الخميس، ثالث عشر رجب، سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة بمرو ﵀.
* * * *
٣٤٩ - أبو عبد الله محمد بن أحمد، الخِضْريُّ المروزيُّ الفقيهُ: إمام مرو، ومقدَّم الفقهاء الشافعية، أقام بمرو ناشرًا فقهَ الشافعي، وكان يُضرب به المثل في قوة الحفظ، وقلة النسيان، وله في المذهب وجوه
стр. 1026
غريبة، وكانت له معرفة بالحديث، وكان ثقة، وتوفي في عشر الثمانين وثلاث مئة.
والخِضْري - بكسر الخاء المعجمة، وسكون الضاد المعجمة -: نسبة إلى بعض أجداده، واسمه الخضر.
* * *
٣٥٠ - أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد، الغَزَاليُّ، الملقب: حُجَّة الإسلام، زينُ الدين، الطوسيُّ الشافعيُّ: لم يكن للطائفة الشافعية في آخر عصره مثلُه، واشتغل في بداية أمره بطوس، ثم قدم نيسابور، واختلف في دروس إمام الحرمين، وجدَّ في الاشتغال حتى تخرج في مدة قريبة، وصار من الأعيان المشار إليهم في زمن أستاذه، وصنف في ذلك الوقت، وكان أستاذه يتبجَّح به، واشتهر اسمه، وفوض إليه تدريس النظَّامية ببغداد، وارتفعت منزلته، ثم ترك جميع ما كان عليه في ذي القعدة، سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وسلك طريق الزهد، وحج إلى الشام، فأقام بها مدة، ثم انتقل منها إلى بيت المقدس، ثم قصد مصر، وأقام بالإسكندرية، ثم عاد إلى وطنه بطوس، وصنف الكتب في عدة فنون، منها: "الوسيط"، و"البسيط"، و"الوجيز"، و"الخلاصة"، و"إحياء علوم الدين"، وهو من أنفس الكتب، وله غير ذلك من الكتب الكثيرة النافعة.
ثم عاد إلى نيسابور، وترك وطنه، واتخذ خانقاه للصوفية، ولازم
стр. 1027
العلم والخير إلى أن انتقل إلى ربه، ويروى له شعر:
حَلَّتْ عَقَارِبُ صُدْغِهِ فِي خَدِّهِ ... قَمَرٌ يَجِلُّ بِهِ عَنِ التَّشْبِيهِ
وَلَقَدْ عَهِدْنَاهُ يَحُلُّ بِبُرْجِهَا ... وَمِنَ العَجَائِبِ كَيْفَ حَلَّتْ فِيهِ
ولد سنة خمسين وأربع مئة، وتوفي يوم الاثنين، رابع عشر جمادى الآخرة، سنة خمس وخمس مئة بطوس، ودفن بظاهر الطابران.
والطابران: بلد في طوس.
* * *
٣٥١ - أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين، الفارقيُّ، المعروف بالمستظهريِّ، الملقَّبُ: فخر الإسلام، الفقيهُ الشافعيُّ: كان فقيه وقته، تفقه أولًا بِمَيَّافارقين، ثم رحل إلى بغداد، ودخل نيسابور، ثم تعين بعد أُستاذه الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وانتهت إليه رئاسة الطائفة الشافعية، وصنف التصانيف الحسنة، منها: "حلية العلماء" في المذهب، ثم ضم إلى كل مسألة اختلاف الأئمة فيها، وجمع من ذلك أشياء كثيرة، وسماه "المستظهري"؛ لأنه صنف للإمام المستظهر بالله، وتولى تدريس النظامية ببغداد سنة أربع وخمس مئة، وكان قد تولاها أبو إسحاق، وأبو نصر بن الصباغ صاحب "الشامل"، وأبو سعيد المُتولِّي، وأبو حامد الغزالي،
стр. 1028
فلما انقرضوا، تولاها هو.
وذكر بعض المشايخ: أنه يوم الدرس وضع منديله على عينيه، وبكى كثيرًا وهو جالس على السدَّة التي جرت عادة المدرسين بالجلوس عليها، وكان ينشد:
خَلَتِ الدِّيَارُ فَسُدْتُ غَيْرَ مُسَوَّدِ ... وَمِنَ البَلَاءِ تَفَرُّدِي بِالسُّؤْدَدِ
وهذا إنصاف منه، واعتراف لمن تقدَّمه بالفضل والرجحان عليه.
ولد بميافارقين في المحرم، سنة تسع وعشرين وأربع مئة، وتوفي في الخامس والعشرين من شوال، سنة سبع وخمس مئة ببغداد، ودفن مع شيخه أبي إسحاق في قبر واحد، وقيل: إلى جانبه، بباب أبرز.
* * *
٣٥٢ - أبو نصر محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله، الأرغيانيُّ الفقيهُ الشافعيُّ: قدم من بلده إلى نيسابور، واشتغل على إمام الحرمين، وبرع في الفقه، وكان إماما مفننًا، ورَعًا، كثير العبادة، وسمع الحديث من الواحدي صاحبِ التفاسير، وروي عنه تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤]: أن ريح الصَّبا استأذنت ربها أن تأتي يعقوبَ بريح يوسف - على نبينا وعليهما الصلاة والسلام - قبل أن يأتيه البشير بالقميص، فأذن لها، فأتته بذلك، فلذلك تروّح كل محزون
стр. 1029
بريح الصبا، وهي [من] ناحية المشرق، إذا هبت على الأبدان، نعّمتها، وليَّنتها، وهيَّجت الأشواق إلى الأوطان والأحباب، وأنشد:
أَيَا جَبَلَيْ نُعْمَانَ بِاللهِ خَلِّيَا ... نَسِيمَ الصَّبَا يَخْلُصْ إِلَيَّ نَسِيمُهَا
فَإِنَّ الصَّبَا رِيحٌ إِذَا مَا تَنَسَّمَتْ ... عَلَى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُهَا
ولد في سنة أربع وخمسين وأربع مئة، وتوفي ليلة الرابع والعشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وخمس مئة بنيسابور، ودفن بظاهرها، بموضع يقال له: الجيزة، على الطريق.
* * *
٣٥٣ - أبو المعالي محمد بن أبي الحسن علي بن محمد بن يحيى ابن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن ابن الوليد بن عبد الرحمن بن أبان ابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، الأمويُّ القرشيُّ، الملقب: محيي الدين، المعروف بابن زكلي الدين، الدمشقيُّ الفقيهُ الشافعيُّ: كان ذا فضائل عديدة من الفقه والأدب وغيرهما، وله النظم المليح، والخطب والرسائل، تولى القضاء بدمشق في ربيع الأول، سنة سبع وثمانين وخمس مئة، وكان له المنزلة العالية، والمكانة المكينة عند السلطان صلاح الدين - رحمه الله تعالى -، ولما فتح السلطان حلب يوم السبت، ثامن عشر صفر، سنة تسع وسبعين
стр. 1030
وخمس مئة، أنشده القاضي محيي الدين المذكور قصيدة بائية (١)، وأجاد فيها، ومن جملتها بيت، وهو متداوَلٌ بين الناس:
وَفَتْحُكَ القَلْعَةَ الشَّهْبَاءَ فِي صَفَرِ (٢) ... مُبَشِّرٌ بِفُتُوحِ القُدْسِ فِي رَجَبِ (٣)
فكان كما قال؛ فإن القدس فُتحت في ثلاثة بقين من رجب، سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة. فقيل لمحيي الدين: من أين لك هذا؟ فقال: أخذتُه من تفسير ابن برجان في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤]، وذكر له حسابا طويلًا، وطريقًا في استخراج ذلك حتى حرَّره من قوله: ﴿بِضْعِ سِنِينَ﴾.
ولمَّا ملك السلطان حلب، فوض الحكمَ والقضاء بها إليه في ثالث عشر ربيع الآخر من السنة، ولما فتح القدس، تطاولَ إلى الخطابة يوم الجمعة كل واحد من العلماء الذين كانوا في خدمته حاضرين، وجهز كل واحد منهم خطبة بليغة؛ طمعًا أن يكون هو الذي تعين لذلك، فخرج المرسوم إلى القاضي محيى الدين أن يخطب هو.
стр. 1031
وحضر السلطان وأعيان دولته في أول جمعة صُليت بالقدس بعد الفتح، فلما رقي المنبر، استفتح بسورة الفاتحة، وقرأها إلى آخرها، ثم قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]، ثم خطب خطبة بليغة أتى فيها بمعان بديعة، ثم دعا للسلطان، وختم على العادة.
وكانت ولادته سنة خمسين وخمس مئة بدمشق، وتوفي بها في سابع شعبان، سنة ثمان وتسعين وخمس مئة، ودفن من يومه بسفح قاسيون.
* * *
٣٥٤ - أبو حامد محمد ابن القاضي كمال الدين، الشهرزوريُّ: دخل العراق للاشتغال، وتفقه على ابن الرزاز وغيره، ثم صعد الشام، وتولى قضاء دمشق نيابة عن والده، وتولى قضاء حلب، وحكم بها نيابة عن أبيه - أيضًا - في رمضان، سنة خمس وخمسين وخمس مئة، وعزله ابن أبي جرادة المعروف بابن العديم.
وبعد وفاة والده، تمكن من المملكة الصالح إسماعيل صاحبُ حلب غايةَ التمكُّن، وفوض إليه تدبير مملكة حلب.
ثم في سنة ثلاث وسبعين رأى المصلحة في مفارقة حلب، والرجوع إلى بلد الموصل، فانتقل إليها، وتولى قضاءها، وتمكن من صاحب الموصل عز الدين بن مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكي، وتوجه
стр. 1032
من جهته رسولًا إلى بغداد مرارًا.
وكان جوادًا سخيًا، وقيل: إنه أنعم عليه في بعض رسائله إلى بغداد بعشرة آلاف دينار، فأمر بها، ففرقت على الفقهاء والأدباء والشعراء.
ويقال: إنه في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريمًا على دينارين فما دونهما، بل كان يوفيهما من عنده.
ويحكى عنه مكارم كثيرة، ورئاسة ضخمة، وله أشعار جيدة، فمن ذلك: في وصف جرادة، وهو تشبيه حسن:
لَهَا فَخِذَا بَكْرٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ ... وَقادِمَتَا نَسْرٍ وَجُؤْجُؤُ ضَيْغَمِ
حَكَاهَا أَفَاعِي الرَّمْلِ بَطْنًا وَأَنْعَمَتْ ... عَلَيْهَا جِيَادُ الخَيْلِ بِالرَّأْسِ وَالفَمِ
وقوله في وصف نزول الثلج من الغيم:
وَلَمَّا شَابَ رَأْسُ الدَّهْرِ غَيْظًا ... لِمَا قَاسَاهُ مِنْ فَقْدِ الكِرَامِ
أقامَ يُمِيطُ عَنْهُ الشَّيْبَ غَيْظًا ... وَيَقْسِمُ مَا أَمَاطَ عَلَى الأَنَامِ
ولد سنة عشر، وقيل: تسععشرة وخمس مئة، وتوفي بكرة نهار الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين وخمس مئة
стр. 1033
بالموصل، ثم نقل إلى مدينة الرسول ﷺ .
وكان له أخ يقال له: عماد الدين أحمد توجَّه رسولًا إلى بغداد عن نور الدين سنة تسع وستين وخمس مئة، ومدحه ابن التعاويذي بقصيدة من جملتها:
وَقَالُوا رَسُولٌ أَعْجَزَتْنَا صِفَاتُهُ ... فَقُلْتُ صَدَقْتُمْ هَذِهِ صِفَةُ الرُّسْلِ
* * *
٣٥٥ - أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي، التيميُّ البكريُّ، الطبرستانيُّ الأصل، الرازيُّ المولد، الملقب: فخر الدين، المعروف بابن الخطيب، الفقيهُ الشافعيُّ: فريد عصره، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات، وعلم التأويل، وله المصنفات المفيدة في فنون عديدة، منها: "تفسير القرآن الكريم" جمع فيه كل غريب وغريبة، وهو كبير جدًا، لكنه لم يُكمله، وشرح سورة الفاتحة في مجلدة، وكل كتبه ممتعة نافعة، وانتشرت تصانيفه في البلاد، ورزق فيها سعادة عظيمة، وكان يعظ باللسانين العربي والعجمي، وكان يلقب بهراة: شيخَ الإسلام.
ثم قصد خُوارزم، وقد تمةَر في العلوم، فجرى بينه وبين أهلها كلام فيما يرجع إلى المذهب والاعتقاد، فأُخرج من البلد، وقصد ما وراء النهر، ثم عاد إلى الري، ثم عاد إلى خراسان، واتصل بالسلطان محمد
стр. 1034
ابن تكش المعروف بخوارزم شاه، وحظي عنده، ونال أسنى المراتب، ولم يبلغ أحد منزلته عنده.
ومناقبه كثيرة، وكان العلماء يقصدونه من البلاد، وتشد إليه الرحال من الأقطار، وكان له نظم، منه:
نِهَايَةُ إِقْدَامِ العُقُولِ عِقَالُ ... وَأَكْثَرُ سَعْيِ العَالَمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا ... وَحَاصِلُ دميلْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ
وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا ... سِوَى أَنَّ جَمْعًا فِيهِ قِيلٌ وَقَالُ
وَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ رِجَالٍ وَدَوْلَةٍ ... فَبَادُوا جَمِيعا مُسْرِعِينَ وَزَالُوا
وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَا ... رِجَالٌ فَزَالُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ
اشتغل في المذهب على والده، ووالده على أبي محمد الحسين ابن مسعود الفَرَّاء البغوي، وهو على القاضي الحسين، وهو على القفال، وهو على ابن سُريج، وهو على الأنماطي، وهو على المُزَني، وهو على الإمام الشافعي ﵁.
стр. 1035
ولد في خامس عشري شهر رمضان، سنة أربع وأربعين وخمس مئة بالري، وتوفي يوم الاثنين، وكان عيد الفطر، سنة ست وست مئة بمدينة هراة، ودفن آخر النهار بقرية بالقرب من هراة يقال لها: مُزداخان.
* * *
٣٥٦ - أبو حامد محمد بن يونس بن منعة بن مالك بن محمد، الملقب: عماد الدين، الفقيهُ الشافعيُّ: كان إمام وقته في المذهب، وله صِيت عظيم في زمانه، وقصده الفقهاء من البلاد البعيدة، وكان مبدأ اشتغاله بالموصل، ثم توجه إلى بغداد، وتفقه، ثم عاد إلى الموصل، ودرَّس بها، وصنَّف كتبًا كثيرة في المذهب، وتولى القضاء بالموصل مدة يسيرة، ثم انفصل عنه بأبي الفضائل القاسم بن يحيى الشهرزوري.
وكان شديد الورع والتقشف، وكان لطيف الخلوة، ملاطفا بحكايات وأشعار، وكان كثير المباطنة لنور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل، ولم يزل معه حتى انتقل إلى مذهب الشافعي بعد مذهب أبي حنيفة. ولم يوجد في بيت أتابكٌ - مع كثرتهم - شافعيٌّ سواه.
ولد بقلعة إربل سنة خمس وثلاثين وخمس مئة، في بيت صغير منها، ولما وصل إلى إربل في رسالة، دخل ذلك البيت، [و] تمثل بالبيت المشهور:
بِلَادٌ بِهَا نِيطَتْ عَلَيَّ تَمَائِمِي ... وَأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرَابُهَا
стр. 1036
وتوفي يوم الخميس، تاسع عشر جمادى الآخرة، سنة ثمان وست مئة بالموصل.
* * *
٣٥٧ - أبو بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الأصفهاني المعروف بالظاهري: كان فقيهًا أديبًا شاعرًا ظريفًا، ولما توفي أبوه، جلس مكانه، فاستصغروه، فدسّوا عليه رجلًا سأله: متى يكون الإنسان سكرانًا؟ فقال: إذا غَرَبت عنه الهموم، وباح بسره المكتوم، فاستُحسن ذلك منه، وعُرِف موضعه من العلم.
وصنف كتابه الذي سماه: "الزَّهرة" مجموع أدب أتى فيه بكل غريبة، ومن شعره:
أَنُزِّهُ فِي رَوْضِ المَحَاسِنِ مُقْلَتِي ... وَأَمْنَعُ نَفْسِي أَنْ تَنَالَ مُحَرَّمًا
وَأَحْمِلُ مِنْ ثِقْلِ الهَوَى مَا لَوَ أَنَّهُ ... يُصَبُّ عَلَى الصَّخْرِ الأَصَمِّ تَهَدَّمَا
وَيَنْطِقُ طَرْفِي عَنْ مُتَرْجَمِ خَاطِرِي ... فَلَوْلَا اخْتِلَاسِي رَدَّهُ لَتَكَلَّمَا
أَرَأَيْتُ الهَوَى دَعْوَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ... فَمَا إِنْ أَرَى حُبًّا صَحِيحًا مُسْلَّمَا
стр. 1037
وجاءه رجل، ودفع له رقعة فيها:
يا بْنَ دَاوُدَ يَا فَقِيهَ العِرَاقِ ... أَفْتِنَا فِي قَوَاتِلِ الأَحْدَاقِ
هَلْ عَلَيْهِنَّ فِي الجُرُوحِ قِصَاصٌ ... أَمْ مُبَاحٌ لَهَا دَمُ العُشَّاقِ
وإذا الجواب:
كَيْفَ يُفْتِيكُمُ قَتِيلٌ صَريعٌ ... بِسِهَامِ الفِرَاقِ وَالاشْتِيَاقِ
وَقَتِيلُ التَّلَاقِ أَحْسَنُ حَالًا ... عِنْدَ دَاوُدَ مِنْ قَتِيلِ الفِرَاقِ
وكان عالمًا بالفقه، وله تصانيف عديدة، توفي يوم الاثنين، سابع رمضان، سنة سبع وتسعين ومئتين.
وفي يوم وفاته توفي يوسف بن يعقوب القاضي - رحمه الله تعالى -.
* * *
٣٥٨ - أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان، القرشيُّ الفهريُّ الأندلسيُّ الطرطوشيُّ، الفقيه المالكي، الزاهد المعروف
стр. 1038
بابن أبي رُندَقَة: دخل بغداد بعد حجه، والبصرة، ورحل واشتغل، وسكن الشام، ودرَّس بها، وكان إمامًا عالمًا، زاهدًا ورعًا، دينًا متواضعًا، متقشفًا متقللًا من الدنيا، راضيا منها باليسير، وكان يقول: إذا عرض لك أمران؛ أمر دنيا، وأمر آخره، فبادر بأمر الآخرة، يحصل لك أمر الدنيا والآخرة، وكان كثيرًا ما ينشد:
إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا فُطَنَا ... طَلَّقُوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الفِتَنَا
فَكَّرُوا فِيَها فَلَمَّا عَلِمُوا ... أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا
جَعَلُوهَا لُجَّةً وَاتَّخَذُوا ... صَالِحَ الأَعْمَالِ فِيهَا سُفُنَا
ومن شعره:
إِذَا كُنْتَ فِي حَاجَةٍ مُرْسِلًا ... وَأَنْتَ بِإنْجَازِهَا مُغْرَمُ
فَدَعْ عَنْكَ كُلَّ رَسُولٍ سِوَى ... رَسُولٍ يُقَالُ لَهُ الدِّرْهَمُ
وقد أتى أحمد بن فارس اللغوي بمعنى ذلك بشعره:
стр. 1039
إذَا كُنْتَ فِي حَاجَةٍ مُرْسِلًا ... وَأَنْتَ بِهَا كَلِفٌ مُغْرَمُ
فَأَرْسِل حَكِيمًا وَلَا تُوصِه ... وَذَاكَ الحَكِيمُ هُوَ الدِّرْهَمُ
ولد سنة إحدى وخمسين وأربع مئة - تقريبًا -، وتوفي ليلة السبت، لأربعٍ بقين من جمادى الأولى، سنة عشرين وخمس مئة بثغر الإسكندرية، ودفن بمقبرة وعلة قريبًا من البرج الجديد قبلي الباب الأخضر.
والطرطوشي: نسبة إلى طرطوشة، وهي مدينة بالأندلس في آخر بلاد المسلمين في شرق الأندلس على ساحل البحر، ورُندَقَة: لفظة إفرنجية معناها: ردّ بقال (١).
* * *
٣٥٩ - أبو الهُذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبديُّ، المعروفُ بالعلَّاف: كان شيخ البصريين في الاعتزال، وهو من أكبر علمائهم، وصاحبُ مقالاب في مذهبهم، ومناظرات ومجالسَ، وهو مولى عبد القيس، ووصف العشقَ بقوله: العشق يختم على النواظر، ويطبع على الأفئدة، مرتعُه (٢) في
стр. 1040
الأجسام، ومشرعهُ (١) في الأكباد، وصاحبه متصرف الظنون، متفنن (٢) الأوهام، لا يصفو له مرجو، ولا يسلم له موعود، تُسرع إليه النوائب، وهو جرعة من نقيع الموت، وبقعة من حياض الثَّكلى، غير أنه من أريحية تكون في الطبع، وحلاوة تكون في الشمائل، وصاحبه جواد لا يُصغي إلى داعية المنع، ولا يُصيخ لنازع العذل.
ويحكى: أن أعرابية وصفت العشق، فقالت في صفته: خَفِيٌّ عن أن يُرى، وجَلَّ عن أن يختفي، فهو كامن كمونَ النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى، وإن لم يكن شعبة من الجنون، فهو عُصارة من السحر.
وكانت وفاته سنة خمس وثلاثين ومئتين بسُرَّ مَنْ رأى عن مئة سنة.
وكان قد كُفَّ بصرُه، وخَرِفَ في آخر عمره.
* * *
٣٦٠ - أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حُمران بن أَبان مولى عثمان بن عفان ﵁، المعروف بالجُبَّائي، أحدُ أئمة المعتزلة: وكان إمامًا في علم الكلام، وله في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة، وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري علمَ الكلام، ولما فارق الأشعريُّ مجلس أستاذه الجُبَّائي، وترك مذهبه، وكثر اعتراضه
стр. 1041
على أقاويله، عظُمت الوحشة بينهما.
ولد سنة خمس وثلاثين ومئتين، وتوفي في شعبان سنة ثلاث وثلاث مئة.
* * *
٣٦١ - أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، السُّلميُّ، الضريرُ الترمذيُّ: الحافظ المشهور، أحد الأئمة الذين يُقتدى بهم في علم الحديث، صنف "الجامع"، و"العلل" تصنيفَ رجل متقن، وبه كان يضرب المثل، وهو تلميذ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وشاركه في بعض شيوخه، وتوفي لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب، سنة تسع وسبعين ومئتين.
* * *
٣٦٢ - أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة، الرَّبَعيُّ بالولاء، القزوينيُّ: الحافظ المشهور، مصنف كتاب "السنن" في الحديث، كان إما ما فيه، عارفا بعلومه، ارتحل إلى العراق، والبصرة، والكوفة، وبغداد، ومكة، والشام، ومصر، والري، وله تاريخ مليح، وكتابه "الحديث" أحد الصحاح الستة.
ولد سنة سبع ومئتين، وتوفي يوم الاثنين، لتسع بقين من رمضان، سنة ثلاث وسبعين ومئتين.
والرَّبَعي: منسوب إلى ربيعة.
стр. 1042
والقزويني إلى قزوين، أشهرِ مدن عراق المعجم، خرج منها جماعة من العلماء.
* * *
٣٦٣ - أبو الحسن محمد بن أحمد [بن أيوب] بن الصَّلت بن شنبوذ، المقرئُ البغداديُّ: كان من مشاهير القُراء، تفرد بقراءة من الشواذ، وكان يقرأ بها في المحراب، فأنكر عليه، وبلغ ذلك الوزير أبا علي محمد بن مُقلة، فاستحضره أول شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة، واعتقل، ثم استحضره بحضرة القاضي أبي الحسين عمر بن محمد، وأبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقرئ، وجماعة من أهل القرآن، فأغلظ في الخطاب للوزير، والقاضي، وأبي بكر بن مجاهد، ونسبهم إلى قلة المعرفة، واستصبى القاضي، فأمر الوزيرُ بضربه، فضُرب، فدعا وهو يُضرب على الوزير ابن مقلة بأن الله يقطع يده، ويشتِّت شملَه، فكان الأمر كذلك - كما سيأتي في خبر ابن مقلة -، ثم استتابوه، فتاب، وقال: إنه رجع عما كان يقرؤه، وإنه لا يقرأ إلا بمصحف عثمان ﵁، وبالقراءة المتعارفة، فكتب عليه الوزير محضرًا بما قاله، وأمره أن يكتب خطه في آخره، فكتب ما يدل على توبته، وذلك لسبع خلون من شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة، يوم الأحد، وتوفي يوم الاثنين، لثلاث خلون من صفر، سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة ببغداد.
* * *
стр. 1043
٣٦٤ - أبو العباس محمد بن صبيح مولى بني عِجْل، المعروف بابن السَّمَّاك، القاصُّ الكوفيُّ الزاهدُ المشهور: كان عابدًا زاهدًا، حسن الكلام، صاحب مواعظ، لقي جماعة من الصدر الأول، وأخذ عنهم، وروى عنه أحمد بن حنبل وأنظاره، وقدم بغداد زمن هارون الرشيد، ثم رجع إلى الكوفة، ومات بها، ومن كلامه: خَفِ اللهَ كَأَنَّكَ لَمْ تُطِعْهُ، وَارْجُ اللهَ كَأَنَّكَ لَمْ تَعْصِهِ.
وكان هارون الرشيد قد حلف أنه من أهل الجنة، فاستفتى العلماء، فلم يفته أحد أنه من أهل الجنة، فأحضر ابنَ السماك، وسأله، فقال له: هل قدر أمير المؤمنين على معصية فتركها خوفًا من الله تعالى؟ فقال: نعم، كان لبعض الناس جارية، فهويتها وأنا إذ ذاك شابّ، ثم إني ظفرت بها مرّة، وعزمت على ارتكاب الفاحشة بها، ثم إني فكرت في النار وهولها، وأن الزنا من الكبائر، فأشفقت من ذلك، وكففت عن الجارية مخافةً من الله، فقال له ابن السماك: أبشر يا أمير المؤمنين؛ فإنك من أهل الجنة، فقال هارون الرشيد: من أين لك هذا؟ قال: من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]، فَسُرَّ هارونُ بذلك.
ومن كلامه: من جَرَّعته الدنيا حلاوتَها بميله إليها، جرعته الآخرة مرارتها لتجافيه عنها.
وأخباره ومواعظه كثيرة.
توفي سنة ثلاث وثمانين ومئة بالكوفة، وقيل: ببغداد.
стр. 1044
وابن السماك: نسبة إلى بيع السمك وصيده.
* * *
٣٦٥ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم، القرشيُّ الهاشميُّ: العبد الصالح الزاهد، صاحب الكرامات الخارقة، والأحوال الظاهرة، وعَدَّ جماعتُه الذين صحبوه مواعيد من الولايات والمناصب العلية، وصَحَّت كلها.
وكان من السادات الأكابر، والطراز الأول، وهو مغربي، ولما وصل إلى مصر، انتفع به من صحبه أو شاهده، ثم سافر إلى الشام قاصدًا زيارة بيت المقدس، فأقام به إلى أن مات في السادس من ذي الحجة، سنة تسع وتسعين وخمس مئة، ودفن بظاهر القدس الشريف من جهة الغرب، بالتربة التي تسمى: ماملا، وأصل تسميتها: الملة، وقيل: ما مِن الله، وقيل: باب الله، ودفن إلى جانبه الشيخُ شهاب الدين أحمد بن أرسلان - المتقدم ذكره في حرف الهمزة -، ودفن حوله جماعة من أعيان بيت المقدس وعلمائها وصلحائها؛ كالشيخ شمس الدين الديري العالم الكبير، وغيره.
وأصله من الجزيرة الخضراء في بر الأندلس، وهي مدينة في قبالة سبتة من بر العدوة، ومات - رحمه الله تعالى - عن خمس وخمسين سنة.
ونقل عنه: أن الإنسان إذا خاف التخمة من كثرة الأكل وقال عقيب رفع المائدة وفراغه من الأكل: قال أبو عبد الله القرشي: اليوم يوم عيد، لم يضره ذلك.
стр. 1045
والدعاء عند قبره مستجاب، وقد جُرِّب ذلك - رحمه الله تعالى، ورضي عنه -.
* * *
٣٦٦ - أبو بكر محمد بن أبي محمد القاسم بن محمد بن بشار (١) ابن الحسن بن سماعة بن فروة، الأنباريُّ النحويُّ، صاحب التصانيف المشهورة في النحو والأدب: كان علامة وقته في الأدب، وكان ثقة دَيِّنًا خَيِّرًا، من أهل السنة، وصنَّف كتبًا كثيرة في علوم القرآن، وغريب الحديث، والوقف والابتداء.
وكان أبوه عالمًا بالأدب، سكن بغداد، وروى عنه جماعة.
ولد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب، سنة إحدى وسبعين ومئتين، وتوفي ليلة عيد النحر، سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة.
ومن جملة أماليه لبعض العرب:
وَبِالعَرْصَةِ البَيْضَاءِ إِنْ زُرْتَ أَهْلَهَا ... مَهًا (٢) مُهْمَلَاتٌ مَا عَلَيْهِنَّ سَائِسُ
خَرَجْنَ لِحُبِّ اللَّهْوِ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ ... عَفَائِفَ بَاغِي اللَّهو مِنْهُنَّ آيِسُ
* * *
стр. 1046
٣٦٧ - أبو عبد الله محمد بن القاسم بن خلاد، الهاشميُّ بالولاء، الضرير، مولى أبي جعفر المنصور، المعروف بابي العيناء، صاحب النوادر والشعر والأدب: أصله من اليمامة، ومولده بالأهواز، ومنشؤه بالبصرة، وبها طلب الحديث، وكتب الأدب.
وكان من أحفظ الناس، وأفصحهم لسانًا، وكان من ظرفاء العالم، وله أخبار حسان، وأشعار مِلاح.
ووقف عليه رجل من العامة، فلما أحسَّ به، قال: من هذا؟ قال: رجل من بني آدم، فقال أبو العيناء: مرحبًا بك، أطال الله بقاءك، ما كنت أظن هذا النسل إلا قد انقطع.
وصار يومًا إلى دار صاعد بن مخلد، فاستأذن عليه، وكان قَبْلَ الوزارة نصرانيًا، فقيل: هو مشغول بالصلاة، فقال أبو العيناء: لكلِّ جديد لذة.
ومرَّ بباب عبد الله بن منصور، وهو مريض، وقد انصلح، فقال لغلامه: كيف خُبْرُه، قال: كما تحب، فقال: ما لي لا أسمع الصراخَ عليه؟
وذكر له أن المتوكل قال: لولا أنه ضرير، لنادمناه، فقال: إن أعفاني من رؤية الأهلَّة، وقراءة نقوش الفصوص، أصلُحْ للمنادمة.
ودخل على المتوكل في قصره المعروف بالجعفريّ، سنة ست وأربعين ومئتين، فقال له: ما تقول في دارنا هذه؟ فقال: إن الناس بنوا
стр. 1047
الدور في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك، فاستحسن كلامه.
وأحواله ونوادره كثيرة.
ولد سنة إحدى وتسعين ومئة بالأهواز، ونشأ بالبصرة، وكُفَّ بصره وقد بلغ من العمر أربعين سنة، وسكن بغداد، وعاد إلى البصرة.
وكان جده أكبر لقي عليَّ بن أبي طالب، فأعياه المخاطبة معه، فدعا عليه بالعَمَى له ولولده، فكل من عمي من ولد أبي العيناء، فهو صحيح النسب فيهم.
وخرج من البصرة وهو بصير، وقدم سُرَّ مَن رأى، فاعتلَّت عيناه، وعمي، وعاد إلى البصرة، وتوفي بها في جمادى الآخرة، سنة ثلاث وثمانين ومئتين.
ولقب بأبي العيناء؛ لأنه سأل أبا يزيد الأنصاريَّ عن تصغير عَيْناء، فقال: عُيَيْناء يا أبا العيناء، فبقي عليه.
* * *
٣٦٨ - أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد، الواقديُّ المدنيُّ، مولى بني هاشم: كان إمامًا عالمًا، له التصانيف في المغازي وغيرها، سمع من مالك بن أنس، وغيره، وتولى القضاء بشرقي بغداد، وكان المأمون يكرم جانبه، ويبالغ في رعايته.
ولد في أول سنة ثلاثين ومئة، وتوفي عشية يوم الاثنين، حادي عشر ذي الحجة، سنة سبع ومئتين، وهو يومئذ قاضٍ ببغداد في الجانب
стр. 1048
الغربي، وقيل: بالجانب الشرقي، ودفن بمقبرة الخيزران.
* * *
٣٦٩ - أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بن عبيد الله الكاتب، المَرْزُبانيُّ، الخراسانيُّ الأصل، البغداديُّ المولد، صاحبُ التصانيف المشهورة، والمجاميع الغريبة: كان ثقة في الحديث، ومائلًا إلى التشيع في المذهب، وهو أول من جمع ديوان شعر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي، واعتنى به، ومنه الأبيات العينية، والتي منها:
إِذَا رُمْتَ مِنْ لَيْلَى عَلَى البُعْدِ نَظْرَةً ... لِتُطْفِي جَوًى بَيْنَ الحَشَا وَالأَضَالِعِ
تَقُولُ نِسَاءُ الحَيِّ تَطْمَعُ أَنْ تَرَى ... مَحَاسِنَ لَيْلَى مُتْ بِدَاءِ المَطَامعِ
وَكَيْفَ تَرَى لَيْلَى بِعَيْنٍ تَرَى بِهَا ... سِوَاهَا وَمَا طَةَرْتَهَا بِالمَدَامعِ
وَتَلْتَذُّ مِنْهَا بِالحَدِيثِ وَقَدْ جَرَى ... حَدِيثُ سِوَاهَا فِي حُرُوفِ المَسَامعِ
أُجِلُّكِ يَا لَيْلَى عَنِ العَيْنِ إِنَّمَا ... أَرَاكِ بِقَلْبٍ خَاشعٍ لَكِ خَاضِعِ
стр. 1049
ولد سنة سبع وتسعين ومئتين، وتوفي ثاني شوال، سنة أربع وثمانين وثلاث مئة ببغداد، ودفن بداره بشارع عمرو الرومي.
* * *
٣٧٠ - أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد ابن صُول تكين الكاتب، المعروف بالصّولي الشطرنجيّ: أحد الأدباء الفضلاء المشاهير، روى عن أبي داود السجستاني، وغيره، وروى عنه: الدارقطني، وغيره، وله التصانيف المشهورة، وكان ينادم الخلفاء، وله رواية واسعة، ومحفوظات كثيرة.
وكان حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، أوحدَ وقته في لعب الشطرنج، والناس يضربون به المثل، فيقولون لمن يبالغ في لعبه: العبُ من الصولي واضعِ الشطرنج، وهو غلط، فإن الذي وضعه صِصَّه بن داهر الهندي بن قاسم، والملكُ الذي وضعه له شهرام، وكان أزدشير بن بابك أول ملوك الفرس الأخيرة، وقد وضع النرد، ولذلك قيل له: نردشير، نسبوه إلى واضعه المذكور، فافتخرت الفرس بوضع النرد، فلما وضع صِصَّه الشطرنج، فقضت حكماء ذلك العصر بترجيحه على النرد.
وتوفي الصُّولي المذكور سنة خمس، وقيل: سنة ست وثلاثين وثلاث مئة مستترًا بالبصرة؛ لأنه روى خبرًا في حق علي بن أبي طالب ﵁، فطلبه الخاصة والعامة ليقتلوه، وكان قد خرج من بغداد لضائقة لحقته.
* * *
стр. 1050
٣٧١ - أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي بن عبد الله المعروف بابن تيمية، الحرانيُّ، الملقب: فخر الدين، الخطيبُ الواعظُ الفقيهُ الحنبليُّ: كان فاضلًا، تفرد في بلده بالعلم، وكان المشارَ إليه في الدين، وقدم بغداد وتفقه بها، وصنف في مذهب الإمام أحمد مختصرًا أحسن فيه، وله ديوان خُطب مشهور، وله تفسير القرآن الكريم، ونظم حسن، ولم يزل أمره جاريا على السَّداد والصلاح ولد بمدينة حران في الثامن والعشرين من شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة، ومن شعره:
أَحْبَابَنَا قَدْ نَذَرَتْ مُقْلَتِي ... لَا تَلْتَقِي بِالنَّوْمِ أَوْ نلتَقِي
رِفْقًا بِقَلْب مُغْرَمٍ وَاعْطِفُوا ... عَلَى سَقَامِ الجَسَدِ المفرَّقِ
كَمْ تَمْطُلُونِي بِلَيَالِي اللِّقَا ... قَدْ ذَهَبَ العُمْرُ وَلَمْ نَلْتَقِ
وكان أبوه أحدَ الأبدال الزهاد، وسئل عن تيمية: ما معناه؟ قال: حج أبي أو جدي، وكانت امرأته حاملًا، فلما كان بتيماء، رأى جويرية قد خرجت من خِباء، فلما رجع إلى حران، وجد امرأته قد وضعت جارية، فلما رفعوها إليه، قال: يا تيمية! يعني: أنها تشبه التي رآها بتيماء، فسمي به، أو كلامًا هذا معناه.
стр. 1051
وتيماء: بُليدة في بادية تبوك، إذا خرج الإنسان من خيبر إليها، تكون على نصف طريق الشام، وتيمية منسوبة إلى هذه البليدة، وكان ينبغي أن يكون: تيماوية؛ لأن النسبة إلى تيماء: تيماوي، ولكنه هكذا قال.
وتوفي بحران في حادي عشر صفر، سنة إحدى وعشرين وست مئة، وقيل: يوم الخميس بعد العصر، عاشر صفر، سنة ثلاث وعشرين وست مئة ﵀، وعفا عنه -.
* * *
٣٧٢ - أبو سعيد محمد بن أبي السعادات عبد الرحمن بن محمد ابن مسعود المرزرودي الملقب: تاج الدين، الخراسانيُّ البندهيُّ الفقيهُ الشافعيُّ الصوفيُّ: كان أديبًا فاضلًا، اعتنى بالمقامات الحريرية، فشرحها، وأطال شرحها، وكان مقيمًا بدمشق في الخانقاه السمساطية، والناس يأخذون عنه.
ولد وقت المغرب من ليلة الثلاثاء، غرة شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، وكان كثيرًا ما ينشد:
قَالَتْ عَهِدْتُكَ تَبْكِي ... وَمَا حِذَارَ التَّنَائِي
فَلِمْ تَعَوَّضْتَ عَنْهَا ... بَعْدَ الدِّمَاءِ بِمَاءِ
стр. 1052
فَقُلْتُ مَا ذَاكَ مِنّي ... لِسَلْوَةٍ وَعَزَائِي
لَكِنْ دُمُوعِيَ شَابَتْ ... مِنْ طُولِ عُمْرِ بُكَائِي
توفي ليلة السبت، التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وثمانين وخمس مئة بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، والمسعودي: نسبة إلى جده مسعود.
والبندهي: نسبة إلى بنج ديه من أعمال مروروذ، ومعناه بالعربي: خمس قرى، خرج منها خلق كثير من العلماء.
* * *
٣٧٣ - أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي سعيد بن أبي طالب يحيى بن علي بن الحجاج المعروف بابن الدبيثي، الفقيهُ الشافعيُّ المؤرخُ الواسطيُّ: سمع الحديث، وكانت له محفوظات حسنة، وكان في الحديث وأسماء رجاله والتاريخ من الحفاظ المشهورين، وصنف كتابا جعله ذيلًا على تاريخ سعد بن عبد الكريم السمعاني المذيل على "تاريخ بغداد" للخطيب، وهو ثلاث مجلدات، وصنف غيره، ولم يزل على اجتهاده وجمعه وتعليقه إلى أن توفي في يوم الاثنين، لثمانٍ خلون من شهر ربيع الآخر، سنة سبع وثلاثين وست مئة ببغداد، ودفن بالوردية.
* * *
стр. 1053
٣٧٤ - أبو عبد الله محمد بن [أبي] محمد بن محمد بن ظفر الصقلي، المنعوت بحجة الدين: أحد الأدباء والفضلاء، صاحب التصانيف الممتعة، منها: "سلوان المطاع في عدوان الاتباع"، وغيره من التصانيف الظريفة.
وكان قصير القامة، دميم الخلقة، غير صبيح الوجه، وله شعر منه:
حَمَلْتُكَ فِي قَلْبِي فَهَلْ أَنْتَ عَالِمٌ ... بِأَنَّكَ مَحْمُولٌ وَأَنْتَ مُقِيمُ
أَلَا إنَّ شَخْصًا فِي فُؤَادِي مَحَلُّهُ ... وَأَشْتَاقُهُ شَخْصٌ عَلَيَّ كَرِيمُ
وكانت نشأته بمكة، ومولده بصقلية، وتنقَّل في البلاد، وسكن آخر الوقت حماة، وتوفي بها سنة خمس وستين وخمس مئة، ولم يزل يكابد الفقر إلى أن مات.
وقيل: إنه زوَّج ابنته بحماة بغير كفؤ من الحاجة والضرورة، وأن الزوج رحل بها من حماة وباعها في بعض البلدان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* * *
٣٧٥ - أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية، القرشيُّ الأمويُّ المعروفُ بالعتبي، الشاعرُ المصريُّ المشهور: كان
стр. 1054
أديبًا فاضلًا، شاعرًا مجيدًا، روى عن سفيان بن عُيينة، وغيره، وقدم بغداد، وحدَّث بها، وأخذ عنه أهلها.
وله تصانيف كثيرة، ومن شعره:
لَمَّا رَأَتْنِي سُلَيْمَى قَاصِرًا بَصَرِي ... عَنْها وَفِي الطَّرْف عَنْ أَمْثَالِهَا زَرَرُ
قَالَتْ عَهِدْتُكَ مَجْنُونًا فَقُلْتُ لَهَا: ... إِنَّ الشَّبَابَ جُنُونٌ بُرْؤُهُ الكِبَرُ
وهذا البيت من الأمثال السائرة.
وروي عنه: أنه كان يقول: الزرافة - بفتح الزاي وضمها - الحيوان المعروف، وهي مولَّدة من ثلاث حيوانات: الناقة الوحشية، والبقرة الوحشية، والضبعان وهو المذكور من الضباع، فيقع الضبعان على الناقة، فيأتي بولد من الناقة والضبع، فإن كان الولد ذكرًا، وقع على البقرة، فتأتي بالزرافة، وذلك في بلاد الحبشة، ولذلك قيل لها: الزُّرافة، والزرافة في الأَصل: الجماعة، فلما ولدت من جماعة، قيل لها: الزرافة.
والعجم يسمونها: أشتركاوبكتك؛ لأن الأشتر: الجمل، والكاو: البقرة، والبكتك: الضبع.
* * *
٣٧٦ - أبو بكر محمد بن العباس، الخوارزميُّ الشاعرُ المشهور:
стр. 1055
وهو ابن أخت [محمد بن] جرير، و [محمد بن] جرير الطبري صاحب "التاريخ"، وكان إمامًا في اللغة والأنساب، وأقام بالشام مدة، وسكن نواحي حلب، وكان يشار إليه في عصره.
ومن شعره:
يَا مَنْ يُحَاوِلُ صِرْفَ الرَّاحِ يَشْرَبُهَا ... وَلَا يَفُكّ لِمَا يَلْقَاهُ قِرْطَاسَا
الكَاسُ وَالكِيسُ لَا يُرْجَى اجْتِمَاعُهَا ... فَفَرِّغِ الكِيسَ حَتَّى تَمْلأَ الكَأَسَا
ونوادره كثيرة.
ولما رجع من الشام، سكن نيسابور، ومات بها في نصف رمضان، سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة.
* * *
٣٧٧ - أبو الحسن محمد بن عبيد (١) الله بن محمد بن محمد بن يحيى، المخزوميُّ الشاعرُ المشهورُ، السُّلاميُّ: وهو من ولد المغيرة المخزومي أخي خالد بن الوليد، وهو من أشعر أهل العراق قولًا بالإطلاق، وشهادة بالاستحقاق، قال الشعر وهو ابن عشرين سنة، ونشأ