← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وأما الثلاثة الذين تقدموا، وهم: الفضل بن يحيى البرمكي، والفضل بن الربيع، والفضل بن سهل، فلما وقف على هذه الأبيات، استدعاه، واعتذر إليه، وقضى حاجته. ثم إن المعتصم تغيَّر عليه، وقَبَض عليه في رجب، سنة إحدى وعشرين ومئتين، ولما قبض عليه، قال: عصى الله في طاعتي، فسلَّطني عليه. ثم خدم بعد ذلك جماعة من الخلفاء، ثم توفي في ربيع الآخر، سنة خمسين ومئتين، وعمره ثمانون سنة، وأخذ المعتصم من داره لما نكبه ألفَ ألفِ دينار، وأخذ أثاثًا وآنية بألف ألف دينار. ٣١٠ - الفُضيل بن عياض بن مسعود بن بشر، التميميُّ، الطالقانيُّ الأصل، الزاهدُ المشهورُ: أحد رجال الطريقة، كان في أول أمره شاطرًا، يقطع الطريق بين أَبِيْوَرد وسَرَخْس، وكان سبب توبته: أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها، سمع تاليًا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]. فقال: يا رب! قدْ آن. ثم صار من كبار السادات. ومن كلام الفضيل: إذا أحب الله تعالى عبدًا، أكثر غَمَّه، وإذا أبغض عبدًا، أوسعَ عليه معيشته أو دنياه.

стр. 982

ومناقبه كثيرة، قدم مكة، وجاور بها إلى أن مات في المحرم، سنة سبع وثمانين ومئة، ومولده بأَبِيْوَرْد، وهو منسوب إلى طالقان من خراسان. ٣١١ - أبو شجاع فناخسرو الملقب: عضد الدولة بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه، الديلميُّ: تسلم مملكة فارس بعد عمه معزِّ الدولة، ولم يبلغ أحد في أقاربه ما بلغه عضد الدولة من سعة الملك، والاستيلاء على الملوك وممالكهم، وهو أول من خوطب بالملك في الإسلام، وأول من خُطب له على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وكان من جملة ألقابه: تاج الملة، وكان فاضلًا، محبًا للفضلاء، مشاركًا في عدة فنون. وكتب أبو منصور أفتكين التركي متولي دمشقَ كتابًا إلى عضد الدولة مضمونُه: أن الشّام قد صفا في يدي، وزال عنه حكم صاحب مصر، فإن قَوَّيتني بالأموال والعُدد، حاربت القوم. فكتب عضد الدولة جوابه هذه الكلمات، وهي متشابهة في الخط لا تقرأ إلا بعد الشكل والنقط: غَرَّكَ عِزُّكَ، فَصَارَ قُصَارَ ذَلِكَ ذُلُّكَ، فَاخْشَ فاحِشَ فِعلك، فَعلَّك بِهَذَا تَهْدا. ولقد أبدع فيها كلَّ الإبداع.

стр. 983

وكان أفتكين مولى معز الدولة بن بويه، فتغلب على دمشق، وخرج على العزيز العُبيدي صاحبِ مصر، والتقى جيشاهما، وانكسر أفتكين وهرب، فقطع عليه الطريق دغفل الجراح البدري، وحمله إلى العزيز وفي عنقه حبلٌ، فأطلقه، وأحسن إليه، وأقام يسيرًا، ومات سنة اثنتين وسبعين وثلاث مئة. ولما احتضر عضد الدولة، لم يكن لسانه ينطق إلا بتلاوة: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩]. وعالش بعدها قليلًا، ومات بعلّة الصرع، في يوم الاثنين، ثامن شوال، سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة ببغداد، ودفن بدار الملك، ثم نقل إلى الكوفة، ودفن بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وعمره سبع وأربعون سنة، وأحدَ عشرَ شهرًا، وثلاثة أيام. والبيمارستانُ العضدي ببغداد منسوب إليه. وهو الذي أظهر قبرَ علي بن أبي طالب ﵁ بالكوفة، وبنى عليه المشهد، وأوصى بدفنه فيه. وللناس فيه اختلاف كثير، حتى قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة الثقفي، وإن عليًا ﵁ لا يعرف قبره، وأصح ما قيل فيه: إنه مدفون بقصر الإمارة بالكوفة، والله أعلم. ٣١٢ - مجد الدين فضل الله بن فخر الدين عبد الرحمن بن

стр. 984

مكانس، المصريُّ: عني بالأدب، وله نظم حسن، وكتب بديوان الإنشاء بالقاهرة، ولم يكن مسعودًا في أمر دنياه. دخل رجل على والده الفخر وهو عنده، وصف له عبدًا حبشيًا في غاية الحسن، فتطلع والده لشرائه، وكان على رأسه مملوك في غاية الحسن، فأنشأ يقول: يَا مَنْ تَعَشَّقَ عَبْدًا بِالسَّمَاعِ بِهِ ... وَعِنْدَهُ أَبْيَضٌ كَالبَدْرِ فِي الحَمَلِ خُذْ مَا رَأَيْتَ وَدع شَيْئًا سَمِعْتَ بِهِ ... فِي طَلْعَةِ البَدْرِ مَا يُغْنِيكَ عَنْ زُحَلِ * * * ٣١٣ - أمير العرب فضل بن عيسى بن رملة بن جماز، أميرُ آل علي: ولي الإمرة بعد أخيه حادث خمسة وثلاثين سنة، وأخوه حادث ورث الإمرة بعد أبيه سنتين، ولما جاء الظاهر برقوق الكرك، رحل هو وعربه معه، وصار له بذلك عنده وَجاهة، وقبض عليه نوروز، وحبسه بقلعة دمشق، ثم إنه اتهم بمكاتبة المؤيد شيخ، فقتله في ذي القعدة، سنة ست عشرة وثمان مئة.

стр. 985

حَرْفُ القَافِ ٣١٤ - أبو عُبيد القاسم بن سلَّام - بتشديد اللام -: وكان أبوه عبدًا روميًا لرجل من أهل هراة، واشتغل أبو عبيد بالحديث والأدب والفقه، وكان ذا دين وسيرة جميلة، ومذهب حسن، وفضل بارع، وولي القضاء بمدينة طرسوس ثماني عشرة سنة، وله مصنفات نافعة في القرآن والحديث والفقه. وقال الهلال الرقي: مَنَّ الله تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بالشافعي ﵁؛ تفقه في علم حديث رسول الله ﷺ ، وأحمدَ بن حنبل ﵁؛ ثبت في المحنة، ولولا ذاك لكفر الناس، ويحيى بن معين؛ نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ ، وبأبي عبيد القاسم؛ فسَّر غريب الحديث، ولولا ذاك لاقتحم الناسُ الخطأ. وكان له هيبة ووقار، قدم بغداد، فسمع الناس منه كتبه، ثم حج، ومات بمكة المشرفة، وقيل: بالمدينة الشريفة، بعد فراغه من الحج سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين ومئتين، وقيل: في المحرم، سنة أربع وعشرين، ودفن في دور جعفر، ومولده بهراة.

стр. 986

٣١٥ - أبو محمد القاسم بن علي بن عثمان الحريري، صاحبُ المقامات: كان أحد الأئمة في عصره، رُزق الحظوة التامة في عمل المقامات، واشتملت على شيء كثير من كلام العرب ولغاتها وأمثالها، ومَنْ عرفها حقَّ معرفتها، استدل بها على فضل هذا الرجل، وكثرة اطلاعه، وغزارة مادته. وللحريري مؤلفات حِسان، منها: "درة الغواص في أوهام الخواص"، ومنها: "ملحة الإعراب وسبحة الآداب" المنظومة في النحو، و"شرحها"، و"ديوان رسائل وأشعار". فمن قوله: قَالَ العَوَاذِلُ: مَا هَذَا الغَرَامُ بِهِ ... أَمَا تَرَى الشَّعْرَ فِي خَدَّيْهِ قَدْ نبًتَا فَقُلْتُ: وَاللهِ لَوْ أَنَّ المُفَنِّدَ لِي ... تَأَمَّلَ الرُّشْدَ فِي عَيْنَيْهِ مَا ثَبَتَا وَمَنْ أقامَ بِأَرْضٍ وَهِيَ مُجْدِبَةٌ ... فَكَيْفَ يَرْحَلُ عَنْهَا وَالرَّبِيعُ أَتَى ويحكى: أنه كان دميمًا، قبيح المنظر، فجاءه شخص غريب يزوره، ويأخذ عنه شيئًا، فلما رآه، استزرى شكله، ففهم الحريريُّ ذلك منه، فلما التمس منه أن يُملي عليه، قال له:

стр. 987

مَا أَنْتَ أَوَّلُ سَارٍ غَرَّهُ قَمَرٌ ... وَزَائِرٍ أَعْجَبَتْهُ خُضْرَةُ الدِّمَنِ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ غَيْرِي إِنِّنِي رَجُلٌ ... مِثْلُ المُعَيْدِيِّ فَاسْمَعْ بِي وَلَا تَرَنِي يشير إلى المثل: لأن تسمعَ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه. فخجل الرجل منه، وانصرف عنه. وكانت ولادة الحريري في سنة ست وأربعين وأربع مئة بالبصرة، في سكة بني حرام. وحرام: قبيلة من العرب سكنوا هذه السكة، فنسبت إليهم. والحريري: نسبة إلى الحرير وعمله أو بيعه. وتوفي الحريري سنة خمس عشرة وخمس مئة، وكان الحريري قد أولع بنتف لحيته، والعبث بها. * * * ٣١٦ - أبو محمد القاسم بن فيره بن أبي القاسم، خلف بن أحمد الرُّعَيني الشاطبيُّ الضريرُ، المقرئ: صاحب القصيدة التي سماها: "حرز الأماني ووجه التهاني" في القراءات، وعِدَّتها ألف ومئة وثلاثة وسبعون بيتًا، ولقد أبدع فيها كل الإبداع، وهي عمدة قراء هذا الزمان، وما سُبق إلى أسلوبها.

стр. 988

كان عالمًا بكتاب الله قراءة وتفسيرًا، وبحديث رسول الله ﷺ ، مبرِّزًا فيه، وكان كثيرًا ما ينشد هذا اللغز، وهو في نعش الموتى: أتعْرِفُ شَيْئًا فِي السَّمَاءِ نَظِيرُهُ ... إِذَا سَارَ صَاحَ النَّاسُ حَيْثُ يَسِيرُ فَتَلْقَاهُ مَرْكُوبًا وَتَلْقَاهُ رَاكِبًا ... وَكُلُّ أَمِيرٍ يَعْتَرِيهِ أَسِيرُ يَحُضُّ عَلَى التَّقْوَى، وَيُكْرَهُ قُرْبُهُ ... وَتَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ وَهْوَ نَذِيرُ وَلَمْ يُسْتَزَرْ عَنْ رَغْبَةٍ فِي زِيَارَةٍ ... وَلَكِنْ عَلَى رَغْمِ المَزُورِ يَزُورُ ولد في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة، وتوفي يوم الأحد، بعد صلاة العصر، الثامن والعشرين من جمادى الآخرة، سنة تسعين وخمس مئة، ودفن يوم الاثنين في تربة القاضي الفاضل بالقرافة الصغرى. والرعيني: نسبة إلى ذي رُعَين، وهي إحدى قبائل اليمن. والشاطبي: نسبة إلى شاطبة، وهي مدينة كبيرة ذات قلاع حصينة بشرق الأندلس، خرج منها جماعة من العلماء، استولى عليها الفرنج في العشر الأخير من رمضان، سنة خمس وأربعين وست مئة. * * *

стр. 989

٣١٧ - أبو دُلَف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل العجليُّ: أحد قواد المأمون، ثم المعتصم، وكان كريمًا جوادًا، شجاعًا مقدامًا، ذا وقائع مشهورة. ومدحه أبو تمام الطائي، من هذا: يَا طَالِبًا لِلكِيمِياءِ وَعِلْمِهِ ... مَدْحُ ابْنِ عِيسَى الكِيمِيَاءُ الأَعْظَمُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا دِرْهَمٌ ... وَمَدَحْتَهُ لأَتَاكَ ذَاكَ الدِّرْهَمُ فأعطاه على هذين البيتين عشرة آلاف درهم. وله أشعار حسنة، وقد كان أبوه شرع في عمارة مدينة الكرخ، وأتمها هو، وكان بها أهله وعشيرته. توفي سنة ست وعشرين ومئتين ببغداد. * * * * ٣١٨ - الشيخ علم الدين القاسم بن بهاء الدين محمد بن زكي الدين يوسف، البرزاليُّ الإشبيليُّ، ثم الدمشقيُّ، الشافعيُّ: الحافظُ المحدّث المؤرخُ. مولده في جمادى الأولى، سنة خمس وستين وست مئة، وتوفي بُخليص مُحرِمًا، في رابع ذي الحجة، سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، عن

стр. 990

أربع وسبعين سنة، وهو من مشايخ الحافظ الذهبي ﵀. * * * أبو دُلَف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل العجلي: أحد قواد المأمون (١). * * * ٣١٩ - شمس المعالي الأمير أبو الحسن قابوس بن أبي طاهر، الجيليُّ: أمير جرجان وبلاد الجبل وطبرستان، خاتم الملوك، وغرة الزمان، وينبوع العدل والإحسان، ومن مشهور ما ينسب إليه من شعر: قُلْ لِلَّذِي بِصُرُوفِ الدَّهْرِ عَيَّرَنَا ... هَلْ حَارَبَ الدَّهْرُ إِلَّا مَنْ لَهُ خَطَرُ أَمَا تَرَى البَحْرَ تَعْلُو فَوْقَهُ جِيَفٌ ... ويَسْتَقِرُّ بِأَقْصَى قَعْرِهِ الدُّرَرُ وَإِنْ تَكُنْ عَبَثَتْ أَيْدِي الزَّمَانِ بِنَا ... وَنَالَنَا مِنْ تَمَادِي بُؤْسِهِ ضَرَرُ فَفِي السَّمَاءِ نُجُومٌ مَا لَهَا عَدَدٌ ... وَلَيْسَ يُكْسَفُ إِلَّا الشَّمْسُ وَالقَمَرُ

стр. 991

وكان الأمير المذكور صاحبَ جرجان وتلك البلاد، وكانت من قبله لأبيه، وكانت وفاة أبيه في المحرم، سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة بجرجان، ثم انتقلت مملكة جرجان عنهم إلى غيرهم، وملكها قابوس في شعبان، سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، وكان من محاسن الدنيا وبهجتها، لكنه كان لا يُؤْمَنُ بحالٍ سطوتُهُ وبأسُهُ، يقابل زلة القدم بإراقة الدم، لا يذكر العفو عند الغضب، فكان ذلك سبب الوحشة بينه وبين عسكره، فقصدوا خلعه، وتوليةَ ولده منصور، فلما رأى قابوس ذلك، تلافى نفسَه، واجتمع بولده، وسلَّم خاتم المملكة إليه، واستوصاه بنفسه خيرًا، واتفقا على أن يكون في بعض القلاع حتى يأتيه الموت، ففعل ذلك، ولم يزل في القلعة حتى مات. * * * ٣٢٠ - أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة، السَّدوسِيُّ البصريُّ الأكمهُ: كان تابعيًا، وعالمًا كبيرًا. ولد سنة ستين للهجرة، وتوفي بواسط سنة سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة ومئة، وكان أنسبَ العرب، وقتلته الأزارقة، وقيل: إنه غرق بدُجيل في وقعة دولاب، وهو الأصح. * * * ٣٢١ - أبو حفص قُتيبة بن أبي صالح مسلم بن عمرو بن الحُصين ابن ربيعة الباهلي: أمير خراسان زمن عبد الملك بن مروان من جهة

стр. 992

الحجاج بن يوسف الثقفي؛ لأنه كان أمير العراقين، وكان شهما مقدامًا نجيبا، وفتح الفتوحات، فلما مات الوليد في سنة ست وتسعين، وتولى أخوه سليمان بن عبد الملك، وكان يكره قتيبة، فخاف منه قتيبة، وخلع بيعة سليمان، وخرج عليه، وأظهر الخلاف، وكان قتيبة قد عزل وكيعَ ابنَ حسان عن رئاسة بني تميم، فحقد وكيع عليه، وسعى في اختلاف الجند سرًا، وقعد عن قتيبة متمارضًا، ثم خرج عليه وهو بفرغانة، فقتله في ذي الحجة، سنة ست وتسعين للهجرة. ومولده سنة تسع وأربعين، وتولى خراسان تسع سنين، وسبعة أشهر. * * * ٣٢٢ - أبو سعيد قراقوش بن عبد الله، الأسديُّ، الملقب بهاء الدين: كان خادم صلاح الدين، وقيل: خادم أسد الدين شيركوه عمِّ صلاح الدين، فأعتقه، ولما استقل صلاح الدين بالديار المصرية، جعله زمام القصر، ثم ناب عنه مدة بالديار المصرية، وفوض أمورها إليه، وكان مسعودًا، صاحبَ همة عالية، وهو الذي بنى السور المحيط بالقاهرة ومصر وما بينهما، وبنى قلعة الجبل، والقناطر التي بالجيزة على طرائق الأهرام، وله وقف كثير لا يعرف مصرفه. ولما أخذ صلاخ الدين عكا من الفرنج، سلمها إليه، ثم لما استولوا عليها، صار أسيرًا، فافتدى نفسه بعشرة آلاف دينار، وانفك من الأسر

стр. 993

في يوم الثلاثاء، حادي عشر شوال، سنة ثمان وثمانين وخمس مئة، ومثل في الخدمة الشريفة، واستأذن في المسير إلى دمشق. والناس ينسبون إليه حكايات عجيبة في ولايته، حتى إن الأسعد ابن مماتي له جزء لطيف سماه: "الفاشوش في أحكام قراقوش"، وفيه أشياء يبعُد وقوعها منه، والظاهر أنها موضوعة؛ فإن صلاح الدين كان معتمدًا في أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته، ما فوضها إليه. توفي مستهل رجب، سنة سبع وتسعين وخمس مئة بالقاهرة، ودفن في تربته المعروفة بسفح المقطَّم، بقرب البئر والحوض الذين أنشأهما على شفير الخندق. وقرقوش: لفظ تركي تفسيره بالعربي: العقاب الطائر. * * *

стр. 994

حَرْفُ الكَافِ ٣٢٣ - أبو المسك كافور بن عبد الله الأخشيدي: كان عبدًا لبعض أهل مصر، اشتراه أبو بكر محمد بن طُغج الأخشيدي في سنة اثنتي عشرة وثلاث مئة بمصر من محمود بن وهب بن عباس، وترقى (١) وهو عنده، وجعله أتابكَ ولديه، وبلغت خزانته كلَّ يوم ثلاثةَ عشرَ ألفًا، ولما توفي الأخشيدي، تولى مملكة مصر والشام ولدُه الأكبر أبو القاسم، وقام له كافور بتدبير دولته أحسنَ قيام إلى أن توفي يوم السبت، لثمانٍ، وقيل: سبعٍ من ذي القعدة، سنة تسع وأربعين وثلاث مئة، وحُمل إلى القدس، ودفن عند أبيه، وكانت ولادته بدمشق يوم الخميس، لتسعٍ خلون من ذي الحجة، سنة تسع عشرة وثلاث مئة. وتولى بعده أخوه أبو الحسن علي، وملك الرومُ في أيامه حلب، والمصيصة، وطرسوس، فاستمر كافور على نيابته إلى أن توفي عليٌّ المذكور لإحدى عشرةَ ليلة خلت من المحرم، سنة خمس وخمسين، وكانت ولادته يوم الثلاثاء، لأربع خلون من صفر، سنة ست وعشرين وثلاث مئة بمصر.

стр. 995

ثم استقل كافور بالمملكة من هذا التاريخ، وأشير عليه بإقامة الدعوة لولد أبي الحسن علي، فاحتج بصغر سنه، وركب المطارد، وأظهر خِلَعًا جاءته من العراق، وكتابا بتكنيته، وركب بالخِلَع يوم الثلاثاء، لعشرٍ خلون من صفر، سنة خمس وخمسين وثلاث مئة، وكان يرغب في أهل الخير، ويعظِّمهم، وكان أسود شديد السواد بصاصًا، واشتراه الأخشيد بثمانية عشر دينارًا. ومدحه المتنبي بأحسن المدائح، فمن ذلك قوله في أول قصيدة أنشدها له في جمادى الآخرة، سنة ست وأربعين وثلاث مئة، وقد وصف الخيل، ثم قال: قَوَاصِدُ كَافُورٍ تَوَارِكُ غَيْرِهِ ... وَمَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السَّوَاقِيَا فَجَاءَتْ بِهِ إِنْسَانَ عَيْنِ زَمَانِهِ ... وَخَلَّتْ بَيَاضًا خَلْفَهَا وَأَمَاقِيَا ولقد أحسن في هذا غاية الإحسان. ثم حصل بينهما وحشة، فهجاه، ثم فارق مصر، ومن جملة هجائه قصيدة دالية في آخرها هذان البيتان: مَنْ عَلَّمَ الأَسْوَدَ المَخْصِيَّ مَكْرُمَةً ... أَقَوْمُهُ البِيضُ أَمْ آبَاؤُهُ الصِّيدُ

стр. 996

وَذَاكَ أَنَّ الفُحُولَ البِيضَ عَاجِزَةٌ ... عَنِ الجَمِيلِ فَكَيْفَ الخِصْيَةُ السُّودُ ولم يزل كافور مستقلًا بالأمر إلى أن توفي يوم الثلاثاء، لعشر بقين من جمادى الأولى، سنة ست وخمسين وثلاث مئة بمصر، ودفن بالقرافة الصغرى، وقبره مشهور هناك، ولم تطل مدته في الاستقلال، وكانت بلاد الشام في مملكته مع مصر، ويُدعى له على المنابر بمكة المشرفة، والحجاز، وغير ذلك، وكان تقدير عمره خمسًا وستين سنة، وكانت أيامه شديدة، وقيل: إنه توفي سنة سبع وخمسين وثلاث مئة، وكانت ولايته على حكم موته في التاريخ الثاني سنتين وثلاثة شهور - تقريبًا -. ولما توفي تقرر الحال بولد أبي الحسن علي بن الأخشيد، وخُطب لأبي الفوارس أحمد بن علي بن الأخشيد يوم الجمعة، لسبعٍ بقين من جمادى الأولى، سنة سبع وخمسين وثلاث مئة. * * * ٣٢٤ - أبو صخر كُثَيِّرُ بن عبد الرحمن بن أبي جمعة، الأسودُ، الخزاعيُّ: أحد عشاق العرب المشهورين، وكان رافضيًا شديدَ التعصب لآل أبي طالب، ومن شعره: قَضَى كُلُّ ذِي دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيمَهُ ... وَعَزَّةُ مَمْطُولٌ مَعَنًّى غَرِيمُهَا

стр. 997

وهو صاحبُ عَزَّة بنتِ جميل بن حفص، كان مغرمًا بها، وله معها حكايات ونوادر مشهورة. وكان كُثيِّر بمصر، وعزة بالمدينة، فاشتاق إليها، وسافر نحوها، فلقيها في الطريق وهي متوجِّهة إلى مصر، وجرى بينهما كلام، ثم انفصلت عنه وقدمت مصر، فعاد كُثير إلى مصر، فوافاها والناس منصرفون من جنازتها، فأتى قبرَها، وأناخ راحلته، وسكت ساعة، ثم رحل وهو ينشد أبياتًا، منها: أَقُولُ وَنِضْوِي وَاقِفٌ عِنْدَ قَبْرِهَا ... عَلَيْكِ سَلَامُ اللهِ وَالعَيْنُ تَسْفَحُ وَقَدْ كُنْتُ أَبْكِي مِنْ فِرَاقِكِ حَيَّةً ... فَأَنْتِ لَعَمْرِي اليَوْمَ أَنْأَى وَأَنْزَحُ وتوفي كُثيِّر في سنة خمس ومئة، وكان موت عكرمةَ مولى ابن عباس وكُثيِّر في يوم واحد بالمدينة، فقال الناس: مات أفقهُ الناس، وأشعر الناس. وكُثَيِّر: تصغير كَثِير، وإنما صُغِّر؛ لأنه كان حقيرًا شديدَ القِصَر، وكان إذا دخل على عبد الملك بن مروان، يقول له: طأطِ رأسك لئلَّا يؤذيك السّقف، يمازحه بذلك، وكان يلقب: زب الذباب، وكان طوله قريبًا من الثلاثة أشبار. * * *

стр. 998

٣٢٥ - مظفر الدين أبو سعيد كوكبوري بن زين الدين علي كوجك ابن بكتكين بن محمد: الملقب: الملك المعظم، صاحب إربل، رزق أولادًا كثيرة، وكوجك: لفظ أعجمي، ومعناه بالعربي: صغيرٌ؛ أي: صغير القد، وأصله من التركمان، وملكَ إربل وبلادًا كثيرة بعد وفاة أخيه زين الدين يوسف في شوال، سنس ست وثمانين وخمس مئة، وعمِّر طويلًا، يقال: إنه جاوز مئة سنة، وعمي في آخر عمره، وكان له في فعل الخيرات غرائبُ لم يُسمع بمثلها، ولم يكن شيء في الدنيا أحبَّ إليه من الصدقة، وله بمكة المشرفة - حرسها الله تعالى - آثار جميلة، وبعضها باقٍ إلى الآن، وهو أول من أجرى الماء إلى جبل عرفات ليلة الوقوف، وكرم عليه جملة كثيرة، وعمل بالجبل مصاح للماء، فإن الحجاج كانوا يتضرَّرون من عدم الماء هناك، وبنى له - أيضًا - تربة هناك. وأما احتفاله بعمل مولد النبي ﷺ ، فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به؛ لما كان ينفقه فيه من الأموال الجليلة. وكان شجاعا، كثير التواضع، حسن العقيدة، سالم البطانة، شديد الميل إلى السنَّة والجماعة. وتوفي وقت الظهر يوم الأربعاء، ثامن عشري رمضان، سنة ثلاثين وست مئة، ودفن بداره، ثم حمل بوصية منه إلى مكة المشرفة ليدفن في القبة التي أعدت له تحت الجبل في ذيله، فاتفق أن الحاج رجع تلك السنة من لِيْنَهْ، ولم يصل إلى مكة، فردوه، ودفنوه بالكوفة بالقرب من المشهد.

стр. 999

وكُوكُبوري: - بضم الكافين، وبعدهما باء، ثم واو ساكنة بعدها راء -، وهو اسم تركي معناه بالعربي: ذئب أزرق. ولِيْنَهْ - بكسر اللام، وسكون الياء المثناة من تحتها، وفتح النون، وبعدها هاء ساكنة -: منزلة في طريق الحجاز من جهة العراق، وكان الركب في تلك السنة قد رجع منها؛ لعدم الماء، وقاسَوْا مشقة عظيمة. * * *

стр. 1000

حَرْفُ الَّلامِ ٣٢٦ - أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن: إمام أهل مصر في الفقه والحديث، كان مولى قيس بن رفاعة، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن مُسَافر الفَهْمي، وأصله من أصبهان، كان ثقة سخيًا. قال الشافعي ﵁: الليث بن سعد أفقهُ من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به. وكان من الكرماء الأجواد، يقال: إن دخله كان في كل سنة خمسة آلاف دينار، وكان يفرقها في الصدقات وغيرها. ويقال: إن الليث كان حنفي المذهب، وإنه ولي القضاء بمصر، وإن مالكًا أهدى إليه صينية فيها تمر، فأعادها إليه مملوءة ذهبًا، وكان يتخذ لأصحابه الفالوذج، ويعمل فيه الدنانير، فيحصل لكل من أكل كثيرًا أكثر من أصحابه. ولد سنة اثنتين وتسعين للهجرة، وتوفي يوم الخميس، منتصف شعبان، سنة خمس وسبعين ومئة، ودفن يوم الجمعة بالقرافة الصغرى، وقبره أحد المزارات.

стр. 1001

قال بعض أصحابه: لما دفنا الليث بن سعد، سمعنا صوتًا وهو يقول: ذَهَبَ اللَّيْثُ فَلَا لَيْثَ لَكُمْ ... وَمَضَى العِلْمُ غَرِيبًا وَقُبِرْ (١) قال: فالتفتنا، فلم نر أحدًا. وترجمه الشافعي ترجمة عظيمة، وكان يأتي إلى قبره بالقرافة في كل عشية جمعة، ويستمر حتى يقرأ على قبره ختمًا كاملًا، ثم استمر أهل مصر يفعلون ذلك بقبره في عشية كل جمعة إلى يومنا هذا، ويحتفلون بذلك، ولهم فيه اعتقاد عظيم، وله سر ظاهر، وأحوال بارزة - نفعنا الله تعالى به -. * * *

стр. 1002

حَرْفُ المِيْمِ ٣٢٧ - الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان - بغين معجمة -، ويقال: عثمان - بعين مهملة -، الأصبحيُّ المدنيُّ: إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأعلام، أخذ القراءة عَرْضًا عن نافع بن أبي نعيم، وسمع الزهري، ونافعًا مولى ابن عمر، وأخذ العلم عن ربيع الرأي، وكان إذا أراد أن يُحَدِّث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرَّح لحيته، وتمكن من جلوسه بوقار وهيبة، فقيل له في ذلك، فقال: أحبُّ أن أعظِّم رسولَ الله ﷺ ، وكان لا يركب في المدينة، مع ضعفه وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثةُ رسول الله ﷺ مدفونة. وسُعي به إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ﵄، وهو ابن عم أبي جعفر المنصور، وقالوا له: إنه لا يرى أيمانَ بيعتكم هذه بشيء، فغضب جعفر، ودعا به، وجرَّده، وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب فيه أمرًا عظيمًا، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علوِّ [و] رفعةِ، وكأنما كانت تلك السياط حُليًا حُلِّي به.

стр. 1003

وذكر ابن الجوزي في سنة مبع وأربعين ومئة: أن فيها ضُرب مالك ابن أنس سبعين سوطًا؛ لأجل فتوى لم تكن غرض السلاطين (١). وكانت ولادته سنة خمس وتسعين للهجرة، وحُمل به ثلاث سنين، وتوفي في بكرة رابع عشر شهر ربيع الأول، سنة تسع وسبعين ومئة ﵁، وعاش أربعًا وثمانين سنة، وقال الواقدي: تسعون سنة، وقيل غير ذلك، وكانت وفاته بالمدينة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام -، ودفن بالبقيع. وكان شديد البياض إلى الشقرة، طويلًا، عظيم الهامة، أصلع، يلبس الثياب العَدَنية الجياد، ويكره حلق الشارب، ويَعِيبه، ويراه من المُثْلة، ولا يغيِّر شيبه. والأصبحي: نسبة إلى ذي أصبح، واسمه: الحارثُ بن عوف بن مالك، وهو من يَعْرُبَ بن قحطان، وهي قبيلة كبيرة باليمن، وإليها تنسب السياط الأصبحية. * * * ٣٢٨ - الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن شافع بن السائب بن عبيدة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، المطلبيُّ الشافعيُّ: يجتمع مع رسول الله ﷺ في عبد مَنَاف المذكور، وباقي النسب إلى مَعَدِّ بن عدنان، لقي جذُه شافعٌ النبيَّ ﷺ ،

стр. 1004

وهو مترعرع، وكان أبوه السائب صاحبَ راية بني هاشم يومَ بدر، فأُسر، وفَدَى نفسه، ثم أسلم. وكان الشافعي كثير المناقب، جَمَّ المفاخر، منقطع القرين، اجتمعت فيه من العلوم: كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، وكلام الصحابة ﵁ وآثارهم، واختلافهم، واختلاف أقاويل العلماء، وغير ذلك من معرفة كلام العرب، واللغة العربية، والشعر. وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵁ في حقه: الشافعي كالشمس للدنيا، والعافية للبدن، فهل لهذين من خلف، أو عنهما من عوض؟ ولما حملت به أمه، رأت كأن المشتري خرج من فرجها، ثم انقضَّ بمصر، ثم وقع في كل بلدة منه شظية، فتأول أصحابُ الرؤيا أن يخرج عالم يخصُّ عله أهلَ مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان. حفظ "الموطأ"، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. وقال أحمد بن حنبل: ما من أحد بيده محبرة أو ورق إلا للشافعي في رقبته منة. ومن دعائه: اللهمَّ يا لطيفُ أسألك اللطفَ فيما جرت به المقادير. وهو مشهور بين العلماء بالإجابة، وأنه مجرب. وفضائله أكثر من أن تحصر. ولد سنة خمسين ومئة، وقد قيل: إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة ﵁، وكانت ولادته بمدينة غزة، وهو الأصح، وقيل:

стр. 1005

بعسقلان، وقيل: باليمن، وحُمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها، ورحل إلى مالك بن أنس، وقدم بغداد سنة خمس وتسعين ومئة، فأقام بها شهرًا، ثم خرج إلى مصر، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومئة، وقيل: سنة إحدى ومئتين، ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الجمعة، آخر يوم من رجب سنة أربع ومئتين، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى، وقبره يزار بها بالقرب من المقطم ﵁، والقبة المبنية على قبره بناها الملك الكامل بعد العشرين وست مئة، ومات وعمره أربع وخمسون سنة. ورئي له منامات حسنة، وله أشعار كثيرة، فمن المنسوب إليه: رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ... وَمِنَ البِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقَا ومن شعره: كُلَّمَا أَدَّبَنِي الدَّهْرُ ... أَرِانِي نَقْصَ عَقْلِي وَإِذَا مَا ازْدَدْتُ عِلْمًا ... زَادَنِي عِلْمًا بِجَهْلِي وهو القائل: وَلَوْلَا الشِّعْرُ بِالعُلَمَاءِ يُزْرِي ... لَكُنْتُ اليَوْمَ أَشْعَرَ مِنْ لَبِيدِ وَلَوْلَا خَشْيَةُ الرَّحْمَنِ رَبِّي ... جَعَلْتُ النَّاسَ كُلَّهُمُ عَبِيدِي ومناقبه وأخباره كثيرة مشهورة، ﵁، ونفعنا به. * * *

стр. 1006

٣٢٩ - السيد تاج العارفين أبو الوفا محمد بن محمد بن محمد ابن زيد بن حسن بن المرتضى أكبر عوض بن زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، الشريفُ الحسينيُّ القوسانيُّ: السيد الجليل، قطب زمانه، وعلامة أوانه. مولده - على الصحيح - في ثاني عشر رجب، سنة سبع عشرة وأربع مئة، واختلف الترجيح في مذهبه، فقيل: حنبلي، وقيل: شافعي. توفي في العشرين من شهر ربيع الأول، سنة إحدى وخمس مئة بقلمينا - بلدة إلى جانب بغداد -، ﵁، ونفعنا به. * * * ٣٣٠ - أبو يحيى، مالك بن دينار البغويُّ، وهو من موالي بني أسامة بن لؤي، القرشيُّ: كان عالمًا زاهدًا، كثير الورع، قنوعًا، لا يأكل إلا من كسب يده، وكان يكتب المصاحف بالأجرة، وله مناقب عديدة، وآثار مشهورة، وكان من كبار السادات. توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة بالبصرة قبل الطاعون بيسير ﵀، وعفا عنه -. * * * ٣٣١ - أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم، الشيبانيُّ المعروف بابن الأثير، الجزريُّ، الملقب مجد

стр. 1007

الدين: أشهر العلماء ذكرًا، وأكبر النبلاء قدرًا، وأحد الفضلاء المشار إليهم، وفرد الأماثل المعتمد في الأمور عليهم، له المصنفات البديعة، ولد بجزيرة ابن عمر في أحد الربيعين، سنة أربع وأربعين وخمس مئة، ونشأ بها، ثم انتقل إلى الموصل سنة خمس وستين وخمس مئة، ثم عاد إلى الجزيرة، ثم إلى الموصل، وتنقل إلى الولايات بها، ثم عرض له مرض كف يديه ورجليه، فمنعه من الكتابة، وأقام في داره يغشاه الأكابر والعلماء. وقيل: إنه صنف كتبه كلها في مدة العطلة، فإنه تفرغ لها، وكان عنده جماعة يعينونه في الاختيار والكتابة. وتوفي بالموصل في سلخ ذي الحجة، سنة ست وست مئة في نهار الخميس، ودفن برباطه بدرب دراج داخل الموصل. وجزيرة ابن عمر: مدينة فوق الموصل على دجلتها، سميت جزيرة؛ لأن دجلة محيط بها، بناها رجل من أهل برقعيد، يقال له: عبد العزيز بن عمر. * * * ٣٣٢ - أبو الميمون، المبارك بن كامل بن علي بن مقلد بن نصر، ابن منقذ، الملقب: سيف الدولة، الكنانيُّ، مجد الدين: كان من أمراء الدولة الصلاحية، وشاد الديوان بالديار المصرية، وهو من بيت كبير، ولم يزل سيفُ الدولة مقدَّمًا، كبير القدر، نبيه الذكر، رئيسًا عالي الهمة،

стр. 1008

وكانت فيه فضيلة، وكان يحب أربابها، ومدحه جماعة من مشاهير الشعراء، وله شعر جيد، فمن ذلك: قوله في البراغيث: وَمَعْشَرٍ يَسْتَحِلُّ النَّاسُ قَتْلَهُمُ ... كَمَا اسْتَحَلُّوا دَمَ (١) الحجَّاجِ فِي الحَرَمِ إِذَا سَفَكْتُ دَمًا مِنْهُمْ فَمَا سَفَكَتْ ... يَدَايَ مِنْ دَمِهِ المَسْفُوكَ غَيْرَ دَمِي هكذا رواهما عز الدين أبو القاسم عبد الله بن أبي علي الحسين بن رواحة الأنصاري الحَمَوي. ومولد أبي القاسم المذكور بساحل صقلية سنة ستين وخمس مئة، ومات سنة ست وأربعين وست مئة في جب التركماني المنزلة التي بين حلب وحماة وهو راكب على الجمل، وكانت ولادته في مركب، ومات على جمل. وكانت ولادة سيف الدولة بقلعة شَيْزَر سنة ست وعشرين وخمس مئة، وتوفي بالقاهرة يوم الثلاثاء، ثامن شهر رمضان، سنة تسع وثمانين وخمس مئة. والذروي: نسبة إلى ذروى، وهي قرية بصعيد مصر، * * *

стр. 1009

٣٣٣ - أبو البركات المبارك بن أبي الفتح أحمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمة، اللخميُّ، الملقب: شرف الدين، المعروف بابن المستوفي الإربلي: كان رئيسًا جليل القدر، كثير التواضع، واسع الكرم، لم يصل إلى إربل أحد من الفضلاء إلا وبادر إلى زيارته، وحمل إليه ما يليق بحاله. وكان جمَّ الفضائل، عارفًا بعدة فنون، بارعًا في علم الديوان وحسابه، وله مصنفات في التاريخ والشعر، والأدب والتفسير، فمن شعره: بيتان فَضَّلَ فيهما البياض على السمرة، ومنه: لَا تَخْدَعَنَّكَ سُمْرَةٌ وَغِرَارَةٌ ... مَا الحُسْنُ إِلَّا لِلبَيَاضِ وَجِنْسِهِ فَالرُّمْحُ يَقْتُلُ بَعْضُهُ مِنْ غَيْرِهِ ... وَالسّيْفُ يَقْتُلُ كُلُّهُ مِنْ نَفْسِهِ ومن أشعاره التي يُتغنى بها قوله: يَا لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ سَهِرْتُهَا ... قَابَلْتُ فِيهَا بَدْرَهَا بِأَخِيهِ سَمَحَ الزَّمَانُ بِهَا فَكَانَتْ لَيْلَةً ... عَذُبَ العُبَابُ بِهَا لِمُجْتَذِبِيهِ أَحْيَيْتُهَا وَأَمَتُّهَا عَنْ حَاسِدٍ ... مَا هَمُّهُ إِلَّا الحَدِيثُ يَشِيهِ وَمُعَانِقِي حُلْوُ الشَّمَائِلِ أَهْيَفٌ ... جُمِعَتْ مَحَاسِنُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ يَخْتَالُ مُعْتَدِلًا فَإِنْ عَبَثَ الصَّبَا ... بِقَوَامِهِ مُتَعَرِّضا يَثْنِيه نشوانُ تَهْجُمُ بِي عَلَيْهِ صَبَابَتِي ... وَيَرُدُّنِي وَرَعِي فَأَسْتَحْيِيهِ

стр. 1010

عَلِقَتْ يَدِي بِعِذَارِهِ وَبِخَدِّهِ ... هَذَا أُقَبِّلُهُ وَذَا أَجْنِيهِ لَوْ لَمْ تُخَالِطْ زَفْرَتِي أَنْفَاسَهُ ... كَادَتْ تَنِمُّ بِنَا إِلَى وَاشِيهِ حَسَدَ الصَّبَاحُ اللَّيْلَ لَمَّا ضَمَّنَا ... غَيْظًا وَفَرَّقَ بَيْنَنَا دَاعِيهِ ولد في شوال، سنة أربع وستين وخمس مئة بقلعة إربل، وهو من بيت كبير، وكان عمه فاضلًا، وهو الذي نقل "نصيحة الملوك" تصنيف حجة الإسلام أبي حامد الغزالي من اللغة الفارسية إلى العربية، فإن الغزالي وضعها بالفارسية، وتوفي بالموصل يوم الأحد، لخمسٍ خلون من المحرم سنة سبع وثلاثين وست مئة، ودفن بالمقبرة خارج باب الجَصَّاصة، وكان مستوفي الديوان بإربل، والاستيفاء بتلك البلاد بمنزلة عَلِيَّة تِلْو الوزارة، ثم بعد ذلك تولى الوزارة في المحرم، سنة تسع وعشرين وست مئة، وشُكرت سيرته فيها ﵀. * * * ٣٣٤ - أبو بكر المبارك بن أبي طالب المبارك بن أبي الأزهر سعيد، الملقب: الوجيه، المعروف بابن الدهان، النحويُّ الضريرُ الواسطيُّ: ولد ببلده، ونشأ بها، وحفظ القرآن، واشتغل بالعلم، ثم قدم بغداد، واستوطنها، وتفقه على مذهب أبي حنيفة بعد أن كان حنبليًّا، ثم شَغَر منصب تدرشى النحو بالنظامية، وشرط الواقف أنه لا يفوض إلا إلى شافعي المذهب، فانتقل الوجيهُ المذكور إلى مذهب الشافعي وتولاه، وفي ذلك يقول المؤيد أبو البركات التكريتي:

стр. 1011

فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنّي الوَجِيهَ رِسَالَةً ... وَإِنْ كَانَ لَا تُجْدِي إِلَيْهِ الرَّسَائِلُ تَمَذْهَبَ لِلنُّعْمَانِ بَعْدَ ابْنِ حَنْبَل ... وَذَلِكَ لَمَّا أَعْوَزَتْكَ المَآكِل وَمَا اخْتَرْتَ رَأْيَ الشَّافِعِيّ [تَدَيُّنًا] ... وَلَكِنَّمَا تَهْوى الَّذِي مِنْهُ حَاصِلُ وَعَمَّا قَلِيلٍ إِنَّمَا أَنْتَ صَائِرٌ ... إِلَى مَالِكٍ فَانْظُرْ لِمَا أَنْتَ قَائِلُ وكان الوجيه فيه شَرَهُ نفس، وتوسُّع في القول، وكان كثير الدعاوى. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة بواسط، وتوفي ليلة الأحد السادس والعشرين من شعبان، سنة اثنتي عشرة وست مئة ببغداد، ودفن من الغداة بالوردية. * * * ٣٣٥ - أبو المعالي مُجَلِّي بن جميع بن نَجا، القرشيُّ المخزوميُّ الأرسوفيُّ الأصل، المصريُّ الدار والوفاة، الفقيهُ الشافعيُّ: كان من أعيان الفقهاء المشار إليهم في وقته، وصنف في الفقه "الذخائر"، وهو مبسوط، جمع من المذهب شيئًا كثيرًا، وفيه نقل غريب ربما لا يوجد في غيره، وتولى القضاء بمصر سنة سبع وأربعين وخمس مئة بتفويض من

стр. 1012

العادل علي؛ فإنه كان صاحب الأمر في ذلك الوقت، ثم صُرف عن القضاء في أول سنة تسع وأربعين وخمس مئة، وتوفي في ذي القعدة سنة خمسين وخمس مئة، ودفن بالقرافة الصغرى. والأرسوفي: نسبة إلى أرسوف، وهي بليدة على ساحل البحر بالقرب من رملة فلسطين، كان بها جماعة من العلماء والمرابطين، ثم استولى عليها الفرنج - خذلهم الله - مدة، ثم انتزعها السلطان الملك الظاهر ركنُ الدين أبو الفتح بيبرس الصالحيُّ النجميُّ من أيديهم في شهور سنة ثلاث وستين وست مئة، في سادس عشر رجب، بعد أن ملك قيسارية، وخربها، وعَفَّى آثارها، مع الكثير من البلاد الساحلية التي تجاورها؛ كيافا وغيرها؛ فإنه خربها بعد أن ملكها ﵀، وعفا عنه -. * * * ٣٣٦ - القاضي أبو علي المحسن بن أبي القاسم علي بن محمد، التنوخيُّ: قال الثعالبي في حقه - بعد أن ذكر فضيلة أبيه -: هلال ذلك القمر، وغصن هاتيك الشجر، والشاهد العدل بمجد أبيه وفضله، والفرع المشيد لأصله، والنائب عنه في حياته، والقائم مقامه بعد وفاته. وفيه يقول أبو عبد الله بن الحجاج الشاعر: إِذَا ذُكِرَ القُضَاةُ وَهُمْ شُيُوخٌ ... تَخَيَّرْتُ الشَّبَابَ عَلَى الشُّيُوخِ

стр. 1013

وَمَنْ لَمْ يَرْضَ لَمْ أَصْفَعْهُ إِلَّا .. بِحَضْرَةِ سَيّدِي القَاضِي التَّنُوخِي وله كتاب "الفرج بعد الشدة"، و"المستجاد من فعلات الأجواد". ولي القضاء بجزيرة ابن عمر، وله ديوان شعر، وتقلَّد القضايا بأعمال كثيرة في نواحٍ مختلفة، ومن شعره: قُلْ لِلمَلِيحَة فِي الخِمَارِ المُذْهَبِ ... أَفْسَدْتِ نُسْكَ أَخِي التُّقَى المُتَرَهِّبِ نُورُ الخِمَارِ وَنُورُ خَدِّكِ تَحْتَهُ ... عَجَبًا لِوَجْهِكِ كَيْفَ لَمْ (١) يَتَلَهَّبِ وَجَمَعْتِ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ فَلَمْ يَكُنْ ... لِلْحُسْنِ عَنْ ذَهَبَيْهِمَا مِنْ مَذْهَبِ وَإِذَا أتتْ عَيْنٌ لِتَسْرِقَ نَظْرَةً ... قَالَ الشُّعَاعُ لَهَا اذْهَبِي لَا تَذْهَبِي وما ألطف قوله: اذهبي لا تذهبي، وله أشياء حسنة. ولد ليلة الأحد، لأربعٍ بقين من شهر ربيع الأول، سنة سبع وعشرين وثلاث مئة [بالبصرة، وكانت وفاته ليلة الاثنين، لخمسٍ بقين

стр. 1014

من المحرم، سنة أربع وثمانين وثلاث مئة] (١) ببغداد. [وللشاعر مسكين الدارمي]، وهو من مجيدي الشعراء نظيرُ هذه الأبيات: قُلْ لِلْمَلِيحَةِ فِي الخِمَارِ الأَسْوَدِ ... مَاذَا أَرَدْتِ بِنَاسِكٍ مُتَعَبّد قَدْ كَانَ شَمَّرَ لِلصَّلَاةِ إِزَارَهُ ... حَتَّى قَعَدْتِ لَهُ بِبَابِ المَسْجِدِ * * * ٣٣٧ - أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب، المعروف بابن الحنيفيةِ: أمُّه الحنفية خولةُ بنتُ جعفر بن قيس بن سلمة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة، وأما كنيته أبو القاسم، فيقال: إنها رخصة من رسول الله ﷺ ، وأنه قال لعلي ﵁: "سيولد لكَ بعدي غلامٌ، وقد نحلتُه اسمي وكُنيتي، ولا تحلُّ لأحدٍ من أمتي بعده" (٢). وممن تسمى محمدًا، وتكنى أبا القاسم: محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص،

стр. 1015

ومحمد بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن حاطب بن أبي بلتعة، ومحمد بن الأشعث بن قيس. وكان محمد المذكور كثير العلم والورع، وكان شديد القوة، وكانت راية أبيه يوم صِفِّين بيده، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁، وتوفي في أول سنة إحدى وثمانين للهجرة، وقيل: سنة ثلاث وثمانين بالمدينة الشريفة، وصَلَّى عليه أَبانُ بن عثمان ﵁، وكان والي المدينة، ودفن بالبقيع. وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي يدعو إلى إمامة محمد بن الحنفية، ويزعم أنه المهدي، والفرقة الكيسانية تعتقد إمامته، وأنه مقيم بجبل رَضْوى في شعْبٍ فيه، ولم يمت، دخل إليه ومعه أربعون من أصحابه، ولم يوقَف لهم على خبر، وهم أحياء يرزقون، وأنه مقيم في هذا الجبل بين أسد ونمر، وعنده عينان نضَّاختان تجريان عسلًا وماء، وأنه يرجع إلى الدنيا، فيملؤها عدلًا، وانتقلت إمامته إلى ولده أبي هاشم عبد الله، ومنه إلى محمد بن علي والد السفاح والمنصور. ورَضْوى: جبلُ جُهَينة، وهو [في] عمل ينبُع، وهو من المدينة الشريفة على سبع مراحل، وهو على ليلتين من البحر، ومن هذا الجبل تُحمل حجارة المِسَنِّ إلى سائر الأمصار. * * * ٣٣٨ - أبو جعفر محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي

стр. 1016

ابن أبي طالب ﵁، الملقَّب: الباقر: أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد جعفر الصادق، كان عالمًا سيدًا كبيرًا، وقيل له البادر؛ لأنه تبقر في العلم؛ أي: توسع، والتبقُّر: التوسع، وفيه يقول الشاعر: يَا بَاقِرَ العِلْمِ لأِهْلِ التُّقَى ... وَخَيْرَ مَنْ لَبَّى عَلَى الأَجْبُلِ ولد يوم الثلاثاء، سنة سبع وخمسين للهجرة، وكان عمره يوم قُتل جده الحسين ثلاث سنين (١)، وتوفي في شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث عشرة ومئة، ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه أبوه، وعمُّ أبيه الحسنُ بن علي ﵁، في القبة التي فيها قبر العباس. * * * ٣٣٩ - أبو جعفر محمد بن علي الرِّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر المذكور قبله، المعروفُ بالجواد: أحد الأئمة الاثني عشر - أيضًا -، كان يروي مسندًا عن أبيه إلى علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال لي وهو يوصيني: "يَا عَلِيُّ! مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، يَا عَلِيُّ! عَلَيْكَ بِالدُّلْجَةِ - وهو السير في آخر الليل - فَإِنَّ الأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ

стр. 1017

مَا لَا تُطْوَى بِالنَّهَارِ، يَا عَلِيُّ! اغْدُ؛ فَإِنَّ اللهَ بَارَكَ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا" (١)، وكان يقول: من استفادَ أخًا في الله، فقد استفادَ أنيسًا في الجنة. ولد في خامس رمضان، سنة خمس وتسعين ومئة، وتوفي يوم الثلاثاء، لخمسٍ خلون من ذي الحجة، سنة عشرين ومئتين ببغداد، ودفن عند جده موسى بن جعفر في مقابر قريش، وصلَّى عليه الواثقُ بن المعتصم. * * * ٣٤٠ - أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي ابن محمد الجواد المذكور قبله: ثاني عشر الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، المعروف بالحجة، وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتَظَر، والقائم، والمهدي، وهو صاحب السِّرداب عندَهم، وأقاويلهم فيه كثيرة، وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسُرَّ مَنْ رأى. وكانت ولادته منتصف شعبان، سنة خمس وخمسين ومئتين. والشيعة يقولون: إنه دخل في السرداب في دار أبيه، وأمُّه تنظر إليه، فلم يعد يخرج إليها، وذلك في سنة خمس وستين ومئتين، وقيل: ست وخمسين، وهو الأصح، ولما دخل السرداب، كان عمره أربع سنين، وقيل: سبع عشرة، والله أعلم أي ذلك كان.

стр. 1018

والأئمة الاثنا عشر هم: علي بن أبي طالب، ثم ابنه الحسن، ثم ابنه الحسين، ثم زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم محمد الباقر بن زين العابدين، ثم جعفر الصادق بن محمد الباقر، ثم موسى الكاظم بن جعفر الصادق، ثم علي الرضا بن موسى الكاظم، ثم محمد الجواد بن علي الرضا، ثم علي الزكي بن محمد الجواد، ثم الحسن العسكري بن علي الزكي، ثم محمد المنتظر بن الحسن العسكري ﵏ أجمعين -. * * * ٣٤١ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار، الأنصاريُّ الكوفيُّ: كان من أصحاب الرأي، وتولى القضاء بالكوفة، وأقام حاكمًا ثلاثًا وثلاثين سنة، وَلِيَ لبني أمية، ثم لبني العباس، وكان فقيهًا مفتيًا، وكانت بينه وبين أبي حنيفة وحشة يسيرة، وكان يجلس للعلم في مسجد الكوفة، فيحكى: أنه انصرف يومًا من مجلسه فسمع امرأة تقول: يا بن الزانيين، فامر بها، فأخذت، ورجع إلى مجلسه، وأمر بها، فضُربت حَدَّين وهي قائمة، فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال: أخطأ القاضي في هذه الواقعة في ستة أشياء: في رجوعه إلى مجلسه بعد قيامه منه، ولا ينبغي له أن يرجع بعد قيامه منه. وفي ضربه الحد في المسجد، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إقامة

стр. 1019

الحدود في المساجد. وفي ضربه المرأة قائمةً، وإنما تضرب النساء قاعدات كاسيات. وفي ضربه إياها حدين، وإنما يجب على القاذف إذا قذف جماعة بكلمة واحدة حدّ واحد، ولو وجب - أيضًا - حدان، لا يُوالى بينهما، بل يضرب أولًا، ثم يترك حتى يبرأ من آلام الأول. وفي إقامته الحدّ عليها بغير طالب. فبلغ ذلك محمد بن أبي ليلى، فسير إلى والي الكوفة، وقال: هاهنا شاب يقال له: أبو حنيفة يعارضني في أحكامي، ويفتي بخلاف حكمي، ويشنِّع عليَّ بالخطأ، فأريد أن تزجره عن ذلك. فبعث إليه الوالي، ومنعه من الفتوى. فيقال: إن ابنته سألته عن مسألة، فقال لها: سلي أخاك حماد [اً]؛ فإن الأمير منعني من الفتوى. وهذه من مناقب أبي حنيفة ﵁، وحسنِ تمسكه بامتثال إشارة ولي الأمر. ولد محمد المذكور سنة أربع وسبعين للهجرة، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومئة بالكوفة، وهو باق على القضاء، فجعل أبو جعفر المنصور ابن أخيه مقامه. * * * ٣٤٢ - ذكر محمد بن سيرين البصري: كان أبوه عبدًا لأنس بن مالك، كاتَبَه على أريعين ألفًا، وقيل: عشرين ألفًا، وأدَّى الكتابة، وكانت

стр. 1020

أمه صفيةُ مولاة أبي بكر الصديق ﵁، روى عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن الحصين، وأنس بن مالك ﵃، وهو من أَجَلِّ العلماء من أهل البصرة، والمشهور بالورع في وقته، وكانت له اليد الطولى في تعبير الرؤيا، وكانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، توفي يوم الأحد، تاسع شوال، سنة عشر ومئة بالبصرة، بعدَ الحسن البصري بمئة يوم ﵄، وكان بَزَّازًا. وولد له ثلاثون ولدًا من امرأة واحدة، ولم يبق منهم غيرُ عبد الله، فلما مات، كان عليه ثلاثون ألف درهم دينًا فقضاها ولده عبد الله، فما مات عبد الله حتى قُوِّم مالُه بثلاث مئة الف. * * * ٣٤٣ - أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد، الشيبانيُّ بالولاء، الفقيهُ الحنفيُّ: أصله من قرية على باب دمشق في وسط الغوطة اسمها: حرستا، وقدم أبوه من الشام إلى العراق، وأقام بواسط، فولد له بها محمد المذكور، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، ولقي جماعة من أعلام الأئمة، وحضر مجلس أبي حنيفة سنتين، ثم تفقه على صاحبه أبي يوسف، وصنف الكتب الكثيرة، ونشر علم أبي حنيفة، وكان من أفصح الناس. ولما دخل الإمام الشافعي بغداد، كان بها، وجرى بينهما مجالس ومسائل بحضرة هارون الرشيد، وقال الشافعي: ما رأيت سمينًا ذكيًا إلا
следующие страницы →