وتيماء: بُليدة في بادية تبوك، إذا خرج الإنسان من خيبر إليها، تكون على نصف طريق الشام، وتيمية منسوبة إلى هذه البليدة، وكان ينبغي أن يكون: تيماوية؛ لأن النسبة إلى تيماء: تيماوي، ولكنه هكذا قال.
وتوفي بحران في حادي عشر صفر، سنة إحدى وعشرين وست مئة، وقيل: يوم الخميس بعد العصر، عاشر صفر، سنة ثلاث وعشرين وست مئة ﵀، وعفا عنه -.
* * *
٣٧٢ - أبو سعيد محمد بن أبي السعادات عبد الرحمن بن محمد ابن مسعود المرزرودي الملقب: تاج الدين، الخراسانيُّ البندهيُّ الفقيهُ الشافعيُّ الصوفيُّ: كان أديبًا فاضلًا، اعتنى بالمقامات الحريرية، فشرحها، وأطال شرحها، وكان مقيمًا بدمشق في الخانقاه السمساطية، والناس يأخذون عنه.
ولد وقت المغرب من ليلة الثلاثاء، غرة شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، وكان كثيرًا ما ينشد:
قَالَتْ عَهِدْتُكَ تَبْكِي ... وَمَا حِذَارَ التَّنَائِي
فَلِمْ تَعَوَّضْتَ عَنْهَا ... بَعْدَ الدِّمَاءِ بِمَاءِ
стр. 1052
فَقُلْتُ مَا ذَاكَ مِنّي ... لِسَلْوَةٍ وَعَزَائِي
لَكِنْ دُمُوعِيَ شَابَتْ ... مِنْ طُولِ عُمْرِ بُكَائِي
توفي ليلة السبت، التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وثمانين وخمس مئة بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، والمسعودي: نسبة إلى جده مسعود.
والبندهي: نسبة إلى بنج ديه من أعمال مروروذ، ومعناه بالعربي: خمس قرى، خرج منها خلق كثير من العلماء.
* * *
٣٧٣ - أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي سعيد بن أبي طالب يحيى بن علي بن الحجاج المعروف بابن الدبيثي، الفقيهُ الشافعيُّ المؤرخُ الواسطيُّ: سمع الحديث، وكانت له محفوظات حسنة، وكان في الحديث وأسماء رجاله والتاريخ من الحفاظ المشهورين، وصنف كتابا جعله ذيلًا على تاريخ سعد بن عبد الكريم السمعاني المذيل على "تاريخ بغداد" للخطيب، وهو ثلاث مجلدات، وصنف غيره، ولم يزل على اجتهاده وجمعه وتعليقه إلى أن توفي في يوم الاثنين، لثمانٍ خلون من شهر ربيع الآخر، سنة سبع وثلاثين وست مئة ببغداد، ودفن بالوردية.
* * *
стр. 1053
٣٧٤ - أبو عبد الله محمد بن [أبي] محمد بن محمد بن ظفر الصقلي، المنعوت بحجة الدين: أحد الأدباء والفضلاء، صاحب التصانيف الممتعة، منها: "سلوان المطاع في عدوان الاتباع"، وغيره من التصانيف الظريفة.
وكان قصير القامة، دميم الخلقة، غير صبيح الوجه، وله شعر منه:
حَمَلْتُكَ فِي قَلْبِي فَهَلْ أَنْتَ عَالِمٌ ... بِأَنَّكَ مَحْمُولٌ وَأَنْتَ مُقِيمُ
أَلَا إنَّ شَخْصًا فِي فُؤَادِي مَحَلُّهُ ... وَأَشْتَاقُهُ شَخْصٌ عَلَيَّ كَرِيمُ
وكانت نشأته بمكة، ومولده بصقلية، وتنقَّل في البلاد، وسكن آخر الوقت حماة، وتوفي بها سنة خمس وستين وخمس مئة، ولم يزل يكابد الفقر إلى أن مات.
وقيل: إنه زوَّج ابنته بحماة بغير كفؤ من الحاجة والضرورة، وأن الزوج رحل بها من حماة وباعها في بعض البلدان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* * *
٣٧٥ - أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية، القرشيُّ الأمويُّ المعروفُ بالعتبي، الشاعرُ المصريُّ المشهور: كان
стр. 1054
أديبًا فاضلًا، شاعرًا مجيدًا، روى عن سفيان بن عُيينة، وغيره، وقدم بغداد، وحدَّث بها، وأخذ عنه أهلها.
وله تصانيف كثيرة، ومن شعره:
لَمَّا رَأَتْنِي سُلَيْمَى قَاصِرًا بَصَرِي ... عَنْها وَفِي الطَّرْف عَنْ أَمْثَالِهَا زَرَرُ
قَالَتْ عَهِدْتُكَ مَجْنُونًا فَقُلْتُ لَهَا: ... إِنَّ الشَّبَابَ جُنُونٌ بُرْؤُهُ الكِبَرُ
وهذا البيت من الأمثال السائرة.
وروي عنه: أنه كان يقول: الزرافة - بفتح الزاي وضمها - الحيوان المعروف، وهي مولَّدة من ثلاث حيوانات: الناقة الوحشية، والبقرة الوحشية، والضبعان وهو المذكور من الضباع، فيقع الضبعان على الناقة، فيأتي بولد من الناقة والضبع، فإن كان الولد ذكرًا، وقع على البقرة، فتأتي بالزرافة، وذلك في بلاد الحبشة، ولذلك قيل لها: الزُّرافة، والزرافة في الأَصل: الجماعة، فلما ولدت من جماعة، قيل لها: الزرافة.
والعجم يسمونها: أشتركاوبكتك؛ لأن الأشتر: الجمل، والكاو: البقرة، والبكتك: الضبع.
* * *
٣٧٦ - أبو بكر محمد بن العباس، الخوارزميُّ الشاعرُ المشهور:
стр. 1055
وهو ابن أخت [محمد بن] جرير، و [محمد بن] جرير الطبري صاحب "التاريخ"، وكان إمامًا في اللغة والأنساب، وأقام بالشام مدة، وسكن نواحي حلب، وكان يشار إليه في عصره.
ومن شعره:
يَا مَنْ يُحَاوِلُ صِرْفَ الرَّاحِ يَشْرَبُهَا ... وَلَا يَفُكّ لِمَا يَلْقَاهُ قِرْطَاسَا
الكَاسُ وَالكِيسُ لَا يُرْجَى اجْتِمَاعُهَا ... فَفَرِّغِ الكِيسَ حَتَّى تَمْلأَ الكَأَسَا
ونوادره كثيرة.
ولما رجع من الشام، سكن نيسابور، ومات بها في نصف رمضان، سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة.
* * *
٣٧٧ - أبو الحسن محمد بن عبيد (١) الله بن محمد بن محمد بن يحيى، المخزوميُّ الشاعرُ المشهورُ، السُّلاميُّ: وهو من ولد المغيرة المخزومي أخي خالد بن الوليد، وهو من أشعر أهل العراق قولًا بالإطلاق، وشهادة بالاستحقاق، قال الشعر وهو ابن عشرين سنة، ونشأ
стр. 1056
ببغداد، وخرج منها إلى الموصل، وارتفع مقامه عند الأكابر، وأول شيء قال وهو في المكتب:
بَدَائِعُ الحُسْنِ فِيهِ مُفْتَرِقَة ... وَأَعْيُنُ النَّاسِ غَيْرُ مُتَّفِقَه
سِهَامُ أَلْحَاظِهِ مُفَوَّقَة ... فَكُلُّ مَنْ رَامَ لَحْظَهُ رَشَقَهْ
قَدْ كَتَبَ الحُسْنُ فَوْقَ وَجْنَتِهِ ... هَذَا مَلِيحٌ وَحَقِّ مَنْ خَلَقَهْ
ومن شعره أيضًا:
لَمَّا أُصِيبَ الخَدُّ مِنْكَ بِعَارِضٍ ... أَضْحَى بسِلْسِلَةِ العِذَارِ مُقَيَّدَا
ومن هاهنا أخذ التلَّعفريُّ:
هَبْ أَنَّ خَدَّكَ قَدْ أُصِيْبَ بِعَارِضٍ ... فَعَلَامَ صُدْغُكَ رَاحَ وَهْوَ مُسَلْسَلُ
وتوفي يوم الخميس، رابع جمادى الأولى، سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة.
والسلامي: نسبة إلى دار السلام.
стр. 1057
ومات عن سبعة وخمسين سنة.
* * *
٣٧٨ - أبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن سكرة الهاشميُّ البغداديُّ الشاعرُ المشهور: وهو من ولد علي بن مهدي ابن أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي، يقال: إن ديوان ابن سكرة يربو على خمسين ألف بيت.
فمن بديع تشبيهه: ما قاله في غلام رآه وفي يده غصن، وعليه زهر:
غُصْنُ بَانٍ بَدَا وَفِي اليَدِ مِنْهُ ... غُصُنٌ فِيهِ لُؤْلُؤٌ مَنْظُومُ
فَتَحَيَّرْتُ بَيْنَ غُصْنَيْنِ فِي ذَا ... قَمَرٌ طَالِعٌ وَفِي ذَا نُجُومُ
وله في غلام أعرج:
قَالُوا بُلِيتَ بِأَعْرَجٍ فَأَجَبْتُهُمْ ... العَيْبُ يَحْدُثُ فِي غُصُونِ البَانِ
إِنِّي أُحِبُّ حَدِيثَهُ وَأُرِيدُهُ ... لِلنَّوْمِ لَا لِلْجَرْيِ فِي المَيْدَانِ
وله في الشباب:
стр. 1058
لَقَدْ بَادَ الشَّبَابُ وَكَانَ غُصْنًا ... إِذَا مَا مَاتَ بَعْضُكَ مَاتَ كَلُّكْ
وَكَانَ البَعْضَ مِنْكَ فَمَاتَ فَاعْلَمْ ... إِذَا مَا مَاتَ بَعْضُكَ مَاتَ كَلُّكْ
وله شعر كثير.
توفي يوم الأربعاء، حادي عشر ربيع الآخر، سنة خمس وثمانين ومئتين.
* * *
٣٧٩ - الشريف الرضِيُّ أبو الحسن محمد بن الطاهر ذي المناقب الحسين بن موسى بن محمد الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر ابن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروفُ بالموسويِّ، صاحبُ ديوان الشعر: وكان أبوه قديمًا يتولى نقابة الطالِبِيِّين، والنظر في المظالم، والحج بالناس، ثم رُدَّت هذه إلى ولده المذكور في سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، وأبوه حي.
ومن غرر شعره: ما كتبه إلى الإمام القادر بالله أبي العباس [أحمد ابن، المقتدر من جملة قصيدة:
عَطْفًا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَإِنَّنَا ... فِي دَوْحَةِ العَلْيَاءِ لَا نَتَفَرَّقُ
стр. 1059
مَا بَيْنَنَا يَوْمَ الفَخَارِ تَفَاوُتٌ ... أَبَدًا كِلَانا فِي المَعَالِي مُعْرِقُ
إِلَّا الخِلَافَةَ مَيَّزَتْكَ فَإِنَّنِي ... أَنَا عَاطِلٌ مِنْها وَأَنْتَ مُطَوَّقُ
ولد سنة تسع وخمسين وثلاث مئة ببغداد، وتوفي بكرة يوم الخميس، سادس المحرم، سنة ست وأربع مئة ببغداد.
* * *
٣٨٠ - ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار، الأندلسيُّ الشاعرُ المشهور: وهو وابن زيدون القرطبي - المتقدم ذكره في الهمزة - فَرَسا رهان، ورضيعًا لَبان، في التصرف في فنون البيان، كانا شاعري ذلك الزمان، وكانت ملوك الأندلس تخاف ابن عمار؛ لبذاءة لسانه، وبراعة إحسانه.
ومن مشاهير قصائده: قوله:
أَدِرِ الزُّجَاجَةَ وَالنَّسِيمُ قَدِ انْبَرَى ... وَالنَّجْمُ قَدْ صَرَفَ العِنَانَ عَنِ السُّرَى
وَالصُّبْحُ قَدْ أَهْدَى لَنَا كَافُورَهُ ... لَمَّا اسْتَرَدَّ اللَّيْلُ مِنَّا العَنْبَرَا
وكان المعتمد على الله بن عباد صاحبُ غرب الأندلس استوزره،
стр. 1060
ثم سيَّره نائبًا على مدينة تدمير، فعصى بها، فلم يزل يحتال عليه حتى وقع في قبضته، وقتله بيده ليلًا في قصره بمدينة إشبيلية.
وكانت ولادته سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة.
ومن أسباب قتله - أيضًا -: أنه هجاه بشعر ذكر فيه أم بنيه المعروفة بالرُّميكية، وكانت سُريَّة المعتمد، اشتراها من رُميك بن حجاج، فنُسبت إليه، وكان قد اشتراها في أيام أبيه المعتضد، وأفرط في الميل إليها، وتغلبت عليه، واسمها: اعتماد، واختار لنفسه لقبًا يناسب اسمها، وهو المعتمد، وتوفيت بأغمات قبل المعتمد، فلم تَرُقْ له عليها عَبرة، ولا فارقته الحسرة حتى قضى نحبه، وهي التي أغرت المعتمد على قتل ابن عمار؛ لكونه هجاها.
* * *
٣٨١ - أبو بكر محمد بن أبي مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد ابن مروان، الأندلسيُّ الإشبيليُّ: هو من أهل بيت كلهم علماء ورؤساء، وحكماء ووزراء، ونالوا المراتب العلية، وكان ذا مال وافر، وشعر جيد، وكان يعرف بابن زهر.
ومن المنسوب إليه في كتاب جالينوس المسمى "حيلة البرء * - وهو من أجل كتبهم وأكبرها - قوله:
حِيلَةُ البُرْءِ صُنِّفَتْ لِعَلِيل ... يَتَرَجَّى الحَيَاةَ أَوْ تَعْلِيلَهْ
٣٨٢ - أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حَيُّوس، اللغويُّ، الملقب: مصطفى الدولة، الشاعرُ المشهور: كان يدعى بالأمير؛ لأن أباه كان من أمراء العرب، له ديوان شعر كبير، لقي جماعة من الملوك والأكابر، ومدحهم، وأخذ جوائزهم، ومن غُرر قصائده: قوله:
هُوَ ذَاكَ رَبْعُ المَالِكِيَّةِ فَارْبَعِ ... وَاسْأَلْ مَصِيفًا عَافِيًا عَنْ مَرْبعِ
وَاسْتَسْقِ لِلدِّمَنِ الخَوَالِي بِالحِمَى ... غُرَّ السَّحَائِبِ وَاعْتَذِرْ عَنْ أَدْمُعِي
لَوْ تُخْبِرُ الرُّكْبَانُ عَنِّي حَدَّثُوا ... عَنْ مُقْلَةٍ عَبْرَى وَقَلْبٍ مُوجَعِ
رُدِّي لَنَا زَمَن الكَثِيبِ فَإِنَّه ... زَمَنٌ مَتَى يَرْجِعْ وِصَالُكِ يَرْجِعِ
لَوْ كُنْتِ عَالِمَةً بِأَدْنىَ لَوْعَتِي ... لَرَدَدْتِ أَقْصَى نيلِكِ المُسْتَرْجَعِ
بَلْ لَوْ قَنِعْتِ مِنَ الغَرَامِ بِمُظْهَرٍ ... عَنْ مُضْمَرٍ بَيْنَ الحَشَا وَالأَضْلُعِ
стр. 1063
أَعْيَنْتِ إِثْرَ تَعَفُّفٍ وَوَصَلْتِ بَعْـ ... ـدَ تَجَنُّب وَبَذَلْتِ بَعْدَ تَمَنُّعِ
وَلَوَ أَنَّنِي أَنْصَفْتُ نَفْسِي صُنْتُهَا ... عَنْ أَنْ أَكُونَ كَطَالِبٍ لَمْ يَنْجَعِ
إِنِّي دَعَوْتُ نَدَى الكِرَامِ فَلَمْ يُجِبْ ... فَلأَشْكُرَنَّ نَدًى أَجَابَ وَمَا دُعِي
وَمِنَ العَجَائِبِ وَالعَجَائِبُ جَمَّةٌ ... شُكْرٌ بَطِيٌّ عَنْ نَدًى مُتَسَرِّعِ
توفي يوم السبت، سلخ صفر، سنة أربع وتسعين وأربع مئة بحلب ﵀ (١).
وحَيُّوس: - بحاء مهملة مفتوحة، وياء مد مشددة مثناة من تحتها وضمها، وواو ساكنة، وسين مهملة -، وليس هو ما يتوهمه الناس من أن المغربي يقال له: ابن حبوس - بباء موحدة من تحتها -، وهو غلط.
* * *
٣٨٣ - أبو المظفر محمد بن أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي
وَإِذَا اخْتَبَرْتَهُمُ ظَفِرْتَ بِبَاطِنٍ ... مُتَجَهِّمٍ وَبِظَاهِرٍ هَشَّاشِ
وله تصانيفُ كثيرة لم يُسبق إلى مثلها.
وكان حسن السيرة، توفي يوم الخميس بين الظهر والعصر، لعشرين خلت من ربيع الأول، سنة سبع وخمس مئة مسمومًا بأصبهان.
والأَبِيْوَرْدي - بفتح الهمزة، وكسر الباء الموحدة، وسكون الياء المثناة من تحتها، وفتح الواو، وسكون الراء، وبعدها دال مهملة -: نسبة إلى أبي ورد، ويقال لها: أبا ورد وهي بليدة بخراسان، خرج منها جماعة من العلماء.
* * *
٣٨٤ - أبو الحسن محمد بن علي بن الحسن بن عُمر، المعروف بابن أبي الصقر، الواسطيُّ: كان فقيها شافعيَّ المذهب، لكنه غلب عليه الأدب والشعر، واشتهر به، وكان شديد التعصب للطائفة الشافعية، وكان كاملًا في البلاغة والفضل وحسن الخط.
ومن شعره:
وَحُرْمَةِ الوُدِّ مَالِي عَنْكُمُ عِوَضُ ... لأِنَّنِي لَيْسَ لِي فِي غَيْرِكُمْ غَرَضُ
стр. 1066
أَشْتَاقُكُمْ وَمُرَادِي لَوْ يُوَاصِلُنِي ... لَكُمْ خَيَالٌ وَلَكِنْ لَسْتُ أَغْتَمِضُ
وَقَدْ شَرَطْتُ عَلَى قَوْمٍ صَحِبْتُهُمُ ... بِأَنَّ قَلْبِي لَكُمْ مِنْ دُونِهِمْ وَرَضُوا
وَمِنْ حَدِيثي بِكُمْ قَالُوا بِهِ مَرَضٌ ... فَقُلْتُ لَا زَالَ عَنِّي ذَلِكَ المَرَضُ
وكانت ولادته ليلة الاثنين، ثالث عشر ذي القعدة، سنة تسع وأربع مئة، أو توفي يوم الخميس رابع عشر جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وأربع مئة، بواسط.
* * *
٣٨٥ - الشريف أبو يعلى محمد بن محمد بن صالح بن حمزة بن عيسى بن محمد، الهاشميُّ العباسيُّ المعروفُ بابن الهَبَّارية، الملقب: نظام الدين، البغداديُّ الشاعرُ المشهور: كان حسن المقاصد، لكنه غلب على شعره الهجاء والهزل.
ومن شعره:
خُذْ جُمْلَةَ الأَشْيَا وَدع تَفْصِيلَهَا ... مَا فِي البَرِيَّةِ كُلِّهَا إِنْسَانُ
стр. 1067
وَإِذَا البَيَادِقُ فِي البُيُوتِ تَفَرْزَنَتْ ... فَالرَّأْيُ أَنْ يَتَبَيْدَقَ الفِرْزَانْ
وله - على سبيل الخلاعة والمجون -:
يَقُولُ أَبُو سَعِيدٍ إِذْ رَآنِي ... عَفِيفًا مُنْذُ عَامٍ مَا شَرِبْتُ
عَلَى يَدِ أَيِّ شَيْخٍ تُبْتَ قُلْ لِي ... فُقُلْتُ: عَلَى يَدِ الإِفْلَاسِ تُبْتُ
توفي بكَرمان، سنة أربع وخمس مئة، وقيل: بعد سنة تسعين وأربع مئة، وهو منسوب إلى هَبَّار جدِّه لأبيه.
* * *
٣٨٦ - أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير بن داغر، الخالديُّ المخزوميُّ الحلبيُّ، الملقبُ: شرف المعالي، المعروفُ بابن القَيْسَراني، الشاعرُ المشهور: كان فاضلًا في علم الأدب والفقه.
ومن محاسن شعره:
كَمْ لَيْلَةٍ بِتُّ مِنْ كَاسي وَرِيقَتِهِ ... نَشْوَانَ أَمْزِجُ سَلْسَالًا بِسَلْسَالِ
وَبَاتَ لَا تَحْتَمِي عَنّي مَرَاشِفُهُ ... كَأَنَّمَا ثَغْرُهُ ثَغْرٌ بِلَا وَالِي
стр. 1068
وله في مدح الخطيب:
شَرَحَ المِنْبَرُ صَدْرًا ... لِتَلَقِّيكَ رَحِيبَا
أَتُرَى ضَمَّ خَطِيبًا ... أَمْ تُرَى ضُمِّخَ طِيبَا
وهذا الجناس في غاية الحسن.
وحضر مرّة في سماع، وكان المغني حسن الغناء، فلما طربت الجماعة، وتواجدت، قال:
وَاللهِ لَوْ أَنْصَفَ العُشَّاقُ أَنْفُسَهُمْ ... فَدَوْكَ مِنْهَا بِمَا عَزُّوا وَمَا هَانُوا
مَا أَنْتَ حِينَ تُغَنِّي فِي مَجَالِسِهِمْ ... إِلَّا نَسِيمُ الصَّبَا وَالقَوْمُ أَغْصَانُ
ولد سنة ثمان وتسعين وأربع مئة بعكا، وتوفي ليلة الأربعاء، الحادي والعشرين من شعبان، سنة ثمان وأربعين وخمس مئة بدمشق، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
والخالدي: نسبة إلى خالد بن الوليد المخزومي ﵁.
وقيل: إن خالدًا انقطع نسلُه منذ زمان، وانفصل نسبه، والله أعلم.
стр. 1069
والقيسراني - بفتح القاف، وسكون الياء المثناة من تحت، وفتح السين المهملة، والراء المهملة -: نسبة إلى قيسارية، وهي بُليدة بالشام (١) على ساحل البحر.
* * *
٣٨٧ - أبو عبد الله محمد بن بخيتار بن عبد الله المعروف بالأبله، البغداديُّ الشاعرُ المشهور: وشعره رقيق حلو الصناعة، ومن أبياته السائرة من جملة قصيدة قوله:
لَا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إِلَّا مَنْ يُكَابِدُهُ ... وَلَا الصَّبَابَةَ إِلَّا مَنْ يُعَانِيهَا
ومن رقيق شعره قوله:
دَعْنِي أُكَابِدُ لَوْعَتِي وَأُعَانِي ... أَيْنَ الطَّلِيقُ مِنَ الأَسِيرِ العَانِي
آلَيْتُ لَا أَدعُ الغَرَامَ يَغُرُّني ... مِنْ بَعْدِ مَا أَخَذَ الغَرَامُ عِنَانِي
أَوْ لِي بِرَوْضِ العَاذِلَاتِ وَقَدْ أَرَى ... رَوْضَاتِ حُسْنٍ فِي خُدُودِ حِسَانِ
توفي في جمادى الآخرة، سنة تسع وسبعين (١) وخمس مئة ببغداد، ودفن بباب أبرز.
والأبله معروف، وإنما قيل له ذلك؛ لأنه كان في غاية الذكاء، وهو من أسماء الأضداد؛ كما قيل للأسود: كافور.
* * *
٣٨٨ - أبو الفتح محمد بن عبد الله، الكاتبُ المعروف بابن التعاويذيِّ، الشاعرُ المشهور: كان شاعر وقته، وكان كاتبًا بديوان الإقطاعات ببغداد، وعمي في أواخر عمره سنة تسع وسبعين وخمس مئة، ولما عمي، كان له راتب في الديوان، فالتمس أن ينقل باسم أولاده، فلما نقل، كتب إلى الإمام الناصر أبياتًا يسأله أن يجدد له راتبًا مدة حياته، فأنعم عليه أمير المؤمنين بالراتب، فكانوا يوصلونه من الخشكار الردي، فكتب إلى فخر الدولة صاحب المخزن أبياتًا يشكو من ذلك بقوله:
مَوْلَايَ نُورَ الدِّينِ أَنْتَ إِلَى النَّدَى ... عَجِلٌ وَغَيْرُكَ مُحْجِمٌ مُتَبَاطِي
حَاشَاكَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ جِرَايَتِي ... كَجِرَايَةِ البَوَّابِ وَالنَّفَّاطِ
стр. 1072
سَوْدَاءَ مِثْلَ اللَّيْلِ سِعْرُ قَفِيزِهَا ... مَا بَيْنَ طسُّوجٍ إِلَى قِيرَاطِ
أَخْنَتْ عَلَيْهَا الحَادِثَاتُ وَأَفْرَطَتْ ... فِيهَا الرَّدَاءَةُ أَيَّمَا إِفْرَاطِ
قَدْ كَدَّرَتْ عَيْشِي الهَنِيَّ وَغَيَّرَتْ ... طَبْعِي السَّلِيمَ وَعَفَّنَتْ أَخْلَاطِي
فَتَوَلَّ تَدْبِيرِي فَقَدْ أَنْهَيْتُ مَا ... أَشْكُوهُ مِنْ مَرَضٍ إِلَى بُقْرَاطِ
وله أخبار ونوادر كثيرة، وأشعار حسنة.
ولد في عاشر رجب، يوم الجمعة، سنة تسع (١) عشرة وخمس مئة، وتوفي في ثاني شوال، سنة أربع، وقيل: ثلاث وثمانين وخمس مئة ببغداد.
والتعاويذي - بفتح التاء المثناة من فوق، والعين المهملة، وكسر الواو، وسكون الياء المثناة من تحت، وكسر الذال المعجمة، وسكون الياء الأخيرة -: نسبة إلى كتابة التعاويذ، وهي الحروز، واشتُهر بها (٢).
* * *
стр. 1073
٣٨٩ - أبو الغنائم محمد بن علي بن فارس بن علي بن عبد الله ابن الحسين بن القاسم المعروف بابن المعلِّم، الواسطيُّ الهدوليُّ (١)، الملقب: نجم الدين، الشاعرُ المشهور: وهو أحد من سار شعره، وانتشر ذكره.
فمن نظمه: قوله من قصيدة طويلة أولها:
رَدُّوا عَلَيَّ شَوَارِدَ الأَظْعَانِ ... مَا الدَّارُ إِنْ لَمْ تَغْنَ مِنْ أَوْطَانِ
وَلَكَمْ بِذَاكَ الجِزْعِ مِنْ مُتَمَنِّعٍ ... هَزَأَتْ مَعَاطِفُهُ بِغُصْنِ البَانِ
فَمَتَى اللِّقَاءُ وَدُونَهُ مِنْ قَوْمِهِ ... أَبْنَاءُ مَعْرَكَةٍ وَأُسْدُ طِعَانِ
نَقَلُوا الرِّمَاحَ وَمَا أَظُنُّ أَكُفَّهُمْ ... خُلِقَتْ لِغَيْرِ ذَوَابِلِ المُرَّانِ
وَتَقَلَّدُوا بِيضَ السُّيُوفِ فَمَا تَرَى ... فِي الحَيِّ غَيْرَ مُهَنَّدٍ وَسِنَانِ
وَلَئِنْ صَدَدْتُ فَمِنْ مُرَاقَبَةِ العِدَا ... مَا الصَّدّ عَنْ مَلَلٍ وَلَا سُلْوَانِ
стр. 1074
يَا سَاكِنِي نُعْمَانَ أَيْنَ زَمَانُنَا ... بِطُوَيْلِع يَا سَاكِنِي نُعْمَانِ
كانت ولادته في ليلة سابع عشر جمادى الآخرة، سنة إحدى وخمسين و [خمس] مئة.
* * *
٣٩٠ - أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب، المعروفُ بابن الدهان، الملقب: فخر الدين، البغداديُّ الفَرَضيُّ الحاسبُ الأديبُ: هو من أهل بغداد، وانتقل إلى الموصل، ثم تحول إلى خدمة السلطان صلاح الدين، فولاه ديوان مَيَّافارِقين، ولم يمش له حالٌ مع واليها، فدخل دمشق، ثم ارتحل إلى مصر سنة ست وثمانين وخمس مئة، ثم عاد إلى دمشق، وجعلها دار إقامته.
وصنف في الفرائض، وغريب الحديث، وجمع تاريخًا، وكان قلمه أبلغ من لسانه.
وله أشعار، منها: ما كتبه إلى بعض الرؤساء وقد عوفي من مرضه:
نَذَرَ النَّاسُ يَوْمَ بُرْئكَ صَوْمًا ... غَيْرَ أَنِّي نَذَرْتُ وَحْدِيَ فِطْرَا
عَالِمًا أَنَّ يَوْمَ بُرْئِكَ عِيدٌ ... لَا أَرَى صوْمَه وَإِنْ كَانَ نَذْرَا
стр. 1075
توفي في صفر، سنة تسعين وخمس مئة.
وكان سبب موته: أنه حج من دمشق، وعاد على طريق العراق، ولما وصل إلى الحلة، وقع جمله هناك، فأصاب وجهه بعض خشب الجمل، فمات لوقته.
وكان شيخًا دميم الخلقة، مسنون الوجه، مسترسلَ اللحية خفيفَها، أبيضَ تعلوه صفرة.
* * *
٣٩١ - أبو المحاسن محمد بن نصر الله بن الحسين بن عُنَيْن الأنصاريُّ، الملقب: شرف الدين، الكوفيُّ الأصل، الدمشقيُّ المولد، الشاعرُ المشهور: خاتمة الشعراء، لم يأت بعده مثلُه، ولا كان في أواخر عصره مَنْ يقاس به.
وكان السلطان صلاح الدين قد نفاه من دمشق بسبب وقوعه في الناس بالهجاء؛ فإنه عمل قصيدة طويلة جمع فيها خلقًا من رؤساء دمشق، سماها: "مقراض الإعراض"، فلما نُفي طاف البلاد من الشام والعراق، والجزيرة وأذربيجان، وخراسان وخوارزم، وما وراء النهر، ثم دخل الهند واليمن، ثم رجع [إلى] الحجاز والديار المصرية، وعاد إلى دمشق.
ولمَّا مات السلطان صلاح الدين، وملك الملك العادل دمشق كان غائبًا في السفرة التي نفي فيها، فسار متوجهًا إلى دمشق، وكتب إلى الملك العادل قصيدة يستأذنه في الدخول إليها، ويصف دمشق، ويذكر
стр. 1076
ما قاساه في الغربة، وقد أحسن فيها كلّ الإحسان، واستعطفه أبلغ الاستعطاف، فأذن له العادل في الدخول إلى دمشق، فلما دخلها أنشد:
هَجَوْتُ أكَابِرَ مِنْ جِلَّقٍ ... وَرُعْتُ الوَضِيعَ بِسَبِّ الرَّفِيعِ
وَأُخْرِجْتُ مِنْهَا وَلَكِنَّنِي ... رَجَعْتُ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ الجَمِيعِ
وكان وافر الحرمة عند الملوك، وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة المعظم عيسى، ومدة ولاية الملك الناصر بن المعظم، وانفصل منها لما ملكها الملك الأشرف، وأقام في بيته، ولم يباشر بعدها خدمة.
ولد بدمشق يوم الاثنين، تاسع شعبان، سنة تسع وأربعين وخمس مئة، وتوفي عشية نهار الاثنين، العشرين من ربيع الأول، سنة ثلاثين وست مئة بدمشق، ودفن من الغد بمسجده الذي أنشأه بأرض المزة، وهي قرية على باب دمشق، وقيل: بل دفن بمقابر باب الصغير، بالقرب من قبر بلال مؤذنِ رسول الله ﷺ .
* * *
٣٩٢ - أبو القاسم محمد المعتمد بن المعتضد بالله أبي عمر (١) عباد بن الظافر المؤيد بالله أبي القاسم محمد قاضي إشبيلية، من ولد
стр. 1077
النعمان بن المنذر اللخميِّ أحدِ ملوك الحيرة: وكان المعتمد المذكور صاحب قرطبة وإشبيلية، وما والاهما من جزيرة الأندلس، وفيه وفي أبيه المعتضد امتدحته الشعراء، وكانا من بلاد المشرق، وهما من أهل العريش: المدينة القديمة الفاصلة بين الشام والديار المصرية في أول الرمل من جهة الشام.
وللمعتمد أشعار منها: أنه عزم على إرسال حظاياه من قرطبة إلى إشبيلية، فخرج معهن يُشَيِّعهن، فسايَرَهُنَّ من أول الليل إلى الصبح، فودَّعهن، ورجع، وأنشد أبياتًا قال فيها:
سَايَرْتُهُم وَاللَّيْلُ شَمَّرَ ثَوْبَه ... حَتَّى تَبَدَّى لِلنَّوَاظِرِ مُعْلِمًا
فَوَقَفْتُ ثَمَّ مُوَدِّعًا وَتَسَلَّمَتْ ... مِنِّي يَدُ الإِصْبَاحِ تِلْكَ الأَنْجُمَا
وفي وداعهن - أيضًا -:
وَلَمَّا وَقَفْنَا لِلْوَدَاعِ عَشِيَّةً ... وَقَدْ خَفَقَتْ فِي سَاحَةِ القَصْرِ رَايَاتُ
بَكَيْنَا دَمًا حَتَّى كَأَنَّ عُيُوننًا ... لِجَرْيِ الدُّمُوعِ الحُمْرِ فِيهَا جُمَانَاتُ
وكان المعتمد بن عباد أكبرَ ملوك الطوائف، وأكثرهم بلادًا، ووقع
стр. 1078
له وقائع مع الفرنج، وثبت في وقعاتهم ثباتًا عظيمًا، وشُهد له بالشجاعة.
وكان ابن يعقوب يوسفُ بن تاشفين ملكُ المسلمين صاحبَ مراكش، فجعل خواصُّه يعظِّمون عنده بلاد الأندلس، ويحسِّنون له أخذَها، ويُغَيِّرون قلبه على المعتمد بأشياء نقلوها عنه، فتغير عليه، وقصده، فلما انتهى إلى سَبْتَةَ، جهز إليه العساكر، وقدَّم عليها بشرَ بن أبي بكر الأندلسي، فوصل إلى إشبيلية، وبها المعتمد، فحاصرها أشد محاصرة، وظهر من مصابرة المعتمد وشدة بأسه وتراميه على الموت بنفسه ما لم يُسمع بمثله، فلما كان يوم الأحد، العشرين من رجب، سنة أربع وثمانين وأربع مئة، هجم عسكر الأمير يوسف على البلد، وشنُّوا فيه الغارات، ولم يتركوا لأحد شيئًا، وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأيديهم، وقُبض على المعتمد وأهله، وقُتل له ولدان، وقَيَّدوا المعتمد من ساعته، وجَعلوا أهله في سفينة، وحُملوا إلى الأمير يوسف بمراكش، فأمر بإرسال المعتمد إلى مدينة أغمات، واعتقل بها، ولم يخرج منها إلى الممات، وفي اعتقاله يقول أبو بكر الدَّاني قصيدته التي مطلعها:
لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأَشْياءِ مِيقَاتُ ... وَلِلمُنَى مِنْ مَنَايَاهُنَّ غَايَاتُ
وَالدَّهْرُ فِي صبغَةِ الحِرْبَاءِ مُنْغَمِسٌ ... ألْوَانُ حَالاتِهِ فِيهَا اسْتِحَالَاتُ
стр. 1079
وَهَكَذَا لَاعِبُ الشِّطْرَنْجِ فِي يَدِهِ ... فَرُبَّمَا قُمِرَتْ بِالبَيْدَقِ الشَّاهُ
قال ابن خلكان: وهذا غلط؛ فإن الشاه بالهاء المهملة، ومعناه: الملك بالعجمي.
ويقول:
انْفُضْ يَدَيْكَ مِنَ الدُّنْيَا وَسَاكِنِهَا ... فَالأَرْضُ قَدْ أَقْفَرَتْ وَالنَّاسُ قَدْ مَاتُوا
وَقُلْ لِعَالَمِهَا الأَرْضِيِّ قَدْ كَتَمَتْ ... سَرِيرَةَ العَلَمِ العُلْوِيِّ أَغْمَاتُ
ولد المعتمد في شهر ربيع الأول، سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة بمدينة باجة من بلاد الأندلس، وتوفي في سجن أغمات، لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال، وقيل: في ذي الحجة، سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، ونودي في جنازته: الصلاة على الغريب، بعد عِظم سلطانه، وجلالة شأنه، فتبارك من له البقاء والكبرياء.
واجتمع عند قبره جماعة من الشعراء الذين كانوا يقصدونه بالمدائح، ويجزل لهم المنائح، فرثوه بقصائد، وأنشدوها عند قبره، وبكوا عليه ﵀، وعفا عنه -.
وأغمات - بالغين المعجمة، والميم والألف والتاء المثناة -: بليدة
стр. 1080
وراء مراكش، بينهما مسافة يوم، وخرج منها جماعة من المشاهير.
* * *
٣٩٣ - أبو يحيى محمد بن معن بن محمد بن أحمد بن صُمادح، المنعوتُ بالمعتصم، التجيبيُّ: صاحب المرية وبجاية والصمادحية من بلاد الأندلس، كان جده محمد بن أحمد صاحب مدينة وشقة وأعمالها، وكان المعتصم رحبَ اللقاء، جزيل العطاء، حليمًا عند الدماء، طافت به الآمال، واتسع في مدحه المقال.
وله أشعار حسنة، فمن ذلك: ما كتبه إلى أبي بكر محمد بن عمار الأندلسي يعاتبه:
وَزَهَّدَنِي فِي النَّاسِ مَعْرِفَتِي بِهِمْ ... وَطُولُ اخْتِبَارِي صَاحِبًا بَعْدَ صَاحِبِ
فَلَمْ تُرِنِي الأَيَّامُ خِلًّا يَسُرُّنِي ... بَوَادِيهِ إِلَّا سَاءَنِي فِي العَوَاقِبِ
وَلَا صِرْتُ أَدْعُوُهُ لِدَفْعِ مُلِمَّة ... مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا كَانَ إِحْدَى النَّوَائِبِ
توفي المعتصم عند طلوع الشمس، يوم الخميس، لثمانٍ بقين من شهر ربيع الأول، سنة أربع وثمانين وأربع مئة بالمريَّة، ودفن عند باب الخوخة في تربته.
* * *
стр. 1081
٣٩٤ - أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان المعروف بابن الزيات: وزير المعتصم، وكان جده من قرية يقال لها: الدسكرة، يجلب الزيت إلى بغداد من مواضعه، وكان محمد المذكور من أهل الأدب الظاهر، والفضل الباهر، أديبا فاضلًا بليغا، عالمًا بالنحو واللغة، وكان في أول أمره من جملة الكتاب، وكان أحمد بن أبي خالد الأحول وزير المعتصم، فورد على المعتصم كتاب من بعض الأعمال، فقرأه الوزير عليه، وكان في الكتاب ذكر الكلأ، فقال له المعتصم: ما الكلأ؟ فقال: لا أعلم، وكان قليل المعرفة بالأدب، وكان المعتصم ضعيف الكتابة، فقال المعتصم: خليفةٌ أُمِّي، ووزير عامِّيٌّ ثم قال: انظروا مَنْ بالباب من الكتاب، فوجدوا محمد بن عبد الملك، فأدخلوه إليه، فقالوا له: ما الكلأ؟ فقال: العشب على الإطلاق، وإن كان رطبًا، فهو الخلا، وإذا يبس، فهو الحشيش، وشرع في تقسيم أنواع النبات، فعلم المعتصم فضله، فاستوزره، وحَكَّمَهُ، وبسط يده.
وله أشعار رائقة، فمن ذلك: قوله:
سَمَاعًا يَا عِبَادَ اللهِ مِنِّي ... وَكُفُوا عَنْ مُلَاحَظَةِ المِلَاحِ
فَإِنَّ الحُبَّ آخِرُهُ المَنَايَا ... وَأَوَّلُهُ شَبِيهٌ بِالمُزَاحِ
стр. 1082
وَقَالُوا دع مُرَاقَبَةَ الثُّرَيَّا ... وَنَمْ بِاللَّيْلِ مُسْوَدِّ الجَنَاحِ
فَقُلْتُ وَهَلْ أَفَاقَ القَلْبُ حَتَّى ... أُفَرِّقَ بَيْنَ لَيْلِي وَالصَّبَاحِ
وله أشياء غير ذلك.
وكان له تنور من حديد، وأطراف مساميره المحدودة إلى داخل، وهي قائمة مثل رؤوس المسال في أيام وزارته، وكان يعذِّب فيه المصادَرين، فمتى انقلب منهم واحد، وتحرك من حرارة العقوبة، تدخل المسامير في جسمه، فيجدون لذلك أشدَّ الألم، وكان إذا قال له واحد منهم: أيها الوزير! ارحمني، فيقول: الرحمة جورٌ في الطبيعة.
ولما مات المعتصم، وقام بالأمر ولدُه الواثق، أقره على ما كان عليه، فلما مات، وتولى المتوكل، كان في نفسه منه، فقبض عليه، واستصفى أمواله، وأمر بإدخاله التنور، فقال: يا أمير المؤمنين! ارحمني، فقال: الرحمة جور في الطبيعة، واستمر في التنور إلى أن مات، وكانت مدة إقامته في ذلك التنور أربعين يوما، وكان القبض عليه لثمانٍ بقين من صفر، سنة ثلاث وثلاثين ومئتين.
وابن الزيّات هذا هو الذي أغرى المعتصمَ في محنة الإمام أحمد ابن حنبل؛ لأنه كان يقول بخلق القرآن، ولما دخل في التنور، قال له خادمه: قد صرتَ إلى ما صرتَ إليه وليس لك حامد، فقال له: صدقت.
стр. 1083
وتقدم ذكرُه في خلافة المعتصم، وفي خلافة المتوكل.
* * *
٣٩٥ - أبو الفضل محمد بن أبي عبد الله الحسين بن محمد المعروف بابن العميد: والعميد لقبُ والده، وكان وزير ركن الدولة أبي علي الحسن بن بُوَيْه الديلمي والدِ عضد الدولة، وتولى وزارته سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة.
وكان كامل الرئاسة، جليل المقدار، من بعض أتباعه الصاحبُ ابن عباد، ولأجل صحبته قيل له: الصاحب، فيقال: بدأت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد.
وكان الصاحب بن عباد قد سافر إلى بغداد، فلما رجع، قيل له: كيف وجدتها فقال: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد.
وكان يقال له: الأستاذ، وتوفي في سنة ستين وثلاث مئة، وقيل: سنة تسع وخمسين وثلاث مئة.
وروي: أن الصاحب بن عباد مَرَّ على باب داره بعد وفاته، فلم يحيى هناك أحدًا، بعد أن كان الدهليز يغص بزحام الناس، فأنشد:
أَيُّهَا الرَّبْعُ لِمْ عَلَاكَ اكْتِئَابُ ... أَيْنَ ذَاكَ الحِجَابُ وَالحُجَّابُ
أَيْنَ مَنْ كَانَ يَفْزَعُ الدَّهْرُ مِنْهُ ... فَهُوَ اليَوْمَ فِي التُّرَابِ تُرَابُ
стр. 1084
قَالَ مِنْ غَيْرِ رُقْيَةٍ وَاحْتِشَامٍ ... مَاتَ مَوْلَايَ فَاعْتَرَانِي اكْتِئَابُ
ولما مات، تولى دستَ الوزارة بعده ولدُه أبو الفتح علي ذو الكفايتين، ولم يزل في وزارة ركن الدولة إلى أن توفي، وقام بالأمر ولده مؤيدُ الدولة، فاستوزره - أيضًا -، ثم قَبض عليه، وقَطَعَ أنفَهُ، وجَزَّ لحيتَه، وقطع يده، وما زال يعرضه على العذاب حتى مات.
وكانت ولادته سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة، وقُبض عليه يوم الأحد، ثامن شهر ربيع الأول، سنة ست وستين وثلاث مئة، وتولى موضعه الصاحبُ بن عباد.
وكان أبو حيان علي بن محمد التوحيديُّ البغدادي قد وضع كتابًا سماه: "مثالب الوزيرين" (١)، ضمنه معايب أبي الفضل بن العميد، والصاحب بن عباد، وبالغ في التعصب عليهما، وسلبهما ما استقر عنهما من الفضائل، وهذا الكتاب ما ملكه أحد إلا وانعكست أحواله، وجُرِّب ذلك، وكان أبو حيان فاضلًا مصنفًا، وكان موجودًا في سنة الأربع مئة.
* * *
٣٩٦ - أبو علي محمد بن علي بن مُقْلة، الكاتبُ المشهور: كان في أول أمره يتولى بعض أعمال فارس، ويجني خَراجها، وتنقلت
стр. 1085
أحواله إلى أن استوزره الإمام المقتدر سنة ست عشرة وثلاث مئة، وعُزِل سنة سبع عشرة، ثم أعاده الإمام القاهر بالله سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة، ثم عزله، ولما ولي الراضي بالله سنة اثنتين وعشرين، استوزره - أيضًا -، ثم غضب عليه، وقلَّد الوزارة إلى عبد الرحمن بن عيسى بن الجراح، والسبب في ذلك: ما كان بينه وبين المظفر بن ياقوت من الوحشة، وكان ابن ياقوت مستحوذًا على أمور الراضي، وسُلِّم ابن مقلة إلى عبد الرحمن بن عيسى يضربه بالمقارع، ويجري عليه من المكاره بالعقوبة، وأخذ خطه بألف ألف دينار، ثم خلص، وجلس بطَّالًا في بيته، ثم إن أبا بكر محمد بن رائق استولى على الخلافة، وخرج عن طاعتها، فانفذ إليه الراضي، واستماله، وفوض إليه تدبير المملكة، وجعله أمير الأمراء، وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، فقوي أمره، وعظم شأنه، وتصرف على حسب اختياره، واحتاط على أملاك ابن مقلة وضياعه، فحضر إليه ابن مقلة، وإلى كاتبه، وتذلَّل لهما في معنى الإفراج عن أملاكه، فلم يحصل منهما إلا على المواعيد، فأخذ ابن مقلة في السعي بابن رائق من كل جهة، وكتب إلى الراضي يشير عليه بإمساكه، وضمن له إن فعل ذلك، وقلده الوزارة، ليستخرجنَّ له ثلاثة آلاف ألف دينار، فأطمعه الراضي بالإجابة، فلما استوثق ابن مقلة من الراضي، ركب من داره، وقد بقي من شهر رمضان ليلة واحدة، واختار هذا الطالع؛ لأن القمر يكون تحت الشعاع، وهو يصلح للأمور المستورة، فلما وصل إلى دار الخليفة، لم يمكنه من الدخول إليه، واعتقل عليه في
стр. 1086
حجره، ووجه الراضي إلى ابن رائق، وأخبره بما جرى، وأنه احتال على ابن مقلة حتى وقع في أسره، فلما كان رابع عشر شوال، سنة ست وعشرين وثلاث مئة، أظهر الراضي أمر ابن مقلة، وأخرجه من الاعتقال، وأحضر صاحب ابن رائق، وجماعة من القواد، وكان ابن رائق قد التمس قطع يد ابن مقلة التي كتب بها تلك المطالعة، فقطعت يده اليمنى، ورُدَّ إلى مجلسه، ثم ندم الراضي على ذلك، وأمر الأطباء بملازمته للمداواة، فلازموه حتى برئ، وكان ذلك نتيجة دعاء أبي الحسن محمد بن شنبوذ المقرئ عليه بقطع اليد، وهو من عجيب الاتفاق، وكان ينوح على يده، ويقول: خدمتُ بها الخلفاء، وكتبت بها القرآن مرتين تقطع كما تقطع أيدي اللصوص! وينشد:
إِذَا مَا مَاتَ بَعْضُكَ فَابْكِ بَعْضًا ... فَإِنَّ البَعْضَ بَعْضٍ قَرِيبُ
ثم عاد وأرسل إلى الراضي من الحبس بعد قطع اليد، وأطمعه في المال، وطلب الوزارة، وقال: إِنَّ قطع اليد ليس مما يمنع الوزارة، وكان يشد القلم على ساعده، ويكتب به، ولما قرب محكم من بغداد، وكان من جماعة ابن رائق، فأمر بقطع لسانه، فقطع، وأقام في الحبس مدة طويلة، ولحقه فقر، ولم يكن له من يخدمه، وكان يستقي الماء لنفسه من البئر، فيجذب بيده اليسرى جذبة، ويمسك الحبل بفمه، ثم يجذب بيده.
وله أشعار في شرح حاله، وما انتهى إليه أمره، منها:
стр. 1087
وَإِذَا رَأَيْتَ فَتىً بَأَعْلَى رُتْبَةٍ ... فِي شَامخٍ مِنْ عِزِّهِ المُتَرَفِّعِ
قَالَتْ لِيَ النَّفْسُ العَرُوفُ بِقَدْرِهَا ... مَا كَانَ أَوْلاَنِي بِهَذَا المَوْضِع
ويقي على هذا الحال إلى أن توفي يوم الأحد، عاشر شوال، سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، ودفن في مكانه، ثم نبش بعد زمان، وسُلِّم إلى أهله.
وكانت ولادته يوم الخميس بعد العصر، لسبعٍ بقين من شوال، سنة اثنتين وتسعين ومئتين ببغداد.
وأبو علي بن مقلة المذكور هو أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين إلى هذه الصورة، وابن البواب تبع طريقته، ونقَّح أسلوبه.
وكان أخوه أبو عبد الله الحسين بن علي بن مقلة كاتبًا أديباً بارعاً، ولد يوم الأربعاء سلخ رمضان، سنة ثمان وتسعين ومئتين، وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
وأما ابن رائق، فإنه قدم دمشق، وأَخْرَجَ منها بدراً الإخشيدي، ثم توجه إلى مصر، وتواقع هو وصاحبها محمد بن طغج الإخشيد، فهزمه الإخشيد، فرجع إلى دمشق، ثم توجه إلى بغداد، وقُتل بالموصل سنة ثلاثين وثلاث مئة.
стр. 1088
٣٩٧ - الوزيو أبو الطاهر محمد بن محمد بن بقيَّة الملقب: نصير الدولة: وزير عزِّ الدولة ابن بُوَيْه، كان من أجلة الرؤساء، وأكابر الوزراء، وأعيان الكرماء، كان راتب شمعه في كل شهر ألفُ مَنٍّ، وكان من أهل أوانا (١) من عمل بغداد.
وكان في أول أمره صاحب مطبخ معز الدولة، وحسنت حالته عنده، وعند ابنه عز الدولة ورعى له خدمتَه لأبيه، فاستوزره يوم الاثنين، لسبع ليال خلون من ذي الحجة، سنة اثنتين وستين وثلاث مئة، ثم إنه قبض عليه لسبب اقتضى ذلك، وحاصله: أنه حمله على محاربة ابن عمه عضد الدولة، والتقيا على الأهواز وكُسر عز الدولة، فنسب ذلك إلى رأيه ومشورته، وقبض عليه يوم الاثنين، لثلاثَ عشرةَ ليلة بقيت من ذي الحجة، سنة لست وستين وثلاث مئة بمدينة واسط، وسَمَل عينيه، ولزم بيته، فلما قُتل عزُّ الدولة، وملك عضدُ الدولة بغداد، ودخلها، طلب ابنَ بقية المذكور، وألقاه تحت أرجل الفيلة، فلما قتلته، صلبه عند البيمارستان العضدي ببغداد في يوم الجمعة، لست خلون من شوال، سنة سبع وستين وثلاث مئة، ولم يزل مصلوبًا إلى أن توفي عضد الدولة في التاريخ المتقدم في ترجمته سنة اثنتين وسبعين وثلاث مئة، فأُنزل عن الخشبة، ودفن في موضعه.
* * *
стр. 1089
٣٩٨ - أبو غالب محمد بن علي بن خلف الملقب: فخر الملك وزير بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة ابن بُويه: وكان من أعظم وزراء آل بويه على الإطلاق بعدَ ابن العميد، والصاحبِ بن عَبَّاد، وكان واسع النعمة، جمَّ الفضائل والأفضال، جزيل العطايا والنوال، قصده جماعة من أعيان الشعراء، ومدحوه، وأجازهم.
ولد بواسط سنة أربع وخمسين وثلاث مئة.
وَرَفَعَ إليه شخص قصة يسعى فيها بهلاك شخص، فوقف عليها، وقلبها، وكتب في ظهرها: السعاية قبيحة، صمان كانت صحيحة، فإن كنت أجريتَها مجرى النصح، فخسارتك فيها أكثرُ من الربح، ومعاذ الله أن نقبل من مهتوك في مستور (١)، ولولا أنك في خفارة، لقابلناك بما يشبه فعالك، وَيرْدعَ أمثالك، فاكتمْ هذا العيب، واتقِ مَنْ يعلم الغيب، والسلام.
ومحاسنُ فخر الملك كثيرة، ولم يزل في عِزّه إلى أن نقم عليه مخدومُه بهاء الدولة لسبب اقتضى ذلك، فحبسه، ثم قتله بسفح جبل قريب من الأهواز يوم السبت، لثلاثٍ بقين من شهر ربيع الأول، سنة سبع وأربع مئة، ودُفن هناك، ولم تعمق حفرته، فنبشته الكلاب وأكلته، ثم أعيد دفن رمَّته، فشفع فيه بعض أصحابه، فنقلت عظامه إلى مشهد
стр. 1090
هناك، فدفنت فيه سنة ثمان وأربع مئة، فسبحان الفعال لما يريد.
* * *
٣٩٩ - أبو نصر محمد بن محمد بن جهير (١)، الملقب: فخر الدولة مؤيد الدين، التغلبيُّ الموصليُّ: كان ذا رأي وعقل، وحزم وتدبير، خرج من الموصل، وصار ناظر الديوان بحلب، ثم صُرف عنه، وانتقل إلى آمد مدة بطالاً، ثم توصل إلى أن استوزره الأمير نصر الدولة أحمدُ بن مروان الكردي صاحب مَيَّافارقين وديار بكر، وكان نافذ الكلمة، مطاع الأمر، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي نصر الدولة، وقام بالأمر ولدُه نظام الدين، فأقبل عليه، وزاد في إكرامه، فرتب أمور ديوانه، وأجراها على الأوضاع التي كانت في أيام أبيه، وكان عزل من الوزارة، ثم أعيد إليها، فأنشده بعضهم قصيدة يقول فيها:
قَدْ رَجَعَ الحَقُّ إِلَى نِصَابِهْ ... وَأَنْتَ مِنْ كُلِّ الوَرَى أَوْلَى بِهْ
مَا كُنْتَ إِلاَّ السَّيْفَ سَلَّتْة يَدٌ ... ثُمَّ أَعَادتْهُ إِلَى قِرَابِهْ
هَزَّتْهُ حَتَّى أَبْصرَتْهُ صَارِمًا ... وَبَرِيقُهُ (٢) يُغْنِيهِ عَنْ ضِرَابِهْ
وهي قصيدة طويلة، وكانت ولادته بالموصل سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة، وَمَلَك نصيبين ثم الموصل وسنجار، والرحبة والخابور،