حجره، ووجه الراضي إلى ابن رائق، وأخبره بما جرى، وأنه احتال على ابن مقلة حتى وقع في أسره، فلما كان رابع عشر شوال، سنة ست وعشرين وثلاث مئة، أظهر الراضي أمر ابن مقلة، وأخرجه من الاعتقال، وأحضر صاحب ابن رائق، وجماعة من القواد، وكان ابن رائق قد التمس قطع يد ابن مقلة التي كتب بها تلك المطالعة، فقطعت يده اليمنى، ورُدَّ إلى مجلسه، ثم ندم الراضي على ذلك، وأمر الأطباء بملازمته للمداواة، فلازموه حتى برئ، وكان ذلك نتيجة دعاء أبي الحسن محمد بن شنبوذ المقرئ عليه بقطع اليد، وهو من عجيب الاتفاق، وكان ينوح على يده، ويقول: خدمتُ بها الخلفاء، وكتبت بها القرآن مرتين تقطع كما تقطع أيدي اللصوص! وينشد:
إِذَا مَا مَاتَ بَعْضُكَ فَابْكِ بَعْضًا ... فَإِنَّ البَعْضَ بَعْضٍ قَرِيبُ
ثم عاد وأرسل إلى الراضي من الحبس بعد قطع اليد، وأطمعه في المال، وطلب الوزارة، وقال: إِنَّ قطع اليد ليس مما يمنع الوزارة، وكان يشد القلم على ساعده، ويكتب به، ولما قرب محكم من بغداد، وكان من جماعة ابن رائق، فأمر بقطع لسانه، فقطع، وأقام في الحبس مدة طويلة، ولحقه فقر، ولم يكن له من يخدمه، وكان يستقي الماء لنفسه من البئر، فيجذب بيده اليسرى جذبة، ويمسك الحبل بفمه، ثم يجذب بيده.
وله أشعار في شرح حاله، وما انتهى إليه أمره، منها:
стр. 1087
وَإِذَا رَأَيْتَ فَتىً بَأَعْلَى رُتْبَةٍ ... فِي شَامخٍ مِنْ عِزِّهِ المُتَرَفِّعِ
قَالَتْ لِيَ النَّفْسُ العَرُوفُ بِقَدْرِهَا ... مَا كَانَ أَوْلاَنِي بِهَذَا المَوْضِع
ويقي على هذا الحال إلى أن توفي يوم الأحد، عاشر شوال، سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، ودفن في مكانه، ثم نبش بعد زمان، وسُلِّم إلى أهله.
وكانت ولادته يوم الخميس بعد العصر، لسبعٍ بقين من شوال، سنة اثنتين وتسعين ومئتين ببغداد.
وأبو علي بن مقلة المذكور هو أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين إلى هذه الصورة، وابن البواب تبع طريقته، ونقَّح أسلوبه.
وكان أخوه أبو عبد الله الحسين بن علي بن مقلة كاتبًا أديباً بارعاً، ولد يوم الأربعاء سلخ رمضان، سنة ثمان وتسعين ومئتين، وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
وأما ابن رائق، فإنه قدم دمشق، وأَخْرَجَ منها بدراً الإخشيدي، ثم توجه إلى مصر، وتواقع هو وصاحبها محمد بن طغج الإخشيد، فهزمه الإخشيد، فرجع إلى دمشق، ثم توجه إلى بغداد، وقُتل بالموصل سنة ثلاثين وثلاث مئة.
стр. 1088
٣٩٧ - الوزيو أبو الطاهر محمد بن محمد بن بقيَّة الملقب: نصير الدولة: وزير عزِّ الدولة ابن بُوَيْه، كان من أجلة الرؤساء، وأكابر الوزراء، وأعيان الكرماء، كان راتب شمعه في كل شهر ألفُ مَنٍّ، وكان من أهل أوانا (١) من عمل بغداد.
وكان في أول أمره صاحب مطبخ معز الدولة، وحسنت حالته عنده، وعند ابنه عز الدولة ورعى له خدمتَه لأبيه، فاستوزره يوم الاثنين، لسبع ليال خلون من ذي الحجة، سنة اثنتين وستين وثلاث مئة، ثم إنه قبض عليه لسبب اقتضى ذلك، وحاصله: أنه حمله على محاربة ابن عمه عضد الدولة، والتقيا على الأهواز وكُسر عز الدولة، فنسب ذلك إلى رأيه ومشورته، وقبض عليه يوم الاثنين، لثلاثَ عشرةَ ليلة بقيت من ذي الحجة، سنة لست وستين وثلاث مئة بمدينة واسط، وسَمَل عينيه، ولزم بيته، فلما قُتل عزُّ الدولة، وملك عضدُ الدولة بغداد، ودخلها، طلب ابنَ بقية المذكور، وألقاه تحت أرجل الفيلة، فلما قتلته، صلبه عند البيمارستان العضدي ببغداد في يوم الجمعة، لست خلون من شوال، سنة سبع وستين وثلاث مئة، ولم يزل مصلوبًا إلى أن توفي عضد الدولة في التاريخ المتقدم في ترجمته سنة اثنتين وسبعين وثلاث مئة، فأُنزل عن الخشبة، ودفن في موضعه.
* * *
стр. 1089
٣٩٨ - أبو غالب محمد بن علي بن خلف الملقب: فخر الملك وزير بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة ابن بُويه: وكان من أعظم وزراء آل بويه على الإطلاق بعدَ ابن العميد، والصاحبِ بن عَبَّاد، وكان واسع النعمة، جمَّ الفضائل والأفضال، جزيل العطايا والنوال، قصده جماعة من أعيان الشعراء، ومدحوه، وأجازهم.
ولد بواسط سنة أربع وخمسين وثلاث مئة.
وَرَفَعَ إليه شخص قصة يسعى فيها بهلاك شخص، فوقف عليها، وقلبها، وكتب في ظهرها: السعاية قبيحة، صمان كانت صحيحة، فإن كنت أجريتَها مجرى النصح، فخسارتك فيها أكثرُ من الربح، ومعاذ الله أن نقبل من مهتوك في مستور (١)، ولولا أنك في خفارة، لقابلناك بما يشبه فعالك، وَيرْدعَ أمثالك، فاكتمْ هذا العيب، واتقِ مَنْ يعلم الغيب، والسلام.
ومحاسنُ فخر الملك كثيرة، ولم يزل في عِزّه إلى أن نقم عليه مخدومُه بهاء الدولة لسبب اقتضى ذلك، فحبسه، ثم قتله بسفح جبل قريب من الأهواز يوم السبت، لثلاثٍ بقين من شهر ربيع الأول، سنة سبع وأربع مئة، ودُفن هناك، ولم تعمق حفرته، فنبشته الكلاب وأكلته، ثم أعيد دفن رمَّته، فشفع فيه بعض أصحابه، فنقلت عظامه إلى مشهد
стр. 1090
هناك، فدفنت فيه سنة ثمان وأربع مئة، فسبحان الفعال لما يريد.
* * *
٣٩٩ - أبو نصر محمد بن محمد بن جهير (١)، الملقب: فخر الدولة مؤيد الدين، التغلبيُّ الموصليُّ: كان ذا رأي وعقل، وحزم وتدبير، خرج من الموصل، وصار ناظر الديوان بحلب، ثم صُرف عنه، وانتقل إلى آمد مدة بطالاً، ثم توصل إلى أن استوزره الأمير نصر الدولة أحمدُ بن مروان الكردي صاحب مَيَّافارقين وديار بكر، وكان نافذ الكلمة، مطاع الأمر، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي نصر الدولة، وقام بالأمر ولدُه نظام الدين، فأقبل عليه، وزاد في إكرامه، فرتب أمور ديوانه، وأجراها على الأوضاع التي كانت في أيام أبيه، وكان عزل من الوزارة، ثم أعيد إليها، فأنشده بعضهم قصيدة يقول فيها:
قَدْ رَجَعَ الحَقُّ إِلَى نِصَابِهْ ... وَأَنْتَ مِنْ كُلِّ الوَرَى أَوْلَى بِهْ
مَا كُنْتَ إِلاَّ السَّيْفَ سَلَّتْة يَدٌ ... ثُمَّ أَعَادتْهُ إِلَى قِرَابِهْ
هَزَّتْهُ حَتَّى أَبْصرَتْهُ صَارِمًا ... وَبَرِيقُهُ (٢) يُغْنِيهِ عَنْ ضِرَابِهْ
وهي قصيدة طويلة، وكانت ولادته بالموصل سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة، وَمَلَك نصيبين ثم الموصل وسنجار، والرحبة والخابور،
стр. 1091
وديار ربيعة أجمع، وخُطب له على سائر منابرها نيابة عن السلطان، وأقام بالموصل إلى أن توفي بها في رجب سنة ثلاث وثمانين (١) وأربع مئة.
وأما ولده عميد الدولة، فانتشر عنه الوقار والهيبة والعفة، وخدم ثلاثة من الخلفاء، ووَزَرَ لاثنين منهم، ولم يكن يُعاب بأشدَّ من الكبر الزائد ﵀، وعفا عنه -.
* * *
٤٠٠ - أبو شجاع محمد بن الحسين بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم الملقب: ظهير الدين، الروذراوريُّ (٢) الأصل، الأهوازيُّ المولد: تولى الوزارة للإمام المقتدي بالله، بعد عزل عميد الدولة أبي منصور ابن فخر الدولة، وذلك في سنة ست وسبعين (٣) وأربع مئة، ثم عزل، وأعيد عميد الدولة.
ولمَّا قرأ أبو شجاع التوقيع بعزله، أنشد:
تَوَلاَّهَا وَلَيْسَ لَهُ عَدُوٌّ ... وَفَارَقَهَا وَلَيْسَ لَهُ صَدِيقُ
وخرج بعد عزله ماشياً يوم الجمعة من داره إلى الجامع، وثارت عليه العامة يسفِّهون عليه، وأُلزم بالقعود في داره، ثم خرج إلى روذراور،
стр. 1092
وهي وطنه قديماً، ثم حج منها في سنة سبع وثمانين (١) وأربع مئة، وجاور بعد الحج بمدينة الرسول ﷺ ، وأقام بالمدينة إلى حين وفاته، ودفن عند قبر إبراهيم بن النبي ﷺ بالبقيع.
ولما قرب أمره، وحان ارتحاله من الدنيا، حُمل إلى مسجد النبي ﷺ ، فوقف عند الحضرة، وبكى، وقال: يا رسول الله! قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، وقد جئتك معترفاً بذنوبي وجرأتي، أرجو شفاعتك، وبكى، وتوفي من يو مه، وكانت سيرته حسنة، وعنده سخاء وبِرٌّ ورأفة، وله شعر حسن، ومن شعره:
وَإِنِّي لأُبْدِي فِي هَوَاكَ تَجَلُّداً ... وَفِي القَلْبِ مِنِّي لَوْعَةٌ وَغَلِيلُ
فَلاَ تَحْسَبَنْ أَنِّي سَلَوْتُ فَرُبَّمَا ... تُرَى صِحَّة بِالمَرْءِ وَهْوَ عَلِيلُ
* * *
٤٠١ - أبو نصر محمد بن منصور بن محمد، الملقب: عميد الملك، الكندريُّ: كان من رجال الدهر، جوادًا شهمًا، واستوزره السلطان طَغْرِلْبك السّلجوقي، ونال عنده الرتبة العالية، والمنزلة الجليلة، وهو أول وزير كان لهذه الدولة، وكان ممدوحاً، مَقْصَداً للشعراء، ولم يزل في دولة طغرلبك عظيمَ الشأن والحرمة إلى أن توفي السلطان، وقام
стр. 1093
بالمملكة ابن (١) أخيه ألب أرسلان، وأقرَّه على حاله، وزاد في إكرامه.
ثم إنه أرسله إلى خوارزم شاه ليخطب ابنته، فارجف أعداؤه أنه خطبها لنفسه، وشاع ذلك بين الناس، فبلغ عميدَ الملك، فخاف تغيرَ قلب مخدومه عليه، فعمد إلى لحيته، فحلقها، وإلى مَذاكيره، فجَبَّها، ثم إن ألب أرسلان عزله عن الوزارة لسبب يطول شرحه، وفوض الوزارة إلى نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، وَحَبَس عميد الملك بنيسابور، ثم نقله إلى مرو، وحبسه في دار، وكانت عياله في حجرة بتلك الدار، وكان له بيت واحد لا غير، فلما أحس بالقتل، دخل الحجرة، وأخرج كفنه، وودع عياله، وأغلق باب الحجرة، واغتسل وصلى ركعتين، وأعطى للذي ندب لقتله مئة دينار، وقال: حقي عليك أن تكفنني في الثوب الذي غسلته بماء زمزم، وقال لجلاده: قل للوزير نظام الملك: بئس ما صنعت، علَّمت الأتراك قتل الوزراء، ومن حفر مهواة، وقع فيها، ومن دَقَّ سنة سيئة، فعليه وزرُها ووزر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة، ورضي بقضاء الله المحتوم، وقُتل يوم الأحد، سادس عشر ذي الحجة، سنة ست وخمسين وأربع مئة، وعمره يومئذ نيف وأربعون سنة.
ومن العجائب: أنه دفنت مذاكيره بخوارزم، وأريق دمه بمرو، ودفن جسده بقريته كُندُر، ورأسه بنيسابور. وكان نظام الملك هناك،
стр. 1094
وفي ذلك عبرة لمن اعتبر بعد أن كان رئيس عصره.
وكُندُر - بضم الكاف والدال، وسكون النون، والراء -: قرية من قرى طُرَيث - بضم الطاء وفتح الراء، وسكون الياء المثناة من تحتها، ويعدها ثاء مثلثة - وهي كورة من نواحي خراسان، خرج منها جماعة من العلماء.
* * *
٤٠٢ - أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور، الفقيهُ الملقب: جمال الدين، المعروف بالجواد الأصفهاني: وزير صاحب الموصل أتابك زنكي بن آق سنقر، وكان حسن المحاضرة، مقبول المُفاكهة، ولما قتل زنكي على قلعة جعبر، أقره سيف الدين غازي بن أتابك زنكي على وزارته، وفوَّض إليه الأمر، وإلى زين الدين علي والد مظفر الدين صاحب إربل، ولم يزل يبذل ويعطي الأموال، ويبالغ في الإنفاق حتى عرف بالجواد، وصار ذلك كالعَلَم عليه حتى لا يقال: إلا جمال الدين الجواد، وأثر آثاراً جميلة، وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم من مكان بعيد، وعمل الدَّرَجَ من أسفل الجبل إلى أعلاه، وبنى سور مدينة الرسول ﷺ ، وما كان خرب من مسجده.
وكان يحمل في كل سنة إلى مكة والمدينة من الأموال والكسوات للفقراء والمنقطعين ما يقوم بهم مدة سنة، وكان قصده كل خير، حتى جاء في سنةٍ غلاء مفرط، فواسى الناس، حتى إنه لم يبق له شيء.
стр. 1095
واستمر على ذلك إلى أن توفي مخدومه غازي، وقام بالأمر بعده أخوه قطب الدين مودود، فاستولى عليه مدة، ثم قبض عليه في رجب، سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، ولم يزل مسجونًا إلى أن توفي في العشر الأخير من رمضان، سنة تسع وخمسين وخمس مئة، وصُلِّيَ عليه، وكان يومًا مشهوداً؛ من ضجيج الضعفاء والأرامل والأيتام حول جنازته، ودُفِنَ بالموصل، ثم نُقل إلى مكة - حرسها الله تعالى -، وطِيفَ به حول الكعبة بعد أن صعدوا به ليلة الوقفة إلى جبل عرفات، وكانوا يطوفون به كل يوم مرارًا مدة بقائهم بمكة، وكان يوم دخوله بمكة يومًا مشهوداً؛ من اجتماع الخلق والبكاء عليه، ثم حمل إلى مدينة الرسول ﷺ ، ودُفن بالبقيع بعد أن أُدخل المدينة، وطيف به حول الحجرة مراراً - رحمه الله تعالى -.
وكان ولده أبو الحسن علي الملقب: جمال الدين من الأدباء الفضلاء البلغاء، توفي سنة أربع وسبعين (١) وخمس مئة بمدينة دُنَيْسَر - بضم الدال المهملة وفتح النون وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة وبعدها راء مهملة -، وهي مدينة بالجزيرة بين نصيبين ورأس العين، تطرقها التجار من جميع الجهات، وهي مجمع الطرقات، ولهذا قيل لها: دنيسر، وهو لفظ مركب، وأصله: دنيا سر، ومعناه: رأس الدنيا، وعادة العجم في الأسماء المضافة [أن] يؤخروا المضاف
стр. 1096
عن المضاف إليه، وسَرْ بالعجمي: رأس.
* * *
٤٠٣ - أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي الفرج محمد بن نفيس الدين أبي الرجاء حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود، المعروف بابن أخي العزيز، الملقب: عماد الدين الكاتب الأصبهاني، المعروف - أيضاً - بابن أخ العزيز: كان فقيهاً شافعي المذهب، تفقه بالمدرسة النظامية زماناً، وأتقن الخلاف، وفنون الأدب، وله من الشعر والرسائل ما يغني عن الإطالة في شرحه.
نشأ بأصبهان، وقدم بغداد، وتعلق بالوزير عون الدين يحيى بن هُبَيْرَة ببغداد، وتولى النظر بالبصرة، ولم يزل ماشي الحال مدة حياته، فلما توفي، تشتت شمل أتباعه، ثم انتقل إلى دمشق سنة اثنتين وستين وخمس مئة، وسلطانها الملكُ العادل نور الدين الشهيد، ومدبر دولته القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهرزوري، فتعرف به، وحمد محاسنه، فأحسن إليه وأكرمه، وميَّزه عند الأعيان والأماثل، ثم نوَّه بذكره عند السلطان نور الدين، وعدَّد فضائله، وأهَّله لكتابة الإنشاء، فَجَبُنَ عنها في الابتداء، فلما باشرها، هانت عنيه، وأجاد فيها، وأتى بالغرائب، فكان ينشئ الرسائل باللغة العجمية - أيضاً -، وعلت منزلته عند نور الدين، وصار صاحب سِرِّه، وأرسله إلى دار السلام ببغداد رسولاً في أيام الإمام المستنجد.
стр. 1097
ولم يزل مستقيم الحال إلى أن توفي نور الدين، وقام ولده الملك الصالح إسماعيل مقامه، وكان صغيرًا، فاستولى عليه جماعة كانوا يكرهون العماد، فضايقوه، وأخافوه إلى أن ترك جميع ما كان فيه، وسافر قاصدًا بغداد، فوصل إلى الموصل، فمَرِضَ بها مرضًا شديدًا، فلما بلغه خروج السلطان صلاح الدين من الديار المصرية لأخذ دمشق، عزم على العودة إلى الشام، فوصل إليها ثامن جمادى الآخرة، سنة سبعين وخمس مئة، وصلاح الدين نازل على حلب، ثم قصد خدمته، فحضر بين يديه، ولزم بابه في رحيله ونزوله، حتى نظمه في سلك جماعته، واعتمد عليه، وقرب منه، وصار من جملة الصدور المعدودين، والأماثل المشتهرين، وكان القاضي الفاضل أكثر الأوقات ينقطع عن خدمة السلطان، والعمادُ ملازم الباب، وهو صاحب السر المكتوم.
وصنف التصانيف النافعة، منها: كتاب "الفتح القدسي" في مجلدين يتضمن فتح بيت المقدس وغيره.
وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لِطاف، فمن ذلك: ما يُحكى عنه: أنه لقيه يومًا وهو راكب على فرس، فقال له العماد: سِرْ فَلاَ كَبَا بِكَ الفرس، فقال له الفاضل: دامَ عُلا العماد.
وهذا مما يقرأ مقلوبًا ومستقيمًا بالسواء.
وكان القاضي الفاضل قد حج في سنة أربع وخمس مئة، وركب البحر في طريقه، فكتب إليه العماد ألفاظًا، منها:
стр. 1098
فطوبى للحِجْر والحَجون من ذي الحِجر والحجى، ومُنير الدجى، ولندى الكعبة من كَعْب الندى، وللهدايا المشعَرات من مشعر الهُدى، والمقام الكريم من مقام كريم، ومتى ركب البحرُ البحرَ، وملك البَر البَرَّ، ويا عجبًا للكعبة يقصدها كعبة الفضل والإفضال، والقبلة يستقبلها قبلة القبول والإقبال، والسلام.
ولم يزل العماد على رفعة منزلة إلى أن توفي السلطان صلاح الدين، فاختلفت أحواله، ولزم بيته، وأقبل على الاشتغال بالتصانيف، وتوفي يوم الاثنين، ثاني جمادى الآخرة، وقيل: في شعبان، سنة سبع وتسعين وخمس مئة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية.
وألُهْ - بفتح الهمزة وضم اللام، وسكون الهاء -، وهو اسم عجمي معناه بالعربي: العُقاب، وهو الطائر المعروف، وقد قيل: إن العُقاب لا يوجد فيه ذَكَر، بل جميعه أنثى، وإن الذي يسافده طائر آخر من غير جنسه، وقيل: إن الثعلب يسافده، وهو من العجائب.
ولابن عُنين هَجْوٌ في شخص يقال له ابن سِيده:
مَا أَنْتَ إِلاَّ كَالعُقَابِ فَإِنَّهَا ... مَعْرُوفَةٌ وَلَهَا أَبٌ مَجْهُولُ
* * *
٤٠٤ - أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ (١)، الفارابي
стр. 1099
التركيُّ (١)، الحكيمُ المشهور: صاحب التصانيف في المنطق والموسيقا وغيرهما من العلوم، وهو من أكبر فلاسفة المسلمين.
ولد في بلده، ونشأ بها، ثم خرج، وتقلبت به الأسفار إلى أن وصل بغداد، وهو يعرف اللسان (٢) التركي، وعدة لغات غير العربي، فشرع في اللسان العربي، فتعلَّمه وأتقنه، ثم اشتغل بعلوم الحكمة، ثم ارتحل إلى مدينة حرَّان، ولم يزل مُكِبًا على الاشتغال بهذا العلم، والتحصيل له إلى أن فاق فيه أهلَ زمانه، وألَّف معظم كتبه.
ثم سافر إلى دمشق، وتوجه إلى مصر، ثم عاد إلى دمشق، فأقام بها، وسلطانُها يومئذ سيفُ الدولة بن حمدان، فأحسن إليه.
ويحكى: أن الآلة المسماة بالقانون من وضعه، وهو أول من رَكَّبها هذا التركيب، وكان منفرداً بنفسه، لا يجالس الناس، وكان مدة إقامته بدمشق في تأليف كتبه، وكان أزهدَ الناس في الدنيا، لا يحتفل بأمرِ مكسب ولا مسكن، وأجرى عليه سيف الدولة كلَّ يوم من بيت المال أربعة دراهم، واقتصر عليها إلى أن مات في سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة بدمشق، وصلى عليه سيف الدولة في أربعة من خواصه، وقد ناهز ثمانين سنة، ودفن خارج الباب الصغير.
ومما ينسب إليه من النظم: قوله:
стр. 1100
أَخِي خَلِّ حَيِّزَ ذِي بَاطِلٍ ... وَكُنْ لِلحَقَائِقِ فِي حَيِّزِ
فَمَا الدَّارُ دَارَ مُقَامٍ لَنا ... وَلاَ المَرْءَ فِي الأَرْضِ بِالمُعْجِزِ
يُنَافِرُ هَذَا لِهَذَا عَلَى ... أَقَلَّ مِنَ الكَلِمِ المُوجَزِ
وَهَلْ نَحْنُ إِلاَّ خُطُوطٌ وَقَعْنَ ... عَلَى يَقْظِهِ وَقْعَ مُسْتَوْفِزِ
مُحِيطُ السَّمَوَاتِ أَوْلَى بِنَا ... فَمَاذَا التَّنَافُسُ فِي المَرْكَز
والفارابي - بفاء موحَّدة، وبالباء الموحَّدة من أسفل -: نسبة إلى فاراب، وهي مدينة فوق الشَّاش: قرية من مدينة فلاساغون، وجميع أهلها على مذهب الإمام الشافعي ﵁، وهي قاعدة من قواعد همدان، وهي في أطراف بلاد فارس، وفلاساغون: بلدة وراء نهر سيحون بالقرب من كَاشْغَر، وهي من المدن العظام في تُخوم الصين.
* * *
٤٠٥ - أبو بكر محمد بن زكريا الرازي، الطبيبُ المشهور: هو الذي دبر مارستان بغداد أيام المكتفي، وكان في أيام شبيبته يضرب
стр. 1101
بالعود، ويغني، فلما التحى وجهه، قال: كل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يُستطرب، فنزع عن ذلك، وأقبل على دراسة كتب الطب حتى صار تُشَدُّ إليه الرحال في أخذها عنه، وصنف فيها الكتب النافعة.
ومن كلامه فيها: إذا كان الطبيب عارفًا، والمريض مطيعًا، فما أقلَّ لبثَ العلة.
وطال عمره، وعَمِيَ في آخر مدته، وتوفي في سنة إحدى عشرة وثلاث مئة.
* * *
٤٠٦ - أبو عبد الله محمد بن جابر، بن سنان الحراني (١) الأصل، الحايسبُ، البَتَّانيُّ المشهور: صاحب "الزيج"، الصابئ، له الأعمال العجيبة، والأرصاد المتقنة.
كان أوحد عصره، توفي سنة سبع عشرة وثلاث مئة عند رجوعه من بغداد بموضع يقال له: قصر الحضر.
والبَتَّاني - بالباء الموحدة، والتاء المثناة من فوق المشددة، ونون مكسورة -: نسبة إلى بَتَّان، وهي ناحية من أعمال حرَّان.
والحضر: مدينة بالقرب من الموصل.
* * *
стр. 1102
٤٠٧ - أبو عبد الله محمد بن موسى بن شكر: أحد الإخوة الثلاثة الذين ينسب إليهم حيل (١) بني موسى، وهم مشهورون بهذا، واسم أخويه: أحمد، والحسن، وكانت لهم همم عالية في تحصيل العلوم القديمة، وكتب الأوائل، أتعبوا أنفسهم في تبيانها، وكان الغالب عليهم من العلوم: الهندسة والحِيَل والحركات، والموسيقا والنجوم، وكان لهم أوضاع نادرة غريبة، توفي محمد المذكور في شهر ربيع الأول، سنة تسع وخمسين ومئتين.
* * *
٤٠٨ - أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر، الخوارزميُّ الزمخشريُّ: الإمام الكبير في التفسير والحديث، والنحو واللغة وعلم البيان، كان إمام عصره من غير مدافع، تشُد إليه الرحال في فنونه، وصنف التصانيف البديعة، منها: "الكشاف" في تفسير القرآن العزيز، وتصانيف كثيرة، وكان شروعه في تأليف "المفصَّل" في غرة شهر رمضان، سنة ثلاث عشرة وخمس مئة، وفرغ منه في غرة المحرم، سنة خمس عشرة وخمس مئة، وكان قد سافر إلى مكة - حرسها الله تعالى -، وجاور بها زمانا، فصار يقال له: جار الله، وكان هذا الاسم عَلَماً عليه.
وكانت إحدى رجليه قد سقطت من برد شديد وثلج أصابه في
стр. 1103
بعض أسفاره ببلاد خُوارزم، وكان يمشي في خُفّ خشب، وكان بيده محضر فيه شهادة خلق كثير ممن اطلعوا على حقيقة ذلك، خوفًا من أن يظن به من لم يعلم صورة الحال أنها قطعت لريبة، والثلج والبرد كثيراً ما يوقر في الأطراف في تلك البلاد، فيسقطها، خصوصا بخوارزم.
وكان الزمخشري معتزليَّ الاعتقاد، يُظاهر به، حتى نُقل عنه: أنه كان إذا قصد صاحبا له، واستأذن عليه في الدخول، يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له: أبو القاسم المعتزلي بالباب.
وأول ما صنف "الكشاف" كتب استفتاح الخطبة: الحمد لله الذي خلق القرآن.
فقيل له: متى تركته على هذه الهيئة، هجره الناس، ولا يرغب فيه أحد، فغيَّره بقوله: الحمد لله الذي جعل القرآن. والجعلُ عندهم بمعنى: الخلق.
والبحث في ذلك يطول، وفي كثير من النسخ: الحمد لله الذي أنزل القرآن، وهذا إصلاح الناس، لا إصلاح المصنف.
ومما أنشده لغيره في كتابه "الكشاف" عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
فإنه قال: أنشدت لبعضهم:
يَا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَنَاحَهَا ... فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ الأَلْيَلِ
стр. 1104
وَيَرَى مَنَاطَ عُرُوقِهَا فِي نَحْرِهَا ... وَالمُخَّ فِي تِلْكَ العِظَامِ النُّحَّلِ
وَيَرَى خَرِيرَ دِمَائِهَا فِي جِلْدِهَا ... مُتَنَقِّلاً مِنْ مَفْصِلٍ فِي مَفْصِلِ
امْنُنْ عَلَيَّ بِتَوْبَةٍ أَمْحُو بِهَا ... مَا كَانَ مِنِّي فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ
وُلِدَ الزمخشري يوم الأربعاء، السابع والعشرين من رجب، سنة سبع وستين وأربع مئة بزمخشر - قرية من قرى خُوارزم -، وتوفي في ليلة عرفة، سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة بجرجانية خُوارزم بعد رجوعه من مكة.
* * *
٤٠٩ - أبو القاسم محمود بن ناصر الدولة أبي منصور سُبُكْتِكين: الملقب أولاً: سيف الدولة، ثم لقَّبه الإمامُ القادر بالله لمَّا سلطنه بعد موت أبيه: يمينَ الدولة، وأمينَ الملة، واشتهر به، وانتظم له الأمر، وملك بلاد خراسان في سنة تسعين وثلاث مئة، وثبت له الملك، وأرسل له الإمام القادر خلعة السلطنة، ولقَّبه بالألقاب المذكورة، واتفقت له الأمور عن آخرها، وفرض على نفسه في كل عام غزوَ الهند.
ثم إنه ملك سجِستان سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة، ولم يزل يفتح بلاد الهند حتى انتهى إلى ما لم يبلغه غيرُه في الإسلام، وبنى بها
стр. 1105
مساجد وجوامع، وكسر الصنم المعروف عند الهنود أنه يُحيي ويُميت ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويأتونه من كل فجٍّ عميق.
وكان مشغول اللسان بالذكر والقرآن، خضعت له الملوك، ومهدت له البلاد، وحَسُن ذكرُه، وكان على مذهب أبي حنيفة ﵁، وكان مولَعًا بعلم الحديث، ثم أعرض عن المذهب المشار إليه، وتمسَّك بمذهب الشافعي.
ومناقبه كثيرة، وسيرته من أحسن السير.
وُلِدَ ليلة عاشوراء، سنة إحدى وستين وثلاث مئة، وتوفي في شهر ربيع الأول (١)، سنة إحدى، وقيل: اثنتين وعشرين وأربع مئة بغزنة.
وقام بالأمر من بعده ولدُه محمد بوصيةٍ من أبيه، وكان سيء التدبير، فاجتمع الجند على عزله، وتفويض المُلْكِ إلى أخيه أبي سعيد مسعود، ففعلوا ذلك، وقبضوا عليه، وحملوه إلى قلعة سُبُكْتِكِين - بضم السين المهملة، والباء الموحدة، وسكون الكاف، وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف الثانية -، وتفسير ذلك: ورقتان خضراوتان، وهو معنى قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤].
* * *
٤١٠ - أبو السمط مروان، وقيل: أبو الهيذام (٢) بن أبي حفصة
стр. 1106
سليمان بن يحيى بن أبي حفصة، الشاعرُ المشهورُ: كان من الشعراء المجيدين، والفحول المتقدمين.
ولد سنة خمس ومئة، وتوفي سنة إحدى وثمانين ومئة ببغداد، ودفن في مقبرة نصر بن مالك الخزاعي، وحَفَدَهُ مروان الأصغر هو: أبو السمط مروان بن أبي الحتوف بن مروان الأكبر المذكور، وكان في عصره من المشاهير المتقدمين.
* * *
٤١١ - أبو العز مظفر (١) بن إبراهيم بن جماعة بن علي بن شامي ابن أحمد بن ناهض، العيلاني، الحنبليُّ المذهب، الملقب: موفق الدين، الشاعرُ المشهورُ المصريُّ: كان أديباً شاعراً، صنَّف في العَروض مختصراً جيداً، وله ديوان شعر رائق، وكان ضريراً، ومن شعره:
قَالُوا عَشِقْتَ وَأَنْتَ أَعْمَى ... ظَبْيًا كَحِيلَ الطَّرْفِ أَلْمَى
وَحُلاَهُ مَا عَايَنْتَهَا ... فَتَقُولُ: قَدْ شَغَلَتْكَ وَهْمَا
فَأَجَبْتُ إِنِّي مُوسَوِيُّ ... العِشْقِ إِنْصَاتًا وَفَهْمَا
أَهْوَى بِجَارِحَةِ السَّمَاعِ ... وَلاَ أَرَى ذَاتَ المُسَمَّى
ولد بمصر، لخمسٍ بقين من جمادى الآخرة، سنة أربع وأربعين وخمس مئة، وتوفي بها سَحَرَ يوم السبت، التاسع من المحرم، سنة
стр. 1107
ثلاث وعشرين وست مئة، ودفن من الغد بسفح المُقَطَّم.
* * *
٤١٢ - أبو مسلم معاذ بن مسلم الهرا (١)، النحويُّ الكوفيُّ: من موالي محمد بن كعب القرظي، قرأ عليه الكسائي، وروى الحديث، وحُكيت عنه في القراءات حكايات كثيرة، وصنف في النحو كثيراً، ولم يظهر له شيء من التصانيف، وله شعر كشعر النحاة، وكان في عصره مشهوراً بالعمر الطويل، وكان له أولاد وأولادُ أولادٍ، فمات الكل وهو باق.
وقال عثمان بن أبي شيبة: رأيت معاذ بن مسلم الهرا (٢) وقد شدَّ أسنانه بالذهب من الكِبَر، توفي سنة تسعين ومئة، وقيل: في السنة التي نكُبت فيها البرامكة، وهي سنة سبع وثمانين، وهو الأصح، وكان يكنى: أبا مسلم، فولد له ولد سماه: علياً، فصار يُكنى به.
* * *
٤١٣ - القاضي أبو الفرج المُعَافَى بن زكريا بن يحيى بن حميدي (٣) ابن حماد، المعروف بابن طرارا الجريري، النهروانيُّ: كان فقيهاً أديباً
стр. 1108
شاعرًا، عالماً بكل فن، ولي القضاء ببغداد بباب الطاق نيابة عن ابن صبر، روى عن جماعة من الأئمة، وروى عنه جماعة.
وكان أبو محمد عبد الباقي يقول: إذا حضر القاضي أبو الفرج: قد حضرت العلوم كلها، ولو أوصى رجل بثلث ماله لأعلمِ الناس، لوجبت أن تُدفع لأبي الفرج المعافى.
وكان ثقة، وله شعر حسن، فمن ذلك:
أَلاَ قُلْ لِمَنْ كَانَ لِي حَاسِداً ... أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْتَ الأَدَبْ
أَسَأْتَ عَلَى اللهِ فِي فِعْلِهِ ... لِأَنَّكَ لَمْ تَرْضَ لِي مَا وَهَبْ
فَجَازَاكَ عَنْهُ بَأَنْ زَادَنِي ... وَسَدَّ عَلَيْكَ وُجُوهَ الطَّلَبْ
ولد يوم الخميس، لسبعٍ خلون من رجب، سنة ثلاث، وقيل خمس وثلاث مئة، وتوفي يوم الاثنين، الثامن والعشرين (١) من ذي الحجة، سنة تسعين وثلاث مئة بالنهروان - رحمه الله تعالى -.
* * *
٤١٤ - أبو محفوظ معروف بن فيروز، الكرخيُّ، الصالحُ المشهور: هو من موالي علي بن موسى الرضا، وكان أبواه نصرانيين، وأسلماه إلى مؤدب أولاد النصارى وهو صبي، فكان المؤدب يقول له: قل ثالث ثلاثة، فيقول معروف: بل هو الواحد، فيضربه المؤدب ضرباً
стр. 1109
مبرحاً، فهرب منه، فكان أبواه يقولان: ليته يرجع إلينا على أي دين شاء نوافقه عليه، ثم إنه أسلم على يد علي بن موسى الرضا، ورجع إلى أبويه.
وكان مشهوراً بإجابة الدعاء، وأهلُ بغداد يستسقون بقبره، ويقولون: قبر معروف تِرياقٌ مجرَّب.
وكان سَرِيٌّ السَّقَطي تلميذه، فقال له يوماً: إذا كان لك إلى الله حاجة، فأقسمْ عليه بي.
وأخباره ومحاسنه أكثرُ من أن تعد.
وتوفي في سنة مئتين، وقيل: إحدى ومئتين (١)، وقبره مشهور ببغداد يزار، ورئي له منامات عظيمة.
والكَرْخِي - بفتح الكاف، وسكون الراء المهملة، وكسر الخاء المعجمة، وسكون الياء في آخرها -: هذه نسبة إلى الكرخ وهو اسم لتسع مواضع، أشهرُها كرخُ بغداد، والصحيح أن معروفاً الكرخي منه، وقيل: من كرخ جدان، وهي بُليدة في العراق.
* * *
٤١٥ - المعز بن باديس بن المنصور بن بلكين (٢)، ويعرف بباديس ابن زيري، الحميريُّ الصنهاجيُّ: صاحب إفريقية وما والاها من بلاد
стр. 1110
المغرب، وكان الحاكمُ صاحمبُ مصر لقَّبه: شرف الدين، وأرسل إليه تشريفاً.
وكان ملكا جليلاً، عالي الهمة، محبا لأهل العلم، كثير العطاء، وكان مذهب أبي حنيفة ﵁ بإفريقية أظهرَ المذاهب، فحمل المعز المذكور جميع أهل المغرب على التمسك بمذهب الإمام مالك بن أنس ﵁، وحسم مادة الخلاف في المذاهب، واستمر الحال في ذلك إلى الآن.
وكان قطعَ خطبة المستنصر بالله العُبيدي، وخلع طاعته، وخطب للإمام القائم بأمر الله خليفةِ بغداد، واستمر على قطع الخُطبة، ولم يخطب بعد ذلك لإفريقية لأحد من المصريين إلى اليوم.
وأخباره كثيرة.
ولد بالمنصورية من أعمال إفريقية يوم الخميس، لخمسٍ بقين من جمادى الأولى، سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة، وبويع بالمحمدية من أعمال إفريقية بعد أبيه باديس يوم السبت، لثلاثٍ مضين (١) من ذي الحجة، سنة لست وأربع مئة، وتوفي رابع شعبان، سنة أربع وخمسين وأربع مئة بالقيروان بمرض ضعف الكبد.
وهذا المعز لا يعرف له اسم [سوى المعز].
* * *
стр. 1111
٤١٦ - أبو الوليد معن بن زائدة بن عبد الله بن زائدةَ بن مطر بن شريك، الشيبانيُّ: كان جوادًا شجاعاً، جَزِلَ العطاء، كثير المعروف، مقصوداً، وكان في أيام بني أمية مشتغلاً في الولايات، فلما انتقلت الدولة إلى بني العباس، جرى بين أبي جعفر المنصور، وبين يزيدَ بن هُبيرة الفزاري أمير العراقين من محاصرته بمدينة واسط، فلما قتل يزيد، خاف معنٌ من المنصور، واستتر عنه؛ لأنه كان منقطعًا إلى يزيد، وجرى له في مدة استتاره غرائب، ولم يزل مستتراً حتى كان يوم الهاشمية، وهو يوم مشهور، ثار فيه جماعة من أهل خراسان على المنصور، وجرت بينهم مَقْتَلَة وبين أصحاب المنصور بالهاشمية، وهي التي بناها السفاح بالقرب من الكوفة، وكان معن متوارياً بالقرب منهم، فخرج متنكِّراً متلثماً، وتقدم إلى القوم، وقاتل بين يدي المنصور قتالاً شديداً أبان فيه عن نَجْدة وشهامة وفَرَّقهم، فلما أفرج عن المنصور قال: مَنْ أنت ويحك؟ فكشف عن لثامه، وقال: أنا طُليبك يا أمير المؤمنين معنُ بن زائدة، فأمَّنه المنصور، وأكرمه، وحيَّاه وزيَّنه، وصار من جملة خواصه.
ولمعنٍ أشعار كثيرة، وأكثرها في الشجاعة، ومن كلامه:
إَنَّ الأَكَابِرَ تَلْقَاهَا مُحَسَّدَةً ... وَلاَ تَرَى لِلِئَام النَّاسِ حُسَّادَا
وله أخبار ومحاسن كثيرة، وكان قد ولي سجستان في أواخر عمره، وانتقل إليها، وله فيها آثار وماجَرَياتٌ، قصده الشعراء بها، فلما كان سنة إحدى وخمسين ومئة، كان في داره صنَّاع يعملون له شغلاً، واندسَّ
стр. 1112
بينهم قوم من الخوارج، فقتلوه وهو يحتجم، ثم تبعهم ابن أخيه يزيد بن مزيد بن زائدة، فقتلهم بأسرِهم، وكان قَتْلهُ بمدينة بُسْت، رثاه الشعراء بأحسنِ المراثي - رحمه الله تعالى، وعفا عنه -.
* * *
٤١٧ - أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير، الأزديُّ بالولاء، الخراسانيُّ المروزيُّ: أصله من بَلْخ، وانتقل إلى البصرة، ودخل بغداد، وحدَّث بها، وكان مشهورًا بتفسير كتاب الله تعالى، وكان من العلماء الأجلاء.
وحُكي عن الشافعي ﵁: أنه قال: الناس كلهم عيال على ثلاثة: مُقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام.
وروي: أن أبا جعفر المنصور كان جالسًا، فسقط عليه الذباب، فطيَّره، فعاد إليه، وألحَّ عليه، وجعل يقع على وجهه، وأكثرَ من السقوط عليه حتى أضجره، فقال المنصور: انظروا من بالباب، فقيل له: مقاتل ابن سليمان، فقال: عليَّ به، فلما دخل عليه، قال له: هل تعلم لماذا خلق الله تعالى الذباب؛ قال: نعم، ليذل الله تعالى به الجبابرة، فسكت المنصور.
وقد اختلف العلماء في أمره، فمنهم من وافقه في الرواية، ومنهم من نسبه إلى الكذب.
стр. 1113
وقال أبو عبد الرحمن النسائي: الكذَّابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله ﷺ : ابن يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن سعيد المعروف بالمصلوب بالشام.
وقال البخاري: مقاتل بن سليمان ليس حديثه بشيء.
وقال أحمد بن حنبل: مقاتل بن سليمان صاحب التفسير ما يعجبني أن أروي عنه شيئاً.
والكلام في حقه كثير، والله متولي السرائر.
* * *
٤١٨ - أبو حسان المقلد بن المسيب بن رافع بن المقلد بن جعفر ابن عمرو (١) بن المُهَنَّا عبد الرحمن بن زيد، العقيليُّ، الملقب: حسام الدين، صاحبُ الموصل: كان أخوه أبو الدؤاد محمدُ بن المسيب أولَ من تغلَّب على الموصل وملكَها من أهل هذا البيت، وذلك في سنة ثمانين وثلاث مئة، فلما مات أبو الدؤاد في سنة سبع وثمانين، قام أخوه المقلد المذكور من بعده، وكان أعور، وفيه عقل وسياسة وحسن تدبير، واتسعت مملكته.
ولقبه الإمام القادر بالله، وكناه، وأنفذ إليه باللواء والخِلَع، وكان
стр. 1114
فيه فضل ومحبة لأهل الأدب ونظم الشعر.
وبينما هو في مجلس أُنْسِهِ وهو بالأنبار، إذ وثب عليه غلام تركي، فقتله في صفر، سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة، وحُكي أن هذا الترير سمعه وهو يقول لرجل ودَّعه وهو يريد الحج: إذا جئت ضريحَ رسول الله ﷺ ، قفْ عنده، وقل له عني: لولا صاحبُك، لزرتُك.
* * *
٤١٩ - أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب: أحد الأئمة الاثني عشر، كان يدعى بالعبد الصالح.
روي: أنه دخل مسجد رسول الله ﷺ ، فسجد سجدة في أول الليل، وهو يقول في سجوده: عظم الذنب عندي، وحسن العفو عندك، يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة، وجعل يرددها حتى أصبح.
وكان سخيًا كريماً، يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه، فيبعث إليه الصرة فيها ألف دينار، وكان يصر الصرر ثلاث مئة دينار، وأكثر وأقل، ثم يقسمها بالمدينة.
وكان يسكن بالمدينة، فأورده المهدي بغداد، وحبسه، فرأى في النوم علي بن أبي طالب ﵁ وهو يقول: يا محمد! ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].
فأحضر موسى بن جعفر، وعانقه، وأجلسه إلى جانبه، وذكر له
стр. 1115
ما رأى، وقال له: أفتؤمني أن تخرج عليَّ أو على أَحَدٍ مِنْ أولادي؟ فقال: والله! لا فعلتُ ذلك، ولا هو من شأني، قال: صدقت، وأعطاه ثلاثة آلاف دينار، ورده إلى المدينة إلى أهله، وأقام بها إلى أيام هارون الرشيد، فقدم هارون المدينة منصرفاً من عمرة رمضان سنة تسع وسبعين ومئة، فحمل موسى معه إلى بغداد، وحبسه إلى أن توفي في محبسه.
ونقل عنه: أنه رأى النبي ﷺ في منامه، فقال له: يا موسى! حُبِسْتَ مظلومًا، فَقُل هذه الكلمات؛ فإنك لا تبيت هذه الليلة في الحبس، فقال: بأبي وأمي ما أقول: فقال: قل يا سامعَ كلِّ صوت، ويا سابقَ كلِّ فَوْت، ويا كاسيَ العظام لحماً، يا منشرَها بعدَ الموت، أسألك بأسمائك الحسنى، وباسمك الأعظم الأكبر، المخزون المكنون الذي لا ينقطع أبداً، ولا يُحصى عدداً، فَرِّجْ عني.
وله أخبار ونوادر كثيرة.
ولد يوم الثلاثاء قبل طلوع الفجر سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل: سنة ثمان وعشرين بالمدينة، وتوفي لخمسٍ بقين من رجب، سنة ثلاث وثمانين ومئة، وقيل: إنه توفي مسمومًا، ودُفن في مقابر الشونيزية بخارج القبة، وقبره هناك مشهور يزار، وعليه مشهد عظيم، فيه قناديل الذهب والفضة، وأنواعُ الآلات والفرش، وهو في الجانب الغربي.
* * *
٤٢٠ - أبو الفتح موسى بن أبي الفضل يونس بن محمد [بن
стр. 1116
منعة] (١) بن مالك بن محمد، الملقب: كمال الدين، الفقيهُ الشافعيُّ: تفقه بالموصل، ثم توجه إلى بغداد سنة إحدى وسبعين وخمس مئة، فتميز وتمهر، ثم صعد إلى الموصل، ودرَّس واشتهرَ وفاق القدماء، وتبحر في جمع الفنون، وجمع من العلوم ما لا يجمعه أحد، وتفرد بعلم الرياضة، وكان جماعة من الطائفة الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم، ويحل لهم مسائل "الجامع الكبير" أحسن حل، مع ما هي عليه من الإشكال المشهور.
وكان أهل الذمَّة يقرؤون عليه التوراة والإنجيل، ويشرح لهما هذين الكتابين شرحًا يعتوفون أنهم لا يجدون من يوضحها لهم مثله.
وكان فى كل فن كأنه لا يعرف سواه؛ لقوته فيه، وكان في الفقه والعلوم الإسلامية شيخ وقته.
كَمَالُ كَمَالِ الدِّينِ لِلعِلْمِ وَالعُلَا ... فَهَيْهَاتَ سَاع فِي مَسَاعِيكَ يَطْمَعُ
إِذَا اجْتَمَعَ النُّظَّارُ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ... فَغَايَةُ كُلٍّ أَنْ تَقُولَ (٢) وَيَسْمَعُوا
فَلاَ تَحْسَبُوهُمْ مِنْ عِنَادٍ تَطَيْلَسُوا ... وَلَكِنْ حَيَارَى بِاعْتِرَافٍ تَقَنَّعُوا
стр. 1117
وللعماد فيه - أيضًا -:
تَجُرُّ المَوْصِلُ الأَذْيَالَ فَخْرًا ... عَلَى كُلِّ المَنَازِلِ وَالرُّسُومِ
فَذَا بَحْرٌ تَدَفَّقَ وَهْوَ عَذْبٌ ... وَذَا بَحْرٌ وَلَكِنْ مِنْ عُلُومِ
ولد يوم الخميس، خامس صفر، سنة إحدى وخمسين وخمس مئة، وتوفي رابع عشر شعبان، سنة تسع وثلاثين وست مئة، ودفن بالموصل.
* * *
٤٢١ - أبو الفتح موسى بن نُصير، اللخميُّ بالولاء، صاحبُ فتح الأندلس: وكان من التابعين، وروى عن تميمٍ الداريّ، وكان عاقلًا كريمًا شجاعًا، تقيًا لله تعالى، تولَّى إفريقية والمغرب عن معاوية، ثم عن الوليد ابن عبد الملك سنة سبع وسبعين، فأرسله إليها ومعه جماعة من الجند، ففتح بلادًا كثيرة، ولم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نُصير، ووجد أكثر مدن إفريقية خالية؛ لاختلاف أيدي البربر عليها، وكانت البلاد في قحط شديد، فأمر الناس بالصوم والصلاة، وإصلاح ذات البين، وخرج بهم إلى الصحراء، ومعه سائر الحيوانات، وفرق بينها وبين أولادها، فوقع البكاء والصراخ والضجيج من كل جانب، فأقام على ذلك إلى منتصف النهار، ثم صلى، وخطب، ولم يذكر الوليدَ بنَ عبد الملك،
стр. 1118
فقيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ فقال: هذا مقام لا ندعو فيه لغير الله ، فسُقُوا حتى رَوُوا، ثم خرج موسى غازيًا (١)، وتتبع البربر، وقتل فيهم وسبى، فلما رأى البربر ما نزل بهم، استأمنوا، وبذلوا له الطاعة، فقبل منهم، وولَّى عليهم واليا، وترك عندهم من يعلمهم القرآن وشرائع الإسلام، ورجع إلى إفريقية، ولم يبق بالبلاد من ينازعه من البربر، ولا من الروم.
فلما استقرت له القواعد، كتب إلى مولاه طارق بن زياد، وكان استعمله على طنجة وأعمالها يأمره بغزو الأندلس في جيش من البربر، وليس فيه من العرب إلا قدر يسير، فامتثل طارق أمره، وركب البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء من بر الأندلس، وصعد إلى جبل يعرف اليوم بجبل طارق؛ لأنه نُسب إليه لما حصل عليه، وكان صعوده إليه يوم الاثنين، لخمسٍ خلون من رجب، سنة اثنتين وتسعين للهجرة.
وذُكر عن طارق: أنه كان نائمًا في المركب وقت التعدية (٢)، وأنه رأى النبي ﷺ ، والخلفاء الأربعة ﵃ يمشون على الماء حتى مروا، فبشَّره النبي ﷺ بالفتح، وأمره بالرفق بالمسلمين، والوفاء بالعهد، ولما حلَّ طارق بالجبل، كتب إلى موسى بن نُصير: إني فعلت ما أمرتني، سهَّل الله تعالى لي الدخول، فندم موسى على تأخره، وعلم أنه إن فتح، نُسب
стр. 1119
الفتح إليه دونه، فجمع العساكر، وتبعه فلم يدركه إلا بعد الفتح.
وكان أول من اختطها: أندلس بن يافث بن نوح ﵇، فسميت باسمه، ولم يزل طارق يفتح، وموسى معه، إلى أن بلغ إلى الخليفة، وهو على جانب البحر المحيط.
ونقم موسى على طارق إذ عبر بغير إذنه، وسجنه وهَمَّ بقتله، ثم ورد عليه كتاب الوليد بإطلاقه، وخرج معه إلى الشام، وكان خروج موسى من الأندلس وافدًا على الوليد، فأخبره بما فتح الله على يده، وما معه من الأموال في سنة أربع وتسعين للهجرة، ولمَّا وصل موسى إلى الشام، مات الوليد بن عبد الملك، وقام من بعده سليمان أخوه، وحج في سنة تسع وتسعين للهجرة، وحج معه موسى بن نصير، ومات في الطريق بوادي القُرَى.
وكانت ولادته في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ سنة تسع عشرة للهجرة.
* * *
٤٢٢ - أبو عمران موسى بن عبد الملك، الأصفهانيُّ، صاحبُ ديوان الخراج: كان من جملة الرؤساء، وفضلاء الكتاب وأعيانهم، تنقَّل في الخدمة في أيام جماعة الخلفاء، وكان صاحبَ ديوان السواد وغيره في أيام المتوكل، وكان مترسِّلاً، وله ديوان رسائل، وله شعر رائق، فمن ذلك قوله:
стр. 1120
لَمَّا وَرَدْنَا القَادِسِيَّةَ ... حَيْثُ مُجْتَمَعُ الرِّفَاقِ
وَشَمَمْتُ مِنْ أَرْضِ الحِجازِ ... نَسِيمَ أَنْفَاسِ العِرَاقِ
أَيْقَنْتُ لِي وَلِمَنْ أُحِبُّ ... بِجَمْعِ شَمْلٍ وَاتِّفَاقِ
وَضَحِكْتُ مِنْ فَرَحِ اللِّقَاءِ ... كَمَا بَكَيْتُ مِنَ الفِرَاقِ
لَمْ يَبْقَ إِلاَّ جِسْمُ ... هَذِهِ السَّبع السَّوَاقِي
حَتَّى يَطُولَ حَدِيثُنَا ... بِصِفَاتِ مَا كُنَّا نُلاَقِي
والقادسية: قرية من قرى الكوفة، وبها كانت الوقعة المشهورة زمن عمر بن الخطاب ﵁، ولموسى المذكور أخبار كثيرة، توفي في شوال، سنة ست وأربعين ومئتين - رحمه الله تعالى -.
* * *
٤٢٣ - أبو سعيد المؤيد بن محمد بن علي بن محمد، الألوسيُّ، الشاعرُ المشهور: وكان من أعيان شعراء عصره، كثير الغزل والهجاء،
стр. 1121
ومدح جماعة من رؤساء العراق، وله ديوان شعر، وله قبول حسن، واقتنى أملاكًا وعقاراً، ثم عثر به الدهر عشرة، ضعُف منها انتقاشُه، وبقي في حبس الإمام المكتفي أكثر من عشر سنين إلى أن خرج في أول خلافة الإمام المستنجد، سنة خمس وخمسين وخمس مئة، وقد غطى بصره من ظلمة المطمور.
وله شعر حسن، فمن ذلك: قوله في وصف القلم:
وَمُثَقَّفٍ يُغْنِي وَيُفْنِي دَائِمًا ... فِي طوري المِيعَادِ والإيْعَادِ (١)
وَهَبَتْ لَهُ الآجَامُ حِينَ نَشَابِهَا ... كَرَمَ السُّيُولِ وَهَيْبَةَ الآسَادِ
وكان خروجه من بغداد سنة ست وخمسين وخمس مئة.
وحكى: أن المستنجد رأى في منامه في حياة والده المقتفي كأن مَلَكًا من السماء كتب في كفه أربع خاءات، فلما استيقظ، طلب مُعَبِّرَ الرؤيا، فقال له: تلي الخلافة في سنة خمس وخمسين وخمس مئة، وكان الأمر كذلك.
* * *
стр. 1122
٤٢٤ - أبو سعيد المهلَّبُ بن أبي صُفرة ظالم بن سراق بن صبح ابن كندي بن عمرو بن عدي، الأزديُّ البصريُّ: وفد أبو صفرة إلى عمر بن الخطاب ﵁ وهو شيخ أبيضُ الرأس واللحية، فأمره أن يخضِبَ، فخضب، وقد ولد له المهلَّب، وهو من أصاغر ولده قبل وفاة النبي ﷺ [بسنتين، وولد له قبل وفاة النبي ﷺ ] (١) بثلاثين سنة وأكثر.
وكان المهلب من أشجع الناس، وحمى البصرةَ من الخوارج، وله معهم وقاخُ مشهورة بالأهواز، وكان سيداً جليلاً، وكان يعارض الخوارج بالكلمة، ويورِّي بها عن غيرها، ويُرهب بها الخوارج، فكانوا يسمونه: الكذَّاب، ويقولون: راح يكذب.
وكان النبي ﷺ إذا أراد حرباً، وَرَّى بغيرها عنها.
وكان فقيهًا عالمًا بما جاء عن رسول الله ﷺ من قوله: "كُلُّ كَذَّابٍ يُكْتَبُ كَذَّابا إِلَّا ثَلاَثَةً: الكَذِبُ في الصُّلْحِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، وَكَذِبُ الرَّجُلِ لاِمْرَأَتِهِ يَعِدُهَا بِالكَذِبِ، وَكَذِبُ الرَّجُلِ بِالحَرْبِ يَتَوَعَّدُ وَيَتَهَدَّدُ" (٢).
وأخباره كثيرة، وتقلبت به الأحوال، وآخر ما ولي خراسان من جهة
стр. 1123
الحجاج بن يوسف الثقفي، فإنه كان أميرَ العراقين، وضمَّ إليه عبد الملك خراسانَ، فاستعملَ عليها المهلبَ سنة تسع وسبعين للهجرة، واستمر بها إلى أن مات، وعهد إلى ولده يزيد، فأوصاه بقضايا وأسباب، من جملة ما قال له: يا بُنَي! استعقلِ الحاجب، واستظرفِ الكاتب، فإن حاجبَ الرجل وجهُه، وكاتبه لسانُه.
ثم توفي في ذي الحجة، سنة ثلاث وثمانين للهجرة بقرية يقال لها: زاغول (١)، ورثاه الشعراء، وخلَّف أولاداً نجباء كرماءَ أجواداً.
ويقال: إنه وقع على الأرض من صلبه ثلاث مئة ولد، وله عقب بخراسان يقال لهم: المهالبة، وفيهم يقول بعض شعراء الحماسة:
نَزَلْتُ عَلَى آلِ المُهَلَّبِ شَاتِياً ... بَعِيداً عَنِ الأَوْطَانِ فِي زَمَنِ المَحْلِ
فَمَا زِلْتُ فِي مَعْرُوفِهِمْ وَافْتِقَادِهِمْ ... وَبِرِّهِمُ حَتَّى حَسِبْتُهُمُ أَهْلِي
* * *
٤٢٥ - أبو الحسن مَهْيار بن مَرْزَوَيه (٢)، الكاتبُ الفارسيُّ الديلميُّ الشاعرُ المشهورُ: كان مجوسياً، وأسلم، ويقال: إن إسلامه على يد
стр. 1124
الشريف الرضي أبي الحسن محمد الموسوي، وهو شيخه.
وكان شاعراً جزلَ القول، مقدَّمًا على شعراء وقته، ومن شعره:
أَرِقْتُ فَهَلْ لِهَاجِعَةٍ بِسَلْعٍ ... عَلَى الأَرِقِينَ أَفْئِدَةٌ تَرِقُّ
نَشَدْتُكَ بالمَوَدَّةِ يَا بْنَ وُدِّي ... وَأَنَّكَ بِي مِنِ ابْنِ أَبِي أَحَقُّ
أَسِلْ بِالجِزْعِ دَمْعَكَ إِنَّ عَيْنِي ... إِذَا اسْتَبْرَرْتُها دَمْعًا تَعِقُّ
فَإِنْ شَقَّ البُكَاءَ عَلَى المُعَافَى ... فَلَمْ أَسْأَلْكَ إِلاَ مَا يَشُقُّ
توفي ليلة الأحد، لخمسٍ خلون من جمادى الآخرة، سنة ثمان وعشرين وأربع مئة، وفي تلك السنة توفي الرئيس علي بن سينا الحكيمُ المشهور، وقيل: إنه توفي سنة ست وعشرين، والأول أصح.
ومهيارُ، ومَرْزَوَيه: اسمان فارسيان، قال ابن خلكان: لا أعرف لهما معنى.
* * *
٤٢٦ - أبو الفتح، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن سيد الناس، الأندلسيُّ الإشبيليُّ، ثم المصريُّ الشافعيُّ: ولد
стр. 1125
بالقاهرة سنة إحدى وسبعين وست مئة، وكان إمامًا حافظًا، مصنفًا شاعرًا، ومصنفاته في عدة فنون، وشرع في شرح "جامع الترمذي"، فما أكمله؛ لأن الأجل أعجله وما أمهله، ودخل عليه واحد من الإخوان يوم السبت، حادي عشر شعبان، سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، فقام لدخوله، ثم سقط من قامته، فلقف ثلاث لقفات، ومات من ساعته ﵀.
* * *
٤٢٧ - محمد بن وفا الشاذليُّ، الشيخُ الصالح صاحبُ الأَتباع والمعتقدين: وهو جد بني وفاء المصريين، توفي في ربيع الآخر، سنة خمس وستين وسبع مئة.
* * *
٤٢٨ - بدر الدين أبو المعالي محمد الإمام البارع ابن الإمام العلامة تقي الدين أبي الفتح محمد ابن القاضي قطب الدين عبد اللطيف بن صدر الدين علي بن تمام، الأنصاريُّ السبكيُّ:
مولده بالقاهرة سنة خمس، أو أربع، أو لست وثلاثين وسبع مئة، وحصَّل عدة فنون، وكان له همة عالية في الطلب، حسنَ العبارة في التدريس، وولي قضاء العسكر، وناب لخاله تاج الدين، وكان شابًا حسنَ الشكل، والناس مجتمعون على محبته، توفي بالقدس الشريف في