← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ومدح جماعة من رؤساء العراق، وله ديوان شعر، وله قبول حسن، واقتنى أملاكًا وعقاراً، ثم عثر به الدهر عشرة، ضعُف منها انتقاشُه، وبقي في حبس الإمام المكتفي أكثر من عشر سنين إلى أن خرج في أول خلافة الإمام المستنجد، سنة خمس وخمسين وخمس مئة، وقد غطى بصره من ظلمة المطمور. وله شعر حسن، فمن ذلك: قوله في وصف القلم: وَمُثَقَّفٍ يُغْنِي وَيُفْنِي دَائِمًا ... فِي طوري المِيعَادِ والإيْعَادِ (١) وَهَبَتْ لَهُ الآجَامُ حِينَ نَشَابِهَا ... كَرَمَ السُّيُولِ وَهَيْبَةَ الآسَادِ وكان خروجه من بغداد سنة ست وخمسين وخمس مئة. وحكى: أن المستنجد رأى في منامه في حياة والده المقتفي كأن مَلَكًا من السماء كتب في كفه أربع خاءات، فلما استيقظ، طلب مُعَبِّرَ الرؤيا، فقال له: تلي الخلافة في سنة خمس وخمسين وخمس مئة، وكان الأمر كذلك. * * *

стр. 1122

٤٢٤ - أبو سعيد المهلَّبُ بن أبي صُفرة ظالم بن سراق بن صبح ابن كندي بن عمرو بن عدي، الأزديُّ البصريُّ: وفد أبو صفرة إلى عمر بن الخطاب ﵁ وهو شيخ أبيضُ الرأس واللحية، فأمره أن يخضِبَ، فخضب، وقد ولد له المهلَّب، وهو من أصاغر ولده قبل وفاة النبي ﷺ [بسنتين، وولد له قبل وفاة النبي ﷺ ] (١) بثلاثين سنة وأكثر. وكان المهلب من أشجع الناس، وحمى البصرةَ من الخوارج، وله معهم وقاخُ مشهورة بالأهواز، وكان سيداً جليلاً، وكان يعارض الخوارج بالكلمة، ويورِّي بها عن غيرها، ويُرهب بها الخوارج، فكانوا يسمونه: الكذَّاب، ويقولون: راح يكذب. وكان النبي ﷺ إذا أراد حرباً، وَرَّى بغيرها عنها. وكان فقيهًا عالمًا بما جاء عن رسول الله ﷺ من قوله: "كُلُّ كَذَّابٍ يُكْتَبُ كَذَّابا إِلَّا ثَلاَثَةً: الكَذِبُ في الصُّلْحِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، وَكَذِبُ الرَّجُلِ لاِمْرَأَتِهِ يَعِدُهَا بِالكَذِبِ، وَكَذِبُ الرَّجُلِ بِالحَرْبِ يَتَوَعَّدُ وَيَتَهَدَّدُ" (٢). وأخباره كثيرة، وتقلبت به الأحوال، وآخر ما ولي خراسان من جهة

стр. 1123

الحجاج بن يوسف الثقفي، فإنه كان أميرَ العراقين، وضمَّ إليه عبد الملك خراسانَ، فاستعملَ عليها المهلبَ سنة تسع وسبعين للهجرة، واستمر بها إلى أن مات، وعهد إلى ولده يزيد، فأوصاه بقضايا وأسباب، من جملة ما قال له: يا بُنَي! استعقلِ الحاجب، واستظرفِ الكاتب، فإن حاجبَ الرجل وجهُه، وكاتبه لسانُه. ثم توفي في ذي الحجة، سنة ثلاث وثمانين للهجرة بقرية يقال لها: زاغول (١)، ورثاه الشعراء، وخلَّف أولاداً نجباء كرماءَ أجواداً. ويقال: إنه وقع على الأرض من صلبه ثلاث مئة ولد، وله عقب بخراسان يقال لهم: المهالبة، وفيهم يقول بعض شعراء الحماسة: نَزَلْتُ عَلَى آلِ المُهَلَّبِ شَاتِياً ... بَعِيداً عَنِ الأَوْطَانِ فِي زَمَنِ المَحْلِ فَمَا زِلْتُ فِي مَعْرُوفِهِمْ وَافْتِقَادِهِمْ ... وَبِرِّهِمُ حَتَّى حَسِبْتُهُمُ أَهْلِي * * * ٤٢٥ - أبو الحسن مَهْيار بن مَرْزَوَيه (٢)، الكاتبُ الفارسيُّ الديلميُّ الشاعرُ المشهورُ: كان مجوسياً، وأسلم، ويقال: إن إسلامه على يد

стр. 1124

الشريف الرضي أبي الحسن محمد الموسوي، وهو شيخه. وكان شاعراً جزلَ القول، مقدَّمًا على شعراء وقته، ومن شعره: أَرِقْتُ فَهَلْ لِهَاجِعَةٍ بِسَلْعٍ ... عَلَى الأَرِقِينَ أَفْئِدَةٌ تَرِقُّ نَشَدْتُكَ بالمَوَدَّةِ يَا بْنَ وُدِّي ... وَأَنَّكَ بِي مِنِ ابْنِ أَبِي أَحَقُّ أَسِلْ بِالجِزْعِ دَمْعَكَ إِنَّ عَيْنِي ... إِذَا اسْتَبْرَرْتُها دَمْعًا تَعِقُّ فَإِنْ شَقَّ البُكَاءَ عَلَى المُعَافَى ... فَلَمْ أَسْأَلْكَ إِلاَ مَا يَشُقُّ توفي ليلة الأحد، لخمسٍ خلون من جمادى الآخرة، سنة ثمان وعشرين وأربع مئة، وفي تلك السنة توفي الرئيس علي بن سينا الحكيمُ المشهور، وقيل: إنه توفي سنة ست وعشرين، والأول أصح. ومهيارُ، ومَرْزَوَيه: اسمان فارسيان، قال ابن خلكان: لا أعرف لهما معنى. * * * ٤٢٦ - أبو الفتح، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن سيد الناس، الأندلسيُّ الإشبيليُّ، ثم المصريُّ الشافعيُّ: ولد

стр. 1125

بالقاهرة سنة إحدى وسبعين وست مئة، وكان إمامًا حافظًا، مصنفًا شاعرًا، ومصنفاته في عدة فنون، وشرع في شرح "جامع الترمذي"، فما أكمله؛ لأن الأجل أعجله وما أمهله، ودخل عليه واحد من الإخوان يوم السبت، حادي عشر شعبان، سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، فقام لدخوله، ثم سقط من قامته، فلقف ثلاث لقفات، ومات من ساعته ﵀. * * * ٤٢٧ - محمد بن وفا الشاذليُّ، الشيخُ الصالح صاحبُ الأَتباع والمعتقدين: وهو جد بني وفاء المصريين، توفي في ربيع الآخر، سنة خمس وستين وسبع مئة. * * * ٤٢٨ - بدر الدين أبو المعالي محمد الإمام البارع ابن الإمام العلامة تقي الدين أبي الفتح محمد ابن القاضي قطب الدين عبد اللطيف بن صدر الدين علي بن تمام، الأنصاريُّ السبكيُّ: مولده بالقاهرة سنة خمس، أو أربع، أو لست وثلاثين وسبع مئة، وحصَّل عدة فنون، وكان له همة عالية في الطلب، حسنَ العبارة في التدريس، وولي قضاء العسكر، وناب لخاله تاج الدين، وكان شابًا حسنَ الشكل، والناس مجتمعون على محبته، توفي بالقدس الشريف في

стр. 1126

شوال، سنة إحدى وسبعين وسبع مئة (١)، ودفن بباب الرحمة. * * * ٤٢٩ - الأمير سيف الدين منجك، الناصريُّ اليوسفيُّ: أصله من مماليك الملك الناصر، وتقلبت به الأحوال، وولي حاجبَ الحجَّاب بدمشق، ثم صار مقدَّمًا بمصر، ووزيراً، ثم قُبض عليه في شوال سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وسُجن بالإسكندرية، ثم أطلق، ثم ولي نيابة صفد، ثم طرابلس، ثم حلب، ثم دمشق، ثم أعيد إلى نيابة صفد، ثم طلب إلى مصر، فهرب، واختفى نحو سنة، ثم ظهر بدمشق، فحُمل إلى مصر، وأطلق إلى القدس، فعمَّر هناك مدرسته المعروفة بالقرب من باب الناظر على المسجد الأقصى، ثم ولي دمشق، ثم طُلب إلى مصر في شوال، سنة خمس وسبعين وسبع مئة، وله المآثر والصدقات، وله الأوقاف، وعَمَّر المدارس والخوانق والخانات، ويقال: إنه ظفر بشَعَر من شعر النبي ﷺ ، كان لا يفارقه، توفي بالقاهرة في ذي الحجة، سنة ست وسبعين وبسبع مئة عن بضع وستين سنة، ودفن بتربته عند خانقاناته وجامعه بالقرب من قلعة الجبل. * * * ٤٣٠ - قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء محمد بن عبد البر بن

стр. 1127

يحيى بن علي بن تمام، السبكيُّ الأنصاريُّ المصريُّ الدمشقيُّ الشافعيُّ: ولد في شهر ربيع الأول، سنة سبع وسبع مئة، وتفقه، وروى الحديث عن جماعة بمصر والشام، ودرَّس بمصر، ثم انتقل إلى دمشق، وناب في الحكم، ثم ولي قضاء الشام مدة، ثم سكن القاهرة، وولي قضاء العسكر، وناب في الحكم بمصر، ثم استقل بالقضاء نحو سبع سنين، ثم درَّس بقبَّة الشافعي ﵁، ثم ولي في آخر عمره قضاء الشام، وباشره، وتوفي في ربيع الآخر، سنة سبع وسبعين وسبع مئة، وله سبعون سنة كاملة، ودفن بسفح قاسيون بتربة القاضي تاج الدين - رحمه الله تعالى -. * * * ٤٣١ - أبو عبد الله محمد شمس الدين الشيخ العلامة بن يوسف ابن علي، الكرمانيُّ، ثم البغداديُّ الشافعيُّ: ولد في جمادى الآخرة، سنة سبع عشرة وسبع مئة، أخذ عن والده وجماعةٍ بكرمان، ثم طاف البلدان، واستوطن بغداد، وشرح "البخاري" شرحاً جيداً في أربع مجلدات، وكان مشاراً إليه بالعراق، لا يتردد إلى أبناء الدنيا، قانعاً باليسير، شريف النفس، توفي آيبًا من الحج في المحرم، سنة ست وثمانين وسبع مئة، ونقل إلى بغداد، ودفن بمقبرة أبرز بوصية منه في موضع أعده لنفسه، ثم بنى عليه ابنه قبة. وأما ولده تقي الدين يحيى، فمولده سنة اثنتين وستين وسبع مئة، وله مصنفات جيدة، وحصل له بعد الدولة المؤيدية خمول، ومات في

стр. 1128

جمادى الآخرة، سنة ثلاث وثلاثين وثمان مئة. * * * ٤٣٢ - قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن القاضي خير الدين خليل الحنفي، المتقدم ذكر والده في حرف الخاء. مولده في سنة خمس وثمانين وسبع مئة، باشر نيابة الحكم بالقدس الشريف، ثم ولي القضاء استقلالاً وطالت مُدَّتُه، وباشر بشهامة، وكان له إقدام وسطوة، وعُزِلَ عن القضاء في سنة إحدى وخمسين وثمان مئة، واستمر إلى أن توفي مسمومًا في أحد الجمادين سنة خمس وخمسين وثمان مئة، ودفن عند والده بماملا - رحمه الله تعالى -. ٤٣٣ - أكمل الدين محمد الشيخ العالم بن محمد بن محمود، الروميُّ المصريُّ الحنفيُّ، شيخ الخانقاه الشيخونية، ومدرِّس الحنفية بها: كان له وجاهة عند الأمير شيخون، وولاَّه مشيخة خانقاته، ولما أراد أن يجلس في المشيخة، قام الأمير بنفسه، وبسط له السجادة، وازدادت حرمته باتصاله بالملك وأكابر الأمراء، ونفذت كلمته، حتى إن الملك الظاهر كان يقف على باب الخانقاه حتى يخرج إليه ويحدثه. وله مؤلفات مفيدة في فنون عديدة، ودفن بتربة الأمير شيخون إلى جانبه، وحضر جنازته السلطان فمَنْ دونَه في سنة ست وثمانين وسبع مئة. * * *

стр. 1129

٤٣٤ - أبو عبد الله محمد شمس الدين بن الخطيب: الإمام العلامة، فقيهُ القدس ومفتيه على مذهب الشافعي، وعليه انتفع فقهاء بيت المقدس، وأخذ عنه الشيخ سعد الدين الديريُّ الأصولَ، وأخذ عنه غيره من العلماء علومًا كثيرة. توفي بالمدينة النبوية، ودفن بالبقيع في سنة ست وثمانين وسبع مئة. * * * ٤٣٥ - القاضي بدر الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن شجرة، التدمريُّ الأصل، الشيخُ الفقيهُ الدمشقيُّ الشافعيُّ: ولي القضاء بمعاملات الشام، وآخر ما ولي قضاء القدس في أيام البلقيني، وشكاه أهل القدس، فعُزِل، وقدم دمشق، وكان يفهم جيداً، وله قدرة على استخراج المسائل والحوادث من أصولها، توفي في ربيع الأول، سنة سبع وثمانين وسبع مئة، وهو في عشر السبعين. * * * ٤٣٦ - الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان، الذهبيُّ: الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام، صاحب التصانيف المشهورة المفيدة. ولد في ربيع الآخر، سنة ثلاث وسبعين وست مئة، وتوفي في

стр. 1130

ثالث ذي القعدة، سنة ثمان وأربعين وسبع مئة ﵀. * * * ٤٣٧ - أبو عبد الله محمد الشيخ الصالح الزاهد بن أحمد بن عثمان ابن عمر التركستانيُّ الأصل، المعروف بالقرمي: كان أحد أفراد زمانه عبادةً وزهدًا وورعًا، متصديًا لزيارة الأولياء القادمين من البلاد على القدس، وتأتي الملوك إلى أبوابه، ولم يكن في زمانه أشهر بالصلاح منه. وله خَلَوات ومجاهدات، وكان يقرأ القرآن كثيرًا، يقرأ في اليوم والليلة ثلاث ختمات، ولما احتضر، حضر عنده الشيخ عبد الله البسطامي، فقال له: إن الناس قد أكثروا فيك القول، فما تقرأ من الختم في اليوم؟ فأخبرني قال: أنا لا أضبط ذلك، ولكن ثَمَّ من ضبط أني قرأت من الصبح إلى العصر خمس ختمات. وكان نشأ بدمشق، ثم أقام ببيت المقدس، وبنى له زاوية، وكان يقيم في الخلوة أربعين يومًا لا يخرج إلا للجمعة، وسمع "الصحيح" من الحجار بالجامع الأموي تحت [قبة] النسر، سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، ومن غيره - أيضًا -، وكان يُسأل في الحديث، فيمتنع، ثم حدَّث في آخر عمره، سمع منه الشيخ شهاب الدين بن أرسلان، وغيرُه. ومولده في سابع عشر ذي الحجة، سنة عشرين وسبع مئة، وتوفي بالقدس في نهار الأحد، التاسع من صفر، سنة ثمان وثمانين وسبع مئة، وحمل جنازته العلماء والمشايخ والصلحاء، ولم يتأخر بمدينة القدس

стр. 1131

أحد عن دفنه. ودُفن بزاويته بخط مرزبان بالقرب من حمام علاء الدين البصير ﵀، ونفعنا به -. * * * ٤٣٨ - أبو عبد الله محمد بن يوسف القونوي الحنفي: الشيخ العالم الزاهد، شيخ الحنفية في وقته. ولد سنة خمس، أو ست عشرة وسبع مئة، وقدم دمشق بعد الأربعين، وكان أحد العلماء الأعلام والأعيان، أفتى، وكان إمامًا في علوم كثيرة، وكان له اختيارات يخالف فيها مذهبه لأجل الحديث، وكان لا يقبل لأحد شيئًا، ولا يلي وظيفة، وكان له حرمة عند السلطان فمَنْ دونه، ويعظمونه وهو لا يلتفت إليهم، ولا يسمى أحداً إلا باسمه، ويكتب لهم الأوراق، ويخاطبهم بأسوأ خطاب، فيكتب إلى النائب تارة: إلى فلان المكاس، أو الظالم، ويكتب إلى السلطان، فيسميه باسمه. وكان كثير من الناس لا يجتمعون به، لِلَجَاجة كلامه، وكان لا يخرج من بيته، توفي مطعونًا في جمادى الآخرة، في سنة ثمان وثمانين وسبع مئة، ودفن بمقبرة المزة بظاهر دمشق، وصنف كتاب "درر البحار" في مذهب أبي حنيفة. * * * ٤٣٩ - برد الدين أبو اليمن محمد ابن الشيخ العلامة سراج الدين

стр. 1132

أبي حفص عمر ابن الشيخ بهاء الدين رسلان بن نصر بن صالح، البلقينيُّ المصريُّ الشافعيُّ، سبطُ الشيخ بهاء الدين بن عقيل: درَّس وأفتى، وولي قضاء العسكر وغيره من المناصب، وكان كَلِفاً بالجود لا متكلفًا، مطبوعاً على مكارم الأخلاق لا متطبعًا، وله النظم البديع الرائق. توفي بالاستسقاء في شعبان، سنة إحدى وتسعين وسبع مئة، ودفن بمدرسة والده التي أنشأها بحارة بهادر عن نيف وثلاثين سنة. * * * ٤٤٠ - أبو عبد الله محمد بدر الدين بن مزهر: اشتغل بالعلم، وربي على طريقة حسنة، وولي كتابة السر بدمشق مرتين عشرَ سنين، ونحوَ ثمانية أشهر، وباشر بعفة ونزاهة، وكان شكلًا حسناً. توفي بالقدس الشريف في ذي القعدة، سنة ثلاث وتسعين وسبع مئة. * * * ٤٤١ - أمين الدين محمد بن الحسن الأنفي، الشيخ المحدث أمين الدين، الدمشقيُّ المالكيُّ: قرأ الفقه والحديث، وكان حسن الشكل، حلو العبارة. ولد في شوال سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، وتوفي بدمشق في سنة ثلاث وتسعين وسبع مئة. * * *

стр. 1133

٤٤٢ - أبو عبد الله محمد بدر الدين بن بهادر بن عبد الله، المصريُّ الشافعيُّ، المعروف بالزركشي: أخذ عن الشيخين: الأسنوي، والبلقيني، وانقطع إلى التصنيف، وأتم شرح "المنهاج" للأسنوي، ثم أكمل الشرح لنفسه، لكن الربع الأول منه مسودة، وله مصنفات أخرى. ولد سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وتوفي في رجب سنة أربع وتسعين وسبع مئة، ودفن بالقرافة الصغرى. * * * ٤٤٣ - نجم الدين محمد بن عبد الرحيم إبراهيم بن جماعة، المقدسيُّ الخطيبُ الشافعيُّ: اشتغل بالعلم، وكان من أحسن الناس شكلاً، ولي تدريس الصلاحية، ومات بعد أيام فجأة بمصر في ذي القعدة، سنة خمس وتسعين وسبع مئة، ومولده في حدود سنة خمس وعشرين. وكان شيخًا طويلاً، صالحًا ناسكًا، كثير العبادة، أخبر عنه بعض خدام الأقصى: أنه كان يخرج في الليل من دار الخطابة هو وزوجته، فيصليان بجامع النساء طول الليل، فإذا قرب الشغل، دخلا، وهو الذي قلع عين قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة وهما صغيران يلعبان من شق الباب. * * * ٤٤٤ - أبو المعالي، محمد صدر الدين بن شرف الدين إبراهيم

стр. 1134

ابن بهاء الدين إسحاق بن إبراهيم، المناويُّ المصريُّ: ولد في رمضان، سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، واشتغل بالعلم، وسمع الحديث، ودرَّس وأفتى، وناب في القضاء، ثم ولي القضاء في دولة مِنْطاش في شوال، سنة إحدى وتسعين وسبع مئة، ثم لما أراد منطاش الخروج إلى الشام، امتنع من الخروج، فعزل بعدَ مباشرة سبعة وأربعين يومًا، ثم ولي بعد ذلك قضاء مصر ثلاث مرات، وباشر نحو خمس سنين. وكان رئيساً عنده كرم وقوة نفس، وكان كثير التودد إلى الناس، مُهابًا شهماً، معظَّمًا عند الخاص والعام. وكان يهاب الملكَ الظاهر، فلما مات، أمنَ على نفسه، وتحقق أنهم لا يقدرون على عزله؛ لِمَا تقرَّر له في القلوب من المهابة، فسافر مع العسكر لقتال اللَّنك، فلما هرب السلطان، قبض عليه، وجيء بهم إلى تمرلنك، فأسره، وأهانه جدًا، وسافر به وهو في قيد، فغرق في نهر الفرات في شوال، سنة ثلاث وثمان مئة. * * * ٤٤٥ - أبو عبد الله محمد ناصر الدين بن السفَّاح، الحلبيُّ: انتقل من حلب إلى القاهرة، وغاية أمره: أنه صار موقع الدوادار يشبك، وإليه الأمر، وعليه الاعتماد، توفي في ذي الحجة، سنة ست وثمان مئة. * * * ٤٤٦ - أبو الفضل كمال الدين محمد، الشيخُ الإمام العالم ابن

стр. 1135

موسى الدَّمِيريُّ المصريُّ: أخذ العلم عن الأسنوي وغيره، واجتهد، وحصَّل، ودرَّس، وصنَّف مصنفات حسنة، منها شرح "المنهاج" للنووي، وكتاب "حياة الحيوان"، وهو كتاب مفيد. وكان كثير العبادة، دائمًا للصوم، عديم النظر في وقته على طريقة السلف. ولد سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، وتوفي في جمادى الأولى، سنة ثمان وثمان مئة. * * * ٤٤٧ - أبو عبد الله محمد الشيخ الصالح القدوة، العيزريُّ، الغَزيُّ: ومن نظمه: عَدُوُّكَ إِمَّا مُعْلِنٌ أَوْ مُكَاتِمٌ ... وَكُلٌّ بِأَنْ تَخْشَاهُ أَوْ تَتَّقِي قَمِنْ وَزِدْ حَذَراً مِمَّنْ تَجِدْهُ مُكَاتِمًا ... فَلَيْسَ الَّذِي يَرْمِيكَ جَهْرًا كَمَنْ كَمَنْ توفي سنة ثمان وثمان مئة. * * * ٤٤٨ - أبو عبد الله محمد بن تقي الدين إسماعيل القرقشنديُّ: الشيخ الإمام، شيخ القدس، وعالم تلك الناحية، أخذ عن والده، وصار

стр. 1136

مقصد الحاضر والبادي للفتوى والأشغال، وأخذ عنه خلق كثير، ومن نظمه: لَمْ أَرَ مِثْلِي مُذْنِباً عَاصِياً ... عَلَى مَعَاصِي رَبِّهِ أَجْرَا من الجرأة. نَفْسِي حَرُونٌ فَإِذَا شَهْوَةٌ ... لاَحَتْ فَمَا رِيحُ الصَّبَا أَجْرَا من الجري. إِنِّي عَلَى هَذَا وَأَمْثَالِهِ ... أَنَالُ مِنْ رَبِّ العُلاَ أَجْرَا من الأجر. توفي في رجب، سنة تسع وثمان مئة، ودفن بمقبرة ماملا ظاهر القدس، عند والده وأخيه في الحوش المقابل لزاوية القلندري وتربة بهادر، وقد بلغ ثلاثاً وستين سنة. * * * ٤٤٩ - القاضي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد المغراويُّ المالكىُّ: كان رجلاً مباركاً يحفظ القرآن، ولي القضاء بالرملة مدة طويلة،

стр. 1137

ثم ولي قضاء القدس في سنة أربع وخمسين وثمان مئة، وعزل مرات، وتوفي وهو باق على القضاء في نصف شعبان، سنة ثلاث وسبعين وثمان مئة، ودفن بماملا ﵀. * * * ٤٥٠ - أبو عبد الله محمد أوحد الأدباء جلال الدين ابن خطيب داريا شهاب الدين أحمد بن سليمان، الأنصاريُّ الدمشقيُّ، البيسانيُّ الأصل والوفاة: ولد سنة خمس وأربعين وسبع مئة، واشتهر بالأدب ونظم الشعر الرائق، وله اشتغال في العلم، وفهمٌ جيد، وكان حسن الشكل، رَبعة، وله نوادر وأشياء حسنة، فمن نظمه: شَهِدَتْ جُفُونُ مُعَذِّبِي بِمَلاَلِهِ لِهِ ... مِنِّي وَأَنَّ وِدَادَهُ تَكْلِيفُ لَكِنَّنِي لَمْ أَنْأَ عَنْهُ لأِنَّهُ ... خَبَرٌ رَوَاهُ الجَفْنُ وَهْوَ ضَعِيفُ وله - أيضاً -: لَكَ اللهُ إِنِّي فِي بِلاَدِكَ مُفْرَدٌ ... غَرِيبٌ كَمَا فِي الحُسْنِ أَنْتَ غَرِيبُ كِلاَنَا غَرِيبٌ يَا حَبِيْبِي فَرِقَّ لِي ... فَكُلُّ غَرِيبٍ لِلغَرِيبِ نَسِيبُ

стр. 1138

وأقام في آخر عمره مدة بالقاهرة، ثم انتقل إلى بِيْسان، وأقام بها، وكان له بها مواضع موقوفة عليه وعلى أقاربه، وله مدح في خلق من الأعيان، توفي في بيسان، في ربيع الأول، أو صفر، سنة عشر وثمان مئة. * * * ٤٥١ - أبو عبد الله محمد شمس الدِّين الصَّفَدي: مفتي الشافعية ومدرِّسهم، ومعيدُ المدرسة الصلاحية بالقدس، كان فَرَضياً، ويعرف النحوَ والحساب، وإنما أَخَّره تعاطيه الشهادة، توفي سنة اثنتي عشرة وثمان مئة. * * * ٤٥٢ - الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الصالح القدوة خليفة بن مسعود، المالكيُّ: - المتقدمُ ذكرُ والده في حرف الخاء -. ولد في ليلة ثاني عشر رمضان، سنة إحدى وثمان مئة، وحفظ القرآن وأتقنه لأبي عمرو، وحفظ "الرسالة" في فقه الإمام مالك، ولقي جماعة من مشايخ الصوفية، وأخذ الحديث عن جماعة، واستقر في إمامة المالكية بالمسجد الأقصى الشريف ومشيخة المغاربة بعد وفاة والده، وكان شيخاً أسمر، ذا همة ومروءة، وعُمِّر، ثم خرجت عنه مشيخة المغاربة في آخر عمره، وترك النساء، وتعزَّب من سنة اثنتين

стр. 1139

وسبعين وثمان مئة، وتوفي ليلة الخامس عشر من شهر جمادى الآخرة، سنة تسع وثمانين وثمان مئة، ودفن بماملا - رحمه الله تعالى -. * * * ٤٥٣ - أبو الوليد محب الدين بن محمد بن محمد بن محمد، الحلبيُّ المعروفُ بابن الشحنة، الحنفيُّ: طلب العلم وفضل، ثم ولي قضاء الحنفية بحلب، وصار ينازع ابنَ العديم في ذلك، وجرت له أمور من الدخول في أمور الدولة، وأراد السلطان الظاهر قتلَه، فنجَّاه الله، ثم في دولة الناصر صُودِرَ وأُخِذَت أمواله إلى أن افتقر، وذلك بسبب حُكْمٍ حَكَم به، ولي قضاءَ الشام في أيام الأمير شيخ، ثم قبض عليه السلطان، وعفا عنه، وأحسن إليه، واستصحبه معه إلى مصر، وحضر معه إلى دمشق، فلما قُتل السلطان، أعطي قضاء حلب، وتوجَّه صحبة الأمير نوروز، فمات هناك في ربيع الأول، سنة خمس عشرة وثمان مئة في عُشر السبعين ظناً، وكان فاضلاً في العلوم المتعلقة بالكشاف والأدب، وغير ذلك، وينظم حسناً. * * * ٤٥٤ - أبو عبد الله بن محمد بن محمد، الجزريُّ الدمشقيُّ الأصل الشافعيُّ: ولد سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، واعتنى بالقراءات فأتقنها، ومَهر فيها، وقدم القاهرة، وسمع من المسند ابن بهاء، وبنى بدمشق داراً للقرآن، وعُيّن لقضاء الشافعية، فلم يتم ذلك، ثم تحول إلى بلاد الروم

стр. 1140

في سنة سبع وتسعين وسبع مئة، فاستمر بها إلى أن طرق تمرلنك بلاد الروم في سنة أربع وثمان مئة، ثم تحول إلى بلاد فارس، ثم ولي قضاء شيراز، ثم قدم القاهرة في سنة سبع وعشرين، وحج منها، ورجع إلى القاهرة في أول سنة تسع وعشرين، ثم سافر رسولاً من سلطان مصر إلى سلطان شيراز في ربيع الآخر من السنة المذكورة، وجاء الخبر بموته في سنة ثلاث وثلاثين وثمان مئة. * * * ٤٥٥ - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد، الدمشقيّ الأصل، المصريّ، الشهير بابن البشتكي: الأديب الفاضل، الناثر الناظم، ولد سنة ثمان وأربعين وسبع مئة بجوار جامع بشتك، فنسب إليه، وحفظ كتاباً في مذهب أبي حنيفة، ثم تحول إلى مذهب الشافعي، وشارك في فنون كثيرة، وإليه المنتهى في التجلد على النَّسْخ، وكانت وفاته في ثالث عشر جمادى الآخرة، سنة ثلاثين (١) وثمان مئة في حَمَّام الصاغة فجأة. * عجيبة: وفي هذه السنة سقط بَرَدٌ كأمثال الحية والفأرة والضفدع، وقَتل خلقاً كثيراً من الوحش وغيره، وكان ذلك ليلاً ببلاد ابن بشارة.

стр. 1141

* وفيها: عزل القاضي ولي الدين العراقي من قضاء الديار المصرية، وتولى القاضي علم الدين صالح البلقيني، ولم يستحسن الناس ذلك من السلطان، وتألم الناس، وتألم القاضي ولي الدين كثيراً، وكان ذلك في ذي الحجة من السنة. وفي سابع عشر منه جاء إلى مكة المشرفة سيلٌ عظيم، ودخل المسجد، وارتفع إلى أن وصل عتبة باب الكعبة السفلى، ومات تحت الهدم الذي هدمه السيل بمكة جماعةٌ، منهم: زوجة القاضي الشافعي بنت الشيخ عفيف الدين اليافعي، وابنٌ لها - رحمهما الله تعالى -. * * * ٤٥٦ - الشيخ ماهر بن عبد الله بن نجم، الأنصارىُّ الشافعىُّ: العالم الصالح، شيخ القدس في وقته، لقي جماعة من العلماء، وأخذ عنهم، وأصله من بلاد مصر، ثم قدم بيت المقدس، واستوطنها، واشتغل عليه جماعة من الأعيان، وانتفعوا به، منهم: شيخ الإسلام كمال الدين بن أبي الشريف، وغيره، وكان ورعاً زاهداً متواضعاً، توفي بالقدس الشريف في سلخ ربيع الأول، سنة سبع (١) وستين وثمان مئة، ودفن بباب الرحمة، وقد أكمل تسعين ﵀.

стр. 1142

٤٥٧ - قاضي القضاة شمس الدين العمري العُلَيْمِيُّ الحنبليُّ (١): هو أبو عبد الله محمد ابن الشيخ زين الدين أبي هريرة عبد الرحمن ابن الشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن جمال الدين يوسف بن شرف الدين عيسى ابن الشيخ تقي الدين عبد الواحد ابن الشيخ عبد الرحيم بن شمس الدين محمد ابن الشيخ عبد المجير ابن الشيخ تقي الدين عبد السلام ابن إبراهيم بن أبي الفياض ابن الشيخ الرباني القدوة العارف أبي الحسن علي المدفون بشاطئ البحر المالح بساحل أرسوف - قدس الله روحه، ونوَّر ضريحه - ابن الشيخ عليل، وهو المشهور بين الناس: علي بن عُلَيْم، وأما نسبه الصحيح الثابت: عليل - باللام -، وهذا الشيخ علي بن عليل صاحب المناقب المشهورة، والكرامات الظاهرة، ووفاته في يوم السبت، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة أربع وسبعين وأربع مئة، وهو ابن محمد بن يوسف بن يعقوب بن عبد الرحمن بن السيد الجليل الزاهد، العابد الصّوام القوّام، الصحابي عبد الله ﵁ ابن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب العدويّ القرشي ﵁، وعن سائر أصحاب رسول الله أجمعين -. ولد القاضي شمس الدين المشار إليه في سنة سبع (٢) وثمان مئة

стр. 1143

بالرملة، ونشأ بها، واشتغل بالعلم، وكلُّ أهل بيته شافعية، لم يكن فيهم مَنْ هو على مذهب الإمام أحمد ﵁ سواه. وكان يتحمل الشهادة، ثم اجتهد في تحصيل العلم، وسافر إلى الشام ومصر وبيت المقدس، وأخذ عن علماء المذهب، وبرع في الفقه، وأخذ الحديث عن جماعة من الأعيان، وقرأ "البخاري"، و"الشفا" مراراً، وكتب بخطه الكثير من نسخ "البخاري" كتابة جيدة مضبوطة قائمة الإعراب. وكان إماماً في النحو والفرائض، وقراءة القرآن برواية عاصم، وأتقنها، وأُجيز بها من مشايخ القراءة، وباشر القضاء بالرملة على قاعدة مذهبه نيابة عن القضاة الشافعية، ثم وليها استقلالاً في سنة ثمان وثلاثين وثمان مئة، لم يُعلَم أن حنبلياً قبلَه وَلِيها في هذه الأزمنة. ثم ولي قضاء القدس الشريف في أواخر دولة الملك الأشرف برسبان، في شهر رمضان، سنة إحدى وأربعين وثمان مئة، ثم بعد وفاة الأشرف عُزل عن قضاء القدس الشريف، وأعيد إلى قضاء الرملة. ثم في دولة الملك الظاهر جقمق أُعيد إلى قضاء القدس الشريف في سنة ثلاث وخمسين وثمان مئة، وأقام عشرين سنة متوالية قاضيها، وأضيف إليه قضاء الرملة، ثم أضيف إليه قضاء بلد سيدنا الخليل ﵇. وهو أول من وليه من الحنابلة، وباشر نيابة الحكم بدمشق، وولي قضاء صفد في دولة الملك الأشرف أينال في سنة ثلاث وستين وثمان

стр. 1144

مئة، فامتنع من مباشرتها، واختار الإقامة ببيت المقدس وانتهت إليه رئاسة الحنابلة بالأرض المقدسة، وصار المعوَّلَ عليه في الفتوى. وكان حسن الشكل، متواضعاً، سخياً، مُكرِماً لمن يرد عليه، لا يحب الفخر ولا الخيلاء، ويدخل إلى المسجد الأقصى في أوقات الصلاة بمفرده، مع ما هو عليه من الهيبة والوقار. وكان خطيباً بليغاً، وباشر القضاء بالقدس الشريف وغيرها، وأفتى نحو أربعين سنة، ومات وهو باق على أُبَّهته ووقاره، لم تحصل له محنة ولا إهانة. وأما معرفته بطريق الأحكام، ومصطلح القضاء والشهادة، فإليه النهاية، وخطُّه في غاية الوضوح. ولما كان في آخر عمره، عُزل عن القضاء في شهر جمادى الأولى، سنة ثلاث وسبعين، ثم ورد عليه توقيع السلطان الملك الأشرف قايتباي بقضاء الرملة، فتوجه إليها من القدس في نهار الأحد، خامس شهر رمضان من السنة المذكورة، وأقام بها تسعة وخمسين يوماً. وتوفي بالطاعون في الريا بعد أذان الظهر من يوم الثلاثاء، رابع شهر ذي القعدة، سنة ثلاث وسبعين وثمان مئة بالدار الكائنة بداخل مسجد شيخه الشيخ شهاب الدين بن أرسلان بحارة الباشقردي، وصُلِّي عليه بعد العصر من يومه بجامع السوق، ودفن على باب الجامع الأبيض ظاهر مدينة الرملة من جهة الغرب، بجوار حوش ملاصق لحائط الجامع، به قبور جماعة من الصالحين.

стр. 1145

ويقال: إن بالحوش قبرَ الإمام الحافظ النسائي صاحب "السنن"، وكان يوماً مشهوداً بجنازته. ورؤيت له المنامات الصالحة، وصُلِّي عليه صلاة الغائب بالمسجد الأقصى الشريف ﵀، وعفا عنه -. * * * ٤٥٨ - قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد ابن قاضي القضاة شرف الدين أبي حاتم عبد القادر ابن شيخ الإسلام شمس الدين أبي عبد الله محمد، الجعفريُّ النابلسيُّ الحنبليُّ: كان جده من أعيان مشايخ الحنابلة، ووالده كان من أهل العلم، وولي قضاء الشام نحو سنة ونصف، وتوفي مسموماً. ومولد القاضي بدر الدين في سنة اثنتين وتسعين وسبع مئة، اشتغل بالعلم، وله سند في الحديث، باشر القضاء بنابلس نيابة، ثم استقل به في سنة ست وأربعين وثمان مئة، وباشر القضاء بالقدس الشريف مرتين عوضاً عن القاضي شمس الدين العليمي المذكور قبله، وكل مرة يقيم مدة يسيرة، ثم يعاد إلى قضاء نابلس، ويعاد القاضي شمس الدين إلى قضاء القدس، وولي - أيضاً - قضاء الرملة، وباشر نيابة الحكم بالديار المصرية. وكان حسن السيرة، عفيفاً في مباشرة القضاء، وكان مهاباً عند الناس، وعُمِّر، ورُزق الأولاد، وأَلحق الأحفادَ بالأجداد، ومُتِّع بدنياه،

стр. 1146

ثم عُزل عن القضاء في آخر عمره، واستمر إلى أن توفي بنابلس، في شهر رمضان، سنة إحدى وثمانين وثمان مئة - رحمه الله تعالى، وعفا عنه -. * * * ٤٥٩ - قاضي قضاة الحنابلة شيخ الإسلام شمس الدين أبو بكر، وأبو عبد الله محمد ابن الشيخ عماد الدين إبراهيم بن عبد الواحد بن علي ابن سرور، المقدسي، الحنبليُّ: ولد في رابع عشر صفر، سنة ثلاث وست مئة بدمشق، ثم انتقل إلى مصر بعد الأربعين وست مئة، وسكنها، وولي مشيخة خانقاه سعيد السعداء، وتدريسَ المدرسة الصالحية، ثم ولي قضاء القضاة بالديار المصرية مدة، ثم عزل منه، وذلك في دولة الملك الظاهر بيبرس، وهو أول من ولي التدريس بالصالحية للحنابلة، وأول من ولي قضاء القضاة منهم بالديار المصرية. توفي يوم السبت، ثاني عشر المحرم، سنة ست وسبعين وست مئة بالقاهرة، ودفن من الغد بالقرافة - رحمه الله تعالى -. * * * [فصل في قضاة الحنابلة] ٤٦٠ - وأولُ من ولي قضاء الحنابلة بالشام: قاضي القضاة شيخ الإسلام شمس الدين أبو محمد، وأبو الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عُمَر محمد بن أحمد بن قُدَامَةَ، المقدسيُّ الصالحيُّ: الفقيه الإمام،

стр. 1147

الزاهد الخطيب، مولده في المحرم، سنة سبع وتسعين وخمس مئة بسفح قاسيون، وكان الشيخ محيي الدين النووي ﵁ يقول: هو أجلُّ شيوخي، ولي القضاء بالشام في دولة الملك الظاهر بيبرس في سنة أربع وستين وست مئة على كُرْه منه، وباشر مدة تزيد على اثنتي عشرة سنة، ثم عزل نفسه. وتوفي ليلة الثلاثاء، سلخ ربيع الآخر، سنة اثنتين وثمانين وست مئة، ودفن من الغد عند والده بسفح قاسيون، وكانت جنازته مشهورة. ٤٦١ - وأولُ من ولي قضاء الحنابلة بحلب: قاضي القضاة شرف الدين أبو البركات موسى ابن الشيخ جمال الدين أبي الجود فياض بن عبد العزيز بن فياض، الفنداقيُّ النابلسيُّ: الشيخ الإمام الحبر، ولي القضاء بها في سنة ثمان وأربعين وسبع مئة في دولة الملك المظفر حاجي ابن الناصر محمد بن قلاوون، أو في دولة أخيه الناصر حسن؛ فإن كلًّا منهما كان سلطاناً في هذه السنة، ثم أعرض عن وظيفة القضاء، وأقبل على العبادة إلى أن توفي في ذي القعدة، سنة ثمان وسبعين وسبع مئة بحلب. ٤٦٢ - وأولُ من ولي قضاء الحنابلة بمكة المشرفة، والمدينة الشريفة - على الحالِّ بها أفضلُ الصلاة والسلام -: قاضي القضاة السيد الشريف، الحسيب النسيب، سراجُ الدين أبو المكارم عبد اللطيف بن محمد بن أبي الفتح، الحسنيُّ، الفاسيُّ الأصل، المكيُّ: مولده في شعبان، سنة تسع وثمانين وسبع مئة بمكة المشرفة، ولي إمامة الحنابلة بالمسجد الحرام، ثم ولي القضاء بمكة المشرفة في سنة تسع وثمانين

стр. 1148

في دولة الملك الظاهر جقمق، وتوفي بمكة المشرفة في ضحى يوم الاثنين، سابع شهر شوال، سنة ثلاث وخمسين وثمان مئة، ودفن بالمعلاة ﵀. ٤٦٣ - وأولُ من ولي قضاء الحنابلة بالقدس الشريف: قاضي القضاة عز الدين أبو البركات عبد العزيز بن علي بن العز، البغداديُّ الأصل، ثم المقدسيُّ البكريُّ، الشيخُ الإمامُ العالمُ المفسِّر: ولي القضاء بالقدس الشريف بعد فتنة تمرلنك في سنة أربع وثمان مئة، في دولة الملك الناصر فرج بن برقوق، ثم ولي قضاء دمشق، ثم قضاء الديار المصرية، ثم أعيد إلى قضاء دمشق، وقيل: إنه كان يسمى بقاضي الأقاليم؛ لأنه يقال: ولي القضاء ببغداد والعراق، ثم ولي قضاء بيت المقدس ومصر والشام، فسمي بقاضي الأقاليم. توفي بدمشق، ليلة الأحد، مستهل ذي القعدة، سنة ست وأربعين وثمان مئة، ودفن بمقابر باب كيسان. ٤٦٤ - وأولُ من ولي قضاء الحنابلة بمدينة سيدنا الخليل ﵇، والرملة: قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد، العمريُّ العُلَيميُّ الحنبلي - المتقدم ذكره في ترجمته قريباً -، وقد ذكرنا في ترجمته: أن ولايته لقضاء الرملة كان في سنة ثمان وثلاثين وثمان مئة، وذلك في دولة الملك الأشرف برسباي، ثم لمَّا ولي قضاء بيت المقدس، أضيف إليه في أواخر عمره قضاء بلد سيدنا الخليل ﵇ في المحرم، سنة إحدى وسبعين وثمان مئة، في دولة الملك

стр. 1149

الظاهر خشقدم، وتقدم في ترجمته تاريخ وفاته ﵀. ٤٦٥ - وأولُ من ولي قضاء الحنابلة بحمص: القاضي شمس الدين محمد بن خالد بن موسى المعروف بابن زَهرة - بفتح الزاي -، توفي في ثالث عشر رجب، سنة ثلاثين وثمان مئة. ٤٦٦ - وأول من ولي قضاء الحنابلة ببعلبك: القاضي أمين الدين ابن النجيب: وكانت ولايته في ربيع الآخر، سنة ثمان وثمانين وسبع مئة، ولاه قاضي دمشق، وهو قاضي القضاة شمس الدين بن التقي المرداوي بمرسوم ورد بالإذن في ذلك، وذلك في دولة الملك الظاهر برقوق، ثم عزل في سنة تسع وثمانين وسبع مئة، ولم أطلع على تاريخ وفاته. ٤٦٧ - وأول ما تجدَّد منصب الحنابلة بصفد في سنة ست وثمانين وسبع مئة في دولة الملك الظاهر برقوق، وليه رجل من أهلها لا أعرف اسمه، وكان قليل العلم، ولم يتيسر الاطلاع على غير ذلك من أهل هذه المملكة. ٤٦٨ - وأما إقليم العراق، فإن منصب الحنابلة فيه قديم من عهد الإمام أحمد ﵁ في زمن الخلفاء الراشدين؛ فإن ولد الإمام أحمد هو أبو الفضل صالح، ولي قضاء أصبهان، وكان ولي قبله قضاء طرسوس، وتوفي بأصبهان في شهر رمضان، سنة ست وستين ومئتين. ٤٦٩ - ومن أصحاب الإمام أحمد الذين عاصروه، ورووا عنه:

стр. 1150

أحمد البواري، كان قاضياً بتكريت. ٤٧٠ - ومن قضاة بغداد: القاضي الموقر أبو عبد الله بن ماكولا الحنبليُّ: توفي في جمادى الآخرة، سنة سبع وثلاثين وأربع مئة. ٤٧١ - ومنهم القاضي الكبير: أبو يَعْلَى محمد بن الحسين بن الفرَّاء إمام الحنابلة، وعنه انتشر مذهب الإمام أحمد، توفي ليلة الاثنين بعد العشاء، تاسع عشر رمضان، سنة ثمان وخمسين وأربع مئة. ٤٧٢ - ومنهم: القاضي نصير الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن الحسين السامريُّ: الفقيهُ الفرضي، صاحب كتاب "المستوعب" في فقه مذهب الإمام أحمد ﵁، ولي القضاء ببلدة سامراء، ثم ولي القضاء والحسبة ببغداد، ولقب في أيام ولايته: مُعَظِّم الدين، توفي ببغداد ليلة الثلاثاء، سابع عشري رجب، سنة ست عشرة وست مئة. ٤٧٣ - ومنهم: قاضي القضاة شيخ الوقت عماد الدين أبو صالح نصرُ بن عبد الرزاق بن السيد عبد القادر، الحنبليُّ الكيلانيُّ: ولد في سحر رابع عشر ربيع الآخر، سنة أربع وستين وخمس مئة، ولما ولي أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله أبو النصر محمد ابن الإمام الناصر لدين الله العباسي الخلافة بعد أبيه، قلده قضاء القضاة بجميع مملكته، والنظر في جميع الوقوف العامة، ووقوف المدارس الشافعية والحنفية، وغيرهما. وهو أول من دُعي بقاضي القضاة من أصحابنا، وأول من استقل منهم بولاية قضاء القضاة، ثم عزل في خلافة المستنصر بالله أبي جعفر المنصور بن الظاهر بأمر الله، ولما عزله المستنصر، أنشد عند عزله:

стр. 1151

حَمِدْتُ اللهَ لَمَّا ... قَضَى لِي بِالخَلاَصِ مِنَ القَضَاءِ وَلِلْمُسْتَنْصِرِ المَنْصُورِ أَشْكُرْ ... وَأَدْعُو فَوْقَ مُعْتَادِ الدُّعَاءِ وقام بعد عزله يدرِّس ويُفتي، ويحضر المجالس والمحافل، ثم فوض إليه المستنصرُ رباطاً بناه بدير الروم، وجعله شيخاً به، وكان يعظمه ويبجله، ويبعث إليه أموالاً جزيلة ليفرقها. وتوفي في سحر يوم الأحد، سادس عشر شوال، سنة ثلاث وثلاثين وست مئة، وكلهم دفن بمقبرة الإمام أحمد - رحمة الله عليهم أجمعين -. وقضاة الحنابلة بإقليم العراق كثيرون، ولو استوعبنا ذكر أسمائهم، لخرجنا عن حد الاختصار، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق. * * * ٤٧٤ - شيخ الإسلام نجم الدين أبو البقاء محمد ابن قاضي القضاة برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام جمال الدين أبي محمد عبد الله بن جماعة، الكنانيُّ الشافعيُّ: سبطُ قاضي القضاة شيخ الإسلام سعد الدين الديري الحنفي. ولد بالقدس الشريف في سنة ثلاث وثلاثين وثمان مئة، ونشأ بها، وهو من بيت علم ورئاسة، واشتغل من بداية أمره بالعلم الشريف، ودأب، وحصَّل، وصار من علماء بيت المقدس، وتأهل للإفتاء والتدريس

стр. 1152

في حياة جده شيخ الإسلام جمال الدين. وكان جده ولي قضاء الشافعية بالقدس الشريف، ثم صرف عن القضاء وولي مشيخة المدرسة الصلاحية، وتوفي في سنة خمس وستين وثمان مئة. وكان ولده قاضي القضاة، برهان الدين والد شيخ الإسلام نجم الدين - حين ذلك - متولياً لقضاء الشافعية، فتُكُلم له في مشيخة الصلاحية عند الملك الظاهر خشقدم، فأنعم له بها، وكتب له التوقيع بولايتها، ثم عَنَّ لقاضي القضاة برهان الدين أن يكون لولده؛ لاشتغاله هو بمنصب القضاء، والنظر في أحوال الرعية، فروجع السلطان في ذلك، فأجاب، وأنعم بولايتها للشيخ نجم الدين، فباشرها أحسن مباشرة، وحضر معه درسَها علماء ذلك العصر، منهم: الشيخ ماهر، وغيره من العلماء المعتبرين، وأثنوا عليه ثناء حسناً، ولم تزل بيده إلى أن توفي والده في التاريخ المتقدم في ترجمته. واستقر شيخ الإسلام في قضاء الشافعية عوضاً عن والده مضافاً لمشيخة الصلاحية، وذلك في أواخر دولة الظاهر خشقدم، في أوائل سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة، ثم انفصل من الوظيفتين في أواخر السنة المذكورة، وكان قد باشر القضاء تلك المدة بعفة ونزاهة وصيانة، مع لين جانب، ولم يلتمس على القضاء الدرهم الفرد، حتى تنزه عن معاليم الأنظار، واستمر في منزله يفتي، ويشغل الطلبة، وباشر وظيفة الخطابة بالمسجد الأقصى إلى سنة ثمان وسبعين وثمان مئة أعيد إلى وظيفة مشيخة

стр. 1153

الصلاحية، وباشرها، وهو مستمر بها إلى وقتنا (١) - عامله الله بلطفه -. * * * ٤٧٥ - [ ... ] (٢) الحنفيُّ، شيخ الإسلام: كان من أهل العلم والدين، باشر نيابة القضاء بالديار المصرية في أيام قاضي القضاة سعد الدين الديري ومن بعده، ثم تنزه عن الحكم مدة، ثم استقل بالقضاء عوضاً عن قاضي القضاة محب الدين بن الشحنة، في شهور سنة سبع وسبعين وثمان مئة، وباشر بعفة، وعمر الأوقاف، وضبط أحوال النواب في الأحكام، وقمع المناحيس والمفسدين، وكان يقول الحق، ولا يخاف في الله لومة لائم، وعلت كلمته، ونفذ أمره. وكان شيخاً ربعة، أبيض الوجه واللحية، نيِّراً، حسن الشكل، متواضعاً. وكان قد أبطل الألقاب التي تكتب للقضاة في السجلات، وأمر الشهود بعدم كتابة ذلك، واستمر على القضاء إلى أن توفي في يوم الاثنين، خامس عشر رمضان، سنة خمس وثمانين وثمان مئة، ودفن في مقابر باب النصر ﵀.

стр. 1154

٤٧٦ - قاضي القضاة شرف الدين بن محمد بن عيد، الدمشقيُّ الحنفيُّ: شيخ الإسلام، كان من أهل العلم والدين، وباشر نيابة القضاء بدمشق، ثم تنزه عن الحكم، فلما توجه مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي إلى المملكة الشامية، في شهور سنة اثنتين وثمانين وثمان مئة، صادف قدومه دمشق وفاة قاضي القضاة علاء الدين ابن قاضي عجلون الحنفي قاضي دمشق، فطلب من يصلح للقضاء، فذكر له القاضي شرف الدين بن عيد، فطلبه، وولاه قضاء دمشق على كُره منه، واستمر بها نحو سنتين، فحضر القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن عربشاه الحنفي إلى القاهرة، وسعى في وظيفة قضاء الحنفية بالشام، فتوقف السلطان في عزل ابن عيد، وامتنع من ذلك، فانتمى ابن عربشاه إلى الأمير قانصوه خمس مئة الدوادار الثاني يوم ذاك، فترامى على السلطان إلى أن ولي ابن عربشاه في شهر رجب، سنة أربع وثمانين وثمان مئة، واستمر ابن عيد معزولاً بدمشق. فلما توفي القاضي شمس الدين الأمشاطي المذكور قبله، عينه السلطان لقضاء مصر، وأحضره إلى القاهرة، فوصل إليها في يوم الخميس، سابع عشر ذي القعدة، سنة خمس وثمانين وثمان مئة، وتمثَّل بالحضرة الشريفة، وفوض إليه القضاء يوم السبت، تاسع عشر الشهر المذكور، وأكرمه حين قدومه عليه، وعظمه، وأجلسه إلى جانبه، بعد أن نزل عن سرير الحكم، وكنت حاضراً ذلك المجلس، وكان يوماً مشهوداً، واستمر إلى يوم الأحد، سابع عشر المحرم، سنة ست وثمانين وثمان مئة،

стр. 1155

فجلس في ذلك اليوم بالإيوان البحري المنسوب للحنابلة بالمدرسة الصالحية بخط بين القصرين، وأحضر له ملوطة جديدة قد خِيطت له، فلبسها، فلما استقرت على جسده، قال: اللهم كما ألبستني جديداً، أمتني شهيداً، وجلس وهو لابسها، فلم يمض على ذلك غير لحظة يسيرة، ووقعت الزلزلة، فنهض من صدر الإيوان إلى حافته، فوقعت عليه شرافة من ظهر الإيوان، فمات من وقته بعد العصر من يوم الأحد المذكور، واستمر إلى بكرة يوم الاثنين، ثامن عشر المحرم، سنة ست وثمانين وثمان مئة، وغسل، وجرد من الملوطة وهو على سرير غسله، وحُمل إلى سبيل المؤمنين بالرميلة، وصلى عليه السلطان وأركان الدولة، الخاصُّ والعام، وكان يوماً مشهوداً، ودفن بتربة السلطان، فكانت مدته ثمانية وخمسين يوماً ﵀. وقد أنشد فيه الشعراء أشياء كثيرة، منها: لِفَقْدِ ابْنِ عِيدٍ بَكَتْ مُقْلَتِي ... تُوُفِّي شَهِيداً كَمَا قَالَهَا وَحِينَ تُوُفِّيَ مَاجَ الوَرَى ... وَزُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وكان حسن السيرة في مباشرته بالشام ومصر، عفيفاً ورعاً - تغمده الله برحمته -. * * * ٤٧٧ - قاضي القضاة شيخ الإسلام أبو الفضل محمد بن محمد ابن محمد بن الشحنة، الحلبيُّ الحنفيُّ: كان من أهل العلم، وهو من

стр. 1156

بيت كبير بحلب، ولي القضاء بها، وكان والده - أيضاً - قاضيها، وباشر برئاسة وشهامة، ثم حضر إلى القاهرة، وولي كتابة السر بها، ثم غضب عليه الملك الأشرف أينال، وأخرجه إلى القدس، فأقام بها في سنة ثمان أو تسع وخمسين وثمان مئة. ثم أعيد إلى القاهرة، وباشر كتابة السر إلى أيام الملك الظاهر خشقدم، فولي قضاء الحنفية بالديار المصرية في أوائل سنة سبع وستين وثمان مئة عوضاً عن قاضي القضاة سعد الدين الديري - كما تقدم في ترجمته -، ثم عزل بابن الصواف قاضي حماة، فتوفي ابن الصواف بعد مدة يسيرة، ثم أعيد إلى القضاء، ثم عزل هو وقاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي الشافعي في يوم واحد، في شهور سنة سبعين وثمان مئة، واستقر قاضي القضاة برهان الدين الديري أخو الشيخ سعد الدين الديري في قضاء الحنفية، وقاضي القضاة صلاح الدين أحمد المكيني في قضاء الشافعية، واستمر القاضي برهان الدين الديري سبعة أشهر، ثم عزل، وأعيد القاضي محب الدين بن الشحنة في شهور سنة إحدى وسبعين وثمان مئة، واستمر إلى أيام السلطان الملك الأشرف قايتباي، وعزل في شهور سنة سبع وسبعين وثمان مئة؛ بسبب واقعة حكم بها نائبه الشيخ خير الدين الشَّنَشي، واستقر عوضه القاضي شمس الدين الأمشاطي - كما تقدم في ترجمته -، واستمر معزولاً من القضاء إلى حين وفاته. ولما توفي الشيخ سيف الدين شيخ الشيخونية، ولي مكانه بالشيخونية، في شهور سنة اثنتين وثمان مئة، واستمر بها إلى أن توفي،

стр. 1157

وكان قد ضعف جسده، وقلَّت قوته، وانقطع في منزله في أواخر عمره. ومولده في سنة أربع وثمان مئة، وتوفي في شهور سنة تسعين وثمان مئة، واستقر ولده الشيخ سري الدين عبد البر في مشيخة الشيخونية عوضاً عنه - رحمه الله تعالى -. * * * ٤٧٨ - الشيخ الجلال البكري أبو البقاء محمد بن عبد الرحمن، البكريُّ الشافعيُّ شيخُ الإسلام: باشر نيابة الحكم بالديار المصرية في أيام شيخ الإسلام شهاب الدين بن حجر ومن بعده من القضاة إلى أيام القاضي ولي الدين الأسيوطي، ثم تنزه عن الحكم، وانقطع بمنزله للاشتغال بالعلم، والفتوى والتدريس، وصنف "حاشية على الروضة"، و"حاشية على المنهاج". وكان متواضعاً، سخياً، مع الفاقة الزائدة، وفي أواخر عمره ولي مشيخة البيبرسية تجاه الدرب الأصفر، وتوفي بها في سنة إحدى وتسعين وثمان مئة - رحمه الله تعالى -. * * * ٤٧٩ - الشيخ تاج الدين أبو الوفا محمد ابن الشيخ تقي الدين أبي بكر بن أبي الوفا، الحسينيُّ الشافعيُّ العالمُ الصالحُ: كان من أهل العلم، وله وجاهة عند الناس، وكان شيخ الفقراء الوفائية بالأرض

стр. 1158

المقدسة، وله تصانيف في التصوف وغيره، وسكن مصر مدة، ثم عاد إلى وطنه، وقدر أنه تزوج بالرملة، وكان يتردد إليها، فتوفي بها في يوم عاشوراء، وحُمل إلى القدس الشريف، فغسِّل، وصُلي عليه يوم الحادي عشر من المحرم، سنة إحدى وتسعين وثمان مئة، ودفن بماملا ظاهر القدس من جهة الغرب عند والده، بجوار الزاوية القلندرية ﵀. * * * ٤٨٠ - قاضي القضاة قطب الدين محمد بن محمد الخيضري الشافعي شيخ الإسلام: باشر قضاء الشام عوضاً عن القاضي جمال الدين الباعوني، وأضيف إليه كتابة السر، وباشرها نحو عشر سنين، ثم طُلب إلى القاهرة في أواخر سنة ثمانين وثمان مئة، ورسم له بالإقامة بها، وتزوج بابنة أمير المؤمنين المستنجد بالله أبي المظفر يوسف - تغمده الله برحمته - في سنة إحدى وثمانين بإشارة السلطان، واستمر قضاءُ الشام بيده، ونوابه يباشرون إلى سنة ست وثمانين وثمان مئة، فعزل منه بسؤاله، وولي بعده القاضي صلاح الدين العدوي، وألبس التشريف، واستمر نحو الأسبوع أو دونه، ثم اقتضى الحال عزله، فاستقر في القضاء القاضي شهاب الدين أحمد بن الفرفور، مضافاً إليه نظر الجيش بالشام، وأُلبس التشريف من الحضرة الشريفة. واستمر القاضي قطب الدين بالقاهرة، وكان يدرِّس بالجامع الأزهر، وغيرِه، ويجتمع عنده الفقهاء، وغيرهم، وبنى له تربة بالقرافة على باب

стр. 1159

مقام الإمام الشافعي ﵁، ودفن بها في شهور سنة خمس وتسعين وثمان مئة ﵀. * * * ٤٨١ - قاضي القضاة شيخ الإسلام بدر الدين أبو المعالي محمد ابن الشيخ ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن خالد بن إبراهيم، السعديُّ الحنبليُّ: الشيخ الإمام، الحَبْر البحر الهمام، العالم العامل العلامة، القدوة المحقق، شيخنا، عالم المذهب، رحلة الطلب. مولده في سنة خمس، أو ست وثلاثين وثمان مئة، قرأ العلوم وحققها، وحصَّل أنواعاً من الفنون وأتقنها، وبرع في مذهب إمامنا المبجل أحمد بن حنبل ﵁، وصار من أعيانه، وأخذ عن علماء الديار المصرية، وغيرِهم ممن ورد إلى القاهرة، ولازم شيخه قاضي القضاة عز الدين الكناني الحنبلي - المتقدم ذكره في حرف الهمزة -، وفضل عليه، وأجازه بالإفتاء، واستخلفه في الأحكام الشرعية بالديار المصرية، وشهد بأهليته، وندبه للوقائع المهمة، والأمور المشكلة، فَسَادَ على أقرانه، وعظُم أمره، وعلا شأنه، وباشر الحكم نيابة أكثر من خمس عشرة سنة، وصار مفتي دار العدل، وكانت مباشرته للحكم حسنة، بعفة وصيانة ونزاهة، فلما قدر الله تعالى بوفاة شيخه المشار إليه في يوم السبت، حادي عشر جمادى الأولى، سنة ست وسبعين وثمان مئة، عين السلطان لقضاء الديار المصرية قاضيَ القضاة برهانَ الدين بن مفلح قاضي دمشق،

стр. 1160

وطلبه للحضور، واستمر المنصب بغير قاض مدة طويلة، فلم يُقدر لابن مفلح بالحضور، فأجمعت الآراء على تولية شيخنا المشار إليه بحكم استحقاقه لذلك، وأهليته، وعدم نظير له بالديار المصرية، فاقتضى والي مولانا السلطان الملك الأشرف أبي النصر قايتباي، وأركان دولته استقراره فيها. ولقد أصاب في ذلك التوفيق؛ فإنه وضع الشيء في محله، وكانت توليته في يوم ختم "البخاري" بقلعة الجبل المنصورة بالقصر الشريف، في نهار الأحد، ثامن عشري رمضان المعظم، سنة ست وسبعين وثمان مئة، وألبس التشريف من حضرة السلطان، ونزل في خدمته قضاة القضاة، ومشايخ العلم والفقهاء، وخلفاء الحكم، وغيرهم إلى المدرسة الصالحية النجمية، ثم إلى منزله، وحصل بولايته الجمال للديار المصرية، بل ولسائر مملكة الإسلام، وتزايد السرور عند الخاص والعام، وانتصب للنظر في الأحكام الشرعية، وجعل مجلس حكمه بالمدرسة الصالحية بقاعة الحكم، وسلك في مباشرته طريقةَ شيخه قاضي القضاة عز الدين في الورع والعفة، حتى في قبول الهدية، والتوقف في الأمور التي يُقدم عليها كثير من الحكام، وعظم أمره، وعلت كلمته، وحسنت سيرته، ومع ذلك، فهو متواضع، لين الجانب، لا يحب الفخر ولا الخيلاء، وعنده بشاشة وحسنُ لقاء لمن يَرِدُ عليه. ولقد أكرم مثواي عند تمثُّلي بين يديه، في شهور سنة ثمانين وثمان مئة، وأقمت تحت نظره للاشتغال بالعلم الشريف، فتفضل عليَّ، وأحسن
следующие страницы →