← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مخرجيّ هم؟ "، قال: نعم، لم يأت رجل قطُّ بمثلِ ما جئت به، إلا عوديَ، وإن يدركْني يومُك، أنصُرْك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي (١). ثم كان أول ما أُنزِل عليه من القرآن بعد ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]، ثم ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، ثم ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١]. قالت خديجة لرسول الله ﷺ : يا بن عم! هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك الذي يأتيك إذا جاء؟ قال: "نعم"، فجاءه جبريل، فأعلمها، فقالت: قم فاجلسْ على فخذي اليسرى، فقام رسول الله ﷺ ، فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟ قال: "نعم"، فتحَسَّرَتْ، وألقت خِمارها، ورسولُ الله ﷺ في حِجْرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: "لا"، قالت: يا بن عم! اثْبُتْ وأبشر، فوالله! إنه لَمَلَكٌ، وما هو شيطان (٢). وقال الزهري: فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة، فحزن حزنًا شديدًا، فجعل يغدو إلى رؤوس الجبال ليتردّى منها، فكلما أوفى بذروة جبل، تبدّى له جبريل ﵇، فيقول له: إنّك رسولُ الله حقًا، فيسكن لذلك جأشُه، وترجع نفسه (٣).

стр. 107

فلما أمر الله نبيه ﵇ أن يُنْذِر قومَه عذابَ الله على ما هم فيه من عبادة الأصنام دون الله تعالى الذي خلقهم ورزقهم، وأن يُحَدّث بنعمة ربه عليه، وهي النبوة. فكان أول من آمن به وصدّقه: خديجة زوجته. ثم كان أول شيء فرض من شرائع الإسلام بعد الإقرار بالتوحيد، والبراءة من الأوثان: الصلاة: أتاه جبريل ﵇ وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت فيه عين، فتوضأ جبريل، ورسولُ الله ﷺ ينظر إليه؛ ليُريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسولُ الله ﷺ ، ثم قام جبريلُ فصلى به، وصلَّى النبي ﷺ بصلاته، وانصرف جبريل، وجاء رسول الله ﷺ إلى خديجة، فعلَّمها الوضوءَ، ثم صلَّى بها، فصلت بصلاته. * * * * ذكر رمي الشياطين بالشهب لمبعثه * قال العلماء بالسِّيَر: رأت قريش النجومَ تُرْمى بعد عشرين يومًا من مبعث رسول الله ﷺ . وعن ابن عباس ﵄، قال: انطلق رسولُ الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهبُ، فرجعت الشياطينُ إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، [وأرسلت علينا الشهب]،

стр. 108

قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء (١) حدثَ، فاضربوا مشارقَ الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء. قال: فانطلَقَ الذين اتجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلةَ وهو عائدٌ إلى سوق عُكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاةَ الفجر، فلما سمعوا القرآن، تسمَّعوا له، فقالوا: هذا الذي حالَ بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن ١: ٢]، فأنزل الله على نبيه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]، أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وعن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عباس ﵄، قال: كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرًا، فيكون ما سمعوا حقًا، وما زادوه باطلًا، وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعِثَ النبي ﷺ ، كان أحدهم لا يقعد مقعده إلا رُمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمرٍ قد حدث، فبثَّ جنودَه، فإذا هم بالنبي ﷺ يصلي بين جبلَي نخلةَ، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدثُ الذي حدث في الأرض. قال ابن الجوزي: قلت: وهذا الحديث يدل على أن النجوم لم يُرم بها إلا لمبعث نبينا ﷺ .

стр. 109

ثم قال: وقد روينا عن الزهري: أنه قال: قد كان يُرمى بها قبل ذلك، ولكنها غلظت حين بُعِث النبي ﷺ " (١). * * * * ذكر الاختلاف في أول من أسلم * اختلف العلماء في أول من أسلم، مع الاتفاق: أن خديجة أولُ خلقِ الله إسلامًا، وهي أول من آمن به وصدَّقه. قال الكلبي: أولُ من أسلم: عليٌّ، وكان عمره تسع سنين. وقال ابن إسحاق: أولُ من أسلم: عليٌّ، وكان عمره إحدى عشرة سنة. وروي عن عليٍّ ﵁: أنه قال: أنا عبدُ الله، وأخو رسوله، وأنا الصدِّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفترٍ، صليت مع النبي ﷺ قبل الناس (٢). وقال ابن عباس: أولُ من صلَّى: عليٌّ. وقيل: أول من أسلم: أبو بكر الصديق ﵁. وقال ابن إسحاق: أول ذَكَرِ أسلم بعد عليِّ: زيدُ بن حارثة، ثم أسلم أبو بكر ﵁، وأسلم على يده عثمان بن عفان، والزبير بن العوام،

стр. 110

وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن إلى وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ ، فأسلموا، وصلَّوا، وكان هؤلاء النفر هم الذين سبقوا للإسلام، فأسلم مِنْ بَعْدِهِم مَنْ أسلم. * * * * ذكري أمر الله تعالى نبيه بإظهار دعوته * أمر الله سبحانه نبيه ﷺ بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما يؤمر، وكان قبل ذلك في السنين الثلاثة مستترًا بدعوته، لا يُظهرها إلا إلى من يثق إليه، وكان أصحابه إذا أرادوا الصلاة، ذهبوا إلى الشِّعاب، فاستَخْفَوا، ثم إن رسول الله ﷺ صدع بأمر الله تعالى، وبادأ قومه بالإسلام. * * * * ذكر تعذيب المستضعفين من المسلمين * وهم قوم سبقوا إلى الإسلام، لا عشائر لهم تمنعهم، ولا قوة لهم يمتنعون بها، فأما من كانت له عشيرة تمنعه، فلم تصلِ الكفار منه إلى ما يريدون، ومِمَّنْ لا عشيرة له تمنعه؛ بلال بن رباح الحبشي مولى أُمية ابنِ خَلَف - وكان أبوه من سبي الحبشة، وأمه حمامة أيضًا سبية - كان الكفار يعذبونه بإلقائه في الرَّمْضاء على ظهره وقتَ الظهيرة، ولإلقاء الصخرة العظيمة على صدره، ويقال له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفرَ بمحمد، وتعبدَ اللاتَ والعزى، ثم صار إلى مُلك أبي بكر ﵁،

стр. 111

فأعتقه، فهاجر، وشهد المشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ . ومنهم: عمار بن ياسر أبو اليقظان العنسي - بالنون -: أسلم عمار هو وأبوه ياسر، وأمه سمية، فكانوا يُخرِجون عمارًا وأباه وأمه إلى الأبطح إذا حميت الشمس، يعذبونهم بحرِّ الرمضاء، فمات ياسرٌ في العذاب، وأغلظَتْ سميةُ القولَ لأبي جهل، فطعنها في فرجها بحربة، فماتت، فهي أول شهيدة في الإسلام، وشدّدوا العذاب على عمار حتى فعل ما أمروه به، فتركوه، فأتى النبيَّ ﷺ ، فأخبره بما كان. قال: "فكيفَ تَجِدُ قلبَكَ؟ "، قال: أجده مطمئنًّا بالإيمان، فقال: "يا عَمَّارُ! فإنْ عَادُوا، فَعُدْ" (١)، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وشهد عمارٌ المشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وقُتِل بِصِفِّين مع عليٍّ ﵁، وعمره نَيِّفٌ وتسعون سنة. ومنهم: خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ: وكان أبوه سواديًا من كسكر، وكان إسلامه قديمًا، قيل: سادس ستة، فأخذه الكفار وعذبوه عذابًا شديدًا، فكانوا يُعرونه، ويُلصقون ظهره بالرمضاء بالرَّضْف، وهي الحجارة المحمَّاة بالنار، ثم كووا رأسه، فلم يُجبهم إلى شيء مما أرادوا. ومنهم: صُهَيْب بنُ سنانٍ الروميُّ: كان ممن يُعَذَّب في الله، فلم يرجع عن دينه.

стр. 112

ومنهم: عامرُ بنُ فُهَيْرَةَ: مرَّ به أبو بكر وهو يُعَذَّب، فاشتراه وأعتقه. ومنهم: أبو فُكَيْهَة: واسمه أفلح، وكان عبدًا لصفوانَ بنِ أمية، مرّ به أبو بكر وهو يُعَذَّب، فاشتراه وأعتقه. ومنهم: النَّهْدِيَّةُ [مولاة] لبني نهد، فصارت لامرأة من بني عبد الدار، فأسلمت، فكانت تعذبها، فابتاعها أبو بكر، وأعتقها. ومنهم: جماعة غير هؤلاء. * * * * ذكر المستهزئين، ومن كان شديد الأذى للنبي ﷺ - * فمنهم: أبو لهب عبدُ العزى بنُ عبدِ المطلب: كان شديد الأذى للنبيِّ ﷺ ، وكان جاره، وكان يطرح العَذِرَةَ والنتن على بابه، فكان النبيُّ ﷺ يقول: "أَيُّ جِوارٍ هَذَا يا بَني عبدِ المُطَّلِبِ؟ ! " (١)، فرأَه يومًا حمزةُ ﵁، فأخذ العَذِرة وطرحها على رأس أبي لهب، فجعل ينفضها عن رأسه، ويقول: صابئ أحمق، وأقصرَ عما كان يفعل. مات أبو لهب بمكة عند وصول الخبر بانهزام المشركين ببدر، بمرض يُعرَف بالعدسة. ومنهم: الأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ بنِ وهبِ بنِ عبدِ منافِ بنِ زهرةَ: وهو ابنُ خال النبي ﷺ ، وكان من المستهزئين، وكان يقول للنبي ﷺ :

стр. 113

أما كُلِّمتَ اليومَ من السماء يا محمد؟ فخرج من عند أهله، فأصابه السموم، فاسودَّ وجهه، فلما عاد إليهم، لم يعرفوه، وأغلقوا الباب دونه، فرجع متحيرًا حتى مات عطشًا. ومنهم: أُميَّة وأُبَيُّ ابنا خَلَفٍ: وكانا من شَرِّ الناس على النبي ﷺ ، قُتِل أُبي يوم بدر كافرًا، وأما أخوه أُميَّة، فقتله النبي ﷺ يوم أُحُد. ومنهم: عُقْبَة بنُ أَبي مُعَيْط: واسمُ أبي معيط: أبانُ بنُ أبي عمرِو ابنِ أميةَ بنِ عبدِ شمس، أُسِر ببدر، قتله عاصمُ بن ثابتِ بنِ أبي الأفلح الأنصاريُّ بالصفراء، وصُلِب، وهو أول مصلوب صُلِب في الإسلام. ومنهم: أبو قَيْسِ بنُ الفاكهِ بنِ المغيرة: كان ممن يُعين أبا جهل على أذاه، قتله حمزةُ ﵁ يومَ بدر. ومنهم: العاصُ بنُ وائلٍ السهميُّ: والدُ عمرِو بنِ العاص، وهو القائلُ - لما مات عبد الله بن رسول الله ﷺ : إنَّ محمدًا أبتر، لا يعيش له ولد ذَكَر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ٣]، فبركب حمارًا له، فربض به، فلُدِغ في رجله، فانتفخت حتى صارت كعنق البعير، فمات منها بعد الهجرة، وهو ابن خمس وثمانين سنة. ومنهم: النَّضْر بنُ الحارثِ بنِ كَلَدَةَ بنِ عبدِ منافِ بنِ عبدِ الدار: كان يقول: إنما يأتيكم محمدٌ بأساطير الأولين، فنزلت فيه عدة آيات، أسره المقدادُ يومَ بدر، فأمر رسولُ الله ﷺ م بضرب عنقه، فقتله عليٌّ ﵁ بالأُثيل.

стр. 114

ومنهم: أبو جَهْل بنُ هشامٍ المخزوميُّ: واسمه عمرو، وكنيته أبو الحكم، وأما أبو جهل، فالمسلمون كنوه بذلك، قُتِل ببدر، قتله ابنا عَفْراء. ومنهم: رُكانَة بنُ عبدِ يزيدَ بنِ هاشم. فهؤلاء أشدُّ عداوةً لرسول الله ﷺ ، ومَنْ عداهم من رؤساء قريش كانوا أقلَّ عداوة من هؤلاء؛ كعُتبةَ وشيبةَ ابني ربيعة، وغيرِهما. وكان جماعة من قريش من أشدِّ الناس عليه، فأسلموا، منهم: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبدُ الله بنُ أبي أميةَ المخزوميُّ أخو أمِّ سلمةَ، وأبو سفيان صخرُ بنُ حرسب، والحكمُ بنُ أبي العاص، وغيرُهم، أسلموا يوم فتح مكة. * * * * ذكر إسلام حمزة * عن ابن إسحاق روى: أن أبا جهل مرَّ برسول الله ﷺ عند الصفا، فآذاه وشتمه، فلم يُكلمه رسولُ الله ﷺ ، ثم انصرف أبو جهل - لعنه الله -، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزةُ بنُ عبد المطلب أن أقبل متوشِّحًا بقوسه، راجعًا من قَنْصٍ له، وكان أعزّ فتى في قريش، وأشدَّهم شكيمةً، فأخبر بما لقيه النبيُّ ﷺ من أبي الحكم بن هشام، وهو أبو جهل، فاحتمل حمزةَ الغضبُ؛ لما أراده الله من كرامته، فخرج يسعى متعمدًا لأبي جهل، فلما دخل الحرم، نظر إلى أبي جهل

стр. 115

جالسًا في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس، وضربه، فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه (١) وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فرُدَّ ذلك عليَّ إن استطعتَ، فقام رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني - والله - قد سببتُ ابنَ أخيه سبًا قبيحًا، فلما أسلم حمزة، عرفتْ قريش أن رسول الله ﷺ قد عزَّ وامتنع، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه (٢). * * * * ذكر إسلام عمر بن الخطاب * كان شديد البأس والعداوة لرسول الله ﷺ ، فروي: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهمَّ أَعِزَّ الإسلامَ بعمرَ بنِ الخطابِ، أو بأبي الحكمِ بنِ هشامِ" (٣)، وهو أبو جهل، فهدى الله تعالى عمر. وكان سبب إسلامه: أن أخته فاطمةَ بنتَ الخطاب أسلمت هي وزوجُها سعيدُ بنُ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفيلٍ، وكانا يخفيان إسلامهما من عمر، فلما علم عمر، دخل على أخته، وقد سمع قراءة خبّاب عندها، فلما دخل، قال: ما هذه الهينمة التي سمعتها؟ قالت: ما سمعتَ شيئًا،

стр. 116

قال: بلى والله! لقد أُخبِرتُ أنكما تابعتما محمدًا، وبطشَ بسعيد بن زيد، فقامت أختُه لتكفَّه عنه، فضربها فشجَّها، فلما فعل ذلك، قالت أخته: نعم، والله! قد أسلَمْنا، وآمنا بالله ورسوله، فاصنعْ ما شئتَ، فندم، وطلب الصحيفة التي يقرؤونها، قالت: إنك نجس على شركك، فلا تمسها، فكان عمر يقول: ما عرفتُ ذُلّ الشرك إلا ذلك اليوم، فقام واغتسل، فأعطته الصحيفة فقرأها، وفيها: ﴿طه﴾ [طه: ١]، فلما قرأ بعضها، قال: ما أحسنَ هذا الكلامَ وأكرمَه! ثم أتى النبيَّ ﷺ وهو بدارٍ عندَ الصفا، وعنده قريبُ أربعين نفسًا، ما بين رجال ونساء، منهم: حمزة، وأبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، فقصدهم عمر وهو متوشِّح بسيفه، واستأذن في الدخول، فأذن له رسولُ الله ﷺ ، فلما دخل، نهض إليه رسولُ الله ﷺ حتى لقيه، وأخذ بمجمع ردائه، ثم جذبه جذبة شديدة، وقال: "ما جاءَ بكَ يا بنَ الخَطَّاب؟ ما أراكَ تنتهي حتى تَنْزِلَ بكَ قارعَةٌ"، فقال عمر: يا رسول الله! جئت لأومن بالله ورسوله، فكبّر رسولُ الله ﷺ تكبيرة، علم مَنْ في البيت أن عمر قد أسلم، ثم قال عمر: يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: "إي والذي بعثني بالحقِّ نبيًا"، قال: أما والذي بعثك بالحق نبيًا! لا يُعبد الله بَعدَ اليوم سِرًّا. * * * * ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة * لما رأى رسولُ الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من

стр. 117

العافية؛ بمكانه من الله ، وعمِّه أبو طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم، قال لأصحابه: "لو خَرَجْتُم إلى أرضِ الحبشة؛ فإنَّ بها ملكًا لا يُظلَم أحدٌ عندَه، حتى يجعلَ اللهُ لكم فَرَجًا ومَخْرَجًا مما أنتمْ فيه" (١). فخرج المسلمون إلى أرض الحبشة مخافةَ الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام، فخرج عثمان بن عفان، وزوجته رقيةُ بنتُ النبي ﷺ معه، وأبو حذيفة بنُ عتبةَ بنِ ربيعة، وزوجتُه سهلَةُ بنتُ سهيلِ بنِ عمرٍو معه، والزبيرُ بن العوام، وتمامُ الأحدَ عشرَ رجلًا، وأربعُ نسوة، وكان مسيرُهم في رجب، سنة خمس من النبوة، فأقاموا شعبان، وشهر رمضان، ثم بلغهم أن قريشًا أسلموا، فقدِموا في شوال، فلما قربوا من مكة، بلغهم أن قريشا على ما هم عليه، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوارٍ، أو مستخفيًا. وأقام المسلمون بمكة يُؤْذَون، فلما رأوا ذلك، رجعوا مهاجرين إلى الحبشة ثانية، فخرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إلى الحبشة، فكمل بها اثنان وثمانون رجلًا، ورسولُ الله ﷺ مقيم بمكة يدعو إلى الله سرًا وجهرًا. ولما رأت قريش أن المهاجرين قد اطمأنوا بالحبشة وأمِنوا، وأن النجاشي قد أحسن إليهم، ائتمروا بينهم، فبعثوا عَمْرَو بنَ العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعهما هديةٌ إلى النجاشي وإلى أصحابه؛ ليردَّ

стр. 118

المهاجرين إليهم، فلم يفعل، وقال للمسلمين: اذهبوا، فأنتم آمنون، وردَّ هديةَ قريش، وقال: ما أخذ الله الرشوة مني حتى آخذَها منكم، ولا أطاع الناسَ حتى أُطيعهم فيه. وأقام المسلمون بخيرِ دارٍ عند النجاشي، فظهر ملكٌ من ملوك الحبشة، ونازع النجاشيَّ فى ملكه، فظفر النجاشيُّ بعدوِّه، فما سُرَّ المسلمون بشيء سرورَهم بظفره، ثم أسلم النجاشِيُّ بعد ذلك، ولما مات النجاشي، كانوا لا يزالون يرون على قبره نورًا ﵀، وعفا عنه -. * * * * ذكر أمر الصحيفة فلما رأت قريش أن الإسلام يفشو ويزيد، وأن المسلمين قَوُوا بإسلام حمزةَ وعمرَ ﵄، وعاد إليهم عمرُو بنُ العاص، وعبدُ الله بن أبي ربيعة من النجاشي بما يكرهون من أمر المسلمين، وأمنهم عنده، ائتمروا في أن يكتبوا بينهم كتابًا، يتعاقدون فيه على: أن لا يُنكِحوا بني هاشم وبني المطلب، ولا يَنكحوا منهم، ولا يبيعوهم، ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا بذلك صحيفة، وتعاهدوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا لذلك الأمر على أنفسهم. وانحازت بنو هاشم كافرُهم ومسلمُهم إلى أبي طالب، ودخلوا معه

стр. 119

في شِعْبه، وخرج من بني هاشم أبو لهبٍ عبدُ العزَّى بنُ عبدِ المطلب إلى قريش مضارًّا لهم، وكانت امرأته أمُّ جميل بنتُ حربٍ - وهي أختُ أبي سفيان - على رأيه في عداوة رسول الله ﷺ ، وهي التي سماها الله تعالى: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]؛ لأنها كانت تحمل الشوك، فتضعه في طريق رسول الله ﷺ . وأقامت بنو هاشم في الشِّعْب، ومعهم رسولُ الله ﷺ ، وأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، هذا ورسولُ الله ﷺ يدعُو الناس سرًا وجهرًا، والوحُي متتابع إليه. * * * * ذكر نقض الصحيفة * وقام في نقض الصحيفة نَفَر من قريش، فاجتمعوا بمكان، وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة، ووقع بين القوم خلاف، فقام مُطْعِم بنُ عدي إلى الصحيفة ليشقَّها، فوجد الأرضَةَ قد أكلتها، إلا ما كان من: (باسمك اللهم)، كانت قريش تستفتح بهذا كتابها، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة من بني عبد الدار، فشلّت يده، وكان الله تعالى أرسل الأَرَضَةَ، فأكلت ما فيها من ظلمٍ وقطعِ رحم، وتركتْ ما فيها من أسماء الله تعالى، فجاء جبريل إلى النبي ﷺ ، وأعلمه بذلك، فتكلم رسولُ الله ﷺ بذلك، فاجتمع الملأ من قريش، وأحضروا الصحيفة، فوجدوا الأمر كما قاله رسول الله ﷺ ، فنكسوا رؤوسهم، فاتفق جماعة من قريش، ونقضوا

стр. 120

ما تعاهدوا عليه في الصحيفة؛ من قطيعة بني عبد المطلب. * * * * ذكر المعراج * اختلف الناس في وقت المعراج، فقيل: كان قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بسنة واحدة. واختلفوا في الموضع الذي أُسري برسول الله ﷺ منه، فقيل: كان نائمًا في المسجد الحرام، فأُسري به منه. وقيل: كان في بيت أم هانئ بنت أبي طالب. وقد روى جماعة من الصحابة حديثَ المعراج بأسانيد صحيحة، قالوا: قال رسول الله ﷺ : "أَتاني جبريلُ ﵇ ومعه البُراقُ، وهي دابةٌ فوقَ الحمارِ ودونَ البَغْل، يضعُ خَطْوَهُ عندَ مُنتهى طَرْفه، فلما وضعتُ يدي عليه تَشَامَسَ، واستَصْعَبَ، فقال جبريل ﵇: يا بُراقُ! ما ركبكَ نبيٌّ أكرمُ على الله تعالى من محمد، فانصبَّ عَرَقًا، وانخفضَ لي حتى ركبتهُ، وسار بي جبريلُ نحوَ المسجدِ الأقصى، فأُتيت بإناءَيْنِ، أحدُهما لبنٌ، والآخرُ خمر، فقيل: اخترْ أحدَهما، فأخذتُ اللبنَ فشربتُه، فقال لي: أصبتَ الفطرة، أما إنَّك لو شربتَ الخمرَ، - لَغَوَتْ أمتك بعدَك، ثم سرْنا، فقال لي: انزلْ، فصلِّ، فصلَّيتُ، فقال لي: هذه طَيْبَةُ، وإليها المهاجَرُ، ثم سرْنا، فقال لي: أنزلْ فَصَلِّ، فنزلتُ فصلَّيت فقال لي: هذا

стр. 121

طورُ سيناءَ، حيثُ كلَّمَ الله موسى ﵇، ثم سرْنا، فقال لي: انزلْ فصلِّ، فنزلتُ فصلَّيت، فقال لي: هذا بيتُ لحم حيثُ وُلد عيسى ﵇، ثم سرنا حتى أتينا البيتَ المقدَّس، فلما انتهينا إلى باب المسجد، أنزلني جبريلُ، وربط البراقَ بالحَلْقة التي كانت تربط بها الأنبياءُ ﵈، فلما دخلت المسجد، إذا أنا بالأنبياء - وقيل: بأرواح الأنبياء - الذين بعثهم الله تعالى قبلي، فسلَّموا عليَّ، فقلت: يا جبريلُ! من هؤلاء؟ قال: إخوتك من الأنبياء، زعمتْ قريشٌ أنّ لله شريكًا، وزعمتِ النصارى أن لله ولدًا، اسأل هؤلاء النبيين: هل كان لله شريك؟ فذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، فأقروا، بالوحدانية لله ، ثم جمعهم جبريل، وقدّمني، فصليت بهم ركعتين. ثم انطلق بي جبريل إلى الصخرة، فصعِدَ بي عليها، فإذا معراجٌ إلى السماء، لا ينظر الناظرون إلى شيء أحسنَ منه، ومنه تعرجُ الملائكة، أصلُه في صخرة بيتِ المقدس، ورأسُه ملتصقٌ بالسماء، فاحتملني جبريل، ووضعني على جناحه، وصَعِدَ بي إلى سماء الدنيا، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أقد بُعِث؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، ففتح، فدخلنا. فإذا أنا برجل تام الخَلْق، عن يمينه بابٌ يخرج منه ريحٌ طيبة، وعن شماله بابٌ تخرج منه ريحٌ خبيثة، فإذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه، ضحك، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله، بكى، فقلت: من هذا؟

стр. 122

وما هذان البابان؟ فقال: هذا أبوك آدم، والباب الذي عن يمينه الجنة، إذا نظر إلى من يدخلها من ذريته، ضحك، والباب الذي عن يساره جهنم، إذا نظر إلى من يدخلها من ذريته، بكى وحزن. ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، قيل: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا [به]، ونعم المجيء جاء، ففتح لنا، فدخلنا، فإذا بشابّين، قلت: يا جبريل! من هذان؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا. ثم صعد [بي] إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: مرحبا به، ونعم المجيء جاء، فدخلنا، فإذا برجل قد فَضَل الناسَ بالحسن، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك يوسف. ثم صَعِدَ بي إلى السماء الرابعة، واستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، فدخلنا، فإذا برجل، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: أخوك إدريس، رفعه الله مكانًا عليًّا. ثم صَعِدَ بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، فدخلنا، وإذا رجل جالس، وحوله قومٌ يقصُّ عليهم، قلت: من هذا؟ قال: هارون، والذين حوله بنو إسرائيل.

стр. 123

قال: ثم صعد بي إلى السماء السادسة، فاستفتحَ، قيل: من هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: مرحبًا به، ونعمَ المجيءُ جاء، فدخلنا، فإذا برجل جالس، فلما جاوزناه، بكى، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى، قلت: فما له يبكي؟ قال: تزعمُ بنو إسرائيل أنه أكرمُ على الله من آدم، وأنت من بني آدم قد خَلَّفته وراءك. قال: ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، فدخلنا، فإذا برجل أشمطَ جالس على كرسيٍّ على باب الجنة، وحوله قوم بيضُ الوجوه، أمثال القراطيس، وقومٌ في الوانهم شيء، فقام الذين في ألوانهم شيء، فاغتسلوا في نهر، وخرجوا، وقد صارت وجوههم مثل وجوه أصحابهم، فقلت: من هذا؟ فقال: أبوك إبراهيم، وهؤلاء البِيضُ الوجوهِ قومٌ لم يَلْبِسوا إيمانهم بظلم، وأما الذين في ألوانهم شيء، فقوم خَلَطوا عملَا صالحًا وآخرَ سيئًا، وتابوا، فتاب الله عليهم. وإذا إبراهيم مستند إلى بيت، فقال: هذا البيتُ المعمور، يدخلُه كلَّ يوم سبعون ألفًا من الملائكة، لا يعودون إليه. وأخذني جبريل، فانتهينا إلى سِدرة المنتهى، وإذا نَبْقُها مثلُ قِلال هَجْر، يخرج من أصلها أربعةُ أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران. فأما الباطنان، ففي الجنة، وأما الظاهران، فالنيل والفرات، قال: وغشيَها من نور الله تعالى ما غشيَها، فقال جبريل: تقدم يا محمد، فتقدمت، وجبريل

стр. 124

معي إلى حجاب، فأخذني الملك، وتخلف عني جبريل، فقلت: إلى أين؟ فقال: وما منّا إلا له مقام معلوم، وهذا منتهى الخلائق. فلم أزل كذلك، حتى وصلت إلى العرش، فاتّضع كلُّ شيء عند العرش، وكَلَّ لساني من هيبة السلطان، ثم أطلقَ الله لساني، فقلت: التحيات المباركات، والصلوات الطيبات لله. وفرض الله عليَّ، وعلى أمتي في كل يوم وليلة خمسين صلاة. ورجعت إلى جبريل، فأخذني وأدخلني الجنة، فرأيت القصور من الدرّ والياقوت والزبرجد، ورأيت نهرًا يخرج من أصله ماء أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، على رَضْراض من الدِّر والياقوت والمسك، فقال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك. ثم عرض علي النار، فنظرت في أغلالها وسلاسلها، وحَيَّاتها وعقاربها، وما فيها من العذاب. ثم أخرجني حتى أتينا على موسى ﵇، فقال: ماذا فرض عليك وعلى أمّتك؟ قلت: خمسين صلاة، فقال: إني قد بَلَوْتُ بني إسرائيل، وعالجتُهم أشدَّ معالجة، على أقلَّ من هذا، فلم يفعلوا. ارجعْ إلى ربك، فسَلْه التخفيف. فرجعتُ إلى ربي، وسألته، فخفف عني عَشْرًا، فرجعتُ إلى موسى فأخبرتُه، فقال: ارجعْ وسلِ التخفيفَ، فرجعتُ، فخفف عني عشرًا، فلم أزلْ بين ربي وموسى حتى جعلَها خمسًا، فقال: ارجعْ، فقلتُ: إنني قد

стр. 125

استَحْييت من ربي، وما أنا براجع، فنوديت: إني فرضت عليك وعلى أمّتك خمسين صلاة، والخمسُ بخمسين، وقد أمضيتُ فريضتي، وخففت عن عبادي. ثم انحدرتُ أنا وجبريل إلى مضجعي، وكان ذلك في بعض ليلة". فلما أصبح رسول الله ﷺ ، علم أن الناس لا يصدقونه، فقعد في الحرم مغمومًا، فمر به أبو جهل، فقال له كالمُسْتهزِئِ: هل استفدت الليلة شيئًا؟ قال: "نعم، أُسري بي الليلةَ إلى البيت المقدَّس"، قال: ثم أصبحتَ بين أظهرنا؟ ! قال: "نعم"، فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب ابن لؤي! هلمّوا، فأقبلوا، فحدثهم النبيُّ ﷺ ، فمِنْ بينِ مصدّقٍ ومكذّبٍ واضعٍ يدَه على رأسه. وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر ﵁، فقالوا: إنّ صاحبك يزعم كذا وكذا، قال: إن كان قال ذلك، فقد صدق، وإني لأصدِّقه بما هو أبعدُ من ذلك، فسُمّي أبو بكر: الصدِّيق من يومئذ ﵁. فقالوا لرسول الله ﷺ : انعتْ لنا المسجد الأقصى، قال: "فذهبتُ أنعَتُ حتى التبسَ عليَّ الأمر"، قال: "فجيء بالمسجد الأقصى، وأنا أنظرُ إليه، فجعلتُ أنعته". قالوا: فأَخْبِرْنا عن عِيرنا، قال: "نعم، مررتُ على عيرِ بني فلانٍ بالرَّوحاء، وقد أضلّوا بعيرًا لهم، وهم في طلبه، وأخذتُ قدحًا فيه ماء، فشربتُه، فسلوهم عن ذلك، ومررت بعيرِ بني فلانٍ، وفلانٌ وفلانٌ راكبان

стр. 126

قَعودًا، فنفر قَعودُهما مني، فسقطَ فلانٌ، فانكسرت يدُه، فاسألوهما، ومررتُ بعيرِكم بالتنعيم، يقدمُها جملٌ أَوْرَقُ، عليه غِرارتانِ، تطلُعُ عليكم معَ طلوع الشمس"، فخرجوا إلى الثنية، وجلسوا ينتظرون طلوعَ الشمس؛ ليُكذّبوه، إذ قال قائل: هذه الشمسُ قد طلعت، قال آخر: هذه العيرُ قد أقبلت، يقدَمُها بعير أَوْرَق كما قال، فقالوا: إن هذا إلا سحر مبين (١). واختلف الناس في وقت المِعْرَاج، فقيل: كان ليلة السبت، لسبعَ عشرةَ ليلة خلت من رمضان، في السنة الثالثةَ عشرةَ للنبوة. وقيل: كان في ربيع الأول. وقيل: كان في رجب. واختلف - أيضًا - أهل العلم فيه، هل كان بجسده، أم كان رؤيا صادقة؟ فالذي عليه الجمهور: أنه كان بجسده. وذهب آخرون أنه كان رؤيا صادقة، ورووا عن عائشة ﵂: أنها كانت تقول: ما فُقِد جسدُ رسولِ الله ﷺ ، ولكنَّ الله أسرى بروحه. ونقلوا عن معاوية - أيضًا -: أنه كان يقول: إن الإسراء كان رؤيا صادقة (٢).

стр. 127

ومنهم من جعل الإسراء إلى بيت المقدس جسدانيًا، ومنه إلى السماوات السبع وسدرة المنتهى روحانيًّا، والله أعلم. * * * * ذكر وفاة أبي طالب، وخديجة ﵂، وعرض رسول الله ﷺ نفسه على قبائل العرب * توفي أبو طالب وخديجةُ قبل الهجرة بثلاث سنين، بعد خروجهم من الشعب، توفي أبو طالب في شوال، وعمرهُ بضعٌ وثمانون سنة، وماتت خديجة قبلَه بخمسة وثمانين يومًا. وقيل: كان بينهما خمسة وعشرون يومًا. وقيل: ثلاثة أيام. فعظُمت المصيبة على رسول الله ﷺ بموتهما، وقال رسول الله: "ما نالَتْ قريشٌ مني شيئًا أكرهُه، حتى ماتَ أبو طالبٍ" (١)، وذلك أن قريشًا وصلوا مِنْ أذاه بعدَ موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته. ولما اشتدَّ عليه الأمر، خرج ومعه زيدُ بنُ حارثة إلى ثقيف، يلتمس منهم النصر، فلما انتهى إليهم، عمد إلى ثلاثةِ نفرٍ منهم، وهم يومئذ سادةُ ثقيف، وكانوا إخوة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن

стр. 128

عمير. فدعاهم إلى الله تعالى، وكلّمهم في نصرته، والقيام معه على من خالفه، فلم يجيبوه، فقال له واحدٌ منهم: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟ وقال الآخر: والله! لا أكلمك أبدًا، لئن كنتَ رسولًا من الله - كما تقول - لأنتَ أعظمُ خطرأمن أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، فما ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله ﷺ وقد يئس من خير ثقيف، وقال: "إذا أَبيتُم، فاكتُموه علَيّ". وأتى رسول الله ﷺ إلى كِنْدةَ، وإلى بني حَنيفة، وعرض عليهم نفسَه، ودعاهم إلى الله، فلم يقبلوا. ولم يزل ﷺ [يعرِضُ نفسه] على كلِّ قادمٍ له اسم وشَرَف، ويدعوه إلى الله تعالى. وكلما أتى قبيلة يدعوهم إلى الإسلام، تبعه عمُّه أبو لهب، فمنعهم من طاعته، فيقول النبيُّ ﷺ : "يا بني فلان! إني رسولُ الله إليكم، يأمرُكم أن تعبدوا الله، ولا تشُركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه، وأن تؤمنوا بي، وتصدِّقوني"، وعمه أبو لهب ينادي: إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللاتَ والعُزَّى من أعناقكم إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، وكان أبو لهب أحولَ، له غديرتان. * * *

стр. 129

ذكر تزويج رسول الله ﷺ عائشةَ ﵂ جاءت خَوْلَة بنتُ حَكيمٍ امرأةُ عثمانَ بنِ مَظْعونٍ إلى رسول الله ﷺ ، وتكلَّمت معه في تزويجِ عائشة ﵂، وسودَةَ بنتِ زَمعةَ. ثم رجعتْ إلى أبي بكر ﵁، وذكرت له ذلك، فزوَّجه إياها، وعائشةُ يومئذ ابنةُ ستِّ سنين. ثم خرجت خولةُ، فدخلت على سَوْدَةَ، وأخبرتها بذلك، فقالت: وددتُ ذلك، ادخلي على أبي، فاذكري له ذلك، فذكرتْ له ذلك، قال: كفؤ كريم، فجاء رسولُ الله ﷺ ، فزوجه إياها (١). * * * * ذكر ابتداء أمر الأنصار * فلما أراد الله تعالى إظهارَ دينه، وإنجازَ وعده، خرج رسولُ الله ﷺ في الموسم، فعرض نفسه على القبائل كما كان يفعل، فبينما هو عند العقبة، لقي رهطًا من الخزرج، فدعاهم إلى الله تعالى، وعرض عليهم الإسلام، فأجابوه إلى ما دعاهم؛ بأن صدّقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا تركنا قومنا، وبينهم من العداوة والشرِّ ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله تعالى بك، فسنقدم عليهم، وندعوهم إلى

стр. 130

أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجلَ أعزُّ منك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدَّقوا، وكانوا سبعةَ نفر من الخزرج: أسعدُ بنُ زُرارةَ بنِ عدس، وعوفُ بنُ الحارثِ بنِ رفاعة، ورافعُ بنُ مالكٍ، وعامرُ بنُ عبدِ بن حارثةَ ابنِ ثعلبة، وقطبةُ بنُ عامر بن حديدة، وعُقْبةُ بن عامر، وجابرُ بنُ عبدِ الله ابن رئاب - بكسر الراء وبالياء المعجمة -. فلما قدموا المدينة، ذكروا لهم رسولَ الله ﷺ ، ودَعَوْهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم. * * * * ذكر بيعة العقبة الأولى * فلما كان العام المقبل، وافى الموسمَ من الأنصار اثنا عشر رجلًا، فلقوه بالعقبة - وهي العقبة الأولى -، فبايعوه بيعةَ النساء: وهي: أن لا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم. فلما انصرفوا عنه، بعث رسولُ الله ﷺ معهم مصعبَ بنَ عُمير بنِ هاشمِ بنِ عبدِ منافِ بنِ عبدِ الدار، وأمره أن يُقرئهم القرآن، ويُعَلِّمهم الإسلامَ فنزل بالمدينة، ولم يزل يدعو إلى الإسلام، حتى لم يبق دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها رجالٌ ونساء مسلمون، إلا مَنْ كان من بني أميةَ بنِ زيد ووائل، فإنهم أطاعوا أبا قيسِ بنَ الأسلت، فوقف بهم عن الإسلام،

стр. 131

وكان شاعرًا لهم وقائدًا، يستمعون له ويطيعونه. * * * * ذكر بيعة العقبة الثانية * ولما فشا الإسلام في الأنصار، اتفق جماعة منهم على المسير إلى رسول الله ﷺ مستخفين، لا يشعر بهم أحد، فساروا إلى مكة في الموسم، في ذي الحجة، مع كفار قومهم، واجتمعوا برسول الله ﷺ ، وواعدوه أوسطَ أيامِ التشريق بالعقبة، فلما كان الليل، خرجوا بعد مضي ثُلُثِهِ مستخفين، يتسللون حتى اجتمعوا بالعقبة، وهم سبعون رجلًا، معهم امرأتان: نُسيبة بنتُ كعب، وأسماءُ أم عمرِو بنِ عديٍّ من بني سَلِمة. وجاءهم رسولُ الله ﷺ ، ومعه عمُّه العباس، وهو يومئذٍ كافرٌ، أحبَّ أن يتوثَّق لابن أخيه، فكان العباس أولَ من تكلم. فبايعوه، فكان أول من بايعه: أبو أمامة أسعدُ بنُ زُرارة، وقيل: أبو الهيثم بنُ التيهان، وقيل: البراء بن مَعْرور، ثم تتابع القوم. فتكلم رسول الله ﷺ ، وتلا القرآن، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأولادكم"، ودار الكلام بينهم، واستوثق كلُّ فريق من الآخر. ثم سألوا رسولَ الله ﷺ ، فقالوا: إن قُتِلنا دونَك مالنا؟ قال: "الجنة"، قالوا: فابسطْ يدك، فبسط يده، ويايعوه، فلما بايعوه، رجعوا إلى المدينة.

стр. 132

وكان قدومُهم في ذي الحجة، فأقام رسول الله ﷺ بقيةَ ذي الحجة، والمحرم، وصفر. * * * ذكر الهجرة الشريفة النبوية - على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلام - وهي ابتداء التاريخ الإسلامي. أما لفظة التاريخ، فإنها محدَثَة في لغة العرب؛ لأنه لفظ مُعَرَّب من (ماه روز)؛ لأن عمر ﵁ قصد التوصُّل إلى الضبط من رسوم الفُرْس، فاستحضر الهرمزانَ، وسأله عن ذلك، فقال: إن لنا به حسابًا، نسميه: (ماه روز)، ومعناه: حساب الشهور والأيام، فعرَّبوا الكلمة فقالوا: مؤرخ، ثم جعلوا اسمه: (التاريخ)، واستعملوه، ثم طلبوا وقتا يجعلونه أولًا لتاريخ دولة الإسلام، واتفقوا على أن يكون المبدأ سنة هذه الهجرة. وكانت الهجرة من مكة إلى المدينة - شرفها الله تعالى - وقد تَصَرَّمَ من شهور هذه السنة وأيامها المحرمُ، وصفرُ، وثمانيةُ أيام من ربيع الأول، فلما عزموا على تأسيس الهجرة، رجعوا القهقرى ثمانيةً وستين يومًا، وجعلوا مبدأ التاريخ أولَ المحرم من هذه السنة. ثم أحصوا من أول يوم المحرم، إلى آخر يوم من عُمْرِ النبيِّ ﷺ ، فكان عشر سنين، وشهرين، وأيامًا، إذا حسب عمره من الهجرة، فيكون قد عاش بعدها تسع سنين، وأحدَ عشرَ شهرًا، واثنين وعشرين يومًا.

стр. 133

وأما ما كان من حديث الهجرة، فإن رسولَ الله ﷺ هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول. ثم أمر رسولُ الله ﷺ أصحابه بالمهاجرة إلى المدينة. فكان أولَ من قدمها: أبو سَلَمَة بنُ عبدِ الأسد، ثم هاجر من بعده عامرُ بن ربيعة، معه امرأتُه ليلى بنتُ أبي خيثمة، ثم عبدُ الله بن جحش وأخوه، وجميعُ أهله، وتتابع الصحابة، ثم هاجر عمر بن الخطاب ﵁، فلما تتابع أصحاب رسول الله ﷺ ، أقام هو بمكة، ينتظر ما يؤمر به، وتخلف معه أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب ﵁. فلما رأت قريش ذلك، حذروا خروجَ رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا في دار الندوة - وهي دار قُصَيِّ بنِ كِلابٍ - وأجمعوا على مكيدةٍ يفعلونها مع رسول الله ﷺ ، فنجاه الله من مكرهم، وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية. وأمره بالهجرة. وكان اتفاق الكفار أن يأخذوا من كل قبيلة رجلًا؛ ليضربوه بسيوفهم ضربة واحدة، ليضيع دمُه في القبائل، وبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فأمر عليًّا أن ينام على فراشه، وأن يَتَّشِح ببردِه الأخضر، وأن يتخلَّف عنه؛ ليؤدِّي ما كان عندَ رسول الله ﷺ من الودائع إلى أربابها. وكان الكفار قد اجتمعوا على باب النبيِّ ﷺ يرصدونه؛ ليثبوا عليه، وأخذ النبيُّ ﷺ حفنةً من تراب، وتلا أولَ ﴿يس﴾ ﴿يس: ١]، وجعل ذلك الترابَ على رؤوس الكفار، فلم يروه، فأتاهم آتٍ، وقال: إن محمدًا

стр. 134

خرج، ووضعَ على رؤوسكم الترابَ، وجعلوا ينظرون، فيرون عليًّا عليه بُرْدَةُ النبيِّ ﷺ ، فيقولون: [إن] محمدًا نائم، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام عليٌّ، فعرفوه. وأقام عليٌّ بمكة حتى أَدَّى ودائعَ النبيِّ ﷺ . وقصد النبيُّ ﷺ لما خرج من داره دار أبي بكر ﵁، وأعلمه أن الله تعالى قد أذن في الهجرة، فقال أبو بكر: الصحبةَ يا رسول الله، قال: "الصحبة"، فبكى أبو بكر ﵁ فرحًا، واستأجرَ عبدَ الله بنَ أُريقط - وكان مشركًا - ليدلَّهما على الطريق، ومضى النبيّ ﷺ وأبو بكر إلى غارٍ بثورٍ - وهو جبل أسفل مكة -، فأقاما فيه، ثم خرجا من الغار بعد ثلاثة أيام، وتوجها إلى المدينة، ومعهما عامرُ بنُ فُهيرةَ مولى أبي بكر الصديق، وعبدُ الله بنُ أُريقط الدليلُ، وهو كافر. وجدّتْ قريشٌ في طلبه، فتبعه سُراقَةُ بن مالكٍ المُدْلِجِيُّ، فلحق النبيَّ ﷺ ، فقال أبو بكر: يا رسول الله! أدركنا الطلب، فقال له النبيّ ﷺ : "لا تحزنْ إنَّ اللهَ معنا"، ودعا رسول الله ﷺ على سُراقة، فارتطمت فَرَسُه إلى بطنها في أرض صلبة، فقال سراقة: ادعُ اللهَ يا محمدُ؛ لتخلصني، ولكَ أن أردَّ الطلبَ عنك، فدعا له النبيّ ﷺ ، فخلص، ثم تبعه، فدعا عليه النبيُّ ﷺ ، فارتطمت ثانية، وسأل الخلاصَ، وأن يردَّ الطلبَ عن النبي ﷺ ، فأجابه النبيِّ ﷺ ، ودعا له، وقال: "كيفَ بكَ يا سُراقَةُ إذا سُوِّرْتَ بِسِوارِ كِسْرى برويز؟ "، فرجع سراقة، وردَّ كلَّ من لقيه عن الطلب،

стр. 135

بأن يقول: كفيتم ما هاهنا (١). وقدم رسول الله ﷺ لاثنتي عشرةَ ليلةً خلت من ربيع الأول، من سنة إحدى، وذلك يوم الاثنين، الظهر، فنزل قباء على كُلْثوم بنِ الهَدْمِ، وأقام بقباء: الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، وأسّس مسجدَ قُباء، وهو الذي نزل فيه: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]. ثم خرج من قباء يومَ الجمعة، وأدركَتْ رسولَ الله ﷺ الجمعةُ في بني سالمِ بنِ عوفٍ، فصلاها في المسجد الذي ببطن الوادي، وكانت أولَ جمعةٍ صلَّاها بالمدينة. قال ابن عباس ﵄: ولد النبي ﷺ يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وقُبض يوم الاثنين (٢). واختلف العلماء في مقامه بمكة، بعد أن أوحي إليه، فقال أنس (٣)، وابن عباس (٤) - في رواية -: إنه أقام بمكة عشر سنين، وقيل: أقام ثلاثَ عشرةَ سنة. ولعل الذي قال: عشر سنين، أراد: بعد إظهار الدعوة؛ فإنه بقي

стр. 136

ثلاثَ سنين يُسِرُّها، ومما يؤيد هذا قولُ أبي قيس بنِ الأسلت: ثَوَى في قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيا فهذا يدل على أن مقامه ثلاثَ عشرةَ سنة (١). ثم إن رسول الله ﷺ رحل من قباء، يريد المدينة، فما مر على دار من دور الأنصار، إلا قالوا: هَلُمَّ يا رسولَ الله إلى العدد والعدة، ويعترضون ناقته، فيقول: "خَلُّوا سَبيلَها، فإنّهَا مَأْمورَةٌ" حتى انتهت إلى موضع مسجدِ النبيِّ ﷺ ، فبركت هناك، ووضعت جِرانَها، فنزل عنها النبيُّ ﷺ ، واحتمل أبو أيوبَ الأنصاريُّ الناقةَ إلى بيته (٢). وكان موضعُ المسجد مِرْبَدًا لسهلٍ وسُهيلٍ ابني عمرٍو، يتيمين في حِجْر معاذِ بنِ عفراءَ، وقيل: بل كان لبني النجَّار، وكان فيه نخلٌ، وخِرَبٌ، وقبور المشركين. وأقام النبي ﷺ عند أبي أيوب، حتى بنى مسجدَه ومساكنَه، وكان قبلَه يصلِّي حيث أدركته الصلاة، ويناه هو والمهاجرون والأنصار ﵃ أجمعين -. * * *

стр. 137

ذكر ما بين الهجرة الشريفة والتواريخ القديمة ما بين الهجرة وبين آدم - على مقتضى التوراة اليونانية، واختيار المؤرخين -: ستةُ آلاف سنة، ومئتان وست عشرة سنة، وهو المعتمد - كما قد قدمناه -. وبين الهجرة وآدم - على مقتضى التوراة اليونانية، واختيار المنجمين -: خمسة آلاف، وتسع مئة وسبع وستون سنة. وبين الهجرة وآدم - على مقتضى التوراة العبرانيّة، واختيار المؤرخين -: أربعة آلاف وسبع مئة وإحدى وأربعون سنة. وأما المنجمون، فتنقص عنه مئتين وتسعًا وأربعين سنة. وبين الهجرة وآدم - على مقتضى التوراة السامريّة، واختيار المؤرخين -: خمسة آلاف، ومئة وسبع وثلاثون سنة. وأما اختيار المنجمين، فتنقص ما ذكر. وكذا الأمر جاء في جميع التواريخ التي قبل بختنصر. وبين الهجرة والطوفان - وكان لستِّ مئةِ سنةٍ مضت من عمر نوح -: ثلاثة آلاف، وتسع مئة وأربع وسبعون سنة، على اختيار المؤرخين، وعاش نوح بعده ثلاث مئة وخمسين سنة. وبين الهجرة والطوفان - على اختيار المنجمين -: ثلاثة آلاف، وسبع مئة وخمس وعشرون سنة.

стр. 138

وبين الهجرة وتبلبل الألسن - على اختيار المؤرخين -: ثلاثة آلاف، وثلاث مئة وأربع وستون سنة. وأما اختيار المنجمين، فينقص عنه مئتين وتسعًا وأربعين سنة. وبين الهجرة ومولد إبراهيم الخليل ﵇: ألفان، وثمان مئة، وثلاث وتسعون سنة على اختيار المؤرخين. وأما اختيار المنجمين، فينقص عنه مئتين وتسعًا وأربعين سنة. وبين الهجرة ووفاة موسى - وفيه المذهبان -: ألفان، وثلاث مئة، وثمان وأربعون سنة، والمذكور هو على اختيار المؤرخين. ويين الهجرة وعمارة بيت المقدس: ألفٌ وثمان مئة، وقريب سنتين، وكان فراغه لمضي إحدى عشرة سنة من ملك سليمان، ولمضي خمس مئة ولست وأربعين سنة لوفاة موسى، وفيه المذهبان. وبين الهجرة وابتداء ملك بختنصر: ألفٌ وثلاثُ مئة سنة، وتسع وستون سنة، ومئة وسبعة عشر يوما، وليس فيه خلاف. وبين الهجرة وخراب بيت المقدس: ألفٌ وثلاث مئة، وخمسون سنة، وكان لمضي تسعَ عشرةَ سنة من ملك بختنصر، وبقي خرابًا سبعين سنة، ثم عُمِّر، وتراجعمت إليه بنو إسرائيل. وبين الهجرة وغَلَبة الإسكندر على ملك الفرس قبل دارا: تسع مئة وأربع وثلاثون سنة، وهو - أيضًا - ابتداء ملوك الطوائف. ومات الإسكندر بعد غلبته بقريب سبع سنين، فيكون بين موته

стр. 139

وبين الهجرة تسعُ مئة وقريبُ ثمان وعشرين سنة. ما بين الهجرة وغلبة أعبيطش على ديار مصر، وقتل فلويطرا وملكه اليونان: ست مئة وخمسون سنة، وكان لمضي اثنتي عشرة من ملك أعبيطش، وهو - أيضًا - تاريخ انقراض اليونان. ويين الهجرة ومولد المسيح بن مريم: لست مئة، وإحدى وثلاثون سنة، وعاش إلى أن رفع ثلاثا وثلاثين سنة، فيكون بين رفعه وبين الهجرة خمسُ مئة وثمان وتسعون سنة. [وبين الهجرة] وفيلبس - وهو متقدم على تاريخ الإسكندر باثنتي عشرة سنة -: تسع مئة وست وأربعون سنة، وكان بين فيلبس وأعبيطش، ذكره بطلميوس في "المجسطي"، وقد أرَّخ به غالب أرصاده. وبين الهجرة وخراب بيت المقدس الخرابَ الثاني: خمس مئة وثمان وخمسون سنة بالتقريب، وكان لمضي أربعين سنة من رفع المسيح، وهو تاريخ تشتُّتِ اليهود إلى البلاد. وبين الهجرة وملك أزدشير بابل أبي الأكاسرة: أربع مئة واثنتان وعشرون سنة، وهو - أيضًا - تاريخ انقراض ملوك الطوائف. وبين الهجرة وأول ملك أدريابوش: خمس مئة وسبع سنين. وبين الهجرة وأول ملك دقلطيانونس، وهو آخر عبدة الأصنام من ملوك الروم: ثلاث مئة وتسع وثلاثون سنة. وبين الهجرة وبناء الكعبة - بيت الله الحرام - على يد إبراهيم الخليل

стр. 140

وولده إسماعيل ﵉، وهو بالتقريب: ألفان وست مئة وفوق ثلاث وتسعين سنة، وكان ذلك بعد مضي مئة سنة من عمر إبراهيم، وهو تقريب. وبين الهجرة ومولد رسول الله ﷺ : ثلاث وخمسون سنة، وشهران. وبين الهجرة ومبعث رسول الله ﷺ : ثلاث عشرة سنة، وشهران وثمانية أيام. وبين الهجرة ووفاة رسول الله ﷺ : تسع سنين، وأحد عشر شهرًا، واثنان وعشرون يوما، وهي بعد الهجرة، والله أعلم. * * * * ذكر الحوادث في السنة الأولى من الهجرة * * فيها: بنى رسول الله ﷺ بعائشة ﵂ بعد قدومه المدينة بثمانية أشهر في ذي القعدة، وكان تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، ودخل بها وهي بنت تسع سنين، وتوفي عنها وهي ابنة ثمان عشرة سنة (١). وقال ابن الجوزي: بنى بها في السنة الثانية. * وفيها: كانت المؤاخاة بين المسلمين: آخى رسول الله ﷺ ،

стр. 141

فاتخذ هو عليَّ بن أبي طالب ﵁ آخًا، فكان عليٌّ يقول على منبر الكوفة أيام خلافته: أنا عبد الله، وأخو رسول الله ﷺ (١). وصار أبو بكر ﵁، وخارجة بن زيد بن أبي زهير الأنصاري أخوين، وأبو عبيدة بنُ الجراح، وسعدُ بن معاذ الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وعِتبان بن مالك الأنصاري، وطلحة بن عبد الله، وكعب بن مالك الأنصاري، وسعيد بن زيد، وأُبي بن كعب الأنصاري ﵃ أجمعين -. * وفيها: ولد عبد الله بن الزبير: وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة (٢)، وكان النعمان بن بشير أول مولود للأنصار بعد الهجرة (٣). وقال ابن الجوزي: إنه ولد في السنة الثانية. * وفيها: كانت غزوة (بواط): فغنم رسول الله ﷺ ، ورجع، ولم يلقَ كيدًا، وكان حامل لوائه سعد بن أبي وقاص، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ. * وفيها: هلَك الوليد بن المغيرة، والعاصُ بنُ وائل السهمي، شيخا قريش، ماتا مشركين.

стр. 142

* وفيها: غزا رسول الله ﷺ غزوة (الأبواء): ورجع منصورًا، ولم يلقَ كيدًا، وغزوة العشيرة. * * * * السنة الثانية من الهجرة * * فيها: حُوِّلت الصلاة إلى الكعبة: وكانت الصلاة بمكة، وبعد مقدمه بثمانية عشر شهرًا، إلى بيت المقدس، وذلك يوم الثلاثاء منتصف شعبان، فاستقبل الكعبة في صلاة [العصر] (١)، وبلغ أهلَ قُباء ذلك، فتحولوا إلى جهة الكعبة، وهم في الصلاة (٢). * وفيها: في شعبان، فرض صوم شهر رمضان. * وفيها: أمر الناس بإخراج زكاة الفطر، قبل الفطر بيوم أو يومين. * وفيها: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى، فصلى صلاة العيد، وحُملت بين يديه العَنَزَةُ، وكانت للزبير، وَهَبَها له النجاشيُّ. * وفيها: أُري عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري صورة الأذان في النوم، وورد الوحي به (٣). وقال ابن الجوزي: في السنة الأولى.

стр. 143

* وفيها: تزوج علي ﵁ بفاطمة بنتِ رسول الله ﷺ . * وفيها: كانت غزوة بدر الكبرى، وهي الغزوة التي أظهر الله بها الدين. وكان سببها: قتل عمرو بن الحضرمي، وإقبال أبي سفيان بن حرب في عيرٍ لقريش عظيمة من الشام، وفيها أموال كثيرة، ومعها ثمانون رجُلًا من قريش، منهم: مخرمة بن نوفل الزهري، وعمرو بن العاص. فلما سمع رسولُ الله ﷺ ، ندب المسلمين إليهم، وقال: "هذهِ عِيرُ قُرَيشٍ، فيها أموالُهم، فاخْرُجوا إليهم، لعلَّ الله تعالى أن يُنَفِّلَكُمُوها"، فانتدب الناس، فخفَّ بعضهم، وثقل بعضهم (١). وبلغ أبا سفيان ذلك، فبعث إلى مكة، وأعلم قريشًا بذلك، فخرج الناس من مكة سِراعًا، ولم يتخلف سوى أبي لهب، وكانت عِدَّتهم تسع مئة وخمسين رجلًا، فيهم مئة فرس. وخرج رسولُ الله ﷺ من المدينة لثلاثٍ خلوْنَ من رمضان، ومعه ثلاث مئة، وثلاثة عشر رجلًا (٢)، ولم يكن فيهم إلا فارسان، وكانت الإبل سبعين، يتعاقبون عليها. ونزل النبي ﷺ الصفراء، وجاءته الأخبار بأن العير قاربت بدرًا، وأن المشركين خرجوا ليمنعوا عنها، ثم ارتحل ﵇، ونزل في

стр. 144

بدر، وأشار سعدُ بنُ معاذ ببناء عريشٍ لرسول الله ﷺ ، فعُمِل، وجلس عليه، ومعه أبو بكر. وأقبلت قريش، فلما رآهم رسولُ الله ﷺ ، قال: "اللهمَّ هذهِ قريشٌ قد أقبلَتْ بِخُيَلاَئِها وفَخْرِها تُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَنَصْرَكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي بِه" (١). وتقاربوا، وبرز من المشركين عُتبةُ بن ربيعة، وشَيبةُ بن ربيعة، والوليدُ بن عتبة، فأمر النبي ﷺ أن يبارز عُبيدةُ بنُ الحارث بنِ المطلبِ عتبةَ، وحمزُة عمُّ النبي ﷺ شيبةَ، وعليُّ بن أبي طالب الوليدَ بنَ عُتبة. فقَتَل حمزةُ شيبةَ، وعليٌّ الوليدَ، وضَرَب كلُّ واحد من عُبيدة وعُتبة صاحبَه، وكرَّ عليٌّ وحمزةُ على عتبةَ، فقتلاه، واحتملا عُبيدة، وقد قُطِعت رجلُه، ثم مات. وتراجف القوم، ورسولُ الله ﷺ ومعه أبو بكر على العريش، وهو يدعو ويقول: "اللهمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ، لا تُعْبَدْ في الأَرْضِ، اللهمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي" (٢). ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه، فوضعها أبو بكر عليه، وخفق رسول الله ﷺ ، ثم انتبه، فقال: "أَبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ؛ فقدْ أتى نصرُ الله". ثم خرج رسول الله ﷺ من العريش يحرّض المسلمين على القتال،

стр. 145

وأخذ حفنةً من الحصا، ورمى بها قريشًا، وقال: "شاهَتِ الوجوهُ" (١)، وقال لأصحابه: "شُدُّوا عليهم"، فكانت الهزيمة. وكانت الوقعة صبيحة الجمعة، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان. وحمل عبدُ الله بنُ مسعود رأسَ أبي جهل بنِ هشام إلى النبي ﷺ ، فسجد شكرًا لله تعالى، وقُتِل أبو جهل وله سبعون سنة، واسم أبي جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وقُتل أخو أبي جهل، وهو العاص بن هشام. ونَصَر الله نبيه بالملائكة، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩]. وكان عدة قتلى بدر من المشركين سبعين رجلًا، والأسرى كذلك. فمن القتلى غير من ذكر: حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، وعُبيدة ابن سعيد بن العاص بن أمية، قتله علي بن أبي طالب، وزمعةُ بن الأسود، قتله حمزة، وغيرهم جماعة من أكابر قريش. وكان من جملة الأسرى: العباسُ عمُّ النبي ﷺ ، وابنا أخيه: عَقيلُ ابن أبي طالب، ونوفلُ بن الحارث بن عبد المطلب. ولما انقضى القتال، أمر النبي ﷺ بسحب القتلى إلى القَليب، وكانوا أربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقُذفوا فيه.
следующие страницы →