فاتخذ هو عليَّ بن أبي طالب ﵁ آخًا، فكان عليٌّ يقول على منبر الكوفة أيام خلافته: أنا عبد الله، وأخو رسول الله ﷺ (١).
وصار أبو بكر ﵁، وخارجة بن زيد بن أبي زهير الأنصاري أخوين، وأبو عبيدة بنُ الجراح، وسعدُ بن معاذ الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وعِتبان بن مالك الأنصاري، وطلحة بن عبد الله، وكعب بن مالك الأنصاري، وسعيد بن زيد، وأُبي بن كعب الأنصاري ﵃ أجمعين -.
* وفيها: ولد عبد الله بن الزبير: وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة (٢)، وكان النعمان بن بشير أول مولود للأنصار بعد الهجرة (٣).
وقال ابن الجوزي: إنه ولد في السنة الثانية.
* وفيها: كانت غزوة (بواط): فغنم رسول الله ﷺ ، ورجع، ولم يلقَ كيدًا، وكان حامل لوائه سعد بن أبي وقاص، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ.
* وفيها: هلَك الوليد بن المغيرة، والعاصُ بنُ وائل السهمي، شيخا قريش، ماتا مشركين.
стр. 142
* وفيها: غزا رسول الله ﷺ غزوة (الأبواء): ورجع منصورًا، ولم يلقَ كيدًا، وغزوة العشيرة.
* * *
* السنة الثانية من الهجرة *
* فيها: حُوِّلت الصلاة إلى الكعبة: وكانت الصلاة بمكة، وبعد مقدمه بثمانية عشر شهرًا، إلى بيت المقدس، وذلك يوم الثلاثاء منتصف شعبان، فاستقبل الكعبة في صلاة [العصر] (١)، وبلغ أهلَ قُباء ذلك، فتحولوا إلى جهة الكعبة، وهم في الصلاة (٢).
* وفيها: في شعبان، فرض صوم شهر رمضان.
* وفيها: أمر الناس بإخراج زكاة الفطر، قبل الفطر بيوم أو يومين.
* وفيها: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى، فصلى صلاة العيد، وحُملت بين يديه العَنَزَةُ، وكانت للزبير، وَهَبَها له النجاشيُّ.
* وفيها: أُري عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري صورة الأذان في النوم، وورد الوحي به (٣).
وقال ابن الجوزي: في السنة الأولى.
стр. 143
* وفيها: تزوج علي ﵁ بفاطمة بنتِ رسول الله ﷺ .
* وفيها: كانت غزوة بدر الكبرى، وهي الغزوة التي أظهر الله بها الدين.
وكان سببها: قتل عمرو بن الحضرمي، وإقبال أبي سفيان بن حرب في عيرٍ لقريش عظيمة من الشام، وفيها أموال كثيرة، ومعها ثمانون رجُلًا من قريش، منهم: مخرمة بن نوفل الزهري، وعمرو بن العاص.
فلما سمع رسولُ الله ﷺ ، ندب المسلمين إليهم، وقال: "هذهِ عِيرُ قُرَيشٍ، فيها أموالُهم، فاخْرُجوا إليهم، لعلَّ الله تعالى أن يُنَفِّلَكُمُوها"، فانتدب الناس، فخفَّ بعضهم، وثقل بعضهم (١).
وبلغ أبا سفيان ذلك، فبعث إلى مكة، وأعلم قريشًا بذلك، فخرج الناس من مكة سِراعًا، ولم يتخلف سوى أبي لهب، وكانت عِدَّتهم تسع مئة وخمسين رجلًا، فيهم مئة فرس.
وخرج رسولُ الله ﷺ من المدينة لثلاثٍ خلوْنَ من رمضان، ومعه ثلاث مئة، وثلاثة عشر رجلًا (٢)، ولم يكن فيهم إلا فارسان، وكانت الإبل سبعين، يتعاقبون عليها.
ونزل النبي ﷺ الصفراء، وجاءته الأخبار بأن العير قاربت بدرًا، وأن المشركين خرجوا ليمنعوا عنها، ثم ارتحل ﵇، ونزل في
стр. 144
بدر، وأشار سعدُ بنُ معاذ ببناء عريشٍ لرسول الله ﷺ ، فعُمِل، وجلس عليه، ومعه أبو بكر.
وأقبلت قريش، فلما رآهم رسولُ الله ﷺ ، قال: "اللهمَّ هذهِ قريشٌ قد أقبلَتْ بِخُيَلاَئِها وفَخْرِها تُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَنَصْرَكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي بِه" (١).
وتقاربوا، وبرز من المشركين عُتبةُ بن ربيعة، وشَيبةُ بن ربيعة، والوليدُ بن عتبة، فأمر النبي ﷺ أن يبارز عُبيدةُ بنُ الحارث بنِ المطلبِ عتبةَ، وحمزُة عمُّ النبي ﷺ شيبةَ، وعليُّ بن أبي طالب الوليدَ بنَ عُتبة. فقَتَل حمزةُ شيبةَ، وعليٌّ الوليدَ، وضَرَب كلُّ واحد من عُبيدة وعُتبة صاحبَه، وكرَّ عليٌّ وحمزةُ على عتبةَ، فقتلاه، واحتملا عُبيدة، وقد قُطِعت رجلُه، ثم مات.
وتراجف القوم، ورسولُ الله ﷺ ومعه أبو بكر على العريش، وهو يدعو ويقول: "اللهمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ، لا تُعْبَدْ في الأَرْضِ، اللهمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي" (٢).
ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه، فوضعها أبو بكر عليه، وخفق رسول الله ﷺ ، ثم انتبه، فقال: "أَبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ؛ فقدْ أتى نصرُ الله".
ثم خرج رسول الله ﷺ من العريش يحرّض المسلمين على القتال،
стр. 145
وأخذ حفنةً من الحصا، ورمى بها قريشًا، وقال: "شاهَتِ الوجوهُ" (١)، وقال لأصحابه: "شُدُّوا عليهم"، فكانت الهزيمة.
وكانت الوقعة صبيحة الجمعة، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان.
وحمل عبدُ الله بنُ مسعود رأسَ أبي جهل بنِ هشام إلى النبي ﷺ ، فسجد شكرًا لله تعالى، وقُتِل أبو جهل وله سبعون سنة، واسم أبي جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وقُتل أخو أبي جهل، وهو العاص بن هشام.
ونَصَر الله نبيه بالملائكة، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩].
وكان عدة قتلى بدر من المشركين سبعين رجلًا، والأسرى كذلك.
فمن القتلى غير من ذكر: حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، وعُبيدة ابن سعيد بن العاص بن أمية، قتله علي بن أبي طالب، وزمعةُ بن الأسود، قتله حمزة، وغيرهم جماعة من أكابر قريش.
وكان من جملة الأسرى: العباسُ عمُّ النبي ﷺ ، وابنا أخيه: عَقيلُ ابن أبي طالب، ونوفلُ بن الحارث بن عبد المطلب.
ولما انقضى القتال، أمر النبي ﷺ بسحب القتلى إلى القَليب، وكانوا أربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقُذفوا فيه.
стр. 146
وأقام ﵇ بعَرَصَة بدر ثلاثَ ليال، وجميع من استُشهد من المسلمين أربعة عشر رجلًا: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار.
ولما وصل النبيُّ ﷺ إلى الصفراء راجعًا من بدر، أمر عليًا بضرب عنق النَّضْر بن الحارث، وكان من شدة عداوته للنبي ﷺ ، إذا تلا النبي ﷺ القرآن، يقول لقريش: ما يأتيكم محمدٌ إلا بأساطيرِ الأولين.
ثم أمر بضرب عنق عُقبة بن أبي مُعَيْطِ بنِ أمية.
وكان عثمان بن عفان قد تخلَّف عن رسول الله ﷺ في المدينة بأمره، بسبب مرض زوجته رقيةَ بنتِ رسول الله ﷺ ، وماتت رقيةُ في غيبة رسول الله ﷺ ، وكانت مدةُ غيبةِ رسول الله ﷺ تسعة عشر يومًا.
* وفيها: هلك أبو لهب عبدُ العُزَّى بنُ عبد المطلب بن هشام، لما جاءه الخبر بمكة، وما وقع في غزوة بدر، فلم يبقَ غير سبع ليال، ومات كَمَدًا وحزنًا، بمرض العدسة، وهي قرحة كانت العرب تتشاءم بها، ويرون أنها تُعدي أشدَّ العدوى، فلما أصابت أبا لهب، تباعدَ عنه بنوه، وبقي بعد موته ثلاثًا، لا يَقْرَبُه أحد، فلما خافوا السُّبَّة في تركه، حفروا له حفرةً، ثم دفعوه بعُود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيدٍ حتى وارَوْه.
* وفيها: غزوةُ بني قينقاع من اليهود، وأمر بإجلائهم، وغنم رسول الله ﷺ والمسلمون جميع أموالهم.
* وفيها: غزوة السويق، وكان من أمرها: أن أبا سفيان حلف أن
стр. 147
لا يمسَّ الطيبَ والنساء، حتى يغزو محمدًا ﷺ ، بسبب قتلى بدر، فخرج في مئتي راكب، وبعث قُدَّامه رجالًا إلى المدينة، فوصلوا إلى العريض، وقتلوا رجالًا من الأنصار، فلما سمع النبي ﷺ بذلك، ركب في طلبه، وهرب أبو سفيان وأصحابُه، وجعلوا يُلقون جُرُبَ السَّويق تخفيفًا، فسميت: غزوة السويق.
* وفيها: غزوة قرقرة الكدر، وقرقرة الكدر: ماء، مما يلي جادة العراق إلى مكة، بلغ النبيَّ ﷺ أن بهذا الموضع جمعًا من سليم وغطفان، فخرج لقتالهم، فلم يجد أحدًا، فاستاق ما وجد من النَّعَم، ثم قدم المدينة.
* وفيها - أعني: سنة اثنتين -: توفي عثمان بن مظعون، وكان عابدًا مجتهدًا، من فضلاء الصحابة، وهو أحد من حرّم الخمر في الجاهلية، وقال: لا أشرب شرابًا يُذهِب عقلي، ويضحك بي مَنْ هو أدنى مني.
* وفيها: قُتِل كَعْبُ بنُ الأَشْرَف اليهوديُّ، وهو أحد بني نبهان من طَيِّئ، وكانت أمه من بني النضير، وكان قد كبُر عليه من قُتِل ببدر من قريش، فصار إلى مكة، وحرّض على رسول الله ﷺ ، وبكى أصحاب بدر، وكان يُشَبِّبُ بنساء المسلمين حتى آذاهم، فأمر النبي ﷺ بقتله، فقُتل، وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ ظَفِرْتُمْ بهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ، فَاقْتُلوُهُ" (١)، وكانت قَتَلةُ ابنِ الأشرف من الأوس.
стр. 148
وقيل: قتل في السنة الثالثة، قتله محمد بن مسلمة الأنصاري، والله تعالى أعلم.
* * *
* السنة الثالثة من الهجرة *
* وفيها: كانت غزوة أحد: وكان من حديثها: أنه اجتمع [من] قريش ثلاثة آلاف، فيهم سبع مئة دارع (١)، ومعهم مئتا فارس، وقائدهم أبو سفيان بن حرب، ومعه زوجته هندٌ بنتُ عُتبة، وكانت جملة النساء خمسَ عشرةَ امرأة، ومعهنَّ الدفوفُ يعزفْنَ بها، ويبكين على قتلى بدر، ويحرضْنَ المشركين على حرب المسلمين.
وساروا من مكة حتى نزلوا الحليفة، مقابل المدينة، يوم الأربعاء، لأربع مَضَين من شوال سنة ثلاث.
وكان رأيُ رسولِ الله ﷺ المقامَ بالمدينة، وقتالهم بها، ورأى الصحابةُ الخروجَ لقتالهم، فخرج النبيُّ ﷺ في ألف من الصحابة، إلى أن صار بين المدينة وأُحد، ونزل الشِّعْبَ من أُحد، وجعل ظهره إلى أُحد.
ثمّ كانت الوقعة يوم السبت، لسبع مضين من شوال، وعِدَّةُ أصحاب رسول الله ﷺ سبع مئة، فيهم مئة دارع (٢)، ولم يكن معهم من الخيل سوى
стр. 149
فرسين: فرسُ رسول الله ﷺ ، وفرسٌ لأبي بردة.
وكان لواءُ رسول الله ﷺ مع مُصْعَب بن عُمَيْر من بني عبد الدار.
وكان على ميمنة المشركين خالدُ بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمةُ ابن أبي جهل، ولواؤهم مع بني عبد الدار.
ولما التقَى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وضربن بالدفوف خلف الرجال [يحرضن]:
هِيهَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ... وِيهَا حُمَاةَ الأَدْبَارِ
ضَرْبًا بِكُلِّ بَتَّارِ
وتقول:
نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ ... نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ
إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ ... أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ
وقاتلَ حمزةُ عمُّ النبي ﷺ يومئذ قتالًا شديدًا، فقتل أرطاةَ حاملَ لواء المشركين، وقصدَ قتلَ سباعِ بنِ عبدِ العزى، فبينما هو مشتغلٌ بسباعٍ، إذ ضربه وحشيٌّ عبدُ جُبيرِ بنِ مطعمٍ - وكان حبشيًا - بحربة، فقتل حمزةَ ﵁.
وقتل ابنُ قَمِئةَ الليثيُّ مُصْعَبًا حاملَ لواء رسول الله ﷺ ، وقد ظنَّ أنه رسولُ الله ﷺ ، فقال لقريش: إني قتلت محمدًا.
ولما قُتِل مُصعب، أعطى النبيُّ ﷺ الرايةَ لعليّ بن أبي طالب ﵁.
стр. 150
وأنزلَ الله نصرَهُ على المسلمين، وانهزم المشركون، فطمعت الرماةُ في الغنيمة، وفارقوا المكانَ الذي أمرهم النبيُّ ﷺ بملازمته، فأتى خالدُ ابنُ الوليد مع خيل المشركين من خلفِ المسلمين، ووقع الصراخُ: أن محمدًا قُتِل، وانكشف المسلمون، وأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء على المسلمين، وكان عدد الشهداء من المسلمين سبعين رجلًا، وعدة قتلى المشركين اثنين وعشرين رجلًا.
ووصل العدو إلى رسول الله ﷺ ، وأصابته حجارتهم حتى وقع، وأُصيبت رَبَاعِيَتُه، وشُجَّ في وجهه، وكُلِمَتْ شفتُه، وكان الذي أصابَ رسولَ الله ﷺ عتبةُ بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص، وجعل الدمُ يسيل على وجه رسول الله ﷺ وهو يقول: "كيفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ"، فنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (١).
ودخلت حلقتان من حِلَق المِغْفر في وجه رسول الله ﷺ من الشَّجَّة، ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجه رسول الله ﷺ ، فسقطت ثنيته الواحدة، ثم نزع الأخرى، فسقطت ثنيته الأخرى، وكان أبو عبيدة ساقطَ الثنيتين، ومصّ مالك بن سنانُ أبو أبي سعيد الخدري (٢)
стр. 151
الدمَ من وجه رسول الله ﷺ ، وازْدَرَدَهُ (١)، فقال النبيُّ ﷺ : "مَنْ مَسَّ دَمِي [دَمَهُ] لَمْ تُصِبْهُ النَّارُ".
ومَثَّلت هندٌ وصواحبُها بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ ، فجدَ عْنَ الآذانَ والأنوف، واتخذنَ منها قلائدَ، وبقرت هندٌ عن كبد حمزةَ، ولاكتها.
وضرب زوجُها أبو سفيان بزُجِّ الرمح شدقَ حمزة، وصعِدَ الجبل، وصرخ بأعلى صوته: الحربُ سِجال، يومٌ بيوم بدر، اعْلُ هُبَلُ؛ أي: أظهر دينك.
ولما انصرف أبو سفيان ومن معه، نادى: إن موعدَكم بدرٌ العام القابل، فقال النبي ﷺ لواحد: "قُلْ: هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ"، ثم سار المشركون.
ثم التمس رسولُ الله ﷺ عمه حمزةَ، فوجده، وقد بُقِر بطنُه، وجُدِع أَنفه وأُذناه، فقال رسول الله ﷺ : "لَئِنْ أَظْهَرَني الله عَلَى قُريشٍ، لأُمَثِّلَنَّ بِثَلاثينَ مِنْهُمْ" (٢)، ثم قال: "جاءني جبريلُ، فأخبرَني أَنَّ حمزةَ مكتوبٌ في أهل السماواتِ السبعِ: حمزةُ بنُ عبدِ المطلبِ أسدُ الله وأسدُ رسولِه" (٣).
ثم أمر رسولُ الله ﷺ ، فسُجِّي ببردة، ثم صلَّى عليه، فكبر سبعَ
стр. 152
تكبيرات، ثم أُتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه، حتى صلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة، وهذا دليل لأبي حنيفة؛ فإنه يرى الصلاة على الشهيد؛ خلافًا للشافعي وأحمد ﵏.
ثم أمر بحمزة فدُفِن، واحتُمِل ناسٌ من المسلمين إلى المدينة، فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله ﷺ ، وقال: "ادفنوهُم حيثُ صُرِعوا" (١).
وأصيبت عينُ قَتادَةَ بنِ النعمان، فردّها رسولُ الله ﷺ بيده، فكانت أحسنَ عينيه، واستُشهد أنسُ بنُ النَّضْرِ بنِ ضمضم عمُّ أنس بن مالك، وقد أبلى بلاءً حسنًا، وفيه نزلت: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] الآية.
* ذكر إرسال عمرو بن أمية لقتل أبي سفيان:
قيل: إن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن أمية الضمري إلى مكة، مع رجل من الأنصار، وأمرهما بقتل أبي سفيان صخر بن حرب، فلم يظفرا به، فقتل عمرٌو عثمانَ بنَ مالكٍ التّيميَّ، فركب صاحبُ عمرٍو البعيرَ، وأتى رسولَ الله ﷺ ، فأخبره الخبرَ، وأما عمرٌو، فسار حتى دخل دارًا بضجنان، ومعه قوسُه وأسهمه، فبينما هو فيه، إذ دخل عليه رجل من بني الديل، أعورُ طويلٌ، يسوق غنمًا له، فقال: من الرجل؟ قال: من بني الديل، فاضطجع معه، ورفع عقيرته يتغنى ويقول:
стр. 153
وَلَسْتُ بِمُسْلِمٍ مَادُمْتُ حَيًّا ... وَلَسْتُ أَدِينُ دِينَ المُسْلِمِينَا
ثم نام، فقتله، ثم سار، فإذا رجلان بعثتهما قريش، يتجسسان أمرَ رسولِ الله ﷺ ، فرمى أحدَهما بسهم، فقتله، واستأسر الآخرُ، فقدمَ على رسول الله ﷺ ، وأخبره الخبرَ، فضحك، ودعا له بخير (١).
* وفيها - أعني السنة الثالثة من الهجرة -: تزوج النبي ﷺ حفصةَ بنتَ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵄، وبنى بها فيها.
وقيل: تزوجها سنة اثنتين - والله أعلم -.
وكانت قبل أن يتزوجها النبي ﷺ تحت خُنَيس بن حُذافة السهمي.
وخُنَيْس: بخاء معجمة مضمومة ونون مفتوحة بعدها ياء ساكنة وآخرها سين مهملة.
* * *
* ودخلت السنة الرابعة من الهجرة *
* وفيها: كانت غزوة بني النضير من اليهود، وسار إليهم النبي ﷺ في ربيع الأول، ونزل تحريمُ الخمر، وهو محاصر لهم، وأجلاهم، وكانت أموالهم فيئًا، فقسمها على المهاجرين دون الأنصار، إلا أن سهلَ ابنَ حنيف وأبا دُجانة ذكرا فقرًا، فأعطاهما من ذلك شيئًا.
* وفيها: كانت غزوة ذات الرِّقاع، وسميت بذلك؛ لأنهم رقّعوا
стр. 154
فيها جراباتهم، وتقارب الناس، ولم يكن بينهما حرب، وكان ذلك في جمادى الأولى.
وفي هذه الغزوة قال رجُل من غطفان لقومه: ألا أقتل لكم محمدًا؟ قالوا: بلى، وحضر إلى عند النبي ﷺ ، وقال: يا محمد! أُريد أن أنظر إلى سيفك، وكان محلًّى بفضة، فدفعه إليه، فأخذه، واستلَّه، ثم جعل يهزُّه ويهمُّ، ويَكْبِتُه الله، ثم قال له: يا محمد! ما تخافني؟ فقال له: "لا أَخافُ منكَ"، ثم ردّ سيفَ رسولِ الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١] (١).
* وفيها: كانت غزوة بدر الثانية، وتسمى - أيضًا -: غزوة السَّويق .
ففي (٢) شعبان من السنة الرابعة خرج رسولُ الله ﵁ إلى بدر لميعاد أبي سفيان بن حرب حتى نزل بدرًا، فأقام عليها ثمانية ليالي ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة إلى مَرِّ الظَّهْران، وقيل: إلى عُسفان، ثم رجع، ورجعتْ قريشٌ معه، فسمّاهم أهلُ مكة جيشَ السَّويق، يقولون: إنما خرجتُم تشربون السويق، فلما لم يأت، انصرف رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، والله سبحانه أعلم.
* * *
стр. 155
* السنة الخامسة من الهجرة *
* وفيها: كانت غزوة الخندق: وكانت في شوال من هذه السنة (١)، وكان من حديثها: أن نفرًا من اليهود - وهم الذين حرّضوا الأحزاب على رسول الله ﷺ خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة، يدعونهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، وقالوا: دينُكم خيرٌ من دينه، وأنتم أَوْلى بالحقِّ منه، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٥] (٢).
ولما سمع رسولُ الله ﷺ بهم، وما أجمعوا عليه، أمر بحفر الخندق حولَ المدينة، قيل: إنه بإشارة سلمانَ الفارسيِّ، وهو أولُ مشهد شهدَه مع رسول الله ﷺ .
وظهرت في حفر الخندق عدة معجزات:
* منها: ما رواه جابر، قال: اشتدَّت عليهم كديةٌ - أي: صخرة -،
стр. 156
فدعا النبيُّ ﷺ بماءٍ، وتفل فيه، ونضحه عليها، فانهالت تحت المساحي (١).
* ومنها: أن أُبية بنتَ بشير بن سعيد الأنصاري، وهي أخت النعمان ابن بشير، بعثتها أمها بقليل تمر غداء أبيها بشير، وخالِها عبدِ الله بن رواحة، فمرّت برسول الله ﷺ ، فدعاها، وقال: "هاتي ما مَعَك يا بُنَيَّة"، فصبّتْ ذلك التمر في كَفَّي رسولِ الله ﷺ ، فما امتلأتا، ثم دعا رسول الله ﷺ بثوب، وبدَّدَ ذلك التمر عليه، ثم قال لإنسان: "اصرخْ في أهلِ الخندقِ أَنْ هَلُمُّوا إلى الغداءِ"، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيدُ حتى صدر أهلُ الخندق عنه، وإنه ليسقطُ من أطراف الثوب.
* ومنها: ما رواه جابر، قال: كانت عندي شُوَيْهَةٌ غيرُ سمينة، فأمرتُ امرأتي أن تخبز قرصَ شعير، وأن تشوي تلكَ الشاةَ لرسولِ الله ﷺ ، وكنا نعملُ في الخندق نهارًا، وننصرفُ إذا أمسينا، فلما انصرفنا من الخندق، قلت: يا رسول الله! صنعتُ لكَ شويهةً، ومعها شيءٌ من خبز الشعير، وأنا أحبُّ أن تنصرفَ إلى منزلي، فأمر رسولُ الله ﷺ من يصرخُ في الناس: أنِ انصرفوا مع رسول الله ﷺ إلى بيتِ جابر.
قال جابر: إنا لله وإنا إليه راجعون - وكان ظنَّ أن يمضي رسولُ الله ﷺ وحده -، وأقبل رسولُ الله ﷺ والناسُ معه، وقدَّمنا له ذلك، فبرَّكَ وسمّى، ثم أكل، وتواردها الناس، كلما صدر عنها قوم، جاء ناس،
стр. 157
حتى صدر أهل الخندق عنها (١).
وروى سلمان الفارسي، قال: كنت قريبًا من رسول الله ﷺ ، وأنا أعمل في الخندق، فتغلظ عليَّ الموضعُ الذي كنت أعمل فيه، فلما رأى رسولُ الله ﷺ ، أخذ المِعولَ، وضرب ضربة لمعت تحت المِعول بَرْقَةٌ، ثم ضرب أخرى، فلمعت برقةٌ أخرى، ثم ضرب أخرى، فلمعت برقة أخرى، قال فقلت: بأبي أنت وأمي! ما هذا الذي يلمع تحت المعول؟ فقال: "أرأيتَ ذلكَ يا سلمانُ؟ "، فقلت: نعم. قال: "أَمَّا الأُولى، فإنَّ الله فتحَ عَلَيَّ بها اليَمَنَ، وأَمَّا الثانيةُ، فإن الله فتحَ عَلَيَّ بها الشَّامَ والمَغْرِبَ، وأَمَّا الثالثةُ، فإنَّ الله فتحَ عَلَيَّ بها المَشْرِقَ" (٢).
وعمل رسول الله ﷺ في الخندق ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون، وفرغ رسول الله ﷺ من الخندق.
وأقبلت قريش في أحابيشها ومَنْ تبعها من كنانةَ في عشرة آلاف، وأقبلت غَطَفان ومن تبعها من أهل نجد، وكان بنو قريظة وكبيرُهم كعبُ ابنُ أسدٍ قد عاهد النبيَّ ﷺ ، فما زال عليهم أصحابهم من اليهود حتى نقضوا العهد، وصاروا مع الأحزاب على رسول الله ﷺ .
وعَظُم عند ذلك الخَطْبُ، واشتد البلاء، حتى ظن المؤمنون كل الظن، ونَجَمَ النفاق، حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا أن نأكل
стр. 158
كنوزَ قيصر، وأحدُنا اليومَ لا يأمَنْ على نفسه أن يذهب إلى الغائط (١).
وأقام رسول الله ﷺ والمشركون بضعًا وعشرين ليلة، ولم يكن بين القوم حربٌ إلا الرمي، وتقدم فوارسُ من قريش يلتمسون القتال، فأقبلوا حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه، قالوا: والله! إن هذه لمَكَيدةٌ، ما كانت العربُ تكيدها، ثم قَتَل عليُّ بن أبي طالب ﵁ عَمْرَو بن عبدِ ودٍّ، وخرجتْ خيلُ قريش منهزمةً، وقال علي ﵁ في ذلك:
نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ ... وَنَصَرْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ بِضِرَابِ
فَصَدَدْتُ حِينَ تَرَكْتُهُ مُتَجَدّلًا ... كَالجِذْعِ بَيْنِ دَكادِكٍ وَرَوَابي
لا تَحْسَبُنَّ الله خَاذِلَ دِيِنهِ ... وَنبِيِّهِ يا مَعْشَرَ الأَحْزَابِ
ثم نصر الله نبيَّه على المشركين، وخذَلهم، واختلفت كلمتُهم، ثم إن الله تعالى أهبَّ ريح الصَّبا، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، فجعلت الريح تقلِب آنيتهم، وتَكْفَأُ قُدورهم، وانقلبوا خاسرين.
стр. 159
وبلغ رسولَ الله ﷺ أمرُهم، وأنهم عادوا راجعين إلى بلادهم، وقال رسولُ الله ﷺ : "الآنَ نَغْزُوهُمْ، وَلا يَغْزُوناَ" (١)، فكان كذلك حتى فتحِ مكة، والله أعلم.
* وفيها: كانت غزوة بني قريظة في ذي القعدة: ولما عاد النبي ﷺ إلى المدينة من غزوة الأحزاب، وضع المسلمون السلاح، فلما كان الظُّهر أتى جبريلُ النبيَّ ﷺ ، فقال: أقدْ وضعتَ السلاح؟ قال: "نعم"، قال: ما وضعت الملائكةُ السلاح، إن الله يأمرُك بالمسير إلى بني قريظَة (٢)، فإني عامدٌ إليهم، فَمُزَلْزِلٌ بهم (٣).
فأمر رسولُ الله ﷺ مناديًا، فنادى: مَنْ كان سامعًا مطيعًا، فلا يصلينَّ العصرَ إلا في بني قريظة، وقدَّم عليًا ﵁ إليهم برايته، ثم تلاحق الناسُ، ونزل رسولُ الله ﷺ ، وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، وقذفَ الله في قلوبهم الرعبَ، ولما اشتد بهم الحصار، نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فردَّ الحكمَ فيهم إلى سعد بن معاذ، فحكَمَ أن تُقتل المقاتلة، وتُسبى الذرية والنساء، وتقسم الأموال، فقال رسول الله ﷺ : "لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الله مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ" (٤).
стр. 160
ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وحبس بني قريظة في دار بنت الحارث: امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة، فخندقَ بها خنادقَ، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، وكانوا ست مئة، أو تسع مئة، وقيل: ما بين الثمان والسبع مئة.
ثم قسم رسول الله ﷺ الأموال، فكان للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان، ولفارسه سهم، وللراجل سهم، وكانت الخيل يومئذ ستة وثلاثين فرسًا.
ثم قسم سبايا بني قريظة، فأخرج الخمس، واصطفى لنفسه ريحانةَ بنتَ عمرٍو، فكانت في ملكه حتى مات.
واستُشهد في غزوة بني قريظة خلادُ بن زيد بن ثعلبة، شهد العقبة وبدرًا وأُحدًا والخندق ويوم بني قريظة، وقُتل يومئذ شهيدًا، دلَّت عليه امرأةٌ من بني قريظة رَحًى، شَدَخَتْ رأسه، فقال رسول الله ﷺ : "له أَجْرُ شهيدينِ" (١)، وقتلها به (٢)، ولم يستشهد في غزوة بني قريظة غيره.
وفي هذه السنة: توفي سعد بن معاذ بن النعمان بن زيد بن عبد الأشهل ﵁، ولما مات، نزل جبريل ﵇ على النبيِّ ﷺ معتجرًا بعمامة من إِستبرق، وقال: يا محمد! مَنْ هذا الذي فُتحت له
стр. 161
أبواب السماء، واهتزَّ له العرشُ (١)، فقام رسول الله ﷺ يجرُّ ثوبه إلى سعد ابن معاذ، فوجده قد مات (٢)، وأخبر ﵊: أنه شهدَه سبعون ألفًا من الملائكة، لم ينزلوا إلى الأرض قبلَ ذلك (٣).
وكان سعدُ بن معاذ جُرح على الخندق، وسأل الله تعالى أن لا يُميته حتى يغزو بني قريظة؛ لغدرهم برسولِ الله ﷺ (٤)، فاندمَلَ جرحُه، حتى فرغ من غزوة بني قريظة؛ كما سأل الله تعالى، ثم انتقض جرحه، ومات - رحمه الله تعالى -.
* وفيها: هلك أمية بن أبي الصلت: وكان قد قرأ الكتبَ المتقدمة، ورغب عن عبادة الأوثان، وأخبر أن نبيًا يخرج قد أظلَّ زمانُه، وكان يؤمِّل أن يكون هو ذلك النبيَّ، فلما بلغه ظهورُ رسول الله ﷺ ، كفر به حسدًا له، وكان يحرِّض قريشًا بعد ذلك على النبي ﷺ .
* * *
* السنة السادسة من الهجرة *
خرج رسول الله ﷺ في جمادى الأولى إلى بني لحيان طالبًا بثأر
стр. 162
أهل الرجيع، فتحصنوا برؤوس الجبال، فنزل عسفان تخويفًا لأهل مكة، ثم رجع إلى المدينة.
* وفيها: كانت غزوة ذي قُرَد: وسببها: أن عُيينةَ بنَ حصنٍ الفزاريَّ أغار على لِقاحِ رسول الله ﷺ ، وهي بالغابة، فخرج رسولُ الله ﷺ يوم الأربعاء، حتى وصل إلى ذي قرد، لأربع خلون من ربيع الأول، فاستنقذ بعضها، وعاد إلى المدينة، وكانت غَيبته خمس ليال.
وفي هذه الغزاة نودي: يا خيل الله! اركبي، ولم يكن يقال ذلك قبلَها (١).
وذو قرد: موضع على ميلين من المدينة على طريق خيبر.
* وفي شعبان، وقيل: في سنة خمس: كانت غزوة بني المصطلق من خزاعة، وكان بلغَ رسولَ الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدُهم الحارثُ بن أبي ضرار، أبو جُويريةَ زوجِ النبي ﷺ ، فلما سمع بهم، خرج إليهم، فلقيهم بماء يقال له: المريسيع، بناحية قديد، فاقتتلوا، فانهزم المشركون، وقُتِل من قُتِل منهم.
وكان حاملَ راية المهاجرين أبو بكر، ورايةِ الأنصار سعد بن عبادة، وأمر رسول الله ﷺ بالأسارى، فكتفوا، وجمع الغنائم، وكانت الإبل ألفي بعير، والشياه خمسة آلاف شاة، وكان السبي مئتي بنت، وكانت غيبة رسول الله ﷺ عن المدينة ثمانيةً وعشرين يومًا.
стр. 163
وكان في جملة السبي: جُويريةُ بنتُ الحارث، كان اسمها بَرَّةَ، فسماها رسولُ الله ﷺ : جويرية (١)، وكانت إحدى أزواجه ﷺ ، وكانت وقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس، فكاتبته على نفسها، فأدى رسولُ الله ﷺ كتابتَها، وتزوَّجها، فقال الناس: أصهارُ رسول الله ﷺ ، فأُعتق بتزويجه إياها مئةُ أهل بيتٍ من بني المصطلق، فكانت عظيمةَ البركة على قومها (٢).
* ذكر قصة الإفك:
ولما رجع رسولُ الله ﷺ من هذه الغزوة، وكان ببعض الطريق، قال أهل الإفك ما قالوا، وهم: مِسْطَحُ بن أُثاثَةَ بنِ عبادِ بنِ عبد المطلب، وهو ابنُ خالة أبي بكر، وحسانُ بنُ ثابت، وعبد الله بن أُبيٍّ ابنُ سلول الخزرجيُّ المنافق، وحَمْنَةُ بنتُ جَحْش، فرموا عائشةَ ﵂ بالإفك مع صفوانَ بنِ المعطّل، وكان صاحبَ الساقة، فلما نزلتْ براءتها، جلدَهم رسولُ الله ﷺ ثمانين ثمانين، إلا عبدَ الله بنَ أبي، فإنه لم يجلده، وكان صفوانُ حَصُورًا لا يأتي النساء (٣).
وفي هذه الغزوة نزلت آية التيمم.
* وفيها - أعني: سنة ست -: كانت عمرة الحديبية، وهي أن
стр. 164
رسول الله ﷺ خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست معتمرًا، لا يريد حربًا، بالمهاجرين والأنصار، في ألف وأربع مئة، وساق الهديَ، وأحرم بالعُمرة، وسار حتى وصل إلى ثنية المرار مهبط الحديبية أسفل مكة، وأمر بالنزول، فقالوا: ننزل على غير ماء؟ ! فأعطى رجُلًا سهمًا من كنانته، وغرزه في قَليب من تلك القُلُب في جوفه، فجاش الماء بالريِّ، حتى كفى الجيش، وكان اسمُ الذي أخذ السهم ناجيةَ بنَ عُمير، سائقَ بُدْنِ النبي ﷺ ، وهذا من مشاهير معجزاته (١).
فبعثت قريشٌ عُروةَ بنَ مسعود الثقفيَّ، وهو سيدُ أهل الطائف، فأتى رسولَ الله ﷺ ، وقال: إن قريشًا لبسوا جلود النمور، وعاهدوا الله أن لا تدخل عليهم مكة عَنْوَة أبدًا، ثم جعل عُروة يتناول لحيةَ رسولِ الله ﷺ ، وهو يكلِّمه، والمغيرةُ بنُ شُعبةَ واقف على رأس رسول الله ﷺ ، فجعل يقرع يده، ويقول: كُفَّ يدَك عن وجه رسول الله ﷺ ، قبل أن لا ترجعَ إليك، فقال له عروة: ما أَفَظَّكَ وأغلظَكَ! فتبسَّم رسولُ الله ﷺ .
ثم قام عُروة من عند رسول الله ﷺ ، وهو يرى ما يصنع أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصُق إلا ابتدروا بُصاقه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه.
ورجع إلى قريش، وقال لهم: إني جئتُ كسرى وقيصرَ في مُلْكهما، فو الله! ما رأيت ملكًا في قومه مثلَ محمد في أصحابه.
стр. 165
ثم إن رسولَ الله ﷺ دعا عمر بن الخطاب ﵁ ليبعثه إلى قريش؛ ليعلمهم بأن رسول الله ﷺ لم يأت لحرب، فقال عمر: إني أخاف قريشًا؛ لغلظتي عليهم، وعداوتي فيهم، فبعث رسولُ الله ﷺ عثمانَ بنَ عفان ﵁ إلى أبي سفيان وأشرافِ قريش: أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرًا، ومعظِّمًا لهذا البيت.
فلما وصل إليهم عثمان بن عفان، وعرّفهم بذلك، فقالوا له: إن أحببتَ أنك تطوفُ بالبيت، فطفْ، فقال: ما كنتُ لأفعلَه، حتى يطوفَ رسولُ الله ﷺ ، فأمسَكوه، وحَبَسوه، وبلغَ رسولَ الله ﷺ أن عثمان قُتِل، فقال رسول الله ﷺ : "لا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ القَوْمَ"، ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان الناس يقولون: بايعهم رسولُ الله على الموت، وكان جابرٌ يقول: لم يبايعْنا إلا على أننا لا نفرُّ، فبايع رسولُ الله ﷺ الناسَ، ولم يتخلف أحدٌ من المسلمين، إلا الحُرُّ بنُ قيسٍ، استترَ بناقته، وبايع رسولُ الله ﷺ لعثمانَ في غيبته، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم أتى رسولَ الله ﷺ الخبرُ أن عثمان لم يُقتَل.
* ذكر الصلح بين رسول الله ﷺ وقريش:
ثم إن قريشًا بعثوا سُهيلَ بنَ عمرٍو في الصلح، وتكلم مع النبي ﷺ في ذلك، فلما أجابَ إلى الصلح، قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله! ألستَ برسول الله؟ أَوَلسنا بالمسلمين؟ فقال رسول الله ﷺ : "بلى"، قال: فعلامَ نعُطي الدَّنِيَّةَ في ديننا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أَنا عبدُ الله
стр. 166
ورسولُه، ولَنْ أُخالِفَ أَمْرَهُ، ولَنْ يُضَيِّعَني" (١).
ثم دعا رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب، فقال: "اكتبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فقال سُهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتبْ: باسمك اللهمَّ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اكتبْ: باسمك اللهمَّ"، ثم قال: "اكتبْ: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسولُ الله ﷺ "، فقال سهيل: لو شهدتُ أنك رسولُ الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمَك واسمَ أبيك، فقال رسول الله ﷺ : "اكتبْ: هذا ما صالح عليه محمدُ بنُ عبدِ الله سُهيلَ بنَ عَمْرٍو على: وَضْعِ الحَرْبِ عن الناسِ عَشْرَ سِنينَ، وأنه مَنْ أَحَبَّ أن يدخُلَ في عقدِ محمدٍ وعهدِه، دخلَ فيه، ومن أحبَّ أن يدخُلَ في عقدِ قريشٍ وعهدِهم، دخلَ فيه"، وأشهدوا في الكتاب على الصلح رجالًا من المسلمين والمشركين.
وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ لما خرجوا من المدينة، لا يشكُّون في فتح مكة؛ لرؤيا رآها النبي ﷺ ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، داخلَ الناسَ من ذلك أمرٌ عظيم، حتى كادوا يهلكون.
ولما فرغ رسول الله ﷺ من ذلك، نحر هَدْيَه، وحلقَ رأسه، وقام الناس - أيضًا -، فنحروا وحلقوا، وقال رسول الله ﷺ يومئذ: "يرحَمُ الله المحلِّقين"، قالوا: والمقصِّرينَ يا رسول الله، قال: "يرحُم اللهُ المحلِّقين" حتى أعادوا، وأعاد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: "والمقصِّرينَ" (٢).
стр. 167
ثم قفلَ النبيُّ ﷺ إلى المدينة، حتى إذا كان بين مكة والمدينة، نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٢] (١).
ودخل في الإسلام في هذه السنة مثلُ ما دخل فيه قبلَ ذلك وأكثرُ، وهاجر إلى رسول الله ﷺ نسوةٌ، فيهن أمُّ كلثومٍ بنتُ عقبةَ بنِ أبي مُعَيط، فجاء أخواها الوليدُ، وعمارة يطلبانها، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فلم ترسل امرأة مؤمنة إلى مكة.
وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فطلق عمر ﵁ امرأتين له، إحداهما: قُريبةُ بنتُ أبي أمية، فتزوجها معاوية وهما مشركان، والثانية: أم كلثوم بنة عمرو بن جَرْول الخزاعية، فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم، وهما مشركان.
* * *
* السنة السابعة من الهجرة *
* فيها: كانت غزوة خيبر: وذلك أن رسول الله ﷺ لما رجع من الحديبية، أقام بالمدينة ذا (٢) الحجة وبعضَ المحرم، ثم خرج في منتصف
стр. 168
المحرم سنة سبع، وسار إلى خيبر في ألف وأربع مئة فارس، وخيبرُ على ثمان بُرُدٍ من المدينة، واستخلف على المدينة سباعَ بنَ عرفطة الغفاري، ولما أشرفَ رسولُ الله ﷺ على خيبر، قال لأصحابه: "قفوا"، ثم قال: "اللهمَّ ربَّ السَّمَواتِ وَما أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرَضيِنَ وَما أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّياحِ وَمَا ذَرَيْنَ، نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ، وخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ أَهْلِهَا، وَشَرِّ مَا فِيَها، أَقْدِمُوا بِاسْمِ الله" (١)، ونزل على خيبر ليلًا، ولم يعلم أهلها.
فلما أصبحوا، خرج أهلها إلى عملهم، ومعهم مَكاتِلُهم ومَساحيهم، فلما رأوه، عادوا، وقالوا: محمدٌ والخميسُ - يعنون: الجيش -، فقال النبي ﷺ : "الله أكبرُ خَرِبَتْ خيبرُ، إِنَّا إِذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ؛ فَسَاءَ صَبَاحُ المنذَرِينَ" (٢)، ثم حاصرهم، وضيّق عليهم، وبدأ بالأموال يأخذها مالًا مالًا، ويفتحها حصنًا حصنًا.
وأصاب منهم سبايا، منهن: صفيةُ بنتُ حُيَيِّ بنِ أخطبَ، وكانت عندَ كِنانَة بنِ الربيع بنِ أبي الحُقَيْق، فاصطفاها رسولُ الله ﷺ لنفسه، وتزوَّجها، وجعل عِتْقَها صَداقَها، وهذا مذهبُ الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وهو من مفردات مذهبه.
ثم افتتح حصنَ الصَّعْب، وما كان بخيبر حصنٌ أكثر طعامًا
стр. 169
ووَدكًا منه، ثم انتهى إلى الوطيح، والسلالم، وكان آخر حصون خيبر افتتاحًا.
وروي: أن رسول الله ﷺ ربما كانت تأخذُه الشقيقةُ، فيلبث اليومَ واليومين لا يخرج، فلما نزلَ خيبرَ، أخذته، فأخذ أبو بكر الصديق ﵁ الرايةَ، وقاتل قتالًا شديدًا، ثم رجع، فأخذها عمرُ، فقاتل قتالًا شديدًا، أشدَّ من الأول، ثم رجع، فأخبر بذلك النبي ﷺ ، فقال: "أَمَا واللهِ! لأُعطينَّ الرايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ الله ورسولَهُ، ويحبُّهُ اللهُ ورسولُه، كَرّارًا غَيْرَ فَرّارٍ، يَأْخُذُها عَنْوَةً"، فتطاولَ المهاجرون والأنصار، وكان عليُّ ابن أبي طالب ﵁ قد تخلف بالمدينة لرمَدٍ لَحِقَه، فلما أصبحوا، جاء عليُّ ﵁ على بعير له، فتفلَ النبيُّ ﷺ في عينه، فما اشتكى رمدًا بعدها، ثم أعطاه الراية، فنهض بها، فأتى خيبرَ، فأشرف عليه رجلٌ من يهود خيبرَ، وقال: من أنت؟ قال: أنا عليُّ بن أبي طالب، فقال اليهودي: غُلبتم يا معشَر اليهود، فخرج مَرْحَبٌ من الحصن، وعليه مغفر يماني، وعلى رأسه بيضةٌ عادية، وهو يقول:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ ... إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَلْتَهِبُ
فسار إليه عليٌّ ﵁، وقال مجيبًا له:
стр. 170
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... أَكِيلُهُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
لَيْثٌ بِغَابَاتٍ شَدِيدُ القَسْوَرَهْ
واختلف بينهما ضربتين، فسبقه عليٌّ ﵁ بضربته، فَقَدَّ البيضة والمغفر، ورأسه، فسقط عدوُّ الله ميتًا (١).
وكان فتحُ خيبر في صفر، على يد عليٍّ ﵁، بعد حصار بضعَ عشرةَ ليلة، وحاز رسول الله ﷺ الأموالَ كلَّها، وسأله اليهودُ أهلُ خيبر على أن يُساقِيَهم على النصف من ثمارهم، ويُخرجهم متى شاء، ففعل ذلك، وفعل مثل ذلك أهل فَدَك.
فكانت خيبرُ فيئًا للمسلمين، وكانت فَدَكُ خالصةً لرسول الله ﷺ ؛ لأنهم لم يُجلبوا عليها بِخَيلٍ ولا رِكاب، ولم يزلْ يهودُ خيبرَ كذلك، إلى خلافة عمرَ ﵁، فأجلاهم منها.
ولما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر، انصرف إلى وادي القُرى، فحاصره ليلةً، وفتحه عَنْوَة.
ثم سار إلى المدينة، ولما قدمها، وصل إليه من الحبشة بقيةُ المهاجرين، ومنهم: جعفرُ بنُ أبي طالب، فروي: أن النبي ﷺ قال: "ما أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أُسَرُّ، بِفَتْحِ خَيْبَرَ، أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ" (٢).
стр. 171
وكان النبي ﷺ قد كتب إلى النجاشي يطلبهم، ويخطب أمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيان، وكانت هاجرتْ مع زوجها عبدِ الله بن جحش، فتنصّر عبدُ الله المذكور، وأقام بالحبشة، فزوّجها للنبي ﷺ ابنُ عمِّها خالدُ بنُ سعيد بنِ العاص بنِ أمية، وكان بالحبشة من جملة المهاجرين، وأصدَقَها النجاشي عن النبي ﷺ أربعَ مئة دينار، ولما بلغ أباها أبا سفيان أن النبيَّ ﷺ تزوجها، فقال: ذلك الفحلُ الذي لا يُجدَع أنفُه، فقدمتْ إلى النبي ﷺ ، وكلّم رسولُ الله ﷺ المسلمين، في أن يدخلوا الذين حضروا من الحبشة، في سهامهم من مَغْنَم خيبر، ففعلوا.
وفي غزوة خيبر: أهدت للنبي ﷺ زينبُ بنت الحارث، امرأةُ سَلاَم ابن مِشْكَم اليهوديةُ شاةً مَصْلِيَّة مسمومة، فأخذ منها قطعة، ولاَكها، ثم لَفَظَها، وقال: "تُخبرُني هذهِ الشاةُ أَنَّها مَسْمومَةٌ"، وكان معه بِشْرُ بنُ البراء بنِ مَعْرور، فأكل بشرٌ منها، ثم دعا النبيُّ ﷺ المرأة، فاعترفَتْ، فتجاوز عنها.
وقيل؟ مات بِشْرٌ، فقتلَها به (١).
ثم قال النبي ﷺ في مرضه: "إِنَّ أكلةَ خيبرَ لم تزلْ تُعاودني، وهذا زَمانُ انْقِطاعِ أَبْهَرِي" (٢).
стр. 172
* ذكر رسل النبي ﷺ إلى الملوك:
في هذه السنة - أعني: سنة سبع - بعث النبي ﷺ كُتُبَه ورُسُله إلى الملوك، يدعوهم إلى الإسلام:
- بعث إلى كسرى برويز بن هرمز: عبدَ الله بنَ حُذافة، فمزّق كسرى كتابَ النبي ﷺ ، وقال: يُكاتبني بهذا وهو عبدي؟ ! ولما بلغ النبيَّ ﷺ ذلك، قال: "مَزَّقَ الله مُلْكَهُ" (١).
- ثم بعث كسرى إلى باذان عامِله باليمن: أن ابعثْ إلى هذا الرجل الذي بالحجاز، فبعث باذان إلى النبي ﷺ اثنين، أحدُهما يقال له: خرخسرة، وكتب معهما، يأمر النبيَّ ﷺ بالمسير إلى كسرى، فدخلا على النبي ﷺ ، وقد حلقا لحاهما وشواربهما، فكرِه النبي ﷺ النظرَ إليهما، وقال: "وَيْلَكُمَا! مَنْ أَمَرَكُما بِذَلِكَ؟ "، قالا: ربنا - يعنيان: كسرى -، فقال النبي ﷺ : "لَكِنَّ رَبِّي أَمَرَني أَنْ أَعِفَّ عِنْ لِحْيَتي، وَقَصِّ شَارِبي"، فأعلماه بما قَدِما له، وقالا: إن فعلت، كتب فيك باذانُ إلى كسرى، وإن أَبيتَ، فهو يهلكك، فأخر النبي ﷺ إلى الغد، وأتى الخبرُ من السماء إلى النبي ﷺ : أن الله قد سلَّط على كسرى ابنَه شيرويه، فقتله، فدعاهما رسول الله ﷺ ، وأخبرهما بذلك، وقال لهما: "إِنَّ دِيني وسُلْطاني سيبلُغُ مُلْكَ كِسْرَى، فَقُولا لباذانَ أَنْ أَسْلِمْ"، فرجعا إلى باذان، وأخبراه بذلك، ثم ورد مكاتبه شيرويه إلى باذان بقتل أبيه كسرى، وأن لا يتعرض
стр. 173
للنبي ﷺ ، فأسلمَ باذانُ، وأسلم معه ناسٌ من فارس (١).
- وبعث دِحْيَةَ بنَ خَليفةَ الكلبيَّ إلى قيصرَ ملكِ الروم، وهو هِرَقْلُ، فأكرمَ دحيةَ، ووضع كتابَ النبيِّ ﷺ على فخذه.
وكتب إلى رجل برومية، وكان يقرأ الكتب، يخبره بشأنه، فكتب إليه صاحب روميةَ أنه النبي الذي كنا ننتظر، لا شك فيه، فاتّبِعه وصدِّقه، فجمع هرقلُ بطارقته في دسكرةٍ، وغُلِّقت أبوابها، ثم اطلع عليهم من عُلِّيَّةٍ، وخافهم على نفسه، وقال لهم: قد أتاني كتابُ هذا الرجل، يدعوني إلى دينه، وإنه - والله - النبيُّ الذي نجده في كتبنا، فهلُمُّوا نتبعه، ونصدقه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتُنا، قال: فنخروا نخرة رجلٍ واحدٍ، ثم ابتدروا الأبوابَ، ليخرجوا، فقال: رُدُّوهم عليَّ، وخافهم على نفسه، وقال لهم: إنما قلتُ لكم ما قلتُ؛ لأنظرَ كيف صلابتُكم في دينكم، وقد رأيتُ منكم ما سَرَّني، فسجدوا له (٢)، وانطلقوا.
فقال لدحية: إني لأعلمُ أن صاحبك نبيٌّ مرسَل، ولكن أخاف الرومَ على نفسي، ولولا ذلك، لاتبعته (٣)، وردَّ دحية رَدًّا جميلًا.
- وبعث حاطبَ بنَ أبي بَلْتَعَةَ إلى صاحب مصرَ، وهو المقوقِسُ جريجُ بنُ مَتَّى، فأكرم حاطبًا، وقبَّل كتابَ رسول الله ﷺ ، وأهدى إليه
стр. 174
أربعَ جوارٍ، إحداهن: مارية، ولدَتْ من النبي ﷺ ابنَه إبراهيمَ، والأخرى سيرين، وهبها رسولُ ﷺ لحسانَ بنِ ثابت، وأهدى إليه - أيضًا - بغلته دُلْدُل، وحمارَه يعفور، وكِسْوةً.
- وبعث عَمْرَو بنَ أُميةَ الضَّمريَّ إلى النجاشي بالحبشة، فلما جاءه كتابُ رسول الله ﷺ ، قَبَّله، وآمنَ به، واتَّبعه، وأسلمَ على يدِ جعفرِ بنِ أبي طالب ﵁، حين كان عنده في الهجرة، واسمُ النجاشي أَصْحَمَةُ، ومعناه بالعربيِّ: عَطِيَّة.
- وأرسل شجاعَ بنَ وهبٍ الأسديَّ إلى الحارثِ بنِ أبي شمرٍ الغساني بدمشق، فلما قرأ كتابَ رسول الله ﷺ ، قال: ها أنا سائرٌ إليه، فلما بلغَ رسولَ الله ﷺ قولُه، قال: "بَادَ مُلْكُهُ" (١).
- وأرسل سليطَ بنَ عمرٍو العامريَّ إلى هَوْذَةَ بنِ عليٍّ الحنفي، ملكِ اليمامة، وكان نصرانيًا، فقال هوذةُ: إن جعلَ الأمرَ لي من بعدهِ، سرتُ إليه، وأسلمتُ، ونصرته، وإلا، قصدت حربه، فقال النبي ﷺ : "لا حُبًّا ولا كرامَة، اللهمَّ اكْفِنِيهِ"، فمات بعد قليل (٢).
وكان قد أرسل هوذةُ رجُلًا يقال له: الرحال - بالحاء وقيل: بالجيم - إلى النبي ﷺ ، فأسلم، وقرأ سورةَ البقرة، ورجع إلى اليمامة، فارتدَّ، وشهدَ أن رسولَ الله ﷺ أشركَ معه مُسَيْلِمَةَ الكذابَ في النبوة،
стр. 175
فكانت فتنته أشدَّ من فتنة مسيلمة.
- وأرسل العلاءَ بنَ الحضرميِّ إلى المنذر بن ساوى ملكِ البحرين، فلما أتاه يدعوه ومَنْ معه بالبحرين إلى الإسلام أو الجزية، وكانت ولايةُ البحرين من قبل الفرس، فأسلم المنذر، وأسلم جميعُ العرب بالبحرين.
* ذكر عُمْرة القضاء:
ثم خرج رسول الله ﷺ في ذي القعدة، من سنة سبع معتمرًا عمرة القضاء، وساق معه سبعين بَدَنةَ، ولما قرب من مكة، أخرجت له قريش غنمًا، وتحدثوا أن النبي ﷺ في غش وجهدٍ وأصحابه، وقد أنهكتهم حُمَّى يثربَ، فاصطفوا له عند دار الندوة، فلما دخل المسجد، اضطبعَ؛ بأن جعل وسطَ ردائه تحت عَضُدِه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، ثم قال: "رَحِمَ الله امْرَأً أَرَاهُمُ اليَوْمَ قُوَّةً"، ورمل في أربعة أشواط من الطواف، ثم خرج إلى الصفا والمروة، فسعى بينهما (١).
وتزوج في سفره هذا ميمونةَ بنتَ الحارث، زوَّجه إياها عمُّه العباس، وذُكر أنه تزوجها محرِمًا (٢)، وهو من خواصِّه ﷺ ، وهي آخرُ امرأة تزوَّجها.
وأقام بمكة ثلاثًا، فأرسل المشركون إليه مع عليٍّ ﵁ ليخرج
стр. 176
عنهم، فخرج عنهم وبنى بميمونةَ، وانصرف إلى المدينة ﷺ .
* * *
* السنة الثامنة من الهجرة *
* ذكر إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة:
لما انصرف عَمْرُو بن العاص مع الأحزاب عن الخندق، جمع رجالًا من قريش كانوا يرون رأيه، ويسمعون منه، فقال لهم: تعلمون - والله - أني أرى أمر محمد يعلو الأمورَ علوًّا منكَرًا، وأني قد رأيت أن نكون عند النجاشي، قالوا: إن هذا هو الرأي، فجمعوا له أَدَمًا كثيرًا، وكان أحبّ إليه مما يهدي من أرضنا الأَدَم، ثم خرجوا حتى قدموا عليه، فجاء عَمْرُو بن أمية الضمري، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه، فدخل عليه، ثم خرج من عنده، فقال عمرو بن العاص لأصحابه: هذا عمرو بن أمية، لو دخلتُ إلى النجاشي، فسألتُه إياه، فأعطانيه، فضربتُ عنقه، فدخل على النجاشي، فسجد له كما كان يصنع، وكلمه فيما قال، فغضب النجاشي، ثم مدّ يده، فضرب بها أنفه ضربة، قال عمرو: ظننت أنه كسره، ثم قال: تسألني أن أعطيك رسولَ رجل يأتيه الناموسُ الأكبر، الذي كان يأتي موسى لتقتله، قال له: أيها الملك! كذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو! أطعني على الإسلام، قال: نعم، فبسط يده، فبايعه على الإسلام.
ثم خرج عمرو بن العاص إلى أصحابه، وقد حال رأيه عما كان
стр. 177
عليه، وكتم أصحابَه إسلامَه، ثم خرج عامدًا إلى رسول الله ﷺ ، فلقي خالدَ بنَ الوليد، وذلك قُبيل الفتح، وهو مقبلٌ من مكة، فقال: إلى أين يا بنَ أبي سليمان؟ فقال: والله! لقد استقام الميسم - أي: ظهرت العلامة -، وإن الرجلَ لنبي، أذهبُ - والله - إليه أُسلم، فحتى متى؟ قال: وأنا - والله - ما جئتُ إلا لأُسلم، فقدما المدينةَ على رسول الله ﷺ ، فتقدم خالدُ بنُ الوليد فأسلم، وبايع، ثم دنا عمرو، فقال: يا رسول الله! إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخَّر، فقال النبي ﷺ : "يا عَمْرُو! بايِعْ؛ فإنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما كانَ قبلَهُ، وإن الهِجْرَةَ تَجُبُّ ما قبلَها"، فبايعه، ثم انصرف، وأسلم عثمانُ بن طلحة بن عبد الدار (١).
* وفيها - أعني: سنة ثمان من الهجرة -: كانت غزوة مؤتة، وهي أول الغزوات بين المسلمين والروم، وكانت في جمادى الأولى، ومؤتة من أرض الشام، وهي قِبليَّ الكَرَك.
وكان سببها: أن النبي ﷺ بعث الحارثَ بنَ عُميرٍ رسولًا إلى ملك بصرى بكتاب، كما بعث إلى سائر الملوك، فلما نزل مؤتة، عرض له عَمْرُو بنُ شرحبيل الغساني، فقتله، ولم يُقتل لرسول الله ﷺ رسولٌ غيره.
* وفيها: اتُّخذ لرسولِ الله ﷺ المنبر، وكان يخطُب إلى جِذْع نخلة، فلما كان يومُ الجمعة، خطب على المنبر، فَأَنَّ الجذعُ الذي كان
стр. 178
يقوم عليه، كما يئنّ الصبيُّ، فقال النبي ﷺ : "إِنَّ هَذَا بَكَى لِمَا فَقَدَ مِنَ الذِّكْرِ" (١)، فنزل، فمسحه بيده حتى سكن، فلما هدم المسجد وتغير، أخذ ذلك الجذعَ أُبَيُّ بن كعب، فكان عندَه في داره حتى بَلي.
* ذكر فتح مكة:
وسبب ذلك: أن بني بكر بن عبد مناة عَدَتْ على خُزاعة، وهم على ماءٍ لهم بأسفلِ مكة، يقال له: الوثير، وكانت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ، وبنو بكر في عهد قريش في صلح الحديبية، وكانت بينهم حروب في الجاهلية.
فكلمت بنو بكر أشرافَ قريش أن يُعينوهم على خزاعةَ بالرجال والسلاح، فوعدوهم، ووافَوْهم متنكرين، فبيتوا خزاعةَ ليلًا، فقتلوا منهم عشرين، ثم ندمت قريشٌ على ما فعلوا، وعلموا أن هذا نقض العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ .
وخرج عَمْرُو بنُ سالم الخزاعيُّ في طائفة من قومه، فقدموا على رسول الله ﷺ مستغيثين به، فوقف عمرٌو عليه، وهو جالس بالمسجد، وأنشده أبياتًا، يسأله أن ينصره، فقال رسول الله ﷺ : "نُصِرْتَ يا عَمْرُو بْنَ سَاِلمٍ"، ثم قدم بُدَيلُ بنُ ورقاءَ الخزاعيُّ في نفرٍ من خزاعةَ على النبي، وأخبره، فقال: "كأنكم بأبي سفيانَ قد جاءكمُ يشدُّ العَقْدَ، ويَزيدُ في المدَّةِ"، فكان كذلك.
стр. 179
ثم قدم أبو سفيان المدينة، فدخل على ابنته أمِّ حبيبة أمِّ المؤمنين زوجِ رسول الله ﷺ ، فلما ذهب ليجلسَ على فِراش رسول الله ﷺ ، طَوَتْه عنه، فقال: ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أمن رغبتِ به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس، قال: والله! لقد أصابك بعدي يا بنية شرٌّ.
ثم خرج، فأتى النبيَّ ﷺ ، فكلمه، فلم يردَّ عليه شيئًا، فذهب إلى أبي بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى عليٍّ ﵁ على أن يكلموا النبي ﷺ في أمره، وتشفَّع بهم، فلم يفعلوا، فقال لعلي: يا أبا الحسن! إني أرى الأمور قد اشتدَّت عليَّ، فانصحْني، قال: والله! لا أعلم شيئًا يغني عنك، ولكنك سيدُ بني كنانة، فقم فَأَجِرْ بين الناس، والحقْ بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله! ما أظنه، ولكن لا أجدُ لك غيرَ ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس! إني قد أجرت بين الناس.
ثم ركب بعيرًا، وانطلق، فلما قدم إلى قريش، قالوا: ما وراءك؟ فقص شأنه، وأنه قد أجار بين الناس، قالوا: فهل أجاز محمدٌ ذلك؟ قال: لا، قالوا: والله! إن زادَ الرجلُ على أن لعب بك (١).
قال: ثم أمر رسول الله ﷺ بالجهاز، وأمر أهلَه أن يجهزوه، ثم أعلم الناسَ بأنه يريد مكة، وقال: "اللهمَّ خُذِ العُيونَ والأخبارَ عن قريش
стр. 180
حَتَّى نَبْغَتَهُمْ في بِلادِهِمْ"، ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، واستخلف على المدينة كلثومَ بنَ الحصين الغفاريَّ، فخرج لعشرٍ مضين من شهر رمضان، ومعه المهاجرون والأنصار، وطوائفُ من العرب، فكان جيشُه عشرة آلاف، فصام، وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد، أفطر.
فخرج أبو سفيان بنُ حرب، وحكيمُ بن حزام، وبديلُ بنُ ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس بن عبد المطلب قد خرج قبل ذلك بعياله مسلمًا مهاجرًا، فلقي رسولَ الله ﷺ بالجُحْفَة، وقيل: بذي الحليفة، ثم حضر أبو سفيان بن حرب على يد العباس إلى النبي ﷺ بعد أن استأمن له، فأسلم، وأسلم معه حكيمُ بن حزام، وبديلُ بن ورقاء، وقال العباس: يا رسول الله ﷺ ! إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعلْ له شيئًا يكون في قومه، فقال: "مَنْ دخلَ دارَ أبي سُفيانَ فهو آمِنٌ، ومن دخلَ المسجدَ فهو آمنٌ، ومن دخلَ دارَ حكيمِ بنِ حزامٍ فهو آمِنٌ، ومن أغلقَ عليه بابَهُ فهو آمِنٌ" (١).
وكان فيمن خرج ولقي رسولَ الله ﷺ ببعض الطريق: أبو سفيان بنُ الحارث، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بالأبواء، فأعرضَ عنهما، فجاء إليه أبو سفيان بنُ الحارث بنِ عبد المطلب، فقبل وجهه، فقال رسولُ الله ﷺ : ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، وقبل منهما إسلامهما، فأنشده أبو سفيان