بيت كبير بحلب، ولي القضاء بها، وكان والده - أيضاً - قاضيها، وباشر برئاسة وشهامة، ثم حضر إلى القاهرة، وولي كتابة السر بها، ثم غضب عليه الملك الأشرف أينال، وأخرجه إلى القدس، فأقام بها في سنة ثمان أو تسع وخمسين وثمان مئة.
ثم أعيد إلى القاهرة، وباشر كتابة السر إلى أيام الملك الظاهر خشقدم، فولي قضاء الحنفية بالديار المصرية في أوائل سنة سبع وستين وثمان مئة عوضاً عن قاضي القضاة سعد الدين الديري - كما تقدم في ترجمته -، ثم عزل بابن الصواف قاضي حماة، فتوفي ابن الصواف بعد مدة يسيرة، ثم أعيد إلى القضاء، ثم عزل هو وقاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي الشافعي في يوم واحد، في شهور سنة سبعين وثمان مئة، واستقر قاضي القضاة برهان الدين الديري أخو الشيخ سعد الدين الديري في قضاء الحنفية، وقاضي القضاة صلاح الدين أحمد المكيني في قضاء الشافعية، واستمر القاضي برهان الدين الديري سبعة أشهر، ثم عزل، وأعيد القاضي محب الدين بن الشحنة في شهور سنة إحدى وسبعين وثمان مئة، واستمر إلى أيام السلطان الملك الأشرف قايتباي، وعزل في شهور سنة سبع وسبعين وثمان مئة؛ بسبب واقعة حكم بها نائبه الشيخ خير الدين الشَّنَشي، واستقر عوضه القاضي شمس الدين الأمشاطي - كما تقدم في ترجمته -، واستمر معزولاً من القضاء إلى حين وفاته.
ولما توفي الشيخ سيف الدين شيخ الشيخونية، ولي مكانه بالشيخونية، في شهور سنة اثنتين وثمان مئة، واستمر بها إلى أن توفي،
стр. 1157
وكان قد ضعف جسده، وقلَّت قوته، وانقطع في منزله في أواخر عمره.
ومولده في سنة أربع وثمان مئة، وتوفي في شهور سنة تسعين وثمان مئة، واستقر ولده الشيخ سري الدين عبد البر في مشيخة الشيخونية عوضاً عنه - رحمه الله تعالى -.
* * *
٤٧٨ - الشيخ الجلال البكري أبو البقاء محمد بن عبد الرحمن، البكريُّ الشافعيُّ شيخُ الإسلام: باشر نيابة الحكم بالديار المصرية في أيام شيخ الإسلام شهاب الدين بن حجر ومن بعده من القضاة إلى أيام القاضي ولي الدين الأسيوطي، ثم تنزه عن الحكم، وانقطع بمنزله للاشتغال بالعلم، والفتوى والتدريس، وصنف "حاشية على الروضة"، و"حاشية على المنهاج".
وكان متواضعاً، سخياً، مع الفاقة الزائدة، وفي أواخر عمره ولي مشيخة البيبرسية تجاه الدرب الأصفر، وتوفي بها في سنة إحدى وتسعين وثمان مئة - رحمه الله تعالى -.
* * *
٤٧٩ - الشيخ تاج الدين أبو الوفا محمد ابن الشيخ تقي الدين أبي بكر بن أبي الوفا، الحسينيُّ الشافعيُّ العالمُ الصالحُ: كان من أهل العلم، وله وجاهة عند الناس، وكان شيخ الفقراء الوفائية بالأرض
стр. 1158
المقدسة، وله تصانيف في التصوف وغيره، وسكن مصر مدة، ثم عاد إلى وطنه، وقدر أنه تزوج بالرملة، وكان يتردد إليها، فتوفي بها في يوم عاشوراء، وحُمل إلى القدس الشريف، فغسِّل، وصُلي عليه يوم الحادي عشر من المحرم، سنة إحدى وتسعين وثمان مئة، ودفن بماملا ظاهر القدس من جهة الغرب عند والده، بجوار الزاوية القلندرية ﵀.
* * *
٤٨٠ - قاضي القضاة قطب الدين محمد بن محمد الخيضري الشافعي شيخ الإسلام: باشر قضاء الشام عوضاً عن القاضي جمال الدين الباعوني، وأضيف إليه كتابة السر، وباشرها نحو عشر سنين، ثم طُلب إلى القاهرة في أواخر سنة ثمانين وثمان مئة، ورسم له بالإقامة بها، وتزوج بابنة أمير المؤمنين المستنجد بالله أبي المظفر يوسف - تغمده الله برحمته - في سنة إحدى وثمانين بإشارة السلطان، واستمر قضاءُ الشام بيده، ونوابه يباشرون إلى سنة ست وثمانين وثمان مئة، فعزل منه بسؤاله، وولي بعده القاضي صلاح الدين العدوي، وألبس التشريف، واستمر نحو الأسبوع أو دونه، ثم اقتضى الحال عزله، فاستقر في القضاء القاضي شهاب الدين أحمد بن الفرفور، مضافاً إليه نظر الجيش بالشام، وأُلبس التشريف من الحضرة الشريفة.
واستمر القاضي قطب الدين بالقاهرة، وكان يدرِّس بالجامع الأزهر، وغيرِه، ويجتمع عنده الفقهاء، وغيرهم، وبنى له تربة بالقرافة على باب
стр. 1159
مقام الإمام الشافعي ﵁، ودفن بها في شهور سنة خمس وتسعين وثمان مئة ﵀.
* * *
٤٨١ - قاضي القضاة شيخ الإسلام بدر الدين أبو المعالي محمد ابن الشيخ ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن خالد بن إبراهيم، السعديُّ الحنبليُّ: الشيخ الإمام، الحَبْر البحر الهمام، العالم العامل العلامة، القدوة المحقق، شيخنا، عالم المذهب، رحلة الطلب.
مولده في سنة خمس، أو ست وثلاثين وثمان مئة، قرأ العلوم وحققها، وحصَّل أنواعاً من الفنون وأتقنها، وبرع في مذهب إمامنا المبجل أحمد بن حنبل ﵁، وصار من أعيانه، وأخذ عن علماء الديار المصرية، وغيرِهم ممن ورد إلى القاهرة، ولازم شيخه قاضي القضاة عز الدين الكناني الحنبلي - المتقدم ذكره في حرف الهمزة -، وفضل عليه، وأجازه بالإفتاء، واستخلفه في الأحكام الشرعية بالديار المصرية، وشهد بأهليته، وندبه للوقائع المهمة، والأمور المشكلة، فَسَادَ على أقرانه، وعظُم أمره، وعلا شأنه، وباشر الحكم نيابة أكثر من خمس عشرة سنة، وصار مفتي دار العدل، وكانت مباشرته للحكم حسنة، بعفة وصيانة ونزاهة، فلما قدر الله تعالى بوفاة شيخه المشار إليه في يوم السبت، حادي عشر جمادى الأولى، سنة ست وسبعين وثمان مئة، عين السلطان لقضاء الديار المصرية قاضيَ القضاة برهانَ الدين بن مفلح قاضي دمشق،
стр. 1160
وطلبه للحضور، واستمر المنصب بغير قاض مدة طويلة، فلم يُقدر لابن مفلح بالحضور، فأجمعت الآراء على تولية شيخنا المشار إليه بحكم استحقاقه لذلك، وأهليته، وعدم نظير له بالديار المصرية، فاقتضى والي مولانا السلطان الملك الأشرف أبي النصر قايتباي، وأركان دولته استقراره فيها.
ولقد أصاب في ذلك التوفيق؛ فإنه وضع الشيء في محله، وكانت توليته في يوم ختم "البخاري" بقلعة الجبل المنصورة بالقصر الشريف، في نهار الأحد، ثامن عشري رمضان المعظم، سنة ست وسبعين وثمان مئة، وألبس التشريف من حضرة السلطان، ونزل في خدمته قضاة القضاة، ومشايخ العلم والفقهاء، وخلفاء الحكم، وغيرهم إلى المدرسة الصالحية النجمية، ثم إلى منزله، وحصل بولايته الجمال للديار المصرية، بل ولسائر مملكة الإسلام، وتزايد السرور عند الخاص والعام، وانتصب للنظر في الأحكام الشرعية، وجعل مجلس حكمه بالمدرسة الصالحية بقاعة الحكم، وسلك في مباشرته طريقةَ شيخه قاضي القضاة عز الدين في الورع والعفة، حتى في قبول الهدية، والتوقف في الأمور التي يُقدم عليها كثير من الحكام، وعظم أمره، وعلت كلمته، وحسنت سيرته، ومع ذلك، فهو متواضع، لين الجانب، لا يحب الفخر ولا الخيلاء، وعنده بشاشة وحسنُ لقاء لمن يَرِدُ عليه.
ولقد أكرم مثواي عند تمثُّلي بين يديه، في شهور سنة ثمانين وثمان مئة، وأقمت تحت نظره للاشتغال بالعلم الشريف، فتفضل عليَّ، وأحسن
стр. 1161
إلىَّ، وأفادني العلم، وعاملني بالحلم، ومكثت بالديار المصرية نحو عشر سنين، إلى أن سافرت منها في سنة تسع وثمانين وثمان مئة، وأنا مشمول منه بالصِّلات، ومتصل من فضله بالحسنات، وكان السبب في سفري: ما قدره الله تعالى من ولايتي لمنصب القضاء بالرملة، ولما عزمت على السفر، حضرت بين يديه، واستأذنته في السفر، فتألم لذلك، وشق عليه، وكان من لفظه الكريم أن قال: يعز علينا فراقك؛ لأننا قد اعتدنا بك، فقبَّلت يده، وتوجهت من حضرته، وقد حصل عندي غاية الشوق لمشاهدة ذاته الجميلة؛ فإنه عاملني بالإكرام، وشكرُ المنعم واجب، فجزاه الله عني خيراً.
وأما حلمه، وسلوكه طريقةَ السلف، وتلطفه بالطلبة، فلا يكاد يوصف، ويجلس في مجلس حكمه بلا حاجب ولا بواب؛ عملاً بما نص عليه الفقهاء ﵃، وهو متصف بالصفات المعتبرة المشترطة في القاضي، قوي من غير عنف، لين من غير ضعف، حليم ذو (١) أناة، وانتهت إليه في عصرنا رئاسة هذا المذهب الشريف بالديار المصرية، بل وسائر المملكة.
وخطه حسن، وعبارته في الفتوى مفيدة وجيزة، وفصاحته في الخط واللفظ إليها النهاية، وصنف "مناسك الحج" على الصحيح من المذهب، وهو في غاية الحسن.
стр. 1162
وسافرت من القاهرة، ولم أطَّلع له على تصنيف غيره، ولما قدر الله تعالى بولايتي لمنصب القضاء بالقدس الشريف، في سنة إحدى وتسعين وثمان مئة، بلغني عنه كل جميل من الجبر، وإظهار السرور بذلك، وتنفيذ ما يُعْرَض عليه من الأحكام الواردة على يد أربابها، ولقد شاهدت ذلك بعد عود المستندات إلى القدس الشريف، وهو مستمر في منصب الحكم العزيز إلى وقتنا - أمتع الله الإسلام والمسلمين بطول بقائه (١) -.
* * *
٤٨٢ - قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن شيخ الإسلام شمس الدين أبي عبد الله محمد ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام شمس الدين أبي عبد الله محمد، الديريُّ العبسيُّ الحنفيُّ: مولده في ليلة الخامس عشر من شعبان، سنة خمس عشرة وثمان مئة بالقدس الشريف، وكان جده قاضي القضاة بالديار المصرية، وهو والد قاضي القضاة سعد الدين - المتقدم ذكره -، ووالده كان من أعيان العلماء، وهو من بيت علم ورئاسة.
باشر نيابة الحكم بالقدس الشريف عن أخيه القاضي جمال الدين عبد الله - المتقدم ذكره - مدة ولايته، ثم ولي القضاء استقلالاً عوضاً عن
стр. 1163
القاضي خير الدين بن عمران، ووردت إليه الولاية في تاسع عشري صفر، سنة تسع وسبعين وثمان مئة، وأقام بها إلى شعبان، سنة أربع وتسعين، فانفصل عنها، ثم أعيد إليها في أواخر ذي القعدة من السنة، ثم صرف عن القضاء في أواخر سنة خمس وستين وثمان مئة، فكانت ولايته نحو سبع عشرة سنة، وكانت مباشرته حسنة، والناس راضون منه، وعنده تواضع، ولقد أحسن إلينا في ولايته - عامله الله بلطفه -.
* * *
٤٨٣ - شيخ الإسلام كمال الدين أبو المعالي ابن الأمير ناصر الدين محمد بن أبي شريف، المقدسيُّ الشافعيُّ: الإمام القدوة المحقق، شيخ المذهب، رحلة الطلب، صاحب التصانيف المفيدة.
ولد في سنة اثنتين وعشرين وثمان مئة، ونشأ بالقدس الشريف، ثم سافر إلى الديار المصرية، ولقي جماعة من أعيان العلماء، وأخذ العلم عنهم، فصار نادرة وقته، وأعجوبة زمانه، وانتهت إليه رئاسة المذهب، وصار قدوة بيت المقدس ورئيسها ومفتيها.
ثم وقعت حادثة في القدس في رمضان، سنة خمس وسبعين وثمان مئة أوجبت سفره إلى القاهرة المحروسة، والاجتماع بالسلطان، فلما رآه السلطان، وجالسه، وعرف مقامه، أنعم عليه باستقراره في مشيخة الصلاحية بالقدس الشريف، فتوقف في القبول، فألزم به.
وتمثل بالحضرة الشريفة في شهر صفر، سنة ست وسبعين وثمان
стр. 1164
مئة، فلما قدم على السلطان، نزل عن سرير الملك، وتلقاه، وأكرمه، وفوض إليه الوظيفة المشار إليها، وألبسه التشريف، وكان صحبته الشيخ شهاب الدين العميري - المتقدم ذكره -، فألبس جنده، وقرر في مشيخة المدرسة الأشرفية التي هدمت، وبني مكانها المدرسة الموجودة الآن بالمسجد الأقصى، التي هي بيد شيخ الإسلام الكمالي المشار إليه، والقاضي شهاب الدين أحمد بن عبية الشافعي استقر في قضاء الشافعية بالقدس، والقاضي خير الدين بن عمران في قضاء الحنفية، وأُلبس كل منهما تشريفاً، وحصل لهم الجبر من المقام الشريف.
ثم سافر شيخ الإسلام المشار إليه، وصحبته القاضيان المشار إليهما من القاهرة، ودخلوا إلى القدس الشريف في يوم الاثنين، ثاني عشري شهر ربيع الأول، سنة ست وسبعين وثمان مئة، وكان يوماً مشهوداً، وباشر المدرسة الصلاحية مباشرة حسنة، وعمرها، وصرف المعاليم، وعمل بها الدروس المشهورة، وأقام نظامها أحسن قيام، واستمر بها نحو سنتين.
ثم استقر بها الشيخ نجم الدين محمد ابن قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة في شهور سنة ثمان وسبعين وثمان مئة، وتوفي والده الأمير ناصر الدين - رحمه الله تعالى - في جمادى الأولى، سنة تسع وسبعين وثمان مئة عن ست وثمانين سنة.
وكان شكلاً حسناً، مهيباً - رحمه الله تعالى، وعفا عنه -.
стр. 1165
واستمر شيخ الإسلام كمال الدين المشار إليه منقطعاً للاشتغال بالعلم والفتوى على عادته إلى سنة إحدى وثمانين وثمان مئة، فتوجه إلى القاهرة، واستوطنها، وأقام بها نحو تسع سنين، والطلبةُ يترددون إليه، ويشتغلون عليه في العلوم، وانتفع الناس به، وعظُمت هيبته، وارتفعت كلمته عند السلطان وأركان الدولة.
فلما رسم السلطان بهدم المدرسة الأشرفية القديمة الكائنة بالمسجد الأقصى، وجدَّد المدرسة الموجودة الآن بمكانها، وانتهت عمارتها، قدر الله تعالى بوفاة الشيخ شهاب الدين العميري الشافعي - رحمه الله تعالى - في شهر ربيع الأول، سنة تسعين وثمان مئة قبل تقرير أمرها، وترتيب وظائفها، فبرز أمر السلطان باستقرار شيخ الإسلام المشار إليه فيها، وتوجه من الأبواب الشريفة، وصحبته القاضي أبو البقاء بن الجيعان، والمهتار رمضان، وحضروا إلى القدس الشريف في شهر رجب، سنة تسعين وثمان مئة، ورتبت الوظائف بالمدرسة المشار إليه، واستقر أمرها، وباشرها شيخ الإسلام، وحصل للمدرسة المذكورة، بل وللأرض المقدسة، ولسائرِ المملكة الجمالُ والهيبة والوقار بوجود شيخ الإسلام المشار إليه، وانتظم أمر الفقهاء، وحكام الشريعة المطهرة بوجوده، وبركة علومه، ونشرَ العلم، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وازداد شأنه عظماً، وعلت كلمته.
ونفذت أوامره عند السلطان فمَنْ دونه، وبرزت إليه المراسيم الشريفة في كل وقت بما يحدث من الوقائع، والنظر في أمور الرعية،
стр. 1166
وترجم فيها بالجناب العالي شيخ الإسلام، ووقع له ما لم يقع لغيره ممن تقدمه من العلماء والأكابر؛ فإنه تقدم في الجلوس وغيره على شيخ الصلاحية، ولم تجر به عادة في الزمن القديم؛ فإن العادة جرت أن شيخ الصلاحية يكون هو المقدَّم على كل أحد من طائفة الفقهاء وغيرهم، فتقدم شيخ الإسلام المشار إليه على شيخ الصلاحية في الجلوس والكتابة، وقُدم اسمه على اسمه في المراسيم الواردة من السلطان، وفيما يكتب من الأوراق بالقدس، وسُلِّمَ إليه القول والفعل، وقَلَّدَهُ أهل المذاهب كلها، وقبلت فتواه على مذهبه ومذهب غيره، وكل ذلك ببركة ما حواه من العلوم الشريفة.
ومن أعظم محاسنه التي شكرت له في الدنيا، ويرفع الله بها درجته في الآخرة: ما فعله في القبة المستجدة عند دير صِهْيَون، فإن الفرنج المقيمين بدير صهيون ظاهر القدس الشريف أحدثوا عند الدير المذكور بالقرب منه قبة، زعموا أن مكانها مقام السيدة مريم، وبنوها وأحكموها غاية الإحكام، وبنوا بها صفة هيكل، على عادة ما يفعل بالكنائس، وشرعوا يجتمعون فيها في أوقات عبادتهم، ويعظمونها، حتى صارت كنيسة محدثة في دار الإسلام، ثم شرع النصارى في انتزاع القبو المجاور للدير المشهور أنَّ به قبر سيدنا داود ﵇، وساعدهم على ذلك مَنْ لَمْ يَخَفِ الله تعالى، فبادر شيخ الإسلام المشار إليه بالمكاتبة للسلطان، وأعلمه بما وقع من أحداث القبة المذكورة، وأن قبر سيدنا داود ﵇. بأيدي المسلمين مدة طويلة، وبُني به قبلة لجهة
стр. 1167
الكعبة المشرفة، وأن النصارى يقصدون انتزاعه من أيدي المسلمين.
فورد إلى شيخ الإسلام الجواب على يد الأمير أزبك الخاصكي، الوارد من الأبواب الشريفة بالكشف على الأمير دقماق ناظر الحرمين ونائب القدس بالنظر في أمر القبة المذكورة، وقبر سيدنا داود، والعمل في ذلك بما يقتضيه حكم الشرع الشريف، وهدم البناء المستجد المخالفِ للشرع الشريف.
فتوجه شيخ الإسلام المشار إليه، وصحبته الخاصكي، وناظر الحرمين دقماق، والشيخ نجم الدين شيخ الصلاحية، والقضاة الأربعة، وجماعة من الفقهاء والأعيان، والخاص والعام، وجلسوا بالقبة المذكورة، وقامت البينة عند قضاة الشرع بأن هذه القبة محدَثة، فأفتى شيخ الإسلام بهدمها، ووافقه شيخ الصلاحية، فحكم القضاةُ بهدمها، فهُدمت بحضورهم في يوم جلوسهم بها، وهو يوم السبت، ثاني رجب سنة خمس وتسعين وثمان مئة، وقرأ عند قبر سيدنا داود ما تيسر من القرآن، والذكر، والصلاة على النبي ﷺ ، وأهدي في صحائف السلطان.
وكان يوماً مشهوداً، أظهر الله فيه الإسلام، وأخمد الكفر.
وكان إحداث القبة المذكورة في صفر، سنة أربع وتسعين وثمان مئة، فكان بقاؤها نحو سنة وأربعة أشهر، ولما هدمت بقي بعض آثارها، فورد مرسوم شريف ثانٍ على شيخ الإسلام المشار إليه بإكمال هدمها، ومحو أثرها، فتوجه شيخ الإسلام، وصحبته ناظر الحرمين الشريفين،
стр. 1168
ونائب السلطنة الشريفة الأمير خضر بك، وشيخ الصلاحية، والقضاة، وهُدمت ثانياً بحضورهم، ومحي أثرها، ونبش أساسها، وكان يوماً مشهوداً، وحصل للرهبان بدير صهيون بذلك من القهر ما لا يوصف، وكان ذلك في شهر رمضان، سنة ست وتسعين وثمان مئة، وأعلى الله كلمة الإسلام، وقمع عبدة الأصنام.
وبالجملة: فمحاسن شيخ الإسلام المشار إليه كثيرة، ولكن المقصود من هذا الكتاب الاختصار - أعز الله به الدين -.
* * *
٤٨٤ - قاضي القضاة الإمام العلامة خير الدين أبو الخير محمد ابن الشيخ العلامة القدوة شمس الدين محمد بن عمران الغزيُّ، ثم المقدسيُّ الحنفيُّ: كان من أهل العلم والدين، وكان والده المشار إليه شيخ القراء بالقدس الشريف، ومن أعيان المحدِّثين، روى عنه جماعة من الأكابر، ومولده في سادس عشر شعبان، سنة أربع وتسعين وسبع مئة، وكان صالحاً ورعاً زاهداً، توفي في شهر رمضان، سنة ثلاث وسبعين وثمان مئة.
ثم بعد وفاته قام ولده القاضي خير الدين المشار إليه مقامه في علم القراءة والحديث الشريف، ثم سافر إلى القاهرة، وأقام بها، وأخذ العلم عن جماعة من أعيان علمائها، وبرع وفضل في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁، ثم تولى قضاء الحنفية بالقدس الشريف بعد القاضي جمال
стр. 1169
الدين الديري، وكانت ولايته مع ولاية الشيخ كمال الدين بن أبي شريف مشيخة الصلاحية في اليوم الذي تولى فيه، وألبس التشريف من حضرة السلطان - كما تقدم في ترجمة الشيخ كمال الدين -، وسافر صحبته، ودخل معه إلى القدس في يوم الاثنين، ثاني عشري ربيع الأول، سنة ست وسبعين وثمان مئة، وباشر القضاء بعفة وشهامة، وكانت سيرته حسنة، واستمر نحو سنتين، ثم عزل بالقاضي جمال الدين الديري، في ربيع الأول، سنة ثمان وسبعين، فدخل القاضي جمال الدين إلى القدس وهو متوعك، فأقام أربعة عشر يوماً، وتوفي، فاستقر القاضي خير الدين المشار إليه في وظيفة القضاء ثانياً، واستمر نحو تسعة أشهر، ثم عزل بالقاضي شمس الدين الديري أخي القاضي جمال الدين في سلخ صفر، سنة تسع وسبعين وثمان مئة.
وتنزه عن القضاء، ولم يتكلم فيه بعد ذلك، وانقطع في منزله للعبادة والإشغال بالعلم وقراءة القرآن والحديث، وانتهت إليه رئاسة مذهب أبي حنيفة بالقدس، وتصدى للفتوى والتدريس، وحج إلى بيت الله الحرام، وعظُم أمره عند الناس، وصار له الهيبة والوقار، ونسخ بخطه الكثير من المصاحف الشريفة، و"البخاري"، وغير ذلك، وعمل طريقة في المصحف الشريف في مقابلة الأحرف لم يسبق إليها، وانتشر هذا المصحف في غالب المملكة، وله ربعة شريفة بالحرم الشريف النبوي - على ساكنه الصلاة والسلام -.
وكان متواضعاً، حسن اللفظ والشكل، توفي إلى رحمة الله تعالى
стр. 1170
في يوم الخميس، الثلاثين من شهر رمضان، سنة أربع وتسعين وثمان مئة، ودفن في يومه بعد صلاة العصر إلى جانب قبر والده بتربة ماملا ظاهر القدس الشريف، وعمره يوم وفاته نحو خمس وخمسين سنة - تقريباً -. ﵀، وعفا عنه، وعوضه الجنة.
* * *
٤٨٥ - قاضي القضاة شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن علي بن الأزق المغربي، الأندلسيُّ المالكيُّ: كان من أهل العلم والصلاح، وكان قاضياً بمدينة غرناطة بالأندلس، فلما استولى عليها الفرنج، خرج منها مستنفراً لملوك الأرض في نجدة صاحب غرناطة، فتوجه لملوك المغرب، فلم يحصل منهم بنتيجة، فحضر إلى الملك الأشرف قايتباي، فاحتج عليه باشتغاله بقتال ابن عثمان، فتوجه إلى مكة المشرفة، وجاور بها، وزار المدينة الشريفة ورجع إلى القاهرة المحروسة في أول سنة ست وتسعين وثمان مئة، فتُكُلم له في شيء يحصل له منه ما يستعين به على القوت، فأنعمت الصدقات الشريفة له بقضاء المالكية بالقدس الشريف، فاستقر بها في رابع رمضان من السنة المذكورة، ثم قدم إلى القدس في يوم الاثنين، سادس عشر شوال، سنة ست وتسعين وثمان مئة، وأقام بها نحو الشهر وهو يتعاطى الأحكام بعفة من غير تناول شيء، ثم حصل له توعك واستمر إلى أن توفي في يوم الجمعة بعد فراغ الصلاة، سابع عشر ذي الحجة الحرام، سنة ست وتسعين وثمان مئة، ودفن في يومه
стр. 1171
بعد صلاة العصر بتربة ماملا إلى جانب حوش البسطامي من جهة الغرب، فكانت مدة إقامته بالقدس إلى حين وفاته نحو شهرين.
وذكر عنه أنه قال: إن عمره خمس وستون سنة ﵀، وعفا عنه -.
стр. 1172
حَرْفُ النُّونِ
٤٨٦ - الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطا: الإمام الفقيهُ الكوفيُّ، مولى تيم الله بن ثعلبة، وهو من رهط حمزة الزيات، كان خرازاً يبيع الخرز من أهل كابل، وقيل: بابل.
وزوطا: هو الذي مسه الرق، فأُعتق، وولد له ثابت على الإسلام.
وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: ما وقع علينا رق قط.
وأدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة - رضوان الله عليهم -، وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحداً منهم، ولا أخذ عنه، وأصحابه يقولون: لقي جماعة من الصحابة، وروى عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل.
وكان عالماً عاملاً، ورعاً تقياً، كثير الخشوع، دائم التضرع إلى الله تعالى، ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد، وأراد أن يوليه القضاء، فأبى، وقال: لا أصلح لذلك، فقال له: كذبتَ، أنت تصلح، فقال له: حكمتَ لي على نفسك، كيف يحل لك أن تُولي قاضياً على
стр. 1173
أمانتك وهو كذاب؟ ! فأمر به إلى الحبس في الوقت.
وكان يزيد بن عمرو بن هبيرة الفزاري أمير العراقين أراد أن أبا حنيفة يلي القضاء بالكوفة أيام مروان بن محمد آخرِ ملوك بني أمية، فأبى عليه، فضربه مئة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك، خلَّى سبيله.
وكان أحمد بن حنبل ﵁ إذا ذكر ذلك، بكى، وترحَّم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضُرب أحمد على القول بخلق القرآن.
وكان أبو حنيفة حسن الوجه والخلق، شديد الكرم، حسن المواساة لإخوانه، وكان ربعة من الرجال، وقيل: كان طويلاً تعلوه حمرة، أحسن الناس منطقاً، وأحلاهم نعمة.
ورأى في المنام كأنه نبش قبر النبي ﷺ ، فبعثَ من سأل محمدَ بن سيرين، فقال صاحب هذه الرؤيا يثور علماً لم يسبقه إليه أحد قبله.
قال الشافعي ﵁: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيتُ رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً، لقام بحجته.
وقال الشافعي: الناس عيال على هؤلاء الخمسة: من أراد أن يتبحر في الفقه، فهو من عيال أبي حنيفة؛ فإن أبا حنيفة ممن وثق له الفقه، ومن أراد أن يتبحر في الشعر، فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي، فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحر في النحو، فهو عيال على الكسائي، ومن أراد أن يتبحر في
стр. 1174
التفسير، فهو عيال على مقاتل بن سليمان.
وكان أبو حنيفة إماماً في القياس، وكان له جار بالكوفة إسكاف يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنَّه الليل، رجع إلى منزله، وقد حمل له لحماً يطبخه، أو سمكة يشويها، ثم لا يزال يشرب، حتى إذا دب الشراب، غرد يصوت وهو يقول:
أَضَاعُونى وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا ... لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ
ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع كلامه كل ليلة، وأبو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته، وسأل عنه، فقيل له: أخذه العسس منذ ليالٍ، وهو محبوس، فصلى أبو حنيفة الفجر من غدوة، وركب بغلته، واستأذن على الأمير، فأذن له، وقال: أَقبِلوا به راكباً، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل، ووسع له الأمير من مجلسه، وقال: ما حاجتك؟ قال: جار لي إسكاف أخذه العسس منذ ليال بأمر الأمير، فحبسه، فأمر الأمير بإطلاقه، وكل من أُخذ في تلك الليلة أن يخرجوا، ويُخلَّى سبيلهم، فركب أبو حنيفة، والإسكاف يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة، قال للإسكاف: هل أضعناك يا فتى؟ قال: لا، بل حفظتَ ورعيتَ - جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار، ورعاية الحق -، وتاب الرجل، ولم يعد إلى ما كان عليه.
ومحاسن أبي حنيفة ومناقبه كثيرة.
وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة، وقيل: سنة إحدى وستين،
стр. 1175
والأول أصح، وتوفي في رجب، وقيل: في شعبان، سنة خمسين ومئة، وكان وفاته ببغداد في السجن ليلي القضاء، فلم يفعل، وهذا هو الصحيح، وقيل: لم يمت في السجن، وقيل: إنه توفي في اليوم الذي ولد فيه الإمام الشافعي ﵁، ودفن بمقبرة الخيزران، وقبره هناك مشهور يزار.
وزُوطا: بضم الزاي المعجمة، وسكون الواو، وفتح الطاء المهملة.
* * *
٤٨٧ - أبو عبد الله نافع بن عبد الله مولى عبد الله بن عمر ﵄: كان ديلمياً، وأصابه مولاه عبد الله في غزاة، وهو من كبار التابعين، ومن المشهورين بالحديث، ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم، وأهل الحديث يقولون: رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب، وتوفي سنة ست عشرة، وقيل: عشرين ومئة.
* * *
٤٨٨ - أبو رُوَيْم نافع بن أبي نعيم مولى جعونة بن شعوب المقرئ المدني: أحد القراء السبعة، كان إمام أهل المدينة، وهو من الطبقة الثالثة بعد الصحابة ﵃، وكان زنجياً فيه دعابة، وكان أسود شديد السواد، قرأ عليه مالك ﵃، وكان قرأ على أبي ميمونة مولى أم سلمة زوجِ رسول الله ﷺ ، وكان له راويان: وَرْش، وقالون.
وتوفي نافع سنة تسع وستين ومئة بالمدينة.
стр. 1176
وجعونة: اسم الرجل القصير، ثم سمي به الرجل، وإن لم يكن قصيراً، وجعل عليه علماً، وكان جعونة حليف حمزة بن عبد المطلب.
* * *
٤٨٩ - أبو القاسم نصر بن أحمد بن نصر المعروف بالخُبزأرزي - بخاء معجمة مضمومة، وباءٍ موحدة، وراء مهملة، ثم همزة ثم راء، ثم زاي، ثم ياءٍ بالتشديد والتخفيف في الأرز -: الشاعر المشهور، كان أمياً لا يتهجى ولا يكتب، وكان يخبز الأرز بمربد البصرة في دكان، وينشد الأشعار، والناس يزدحمون عليه، ويعجبون من حاله، وكان وصل بغداد، وأقام بها دهراً طويلاً، ومن شعره:
رَأَيْتُ الهِلاَلَ وَوَجْهَ الحَبِيبِ ... فَكَانَا هِلاَلَيْنِ عِنْدَ النَّظَرْ
فَلَمْ أَدْرِ أيُّهُمَا قَاتِلِي ... هِلاَلُ السَّمَا أَمْ هِلاَلُ البَشَرْ
فَلَوْلاَ التَّوَرُّدُ فِي الوَجْنتَيْنِ ... وَمَا رَاعَنِي مِنْ سَوَادِ الشَّعَرْ
لَكُنْتُ أَظُنُّ الهِلاَلَ الحَبِيبَ ... وَكُنْتُ أَظُنُّ الحَبِيبَ القَمَرْ
وله أخبار ونوادر كثيرة، توفي في سنة سبع عشرة وثلاث مئة ﵀.
* * *
٤٩٠ - أبو الفتوح نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي بن قلاقس، اللخميُّ الأزهريُّ السَّكَندريُّ، الملقب: القاضي
стр. 1177
الأعز، الشاعرُ المشهور: كان شاعراً فاضلاً نبيلاً، وكان كثير الحركات والأسفار، وفي ذلك يقول:
وَالنَّاسُ كَنْزٌ وَلَكِنْ لاَ يُقَدَّرُ لِي ... إِلاَّ مُرَافَقَةُ المَلاَّحِ وَالحَادِي
وفي آخر عمره دخل بلاد اليمن، ثم ركب البحر، فانكسر المركب، فغرق جميع ما معه، فطلع بجزيرة الناموس.
وله في جارية سوداء:
رُبَّ سَوْدَاءَ وَهْيَ بَيْضَاءُ فِعْلٍ ... نَافَسَ المِسْكَ عِنْدَهَا الكَافُورُ
مِثْلُ حَبِّ العُيُونِ تَحْسَبُهُ النَّا ... سُ سَوَاداً وَإِنَّمَا هُوَ نُورُ
وله محاسن كثيرة.
ولد بثغر الإسكندرية يوم الأربعاء، ربع شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة، وتوفي في ثالث شوال، سنة سبع وستين وخمس مئة، وكان دخل صقلية، ولما فارقها راجعاً إلى الديار المصرية، وكان في زمن الشتاء، ردَّته الريح إلى صقلية، فكتب إلى أبي القاسم بن الحجر بصقلية، وكان أحسن إليه:
مَنَعَ الشِّتَاءُ مِنَ الوُصُو ... لِ مَعَ الرَّسُولِ إِلَى دِيَارِي
* * *
٤٩١ - أبو الفتح نصر الله بن أبي الكرم محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيبانيُّ، المعروف بابن الأثير ضياء الدين: ولد بجزيرة ابن
стр. 1178
عمر، ونشأ فيها، ثم انتقل مع والده إلى الموصل، وبها اشتغل، وحصَّل العلوم، ثم صار وزير الملك الأفضل نور الدين علي ابن الملك صلاح الدين، وأساء السيرة مع أهل دمشق، ولما أخذت دمشق من الملك الأفضل، هَمَّ أهلها بقتله، فأخرجه الحاجب محاسن بن نجيح مستخفياً في صندوق، وصحبه إلى مصر، ولما استقر الأفضل في شُمَيساط، عاد إلى خدمته، وخرج مغاضباً، وعاد إلى الموصل، ثم سار إلى سنجار، ثم عاد إلى الموصل.
وله مصنفات دالة على غزارة فضله وتحقيقه، وله مراسلات وأشعار، ومن كلامه:
ثَلاَثَةٌ تُعْطِي الفَرَحْ ... كَأْسٌ وَكُوبٌ وَقَدَحْ
مَا ذُبِحَ الزِّقُّ لَهَا ... إِلاَّ وَلِلْهَمِّ ذَبَح
وله محاسن كثيرة.
ولد بالجزيرة، في العشرين من شعبان، سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، وتوفي في إحدى الجمادين، سنة سبع وثلاثين وست مئة ببغداد، وقد توجه إليها رسولاً من جهة صاحب الموصل.
* * *
٤٩٢ - أبو الحسين (١) النَّضْر بن شُميل، التميميُّ المازنيُّ النحويُّ
стр. 1179
البصريُّ: كان عالماً بفنون من العلم، صدوقاً ثقة، صاحب غريب وشعر، ورواية للحديث، وضاقت المعيشة عليه بالبصرة، فخرج يريد خراسان، فشيعه من أهل البصرة ثلاثة آلاف رجل، ما منهم إلا محدِّث، أو نحوي، أو عروضي، فلما صار بالمِرْبَد، جلس، . وقال: يا أهل البصرة! يعز - والله - عليَّ فراقُكم، والله! لو وجدت في كل يوم كيلجة، ما فارقتكم، فلم يكن منهم أحد يتكلف له ذلك، وسار حتى وصل خراسان، فحصَّل منها مالاً عظيماً.
وكان إقامته بمرو، وله مع المأمون بن الرشيد - لمَّا كان مقيماً بمرو - حكايات ونوادر؛ لأنه كان يجالسه. فمن ذلك: ما حكاه الحريري في كتاب "درة الغواص في أوهام الخواص" في قوله: ما هو سَدَاد من عَوَز، فيلحنون في فتح السين، وصوابه بالكسر، وقد جاء: أن النضر بن شميل المازني استفاد بهذا الحرف ثمانين ألف درهم، ثم ذكر إسناداً انتهى فيه إلى محمد بن واضح الأهوازي، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: كنت أدخل على المأمون في سمره، فدخلت ذات ليلة في ثوب مرقوع، فقال: ما هذا التقشف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقات؟ قلت: يا أمير المؤمنين! حرُّ مَرْو شديد، فأبترد بهذه الخلقات. قال: لا، ولكنك قشف، ثم أخذنا في الحديث، فأجرى هو ذكر النساء، فقال: حدثنا هشيم عن خالد، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا، فَإِنَّ فِيهَا
стр. 1180
سَدَاداً مِنْ عَوَزٍ" (١)، فأورده بفتح السين، قال: فقلت: صدقتَ يا أمير المؤمنين، حدثنا هشيم: حدثنا عون بن أبي جميلة عن الحسن، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا، فَإِنَّ فِيهَا سِدَاداً مِنْ عَوَزٍ"، قال: وكان المأمون متكئاً، فاستوى جالساً، وقال يا نضر! كيف قلتَ سِداد؟ قلت: لأن السَّدادَ هاهنا لحنٌ، قال: أَوَتُلحنني؟ قلت: إنما لحن هُشيم، وكان لَحَّانة، فسمع أمير المؤمنين لفظه، قال: فما الفرق بينهما؟ قلت: السَّدَاد - بالفتح -: القصد في الدين والسُّبل، وبالكسر: البُلغة، وكلُّ ما سَدَدْتَ به، فهو سِداد، قال: أو تعرب العربُ ذلك؟ قلت: نعم، فأنشد:
أَضَاعُوني وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا ... لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ
فقال المأمون: قَبَّح الله مَنْ لا أدب فيه، وأطرق ملياً، ثم قال: ما لك يا نضر؟ قلت: أُرَيضة لي بمرو، قال: أفلا يفيدك مالاً منها؟ قال: قلت: إني إلى ذلك لمحتاج، قال: فأخذ القرطاسَ وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال: يا غلام! امض معه إلى الفضل بن سهل، قال: فلما قرأ الفضل الكتاب، قال: يا نضر! إن أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم، فما كان السبب فيه؟ فأخبرته، ولم أَكْذِبه، فقال: لَحَّنْتَ أمير المؤمنين؟ فقلت: كلا، إنما لحن هُشيم، ثم أمر لي بثلاثين ألف درهم، فأخذت ثمانين ألف درهم لحرف استُفيد مني.
стр. 1181
والبيت الذي استشهدت به هو لعبد الله بن عمرو بن عثمان الأُموي العرجي، الشاعر المشهور، من جملة قوله:
أَضَاعُوني وَأَيَّ فَتىً أَضَاعُوا ... لِيَوْم كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ
وَصَبْرِي عِنْدَ مُعْتَرَكِ المَنَايَا ... وَقَدْ شَرَعَتْ أَسِنَّتهَا بِنَحْرِي
أُحَرِّرُ فِي الجَوَامِعِ كُلَّ يَوْمٍ ... فَبِاللهِ مُطَّلَبِي وَقَبْرِي
كَأَنيِّ لَمْ أَكُنْ فِيهِمْ وَسِيطاً ... وَلَمْ تَكُنْ نِسْبَتِي مِنْ آلِ عَمْرِو
فَأُجْزَى بِالكِتَابَةِ أَهْلَ وُدِّي ... وَأُجْزَى بِالضَّغَائِنِ أَهْلَ وَبْرِ
ويحكى: أن السبب لقوله هذه الأبيات: أن محمد بن هشام المخزومي خالَ هشام بن عبد الملك لما كان والي مكة، حبس العرجي لسبب، وأقام في حَبْسه سبع سنين، ثم مات فيه بعد أن ضربه بالسياط، وشهَّره في الأسواق، فعمل هذه الأبيات في السجن.
وأخبار النضر كثيرة.
وتوفي في سلخ ذي الحجة، سنة أربع ومئتين بمدينة مرو من بلاد خراسان، ومولده بها، ونشأ بالبصرة، فلذلك نُسب إليها.
* * *
٤٩٣ - النعمان بن محمد بن منصور المكنى بأبي حنيفة: أحد الأئمة الفضلاء المشار إليهم، وكان مالكي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمامية، وصنف كتابه "ابتداء الدعوة للعُبيديين"، وله مصنفات كثيرة،
стр. 1182
وردَّ على أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وعلى ابن سريج، وكان ملازماً صحبة المعز أبي تميم مَعَدِّ بن المنصور، ولما وصل من إفريقية إلى الديار المصرية، كان معه، ولم تطل مدته، ومات في مستهل رجب، سنة ثلاث وستين وثلاث مئة بمصر، وصلَّى عليه المعزُّ.
وكان له أولاد نجباء، منهم: أبو الحسن علي بن النعمان، اشترك مع ابن أسامة الدهلي القاضي بمصر، ولم يزالا مشتركين إلى أن توفي المعز، وقام بالأمر ولدُه العزيز نزار، فقُلِّد القاضي أبو الحسن بن النعمان مستقلاً، فركب إلى جامع القاهرة، وقرئ سجلّه، ثم عاد إلى الجامع العتيق بمصر، وقرئ سجله، وكان فيه القضاء بالديار المصرية والشام، والحرمين والمغرب، وجميع مملكة العزيز، والخطابة والإمامة، والعيار في الذهب والفضة، والموازين والمكاتل، ثم انصرف إلى داره في جمع عظيم.
وكان مفنناً في عدة فنون، وكان شاعراً محموداً، فمن شعره:
رُبَّ خَوْدٍ عَرَفْتُ فِي عَرَفَاتِ ... سَلَبَتْنِي بِحُسْنِهَا حَسَنَاتِي
حَرَمَتْ حِينَ أَحْرَمَتْ نُورَ عَيْني ... فَاسْتَبَاحَتْ حِمَامِ بِاللَّحَظَاتِ
وَأفاضَتْ مَعَ الحَجِيجِ فَفَاضَتْ ... مِنْ جُفُوني سَوَابِقُ العَبَرَاتِ
стр. 1183
وَلَقَدْ أَضْرَمَتْ عَلَى القَلْبِ جَمْراً ... إِذْ مَشَيْنَا بِهَا إِلَى الجَمَرَاتِ
لَمْ أقُلْ فِي مِنًى مُنَى النَّفْسِ لَكِنْ ... خِفْتُ بِالخَيْفِ أَنْ تَكُوَن وَفَاتِي
ولم يزل أبو الحسن مستمراً على أحكامه، وافر الحرمة عند العزيز، حتى أصابته الحمى وهو بالجامع، فقام ومضى إلى داره، وأقام عليلاً أربعة عشر يوماً، وتوفي يوم الاثنين، لستٍّ خلون من رجب، سنة أربع وسبعين وثلاث مئة، وصلَّى عليه العزيز، ودفن بداره بالحمراء.
والحمراء: محلةٌ بمصر، وهي ثلاث حمراوات، وإنما قيل لها: الحمراء؛ لنزول الروم بها.
وكانت ولادته بالمغرب، في شهر ربيع الأول، سنة تسع وعشرين وثلاث مئة.
وأرسل العزيز إلى أخيه أبي عبد الله محمد، وكان ينوب عن أخيه، فقال: إن القضاء لك بعد أخيك، ولا نخرجه عن هذا البيت، ثم قلده القضاء، وخلع عليه، وكتب له سجلاً مثلَ سجلِّ أخيه.
وكان محمد جيد المعرفة بالأحكام، متقناً في علوم كثيرة، ومن شعره:
أَيَا شَبِيهَ البَدْرِ بَدْرِ السَّمَا ... لِسَبْعٍ وَخَمْسٍ مَضَتْ وَاثْنَيْنِ
стр. 1184
وَيَا كَامِلَ الحُسْنِ فِي شِبْهِهِ ... شَغَلْتَ فُؤَادِي وَأَسْهَرْتَ عَيْني
فَهَلْ لِي فِي مَطْمَعٍ أَرْتَجِيهِ ... وَإِلاَّ انْصَرَفْتُ بِخُفَّيْ حُنَيْنِ
وَيشْمَتُ بِي شَامِتٌ فِي هَوَاكَ ... وَيُصْبِحُ لِي مِنْكَ صِفْرُ اليَدَيْنِ
وارتفعت رتبة القاضي محمد عند العزيز، حتى أقعده معه على السرير يوم عيد النحر، سنة خمس وثمانين وثلاث مئة، وتوفي ليلة الثلاثاء بعد العشاء الأخيرة، رابع صفر، سنة تسع وثمانين وثلاث مئة، وركب الحاكم إلى داره بالقاهرة، وصلى عليه فيها، ووقف على دفنه، ثم انصرف إلى قصره.
وكانت ولادته يوم الأحد، لثلاثٍ خلون من صفر، سنة أربعين وثلاث مئة بالمغرب.
ثم قلد الحاكم القضاءَ أبا عبد الله الحسينَ بن علي النعمان الذي كان ينوب عن عمه محمد، لستٍّ خلون من شهر ربيع الأول، سنة تسع وثمانين وثلاث مئة، وصُرف عن القضاء في يوم الخميس، سادس عشر رمضان، سنة أربع وتسعين وثلاث مئة، واستقر في القضاء ابنُ عمه أبو القاسم عبد العزيز بن محمد.
ثم ضُربت عنق الحسين المذكور يوم الأحد، سادس المحرم،
стр. 1185
سنة خمسٍ وتسعين وثلاث مئة في حجرته، وأُحرقت جثته بأمر الحاكم؛ لقضية وقعت، واستقل أبو القاسم بالأحكام، وضم إليه الحاكم النظر في المظالم، ولم يجتمعا قبله لأحد من أهله، وعلت رتبته عنده، ثم صرفه عن ذلك جميعه يوم الجمعة، سادس عشر رجب، سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة، وفوض الحكم إلى أبي الحسن مالك بن سعيد الفاروقي، وإخراجه عن أهل بيت النعمان.
ثم إن الحاكم أمر الأتراك بقتل أبي القاسم عبد العزيز وجماعة، فقتلوهم ضرباً بالسيوف في ساعة واحدة، وذلك في يوم الجمعة، ثاني عشري جمادى الآخرة، سنة إحدى وأربع مئة.
وكانت ولادة أبي القاسم يوم الاثنين مستهل ربيع الأول، سنة أربع وخمسين وثلاث مئة.
* * *
٤٩٤ - السيدة نفيسة بنت أبي محمد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ وعنها -: دخلت مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق ﵁، وقيل: بل دخلت مع أبيها، وكانت من الصالحات التقيات، ولما دخل الشافعي إلى مصر، حضر إليها، وسمع عليها الحديث.
وكان للمصريين فيها اعتقاد عظيم، وهو باقٍ إلى الآن.
ولما توفي الشافعي، أدخلت جنازته إليها، وصلَّت عليه في دارها،
стр. 1186
وكانت في موضع مشهدها اليوم، ولم تزلْ به إلى أن توفيت في شهر رمضان، سنة ثمان (١) ومئتين، ودفنت به.
وهذا الموضع كان يعرف - يوم ذاك - بدرب الشارع، فخرب الدرب، ولم يبق هناك سوى المشهد، وقبرها معروف بإجابة الدعاء، وهو مجرب.
стр. 1187
حَرْفُ الهَاءِ
٤٩٥ - الشريف أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة، العلويُّ الحسنيُّ، المعروف بابن الشجري، البغداديُّ: كان إمامًا في النحو واللغة وأشعار العرب، كامل الفضائل، وله في النحو عدة تصانيف.
وكان حسن الكلام، حلو الألفاظ، وله شعر حسن، منه:
هَلِ الوَجْدُ خَافٍ وَالدُّمُوعُ شُهُودُ ... وَهَلْ مُكْذِبٌ قَوْلَ الوُشَاةِ جُحُودُ
وَحَتَّى مَتَى تُفْنِي شُؤُونَكَ بالبُكَا ... وَقَدْ جَدَّ جدٌّ لِلبُكَاءِ لَبِيدُ
وَإِنِّي وَإِنْ أَحْبَبْت مَا بِي مُكْرَهاً ... لَذُو مِرَّةٍ فِي النَّائِبَاتِ جَلِيدُ
ولد سنة خمسين وأربع مئة، وتوفي يوم الخميس، السادس والعشرين في شهر رمضان، سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة.
والشجري: نسبة إلى شجرة، وهي قرية من أعمال المدينة - على
стр. 1188
ساكنها أفضل الصلاة والسلام -، وشجرة اسمُ رجل، وقد سمت به العرب ومن بعدها، ولا نعلم هل يُنسب الشريف المذكور إلى القرية، أو إلى أحد أجداده؟ والله أعلم.
* * *
٤٩٦ - أبو القاسم هبة الله بن أبي الحسين [بن] يوسف، وقيل: أحمد، المنعوت بالبديع الأُسطُرْلابي، الشاعرُ المشهور: أحد الأدباء الفضلاء، كان أوحد زمانه في عمل الآلات الفلكية، متقناً لهذه الصناعة، وحصل له من جهة عملها مال جزيل.
ومن محاسن شعره:
أَهْدَى لِمَجْلِسِنَا الكَرِيم وَإِنَّمَا ... أَهْدَى لَهُ مَا حَازَ مِنْ نَعْمَائِهِ
كَالبَحْرِ يُمْطِرُهُ السَّحابُ وَمَا لَهُ ... فَضْلٌ عَلَيْهِ لأَنَّهُ مِنْ مَائِهِ
ومن قوله:
أَذَاقَنِي حُمْرَةَ المَنَايَا ... لَمَّا اكْتَسَى خُضْرَةَ العِذَارِ
وَقَدْ تَبَدَّى السَّوَادُ فِيهِ ... وكَارتي بعدُ في العِيَارِ
стр. 1189
وكان ظريفًا في جميع حركاته.
توفي سنة أربع وثلاثين (١) وخمس مئة بعلة الفالج، ودفن بمقبرة الوردية بالجانب الشرقي من بغداد.
والأسطرلابي: نسبة إلى الأسطرلاب، وهو الآلة المعروفة، والأسطرلاب: لفظة يونانية معناها: ميزان الشمس.
* * *
٤٩٧ - أبو القاسم هبة الله بن الفضل بن عبد العزيز بن محمد بن الحسين، المعروف بابن القطان، الشاعرُ المشهورُ البغداديُّ: سمع الحديث من جماعة، وسُمع عليه، وله نوادر ووقائع وحكايات ظريفة، وله ديوان شعر.
واتفق أنه كان بدمشق، وقد رسم السلطان بحلق لحية شخص له وَجاهة بين الناس، فحلق بعضها، وحصلت فيه شفاعة، فعفا عن الباقي فعمل فيه، ولم يصرح باسمه بل رمزه وستره وهو:
زُرْتُ ابْنَ آدَمَ لَمَّا قِيلَ قَدْ حَلَقُوا ... جَمِيعَ لِحْيَتِهِ مِنْ بَعْدِ مَا ضُرِبَا
فَلَمْ أَرَ النِّصْفَ مَحْلُوقًا فَعُدْتُ لَهُ ... مُهَنِّئًا بِالَّذِي مِنْهَا لَهُ وُهِبَا
стр. 1190
فَقَامَ يُنْشِدُنِي وَالدَّمْعُ يَخْنُقُهُ ... بَيْتَيْنِ مَا نُظِمَا مَيْنًا وَلاَ كَذِبَا
إِذَا أَتَتْكَ بِحَلْقِ الرَّأْسِ طَائِفَةٌ ... فَاخْلَعْ ثِيَابَكَ مِنْهَا مُمْعِنًا (١) هَرَبَا
وَإِنْ أَتَوْكَ وَقَالُوا إنَّهَا نُصِفَتْ ... فَإِنَّ أَطْيَبَ نِصْفَيْهَا الَّذِي ذَهَبَا
ولد في ضحى يوم الجمعة، السابع من ذي الحجة، سنة سبع وسبعين وأربع مئة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وخمس مئة ببغداد، ودفن بمقبرة معروف الكَرخي، وقيل: توفي يوم عيد الفطر.
وأخباره كثيرة.
* * *
٤٩٨ - القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله ابن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر بن المعتمد سناء الملك أبي عبد الله محمد بن هبة الله [بن] محمد السعدي، الشاعرُ المشهورُ المصريُّ: صاحب ديوان "الشعر البديع والنظم الرائق"، أحد الفضلاء والنبلاء، وله شعر حسن، منه:
لاَ الغُصْنُ يَحْكِيكَ وَلاَ الجُؤْذُرُ ... حُسْنُكَ مِمَّا كَثَّرُوا أَكْثَرُ
стр. 1191
يَا بَاسِمًا أَبْدَى (١) لَنَا ثَغْرُهُ ... عِقْدًا وَلَكِنْ كُلُّهُ جَوْهَرُ
قَالَ لِيَ اللاَّحِي: أَلاَ تَسْتَمعْ ... فَقُلْتُ: يَا لاَحِي أَلاَ تُبْصِرُ
وله من جملة أبيات:
وَمَا كَانَ تَرْكِي حُبَّهُ عَنْ مَلاَلَةٍ ... وَلَكِنْ لأِمْرٍ يُوجِبُ القَوْلَ بِالتَّرْكِ
أَرَادَ شَرِيكًا فِي المَحَبَّةِ ثَانِيًا ... وَإِيمِانُ قَلْبِي لاَ يَمِيلُ إِلَى الشِّرْكِ
وله نوادر كثيرة.
توفي في العشر الأول من شهر رمضان، سنة ثمان وست مئة بالقاهرة، ولم يبلغ عمره ستين سنة، وتوفي والده جعفر في منتصف شهر رمضان، سنة ثمانين وخمس مئة.
* * *
٤٩٩ - هَمَّامُ بنُ غالب، وقيل: هُميم - بالتصغير - بن غالب، وكنيته: أبو الأخطل بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان
стр. 1192
ابن مجاشع بن دارم - واسمه بحر - بن مالك - واسمه عوف - التميميُّ المعروفُ بالفرزدق، الشاعرُ المشهور، صاحبُ جرير: كان أبوه غالب من جلَّة قومه، وأمه ليلى بنت حابس أختُ الأقرع بن حابس، ولأبيه مناقب مشهورة، ومحامد مأثورة، وكان هَمَّام أنشد سليمان بن عبد الملك الأموي قصيدة، فلما انتهى منها إلى قوله:
ثَلاَثٌ وَاثْنَتَانِ فَهنَّ خَمْسٌ ... وَثَالِثَةٌ تَمِيلُ إِلَى سِهَامِ
فَبِتْنَ بِجَانِبِيَّ مُصَرَّمَاتٍ ... وَبِتُّ أَفُضُّ أَغْلاَقَ الخِتَامَ
كَأَنَّ مَعَالِقَ الرُّمَّانِ فِيهِ ... جَمْرُ غَضاً قَعَدْتُ عَلَيْهِ حَامِي
فقال له سليمان: قد أقررتَ عندي بالزنا، وأنا إمام، ولا بد من إقامة الحد عليك، فقال له الفرزدق: من أين أوجبتَ عليَّ يا أمير المؤمنين؟ قال: بقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فقال الفرزدق: كتاب الله يدرؤه عني بقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦]، فانا قلت ما لم أفعل، فتبسَّم سليمان، وقال: أولى لك.
стр. 1193
وتوفي الفرزدق بالبصرة سنة عشر ومئة، قبل جرير بأربعين يوماً، وقيل: ثمانين يومًا، وقيل: إنهما توفيا سنة إحدى عشرة ومئة.
والفرزدق لقب عليه، والفرزدق: مقطَّع العجين، وإنما لقب به؛ لأنه كان جهم الوجه.
وله أخبار ونوادر يطول شرحها.
* * *
٥٠٠ - أبو الحسن هلال بن المحسن بن أبي إسحاق إبراهيم بن هلال، الحرانيُّ الكاتبُ: هو حفيد أبي إسحاق الصابئ صاحبِ الرسائل المشهورة، وكان صدوقًا، ذا فضائل جمة وتَواليف نافعة، ولد في شوال، سنة تسع (١) وخمسين وثلاث مئة، وتوفي ليلة الخميس، سابع عشر شهر رمضان، سنة ثمان وأربعين وأربع مئة.
* * *
٥٠١ - أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن بن زيد بن أسيد بن جابر البحتريُّ الكوفيُّ: كان راوية أخبار، نقل من كلام العرب وأشعارها ولغاتها شيئاً كثيراً، وكان يرى برأي الخوارج، وله مصنفات في علم التواريخ، واختص بمجالس المنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، وروى عنهم.
стр. 1194
وكانت ولادته سنة ثلاثين ومئة، وتوفي في غرة المحرم، سنة ست، وقيل: سبع ومئتين (١).
стр. 1195
حَرْفُ الوَاو
٥٠٢ - واصل بن عطاء، المعتزليُّ المعروفُ بالغَزَّال: مولى بني أمية (١)، وقيل: مولى بني مخزوم.
كان أحد الأئمة البلغاء المتكلمين في علوم الكلام وغيره.
وذكر السمعاني في كتاب "الأنساب" في ترجمة المعتزلي: أن واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري، فلما ظهر الخلاف، وقال الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر، وقال الجماعة بأنهم مؤمنون، وإن فسقوا بالكبائر، فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين، وقال: إن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، في منزلة بين المنزلتين، فطرده الحسن عن مجلسه، فاعتزل عنه، وجلس إليه عَمرو بن عُبيد، فقيل لهما ولمن تبعهما: معتزلون.
وكان واصل بن عطاء ألثغ، ويخلص كلامه من الراء، ولا يفطن سامعه لذلك؛ لاقتداره على الكلام، وكان يضرب به المثل في إسقاطه حرف الراء من كلامه، واستعمل الشعراء ذلك في شعرهم، حتى قال