← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

يَا بَاسِمًا أَبْدَى (١) لَنَا ثَغْرُهُ ... عِقْدًا وَلَكِنْ كُلُّهُ جَوْهَرُ قَالَ لِيَ اللاَّحِي: أَلاَ تَسْتَمعْ ... فَقُلْتُ: يَا لاَحِي أَلاَ تُبْصِرُ وله من جملة أبيات: وَمَا كَانَ تَرْكِي حُبَّهُ عَنْ مَلاَلَةٍ ... وَلَكِنْ لأِمْرٍ يُوجِبُ القَوْلَ بِالتَّرْكِ أَرَادَ شَرِيكًا فِي المَحَبَّةِ ثَانِيًا ... وَإِيمِانُ قَلْبِي لاَ يَمِيلُ إِلَى الشِّرْكِ وله نوادر كثيرة. توفي في العشر الأول من شهر رمضان، سنة ثمان وست مئة بالقاهرة، ولم يبلغ عمره ستين سنة، وتوفي والده جعفر في منتصف شهر رمضان، سنة ثمانين وخمس مئة. * * * ٤٩٩ - هَمَّامُ بنُ غالب، وقيل: هُميم - بالتصغير - بن غالب، وكنيته: أبو الأخطل بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان

стр. 1192

ابن مجاشع بن دارم - واسمه بحر - بن مالك - واسمه عوف - التميميُّ المعروفُ بالفرزدق، الشاعرُ المشهور، صاحبُ جرير: كان أبوه غالب من جلَّة قومه، وأمه ليلى بنت حابس أختُ الأقرع بن حابس، ولأبيه مناقب مشهورة، ومحامد مأثورة، وكان هَمَّام أنشد سليمان بن عبد الملك الأموي قصيدة، فلما انتهى منها إلى قوله: ثَلاَثٌ وَاثْنَتَانِ فَهنَّ خَمْسٌ ... وَثَالِثَةٌ تَمِيلُ إِلَى سِهَامِ فَبِتْنَ بِجَانِبِيَّ مُصَرَّمَاتٍ ... وَبِتُّ أَفُضُّ أَغْلاَقَ الخِتَامَ كَأَنَّ مَعَالِقَ الرُّمَّانِ فِيهِ ... جَمْرُ غَضاً قَعَدْتُ عَلَيْهِ حَامِي فقال له سليمان: قد أقررتَ عندي بالزنا، وأنا إمام، ولا بد من إقامة الحد عليك، فقال له الفرزدق: من أين أوجبتَ عليَّ يا أمير المؤمنين؟ قال: بقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فقال الفرزدق: كتاب الله يدرؤه عني بقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦]، فانا قلت ما لم أفعل، فتبسَّم سليمان، وقال: أولى لك.

стр. 1193

وتوفي الفرزدق بالبصرة سنة عشر ومئة، قبل جرير بأربعين يوماً، وقيل: ثمانين يومًا، وقيل: إنهما توفيا سنة إحدى عشرة ومئة. والفرزدق لقب عليه، والفرزدق: مقطَّع العجين، وإنما لقب به؛ لأنه كان جهم الوجه. وله أخبار ونوادر يطول شرحها. * * * ٥٠٠ - أبو الحسن هلال بن المحسن بن أبي إسحاق إبراهيم بن هلال، الحرانيُّ الكاتبُ: هو حفيد أبي إسحاق الصابئ صاحبِ الرسائل المشهورة، وكان صدوقًا، ذا فضائل جمة وتَواليف نافعة، ولد في شوال، سنة تسع (١) وخمسين وثلاث مئة، وتوفي ليلة الخميس، سابع عشر شهر رمضان، سنة ثمان وأربعين وأربع مئة. * * * ٥٠١ - أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن بن زيد بن أسيد بن جابر البحتريُّ الكوفيُّ: كان راوية أخبار، نقل من كلام العرب وأشعارها ولغاتها شيئاً كثيراً، وكان يرى برأي الخوارج، وله مصنفات في علم التواريخ، واختص بمجالس المنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، وروى عنهم.

стр. 1194

وكانت ولادته سنة ثلاثين ومئة، وتوفي في غرة المحرم، سنة ست، وقيل: سبع ومئتين (١).

стр. 1195

حَرْفُ الوَاو ٥٠٢ - واصل بن عطاء، المعتزليُّ المعروفُ بالغَزَّال: مولى بني أمية (١)، وقيل: مولى بني مخزوم. كان أحد الأئمة البلغاء المتكلمين في علوم الكلام وغيره. وذكر السمعاني في كتاب "الأنساب" في ترجمة المعتزلي: أن واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري، فلما ظهر الخلاف، وقال الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر، وقال الجماعة بأنهم مؤمنون، وإن فسقوا بالكبائر، فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين، وقال: إن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، في منزلة بين المنزلتين، فطرده الحسن عن مجلسه، فاعتزل عنه، وجلس إليه عَمرو بن عُبيد، فقيل لهما ولمن تبعهما: معتزلون. وكان واصل بن عطاء ألثغ، ويخلص كلامه من الراء، ولا يفطن سامعه لذلك؛ لاقتداره على الكلام، وكان يضرب به المثل في إسقاطه حرف الراء من كلامه، واستعمل الشعراء ذلك في شعرهم، حتى قال

стр. 1196

بعضهم في محبوبٍ ألثغ: أَجَعَلْتَ وَصْلِي الرَّاءَ لَمْ تَنْطِقْ بِهَا ... وَقَطَعْتَنِي حَتَّى كَأَنِّي وَاصِلُ فما أحسن قوله: قطعتني حتى كأني واصل. وأخباره كثيرة، وكانت ولادته سنة [ثمانين، وتوفي سنة] (١) إحدى وثلاثين ومئة (٢). * * * ٥٠٣ - أبو عُبادة الوليد بن عُبيد بن يحيى بن عُبيد بن شملال بن جابر بن سلمة بن مُسْهِر، الطائيُّ البحتريُّ الشاعرُ المشهورُ: ولد بمنبج، ونشأ وتخرج بها، ثم خرج إلى العراق، ومدح جماعة من الخلفاء، وخلقًا من الرؤساء، وأقام ببغداد، ثم عاد إلى الشام، وله أشعار كثيرة: شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُّكْرَ لِلعَبْدِ نِعْمَةٌ ... وَمَنْ يَشْكُرِ المَعْرُوفَ فَاللهُ زَائِدُهْ لِكُلِّ زَمَانٍ وَاحِدٌ يُقْتَدَى بِهِ ... وَهَذَا زَمَانٌ أَنْتَ لاَ شَكَّ وَاحِدُهْ

стр. 1197

وكانت ولادته سنة خمس ومئتين، وتوفي سنة أربع وثمانين ومئتين بمنبج، وقيل: بحلب. ومنبج: بليدة بالشام بين حلب والفرات، بناها كسرى لما غلب على الشام، وسماها: منبه، فعربت (١).

стр. 1198

حَرْفُ اليَاءِ ٥٠٤ - ياروق التركماني: كان مقدَّمًا جليل القدر في قومه، وإليه تُنسب الطائفة الياروقية من التركمان، وكان عظيم الخِلْقة، هائل المنظر، سكن بظاهر حلب في جهتها القبلية، وبنى على شاطئ قويق [فوق] تل مرتفع هو وأهله [وأتباعه، أبنية كثيرة مرتفعة] (١)، وعمائر متسعة، وتعرف الآن بالياروقية، وسكنها هو ومن معه، وهي معمورة، يتردد إليها أهل حلب في أيام الربيع، ويتنزهون على قويق. وتوفي ياروق في المحرم، سنة أربع وستين وخمس مئة. وقُوَيق - بضم القاف الأولى وإسكان الثانية، وفتح الواو -: نهر صغير بظاهر حلب، يجري في الشتاء والربيع، وينقطع في الصيف. * * * ٥٠٥ - أبو الدر ياقوت الموصلي، الكاتبُ الملقب: أمين الدين، المعروف بالمليكي؛ نسبة إلى السلطان أبي الفتح ملكشاه بن سلجوق

стр. 1199

ابن محمد بن ملكشاه: نزل بالموصل، وأخذ النحو عن ابن الدهان النحوي، وكتب الكثير، وانتشر خطه في الآفاق، وكان في نهاية الحسن، ولم يكن في أواخر زمانه من يجاريه في حسن الخط، ولا يؤدي طريقة ابن البواب في النسخ مثله، مع فضل غزير، ونباهة تامة، وكتب عليه خلق كثير، وقصده الناس من البلاد، وتوفي بالموصل، سنة ثماني عشرة وست مئة، وقد أسنَّ، وتغير خطَّه من الكبر ﵀. * * * ٥٠٦ - أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي، الملقب: مهذب الدين، الشاعرُ المشهور، مولى أبي منصور الجيلي التاجر: اشتغل بالعلم، وأكثر من الأدب، واستعمل قريحته في النظم، فأجاد فيه، ولما مهر، سمى نفسه: عبد الرحمن، وكان مقيمًا بالمدرسة النظامية ببغداد، وحفظ القرآن، وقرأ أشياء من الأدب، وكتب خطاً حسنًا، وراق شعره وحفظه الناس، ومن شعره: جَسَدِي لِبُعْدِكَ يَا مُثِيرَ بَلاَبِلِي ... دَنِفٌ بِحُبِّكَ مَا أَبَلَّ بَلَى بَلِي يَا مَنْ إِذَا مَا لاَمَ فَيهِ لَوَائِمِي ... أَوْضَحْتُ عُذْرِي بِالعِذَارِ السَّائِلِ أُتُجِيزُ قَتْلِي فِي "الوَجِيزِ" لِقَاتِلٍ ... أَمْ حَلَّ فِي "التَّهْذِيبِ" أَمْ فِي "الشَّامِلِ"

стр. 1200

أَمْ فِي "المُهَذَّبِ" أَنْ يُعَذَّبَ عَاشِقٌ ... ذُو مُقْلَةٍ عَبْرَى ودَمْعٍ هَاِئلِ أَمْ طَرْفُكَ الفَتَّاكُ قَدْ أَفْتَاكَ في ... تِلْكَ النُّفُوسِ بِسِحْرِ طَرْفٍ بَابِلِي ووجد ياقوت ميتًا بمنزله ببغداد، في الثاني عشر من جمادى الأولى، سنة اثنتين وعشرين وست مئة، ويقال: إنه توفي قبل ذلك بأيام ﵀. والرومي: نسبة إلى الروم، وهو إقليم مشهور ومتسع. وهاهنا نكتة غريبة يحتاج إليها، ويكثر السؤال عنها، وهي أن الروم يقال لهم: بنو الأصفر، واستعملته الشعراء في أشعارهم، فمن ذلك: قول عدي ابن زيد العبادي من جملة قصيدة مشهورة: وَبَنُو الأَصْفَرِ الكِرَامُ مُلُوكُ الـ ... ـرُّومِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمُ مَذْكُور فنقل عن العباس عن أبيه، قال: انخرم ملك الروم في الزمان الأول، فبقيت منه امرأة، فتنافسوا في الملك حتى وقع بينهم شر، فاصطلحوا على أن يملكوا أول من يشرف عليهم، فجلسوا لذلك، فأقبل رجل من اليمن معه عبدٌ له حبشي يريد الروم، فأَئقَ العبدُ منه، فأشرف عليهم، فقالوا: انظروا أي شيء وقعتم، فزوجوه تلك الإمرأة، فولدت

стр. 1201

غلامًا، فسموه: الأصفر، فجاء مولى العبد، فقال: هذا عبدي، فقال الغلام: صدق، أنا عبده، فأرضوه، فأعطوه حتى رضي، فبسبب ذلك قيل للروم: بنو الأصفر؛ لصفرة لون الولد؛ لكونه مولَّدًا بين الحبش والمرأة البيضاء، والله أعلم. * * * ٥٠٧ - أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله، الروميُّ الجنس، الحَمَوِيُّ المولد، البغداديُّ الدار، الملقب: شهاب الدين: أُسر من بلاده صغيراً، وابتاعه ببغداد رجل يعرف بعسكر بن أبي نصر بن إبراهيم الحموي، وجعله في الكُتَّاب؛ لينتفع به في ضبط تجارته، وكان مولاه عسكر لا يحسن الخط، ولا يعرف شيئًا سوى التجارة، ولما كبر ياقوت، قرأ شيئاً من النحو واللغة، وشغله مولاه بالأسفار في متاجره، ثم أعتقه، وأبعده عنه. فاشتغل بالنسخ بالأجرة، وحصلت له بالمطالعة فوائد، ثم عطف عليه، ثم توفي مولاه، فكان يتَّجر، وجعل بعض تجارته كتبًا، وكان متعصباً على علي ﵁، وكان قد طالع شيئاً من كتب الخوارج، فتشكل في ذهنه منه طَرَف قوي. وتوجه إلى دمشق، وقعد في بعض أسواقها، وناظر بعض من يتعصب لعلي ﵁، وجرى بينهما كلام رديء، فثار الناس عليه، وكادوا يقتلونه، فسَلِم منهم، وخرج من دمشق منهزمًا، ووصل إلى حلب

стр. 1202

خائفًا يترقب، ووصل إلى الموصل، ثم انتقل إلى إربل، ثم وصل خراسان، واستوطن بمدينة مرو، ومضى إلى خُوارزم، فصادفه خروج التتر في سنة لست عشرة ولست مئة، وانهزم بنفسه، كبعثه يوم الحشر من رمسه، وقاسى في طريقه من الضائقة والتعب ما كان يكلُّ عن شرحه إذا ذكره، ووصل إلى الموصل، وقد انقطعت به الأسباب، ثم انتقل إلى سنجار، وارتحل منها إلى حلب، وأقام بظاهرها في الخان إلى أن مات. وله مصنفات كثيرة مفيدة، ومراسلات بليغة، وأشعار حسنة، فمن شعره في غلام تركي قد رَمَدت عينه، وعليها وقاية سوداء قوله: وَمُوَلَّدٍ لِلتُّرْكِ تَحْسَبُ وَجْهَهُ ... بَدْراً يُضِيءُ سَنَاهُ بِالإِشْرَاقِ أَرْخَى عَلَى عَيْنَيْهِ فَضْلَ وِقَايَةٍ ... لِيَرُدَّ فِتْنتَهَا عَنِ العُشَّاقِ تَاللهِ لَوْ أَنَّ السَّوَابِغَ دُونها ... نَفَذَتْ فَهَلْ لِوِقَايَةٍ مِنْ رَاقِ ولد ياقوت المذكور سنة أربع وسبعين وخمس مئة ببلاد الروم، وتوفي يوم الأحد العشرين من شهر رمضان، سنة ست وعشرين وست مئة في الخان بظاهر مدينة حلب، وكان قد وقف كتبه على مسجد الزيدي بدرب دينار ببغداد، وسلمها إلى الشيخ عز الدين أبي الحسن علي بن الأثير صاحب "التاريخ الكبير"، فحملها إلى هناك، ولما تميز ياقوت، واشتهر، سمى نفسه: يعقوب. قال ابن خلكان: قدمتُ حلب للاشتغال أبها، في مستهل ذي القعدة، سنة وفاته، وكان عقيب موته، وسمعت الناس يُثنون عليه،

стр. 1203

ويذكرون فضله وأدبه، ولم يقدَّر لي الاجتماع به (١). * * * ٥٠٨ - أبو محمد يحيى بن أَكْثَم بن محمد بن قطن بن سمعان، التميميُّ الأسديُّ المروزيُّ: من ولد أكثم بن صَيْفِي حكيمِ العرب، كان عالمًا بالفقه، بصيراً بالأحكام، ذكره الدارقطني في أصحاب الشافعي، وكان سليمًا من البدعة، راغبًا في مذهب أهل السنة، وكان أحد أعلام الدنيا ومَن قد اشتُهر أمره، وعرف خيره، ولم يستتر عن الصغير والكبير من الناس فضلُه وعلمه، وسياستهُ ورياسته لأمره وأمر أهل زمانه من الخلفاء والملوك، واسع العلم بالفقه، كثير الأدب، حسن المعارضة، قائم بكل معضلة، وغلب على المأمون، حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعًا، أخذ بمجامع قلبه حتى قلَّده قضاء القضاة، وتدبير أهل مملكته، وكانت الوزراء لا تعمل في تدبير الملك شيئاً إلا بعد مطالعته، وكان المأمون أراد أن يولي رجلاً على القضاء، فوُصف له يحيى، فاستحضره، فلما دخل عليه، وكان دميم الخلق، فاستحقره المأمون، فعلم ذلك يحيى، فقال: يا أمير المؤمنين! سلني إن كان القصد علمي لا خَلقي، فسأله عن مسألة في الفرائض، فأجاب عنها، فقلَّده القضاء. ولما ولي قضاء البصرة، كان سنه عشرون سنة، فاستصغره أهل البصرة، فقالوا: كم سن القاضي؟ فعلم أنه قد استُصغر، فقال: أنا أكبر

стр. 1204

من عتَّاب بن أُسيد حين وجَّهه رسول الله ﷺ قاضياً على أهل مكة (١) يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجَّه به النبي ﷺ قاضيًا على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سعد الذي وجه به عمر ﵁ قاضيًا على أهل البصرة، فجعل جوابه احتجاجاً، وكان رسول الله ﷺ قد ولَّى عتاب ابن أسيد مكة بعد فتحها، وله إحدى وعشرون سنة، وكان إسلامه يوم فتح مكة، وقال لرسول الله ﷺ : أصحبك، وأكون معك، فقال: "وَمَا تَرْضَى أَنْ أَسْتَعْمِلَكَ عَلَى آلِ اللهِ تَعَالى"، فلم يزل عليهم حتى قُبض رسولُ الله ﷺ . وبقي يحيى سنة لا يقبل بها شاهدًا، فتقدم إليه أحد الأمناء، فقال: أيها القاضي! قد وقفت الأمور وترتبت، فقال القاضي: وما السبب؟ قال: في ترك القاضي قبول الشهود، فأجاز في ذلك اليوم منها سبعين شاهداً. وكانت ولاية القاضي يحيى القضاء بالبصرة سنة اثنتين ومئتين، وعزل عنها في سنة عشر ومئتين (٢). وكانت كتب يحيى في الفقه أجلَّ كتب، فتركها الناس لطولها، وله كتب في الأصول وغيرها، ولم يكن فيه ما يُعاب به سوى ما كان يُتَّهم به

стр. 1205

من الهيئات المنسوبة إليه، الشائعة عنه، والله أعلم بحاله فيها. وذكر لأحمد بن حنبل ﵁ ما يقول الناس عنه من حب الغلمان، فقال: سبحان الله، سبحان الله! من يقول هذا؟ وأنكر ذلك إنكاراً شديداً. وكان مفننًا، إذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه، سأله عن الحديث، وإذا رآه يعلم النحو، سأله عن الكلام؛ ليقطعه ويخجله، فدخل عليه رجل من أهل خراسان ذكي حافظ، فناظره، فرآه مفننًا، فقال له: نظرتَ في الحديث؟ قال: نعم، قال: ما تحفظ من الأصول؟ قال: أحفظ عن شريك عن أبي إسحاق عن الحارث: أن علياً ﵁ رجم لوطياً، فأمسك، ولم يكلمه. وذُكر: أن المأمون قال ليحيى بن أكثم: من الذي يقول: قَاضٍ يَرَى الحَدَّ في الزِّنَاءِ وَلَا ... يَرَى عَلَى مَنْ يَلُوطُ مِنْ بَاسِ قال: أو ما يعلم أمير المؤمنين من القائل له؟ قال: لا، يقول: الفاجر أحمد بن أبي نعيم الذي يقول: لاَ أَحْسَبُ الجَوْرَ يَنْقَضِي وَعَلَى الْـ ... أُمَّةِ وَالٍ مِنْ آلِ عَبَّاسِ فأفحم المأمون خجلاً، وقال: ينبغي أن يُنفى أحمد بن أبي نعيم إلى السِّند.

стр. 1206

وأخبار يحيى ونوادره كثيرة، ولم تزل الأحوال تختلف عليه، وتتقلب به إلى أيام المتوكل على الله، فلما عزل محمد ابن القاضي أحمد ابن أبي دؤاد عن القضاء، فوض الولاية إلى القاضي يحيى، وخلع عليه خمس خِلَع، ثم عزله في سنة أربعين ومئتين، وأخذ أمواله، وولى في رتبته جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي، فجاء كاتبه إلى القاضي يحيى، فقال: سلِّمِ الديوان، فقال: شاهدان عدلان أنه أمرني بذلك، فأخذ منه الديوان قهراً، وغضب عليه المتوكل، وأمر بقبض أمواله وأملاكه، وإلزامه بيته، ثم حج، وحمل أخاه معه، وعزم على أن يجاور، فلما اتصل به رجوع المتوكل، بدا له في الرجوع يريد العراق، فلما وصل إلى الرَّبْذة، توفي بها يوم الجمعة، نصف شهر ذي الحجة، سنة اثنتين وأربعين ومئتين، ودفن هناك، وعمره ثلاث وستون سنة. وأكثم - بفتح الثاء المثلثة -: هو الرجل العظيم البطن. وحكى أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن سعيد، قال: كان يحيى ابن أكثم القاضي صديقًا لي، وكان يودُّني وأودُّه، فمات يحيى، فكنت أشتهي أن أراه في المنام، وأقول له: ما فعل الله بك؟ فرأيته ليلة في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، إلا أنه وبَّخني، ثم قال لي: يا يحيى! خَلَّطت، فقلت: يا ربي! اتكلت على حديث حدثني به أبو معاوية الضرير عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّكَ قُلْتَ: إِنِّي لأَسْتَحْيِي أَنْ أُعَذِّبَ ذَا شَيْبَةٍ

стр. 1207

بِالنَّارِ"، فقال: قد عفوتُ عنك يا يحيى، وصدق نبيي، إلا أنك خلطت عليَّ في دار الدنيا ﵀، وعفا عنه - (١). * * * ٥٠٩ - أبو زكريا يحيى بن معاذ الرازي: الواعظ، أحدُ رجال الطريقة، خرج إلى بَلْخ، وأقام بها مدة، ورجع إلى نيسابور، ومات بها. وكان يقول: الجوع للمريدين رياضة، وللتابعين تَجْرِبة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مَكْرُمة، والوحدة جليس الصديقين، والفوت أشد من الموت؛ لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق، والزهد ثلاثة أشياء: القلة، والخلوة، والجوع، ومن خان الله في السر، هتك الله ستره في العلانية. وكان له إشارات وعبارات حسنة. ومن دعائه: اللهم إن كان ذنبي قد أخافني، فإن حسن ظني بك قد أجارني، اللهم سترتَ عليَّ في الدنيا ذنوبًا أنا إلى سترها في القيامة أحوجُ، قد أحسنت بي إذْ لم تُظهرها لعصابة من المسلمين، فلا تفضحني ذلك اليوم على رؤوس العالمين، يا أرحم الراحمين. ودخل على علويّ زائراً له، ومسلّما عليه، فقال له العلوي: أيَّد الله الأستاذ، ما تقول فينا أهل البيت؟ قال: ما أقول في طين عُجن بماء

стр. 1208

الوحي، وغُرس بماء الرسالة، فهل يفوح منها إلا مسكُ الهدى، وعنبر التقى، فحشا العلويُّ فاه بالدُّرِّ، ثم زاره من غد، فقال يحيى: إنْ زُرتَنا فبفضلك، وإن زرناكَ فلفضلك، فلك الفضل زائراً ومَزوراً. وله كل كلام مليح. وتوفي سنة ثمان وخمسين ومئتين بنيسابور ﵀. * * * ٥١٠ - أبو سليمان، وقيل: أبو سعيد يحيى بن يعمر، العَدْوانيُّ الوشقيُّ النحويُّ البصريُّ: كان تابعيًا، لقي عبد الله بنَ عمر، وعبد الله ابن العباس ﵄، وغيرَهما، وانتقل إلى خراسان، وتولى القضاء، وكان عالمًا بالقرآن الكريم، والنحو ولغات العرب. وكان شيعيًا من الشيعة الأُول، القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تَنَقُّص الذين فضل من غيرهم. وحكى: أن الحجاج بن يوسف الثقفي بلغه أن يحيى بن يعمر يقول في الحسن والحسين ﵄ من ذرية رسول الله ﷺ ، فطلبه من خراسان، فلما قام بين يديه، قال له: أنت الذي تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله ﷺ لأُلقِيَنَّ الأكثر منك شَعْراً، أو لتخرجَنَّ من ذلك، قال: أماني إنْ خرجتُ؟ قال: نعم. قال: فإن الله - جل ثناؤه - يقول: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ

стр. 1209

وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى ... ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥] الآية. قال: وما بين عيسى وإبراهيم أكثرُ مما بين الحسن والحسين، وبين محمد - صلوات الله عليه وسلامه -، فقال له الحجاج: ما أراك إلا وقد خرجت، والله! لقد قرأتُها، وما علمت بها قط. وهذا من الاستنباطات البليغة الغريبة العجيبة، فلله درُّه ما أحسنَ ما استخرج، وأدقَّ ما استنبط! وأخباره كثيرة، وفضائله مشهورة. توفي سنة تسع وعشرين ومئة ﵀. * * * ٥١١ - أبو بكر (١) يحيى بن محمد بن عبد الرحمن بن بقي، الأندلسيُّ القرطبيُّ: الشاعرُ المشهورُ صاحبُ الموشَّحات البديعة، ومن شعره: وَمَشْمُولَةٍ فِي الكَأْسِ تَحْسَبُ أَنَّهَا ... سَمَاءُ عَقِيقٍ رُصِّعَتْ بِالكَوَاكِبِ بَنَتْ كَعْبَةَ اللَّذَّاتِ فِي حَرَمِ الصِّبا ... فَحَجَّ إِلَيْهَا الكَرْمُ مِنْ كُلِّ جَانِبِ

стр. 1210

ومحاسنه في الشعر كثيرة. توفي سنة أربعين وخمس مئة. * * * ٥١٢ - أبو الفضل يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد، الملقبُ: معين الدين، المعروف بالخطيب الحصَكفي: صاحبُ ديوان الشعر والخطب والرسائل، ولد بطيرة (١) ونشأ بحصن كيفا، وقدم بغداد، واشتغل بالأدب، وقرأ الفقه على مذهب الإمام الشافعي ﵁، وأجاد فيه، ثم رحل عن بغداد راجعاً إلى بلاده، ونزل مَيَّافارقين، واستوطنها، وكان إليه أمرُ الفتوى، وكان علامة الزمان. قال العماد الأصفهاني: وأنشدني له بعض الفضلاء ببغداد خمسة أبيات كالخمسة السيارات، مستحسنات مطبوعات مصنوعات، وهي قولهُ: أَشْكُو إِلَى اللهِ مِنْ نَارَيْنِ: وَاحِدَةٍ ... فِي وَجْنَتَيْهِ وَأُخْرَى مِنْهُ فِي كَبِدِي وَمِنْ سَقَامَيْنِ: سُقْمٍ قَدْ أَحَلَّ دَمِي ... مِنَ الجُنُونِ وَسُقْمٍ حَلَّ فِي جَسَدِي

стр. 1211

وَمِنْ نَمُومَيْنِ: دَمْعِي حِينَ أَذْكُرُهُ ... يُذِيعُ سِرِّي وَوَاشٍ مِنْهُ بِالرَّصَدِ وَمِنْ ضَعِيفَيْنِ: صَبْرِي حِينَ أَذْكُرُهُ ... وَوُدِّهِ (١) وَيَرَاهُ النَّاسُ طَوْعَ يَدِي مُهَفْهَفٌ رَقَّ حَتَّى قُلْتُ مِنْ عَجَبٍ ... أَخَصْرُهُ خِنْصري أَمْ جِلْدُهُ جَلَدِي وللخطيب الخطبُ المليحة، والرسائل المنتقاة، ولم يزل على رياسته وجلالته وإفادته إلى أن توفي سنة إحدى، وقيل: ثلاث وخمسين وخمس مئة. والحَصْكَفي: نسبة إلى حصن كَيْفا: وهي قلعة حصينة شاهقة بين جزيرة ابن عمر وَميَّافارقين. * * * ٥١٣ - أبو الفضل (٢) يحيى بن خالد برمك: وزير هارون الرشيد، وهو والد جعفر والفضل، وكان جدُّهم برمك من مجوس [بلخ]، وكان يخدم النوبهار، وهو معبد المجوس بمدينة بَلْخ، توقد فيه النيران، واشتهر برمك، وكان عظيم المقدار عندهم، وساد ابنه خالد، وتقدم في

стр. 1212

الدولة العباسية، وتولى الوزارة، وأما يحيى، فإنه كان من العقل وجميع الخلال على أكمل حال، وكان المهدى بن أبي جعفر المنصور قد ضم إليه ولده هارون الرشيد، وجعله في حجره، فلما استخلف هارون، عَرَفَ له حقه، وقال له: أنت أجلستني في هذا المجلس ببركتك وحسن تدبيرك، وقد قلَّدتك الأمر، ودفع إليه خاتمه، وكان يعظِّمه، وإذا ذكره، قال: أبي، وجعل إصدار الأموال وإيرادها إليه، إلى أن نكبت البرامكة، فغضب عليه، وخلَّده في الحبس إلى أن مات، وقَتل ابنه جعفراً، وكان من الكرماء البلغاء العقلاء. ومن كلامه: ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الهدية، والكتاب، والرسول. ولما قتل هارون جعفر بن يحيى البرمكي، نكب البرامكة، وحبس يحيى والفضل بالرقة، وهي البلد المشهور على شاطئ الفرات. ويحكى: أن خالد بن يحيى اشتهى في وقت من الأوقات في محبسه وهو مضيق عليه سكباجة، فلم يطق اتخاذها إلا بمشقة، فلما فرغ منها، سقطت القدرة من المتخذ لها، وانكسرت، فأنشد يحيى أبياتًا يخاطب الدنيا وغيرها، وضمنها اليأس وقطع الأطماع. ولم يزل يحيى في حبس الرقة إلى أن مات في الثالث من المحرم، سنة تسعين ومئة، ومات فجأة من غير علة، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: أربع وسبعين، وصلى عليه ابنه الفضل، ودفن في شاطئ الفرات. ووُجِدَتْ في جبته رقعةٌ فيها مكتوب: قد تقدم الخصم، والمدعى

стр. 1213

عليه في الأثر، والقاضي هو الحكم العدل الذي لا يجور، ولا يحتاج إلى بينة، فحُملت الوقعة إلى الرشيد، فلم يزل يبكي يومه كلَّه، وبقي أياماً يتبين الأسى في وجهه، وندم الرشيد على ما كان منه في أمر البرامكة، وتحسَّر على ما فرط في أمرهم. وحكى: أنه وجد تحت فراش يحيى بن خالد البرمكي رقعةٌ فيها: وَحَقِّ اللهِ إِنَّ الظُّلْمَ لُومُ ... وَإِنَّ الظُّلْمَ مَرْتَعُهُ وَخِيمُ تَنَامُ وَلَنْ تَنَمْ عَنْكَ المَنَايَا ... تَقَدَّمْ لِلمَنِيَّةِ يَا نَؤُومُ إِلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي ... وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمِعُ الخُصُومُ وأخباره في السخاء والكرم والجود كثيرة مشهورة ﵀، وعفا عنه -. * * * ٥١٤ - الوزير عون الدين يحيى [بن هُبيرة] بن محمد بن هُبيرة بن سعيد بن الحسن بن أحمد بن الحسين بن جهم بن عمر [و] بن هبيرة، الشيبانيُّ الحنبليُّ، الملقب: عون الدين، وهو من قرية ببلد العراق تعرف بقرية بني أوقر - بالقاف - من أعمال دُجيل، وكان والده من آحادها، ودخل بغداد في صباه، واشتغل بالعلم، وجالس الفقهاء والأدباء، وكان على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وسمع الحديث، وحصَّل من كل فن طرفًا، وقرأ الكتاب العزيز، وختمه بالروايات، ولازم الكتابة،

стр. 1214

وتعلَّم صناعة الإنشاء، وحدَّث عن الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين وغيره. وأول ولايته الإشراف، ثم قلد في سنة اثنتين وأربعين كتابه ديوان الزمام، ثم ترقى إلى الوزارة في أيام المقتفي؛ لأسباب يطول شرحها. وتولى الوزارة يوم الأربعاء، ثالث شهر ربيع الآخر، سنة أربع وأربعين وخمس مئة، وكان لقبه: جلال الدين، فلما ولي الوزارة، لقَّبوه: عون الدين. وكان عالمًا فاضلًا، ذا رأي صائب، وسريرة صالحة، وكان مكرماً لأهل العلم، يحضر مجلسه العلماء، ويجري من البحث والفوائد ما يكثر ذكره، وصنف كتاب "الإفصاح عن شرح معاني الصحاح"، وهو مشتمل على تسعة عشر كتابًا، وله كتاب "العبادات في الفقه" على مذهب الإمام أحمد، ومصنفات كثيرة مفيدة. ولما توفي الإمام المقتفي لأمر الله محمد بن المستظهر ليلة الأحد، ثاني عشر ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وخمس مئة، وبويع ولده المستنجد أبو المظفر يوسف، فدخل عليه، وبايعه، وأقره على وزارته، وأكرمه، وكان خائفاً منه أن يعزله، فلم يتعرض له. ولم يزل مستمراً في وزارته إلى حين وفاته. ومدحه جماعة من أماثل شعراء عصره، وكان أكثر ما ينشد:

стр. 1215

مَا نَاصَحَتْكَ خَبَايَا الوُدِّ مِنْ أَحَدٍ ... مَا لَمْ يَنَلْكَ بِمَكْرُوهٍ مِنَ العَذَلِ مَوَدَّتِي لَكَ تَأْبَى أَنْ تُسَامِحَنِي ... بِأَنْ أَرَاكَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الزَّلَلِ ومحاسنه كثيرة. ولد في ربيع الآخر، سثة تسع وتسعين وأربع مئة، وكان يسأل الله الشهادة، ويتعرض لأسبابها، وكان صحيحًا يوم السبت، ثاني عشر جمادى الأولى، سنة ستين وخمس مئة، فنام ليلة الأحد في عافية، فلما كان وقت السَّحر، قاء، فحضره طبيب كان يخدمه، فسقاه شيئًا، فيقال: إنه سَمَّه، فمات، وسُقي الطبيب بعده بنحو ستة أشهر سما، فكان يقول: سُقيت كما سَقيت، ومات الطبيب. ولما خرجت جنازة الوزير، غلقت الأسواق ببغداد، ولم يتخلف عن جنازته أحد، وصُلي عليه في جامع المنصور، وحُمل إلى باب البصرة، فدفن في مدرسته التي أنشأها، وقد دثرت الآن، وكان مشكورًا محمودَ الطريقة، محبًا لأهل العلم، ومحاسنه كثيرة ﵀، وعفا عنه -. * * * ٥١٥ - أبو الفضل يحيى بن نزار بن سعيد المنبجي: ذكره الحافظ

стр. 1216

أبو سعيد عبد الكريم بن السمعاني، فقال: له شعر مطبوع غير متكلف، ولد في المحرم، سنة ست وثمانين وأربع مئة. فمن قوله: لَوْ صَدَّ عَنِّي دَلاَلًا (١) أَوْ مُعَاتَبَةً ... لكُنْتُ أَرْجُو تَلاَفِيهِ وأَعْتَذِرُ لَكِنْ مَلاَلًا وَلاَ أَرْجُو تَعَطُّفَهَا ... جَبْرُ الزُّجَاجِ عَسِيرٌ حِينَ يَنْكَسِرُ وتوفي ليلة الجمعة، سادس ذي الحجة، سنة أربع وخمسين وخمس مئة ببغداد، ودفن بالوردية ﵀. * * * ٥١٦ - أبو الحسين يحيى بن أبي منصور علي (٢) بن الجراح بن الحسين بن محمد بن داود بن الجراح، الكاتب المنعوت، تاج الدين: كتب في ديوان الإنشاء بالديار المصرية مدة طويلة، وكان خطه في غاية الجودة، وكان فاضلًا أديباً متقنًا، له فِطرة حسنة، وشِعر فائق، ورسائل أنيقة، سمع الحديث، وحدَّث، وسمع الناسُ عليه. ولد في ليلة السبت، خامس عشر شعبان [سنة إحدى وأربعين وخمس مئة، وتوفي في خامس شعبان] (٣) سنة ست عشرة وست مئة

стр. 1217

مئة بدمياط، والعدو المخذول محاصرُها. ثم إن العدو ملك دمياط يوم الثلاثاء، السابع والعشرين من الشهر المذكور، وكان مدة نزوله عليها ثلاث سنين، وثلاثة أشهر، وسبعة عشر يوماً. ومن الاتفاق العجيب: نزولهم عليها يوم الثلاثاء بالبر الشرقي، وإحاطتهم بها يوم الثلاثاء، وقد جاء في الخبر: أن الله تعالى خلق المكروه يوم الثلاثاء. ولفظة دمياط سريانية، وأصلها - بالذال المعجمة -، ويقولونه دمط، وتفسيره: القدرة الربانية، وكأنه إشارة إلى مجمع البحرين: العذب، والمالح، والله أعلم. * * * ٥١٧ - أبو طالب يحيى بن أبي الفرج سعيد بن أبي القاسم هبة الله ابن علي بن زيادة، الشيبانيُّ، الكاتبُ الواسطيُّ الأصل، البغداديُّ المولد والدار والوفاة، الملقب: قوام الدين: كان من أعيان الأماثل، والصدور والأفاضل، انتهت إليه المعرفة بأمور الكتابة والإنشاء، وغير ذلك، وله النظم الجيد، خدم الديوان من صباه إلى أن توفي، وتولَّى النظر بديوان البصرة وواسط والحلة، ثم رُتِّب حاجباً، ثم قُلد النظر في المظالم، ثم عُزل، ثم أُعيد إليه، ثم قُلد ديوان الإنشاء. وكان حسن السيرة، متديناً، من نظمه:

стр. 1218

إِنِّي لأَعْظَمُ مَا تَلْقَوْننِي جَلَداً ... لَمَّا تَوَسَّطْتُ هَوْلَ الحَادِثِ النَّكدِ كَذَلِكَ الشَّمْسُ لاَ تَزْدَادُ قُوَّتُهَا ... إِلاَّ إِذَا حَصَلَتْ فِي زَبْرَةِ الأَسَدِ وله: لاَ تَغْبِطَنَّ وَزِيراً لِلمُلوُكِ وَإِنْ ... أَناَلَهُ الدَّهْرُ مِنْهُمْ فَوْقَ هِمَّتِهِ وَاعْلَمْ بِأَنَّ لَهُ يَوْمًا تَمُورُ بِهِ الـ ... أَرْضُ الوَقُورُ كَمَا مَارَتْ لِهَيْبَتِهِ هَارُونُ وَهْوَ أَخُو مُوسَى الشَّقِيقُ لَهُ ... لَوْلاَ الوِزَارَةُ لَمْ يَأْخُذْ بِلِحْيَتِهِ وله كل معنى مليح. ولد في صفر، سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، وتوفي في ذي الحجة، سنة أربع وتسعين وخمس مئة، وصُلي عليه بجامع النصر (١)، ودفن بالجامع الغربي لمشهد الإمام موسى بن جعفر ببغداد.

стр. 1219

٥١٨ - يحيى بن الحسين بن علي بن حمزة بن إبراهيم بن الحسين ابن مطروح (١)، الملقب: جمال الدين: من أهل صعيد مصر، ونشأ هناك، أقام بقُوص مدة، وتنقلت به الأحوال في الخدم والولايات، ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الكامل ابن الملك العادل بن أيوب، وكان - إذ ذاك - نائباً عن أبيه للديار المصرية، ثم اتصل بخدمة الملك الصالح ابن الكامل، ولما ملك الديار المصرية، رتبه ناظراً للخزانة، ولم يزل مقربا عنده إلى أن ملك دمشق، فرتب لها نوابا، وكان ابن مطروح في صورة وزيرها، وحسن حاله، وارتفعت منزلته، ثم عزله السلطان عن ولايته، وتغير عليه لأمور نقمها عليه، واستمر مواظب الخدمة مع الإعراض عنه. ولما مات الملك الصالح بالمنصورة، وصل ابن مطروح إلى مصر، وأقام بها في داره إلى أن مات. وكانت أدواته جميلة، وخلاله حميدة، جمع بين الفضل والمروءة والأخلاق المرضية، وله ديوان شعر، فمن ذلك قوله: عَلِقْتُهُ مِنْ آلِ يَعْرُبَ لَحْظُهُ ... أَمْضَى وَأَفْتَكُ مِنْ سُيُوفِ عُرَيْبِهِ

стр. 1220

أَسْكَنْتُهُ فِي المُنْحَنَى مِنْ أَضْلُعِي ... شَوْقًا لِبَارِقِ ثَغْرِهِ وَعُذَيْبِهِ يَا عَائِبًا ذَاكَ الفُتُورَ بِطَرْفِهِ ... خَلُّوهُ لِي أَنَا قَدْ رَضِيتُ بِعَيْبِهِ لَدْنٌ وَمَا مَرَّ النَّسِيمُ بِعِطْفِهِ ... أَرِجٌ وَمَا نَفَحَ العَبِيرُ بِجَيْبِهِ وكتب ابن مطروح رقعة إلى بعض الرؤساء تتضمن شفاعة في قضاء شغل بعض أصحابه، فكتب ذلك الرئيس في جوابه: هذا الأمر عليَّ فيه مشقة، فكتب جوابه ثانيًا: لولا المشقة، فوقف عليها ذلك الرئيس، فقضى شغله، وفهم ما قَصَدَه، وهو قول المتنبي: لَوْلاَ المَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ ... الجُودُ يُفْقِرُ وَالإِقْدَامُ قَتَّالُ وهذا من لطيف الإشارات. ولد يوم الاثنين، ثامن رجب، سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة بأسيوط، وتوفي ليلة الأربعاء، مستهل شعبان، سنة تسع وأربعين وست مئة بمصر، ودفن بسفح المقطَّم. وكان في مدة انقطاعه في داره، وضيق صدره بسبب عطلته، وكثرةِ كلفته، قد حدث في عينيه عمى، وأوصى أن يكتب على رأسه دُوبيت نَظَمَه في مرض موته، وهو:

стр. 1221

أَصْبَحْتُ بِقَعْرِ حُفْرَةٍ مُرْتَهَنَا ... لاَ أَمْلِكُ مِنْ دُنْيَايَ إِلاَّ الكَفَنَا يَا مَنْ وَسِعَتْ عِبَادَهُ رَحْمَتُهُ ... مِنْ بَعْضِ عِبَادِكَ المُسِيئِينَ أَنَا * * * ٥١٩ - أبو علي يحيى بن عيسى بن جزلة: الطبيب، صاحب "المنهاج" الذي رتبه على الحروف، كان نصرانياً، ثم أسلم، وصنف رسالة في الرد على النصارى، وبيان عُوار مذاهبهم، ومدح فيها الإسلام، وأقام الحجة على أنه الدين الحق، وذكر فيها قراءة في التوراة والإنجيل من ظهور النبي ﷺ ، وأنه نبي مبعوث، وأن اليهود والنصارى أخفَوا ذلك، ولم يُظهروه، ثم ذكر فيها معايب اليهود والنصارى، وهي رسالة حسنة، وصنف كتباً مفيدة. واستخلفه القاضي أبو الحسن ببغداد في كتب السجلات، وأوقف كتبه قبل وفاته، وجعلها في مشهد أبي حنيفة، وكان إسلامه في سنة لست وستين وأربع مئة، وقرئت عليه الرسالة التي صنفها في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وأربع مئة (١).

стр. 1222

٥٢٠ - أبو الفتوح يحيى الملقب: شهاب الدين السهرورديُّ، وبعرف بابن أميرك، الحكيمُ المقتول بحلب، وقيل: اسمه أحمد: كان من علماء عصره، قرأ الحكمة وأصول الفقه، وكان أوحد زمانه في العلوم الحكمية، وكان علمه أكثر من عقله، وكان شافعي المذهب، ويتهم بانحلال العقيدة، واشتهر ذاك عنه، فلما وصل إلى حلب، أفتى علماؤها بإباحة دمه بسبب اعتقاده، وبما ظهر لهم من سوءِ مذهبه، وكان ذاك في دولة الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين، فحبسه، ثم خنقه بإشارة والده صلاح الدين، وكان ذاك في خامس رجب، سنة سبع وثمانين وخمس مئة بقلعة حلب، وعمره ثمان وثلاثون سنة، وصُلب أياماً، ولما تحقَّق القتل، كان كثيراً ما ينشد: أَرَى قَدَمِي أَرَاقَ دَمِي ... وَهَانَ دَمِي فَهَا نَدَمِي ﵀، وسامحه -. * * * ٥٢١ - أبو خالد يزيد بن المهلَّب بن أبي صُفْرة، الأزديُّ: كان والده والياً بخراسان حتى أدركته الوفاة هناك، ولما حضر أجله، عهد إلى ولده يزيد المذكور، ويزيد ابن ثلاثين سنة يومئذ، فعزله عبد الملك بن مروان، وولَّى مكانه في خراسان قُتيبة بنَ مُسلم الباهليَّ، وكان الحجاج

стр. 1223

في كل وقت يسأل المنجِّمين ومن يُعاني هذه الصناعة عمن يكون مكانه؟ فيقولون: رجل اسمه يزيد، فلا يرى من هو أهلٌ لذلك سوى يزيد المذكور، والحجاج يومئذ أمير العراقين، وكذا وقع؛ فإنه لما مات الحجاج، ولي يزيد مكانه. وكان يزيد المذكور جواداً سخيًا، وله في السخاء والإعطاء حكايات مشهورة يطول شرحها. وقال يوماً: والله! لَلْحياةُ أحبُّ إليَّ من الموت، والفعلُ الحسن أحبُّ إليَّ من الحياة، ولو أني أُعطيت ما لم يُعطَه أحد، لأحببت أن يكون لي أذنٌ أسمع بها ما يقال فيَّ إذا متُّ. وأجمع علماء التاريخ على أنه لم يكن في دولة بني أمية أكرمُ من بني المهلب، كما لم يكن في دولة بني العباس أكرمُ من البرامكة، وكان لهم في الشجاعة - أيضًا - مواقفُ مشهورة. ولد يزيد المذكور سنة ثلاث وخمسين، وتوفي مقتولاً يوم الجمعة، لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر، سنة اثنتين ومئة. وكان ليزيد ولدان نجيبان جليلان سيدان، أحدهما: خالد بن يزيد، والآخر: محمد بن يزيد، وكان موصوفًا بالكرم، وأنه لا يرد طالباً، فإن لم يحضر مال، يَعِدُ، ثم يُعَجِّل العِدَة. ومدحه أحمد بن صالح، وقيل: أبو الشيص الخزاعي في كتاب "التاريخ" بقوله:

стр. 1224

عَشِقَ المَكَارِمَ فَهْوُ مَشْغُولٌ بِهَا ... وَالمَكْرُمَاتُ قَلِيلَةُ العُشَّاقِ وأَقاَمَ سُوقاً لِلثَّنَاءِ وَلَمْ يَكُنْ ... سُوقُ الثَّنَاءِ يُعَدُّ فِي الأَسْوَاقِ بَثَّ الصَّنَائِعَ فِي البِلاَدِ فَأَصْبَحَتْ ... يُجْبَى إِلَيْكَ مَحَامِدُ الآفَاقِ وكان خالد بن يزيد قد تولى الموصل من جهة المأمون، فوصل إليها، وفي صحبته أبو الشَّمَقْمق الشاعرُ، فلما دخل إلى الموصل، نشب اللواء الذي لخالد في سقف باب المدينة، فاندقَّ، فتطَيَّر خالد من ذلك، فانشدهُ ارتجالاً: مَا كَانَ مُنْدَقّ اللِّوَاءِ لِرِيبَةٍ ... تُخْشَى وَلاَ سُوءٍ يَكُونُ مُعَجَّلاَ لَكِنَّ هَذَا الرُّمْحَ أَضْعَفَ مَتْنَهُ ... صِغَرُ الوِلاَيَةِ فَاسْتَقَلَّ المَوْصِلاَ فبلغ الخليفةَ ما جرى، فكتب إلى خالد بن يزيد: قد زدنا في ولايتك ديارَ ربيعة كلَّها؛ لكون رمحك استقلَّ الموصل، ففرح بذلك، وأجاز أبا الشمقمق جائزة حسنة، وتوفي في طريق أرمينية، سنة ثلاثين ومئتين، دفن بمدينة رسل أرمينية - رحمه الله تعالى -.

стр. 1225

٥٢٢ - أبو يوسف يعقوب الماجشون بن أبي سلمة دينار، ولقِّب بالماجشون، القرشيُّ التيميُّ (١): من موالي آل المنكدر من أهل المدينة، سمع ابن عمر ﵄، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهما، وروى عنه جماعة، مات سنة أربع وستين ومئة - رحمه الله تعالى -. * * * ٥٢٣ - أبو يوسف يعقوب - صاحبُ أبي حنيفة - بن إبراهيم بن حبيب بن خُنيس بن سعد بن حبتة الأنصاري: وسعد (٢) بن حبتة: أحد الصحابة ﵃، وهو مشهور في الأنصار. كان القاضي أبو يوسف المذكور صاحبُ أبي حنيفة ﵁، وكان فقيهًا عالمًا حافظاً، سمع جماعة، وجالسهم، ثم جالس أبا حنيفة النعمان بن ثابت، وكان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة، وخالفه في مواضع كثيرة، وروى عنه محمدُ بن الحسن الشيباني الحنفي، وأحمدُ ابن حنبل، وغيرُهما. وكان قد سكن بغداد، وتولى القضاء بها لثلاثة من الخلفاء: المهدي، وابنه الهادي، ثم الرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويبجله، وكان عنده حظيًا، وهو أول من دُعي بقاضي القضاة، وأول من غيَّر لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها في هذا الزمان، وكان ملبوس الناس

стр. 1226

قبل ذلك واحدًا لا يتميز أحد من أحد بلباسه، وكان كثير الحديث. وروى الخطيب بإسناد متصل إلى علي بن الجعد، قال: أخبرني أبو يوسف القاضي، قال: توفي أبي، وخلَّفني صغيرًا في حِجْر أمي، فأسلمتني إلى قَصَّار أخدمه، فكنت أدعُ القصار، وأذهب إلى حلقة أبي حنيفة، فتأخذ بيدي، وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعتني بي؛ مما يرى من حضوري، وحرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي، وطال عليها أمري، قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فسادٌ غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له، وأنا أطعمه من مِغْزلي، وقصدي أن يكسب دانقًا يعود به على نفسه. فقال لها أبو حنيفة: اذهبي يا رعناء، ها هو يتعلم أكل الفالُوذَج بدهن الفستق، فانصرفت عنه، وقالت له: أنت شيخ، وقد خَرِفْتَ، وذهب عقلك. ثم لزمتُه، فنفعني الله تعالى بالعلم، ورفعني حتى تقلَّدت القضاء، وكنت أجالس الرشيد على مائدته، فلما كان في بعض الأيام، قُدِّم إلى الرشيد فالوذجة، فقال لي: يا يعقوب! كل منه، فليس في كل يوم يُعمل لنا مثلُها، فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه فالوذجة من الفستق، فضحكتُ، فقال لي: ممَّ تضحك؟ فقلت: خيرًا، أبقى الله أمير المؤمنين، قال: فأخبرْني، وألحَّ عليَّ، فأخبرته القضية من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك، وقال: لعمري! إن العلم لينفع دينًا ودُنيا، فترحَّم على أبي حنيفة، وقال: كان ينظر بعين قلبه ما لا يراه بعين رأسه.

стр. 1227

وكان مشهور الفضل، وأفقهَ أهل عصره، ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان نهاية في العلم والحلم، والرياسة والقدر، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، ونشر مذهبه في أقطار الأرض، ولولاه، ما انتشر مذهب أبي حنيفة. ومن كلامه: صحبةُ مَنْ لا يخشى العارَ عارٌ يوم القيامة. وكان يقول: رؤوس النعم ثلاثة: فأولها: نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها. والثانية: نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها. والثالثة: نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا بها. وأكثر الناس من العلماء على تفضيله وتعظيمه. ولد سنة ثلاث عشرة ومئة، وتوفي يوم الخميس، أول وقت الظهر، لخمسٍ خلون من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وثمانين ومئة، ومات وهو على القضاء بالجانب الغربي ببغداد - رحمه الله تعالى، وعفا عنه -. * * * ٥٢٤ - أبو يوسف يعقوب - صاحب المغرب - بن أبي يعقوب يوسف بن أبي محمد عبد الحق بن علي، القيسيُّ الكوفيُّ، صاحبُ بلاد المغرب: بويع بعد موت والده، وعقدوا له الولاية، ودعوه بأمير المؤمنين كأبيه وجده، ولقبوه: المنصور، فقام بالأمر أحسن قيام، وهو الذي أظهر أُبَّهة ملكهم، ورفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، وحكم

стр. 1228

في الناس على حقيقة الشرع، ونظر في أمور الدين والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، حتى في أهله وعشيرته والأقربين؛ كما أقامها في سائر الناس أجمعين، فاستقامت الأحوال في أيامه، وعَظُمت الفتوحات، ووقع له مع الفرنج الغزوات، ونصره الله تعالى عليهم. وكان ملكاً عادلاً جواداً، وبعد هذا اختلفت الروايات في أمره، فمن الناس من يقول: إنه ترك ما كان فيه، وتجرَّد وساح في الأرض، حتى انتهى إلى بلاد المشرق وهو مستخفٍ لا يُعرف، ومات خاملاً. ومنهم من يقول: إنه توفي في غرة جمادى الأولى، سنة خمس وتسعين وخمس مئة بمراكش. وكانت ولادته سنة أربع وخمسين وخمس مئة، وكان يصلي بالناس الصلوات الخمس، ويلبس الصوف، ويقف للمرأة والضعيف، ويأخذ لهم الحق، وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق؛ ليترحم عليه من يمر به، وكان يعاقب على ترك الصلاة، وينادي في الأسواق بالمبادرة إليها، وكان قد عظم ملكه، واتسعت دائرة سلطنته، وكان محسنًا للعلماء، مقرَّباً للأدباء، وإليه تنسب الدنانير اليعقوبية المغربية. وكان قد أرسل إليه السلطان صلاح الدين رسولًا في سنة سبع وثمانين وخمس مئة يستنجده إلى الفرنج الواصلين من بلاد المغرب إلى الديار المصرية وساحل الشام، ولم يخاطبه بأمير المؤمنين، بل بأمير المسلمين، فعزَّ ذلك عليه، ولم يجبه إلى ما طلب منه.

стр. 1229

ولما حضرت الوفاة الأمير يعقوب، وقضى نحبه، بايع الناس ولدَه أبا عبد الله محمدَ بن يعقوب، وتلقب بالناصر، وقُتل في سنة عشر وست مئة. ثم تولى بعده أبو يعقوب يوسف بن محمد بن يعقوب، وتلقب بالمستنصر بالله، ولم يكن في بني عبد المؤمن أحسن منه وجهًا، ولا أبلغ في المخاطبة، إلا أنه كان مشغولاً براحته - رحمه الله تعالى -. * * * ٥٢٥ - يعقوب بن داود بن عثمان بن عمر بن طهمان السلمي، والي خراسان: كان سخياً جواداً، كثير البر والصدقة، واصطناع المعروف، وكان مقصوداً ممدوحًا، ولما مات المنصور، وقام بالأمر ولدُه المهدي، جعل يعقوبُ يتقرب إليه حتى أدناه، واعتمد عليه، وعلت منزلته عنده، وعظم شأنه حتى خرج كتابه إلى الدواوين: أن أمير المؤمنين قد آخى يعقوب بن داود. وحج المهدي سنة ستين ومئة، ويعقوب معه، ثم استوزره في سنة ثلاث وستين ومئة، وغلب يعقوب على أمور المهدي كلها، وزيَّن له هواه، فأنفق الأموال، وأَكَبَّ على اللذات والشراب وسماع الغناء، واستقل يعقوب بالتدبير، وكان يعقوب قد ضجر مما كان فيه، وسأل المهدي الإقالةَ وهو ممتنعٌ. ثم إنه اتهم بميله إلى العلوية، ووقع منه بسبب ذلك ما أوجب تغيرَ

стр. 1230

خاطر المهدي، فحبسه، فأقام سنتين وشهورًا إلى أيام الرشيد، ثم ذكر يحيى بن خالد البرمكي أمره، فشفع فيه، وأمر بإخراجه، فأُخرج وقد ذهب بصره، وأحسن إليه الرشيد، وردَّ عليه ماله وخبزه، وخيَّره المقام حيث يريد، فاختار مكة، فأذن له في ذلك، فأقام بها حتى مات في سنة سبع وثمانين ومئة. ولما أُطلق يعقوب، سأل عن إخوانه، فأُخبر بموتهم، فأنشد: لِكُلِّ أُنَاسٍ مَقْبَرٌ بِفِنَائِهِمْ ... فَهُمْ فِي انْتِقَاصٍ وَالقُبُورُ تَزِيدُ هُمُ جِيرَةُ الأَحْيَاءِ أَمَّا مَحَلُّهُمْ ... فَدَانٍ وَأَمَّا المُلْتَقَى فَبَعِيدُ ﵀، وعفا عنه -. * * * ٥٢٦ - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البَرِّبن عاصم، القرطبيُّ: إمام عصره في العلم والحديث والأثر، وما يتعلق بهم (١)، وله مصنفات كثيرة نافعة، وكان موفقًا في التأليف، مُعانًا عليه، وانتفع به خلق كثير، وفارق قرطبة، وكان في غرب الأندلس مدة، ثم تحول في شرق الأندلس، وتولى فضاء الأستون (٢) في أيام مَلِكها المظفر.
следующие страницы →