عنهم، فخرج عنهم وبنى بميمونةَ، وانصرف إلى المدينة ﷺ .
* * *
* السنة الثامنة من الهجرة *
* ذكر إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة:
لما انصرف عَمْرُو بن العاص مع الأحزاب عن الخندق، جمع رجالًا من قريش كانوا يرون رأيه، ويسمعون منه، فقال لهم: تعلمون - والله - أني أرى أمر محمد يعلو الأمورَ علوًّا منكَرًا، وأني قد رأيت أن نكون عند النجاشي، قالوا: إن هذا هو الرأي، فجمعوا له أَدَمًا كثيرًا، وكان أحبّ إليه مما يهدي من أرضنا الأَدَم، ثم خرجوا حتى قدموا عليه، فجاء عَمْرُو بن أمية الضمري، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه، فدخل عليه، ثم خرج من عنده، فقال عمرو بن العاص لأصحابه: هذا عمرو بن أمية، لو دخلتُ إلى النجاشي، فسألتُه إياه، فأعطانيه، فضربتُ عنقه، فدخل على النجاشي، فسجد له كما كان يصنع، وكلمه فيما قال، فغضب النجاشي، ثم مدّ يده، فضرب بها أنفه ضربة، قال عمرو: ظننت أنه كسره، ثم قال: تسألني أن أعطيك رسولَ رجل يأتيه الناموسُ الأكبر، الذي كان يأتي موسى لتقتله، قال له: أيها الملك! كذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو! أطعني على الإسلام، قال: نعم، فبسط يده، فبايعه على الإسلام.
ثم خرج عمرو بن العاص إلى أصحابه، وقد حال رأيه عما كان
стр. 177
عليه، وكتم أصحابَه إسلامَه، ثم خرج عامدًا إلى رسول الله ﷺ ، فلقي خالدَ بنَ الوليد، وذلك قُبيل الفتح، وهو مقبلٌ من مكة، فقال: إلى أين يا بنَ أبي سليمان؟ فقال: والله! لقد استقام الميسم - أي: ظهرت العلامة -، وإن الرجلَ لنبي، أذهبُ - والله - إليه أُسلم، فحتى متى؟ قال: وأنا - والله - ما جئتُ إلا لأُسلم، فقدما المدينةَ على رسول الله ﷺ ، فتقدم خالدُ بنُ الوليد فأسلم، وبايع، ثم دنا عمرو، فقال: يا رسول الله! إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخَّر، فقال النبي ﷺ : "يا عَمْرُو! بايِعْ؛ فإنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما كانَ قبلَهُ، وإن الهِجْرَةَ تَجُبُّ ما قبلَها"، فبايعه، ثم انصرف، وأسلم عثمانُ بن طلحة بن عبد الدار (١).
* وفيها - أعني: سنة ثمان من الهجرة -: كانت غزوة مؤتة، وهي أول الغزوات بين المسلمين والروم، وكانت في جمادى الأولى، ومؤتة من أرض الشام، وهي قِبليَّ الكَرَك.
وكان سببها: أن النبي ﷺ بعث الحارثَ بنَ عُميرٍ رسولًا إلى ملك بصرى بكتاب، كما بعث إلى سائر الملوك، فلما نزل مؤتة، عرض له عَمْرُو بنُ شرحبيل الغساني، فقتله، ولم يُقتل لرسول الله ﷺ رسولٌ غيره.
* وفيها: اتُّخذ لرسولِ الله ﷺ المنبر، وكان يخطُب إلى جِذْع نخلة، فلما كان يومُ الجمعة، خطب على المنبر، فَأَنَّ الجذعُ الذي كان
стр. 178
يقوم عليه، كما يئنّ الصبيُّ، فقال النبي ﷺ : "إِنَّ هَذَا بَكَى لِمَا فَقَدَ مِنَ الذِّكْرِ" (١)، فنزل، فمسحه بيده حتى سكن، فلما هدم المسجد وتغير، أخذ ذلك الجذعَ أُبَيُّ بن كعب، فكان عندَه في داره حتى بَلي.
* ذكر فتح مكة:
وسبب ذلك: أن بني بكر بن عبد مناة عَدَتْ على خُزاعة، وهم على ماءٍ لهم بأسفلِ مكة، يقال له: الوثير، وكانت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ، وبنو بكر في عهد قريش في صلح الحديبية، وكانت بينهم حروب في الجاهلية.
فكلمت بنو بكر أشرافَ قريش أن يُعينوهم على خزاعةَ بالرجال والسلاح، فوعدوهم، ووافَوْهم متنكرين، فبيتوا خزاعةَ ليلًا، فقتلوا منهم عشرين، ثم ندمت قريشٌ على ما فعلوا، وعلموا أن هذا نقض العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ .
وخرج عَمْرُو بنُ سالم الخزاعيُّ في طائفة من قومه، فقدموا على رسول الله ﷺ مستغيثين به، فوقف عمرٌو عليه، وهو جالس بالمسجد، وأنشده أبياتًا، يسأله أن ينصره، فقال رسول الله ﷺ : "نُصِرْتَ يا عَمْرُو بْنَ سَاِلمٍ"، ثم قدم بُدَيلُ بنُ ورقاءَ الخزاعيُّ في نفرٍ من خزاعةَ على النبي، وأخبره، فقال: "كأنكم بأبي سفيانَ قد جاءكمُ يشدُّ العَقْدَ، ويَزيدُ في المدَّةِ"، فكان كذلك.
стр. 179
ثم قدم أبو سفيان المدينة، فدخل على ابنته أمِّ حبيبة أمِّ المؤمنين زوجِ رسول الله ﷺ ، فلما ذهب ليجلسَ على فِراش رسول الله ﷺ ، طَوَتْه عنه، فقال: ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أمن رغبتِ به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس، قال: والله! لقد أصابك بعدي يا بنية شرٌّ.
ثم خرج، فأتى النبيَّ ﷺ ، فكلمه، فلم يردَّ عليه شيئًا، فذهب إلى أبي بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى عليٍّ ﵁ على أن يكلموا النبي ﷺ في أمره، وتشفَّع بهم، فلم يفعلوا، فقال لعلي: يا أبا الحسن! إني أرى الأمور قد اشتدَّت عليَّ، فانصحْني، قال: والله! لا أعلم شيئًا يغني عنك، ولكنك سيدُ بني كنانة، فقم فَأَجِرْ بين الناس، والحقْ بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله! ما أظنه، ولكن لا أجدُ لك غيرَ ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس! إني قد أجرت بين الناس.
ثم ركب بعيرًا، وانطلق، فلما قدم إلى قريش، قالوا: ما وراءك؟ فقص شأنه، وأنه قد أجار بين الناس، قالوا: فهل أجاز محمدٌ ذلك؟ قال: لا، قالوا: والله! إن زادَ الرجلُ على أن لعب بك (١).
قال: ثم أمر رسول الله ﷺ بالجهاز، وأمر أهلَه أن يجهزوه، ثم أعلم الناسَ بأنه يريد مكة، وقال: "اللهمَّ خُذِ العُيونَ والأخبارَ عن قريش
стр. 180
حَتَّى نَبْغَتَهُمْ في بِلادِهِمْ"، ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، واستخلف على المدينة كلثومَ بنَ الحصين الغفاريَّ، فخرج لعشرٍ مضين من شهر رمضان، ومعه المهاجرون والأنصار، وطوائفُ من العرب، فكان جيشُه عشرة آلاف، فصام، وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد، أفطر.
فخرج أبو سفيان بنُ حرب، وحكيمُ بن حزام، وبديلُ بنُ ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس بن عبد المطلب قد خرج قبل ذلك بعياله مسلمًا مهاجرًا، فلقي رسولَ الله ﷺ بالجُحْفَة، وقيل: بذي الحليفة، ثم حضر أبو سفيان بن حرب على يد العباس إلى النبي ﷺ بعد أن استأمن له، فأسلم، وأسلم معه حكيمُ بن حزام، وبديلُ بن ورقاء، وقال العباس: يا رسول الله ﷺ ! إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعلْ له شيئًا يكون في قومه، فقال: "مَنْ دخلَ دارَ أبي سُفيانَ فهو آمِنٌ، ومن دخلَ المسجدَ فهو آمنٌ، ومن دخلَ دارَ حكيمِ بنِ حزامٍ فهو آمِنٌ، ومن أغلقَ عليه بابَهُ فهو آمِنٌ" (١).
وكان فيمن خرج ولقي رسولَ الله ﷺ ببعض الطريق: أبو سفيان بنُ الحارث، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بالأبواء، فأعرضَ عنهما، فجاء إليه أبو سفيان بنُ الحارث بنِ عبد المطلب، فقبل وجهه، فقال رسولُ الله ﷺ : ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، وقبل منهما إسلامهما، فأنشده أبو سفيان
стр. 181
معتذرًا إليه أبياتًا، فضرب رسول الله ﷺ صدره، وقال: "أنتَ طردتني كُلَّ مطرد؟ " (١).
وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حَسُن إسلامه، فيقال: إنه ما رفع رأسَه إلى رسول الله ﷺ منذ أسلم حياءً منه، وكان رسول الله ﷺ يحبه، ويشهد له بالجنة، ويقول: "أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَلَفًا مِنْ حَمْزَةَ".
وأمر النبي ﷺ الزبيرَ بنَ العوام أن يدخل ببعض الناس من كدى، وأمر سعدَ بن عبادة سيدَ الخزرج أن يدخل ببعض الناس من ثنية كَداء، ثم أمر عليًا أن يأخذ الرايةَ منه، فيدخل بها؛ لما بلغه من قول سعد: اليومَ يومُ الملحَمة، اليومَ نستحلُّ الحرمة، وأمر خالدَ بن الوليد أن يدخل من أسفل مكة في بعض الناس، وكلُّ هؤلاء الجنود لم يقاتلوا؛ لأن النبي ﷺ نهى عن القتال، إلا أن خالد بن الوليد لقيه جماعةٌ من قريش، فرمَوْه بالنبل، ومنعوه من الدخول، فقاتلهم خالد، فقتلَ من المشركين ثمانيةً وعشرين رجلًا، فلما ظهر النبيُّ ﷺ على ذلك، قال: "أَلَمْ أَنْهَهُ عَنِ القِتَالِ؟ ! "، فقالوا له: إن خالدًا قوتل فقاتل، وقُتل من المسلمين رجلان (٢).
وكان فتح مكة يوم الجمعة، لعشر بقين من رمضان، ودخل رسول رسول الله ﷺ ، ومَلَكَها عنوةً بالسيف، وإلى ذلك ذهبَ الشافعيُّ، وهو الصحيحُ من مذهب أحمد بن حنبل ﵄، وقال أبو حنيفة ﵁: إنها
стр. 182
فتُحت صُلْحًا، والله أعلم.
ولما دخل النبي ﷺ مكة، كان على الكعبة ثلاثُ مئة وستون صنمًا، قد شدَّ لهم إبليسُ أقدامَها بالرصاص، فجاء ومعه قضيبٌ، فجعل يومي إلى كل صنم منها، فيخرُّ لوجهه، فيقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، حتى مرَّ عليها كلها.
وقدم على النبي ﷺ وَحْشِيُّ بنُ حربٍ قاتلُ حمزةَ ﵁، وهو يقول: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "أَوَحْشِيُّ؟ "، فقال: نعم، قال: "أَخْبِرْني كيفَ قتلتَ عَمِّي"، فأخبره، فبكى، وقال: "غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي" (١).
ولما دخل رسول الله ﷺ مكة، كانت عليه عِمامةٌ سوداءُ، فوقف على باب الكعبة، وقال: "لا إلهَ إلا الله وحدَه، صدقَ وعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه" (٢).
ثم قال: "يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! مَا تَرَوْنَ أَنِّي فاعِلٌ بِكُمْ؟ "، قالوا: خيرًا، أخٌ كريم، وابن أخ كريم، قال: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ"، فأعتقهم رسول الله ﷺ ، وكان الله تعالى أمكَنَه منهم، وكانوا له فيئًا، فبذلك سمي أهل مكة: الطلقاء (٣).
стр. 183
ولما اطمأن الناس، خرج رسول الله ﷺ إلى الطواف، فطاف بالبيت سبعًا على راحلته، واستلم الركن بِمحْجَنٍ كان بيده (١)، ودخل الكعبة، ورأى فيها الشخوصَ، على صورة الملائكة، وصورةَ إبراهيم، وفي يده الأزلامُ يستقسمُ بها، فقال: "قاتَلَهُمُ اللهُ! جَعَلُوا شَيْخَنا يَسْتَقْسِمُ بالأَزْلامِ، ما شَأْنُ إِبراهيمَ وَالأَزْلام"، ثم أمر بتلك الصور فطُمست، وصلَّى بالبيت (٢).
ثم جلس ﷺ على الصفا، واجتمع الناس لبيعته على الإسلام، فكان يبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله، فبايع الرجال، ثم النساء.
وأهدر دمَ ستة رجالٍ، وأربعِ نسوةٍ:
فأولهم: عكرمةُ بن أبي جهل، ثم استأمنت له زوجتُه أمُّ حكيم، فآمنه، فقدم عكرمةُ، وأسلمَ.
ثانيهم: هَبَّارُ بن الأَسود.
ثالثهم: عبدُ الله بن سعدِ بنِ أبي سَرْحٍ، وكان أخا عثمانَ بن عفان من الرضاعة، فأتى عثمانُ به النبيَّ ﷺ ، وسأله فيه، فصمتَ النبيُّ ﷺ طويلًا، ثم آمنه، فأسلم، وقال لأصحابه: "إنما صَمَتُّ لِيَقُومَ أَحَدُكُمْ فَيَقْتُلَهُ"، فقالوا: هلاَّ أومأت إلينا، فقال لهم: "إنَّ الأنبياءَ لا تَكُون لهم
стр. 184
خائِنَةُ الأَعْيُنِ" (١)، - وكان عبدُ الله المذكورُ قد أسلم من قبل الفتح، وكتبَ الوحي، فكان يبدِّلُ القرآنَ، ثم ارتدَّ - وعاش إلى خلافة عثمان ﵁، وولاه عثمانُ مصرَ.
ورابعُهم: مِقْيَسُ بنُ صبابةَ؛ لقتله الأنصاريَّ الذي قتل أخاه خطأ، وارتدَّ.
وخامسهم: عبد الله بن هلال، كان قد أسلم، ثم قتل مسلمًا، وارتدَّ.
وسادسهم: الحويرث بنُ نُفيل، كان يؤذي رسول الله ﷺ ، ويهجوه، فلقيه علي بن أبي طالب، فقتله.
وأما النساء، فأولهن: هندٌ زوجُ أبي سفيان، أمُّ معاوية، التي أكلت من كبد حمزة، تنكَّرت مع نساء قريش، وبايعتْ رسولَ الله ﷺ ، فلما عرفَها، قالت: أنا هند، فاعفُ عما سلف، فعفا (٢).
ولما جاء وقتُ الظهر يومَ الفتح، أذّن بلالٌ على ظهر الكعبة، وقال الحارث بن هشام: ليتني مِتُّ قبل هذا.
وقال خالد بن أسيد: لقد أكرم الله أبي، فلم يرَ هذا اليوم، فخرج عليهم رسول الله ﷺ ، ثم ذكر لهم ما قالوه، فقال الحارث بن هشام: أشهدُ أنك رسول الله، ما اطَّلع على هذا أحد، فنقول: أخبركَ.
стр. 185
ومن النساء المهدَرات الدمِ: سارةُ مولاة بني هاشم.
وقام علي ﵁، ومفتاحُ الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله! اجمع لنا الحِجابة مع السِّقاية، صلَّى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : "أينَ عثمانُ بنُ طلحَة؟ "، فدعي له، قال: "هاكَ مفتاحَكَ، يا عثمانُ، اليومَ يومُ بِرٍّ ووَفاءٍ"، قال: "خُذُوها تَالِدَةً خَالِدَةً، لا يَنْزِعُها منكُمْ إِلَّا ظالمٌ، يا عثمانُ! إنَّ الله اسْتَأْمَنَكُمْ على بَيْتِهِ، فَكُلُوا مِمَّا يَصِلُ إليكُمْ من هَذَا البيتِ بالمعروفِ" (١).
* إسلام فضالة:
إن فضالةَ بنَ عُمير بن الملوح، أراد قتلَ النبي ﷺ ، وهو يطوف بالبيت، عامَ الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله ﷺ : "أَفَضالَةُ؟ "، قال: نعم، فضالةُ يا رسول الله ﷺ ، قال: "ماذا كُنْتَ تحدّثُ به نَفْسَكَ؟ "، قال: لا شيء، كنت أذكر الله تعالى، فضحك النبي ﷺ ، ثم قال: "اسْتَغْفِرِ الله"، ووضع يده على صدره، فسكن قلبُه، قال فضالة: والله! ما رفع يدَه عن صدري، حتى ما خلقَ الله تعالى شيئًا أحبَّ إلى منه (٢).
وبثّ رسولُ الله ﷺ السرايا إلى الأصنام التي حول مكة، فكسرها، منها: العُزَّى، ومَناةُ، وسُواعٌ، وبوانةُ، وذو الكفين، ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر، فلا يَدعْ في بيته صنمًا إلا كسره.
стр. 186
* ذكر غزوة خالد بن الوليد ﵁ بني جذيمة:
لما فتح رسول الله ﷺ مكة، بعث سرايا حول مكة إلى الناس، يدعوهم إلى الإسلام، ولم يأمرهم بقتال، وكان من السرايا: سرية مع خالد، فنزل على ماء لبني جذيمة، فأقبلت بنو جذيمة بالسلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح؛ فإن الناس قد أسلموا، فوضعوه، وأمر بهم، فكتفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتلَ من قتل منهم، فلما بلغ النبيَّ ﷺ ما فعله خالد، رفع يديه إلى السماء، حتى بأن بياضُ إبطيه، وقال: "اللهمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إليكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ" (١)، ثم أرسل رسول الله عليَّ بن أبي طالب بمال، وأمره أن يؤدي لهم الدماء والأموال، ففعل عليٌّ ذلك، ثم سألهم: هل بقي لكم مال أو دم؟ فقالوا: لا، وكان قد فضل مع علي ﵁ فضلُ مال، فدفعه إليهم زيادةً، تطييبًا لقلوبهم، وأخبر النبيَّ ﷺ بذلك، فأعجبه (٢).
* ذكر غزوة هوازن بحنين:
وكانت في شوال سنة ثمان، وحُنَيْنٌ: وادٍ بينه وبين مكة ثلاثة أميال، لما فتحت مكة، تجمعت هوازن بخيولهم وأموالهم لحرب رسول الله ﷺ ، ومقدَّمُهم مالكُ بن عوفٍ النصري، وانضمت إليه ثقيف، وهم أهل
стр. 187
الطائف، وبنو سعد بن بكر، وهم الذين كان النبي ﷺ مرتضعًا عندهم، وحضر مع بني جشم دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّة، وهو شيخ كبير قد جاوز المئة، وليس يراد منه غيرُ التيمن برأيه، وقال رجزًا:
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ ... أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ
ولما سمع رسول الله ﷺ باجتماعهم، خرج من مكة لستِّ ليال خلون من شوال سنة ثمان، وكان يقصر الصلاة بمكة، من يوم الفتح إلى غزوة هوازن، وخرج اثنا عشر ألفًا، ألفان من أهل مكة، وعشرة آلاف كانت معه، وكان صفوان بن أمية مع رسول الله ﷺ وهو كافر لم يُسلم، سأل أن يُمْهَلَ بالإسلام شهرين، وأجابه رسول الله ﷺ إلى ذلك، واستعار رسول الله ﷺ منه مئة درع في هذه الغزوة.
وحضرها - أيضًا -: جماعة كثيرة من المشركين، وهم مع رسول الله ﷺ .
وانتهى رسول الله ﷺ إلى حنين، والمشركون بأوطاس، فقال دريد ابن الصمة: بأيِّ وادٍ أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعمَ مجالُ الخيل، لا حَزْنٌ ضرس، ولا سهلٌ دهس، وركب النبي ﷺ بغلته دُلدل، وقال رجل من المسلمين لما رأى كثرة [مَنْ مع] النبي ﷺ : لن يُغلب هؤلاء من قلة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥].
ولما التقوا، انكشف المسلمون، لا يلوي أحد على أحد، وانحاز
стр. 188
رسول الله ﷺ ذاتَ اليمين في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، ولما انهزم المسلمون، أظهر أهلُ مكة ما في نفوسهم من العقد، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دونَ البحر، وكانت الأزلامُ معه في كنانته.
وصرخ كلدةُ: الآن بطل السحر، وكلدة أخو صفوان بن أمية لأمه، وكان صفوان حينئذ مشركًا، فقال صفوان: اسكتْ فَضَّ الله فاك، والله! لأنْ يَرُبَّني رجلٌ من قريش، أحبُّ إلى أن يَرُبَّني رجل من هوازن (١).
واستمر رسول الله ﷺ ثابتًا، وتراجع المسلمون، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وقال النبي ﷺ لبغلته دلدل: "البدي"، فوضعت بطنَها على الأرض، وأخذ رسولُ الله ﷺ حفنةَ تراب، فرمى بها في وجه المشركين، فكانت الهزيمة، ونصر الله المسلمين، واتبع المسلمون المشركين يقتلونهم ويأسرونهم، وكان في السبي: الشيماءُ بنتُ الحارث، وأمها حليمةُ السعدية، وكانت أختَ رسول الله ﷺ من الرضاع، فعرَّفته بذلك، وأرتْه العلامة، وهي عضَّة النبي ﷺ في ظهرها، فعرفها، وبسط لها رداءه، وزَوَّدها، وردَّها إلى قومها، حسبما سألت.
* ذكر حصار الطائف:
ولما انهزمت ثقيف من حنين إلى الطائف، سار النبي ﷺ إليهم، فأغلقوا باب مدينتهم، وحاصرهم النبي ﷺ نيفًا وعشرين يومًا، وقاتلهم
стр. 189
بالمنجنيق، وأمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب بني ثقيف، فقطعت، ثم أذن رسول الله ﷺ بالرحيل، فرحل عنهم، حتى نزل بالجِعرانة، وكان قد ترك بها غنائم هوازن.
وأتي رسول الله ﷺ بعض هوازن، ودخلوا عليه، فردَّ عليهم نصيبه ونصيب بني عبد المطلب، وردَّ الناس أبناءهم ونساءهم، ثم لحق مالكُ ابنُ عوف مقدَّمُ هوازنَ برسول الله ﷺ ، وأسلمَ، وحسن إسلامه، واستعمله رسولُ الله ﷺ على قومه، وعلى مَنْ أسلم من تلك القبائل.
وكان عدة السبي: ستة آلاف رأس أطلقه رسول الله، وكانت عدة الإبل: أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، ومن الفضة أربعة آلاف أوقية.
وأعطى المؤلَّفة قلوبُهم مثلَ أبي سفيان، وابنيه: يزيد، ومعاوية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام أخي أبي جهل، وصفوان بن أمية، وهؤلاء من قريش، وأعطى الأقرعَ بنَ حابس التميميَّ، وعُيينة بنَ حصن بنِ حذيفةَ بنِ بدر الفزاريَّ (١)، ومالكَ بنَ عوف مقدَّمَ هوازن، وأمثالهم، فأعطى لكل واحد من الأشراف مئةً من الإبل، وأعطى الآخرين أربعين أربعين، وأعطى للعباس بن مرداس السلمي أباعر لم يرضَها، وقال في ذلك من أبيات:
стр. 190
فَأَصْبَحَ نهْبِي وَنَهْبُ العُبَيْـ ... ـد بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلاَ حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَضَعِ اليَوْمَ لَمْ يُرْفَعِ
فروي: أن النبي ﷺ قال: "اقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ"، فأُعطي حتى رضي (١).
لما قسم رسول الله ﷺ الغنائم، لم يعطِ الأنصار شيئًا، فوجدوا في أنفسهم، فدعاهم رسول الله ﷺ ، وقال: "أَوَجَدْتُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ في لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، أَلَّفْتُ بِها قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ؟ ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالبَعِير وَالشَّاةِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ الله ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْلاَ الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ".
فبكى القومُ حتى اخضلَّت لِحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ
стр. 191
قسمًا وحظًّا (١).
ثم اعتمر رسولُ الله ﷺ ، وعاد إلى المدينة، واستخلف على مكة عَتَّابَ بنَ أسيدِ بنِ أبي العيصِ بنِ أمية، وهو شابٌّ لم يبلغ عشرين سنة، وترك معه مُعاذَ بنَ جبل يُفَقِّه الناسَ، وحجَّ بالناس في هذه السنة عتابٌ، على ما كانت العرب تحجُّ.
* وفي سنة ثمان: ولد إبراهيم ابنُ النبيِّ ﷺ من مارية القبطية، وفي السنة المذكورة مات حاتم الطائي، وكان يضرب بجوده المثل، وكرمه، وكان من الشعراء المجيدين (٢).
* * *
* السنة التاسعة من الهجرة *
* وفيها: ترادفت وفود العرب على النبي ﷺ بالمدينة: فممَّن ورد عليه: عُروة بن مسعود الثقفي: سيدُ ثقيف، وأسلم، وحسن إسلامه، ومضى إلى الطائف، ودعاهم على الإسلام، فرماه أحدُهم بسهم، فمات ﵀.
ووفد كعبُ بنُ زهير بن أبي سُلْمى بعد أن كان النبيُّ ﷺ أهدرَ دمَه، ومدحَه بقصيدته المشهورة، وهي:
стр. 192
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ
وأعطاه النبي ﷺ بُرْدَته، فلما كان زمنُ معاوية، أرسل إلى كعب: أن بِعْنا بردةَ رسول الله ﷺ ، فقال: ما كنتُ لأُوثرَ بثوبِ رسول الله ﷺ أحدًا، فلما مات كعب، اشتراها معاوية من أولاده بعشرة آلاف درهم.
ونقل صاحب حماة: أنه اشتراها بأربعين ألف درهم، ثم توارثها الخلفاء الأمويون والعباسيون حتى أخذها التتر (١).
* ذكر غزوة تبوك:
وفي رجب سنة تسع، أمر النبي ﷺ بالتجهيز لغزو الروم، وأعلم الناسَ مقصدَهم؛ لبعد الطريق، وقوة العدو، وكان قبل ذلك إذا أراد غزوة، وَرَّى بغيرها، وكان الحر شديدًا، والبلاد مُجدبة، والناس في عُسرة، ولذلك سُمي ذلك الجيش: جيشَ العُسرة، وكانت الثمار قد طابت، فأحبَّ الناسُ المقامَ في ثمارهم، فتجهزوا على كُره، وأمر رسول الله ﷺ المسلمين بالنفقة، فأنفق أبو بكر جميعَ ماله، وأنفق عثمان نفقة عظيمة، وروي: أن النبي ﷺ قال: "لا يَضُرُّ عُثْمانَ ما صَنَعَ بعدَ اليومِ" (٢).
وتخلف عبد الله بن أُبيٍّ المنافقُ، ومَنْ تبعه من أهل النفاق، وتخلف
стр. 193
ثلاثة من (١) الأنصار، وهم: كعبُ بن مالك، ومُرارةُ بنُ الربيع، وهلالُ ابنُ أمية، واستخلف رسولُ الله ﷺ على أهله عليَّ بن أبي طالب ﵁، فأرجفَ به المنافقون، وقالوا: ما خفَفه إلَّا استثقالًا له، فلما سمع عليٌّ بذلك، أخذ سلاحه، ولحق بالنبي ﷺ ، وأخبره بما قال المنافقون، فقال النبي ﷺ : "كَذَبوا، وإنما خَلَّفْتُكَ لِما ورائي، فارْجِعْ فاخْلُفْني في أَهْلي، أَما تَرْضَى أَنْ تَكونَ مِنِّي بمنزلةِ هارونَ من موسى، إلَّا أَنَّهُ لا نبِيَّ بَعْدِي" (٢).
وكان مع رسول الله ﷺ ثلاثون ألفًا، فكانت الخيل عشرة آلاف فرس، ولَقُوا في الطريق شدة عظيمة من العطش والحر، ولما وصلوا إلى الحِجْر، وهي أرضُ ثمودَ، نهاهم رسول الله ﷺ عن ورود ذلك الماء، وأمرهم أن يهريقوا ما استَقَوه من مائه، وأن يطعموا العجين الذي عُجن بذلك الماء الإبلَ.
ووصل النبي ﷺ إلى تبوكَ، وأقام بها عشرين ليلة، وقَدِم عليه بها يوحنا صاحبُ أَيْلَة، فصالحه على الجزية، فبلغت جزيتُهم ثلاثَ مئةِ دينار، وصالح أهلَ أذرح على مئة دينار في كل رجب، وأرسل خالدَ بنَ الوليد إلى أُكيْدِر بنِ عبد الملك، صاحبِ دومة الجندل، وكان نصرانيًا من
стр. 194
كِنْدةَ، فأخذه خالد، وقتل أخاه، وأخذ منه خالدٌ قباء ديباج مخوصٍ بالذهب، فأرسله إلى رسول الله ﷺ ، فجعل المسلمون يتعجَّبون منه، وقدم خالدٌ بأُكيدر على رسول الله ﷺ ، فحقن دمه، وصالحه على الجزية، وخلَّى سبيله.
ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، بعد ما أقام بتبوك بضعَ عشرةَ ليلة، لم يجاوزها، ولم تقدم عليه الروم والعرب المتنصرة.
ولما عاد إلى المدينة، وكان قد تخلَّف عنه رهط من المنافقين، فأتوه يحلفون له، ويعتذرون، فصفح عنهم رسولُ الله ﷺ ، وأرجأَ أمرَ كعبٍ وصاحبيه إلى الله تعالى.
* ذكر قصة كعب وصاحبيه:
قال كعب بن مالك: كان من خبري حين تخلفت بالمدينة عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: أني لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسَر مني، حين تخلفتُ عنه في تلك الغَزاة، وكان رسول الله قلَّما يريد غزوة يغزوها إلا وَرَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوةُ، فغزاها رسول الله ﷺ في حَرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل عدوًا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرَهم؛ ليتأهبوا أُهبة عدوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريد.
والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد: الديوان - وغزا رسول الله ﷺ والمسلمون معه، فطفقْتُ أغدو لكي أتجهز معهم، ولم يزل يتمادى بي، حتى اشتد بالناس الجدّ، فأصبح
стр. 195
رسولُ الله ﷺ والمسلمون معه، ولم أقضِ من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين، ثم ألحقهم، فلم يزل بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يُقَدَّر لي ذلك.
ولم يذكرني رسول الله حتى بلغ تبوكَ (١)، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعلَ كعبٌ؟ "، فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبسه بُرداه ونظرهُ في عِطْفَيه، فقال معاذ بن جبل ﵁: بئسَ ما قلتَ، والله يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيرًا.
فلما قدم رسول الله ﷺ ، جاء المخلَّفون، فطَفِقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووَكَلَ سرائرهم إلى الله تعالى، فجئته، فلما رآني، تبسَّم تبسُّمَ المغضَب، وقال: "تَعالَ"، فجئت أمشي، حتى جلست بين يديه، فقال: "ما خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تكنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ "، فقلت: بلى، والله! لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرجُ من سخطه بعذر، ولقد أُعطيت جدلًا، ولكني - والله - لقد علمتُ، لئن حَدَّثتك اليومَ حديثَ كذب، ترضى به عني، ليوشكَنَّ الله أن يُسخطك عليَّ، ولئن حدثتك اليوم حديث صدق تجدُ عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عفوَ الله، لا والله! ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله ﷺ : "أَمَّا هَذَا، فَقَدْ
стр. 196
صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ".
فقمت، وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني، فقالوا: والله! ما علمناك كنتَ أذنبتَ ذنبًا قبلَ هذا، ولقد عجزتَ أن لا تكونَ اعتذرتَ إلى رسول الله ﷺ مما اعتذر إليه المخلَّفون، قد كان كافيك ذنبَكَ استغفارُ رسول الله ﷺ لك، فوالله! ما زالوا يؤنبّوني، حتى أردت أن أرجعَ فأكذِّبً نفسي، ثم قلت لهم: هل قال هذا أحد؟ قالوا: نعم: رجلان قالا ما قلتَ، فقيل لهما مثلُ ما قيل لك، فقلتُ من هما؟ قالوا: مُرارَةُ بنُ الربيع العمريُّ، وهِلالُ بن أُمية الواقفيُّ، فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرًا، فقلت: لي فيهما أُسوة، فمضيتُ حينَ ذكروهما لي.
ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا - أيها الثلاثة - من بين من تخلَّف عنه، فاجتنَبَنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرَتْ في نفسي الأرضُ، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي، فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا، فكنت أَشَبَّ القوم، وأجلَدَهم، وكنت أخرج، فأشهدُ الصلاةَ مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلِّمني أحد، وآتي رسولَ الله ﷺ ، فأسلِّم عليه، وهو في مجلسه بعدَ الصلاة، فأقولُ في نفسي: هل حَرَّك شفتيه بردِّ السلام عليَّ أم لا؟ ثم أُصلي قريبا منه، فأُسارقُه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي، أقبلَ إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه، أعرضَ عني.
ثم جاء نبطي من أنباط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، فدفع إلى كتابًا من ملك غسان، وإذا فيه: أما بعد: فإنه بلغني أن صاحبك
стр. 197
قد جفاك، ولم يجعلْكَ الله بدار هَوان ولا مضيعة، فالحقْ بنا نواسِكَ، فقلت: وهذا - أيضًا - من البلاء، فتيممت بها التنور، فسجرته بها.
حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أُطَلِّقها أم ماذا؟ قال: لا، بل اعتزلْها، ولا تقربْها، وأرسلَ إلى صاحبيَّ بمثلِ ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.
وجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله ﷺ ، فاستأذنته في خدمته، فأذن لها، قال: "وَلكِنْ لَا يَقْرَبْكِ"، فقال لي بعضُ أهلي: لو استأذنتَ رسولَ الله ﷺ في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال أن تخدمه، فقلت: والله! لا أستأذن.
فلبثتُ بعد ذلك عشرَ ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، فلما صليت الفجر، سمعت صوت صارخٍ: يا كعبُ بنَ مالك! أبشرْ، فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا، فذهب الناس يبشرونا، وذهب قِبَلَ صاحبيَّ مبشرون، فلما جاءني الذي سمعتُ صوتَه يبشرني، نزعتُ له ثوبيَّ، فكسوته إياهما، والله ما أملك غيرهما، واستعرت ثوبين، فلبستهما.
وانطلقت إلى رسول الله ﷺ بالمسجد، وهو جالس حوله الناس، فلما سلَّمت عليه، قال - وهو يبرق وجهُه من السرور -: "أَبْشِرْ بخيرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ"، قلتُ: أمِنْ عندِك يا رسول الله، أم من عند
стр. 198
الله؟ قال: "بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ".
فلما جلستُ بين يديه، قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلعَ من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله، قال رسولُ الله ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قلت: فإني أُمسك سهمي الذي بخيبر، ثم قلت: يا رسول الله! إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت.
وأنزل الله تعالى على رسوله ﵇: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨].
فوالله! ما أنعم الله عليَّ نعمة قطُّ بعد أن هداني للإسلام، أعظمَ في نفسي من صدقي رسولَ الله ﷺ ، أن لا أكون كذبته، فأهلكَ كما هلك الذين كذبوا؛ فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥، ٩٦] (١).
стр. 199
* ذكر حَجِّ أبي بكر ﵁ بالناس:
وبعث النبي ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ في سنة تسع ليحجَّ بالناس، ومعه عشرون بَدَنَةٌ لرسول الله ﷺ ، ومعه ثلاثُ مئة رجل، فلما كان بذي الحُلَيفة، أرسل النبي ﷺ عليَّ بنَ أبي طالب ﵁، وأمره بقراءة آيات من أول سورة براءة على الناس، وأن ينادي: أن لا يطوف بالبيت بعدَ السنة عُرْيان، ولا يحجَّ مشركٌ، فعاد أبو بكر، وقال: يا رسول الله! أَنَزلَ فيَّ شيء؟ قال: "لا، ولكنْ لا يُبَلِّغُ عَنِّي إِلَّا أَنا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي، أَلا تَرْضَى يا أَبا بَكْرٍ أَنَّكَ كُنْتَ مَعِي في الغارِ، وصَاحِبي عَلَى الحَوْضِ؟ "، قال: بلى. فسار أبو بكر ﵁ أميرًا على الموسم، وعلي بن أبي طالب ﵁ يؤذِّنُ ب "براءةَ" يومَ الأضحى، وأن لا يحجّ بالبيت مشركٌ، ولا يطوف عُرْيان (١).
* وفي هذه السنة: تُوفي ذو البِجادَينْ عبدُ الله المُزَنيُّ في غَزاة تبوكَ، وتولى النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ دفنه، فكان النبي ﷺ في حفرته، وأبو بكر وعمر ﵄ يُدَلِّيانه إليه، وهو يقول: "أَدْليا لي أَخاكُما"، فَدَلَّياه إليه، فلما هيَّأه لِشِقِّه، قال: "اللهمَّ إِنِّي قَدْ أَمْسَيْتُ رَاضِيًا عَنْهُ، فارضَ عَنْهُ" (٢).
стр. 200
* وفيها: هلَكَ رأسُ المنافقين عبدُ الله بن أُبي [ابنُ] سلول في ذي القعدة، وكُفِّن في قميص النبي ﷺ بسؤال ولدِه عبدِ الله، وجاء رسولُ الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر بن الخطاب ﵁ في صدره، فتبسَّم رسولُ الله ﷺ ، ثم قال: "أَخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ، قَدْ خُيِّرْتُ، فَاخْتَرْتُ، قد قيل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، ولو أعَلُم أَنِّى إن زِدْتُ على السبعينَ غُفِرَ له، لزدْتُ"، ثم صلى عليه، وقام على قبره حتى فرغ منه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، الآية (١)، وكان ابنه عبدُ الله من خِيار الصحابة.
* * *
السنة العاشرة من الهجرة *
* فيها: جاءت على رسول الله ﷺ بالمدينة وفودُ العَرَب قاطبةً، ودخل الناس في الدين أفواجًا، كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر ١: ٣].
* وأسلم أهل اليمن، وملوكُ حِمْيَر، وبعَثَ النبيُّ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالب - كرم الله وجهه - إلى اليمن، فسار إليها، وقرأ كتابَ رسول الله ﷺ
стр. 201
على أهل اليمن، فأسلمت همدان كلُّها في يوم واحد، وكُتِب بذلك إلى رسول الله ﷺ ، ثم تتابع أهلُ اليمن على الإسلام، وكُتِب بذلك إلى رسول الله، فسجد شكرًا لله تعالى، ثم أمر عليا بأخذ صدقات نجرانَ وجِزْيتهم، ففعل، وعاد، فلقي رسول الله ﷺ بمكة في حجة الوداع.
* وقدم عليه عامر بن الطفيل، وأَرْبَدُ بنُ قيس، وجبار بنُ سلمى ابنِ مالكِ بنِ جعفر، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء بني عامر وشياطينهم، فقدم عامرُ بن الطفيل - عدوُّ الله - على رسول الله ﷺ ، وهو يريد الغدرَ به، ثم قال لأَرْبَدَ: إذا قدِمْنا على الرَّجُل، فإني شاغلٌ عنك وجهَهُ، فإذا فعلتُ ذلك، فَاعْلُه بالسيف، فلمَّا قَدِموا على رسول الله ﷺ ، قال عامر ابن الطفيل: خالني يا محمد، قال: "لا وَاللهِ حَتَّى تُؤْمِنَ باللهِ وَحْدَهُ"، وكرَّرَها مِرارًا، وهو ينتظر من أَرْبدَ ما كان أَمَرَه به، فجعل أَرْبَدُ لا يتحرك بشيء، فلما أبى عليه رسولُ الله ﷺ ، قال عامر: أما والله! لأملأنها عليك خيلًا ورجالًا، فلما ولَّى، قال رسول الله ﷺ : "اللهمَّ اكْفِني عامِرَ ابْنَ الطُّفَيْلِ".
وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله تعالى، وخرج أَرْبَدُ ومعه جَمَلٌ له يبيعُه، فأرسل الله تعالى عليه وعلى جَمَلِه صاعقة، فأحرقتهما (١).
стр. 202
* وقدم عليه الجارودُ بنُ بِشْرِ بنِ المعلَّى في وفد عبدِ القيس، وكان نصرانيًا، فأسلم، وأسلم أصحابه.
* وقدم وفدُ بني حنيفة، ومعهم مسيلمة الكذاب، فأتوا رسولَ الله ﷺ ، وخلَّفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا، ذكروا مكانه، وأخبروا أنهم خلَّفوه يحفظ ركابهم، فأمر له رسول الله ﷺ بمثل ما أمر للقوم، فلما انتهى إلى اليمامة، ارتدَّ عدُّو الله، وتنبأ، وقال: إني أُشرِكْتُ معه في الأمر، وجعك يسجَعُ لهم، ويضاهي القرآن، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ ، وسنذكر خبره - إن شاء الله تعالى -.
* وقدم عليه زيدُ الخيل بنُ مهلهل الطائيُّ في وفد طَيّ، وهو سيدُهم، فأسلموا، وحَسُنَ إسلامُهم، ثم سمَّاه رسول الله ﷺ : زيد الخير.
* وقدم عليه عديّ بن حاتم، فأسلم.
* وقدم عليه عَمْرُو بن مَعْد يكَرِبَ الزَّبِيدِيُّ في أناس من زَبيد، فأسلم، وأسلم قيس بعد ذلك، وله ذكر في الصحابة، وكان شجاعًا فارسًا شاعرًا، والله أعلم.
* وقدم فروة بن مُسَيك، فأسلم هو وقومُه، وكذلك الأشعثُ بنُ قيس الكنديُّ، فأسلم، وكان رئيسا مطاعًا في الجاهلية، وجيهًا في قومه في الإسلام.
* وقدم عليه وفد همدان، وفيهم مالك بن نمط، فأسلموا، وكان مالك بن نمط شاعرًا محسنًا.
стр. 203
وتتابعت وفودُ العرب على النبي ﷺ ، وفشا الإسلام في جميع القبائل.
* ذكر حجة الوداع:
خرج رسول الله ﷺ حاجًّا، لخمسٍ بَقِين من ذي القعدة، وقد اختلف في حجه، هل كان قِرانًا، أم تمتعًا، أم إفرادًا؟
قال صاحب حماة: والأظهرُ الذي اشتهر: أنه كان قارنًا (١).
وحج رسول الله ﷺ بالناس، ولقي عليَّ بنَ أبي طالب ﵁ محْرِمًا، فقال: "حِلَّ كَما حَلَّ أَصْحابُكَ"، فقال: إني أهللت بما أهلَّ به رسول الله ﷺ " (٢)، فبقي على إحرامه.
ونحر رسول الله ﷺ "الهَدْيَ عنه، وعلّم رسولُ الله ﷺ الناسَ مناسكَ الحجِّ والسنن، ونزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فبكى أبو بكر ﵁ لما سمعها، وكأنه استشعرَ أنْ ليس بعد الكمال إلا النقصانُ، وأنه قد نُعيت إلى النبيِّ ﷺ نفسُه.
وخطب رسول الله ﷺ الناسَ بعرفةَ خطبة بَيَّن فيها الأحكامَ، منها: "أَيُّها النَّاسُ! إنَّما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ في الكُفْرِ، وَإِنَّ الزَّمانَ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ
стр. 204
شَهْرًا"، وتمم حجَّه.
وسُميت حجَّةَ الوداع؛ لأنه لم يحجَّ بعدها.
ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأقام بها حتى خرجت السنة.
* * *
* السنة الحادية عشرة من الهجرة *
دخلَتْ والنبيُّ ﷺ بالمدينة، وكان قد قدم من حجة الوداع، وأقام بها حتى خرجت سنة عشر، والمحرَّم، ومعظمُ صفر، من سنة إحدى عشرة.
* ذكر مرض رسول الله ﷺ ووفاته:
ولما استكمل رسول الله ﷺ مدى عمره، بعد أن قام لله بأمره؛ بإظهار الدين ونشره، والاشتمال على طاعة الله وبره، وهو مؤيَّد بالفتح المبين، والنصر والتمكئن، نقله الله إلى دار كرامته، وأدناه بعد أن أعلمه - فيما أنزل عليه - أنه قادم عليه، وصائر إليه، فعهد إلى الناس، وودَّعهم، وحذّرهم وبشَّرهم، ونصحهم وعلَّمهم، ووصّاهم وأنذرهم.
ابتدأ برسول الله ﷺ مرضُه الذي مات فيه، يومَ الأربعاء، لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة في بيت ميمونةَ، ثم انتقل حين اشتدَّ وجعُه إلى بيت عائشة ﵂.
ثم غمر رسول الله ﷺ ، واشتد به وجعُه.
стр. 205
وقال ابن مسعود: نعى إلينا نبينا وحبيبنا ﷺ نفسَه قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق، جمعنَا في بيت عائشة ﵂، فنظر إلينا، وشدد، ودمعت عيناه، وقال: "مَرْحَبًا بِكُمْ، حَيَّاكُمُ اللهُ، رَحِمَكُمُ اللهُ، آواكُمُ اللهُ، حَفِظَكُمُ اللهُ، رَفَعَكُمُ اللهُ، نَفَعَكُمُ اللهُ، وَفَّقَكُمُ اللهُ، سَلَّمَكُمُ اللهُ، قَبِلَكُمُ اللهُ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَأُوصِي اللهَ بِكُمْ، وأَسْتَخْلِفُهُ عَلَيْكُمْ، وَأُحَذّرُكُمُ اللهَ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، أَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللهِ في عِبادِهِ وَبِلَادِهِ؛ فَإِنَّه قَالَ لي وَلَكُمْ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، دَنَا الفِرَاقُ، وَالمنَقَلبُ إِلَى اللهِ، إلَى جَنَّةِ المأْوَى، وإِلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَإِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى، وَالكَأْسِ الأَوْفَى، وَالعَيْشِ الأَهْنَى" (١).
ولما ثَقُل رسول الله ﷺ ، جاءه بلال ليؤْذِنَه بالصلاة، فقال: "مُرُوا أَبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، قالت عائشة ﵂: يا رسولَ الله! إن أبا بكر رجلٌ أَسيفٌ، وإن يقمْ مقامَك لا يُسْمعِ الناسَ، فلو أمرتَ عمرَ، قال: "مُرُوا أَبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، فقالت عائشة لحفصة: قولي له، فقالت له حفصة: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامَك، لا يُسمعِ الناسَ، فلو أمرت عمر، فقال: "إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بالنَّاسِ"، فأمروا أبا بكر يصلي بالناس،
стр. 206
فلما دخل في الصلاة، وجد رسولُ الله ﷺ من نفسه خِفَّة، فقام يتهادى بين رجُلين، ورجلاه تَخُطَّان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر ﵁ حِسَّه، ذهب ليتأخر، فأومأ إليه رسولُ الله ﷺ : أنْ قمْ كما أنت، وجاء رسولُ الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان رسولُ الله ﷺ يصلي بالناس قاعدًا، وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر (١).
وكان عند رسول الله ﷺ سبعةُ دنانير، وضعَها عند عائشة، فلما كان في مرضه، قال: "يا عائِشَةُ! ابْعَثِي بالذَّهَبِ إِلَى عَلِيٍّ"، ثم أُغمي عليه، وشغل عائشةَ ما به، حتى قال ذلك ثلاثَ مرات، كل ذلك يُغمى عليه، ويشغل عائشة ما به، فبعثت به إلى عليٍّ، فتصدق به.
ثم أمسى رسول الله ﷺ ليلةَ الاثنين في جديد الموت، فأرسلت عائشة ﵂ إلى امرأة من النساء بمصباحها، فقالت: انظري لنا في مصباحنا من عُكَك السمن؛ فإن رسول الله ﷺ أمسى في جديد الموت (٢).
وأقبلت فاطمةُ ﵂ كأنَّ مشيتَها مشيةُ رسول الله ﷺ ، فقال: "مَرْحَبا يا ابنتي"، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثم أسرّ
стр. 207
إليها حديثًا، فبكت، قالت عائشة: فقلت: استَخَصَّك رسولُ الله ﷺ بحديثه، ثم تبكين! ثم أسرّ إليها حديثًا، فضحكت، فقالت: ما رأيتُ كاليومِ فرحًا أقربَ من حزن، فسألتها عما قال لها؟ قالت: ما كنتُ لأُفشيَ سِرَّ رسول الله ﷺ ، حتى إذا قُبض، سألتها، قالت: إنه أَسَرَّ إليَّ، فقال: "إنَّ جِبريلَ كانَ يُعارضُني بِالقرآنِ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عارَضَني بهِ الآنَ مَرَّتَيْنِ، وَمَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أولُ لحوقٍ بي، ونِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ"، فبكيت لذلك، ثم قال: "أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُوني سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ - أَوْ: نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ -؟ "، فضحكتُ لذلك (١).
ولما بقي من أَجَل محمد ﷺ ثلاثٌ، نزل عليه جبريلُ، فقال: يا أحمد! إن الله أرسلني إليك إكرامًا لك، وتفضيلًا عليك، وخاصَّة بك، يسألك عما هو أعلمُ به منك، يقول لك: كيفَ تجدُك؟ فقال: "أَجِدُني يا جِبْرِيلُ مَكْروبًا، وأَجِدُني يا جِبريلُ مَغْمومًا".
فلما كان في اليوم الثاني، هبط إليه جبريل، فقال: يا أحمد! إن الله أرسلني إليك إكرامأ لك، وتفضيلًا لك، وخاصَّة بك، يسألك عما هو أعلمُ به منك، يقول لك: كيف تجدُك؟ فقال: "أَجِدُني يا جِبريلُ مَكْروبًا، وأَجِدُني يا جِبريلُ مغمومًا".
فلما كان في اليوم الثالث، نزل إليه جبريل، ونزل معه مَلَك يقال له: إسماعيل، يسكن الهوى، لم يصعد إلى السماء قَطُّ، ولم يهبط إلى
стр. 208
الأرض، ومعه سبعون ألفَ مَلَك، فسبقهم جبريل، فقال: يا أحمد! إن الله أرسلني يقول لك: كيف تجدك؟ فقال: "أَجِدُني يا جِبريلُ مَكْروبًا، وأَجِدُني يا جِبريلُ مَغْمومًا".
ثم استأذنَ عليه مَلَكُ الموت، فقال جبريلُ: يا أحمد! هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، قال: "ائْذَنْ لَهُ"، فدخل ملك الموت، فوقف بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن الله أرسلني إليك، وأمرني بطاعتك في كل ما تأمرني، إن أمرتني أن أقبض نفسك، قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها، تركتها، قال: "وَتَفْعَلُ يَا مَلَكَ المَوْتِ؟ "، قال: بذلك أُمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني به.
فقال جبريل: السلامُ عليك يا رسول الله، هذا آخرُ موطئي الأرض، إنما كنتَ حاجتي من الدنيا.
وتوفِّي رسولُ الله ﷺ ، وجاءت التعزيةُ، يسمعون الصوتَ، ولا يرون الشخص: السلامُ عليكم يا أهلَ البيت ورحمةُ الله وبركاته، كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت، وإنما توفَّون أُجورَكم يوم القيامة، إنَّ في الله عزاء من كل مصيبة، وخَلَفًا من كل هالك، ودَرَكًا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المصابُ من حُرِم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١).
стр. 209
وكان من وصيته عند الموت: "الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمانكُمْ"، حتى جعل يتغرغر بها في صدره، ولا يفيض بها لسانه (١).
وكانت وفاته ﷺ يوم الاثنين، نصف النهار لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة وولد يوم الاثنين وقدم المدينةَ يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين.
وأخرجت عائشة ﵂ كساءً جليدًا، وكساءً غليظًا، فقالت: قُبِض رسول الله ﷺ في هذين.
ولما مات، قالت فاطمة ﵂: يا أبتاه! أجاب رَبًّا دعاه، يا أبتاه! في جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه! إلى جبريلَ أنعاه.
فلما دُفِن، قالت: يا أَنس! أطابتْ نفوسُكم أن تَحْثُوا على نبيكم التراب؟ ! (٢).
وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابنُ ثلاث وستين، وروي: خمس وستين، وروي: ستين، ونزل عليه جبريل ﵇ أربعة وعشرين ألف مرّة.
ولما توفي، دهش الناس، وطاشت عقولهم، واختلفت أحوالهم في ذلك.
стр. 210
ولما قبض الله نبيه، قال عمر بن الخطاب ﵁: من قال: إن رسول الله ﷺ مات، عَلَوْتُ رأسه بسيفي هذا، وإنما ارتفع إلى السماء، فقرأ أبو بكر ﵁: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، فرجع القومُ إلى قوله (١)، وبادروا إلى سَقيفة بني ساعِدَة، فبايع عُمَرُ أبا بكر، ثم بايعه الناسُ، خلا جماعةً.
وغسَّله ﵇ عليٌّ، والعباس، وابناه: الفضل، وقُثَم، ومولياه: أسامة، وشقران، وحضرهم أوسُ بن خولي الأنصاري (٢).
وكفن ﷺ في ثلاثة أثواب بِيضٍ سحوليةٍ، ليس منها قميص ولا عمامة (٣).
وصلى عليه المسلمون أفرادًا، لم يؤمَّهم أحدٌ، وفُرِش تحتَه قَطيفةٌ حمراءُ كان يتغطى بها، ودخل قبرَه العباسُ، وعلي، والفضل، وقُثم، وشقران، وأُطبِقَ عليه تسعُ لَبِنات.
ودُفِن في الموضع الذي توفَّاه الله تعالى فيه، حُوِّلَ فراشُه، وغسَّلوه وعليه قميصُه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلُكونه والقميصُ دون
стр. 211
أيديهم، فأسندَه عليٌّ إلى صدره، والعباسُ والفضلُ وقُثم يقلبونه معه، وأسامةُ وشقرانُ يصبون الماء، وعليٌّ يغسله بيده.
واختلفوا في موضع دفنه، هل يكون في مسجده، أو مع أصحابه؟ فقال أبو بكر: ادفنوه في الموضع الذي قُبِض فيه، فإن الله تعالى لم يقبض روحَه إلا في مكان طيب، فعلموا أنه قد صدق.
ولما فرغ من جهازه يوم الثلاثاء، - وكانت وفاته يوم الاثنين كما ذكرنا -، قال علي: لقد سمعنا همهمة، ولم نر شخصًا، سمعنا هاتفًا يقول: ادخُلوا - رحمكم الله -، فصلُّوا على نبيكم، ثم دفن من وسط الليل، ليلة الأربعاء، وهو الأصح.
وكانت مدة شكواه ثلاثَ عشرةَ ليلة.
وقال أنس بن مالك ﵁: لَمَّا كان اليوم الذي دخل رسولُ الله ﷺ يعني: المدينة -، أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه، أظلمَ منها كل شيء (١).
وروي: أنه ﷺ قال: "أَنَا فَرَطٌ لأُمَّتي، لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي" (٢).
ورثاه جماعة، منهم: أبو بكر الصديق، وعلي، وفاطمة، وعمَّتُه صفية ﵃ أجمعين -.
стр. 212
وحفر له أبو طلحة الأنصاريُّ ﵁ (١).
* * *
* فصل في ذكر صفة النبي ﷺ - *
كان ﷺ رَبْعَةً من القوم، له شعر يَضْرِبُ مَنْكِبيه، بعيدَ ما بين المَنكِبين، ليسَ بالقصير، ولا بالطويل، لا بائِنًا من طول، ولا تقتَحِمُه عينٌ من قِصَر، أبيضَ اللون مُشْرَبًا بحُمْرة، وقيل: أزهر اللون، ليس بالأمهق، ولا بالآدم، له شعر رَجِلٌ، لم يبلغ الشيبُ في رأسه ولحيته عشرين شعرة، كأن عنقه جيدُ دُمية، في صفاء الفضة، ظاهرَ الوَضاءة، مليحَ الوجه، يتلالأ وجهُه تلألُؤَ القمر ليلة البدر، حَسَنَ الخَلْق، معتدلَ القامة، وسيمًا قَسيمًا، في عينيه دَعَج، وفي بياضِها عروقٌ رِقاقٌ حُمر، وفي أَجْفانِهِ قَطَفٌ، وفي صوته صَهَلٌ - ويروى: صَحَلٌ -، وفي عينيه سَطَعٌ، وفي لحيته كثافة، إن صَمَتَ، فعليه الوقار، وإن تكلم، سما، وعليه البهاء.
أجملُ الناس وأبهاهم من بعيد، وأحلاهم وأحسنُهم من قريب، حلوُ المنطق، كأن منطقه خرَزاتُ نظمٍ يتحدَّرن، واسعُ الجبين، أَزَجُّ الحواجِبِ من غير قَرَن، بينهما عرقٌ يدرُّه الغضب، أَقْنى العِرْنين، سهلُ
стр. 213
الخدَّين، ضليعُ الفم، أشنبُ، مفلَّجُ الأسنان، دقيقُ المَسْرَبة من لَبَّتِه إلى سُرَّته شعرٌ يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعرٌ غيرُه، أشعرُ الذراعين والمنكبين، بادنٌ متماسكٌ، سواءُ البطنِ والصدر، مسيحُ الصدر، ضخمُ الكراديس، أنورُ المتجَرَّد، عظيمُ الصدر، طويلُ الزَّندين، رحُبُ الراحة، شَثْنُ الكفَّين والقدمين، شائلُ الأطراف، سَبْطُ العصب، خمصانُ الأخمصين، مسيحُ القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال، زال تقلُّعًا، ويخطو تكفُّؤًا، ويمشي هونًا، ذريعُ المِشية، إذا مشى، كأنما ينحطُّ من صَبَب، وإذا التفتَ، التفتَ جميعًا، بين كتفيه خاتمُ النبوة كأنه زِرُّ حَجَلَة، أو بيضةُ حمامة، لونُه كونِ جسده.
وكان أبو رِمْثَةَ طبيبًا في الجاهلية، فقال: يا رسول الله! إني أُداوي، فدَعْني أطبب ما بكتفيك، فقال: "يُدَاويها الَّذي خَلَقَها" (١).
كأنَّ عرقه اللؤلؤ، ريحُ عَرَقه أطيبُ من ريح المسك الأذفر.
يقول ناعتُه: لم أرَ قبلَه ولا بعدَه مثلَه.
وقال أنس بن مالك: ما مَسِسْتُ ديباجًا ولا حريرًا ألينَ من كفِّ رسول الله ﷺ ، ولا شممْتُ قَطُّ رائحةً أطيبَ من ريح رسول الله ﷺ (٢).
стр. 214
* فصل في تفسير معاني الكلمات ومشكلها:
البائن: الطويل في نحافة.
ومعنى تقتحمه؛ أي: تزدريه.
وأزهرُ اللون: نَيِّرُه.
والدمية: الصورة من الرخام.
والأمهق: هو الناصع البياض.
والآدم: هو الأسمر اللون.
والشعر الرَّجِل: الذي كأنه مُشِّط، فتكسر قليلًا، ليس بسبط، ولا جعد.
وأبلج الوجه؛ أي: مشرقه.
وسيمًا قسيمًا؛ أي: حسن الوجه.
والدَّعَجُ: شدة سواد العين، يقال: عين دعجاء.
والقَطَفُ: طول شعر الأجفان.
والصَّهَل: صوت الفرس.
والصَّحَل: البحوحة.
والسَّطَع: البريق.
والكثافة: الغلظ.
والحاجبُ الأَزَجّ: المقوس الطويلُ الوافر الشعر.
стр. 215
والأقنى: السائل الأنف، المرتفع وسطُه.
والضليع: الواسع.
والشنب: رونق الأسنان وماؤها، وقيل: رقتها، والفلج: فرق بين الثنايا.
ودقيق المسربة: خيط الشعر الذي بين الصدر والسرّة.
وبادن: ذو لحم.
ومتماسك: معتدل الخلق، يمسك بعضه بعضًا.
وسواء البطن والصدر: يعني: مستويهما.
ومسيح الصدر؛ أي: بادي الصدر، وقيل: عريض الصدر.
ضخم الكراديس؛ أي: رؤوس العظام.
رَحْب الراحة؛ أي: واسعها، وقيل: كناية عن سعة العطاء والجود.
وشَثْن الكفين والقدمين؛ أي لحيمهما، سائل الأطراف؛ أي: طويل الأصابع.
وخمصان الأخمصين؛ أي: متجافي أخمص القدم، وهو الموضع الذي لا تناله الأرض من وسط القدم.
ومسيح القدمين؛ أي: أملسهما.
والتَقلُّع: رفع الرجل بقوة.
التكَفُّؤ: الميل إلى قصد الشيء.