← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أيديهم، فأسندَه عليٌّ إلى صدره، والعباسُ والفضلُ وقُثم يقلبونه معه، وأسامةُ وشقرانُ يصبون الماء، وعليٌّ يغسله بيده. واختلفوا في موضع دفنه، هل يكون في مسجده، أو مع أصحابه؟ فقال أبو بكر: ادفنوه في الموضع الذي قُبِض فيه، فإن الله تعالى لم يقبض روحَه إلا في مكان طيب، فعلموا أنه قد صدق. ولما فرغ من جهازه يوم الثلاثاء، - وكانت وفاته يوم الاثنين كما ذكرنا -، قال علي: لقد سمعنا همهمة، ولم نر شخصًا، سمعنا هاتفًا يقول: ادخُلوا - رحمكم الله -، فصلُّوا على نبيكم، ثم دفن من وسط الليل، ليلة الأربعاء، وهو الأصح. وكانت مدة شكواه ثلاثَ عشرةَ ليلة. وقال أنس بن مالك ﵁: لَمَّا كان اليوم الذي دخل رسولُ الله ﷺ يعني: المدينة -، أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه، أظلمَ منها كل شيء (١). وروي: أنه ﷺ قال: "أَنَا فَرَطٌ لأُمَّتي، لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي" (٢). ورثاه جماعة، منهم: أبو بكر الصديق، وعلي، وفاطمة، وعمَّتُه صفية ﵃ أجمعين -.

стр. 212

وحفر له أبو طلحة الأنصاريُّ ﵁ (١). * * * * فصل في ذكر صفة النبي ﷺ - * كان ﷺ رَبْعَةً من القوم، له شعر يَضْرِبُ مَنْكِبيه، بعيدَ ما بين المَنكِبين، ليسَ بالقصير، ولا بالطويل، لا بائِنًا من طول، ولا تقتَحِمُه عينٌ من قِصَر، أبيضَ اللون مُشْرَبًا بحُمْرة، وقيل: أزهر اللون، ليس بالأمهق، ولا بالآدم، له شعر رَجِلٌ، لم يبلغ الشيبُ في رأسه ولحيته عشرين شعرة، كأن عنقه جيدُ دُمية، في صفاء الفضة، ظاهرَ الوَضاءة، مليحَ الوجه، يتلالأ وجهُه تلألُؤَ القمر ليلة البدر، حَسَنَ الخَلْق، معتدلَ القامة، وسيمًا قَسيمًا، في عينيه دَعَج، وفي بياضِها عروقٌ رِقاقٌ حُمر، وفي أَجْفانِهِ قَطَفٌ، وفي صوته صَهَلٌ - ويروى: صَحَلٌ -، وفي عينيه سَطَعٌ، وفي لحيته كثافة، إن صَمَتَ، فعليه الوقار، وإن تكلم، سما، وعليه البهاء. أجملُ الناس وأبهاهم من بعيد، وأحلاهم وأحسنُهم من قريب، حلوُ المنطق، كأن منطقه خرَزاتُ نظمٍ يتحدَّرن، واسعُ الجبين، أَزَجُّ الحواجِبِ من غير قَرَن، بينهما عرقٌ يدرُّه الغضب، أَقْنى العِرْنين، سهلُ

стр. 213

الخدَّين، ضليعُ الفم، أشنبُ، مفلَّجُ الأسنان، دقيقُ المَسْرَبة من لَبَّتِه إلى سُرَّته شعرٌ يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعرٌ غيرُه، أشعرُ الذراعين والمنكبين، بادنٌ متماسكٌ، سواءُ البطنِ والصدر، مسيحُ الصدر، ضخمُ الكراديس، أنورُ المتجَرَّد، عظيمُ الصدر، طويلُ الزَّندين، رحُبُ الراحة، شَثْنُ الكفَّين والقدمين، شائلُ الأطراف، سَبْطُ العصب، خمصانُ الأخمصين، مسيحُ القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال، زال تقلُّعًا، ويخطو تكفُّؤًا، ويمشي هونًا، ذريعُ المِشية، إذا مشى، كأنما ينحطُّ من صَبَب، وإذا التفتَ، التفتَ جميعًا، بين كتفيه خاتمُ النبوة كأنه زِرُّ حَجَلَة، أو بيضةُ حمامة، لونُه كونِ جسده. وكان أبو رِمْثَةَ طبيبًا في الجاهلية، فقال: يا رسول الله! إني أُداوي، فدَعْني أطبب ما بكتفيك، فقال: "يُدَاويها الَّذي خَلَقَها" (١). كأنَّ عرقه اللؤلؤ، ريحُ عَرَقه أطيبُ من ريح المسك الأذفر. يقول ناعتُه: لم أرَ قبلَه ولا بعدَه مثلَه. وقال أنس بن مالك: ما مَسِسْتُ ديباجًا ولا حريرًا ألينَ من كفِّ رسول الله ﷺ ، ولا شممْتُ قَطُّ رائحةً أطيبَ من ريح رسول الله ﷺ (٢).

стр. 214

* فصل في تفسير معاني الكلمات ومشكلها: البائن: الطويل في نحافة. ومعنى تقتحمه؛ أي: تزدريه. وأزهرُ اللون: نَيِّرُه. والدمية: الصورة من الرخام. والأمهق: هو الناصع البياض. والآدم: هو الأسمر اللون. والشعر الرَّجِل: الذي كأنه مُشِّط، فتكسر قليلًا، ليس بسبط، ولا جعد. وأبلج الوجه؛ أي: مشرقه. وسيمًا قسيمًا؛ أي: حسن الوجه. والدَّعَجُ: شدة سواد العين، يقال: عين دعجاء. والقَطَفُ: طول شعر الأجفان. والصَّهَل: صوت الفرس. والصَّحَل: البحوحة. والسَّطَع: البريق. والكثافة: الغلظ. والحاجبُ الأَزَجّ: المقوس الطويلُ الوافر الشعر.

стр. 215

والأقنى: السائل الأنف، المرتفع وسطُه. والضليع: الواسع. والشنب: رونق الأسنان وماؤها، وقيل: رقتها، والفلج: فرق بين الثنايا. ودقيق المسربة: خيط الشعر الذي بين الصدر والسرّة. وبادن: ذو لحم. ومتماسك: معتدل الخلق، يمسك بعضه بعضًا. وسواء البطن والصدر: يعني: مستويهما. ومسيح الصدر؛ أي: بادي الصدر، وقيل: عريض الصدر. ضخم الكراديس؛ أي: رؤوس العظام. رَحْب الراحة؛ أي: واسعها، وقيل: كناية عن سعة العطاء والجود. وشَثْن الكفين والقدمين؛ أي لحيمهما، سائل الأطراف؛ أي: طويل الأصابع. وخمصان الأخمصين؛ أي: متجافي أخمص القدم، وهو الموضع الذي لا تناله الأرض من وسط القدم. ومسيح القدمين؛ أي: أملسهما. والتَقلُّع: رفع الرجل بقوة. التكَفُّؤ: الميل إلى قصد الشيء.

стр. 216

والهون: الرفق والوقار. والذريع: الواسع الخطو؛ أي: إن مشيه كان يرفع فيه رجليه بسرعة، ويمدُّ خطوه؛ خلاف مشية المختال. وكان أبو بكر الصديق ﵁ إذا رأى النبي ﷺ ، يقول: أَمِينٌ مُصْطَفًى بِالخَيْرِ يَدْعُو ... كَضَوْءِ البَدْرِ زَايَلَهُ الظَّلامُ وكان عُمر بن الخطاب ﵁ ينشد قول زُهير بن أبي سُلمى: لَوْ كُنْتَ مِنْ شَيْءٍ سِوَى بَشَرِ ... كُنْتَ المُضِيءَ لِلَيْلَةِ القَدْرِ ثم يقول عمر لجلسائه: كذلك كان رسول الله ﷺ ، ولم يكن كذلك غيره. وفيه يقول عمه أبو طالب: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِل صلَّى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلَّم. * * *

стр. 217

* ذكر أسمائه ﵊ * قال رسول الله ﷺ : "أنا محمدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفرَ، وأنا الحاشِرُ الذي يحشرُ اللهُ الخلقَ على قدمي، وأنا العاقِبُ" (١)، ولا نبيَّ بعدي، ونبيُّ التوبة، ونبيُّ الرحمة. وسماه الله تعالى في كتابه: بشيرًا، ونذيرًا، وسراجًا منيرًا، وطه، ويس، ومزمِّلًا، ومدَّثِّرًا. وقد ذكرت له أسماء كثيرة، منها: المتوكل، والفاتح، والخاتم، والأمين، والمصطفى، ورسول، والنبي الأمي، وغير ذلك ﷺ . * * * ذكر نَعْت رسول الله ﷺ في التوراة قال كعب الأحبار: نجد نعتَ رسول الله ﷺ في التوراة: محمد بن عبد الله، المختار، مولده بمكة، ومهاجَرُه إلى المدينة، لا فَظٌّ، ولا غليظٌ، ولا صخَّاب في الأسواق. وعن أبي هريرة ﵁، قال: أتى رسول الله ﷺ بيت المدراس، فقال: "أَخْرِجُوا إِلَيَّ أَعْلَمَكُمْ"، فقالوا: عبدُالله بنُ صوريا، فخلا به رسول الله ﷺ ، فناشده بدينه، وبما أنعم الله به عليهم، وأطعمهم من المن والسلوى، وأَظلّهم به من الغمام: "أتعلمُ أني رسولُ الله حَقًّا"، قال: اللهمَّ نعم،

стр. 218

وإن القوم ليعرفون ما أعرف، وإن صفتك ونعتك لمبيَّنٌ في التوراة، ولكنهم حسدوك. قال: "فما يمنعُكَ أنتَ؟ "، قال: أكره خلافَ قومي، وعسى أن يتّبعوك، ويُسلموا فأُسلم (١). وعن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، قال: كان الزبير بن باطا - وكان أعلم اليهود - يقول: وجدت سِفرًا، كان أبي يختمه عليّ، فيه ذكر أحمد، نبيٌّ صفته كذا وكذا، فحدّث به الزبير بعد أبيه، والنبيُّ ﷺ لم يُبعَث، فما هو إلا أن سمع بالنبي ﷺ قد خرج بمكة، فعمد إلى ذلك السفر، فمحاه، وكتمَ شأنَ النبي ﷺ ، وقال: ليس به شيء (٢). * * * * ذكر معجزاته ﷺ - * فمن أفضل معجزاته ﷺ : القرآن الكريم، الذي أعجزَ الفصحاءَ، وأخرسَ البلغاءَ. * ومنها: انشقاق الصدر والتئامه. * ومنها: انشقاق القمر له فرقتين، حين سألته قريش آية، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال ﷺ : "اشهدوا" (٣)، وأنزل الله تعالى:

стр. 219

﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]. * ومنها: نَبْعُ الماء من بين أصابعه، وتكثيره، وتكثير الطعام ببركته. وغير ذلك مما لا يحصى كثرة. * ومنها: كلام الشجرة، وشهادتها له بالنبوة، وإجابتها دعوته ﷺ ، وسلام الحجر والشجر عليه. * ومنها: حنين الجذع إليه، وتسبيح الحصا في كفه. * ومنها: حديث الظبية: كان رسول الله ﷺ في صحراء، فنادته ظبية: يا رسول الله! فقال: "ما حاجتك؟ "، قالت: صادني الأعرابي، ولي خِشْفان في ذلك الجبل، فأطلِقني حتى أذهب فأُرضَعهما، وأرجعَ، قال: "وتفعلين؟ "، قالت: نعم، فأطلقها، فذهبت، ورجعت، فأوثقها، فانتبه الأعرابي، فقال: يا رسول الله! ألك حاجة؟ قال: "تُطْلِقُ هَذِهِ الظَّبية"، فأطلقها، فخرجت تعدو في الصحراء، وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله (١). * ومنها: تسخير الأسد لسفينةَ مولى رسول الله ﷺ : قال سفينة: ركبت البحر، فانكسرت بي سفينة، فخرجت إلى جزيرة، فإذا الأسدُ، فقلت: أنا سفينةُ مولى رسول الله ﷺ ، فجعل يغمزني بمنكبه، حتى

стр. 220

أقامني على الطريق (١). * ومنها: أن الله تعالى أمر ليلةَ الغار شجرة، فنبتت تجاه النبي ﷺ ، فسترته، وأمر حمامتين، فوقفتا بفم الغار، ونسجت العنكبوت على بابه (٢)، وأعلمته الشاة بسُمِّها، وردَّ عينَ قتادة، وتفل في عين علي يوم خيبر، وكان رَمِدًا، فأصبح بَرِيًّا. * ومنها: إجابة دعائه ﷺ ، وأنه كان إذا دعا لرجل، أدركت الدعوةُ ولدَه، وولَدَ ولدِه، ودعا لابن عباس: "اللهمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ، وعَلِّمْهُ التأْوِيلَ" (٣)، فسمي: الحَبر، ترجمان القرآن. ودعا لعلي أن يُكفَى الحرّ والقرّ (٤)، فكان يلبس في الشتاء ثياب الصيف، وفي الصيف ثياب الشتاء، ولا يصيبه حر ولا برد.

стр. 221

وهذا الباب أكثرُ من أن يُحاط به. * ومنها: إخبارُه بمصارع المشركين، فلم يَعْدُ أحدًا منهم مصرعُه، وإخبارُه قريش عن بيت المقدس، ووصفه لهم. * ومنها: أن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله، فخرج عليهم، فخفضوا أبصارهم، فأقبل حتى قام على رؤوسهم، فقبض قبضة من تراب، وقال: "شاهَتِ الوُجُوهُ"، وحَصَبَهم بها، فما أصاب رجلًا منهم شيء من ذلك الحصا، إلا قتل يوم بدر (١). وبالجملة: فمعجزاته ﷺ لا تُحصى، ولا يحاط بها، ولا يُستقصى، ومن ذا يحيط بالبحر الزخار، ولو أجهدَ نفسَه آناءَ الليل وأطرافَ النهار؟ ! زاده الله شرفًا، وغفر لنا ببركته وعفا. * * * * ذكر أوصافه وأخلاقه وشمائله ﷺ - * قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. قالت عائشة ﵂: كان خُلُقُه القرآن (٢)، يغضب لغضبه،

стр. 222

ويرضى لرضاه - يعني: التأدب بآدابه، والتخلق بمحاسنه، والالتزام لأوامره وزواجره -، فهو ﷺ لا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، إلا أن تُنتهك حُرْمَةُ من حرمات الله، فيكون لله ينتقم. وكان أحسنَ الناس خُلُقًا، وأرجحَهم حلمًا، ولما كُسرت رَباعِيَتُه، وشُجَّ وجهُه يوم أحد، شقَّ ذلك على أصحابه، وقالوا: لو دعوتَ عليهم، فقال: "إني لم أُبعث لَعّانًا، ولكني بُعِثْت دَاعِيًا ورَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُوَن" (١). وكان أعظم الناس عفوًا، ولقد عفا عن اليهودية التي سمَّته بعد اعترافها على الصحيح. وكان أسخى الناس كفًا، لا يبيت عنده دينار ولا درهم، لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه. وكان أشجع الناس، وكان أشد حياء من العذراء في خدرها، وإذا كره شيئًا، عُرف في وجهه، وإذا بلغه عن أحد ما يكرهه، لم يقل: ما بال فلان يقول: كذا وكذا؟ ولكن يقول: "ما بالُ أقوامٍ يصنَعون أو يقولون كذا؟ "، ينهى عنه، ولا يسمى فاعله. ولم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا، ولا صَخَّابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.

стр. 223

وكان أوسعَ الناس صدرًا، وأصدَقَهم لهجة، وألينَهم عريكة، وأكرمَهم عِشْرة. وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويجيب الدعوة، ويقبل الهدية، ويكافح عليها، ويأكلها، ولا يأكل الصدقة. وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، يأكل ما حضر، ولا يأكل متكئًا، ولا على خِوان، منديله باطن قدميه، لم يشبع من خبزِ بُرٍّ ثلاثة أيام متوالية حتى لقي الله تعالى، يجيب الوليمة، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، متواضعًا، خاتمه يلبسه في خنصره الأيمن، وربما لبسه في الأيسر، يُرْدِف خلفه عبدَه، أو غيره، يركب ما أمكنه، ومرة يمشي حافيًا، يمزح ولا يقول إلا حقًا. وقالت عائشة ﵂: سابقتُه فسبقتُه، فلما كثر لحمي، سابقتُه فسبقني، ثم ضرب كتفي، وقال: "هَذِهِ بِتِلْكَ" (١). وكان ﷺ يضحك من غير قهقهة، يرى اللعب المباح ولا يُنكره، وهو أُميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، وإذا سئل الدعاء على أحد: مسلمٍ أو كافر، أو خاصٍّ أو عام، عدلَ عن الدعاء عليه، ودعا له، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرَهما، إلا أن يكون فيه إثم، أو قطيعةُ رحم، فيكون أبعدَ الناس من ذلك، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكُه بالشام. وكان من خُلُقِه ﵊: أن يبدأ من لَقِيَه بالسلام،

стр. 224

ومن فاوضَه لحاجة صابَرَهُ حتى يكون هو المنصرفَ. ولا يجلس إليه أحد وهو يصلي، إلا خفف صلاته، وأقبل عليه، وقال: "ألكَ حاجةٌ؟ "، فإذا فرغ من حاجته، عاد إلى صلاته. يُكرِم من يدخل عليه، وُيؤثر الداخلَ عليه بالوسادة، حتى التي تكون تحته، فإن أبى أن يقبلها، عَزَم عليه حتى يفعل. وما استصغاه أحد، إلا ظن أنه أكرمُ الناس عليه، حتى يعطي كلَّ من جلس إليه نصيبه من وجهه. أرأفُ الناسِ، وخيرُهم، لا تُرفَع في مجلسه الأصوات، إذا قام من مجلسه، قال: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا أنت، أَستغفرُكَ وأتوبُ إليك" (١). طويل السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، ويعظُ بالجدِّ والنصيحة، ويقول: "لا تَضْرِبوا القرآنَ بعضَه ببعضٍ، فإنه أُنزلَ على وجوه" (٢). وإذا نزل به الأمر، فوّض وتبرأ من الحول والقوة. وأَحبُّ الطعام إليه ما كثرت عليه الأيدي، وإذا وضعت المائدة،

стр. 225

قال: "بسم الله، اللهمَّ اجعلْها نعمةً مشكورةً نَصِلُ بها نعيمَ الجنة" (١). وإذا جلس يأكل، جَمَع بين ركبتيه وبين قدميه كما يصلي المصلي، إلا أن الركبة تكون فوق الركبة، والقدم فوق القدم، ويقول: "إنما أَنا عبدٌ آكُلُ كما يأكلُ العبد، وأجلسُ كما يجلسُ العبد" (٢). ولا يأكلُ الحار، ويقول: "إنه غيرُ ذي بركة" (٣)، و"إن الله لم يطعمنا نارًا، فأبردوه" (٤). وكان أحبُّ الفواكه إليه الرُّطَب، والبطيخ، والعنب، وأكثرُ طعامه التمر والماء، وأحبُّ الطعام إليه اللحم، ويقول: "هو يزيدُ في السَّمْعِ، وهو سيدُ الطعامِ في الدنيا والآخرة، ولو سألتُ رَبِّي أَنْ يُطْعِمَنيهِ كُلَّ يومٍ، لَفَعَلَ" (٥).

стр. 226

وكان يحب القرع، ويقول: "إنها شجرةُ أخي يونس ﵇ " (١). وكان لا يأكل الثوم، ولا البصل، ولا الكُرَّاث. وإذا فرغ، قال: "اللهمَّ لك الحمدُ، أَطْعَمْتَ، وسقيتَ، وآوْيتَ، لكَ الحمدُ غيرَ مكفورٍ، ولا مُوَدَّعٍ، ولا مُسْتَغْنًى عنُه" (٢). وكان يشرب في ثلاث دفعات، له فيها ثلاث تسميات، وفي آخرها ثلاث تحميدات. وكان يعجبه الثياب الخضر، وكان أكثر ثيابه البياض، ويقول: "أَلْبِسوها أحياءَكُم، وكَفِّنوا فيها موتاكم" (٣). وكان ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه، وكان ينظر في المرآة، وربما نظر في الماء في حجرة عائشة وسوَّى جبهته. وكان يقول: "لا يُبَلِّغُني أحدٌ منكم عن أحدٍ من أصحابي شيئًا، فإني

стр. 227

أحبّ أن أخرجَ إليكُمْ وأنا سَليمُ الصَّدْرِ" (١). وأما زهده ﷺ في الدنيا، وعبادته وخوفه من ربه: فقد توفي ﷺ ودرعُه مرهونةٌ عند يهودي في نفقة عياله، وما ترك دينارًا ولا درهمًا، ولا شاةً ولا بعيرًا، وعُرض عليه أن يجعل له بطحاء مكة ذهبًا، فقال: "لا يا ربِّ، بل أجوعُ يومًا، وأشبعُ يومًا، فأما اليوم الذي أجوعُ فيه، فاتضرَّعُ إليكَ وأدعوك، وأما اليومُ الذي أشبعُ فيه، فأَحْمَدُكَ واثني عليك" (٢). وكان ﷺ يستاك بالأرك، وكان إذا قام من النوم، يَشُوصُ فاه بالسواك، ويستاك في الليل ثلاث مرات: قبل النوم، وبعده، وعند القيام لورده، وعند الخروج لصلاة الصبح. ونذكر ها هنا شيئًا من آداب السواك فإن الحاجة ماسة لذلك: فمن فضيلته: قوله ﷺ : "لولا أن أَشُقَّ على أُمَّتي، لأَمرتُهم بالسواكِ عندَ كلِّ صلاة" (٣). وقال ابن عباس ﵄: في السواك عشرُ خصال: يُذهِب الحُفَر، ويجلو البصر، ويشدُّ اللّثَة، وينقِّي البلغم، ويطيِّب الفم، وتفرح له

стр. 228

الملائكة، ويرضي الربَّ ﵎، ويوافقُ السُّنَّة، ويزيد في حسنات الصلاة، وُيصِحُّ الجسمَ. زاد الحكيم الترمذيُّ (١): ويزيد الحافظَ حفظًا، ويُنبت الشعر، ويصفِّي اللون. وعن الشافعي ﵁: أربعٌ تزيد في العقل: تركُ الكلام من الفضول، والسواك، ومجالسة العلماء والصالحين، والعمل بالعلم. وعن كعب ﵁: أنه قال: من أحبَّ أن يُحبه الله، فليكثِرْ من السواكِ والتخلُّل، والصلاةِ بهما. ويستاك عرضًا؛ فإن الشيطان يستاك طولًا، ويبدأ من الجانب الأيمن. ويتأكد استحبابُه عند الصلاة، والوضوء، وقراءة القرآن، والانتباه من النوم، وتغير الفم. وكان رسول الله ﷺ يحتجم في الأخدعين، وبين الكتفين. وهو خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وآتاه الله علمَ الأولين والآخرين، وفضَّلَه على سائر الخلق أجمعين، ولا يُحصي مناقبه أحدٌ من العالمين، ﷺ ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أزواجه الطاهرات أمهاتِ المؤمنين، وعلينا معهم يا ربَّ العالمين، صلاة دائمة إلى يوم الدين. * * *

стр. 229

* ذكر مَثَلِه ومَثَلِ الأنبياء من قبله ﷺ - * عن أبي هريرة ﵁، قال: قال أبو القاسم ﷺ : "مَثَلي ومَثَلُ الأنبياءِ من قَبْلي، كَمَثَلِ رجلٍ ابتنى بيوتًا، فأَحْسَنَها وأكملَها وأجملَها، إلا موضعَ لَبِنَةٍ من زاويةٍ من زواياها، فجعل الناسُ يطوفون، ويعُجبهم البنيان، ويقولون: لو وُضِعَتْ هاهنا لَبِنَةٌ، فيتم بنيانُكَ"، فقال محمدٌ ﷺ : "وكنتُ أنا اللَّبِنَةَ" أخرجاه في "الصحيحين" (١). * * * ذكر مَثَلهِ ومَثَلِ ما بُعِثَ به ﷺ - عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: "إنما مَثَلي ومَثَلُ ما بَعَثَني اللهُ به، كمثلِ رجلٍ أتى قومًا، فقال: يا قومُ! إني رأيتُ الجيشَ بعيني، وأنا النذيرُ العُريانُ، فالنجاةَ النجاةَ، فأطاعه طائفةٌ من قومه، فَأَدْلَجوا، وانطلقوا على مهلِهم، فَنَجَوْا، وكذَّبه طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصَبَّحَهم الجيشُ، فأهلَكَهم واجتاحَهُم، فذلك مَثَلُ مَنْ أطاعني، واتَّبَعَ ما جئتُ به، ومثلُ مَنْ عصاني، وكَذَّبَ ما جئتُ به من الحقِّ" أخرجاه في "الصحيحين" (٢). * * *

стр. 230

* ذكر عدد غزواته ﷺ - * قال الواقدي: جميع غزواته بنفسه تسعَ عشرةَ غزوة، وقيل: ستٌّ وعشرون، وقيل: سبع وعشرون، فمن قال: ستًا وعشرين، جعل غزاة خيبر ووادي القرى واحدة، ومن فرق بينهما، جعل غزواته سبعًا وعشرين، جعل خيبر غزوة، ووادي القرى غزوة. وأول غزوة غزاها: ودَّان، وهي الأَبواء، ثم بواط بناحية رضوى، ثم العشيرة، ثم بدر الأولى، ثم الكبرى، ثم غزوة بني سليم، ثم غزوة السويق، ثم غزوة غطفان، ثم غزوة بنجران، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع، ثم غزوة بدر الأخرى، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة قريظة، ثم غزوة بني لحيان من هذيل، ثم غزوة ذي قَرَد، ثم غزوة بني المصطلق، ثم عمرة الحديبية، ثم غزوة خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم غزوة فتح مكة، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك. قاتل منها في تسع غزوات: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. واختلف في عدد سراياه، فقيل: كانت خمسًا وثلاثين، ما بين سرية وبعث، وقيل: ثمانيًا وأربعين، والله أعلم. * * *

стр. 231

ذكر حجته ﷺ - قال جابر: حجّ النبي ﷺ حجتين: حجة قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر، معها (١) عُمرة. وقال ابن عمر: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عُمَر. وقالت عائشة ﵂: أربع عُمَر. * * * * ذكر أولاده ﷺ - * أول من وُلِدَ لرسول الله ﷺ بمكة قبل النبوة: القاسم - وبه كان يكنّى -، ثم وُلِدَت زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم ولِد له في الإسلام: عبد الله، فسمي الطيب الطاهر، وأمهم جميعا خديجةُ بنتُ خُويلد. فكان أول من مات من أولاده: القاسم، ثم مات عبد الله بمكة. وقيل: إن الطيب والطاهر ابنان سواه. وقيل: كان له الطاهر والمطهر وُلِدا في بطن. وقيل: إنهم كلهم ماتوا قبل الإسلام. وأما بناته، فكلهن أدركن الإسلام، وأسلمن، وهاجرن معه.

стр. 232

ثم ولَدَت له ماريةُ بنتُ شمعون القبطية إبراهيمَ. * * * * ذكر أعمامه وعماته * أبو طالب - وهو عبد مناف -، والزبير، وعبد الكعبة، وأم حكيم، وعاتكة، وبرّة، وأروى، وأميمة - وأم هؤلاء فاطمةُ بنتُ عمرِو بنِ عائذِ ابنِ عمر أن بن مخزوم - وحمزة، والمقوم، وحجل - واسمه المغيرة-، وصفية - وأم هؤلاء هالةُ بنتُ وهيب بن عبد مناف بن زهرة بنتُ عم آمنةَ بنتِ وهب أمِّ النبي ﷺ ، والعباس، وضرار - وأمهما نبيلة بنت خبّاب -، والحارث - وهو أكبر ولد عبد المطلب -، وشقيقه قُثم - وأمهما صفية بنت جندب -، وأبو لهب عبدُ العُزَّى - وأمه لبنى بنت مهاجر من خزاعة -، والغيداق - واسمه مصعب -، ولُقِّب الغيداق لجوده. فأعمامه اثنا عشر، وعماته ست. ولم يُسلم من أعمامه إلا حمزة والعباس، وأما العمات، فإسلام صفية معروف، وفي أروى خلاف، وكذلك اختُلِف في إسلام عاتكة. * * * ذكر أزواج النبي ﷺ - قال رسول الله ﷺ : "ما تزوَّجْتُ شيئًا من نسائي، ولا زَوَّجْتُ شيئًا

стр. 233

من بناتي، إلَّا بوحيٍ جاءني به جبريلُ عن ربي " (١). ١ - أول من تزوج ﷺ : خديجة. ٢ - ثم سَوْدَة بنت زمعةَ بنِ قيسِ بنِ عبد شمس، وأصدَقَها أربعَ مئة. ٣ - ثم عائشةَ بنت أبي بكر الصديق، وأمُّها [أم] رومان بنتُ عامرِ بنِ عُويمر، ولم يتزوج بِكْرًا غيرها، وفضائلُها جَمَّة، ومناقبها كثيرة. ٤ - ثم حَفْصَة بنت عمر بن الخطاب، وأمها قدامةُ بنتُ مظعون، وهي شقيقة عبد الله بن عمر، وأسَنَّ منه، تزوجها رسول الله في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة، وطلّق ﵇ حفصة تطليقةً، ثم راجعها، وذلك أن جبريل ﵇ نزل عليه، وقال له: راجع حفصةَ؛ فإنها صَوَّامَةٌ قَوَّامة، وإنها زوجَتُك في الجنة (٢). ٥ - ثم زينب بنت خزيمةَ بنِ الحارثِ بنِ عبد الله، وكانت تدعى: أم المساكين؛ لرأفتها بهم، ومكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت، وقد

стр. 234

بلغت ثلاثين سنة، ودُفِنَت بالبقيع، ولم يمت من أزواجه في حياته إلا هي وخديجة ﵄، وفي ريحانةَ خلاف. ٦ - ثم أم سلمة، واسمها هند بنتُ أبي أمية بن المغيرة. ٧ - ثم زينب بنت جحش بنِ ربابِ بنِ صبرةَ بن مرّة بن كثير، وكان اسمها برّة، فسماها ﷺ : زينب، وأمها أميمة بنة عبد المطلب عمةُ رسول الله ﷺ ، وكانت قبله عند زيد بن حارثة مولاه، فطلقها، فلما حلَّت، زوّجها الله تعالى إياه من السماء، وأولم عليها، وأطعم المساكين خبزًا ولحمًا، وفيها أُنْزِلت آية الحجاب، وكانت كثيرة الصدقة والإيثار ﵂. ٨ - ثم جُويرِية بنتُ الحارث بن أبي ضرار، وكان اسمها برة، فسماها جويرية، ولأبيها صحبة. ٩ - ثم ريحانُة بنت زيد بن عمرو بن خنافة بن شمعون من بني النضير، أعرسَ بها في المحرم سنة ست. ١٠ - ثم أُمُّ حَبِيبَة رَمْلَةُ بنتُ أبي سفيانِ صخرِ بن حربِ بن أميةَ بن أبي العاصِ بن أميةَ، أصدقها النجاشي عن رسول الله ﷺ أربع مئة دينار، وجهزها من عنده. ١١ - ثم صَفِيّه بنتُ حُيَيِّ بن أخطبَ بن شعبة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النحام، من سبط هارون بن عمران، وكانت عند سلام بن مشكم، ثم خَلَف عليها كنانةُ بنُ الربيع، فقُتل عنها

стр. 235

يوم خيبر، فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه، فأعتقها، وتزوجها، وجعل عتقَها صداقَها. ١٢ - ثم مَيْمونة بنتُ الحارث، وكان اسمها برّة، فسماها: ميمونة، تزوجها في شوال سنة سبع، وهي التي وهبت نفسَها للنبي ﷺ . ونساؤه المدخول بهن ثنتا عشرة امرأة، ومات ﵊ عن تسع منهن. وخطب ﷺ نساء غير هؤلاء، ولم يتفق تزويجهن، فمنهن: أسماء بنت كعب الجَونية، وخمرة بنت الحارث الغطفاني، خطبها ﵊ لأبيها، فقال: إن بها سوءًا، ولم يكن بها شيء، فرجع فرآها قد بَرِصت. ومنهن: سنا بنت الصلت، تزوجها، ثم طلقها. وفاطمة بنت الضحاك الكلابية، تزوجها، وخَيَّرها حين نزلت آية التخيير، فاختارت الدنيا، ففارقها، فكانت بعد ذلك تلقط البَعَر، وتقول: أنا الشقية، اخترت الدنيا. وقتيلة بنت قيس بن معد يكرب أختُ الأشعث بن قيس، تزوجها قبل موته بيسير، ولم تكن قدمت عليه، ولا رآها، فأوصى أن تخير، فإن شاءت، ضُرِب عليها الحجاب، وحُرِّمت على المؤمنين، وإن شاءت، طُلقِّت، ونكحت من شاءت، فاختارت النكاح، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل.

стр. 236

وأمَّا سراري النبي ﷺ : فكُنَّ أربعًا: مارية بنت شممعون القبطية، أهداها له المقوقس صاحب مصر، وريحانة بنت زيد (١) النضيرية (٢)، وأخرى جميلة أصابها في السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. * * * * ذكر خدمه ومواليه ﷺ - * أنس بن مالك الأنصاري، وربيعة بن كعب الأسلمي. وكان عبد الله بن مسعود ﵁ صاحب نعليه. وكان عقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته، يقود به في الأسفار. وأسلع بن شريك صاحب راحلته. وبلال بن رباح المؤذن. وسعد مولى أبي بكر الصديق. وأبو الحمراء هلال بن الحارث. وذي مخمر ابن أخي النجاشي. وبكير بن شداخ الليثي. وأبو ذر الغفاري، وأَرْبَد بن حِمْيَر، والأسود بن مالك الأسدي

стр. 237

اليماني، وأخوه الحدرجان بن مالك، وثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري، ومهاجر مولى أم سلمة، وأبو نعيم بن ربيعة بن كعب، وزيد بن حارثة، وابنه أسامة، وأيمن ابن أم أيمن، وأسلم بن عبيد، وأبو رافع أسلم، وأبو كبشة - واسمه سليم -، وأبو عبد الله ثوبان، وشقران - واسمه صالح -، ورباح أسود، ويسار نوبي، وفضالة، وأبو السمح، وأبو مويهبة، ورافع، وأفلح، ومايور، ومدعم أسود، وكركِرَة، وزيد جدُّ بلال بن يسار بن زيد، وعبيد، وطهمان، وكيسان، وذكوان، ومروان، وواقد، وأبو واقد، وسندر، وهشام، وحنين، وسعيد، وأبو عسيب - واسمه أحمر -، وأبو لبابة، وأبو القيط، وسفينة - واسمه مهران -، وضميرة بن أبي ضميرة جدُّ الحنين بن عبد الله بن ضميرة، وأبو هند، وأبو بكرة نفيع، وأخوه نافع، وسلمان الفارسي، وعبيد الله بن أسلم، ونبيه، وهشام، ووردان، وباذام، وحاتم، ورويفع، وأبو ريحانة شمعون، وعبيد بن عبد الغفار، وغيلان، ومحمد بن عبد الرحمن، ومكحول، وأبو البشير، وأبو صفية، وغير هؤلاء. ومن النساء: أم أيمن الحبشية - واسمها بركة -، وسلمى أم رافع، ومارية، وريحانة، وحضرة، ورضوى، وميمونة بنت سعد، وميمونة بنت أبي عُصَيب، وأم ضميرة، وأم عباس، وأميمة، وقيسر القبطية أهداها له المقوقس مع مارية، وسيرين وهبها لحسان بن ثابت. * * *

стр. 238

* ذكر كُتَّابه ﷺ - * أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعامر بن فهيرة، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وحنظلة بن الربيع الأسيدي، وأُبَي بن كعب، وهو أول من كتب له من الأنصار، وثابت بن قيس بن شمَّاس، وزيد بن ثابت، وشُرَحْبيل بن حَسَنَة، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن زيد، وجهيم بن الصلت، والزبير ابن العوام، وخالد بن الوليد، والعلاء بن الحضرمي، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عبد الله بن أُبَي، ومُعَيقيب بن أبي فاطمة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، وهو أول من كتب له من قريش، ثم ارتد، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٩٣]، ويزيد بن أبي سفيان، والأرقم بن الأرقم الزهري، والعلاء بن عتبة، وأبو أيوب الأنصاري، وبريدة بن الحصيب، والحصين بن نمير، وأبو سلمة المخزومي، وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان بن حرب، وحاطب بن عمرو. وذكر ابنُ دحية فيهم رجلًا من الأنصار غير مسمى، قال: كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، ثم تنصَّر، فلما مات، لم تقبله الأرض. * * * ذكر حرَّاسه ومن كان يضرب الأعناق بين يديه حرسه يوم بدر حين نام في العريش: سعدُ بن معاذ، ويوم أُحد:

стр. 239

محمدُ بنُ مسلمة، ويوم الخندق: الزبير بن العوام، وحرسه ليلة بنائه بصفية: أبو أيوب الأنصاري، وبوادي القرى: بلال، وسعد بن أبي وقاص، وذكوان بن قيس، وعباد بن بشر ممن كان على حرسه، فلما نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، ترك الحرس. والذين كانوا يضربون الأعناق: علي، والزبير، والمقداد، ومحمد ابن مسلمة، وعاصم بن ثابت، وسعد القرط بن عابد مولى عمار بن ياسر، وأبو محذورة. * * * * ذكر العشرة من الأصحاب، والحواريين وأهل الصفَّة * أما العشرة: فأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح ﵃. وأما الحواريون: والحواري: الخليل، وقيل: الناصر، وقيل: الصاحب المستخلص، فكلهم من قريش، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحمزة، وجعفر، وأبو عبيدة، وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة، والزبير ﵃. أما أصحاب الصُّفَّة: فقوم فقراء لا منزل لهم غير المسجد، وكانت صُفَةُ المسجد مثواهم، فنسبوا إليها، وكان إذا تعشى رسول الله ﷺ ، يدعو منهم بطائفة يتعشون معه، ويفرق طائفة على أصحابه ليعشوهم.

стр. 240

قال جابر: رأيت ثلاثين رجلًا من أهل الصُّفّة، يصلون خلف النبي ﷺ ، ليس عليهم أردية، وكان من مشاهرهم: أبو هريرة، وأبو ذر، وواثلة بن الأسقع، وقيس بن طلحة الغفاري ﵃. * وقد اختلف الناس فيمن يستحق أن يطلق عليه أنه صحابي، فكان سعيد بن المسيب لا يَعُدُّ الصحابيَّ إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنةً وأكثر، وغزا معه. قال بعضهم: كل من أدرك الحُلُمَ، وأسلم، ورأى النبي ﷺ ، فهو صحابي، ولو أنَّه صحبَ رسولَ الله ﷺ ساعة واحدة. وقال بعضهم: لا يكون صحابيًا إلا من تخصص به الرسول ﷺ ، وتخصص هو بالرسول ﷺ ؛ بأن يثق رسول الله ﷺ بسريرته، ويلازم هو رسول الله ﷺ في السفر والحضر. والأكثر على أن الصحابي هو: كل من أسلم، ورأى النبي ﷺ ، وصحبه، ولو أقل زمان. وأما عددهم على هذا القول الأخير، فقد روي: أن النبي ﷺ سار في عام فتح مكة في عشرة آلاف مسلم، وسار إلى حنين في اثني عشر ألفًا، وسار إلى حجة الوداع في أربعين ألفًا، وأنهم كانوا عند وفاته ﷺ مئة ألف، وأربعة وعشرين ألفًا. وأما ترتيبهم: فالمهاجرون أفضل من الأنصار على الإجمال، وأما على التفصيل، فسُبّاقُ الأنصار أفضلُ من متأخري المهاجرين.

стр. 241

وقد رتب أهل التواريخ الصحابة على طبقات: الأولى منهم: أول الناس إسلامًا؛ كخديجة، وعلي، وزيد، وأبي بكر الصديق ﵃ ومن تلاهم، ولم يتأخر إلى دار الندوة. الثانية: أصحاب دار الندوة، وفيها أسلم عمر ﵁. الثالثة: المهاجرون إلى الحبشة. الرابعة: أصحاب العقبة الأولى، وهم سُبّاق الأنصار. الخامسة: أصحاب العقبة الثانية. السادسة: أصحاب العقبة الثالثة، وكانوا سبعين. السابعة: المهاجرون الذين وصلوا إلى النبي ﷺ بعد هجرته وهو بقُباء قبل بناء مسجده. الثامنة: أهل بدر الكبرى. التاسعة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية. العاشرة: أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا بالحديبية تحت الشجرة. الحادية عشرة: الذين هاجروا بعد الحديبية، وقبل الفتح الثانية. الثانية عشرة: الذي أسلموا يوم الفتح. الثالثة عشرة: صبيان أدركوا النبي ﷺ ، ورأوه. الرابعة عشرة: أهل الصفّة المتقدِّم ذكرُهم. * * *

стр. 242

ذكر سلاحه وأثاثه كان له سيف يقال له: مأثور، ورثه من أبيه، والعَضْب، وذو الفقار، والصَّمصامة، والقلعي، والبتار، والحتف، والرسوب، والمخذم، والقضيب، فتلك عشرة أسياف. وكان له درع يقال له: ذات الفضول؛ لطوله، وذات الوشاح، وذات الحواشي، ودرعان: السعدية، وفضة، ويقال: إن السعدية كانت درع داود ﵇ التي لبسها لقتال جالوت، والبتراء، والخرنق، فتلك سبع. وله من القِسِيِّ: الروحاء، والصفراء، والزوراء، والكتوم. وكانت له جعبة، وهي الكنانة، يجمع فيها نبله، ومنطِقة من أديم مبشور، حلقها، وإبزيمها، وطرفها فضة، وثلاثة أتراس، كان فيها ترس عليه صورة عقاب، فوضع يده عليه، فأذهب الله ذلك التمثال. وكان له خمسة أرماح: ثلاثة من بني قَيْنُقاع، والمثوي، والمنثني. وكان له حربة تسمى: النبعة، وحربة كبيرة اسمها: البيضاء، وحربة صغيرة دون الرمح شبه العكاز يقال لها: العنزة. وكان له مِغْفَران، وراية سوداء مربّعة، يقال لها: العقاب، وراية بيضاء، يقال لها: الرينة، مكتوب على راياته: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكان فُسْطاطُه يسمى: الكن. وكان له قضيب يسمى: الممشوق، وقدح يسمى: الريان، وآخر

стр. 243

مُضَبَّب فيه ثلاث ضباب من فضة وحلقة، كان للسفر، وثالث من زجاج. وكان له تور من حجارة يقال له: المِخْضَب، يتوضأ فيه، وركوة تسمى: الصادرة، ورَيعة إسكندرانية من هدية المقوقس، يجعل فيها مشطًا من عاج، ومكحلة، ومِقْراضًا، وسواكًا، ومرآة. وكان له أربعة أزواج خفاف، أصابها من خيبر، ونعلان سبتيان، وخُفٌّ ساذج أسود من هدية النجاشي، وقصعة، وسرير، وقطيفة. وكان له خاتم من فضة، وخاتم من ذهب لبسه ثم طرحه، وخاتم من حديد ملوي بفضة، نقشه: محمد رسول الله. وكان يتبخر بالعود، ويطرح معه الكافور. وترك يوم مات ثوبي حبرة، وإزارًا عُمانيًا، وثوبين صحاريين، وآخر سحوليًا، وجُبَّة يمنية، وكساءً أبيض، وقلانس صغارًا لاطية ثلاثًا أو أربعًا، وإزارًا طوله خمسة أشبار، وخميصة، وملحفة مُوَرَّسة. وكان له رداء مربَّع، وفِراش من أَدَمٍ حشوُه ليفٌ، وكساء أحمر، وكساء من شعر، وكساء أسود، ومنديل يمسح به وجهه، وقدح من عيدان، يوضع تحت سريره يبول فيه من الليل، وسرير ينام عليه، قوائمه من ساج، فكان الناس بعده يحملون عليه موتاهم؛ تبركًا به. * * *

стр. 244

ذكر خيله وحميره وإبله ﷺ - أول فرس ملكه سماه: السكب، وملاوح، والمرتجز، ولِزاز هدية المقوقس، والضَّرِب هدية ابن أبي البراء، واللحيف هدية فروة بن عامر الجذامي، وسُبحة؛ من قولهم: فرس سابح: إذا كان حسنَ مَدِّ اليدين في الجري، وأفراس غيرها، وهي: الأبلق، وذو العقال، وذو اللمَّة، والمرتجل، والسرحان، واليعسوب، واليعبوب، والبحر، والأدهم، والمرواح، والطرف، والنجيب، وغير هؤلاء. وأما البغال والحمير: فكان له بغلة شهباء يقال لها: دُلْدُل هدية المقوقس، مع حمار يقال له: يعفور، وبغلة يقال لها: فضة هدية فروة، مع حمار يقال له: عفير فوهب البغلة لأبي بكر ﵁، وبغلة هدية ابن العَلْماء صاحب أيلة، وبغلة هدية صاحب دُومة الجندل، مع جبة من سندس. وأما النعم: فكانت له ناقة تدعى: القصواء، وهي التي هاجر عليها، والجدعاء، والعضباء. وأما لقاحه: فكانت له عشرون لقحة بالغابة، يأتي لبنها أهله كل ليلة، وكان له لقاح غرر، منهن: الحسناء، والسمراء، والعريس، والسعدية، والبغوم، والبشيرية، ومهرة، والشقراء. وأما منائحه: فكان له سبع من الغنم: عجوة، وزمزم، وسقيا، وبركة، وورسة، والحلال، وإطراف.

стр. 245

وسبعة أَعْنُز يرعاهن ابنُ أم أيمن (١). والله أعلم. * * * فصل فيمن استغاث به ﷺ فأغيث في القديم والحديث أول من استغاث به: آدم ﵇، قال رسول الله ﷺ : "لما اقترفَ آدمُ الخطيئةَ، قال: يا ربِّ! أسألُكَ بحقّ محمدٍ إلَّا ما غفرتَ لي. قال الله تعالى: يا آدمُ! وكيف عرفتَ محمدًا، ولم أخلقْه؟ قال: لأنك يا ربِّ لما خلقتني بيدك، ونفخْتَ فيَّ من رُوحك، رفعتُ رأسي، فرأيت على قوائمِ العرشِ مكتوبًا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعلمتُ أنك لم تُضِف إلى اسمك إلَّا أحبَّ الخلق إليك، قال: يا آدم! وإذ قد سألتني بحقه، فقد غفرتُ لك، ولولا محمدٌ، ما خلقتُك" (٢). وعن زيد بن أرقم، قال: كنت مع النبيِّ ﷺ في بعض سِكَك المدينة، فمررنا بخباء أعرابي، فإذا ظبيةٌ مشدودةٌ في الخِباء، فقالت: يا رسول الله! إن هذا الأعرابيَّ صادني، ولي خِشْفان في البرية، وقد تَعَقَّد اللبنُ في أخلافي، فلا هو يذبحني فأستريح، ولا يدعُني فأرجع إلى خِشْفَيّ في البرية، فقال لها رسول الله ﷺ : "إن تركتُك ترجعين؟ "،

стр. 246

قالت: نعم، وإلَّا عذبني الله عذاب العشار، فأطلقها رسول الله ﷺ ، فلم تلبث أن جاءت تَلَمَّظ، فشدَّها رسول الله ﷺ إلى الخباء، وأقبل الأعرابي ومعه قربة، فقال له رسول الله ﷺ : "أتبِيعُنِيْها؟ "، قال: هي لك يا رسول الله، فأطلقَها رسولُ الله ﷺ . قال زيد بن أرقم: فأنا - والله - رأيتها تسيح في البرية، وتقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله (١). * ذكر قصة الجمل المستجير بالنبي ﷺ -: عن تميم بن أوس الدارِيِّ، قال: كنا جلوسًا مع النبي ﷺ ، إذ أقبل بعير يعدو حتى وقف على هامة رسول الله ﷺ فزعًا، فقال له رسول الله ﷺ : "أيُّها البعيرُ! اسْكُنْ، فإن تَكُ صادقًا، فلكَ صدقُك، وإن تَكُ كاذبًا، فعليكَ كذبُك، مع أن الله تعالى قد آمَنَ عائذَنا، وليس بخائبٍ لائذُنا". فقلنا: يا رسول الله! ما يقول هذا البعير؟ فقال: "هذا بعير همَّ أهلُه بنحره، وأكلِ لحمه، فهرب منهم، فاستغاث بنبيكم". فبينما نحن كذلك، إذ أقبل أصحابه، فلما رآهم البعير، عاد إلى هامة رسول الله ﷺ ، فلاذ بها، فقالوا: يا رسول الله! هذا بعيرنا هرب منا منذ ثلاثة أيام، فلم نَلْقَه إلا بين يديك، فقال رسول الله ﷺ : "أَما إنه يشكو، فبِئْسَتِ الشِّكايةُ".

стр. 247

فقالوا: يا رسول الله! ما يقول؟ قال: "إنه يقول: إنه رُبِّيَ في أَمْنِكم أَحوالًا، وكنتم تحملون عليه في الصيف في موضع الكلأ، فإذا كان في الشتاء، رحلتم عليه إلى موضع الدفء، فلما كبر، استفحلتموه، فرزقكم الله إبلًا سليمة، فلما أدركَتْه هذه السنةُ الخصيبة، هممتم بنحره، وأكلِ لحمه". فقالوا: والله قد كان ذلك يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "وما هذا جزاء المملوك الصالح من مواليه". قالوا: يا رسول الله! إنا لا نبيعه، ولا ننحره. فقال رسول الله ﷺ : "كذبتُم، قد استغاثَ بكم، فلم تُغيثوه، وأنا أَوْلى بالرحمة منكم؛ لأن الله قد نزعَ الرحمةَ من قلوبِ المنافقين، وأسكَنَها في قلوب المؤمنين"، فاشتراه رسول الله ﷺ بمئة درهم، وقال: "أيها البعير! انطلق، فأنت حُرٌّ لوجه الله تعالى". فرغا على هامة رسولِ الله، فقال له رسول الله ﷺ : "آمين"، ثم رغا الثانية، فقال رسول الله ﷺ : "آمين"، ثم رغا الثالثة، فقال رسول الله ﷺ : "آمين"، ثم رغا الرابعة، فبكى رسول الله ﷺ . فقلنا: يا رسول الله! ما يقول هذا البعير؟ فقال: "قال: جزاكَ الله أيها النبي عن الإسلام والقرآن خيرًا، قلت: آمين، قال: حقن الله دمَ أمتك من أعدائها كما حقنتَ دمي، قلت: آمين، قال: سكّن الله رعبَ أمتك يومَ القيامة كما سَكَّنت رعبي، قلت: آمين، قال: لا جعلَ الله بأسَها بينها،

стр. 248

فبكيت، وقلت: هذه خصالٌ سألتُ ربي، فأعطانيها، ومنعني هذه، وأخبرني جبريل عن الله: ألا إن فناء أمتك بالسيف، جرى القلم بما هو كائن" (١). * ذكر قصة رجل فقير من القراء استغاث بالنبي ﷺ عند قبره: كان بعض المتصدِّرين في القراءة بالجامع العتيق بمصر، قد حلف بالطلاق الثلاث أنه لا يجيز أحدًا يقرأ عليه القرآن مستحقًا الإجازة إلا بعشرة دنانير، فاتفق أن قرأ عليه رجل فقير، فلما أكمل، سأله الإجازة فلم يجزه بيمينه، فتألم خاطره، فاجتمع بأصحابه، فجمعوا له خمسة دنانير، فأتى بها الشيخَ، فلم يأخذها، فخرج من عنده، فرأى المحمل يُدار به، فقال: والله! لا أنفقت هذه إلا في الحج، فاشترى ما يحتاجه، وسار حتى وصل إلى مكة، فلما قضى مناسكه، رحل إلى المدينة الشريفة، فلما وصل إلى قبر رسول الله ﷺ ، قال: السلام عليكَ يا رسول الله، ثم قرأ عشرًا جمع فيه الأئمة السبعة، وقال: هذه قراءتي على فلان عن فلان عنك عن جبريل ﵇ عن الله تعالى، وقد سألت شيخي الإجازة، فأبى، وقد استغثت بك يا رسول الله في تحصيلها.

стр. 249

ثم نام، فرأى النبيَّ ﷺ ، فقال له: سلِّمْ على شيخك، وقل له: رسولُ الله يقول لكَ: أجِزني بلا شيء، فإن لم يصدِّقْك، فقل له: بأمارة زُمرًا زُمرًا. فلما وصل الفقير إلى مصر، اجتمع بشيخه، وبلّغه الرسالة بغير أمارة، فلم يصدِّقه، فقال له: بأمارة زُمرًا زُمرًا، فصاح الشيخ، وخرّ مغشيًا عليه. فلما أفاق، سأله أصحابه عن ذلك، قال: كنت كثيرًا ما أتلو القرآن، فمررت يومًا على قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨]، فحلفت أن لا أقرأ القرآن إلا متدَبِّرًا فهمًا، فأقمتُ لا أتجاوز من القرآن إلا اليسير مدّة طويلة، حتى نسيتُه، فكفرت عن يميني، وشرعت في حفظه، فبينما أنا أتلو ذات يوم، إذ مررتُ على قوله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] الآية. فقلت: ليت شعري، من أي الأقسام أنا؟ ثم قلت: لست من الثاني، ولا من الثالث بيقين، فيعني أن أكون من القسم الأول، فنمت تلك الليلة حزينًا، فرأيت النبيَّ ﷺ ، فقال لي: بشّر قُرَّاءَ القرآن أنهم يدخلون زُمَرًا زُمَرًا. ثم أقبلَ على ذلك الفقير يقبِّل وجهَه، وقال: أُشهِدكم عليَّ: أنني قد أجزتُه، ليقرأ ويُقرِئ من شاء أين شاء.

стр. 250

وكل ذلك ببركة الاستغاثة برسول الله ﷺ (١). وقال إبراهيمُ بنُ طريف: سمعت أبي يقول: ظهرتْ لي لُمعةُ برص في كتفي، فرأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله! ألا ترى ما حلَّ بي؟ فمسح بيده على كتفي، فانتبهتُ وقد ذهب البرصُ عني. * * * ذكر أخبار الأسود العَنْسي، ومُسَيلمة الكذَّاب، وسَجاحِ، وطلحةَ * أما الأسود، فاسمه عَبْهَلَة بنُ كعب، ويقال له: ذو الخِمار، وكان يُشَعْبِذ لقومه، ويُري الجهّال الأعاجيب، وَيسبي بمنطقه قلبَ من يسمعه، وقيل له: ذو الخِمار؛ لأنه كان يقول: يأتيني ذو خمار، وهو ممن ارتدَّ وتنبأ من الكذابين، وكاتَبَه أهلُ نجران، وكان هناك من المسلمين عمرُو ابنُ حَزْم، وخالد بنُ سعيد بن العاص، فأخرجهما أهلُ نجران، وسلَّموهما إلى الأسود، ثم سار الأسود من نجران إلى صنعاء، فملَكَها، وصفا له
следующие страницы →