← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قالت: نعم، وإلَّا عذبني الله عذاب العشار، فأطلقها رسول الله ﷺ ، فلم تلبث أن جاءت تَلَمَّظ، فشدَّها رسول الله ﷺ إلى الخباء، وأقبل الأعرابي ومعه قربة، فقال له رسول الله ﷺ : "أتبِيعُنِيْها؟ "، قال: هي لك يا رسول الله، فأطلقَها رسولُ الله ﷺ . قال زيد بن أرقم: فأنا - والله - رأيتها تسيح في البرية، وتقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله (١). * ذكر قصة الجمل المستجير بالنبي ﷺ -: عن تميم بن أوس الدارِيِّ، قال: كنا جلوسًا مع النبي ﷺ ، إذ أقبل بعير يعدو حتى وقف على هامة رسول الله ﷺ فزعًا، فقال له رسول الله ﷺ : "أيُّها البعيرُ! اسْكُنْ، فإن تَكُ صادقًا، فلكَ صدقُك، وإن تَكُ كاذبًا، فعليكَ كذبُك، مع أن الله تعالى قد آمَنَ عائذَنا، وليس بخائبٍ لائذُنا". فقلنا: يا رسول الله! ما يقول هذا البعير؟ فقال: "هذا بعير همَّ أهلُه بنحره، وأكلِ لحمه، فهرب منهم، فاستغاث بنبيكم". فبينما نحن كذلك، إذ أقبل أصحابه، فلما رآهم البعير، عاد إلى هامة رسول الله ﷺ ، فلاذ بها، فقالوا: يا رسول الله! هذا بعيرنا هرب منا منذ ثلاثة أيام، فلم نَلْقَه إلا بين يديك، فقال رسول الله ﷺ : "أَما إنه يشكو، فبِئْسَتِ الشِّكايةُ".

стр. 247

فقالوا: يا رسول الله! ما يقول؟ قال: "إنه يقول: إنه رُبِّيَ في أَمْنِكم أَحوالًا، وكنتم تحملون عليه في الصيف في موضع الكلأ، فإذا كان في الشتاء، رحلتم عليه إلى موضع الدفء، فلما كبر، استفحلتموه، فرزقكم الله إبلًا سليمة، فلما أدركَتْه هذه السنةُ الخصيبة، هممتم بنحره، وأكلِ لحمه". فقالوا: والله قد كان ذلك يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "وما هذا جزاء المملوك الصالح من مواليه". قالوا: يا رسول الله! إنا لا نبيعه، ولا ننحره. فقال رسول الله ﷺ : "كذبتُم، قد استغاثَ بكم، فلم تُغيثوه، وأنا أَوْلى بالرحمة منكم؛ لأن الله قد نزعَ الرحمةَ من قلوبِ المنافقين، وأسكَنَها في قلوب المؤمنين"، فاشتراه رسول الله ﷺ بمئة درهم، وقال: "أيها البعير! انطلق، فأنت حُرٌّ لوجه الله تعالى". فرغا على هامة رسولِ الله، فقال له رسول الله ﷺ : "آمين"، ثم رغا الثانية، فقال رسول الله ﷺ : "آمين"، ثم رغا الثالثة، فقال رسول الله ﷺ : "آمين"، ثم رغا الرابعة، فبكى رسول الله ﷺ . فقلنا: يا رسول الله! ما يقول هذا البعير؟ فقال: "قال: جزاكَ الله أيها النبي عن الإسلام والقرآن خيرًا، قلت: آمين، قال: حقن الله دمَ أمتك من أعدائها كما حقنتَ دمي، قلت: آمين، قال: سكّن الله رعبَ أمتك يومَ القيامة كما سَكَّنت رعبي، قلت: آمين، قال: لا جعلَ الله بأسَها بينها،

стр. 248

فبكيت، وقلت: هذه خصالٌ سألتُ ربي، فأعطانيها، ومنعني هذه، وأخبرني جبريل عن الله: ألا إن فناء أمتك بالسيف، جرى القلم بما هو كائن" (١). * ذكر قصة رجل فقير من القراء استغاث بالنبي ﷺ عند قبره: كان بعض المتصدِّرين في القراءة بالجامع العتيق بمصر، قد حلف بالطلاق الثلاث أنه لا يجيز أحدًا يقرأ عليه القرآن مستحقًا الإجازة إلا بعشرة دنانير، فاتفق أن قرأ عليه رجل فقير، فلما أكمل، سأله الإجازة فلم يجزه بيمينه، فتألم خاطره، فاجتمع بأصحابه، فجمعوا له خمسة دنانير، فأتى بها الشيخَ، فلم يأخذها، فخرج من عنده، فرأى المحمل يُدار به، فقال: والله! لا أنفقت هذه إلا في الحج، فاشترى ما يحتاجه، وسار حتى وصل إلى مكة، فلما قضى مناسكه، رحل إلى المدينة الشريفة، فلما وصل إلى قبر رسول الله ﷺ ، قال: السلام عليكَ يا رسول الله، ثم قرأ عشرًا جمع فيه الأئمة السبعة، وقال: هذه قراءتي على فلان عن فلان عنك عن جبريل ﵇ عن الله تعالى، وقد سألت شيخي الإجازة، فأبى، وقد استغثت بك يا رسول الله في تحصيلها.

стр. 249

ثم نام، فرأى النبيَّ ﷺ ، فقال له: سلِّمْ على شيخك، وقل له: رسولُ الله يقول لكَ: أجِزني بلا شيء، فإن لم يصدِّقْك، فقل له: بأمارة زُمرًا زُمرًا. فلما وصل الفقير إلى مصر، اجتمع بشيخه، وبلّغه الرسالة بغير أمارة، فلم يصدِّقه، فقال له: بأمارة زُمرًا زُمرًا، فصاح الشيخ، وخرّ مغشيًا عليه. فلما أفاق، سأله أصحابه عن ذلك، قال: كنت كثيرًا ما أتلو القرآن، فمررت يومًا على قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨]، فحلفت أن لا أقرأ القرآن إلا متدَبِّرًا فهمًا، فأقمتُ لا أتجاوز من القرآن إلا اليسير مدّة طويلة، حتى نسيتُه، فكفرت عن يميني، وشرعت في حفظه، فبينما أنا أتلو ذات يوم، إذ مررتُ على قوله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] الآية. فقلت: ليت شعري، من أي الأقسام أنا؟ ثم قلت: لست من الثاني، ولا من الثالث بيقين، فيعني أن أكون من القسم الأول، فنمت تلك الليلة حزينًا، فرأيت النبيَّ ﷺ ، فقال لي: بشّر قُرَّاءَ القرآن أنهم يدخلون زُمَرًا زُمَرًا. ثم أقبلَ على ذلك الفقير يقبِّل وجهَه، وقال: أُشهِدكم عليَّ: أنني قد أجزتُه، ليقرأ ويُقرِئ من شاء أين شاء.

стр. 250

وكل ذلك ببركة الاستغاثة برسول الله ﷺ (١). وقال إبراهيمُ بنُ طريف: سمعت أبي يقول: ظهرتْ لي لُمعةُ برص في كتفي، فرأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله! ألا ترى ما حلَّ بي؟ فمسح بيده على كتفي، فانتبهتُ وقد ذهب البرصُ عني. * * * ذكر أخبار الأسود العَنْسي، ومُسَيلمة الكذَّاب، وسَجاحِ، وطلحةَ * أما الأسود، فاسمه عَبْهَلَة بنُ كعب، ويقال له: ذو الخِمار، وكان يُشَعْبِذ لقومه، ويُري الجهّال الأعاجيب، وَيسبي بمنطقه قلبَ من يسمعه، وقيل له: ذو الخِمار؛ لأنه كان يقول: يأتيني ذو خمار، وهو ممن ارتدَّ وتنبأ من الكذابين، وكاتَبَه أهلُ نجران، وكان هناك من المسلمين عمرُو ابنُ حَزْم، وخالد بنُ سعيد بن العاص، فأخرجهما أهلُ نجران، وسلَّموهما إلى الأسود، ثم سار الأسود من نجران إلى صنعاء، فملَكَها، وصفا له

стр. 251

ملكُ اليمن، واستفحلَ أمرهُ، وجعل يستطير استطارةَ الحريق، وكان خليفته في مذحِج عمرُو بنُ مَعْد يكرب. فلما بلغ رسولَ الله ﷺ ذلك، أرسل إلى نفر من أهل اليمن: أن يحاولوا الأسود، إما غِيلةً، أو مصادمة، وأمرهم أن يستنجدوا رجالًا سماهم لهم، وأرسل إلى أولئك النفر أن يُنجدوهم، فاجتمعوا بامرأة الأسود، وكان الأسود قد قتل أباها، فقالت: والله! إنه أبغضُ الناس إليَّ، ولكن الحرس محيطون بقصره، فانقِبوا عليه البيت، فنَقَبوا، ودخلوا إليه، وخالطوه فقتلوه، واحتزُّوا رأسه، فخار كخُوار الثور، فابتدرت الحرس الباب، فقالوا: ما هذا؟ فقالت زوجته: النبي يوحى إليه، وكان الشيطان قبل ذلك يأتي إليه، فيوسوس له، فيغطُّ، ويعمل بما قال، فلما طلع الفجر، أمروا بالمؤذن، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، وأن عبهلَة كذاب. وأرسل أصحابُ رسول الله ﷺ إليه بخبر الأسود، فسبق خبرُ السماء إليه، فأخبر الناسَ بذلك، وذلك قبل وفاته ﵊ بقليل، ووصل الكتاب بقتل الأسود في خلافة أبي بكر ﵁، فكان كما أخبر به رسول الله ﷺ ، وكان قتله قبل وفاة النبي ﷺ بيوم وليلة، وكان من أول خروج الأسود إلى قتله أربعة أشهر. * ذكر أخبار مسيلمة: وقد ذكرنا أنه قَدِمَ على رسول الله ﷺ في وفد بني حنيفة، فلما عاد الوفد، ارتدَّ، وكان فيه دهاء، فكذب لهم، وادعى النبوَّة، وتسمَّى: رحمان اليمامة، وخاف أن لا يتم له مرادُه،

стр. 252

فقال: إن محمدًا قد أشرَكَني معه، وجعل يسجَعُ لقومه، ويضاهي القرآن، فمن قوله: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صِفاقٍ وحَشَا. ومن قوله: سبح اسم ربك الأعلى، الذي يسر على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى، من بين أضلاع وحَشَا، يا ضفدعَةُ بنتَ الضفدعين، نِقِّي فجاد ما تنقين، وسجي، فحسن ما تسجين، إلا الماء تكدرين، وإلا الشاربَ تمنعين، والليلِ الأسحم، والدبِّ الأدلم، والجدع الأزلم، ما انتهكت أسيدٌ من مَحْرَم. ومنه: والليلِ الدامس، والذيب الهامس، ما قطعت أُسيد من رَطْب ولا يابس. وكان يقصد بذلك نصرة أسيد على خصومهم. ومنه: والشاة وألوانها، وأعجبها السودان وألبانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض، وإنه لعجب محض، وقد حرم المذق، ما لكم لا تمجعون. وكان يقول: والمبذرات زرعًا، والحاصدات حصدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا، لحما وسمنًا، لقد فُضِّلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر. وكان صاحب نيروجات، ويقال: إنه أولُ من أدخلَ البيضةَ في القارورة، وأول من وصل جناحَ الطير المقصوص.

стр. 253

وجاءته امرأة، فقالت: ادعُ الله لنخلِنا ولمائنا؛ فإن محمدًا دعا للقوم، فجاشت آبارهم، قال: كيف صنع؟ قالت: دعا بإناء فيه ماء، فتمضمض، ومجه فيه، فأفرغوه في تلك الآبار، فعمت، ففعل هو كذلك، فغارت تلك المياه. وقال له رجل: بارك على ولدي؛ فإن محمدًا يبارك على أولاد أصحابه، فلم يؤتَ بصبيٍّ مسح على رأسه، وحنّكه، إلا قرع ولثغ. وتوضأ في حائط، وصب ماء وضوئه فيه، فلم ينبت. وكانوا إذا سمعوا سجعه، قالوا: نشهد أنك نبي. ثم وضع عنهم الصلاة، وأحلَّ لهم الخمر والزنا، ونحو ذلك، فتبعه بنو حنيفة إلا القليل. وكتب مسيلمة إلى رسول الله ﷺ : من مسيلمةَ رسولِ الله إلى محمد رسولِ الله، أما بعد: فإن لنا نصفَ الأرض، ولقريشٍ نصف الأرض، ولكن قريشًا قوم يعتدون. وبعث الكتاب مع رجلين: عبد الله بن النوَّاحة، وحِجْر بن عُمير، فقال لهما رسول الله ﷺ : "أتشهدا أني رسولُ الله؟ "، قالا: نعم، قال: "أتشْهَدا أنَّ مسيلمةَ رسولُ الله؟ "، قالا: نعم، إنه قد أُشْرِكَ معك، قال: "لولا أنَّ الرسولَ لا يُقتل، لَضربْتُ أعناقَكُما" (١). ثم كتب إليه رسول الله ﷺ : "من محمدٍ رسولِ الله إلى مسيلمةَ

стр. 254

الكذَّاب، أَمَّا بعدُ: فإِنَّ الأرضَ للهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ من عبادِه، والعاقبةُ للمتَّقين" (١)، وقد أهلكتَ اليمامةَ - أبادَكَ اللهُ ومن ضربَ معكَ -. وقُتِل مسيلمةُ الكذابُ في أيام أبي بكر ﵁، وكان أبو بكر قد أرسل لقتاله جيشًا، وقدّم عليهم خالدَ بنَ الوليد، فقتله وَحْشِيٌّ بالحربة التي قتلَ بها حمزةَ عمَّ النبي ﷺ ، وشاركَه في قتله رجل من الأنصار. وكان مقام مسيلمةَ باليمامة. وقُتِل من المسلمين جماعة من القراء من المهاجرين والأنصار. ولما رأى أبو بكر ﵁ كثرةَ من قُتِل، أمرَ بجمع القرآن من أفواه الرجال، وجريد النخل، والجلود، وترك ذلك المكتوبَ عندَ حفصةَ بنتِ عمر زوج النبي ﷺ . ولما تولى عثمان ﵁، ورأى اختلافَ الناس في القرآن، كتب من ذلك المكتوب الذي كان عند حفصة نسخًا، وأرسلها إلى الأمصار، وأبطل ما سواها - والله أعلم -. * ذِكرُ سَجاحِ بنتِ الحارثِ بن سويدٍ التميميةِ: كانت قد تنبأت في الرِّدَّة بعد موت رسول الله ﷺ بالجزيرة في بني تغلب، فاستجاب لها هذيل، وجماعة، واتبعها بنو تميم، وأخوالها من تغلب، وغيرهم من بني ربيعة، فقصدت قتال أبي بكر ﵁، فراسلت مالك بن نُوَيرة،

стр. 255

ودعته إلى الموادعة، فأجابها، ومنعها من قصد أبي بكر، وحملَها على أحياء من بني تميم، فأجابت، وقالت: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب، فذهبوا، فكانت بينهم مقتلة، ثم ذهبت إلى اليمامة، فهابها مسيلمة، وخاف أن يتشاغل بحربها، فيغلبه ثُمامةُ بنُ أثال عاملُ رسول الله ﷺ ، فأهدى لها هدية، واستأمنها، وقال لأصحابه: اضربوا لها قبة، وخمروها بالطيب، لعلها تذكر الباه، ففعلوا، فلما أتته، قالت له: اعرضْ لي ما عندك، فقال: إني أريد أن أخلو معك حتى نتدارسَ، فلما خلت معه، قالت له: اقرأْ عليَّ ما يأتيك به جبريل، فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحَشَا، فقالت: وما أنزل عليك أيضًا؟ قال: ألم تر أن الله خلق النساء أفراجًا، وجعل الرجال لهن أزواجًا، فنولج لهن إيلاجًا، ثم نخرج ما شئنا إخراجا، فينتجن لنا إنتاجًا. قالت: صدقت، إنك نبي، فقال لها: هل لك أن أتزوجك، فيقال: نبي تزوج نبية، فقالت: نعم، فقال لها: أَلاَ قُومِي إِلَى النَّيْكِ ... فَقَدْ هُيِّي لَكِ المَضْجَعْ فَإِنْ شِئْتِ فَفِي البَيْتِ ... وَإِنْ شِئْتِ فَفِي المَخْدع فَإِنْ شِئْتِ فَمُلْقاةً ... وَإِنْ شِئْتِ عَلَى أَرْبَعْ وإنْ شِئْتِ بِثُلْثَيْهِ ... وَإِنْ شِئْتِ بِهِ أَجْمَعْ

стр. 256

فقالت: بل به أجمع، يا رسول الله؛ فإنه للشمل أجمع. فقال: بذلك أوحي إلى. فأقامت معه ثلاثًا، ثم خرجت إلى قومها، فقالت: إني قد سألته، فوجدت نبوته حقًا، وإني تزوجته، فقالوا: مثلك لا يتزوج بغير مهر، فقال مسيلمة: مهرها أني قد رفعتُ عنكم صلاة الفجر والعتمة. ولم تزل سجاح في أخوالها من تغلب، حتى نفاهم معاوية عامًا بريع فيه، فأسلمت سجاحِ، وحَسُن إسلامها، وانتقلت إلى البصرة، وماتت بها - والله أعلم -. * ذكر طليحة بن خويلد: فإنه ادعى النبوة، وتبعه جماعة، وقوي أمره. ومن كلامه: والحمام واليمام، والصرد الصوَّام، قد صمن قبلكم [بـ]ـأعوام، وليبلغن ملكنا العراق والشام. وقاتله خالد بن الوليد في الردَّة، ثم أسلم، وخرج نحو مكة معتمرًا في خلافة أبي بكر ﵁، فمر بجنبات المدينة، فقيل لأبي بكر: هذا طليحة، فقال: ما أصنع به؟ خلُّوا عنه؛ فقد أسلم، وصحَّ إسلامه، وقاتلَ في الفتوحات، فقُتل يوم نهاوند. ووقعت نهاوند مع الأعجام في سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر ﵁. * * *

стр. 257

مجلس في فضل الصلاة على رسول الله ﷺ ، وما جاء في ذلك من الثواب والتقريب ورفع الدرجات روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "إذا سمعتُم المؤذِّنَ، فقولوا مِثْلَ ما يقولُ، ثم صَلُّوا عَلَيَّ؛ فإنَّه مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةَ، صَلَّى اللهُ عليهِ بِها عَشْرًا، ثم سَلُوا ليَ الوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّها منزلَة لا تنبغي إلَّا لعبدٍ واحِدٍ، وأَرْجُو أَنْ أكُونَ أَنا هُوَ، فَمَنْ سألَ ليَ الوَسيلَةَ، حَلَّتْ لهُ الشَّفاعَةُ" (١). قال عمر بن الخطاب ﵁: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعَدُ منه شيء حتى تصلّي على نبيِّكَ ﷺ (٢). فإذا فعلتَ، انخرقَ الحجاب، ودخل الدعاء، وإن لم تفعل ذلك، رجع ذلك الدعاء (٣). وروي عنه ﵊: أنه قال: "من صلَّى عَلَيَّ صلاةً، صلَّى الله عليه عشرَ صلواتٍ، وحَطَّ عنهُ عَشْرَ خَطِيئاتٍ، ورفعَ له عَشْرَ دَرَجاتٍ" (٤).

стр. 258

وفي رواية: "وكَتَبَ له عَشْرَ حَسَناتٍ" (١). وعنه ﵊: "من قالَ: اللهمَّ صَلِّ على محمدٍ، وأنزِلْه المَنْزِلَ المُقَرَّبَ عندَكَ يومَ القيامةِ، وَجَبَتْ له شَفاعَتي" (٢). وعنه ﵊: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ في كتابٍ، لم تَزَلِ الملائكةُ تَستغفِرُ له ما دامَ اسمي في ذلكَ الكتابِ" (٣). وعنه ﷺ : "إنَّ أَنْجاكُمْ يومَ القِيامَةِ مِنْ أَهْوَالِها ومَوَاطِنِها، أكثرُكُمْ عَلَيَّ صَلاةً" (٤). صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلَّم وشرَّف وكرَّم. * * * فصل في كيفية الصلاة على النبي ﷺ - روي عنه ﷺ : أنه سُئِل: كيف نُصلِّي عليك؟

стр. 259

قال: "قولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما صلَّيت على [آل] إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهمَّ بارِكْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما بارَكْتْ على [آل] إبراهيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ" (١). وروي عنه ﵊: أنه قال: "قولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمدٍ وأَزواجِه وذُرّيتهِ كما صَلَّيْتَ على [آل] إبراهيمَ، وبارِكْ على محمدٍ وأزواجِه وذُرَّيتِهِ كما بارَكْتَ على [آل] إبراهيمَ في العالَمين إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" (٢). وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: حدثني رسول الله ﷺ ، وعدَّهُنَّ في يدي، قال: "عَدَّهُنَّ في يدي جبريلُ ﵇، وقال جبريل: هكذا أُنزلتُ بهنَّ من عندِ ربِّ العزة: اللهمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما صلَّيْتَ على إبراهيمَ وعَلَى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مجيدٌ، اللهمَّ بارِكْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما بارَكْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مجيدٌ، اللَّهُمَّ وتَرَحَّمْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما ترحَّمْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهم وتَحَنَّنْ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما تَحَنَّنْتَ على إبرهيمَ وعلى آل إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهمَّ وسَلِّمْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ

стр. 260

كما سَلَّمْتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" (١). وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: الصلاةُ على النبيِّ ﷺ أمحقُ للذنوب من الماء الباردِ للنار، والسلامُ عليه أفضلُ من عِتْقِ الرقاب (٢). قال ابنُ الفاكهاني: قلت: وإنما كان أفضلَ من عتق الرقاب - والله أعلم -؛ لأن عتق الرقاب في مقابلته العتقُ من النار، ودخولُ الجنة، والسلامُ عليه في مقابلته سلامُ الله تعالى، وسلام من الله تعالى أفضلُ من مئة ألف ألف ألف جنة، فناهيك بها من مِنَّةٍ. فنسأل الله أن يرزقنا مرافقته في الجنة، وأن يجعله وقاية لنا من كل شر وجُنَّة، آمين، إنه وليُّ ذلك، والقادُر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلَّم. * * *

стр. 261

الخلافة الراشدة

стр. 262

الخلافة الراشدة في المدة التي نص عليها، وهي ثلاثون سنة، فأوَّلُهم أبو بكر الصديق ﵁، وسُمي: خليفةَ رسول الله، ثم عمر بن الخطاب ﵁، وهو أول من سُمي: أميرَ المؤمنين، ثم عثمان بن عفان ﵁، وكان يُقال له: ذو النورين؛ لأنه تزوج ابنتي رسولِ الله ﷺ ، ثم علي بن أبي طالب ﵁، ثم ابنه الحسن ﵁، ثم من بعدهم صارت الخلافة مُلكًا، وسنذكر ذلك في ترجمة الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 263

الخلافة بعد رسول الله ﷺ خلافة أبي بكر الصديق ﵁ - (١) هو عبدُ الله بنُ أبي قُحافةَ عُثمانَ بنِ عامرِ بنِ عمرِو بنِ كعبِ بنِ سعدِ ابنِ تَيْمِ بنِ مُرّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالبٍ، القُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، يلتقي مع رسول الله ﷺ في مُرّة بن كعب، وأمُّه أمُّ الخير سلمى بنتُ صخر بن عامر ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. أسلم أبواه، واسم أبي بكر: عبدُ الله، وهو الصحيح المشهور. وقيل: اسمه عتيق، والصواب الذي عليه العلماء كافة: أنّ عتيقًا لقبٌ له لا اسم، ولُقّب عتيقًا؛ لعتقه من النار، وقيل: لحسن وجهه.

стр. 264

واجتمعت الأُمة على تسميته الصِّدِّيق؛ لأنه بادَرَ إلى تصديق رسول الله ﷺ ، ولازَمَ الصدقَ، وكانت له في الإسلام المواقف الرفيعة، منها: قضيته ليلة الإسراء، وثباته وجوابه للكفار في ذلك، وهجرته مع رسول الله ﷺ ، ثم ثباته في وفاته ﵊، وخطبته الناس، وتسكينهم، ثم قيامه في قضية البيعة بمصلحة المسلمين، ثم قيامه في قتال أهل الردة، ثم ختم ذلك بمهمٍّ من أحسن مناقبه، وأجلِّ فضائله، وهو استخلافُه على المسلمين عمرَ بنَ الخطاب ﵁، فمَهَّد به الإسلام، وأعزَّ به الدين، وأسلم على يديه خلق من الصحابة، ومناقبه غير محصورة. هو أعلمُ الناس، وأزهدُهم، وأكثرهم تواضعًا في أخلاقه ولباسه ومطعمه، وكان لبسه في خلافته الشملة والعباءة. وكان ﵁ إذا مُدح، يقول: اللهمَّ أنتَ أعلمُ بي من نفسي، وأنا أعلمُ بنفسي منهم، اللهمَّ اجعلْني خيرًا مما يظنون، واغفرْ لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون. وهو أول خليفة في الإسلام اجتمعت الأمة على صحة خلافته، وقدّمته الصحابة ﵁؛ لفضله (١).

стр. 265

* ذكر نشأته: ولد ﵁ بعد عام الفيل بثلاث سنين، ونشأ بمكة، وكان صفته: أبيضَ اللون، طويل، وقيل: آدم، نحيف الجسم، خفيف العارضين. بويع له بالخلافة في اليوم الذي قُبِض فيه رسول الله ﷺ بسَقيفة بني ساعِدَةَ في العشر الأوسط من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وامتنع جماعة من بيعته، ومالوا مع عليٍّ ﵁. ثم إن عمر ﵁ توجه إلى عليٍّ بأمر أبي بكر، فحضر إليه، وبايعه. وروت عائشة ﵂: أن عليًا لم يبايع حتى ماتت فاطمةُ بعدَ ستة أشهر لموت أبيها ﷺ ، ورضي عنها. وفي أيام أبي بكر ﵁ قُتِل مسيلمة الكذاب، وعشرة آلاف رجل من قومه، وأمر بجمع القرآن - كما تقدم ذكره في خبر مسيلمة -. ولما حضرته الوفاة، عهد لعمر بن الخطاب ﵁، ثم توفي بالمدينة الشريفة ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء، لثمانِ ليال بقيْنَ من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة، وله من العمر ثلاث وستون سنة، وكانت وفاته بالسُّم، فقيل: إن اليهودية سمّته في أرز، وقيل غير ذلك. وخلافته سنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام. وغسّلته زوجته أسماء بوصيته، وصلى عليه عمر بن الخطاب، وحُمِل على سرير رسول الله ﷺ ، وهو سرير كان من خشب ساج وهو منسوج بالليف، ودُفِن في حجرة عائشة ﵂ ليلًا، ورأسه

стр. 266

عند كتفَيْ رسول الله ﷺ ، وورثه أبوه أبو قحافةَ، ولا يُعرف خليفةٌ ورثه أبوه غيره؛ فإنّ أباه توفي بعده في خلافة عمر في سنة أربع عشرة، وعمره سبع وتسعون سنة. وكان له ﵁ من الولد: عبد الله، وعبد الرحمن، ومحمد، وخَلَّف أسماء أم عبد الله بن الزبير، وعائشة أم المؤمنين ﵂. ومناقبه ﵁ لا يمكن استقصاؤها، ولا الإحاطة بعُشْرِ مِعشارها، فهو أفضل الصحابة على الإطلاق، وخير الناس بعد رسول الله بالاتفاق. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. * * *

стр. 267

خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ - هو أبو حفص عمرُ بنُ الخطابِ بنِ نُفَيلِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ رباح بنِ عبدِالله بنِ قرطِ بنِ رزاحِ بنِ عديِّ بنِ كعبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالبٍ. وفي كعب يجتمع نسبُه مع نسب رسول الله ﷺ ، القرشَيُّ العدويُّ، أميرُ المؤمنين ﵁. وأمه خيثمة بنتُ هاشم، ويقال: هشام بن المغيرة بن عبيد الله بن عمر بن مخزوم. وسمي بالفاروق؛ لأنه فرّق بين الحق والباطل. وهو أول من سُمي بأمير المؤمنين، سماه عديُّ بن حاتم. وُلِد ﵁ بعد الفيل بثلاثَ عشرةَ سنة، أسلم بعد أربعين رجلًا، وإحدى عشرةَ امرأةً، فما هو إلا أن أسلم، فظهر الإسلام بمكة، وكان النبي ﷺ قال: "اللهمَّ أَعِزَّ الإسلامَ بِأحَبِّ الرَّجُلَيْنِ إليكَ: عمرَ بنِ الخطابِ، أو عَمْرِو بنِ هشامٍ - يعني: أبا جهل - " (١).

стр. 268

وعن حذيفة قال: لَمَّا أسلم عمر، كان الإسلامُ كالرجلِ المقبِلِ لا يزداد إلا قربًا، فلما قُتل عمر، كان الإسلامُ كالرجل المدبِرِ لا يزداد إلا بعدًا (١). وكان إسلامه ﵁ في السنة الخامسة من النبوة، وهاجر إلى المدينة حين أراد النبي ﷺ الهجرة، فتقدم قدامه. وكان شديدًا على الكفار والمنافقين، وهو الذي أشار بقتل أسارى بدر، فنزل القرآن على وفق قوله. وأمّا زهده وتواضعه: فمن المشهورات التي استوى الناس في العلم بها وكان قميصه فيه أربعة عشر رقعة، أحدها من أديم. و[أما] فضائله ﵁ - الثابتةُ عن رسول الله ﷺ في الصحيح، فأكثرُ من أن تُحصر. وروي عن رسول الله ﷺ : أنه قال لعمر بن الخطاب: "والَّذِي نَفْسِي بِيَده! ما لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا، إلَّا سلكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ" (٢). وتولى عمر ﵁ الخلافة باستخلاف أبي بكر الصديق ﵁ بعد أن شاور الصحابة، فأشاروا به، ثم دعا أبو بكر عثمانَ بنَ عفان، فقال: (اكتبْ: بِسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قُحافَة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلًا فيها، حين

стр. 269

يؤمِن الكافر، ويوقِن الفاجر، ويَصْدُق الكاذب، إني مستخلِفٌ عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فإن عَدَل، فذلك ظنّي به، وعلمي فيه، وإن بدّل، فلكلِّ امرئٍ ما اكتسب، والخيرَ أردتُ، ولا أعلمُ الغيبَ، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ مُنقلَبٍ ينقلبون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته). ثم أمره، فختم الكتاب، وخرج به إلى الناس، فبايعوا عمر جميعًا، ورضوا به. ولما أراد أبو بكر أن يقلِّد عمرَ الخلافة، قال له عمر: أَعْفِني يا خليفةَ رسول الله؛ فإني غنيٌّ عنها. قال: بل هي فقيرةٌ إليك، قال: ليس لي بها حاجة، قال: هي محتاجة إليك، فقلده الخلافة على كُره منه، ثم أوصاه بما أوصاه. فلما خرج، رفع أبو بكر يديه، ثم قال: (اللهمَّ إني لم أُرِدْ بذلك إلا صلاحَهم، وخفتُ عليهم الفتنةَ، فولَّيت عليهم خيارَهم، وقد حضرني من أمرك ما حضرني، فاخْلُفني فيهم؛ فهم عبادك، ونواصيهم في يديك، وأصلِحْ لهم وُلاتَهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدي نبي الرحمة، وأصلح له رعيته). وبويع له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبو بكر ﵁. وأول خطبة خطبها، قال: (يا أيها الناس! والله! ليس فيكم أحد أقوى من الضعيف عندي حتى آخذَ الحقَّ له، ولا أضعف عندي من

стр. 270

القوي حتى آخذَ الحقَّ منه. ثم أولُ شيءٍ أمر به: أنْ عزل خالد بن الوليد عن الإمرةِ، وولَّى أبا عبيدة بن الجراح على الجيش والشام، وأرسل بذلك إليهما، ثم سار أبو عبيدة، ونازل دمشق من جهة باب الجابية، ونزل خالد من جهة باب توما وباب شرقي، ونزل عمرو بن العاص بناحية أخرى، وحاصروها قريبًا من سبعين ليلة، وفتح خالد ما يليه بالسيف، فخرج أهل دمشق، وبذلوا الصلح لأبي عبيدة من الجانب الآخر، وفتحوا له الباب، فآمَنهم، ودخل، والتقى مع خالد في وسط البلد، وبعث أبو عبيدة بالفتح إلى عمر ﵁. وفي أيامه فتح العراق، وأمر ببناء البصرة، فاخْتُطَّت في سنة أربعَ عشرةَ، وقيل: في سنة خمس عشرة. ثم فُتِحَت حِمْص بعد حصار طويل على يد أبي عبيدة، ثم سار إلى حماة، وكانت في زمن داود وسليمان ﵉ مدينة عظيمة، وكذلك كانت في زمن اليونان، إلا أنها في زمن الفتوح وقبلَه كانت صغيرة، فخرج الروم الذين (١) بها إليه، فصالحهم على الجزية لرؤوسهم، والخراج على أرضهم، وجعل كنيستهم العظمى جامعًا، وهو الجامع بالسوق الأعلى من حماة. ثم سار أبو عبيدة إلى شَيْزَر، فصالحه أهلها على صلح أهل حماة، وكذلك أهلُ المعرَّة.

стр. 271

ثم فتح اللاذقيةَ عَنوةً، وفتح جبلة، وانطرسوس. ثم فتح بعد ذلك حلب، وأنطاكية، ومنبج، ودلوك، وسرمين، ومرعش في سوريا. ولما فُتِحت هذه البلاد، وهي سنة خمس عشرة، وقيل: ست عشرة، أيسَ هرقلُ من الشام، وسار إلى قسطنطينية من الرها، ولما سار هرقل علا على نشَز من الأرض، ثم التفتَ إلى الشام، وقال: السلامُ عليك يا سوريا، سلام لا اجتماعَ بعده، ولا يعود إليك رومي بعدها إلا خائفًا حتى يولد الولد المشؤم، وليته لم يولد، فما أَجَلَّ فِعْلَهُ، وأَمَرَّ فِتْنَتَهُ على الروم. ثم فتحت قيسارية، وصبصطية وبها قبر يحيى بن زكريا، ونابلس، ولُدّ، ويافا، وتلك البلاد جميعها. وأمّا بيت المقدس، فطال حصاره، وطلب أهله من أبي عبيدة أن يصالحهم على صلح أهل الشام؛ بشرط أن يكون عمر بن الخطاب ﵁ متوليًا أمرَ الصلح، فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك، فتقدم عمر ﵁ إلى القدس، وفتحها، واستخلف على المدينة عليَّ بن أبي طالب ﵁، وذلك في سنة خمس عشرة من الهجرة. ويوم فتح عمر ﵁ بيت المقدس، قال لكعب: أين ترى أن أبني مُصَلَّى للمسلمين أمامَ الصخرة، أو خلفَها؟ قال: خلفَها، فقال: يا بن اليهود! خالطتك يهودية، بل أبنيه أمامها؛ إِنَّ لنا صدورَ المساجد.

стр. 272

ثم وضع الدواوين وفرض العطاء للمسلمين. ثم فتح المسلمون تكريت، والموصل. وفي سنة سبع عشرة اختُطَّت الكوفة، وفي هذه السنة اعتمر عمر ابن الخطاب ﵁، وأقام بمكة عشرين ليلة، ووسَّع في المسجد الحرام، وهدم منازل قوم أَبَوا أن يبيعوها، وجعل أثمانها في بيت المال، وتزوج أمَّ كلثوم بنتَ عليِّ بن أبي طالب ﵁، وأمُّها فاطمةُ ﵂. وفتح المسلمون الأهواز. وفي سنة ثمان عشرة كان طاعون عمواس بالشام، مات فيه أبو عبيدة بن الجراح، واسمه: عامر بن عبد الله بن الجراح الفِهْري، أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة. وفي سنة تسع عشرة فُتِحَت مصر، والإسكندرية على يد عمرو بن العاص، والزبير بن العوام. وفي سنة عشرين توفي بلال مؤذن رسول الله ﷺ ، وهو مولى أبي بكر الصديق، ولم يؤذِّن بعد رسول الله ﷺ ، توفي بدمشق، ودُفِنَ عند الباب الصغير. وفي سنة إحدى وعشرين كانت وقعة نهاوند مع الأعاجم، وانتصر المسلمون، وفُتِحَت الدينَور، والضميرة، وهمدان، وأصفهان. وفي هذه السنة توفي خالد بن الوليد وقبرُه بحمص، وقيل: بالمدينة.

стр. 273

وفي سنة اثنتين وعشرين فُتِحَت أذربيجان، والري، وجرجان، وقزوين، وزنجان، وطبرستان، وطرابلس الغرب، وغير ذلك. وفيها - أعني: سنة اثنتين وعشرين - توفي أُبَيُّ بنُ كعب بن قيس، وهو من وَلد مالك بن النجار، وكان يكنى: أبا المنذر، أحدُ كتّاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وهو الذي أمر الله تعالى رسولَه ﷺ أن يقرأ القرآن على أُبَيّ بن كعب المذكور، وقال رسول الله ﷺ : "أقرأ (١) أُمَّتي أُبَيٌّ بَعْدِي" (٢). وقيل: مات سنة ثلاثين في خلافة عثمان. * كراماته: من كرامات عمر ﵁: أنه كان يخطُب يوم الجمعة بالمدينة، فقال في خطبته: (يا ساريةُ، الجبلَ الجبلَ)، فالتفت الناسُ بعضُهم لبعض، فلم يفهموا مراده، فلما صلى صلاته، قال له عليٌّ: ما هذا الذي قلتَه؟ قال: أوَسمعتَه؟ قال: نعم، أنا وكلُّ مَنْ في المسجد، قال: (وقع في خَلَدي أن المشركين هزموا إخواننا، وركبوا أكتافَهم، وأنهم يمرُّون بجبل، فإن عَدَلوا إليه، قاتلوا من وجدوا، فظفروا، وإن جاوزوه، هلكوا، فخرج مني هذا الكلام)، فجاء البشير بعد شهر، فذكر

стр. 274

أنهم سمعوا في ذلك اليوم وتلك الساعة - حين جاوزوا الجبل - صوتًا يشبه صوتَ عمر: يا سارية بن حصين! الجبلَ الجبلَ، فعدلنا إليه، ففتح الله علينا. * فضائله ﵁ -: وفضائلُه أشهرُ من أن تُذكر، وأكثر من أن تُحصر، جاهد في الله حقَّ جهاده، فجيّش الجيوش، وفتح البلاد، ومَصَّرَ الأمصار، وأعزَّ الإسلام، وأذلَّ الكفر، وهو أولُ مَنْ جمع الناسَ لصلاة التراويح، وكان متواضعًا، يشتمل بالحياء، ويحمل القِرْبة على كتفه، وأكثرُ مركوبه الإبل. ومن عماله: سعيد بن عامر بن حكيم على حمص. ومن عماله على المدائن: سلمان الفارسي، وكان ناسكًا زاهدًا. * ذكر وفاته ﵁: ذُكر أنه خرج لصلاة الصبح في جماعة، فضربه أبو لؤلؤة غلامُ المغيرة بن شعبةَ - لما وقف يصلِّي - بخنجر برأسين، فطعنه ثلاث طعنات، إحداهن تحت سُرَّته، وهي التي قتلته، وطَعَن اثني عشر رجُلًا من أهل المسجد، فمات منهم ستة، ثم نحر نفسه بخنجره، فمات - لعنه الله -. ولما طعنه أبو لؤلؤة، وقع على الأرض، ثم قال: أفي الناس عبدُ الرحمن بن عوف؟ قالوا: نعم يصلي بالناس، وقال لولده عبدِ الله: انظر مَنْ قتلني؟ فقال: يا أمير المؤمنين! قتلك أبو لؤلؤةَ غلامُ المغيرة ابن شعبة، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يد رجُل سجدَ لله سجدةً واحدة.

стр. 275

ثم بعث ابنهَ عبدَ الله إلى عائشة ﵂، وقال: قل لها: يقرأ عليك عمرُ السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين؛ فإني لست اليوم أميرًا، ويقول لك: إنه لاحِقٌ بربه، أفتأذنين له أن يُدفَن مع صاحبيه؟ فجاء عبد الله إلى عائشة، فاستأذن عليها، فأذنت له، فبلّغها رسالة أمير المؤمنين عمر ﵁، فتأوهت، وبكت، وقالت: لقد كنت أشمُّ رائحةَ رسول الله ﷺ في أبي بكر، فلما مات، كنت أشم رائحته في أمير المؤمنين عمر، مالي وللدنيا أفقِدُ فيها الأحبابَ واحدًا بعد واحد؟ ! ثم قالت له: أبلغْ أميرَ المؤمنين مني السلام، وقل له: ألا إنها كانت ادَّخرت ذلك لنفسها، ولكنها آثرتْكَ اليوم على نفسها. فلما رجع عبد الله، قال له عمر: ما وراءك يا عبد الله؟ قال: الذي تُحبّ، قد أَذِنت لك عائشة، قال: الحمدُ لله، ما كان شيء أهمَّ إليَّ من ذلك، فإذا أنا قُبِضت، فارجعْ إلى عائشة، فاستأذنها ثانيةً، فربما تكون استحيت مني وأنا حَيّ، فلا تستحيى مني وأنا ميت. وأوصاهم أن يقتصروا في كفنه، ولا يتغالوا. وتوفي يوم السبت سلخ ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودُفِن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين، وغسّله ابنُه عبد الله، وحُمِل على سريرِ رسولِ الله ﷺ ، وصُلِّي عليه في مسجده، وصلَّى بهم عليه صُهيبٌ، وكبّر عليه أربعًا، ونزل في قبره ابنه عبدُ الله، وعثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف.

стр. 276

وكانت خلافته ﵁ عشر سنين، وستة أشهر، وثمانية أيام، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين - على الصحيح المشهور -. والصحيح: أن سِنَّ رسول الله ﷺ ، وسنَّ أبي بكر، وعمر، وعلي، وعائشة ثلاث وستون سنة. وعهِدَ بالخلافة إلى النفر الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وهم: عليٌّ، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعدٌ ﵃، بعد أن عرضها على عبد الرحمن بن عوف، فأبى، وشرطَ أن يكون ابنُه عبدُ الله شريكًا في الرأي، ولا يكون له حظٌّ في الخلافة، وجعل لهم مدة ثلاثة أيام، وقال: لا يمضي اليوم الرابع إلا ولكم أمير، وإن اختلفتم، فكونوا مع الذين معهم عبد الرحمن بن عوف. وكان عمر ﵁ طُوالًا، أصلعَ، أبيضَ، يعلوه حمرة. وقيل: كان آدمَ اللون، شديدَ الأُدمة، وعليه أكثر أهل العلم (١). وكان له من الولد: عبد الله، وحفصة، أمُّهما زينبُ بنتُ مظعون، وعبيدُالله، أمُّه مُلَيْكَة بنت جَرْول الخزاعية، وعاصم، أمُّه جميلةُ بنت عاصم، وفاطمة وزيد، أمُّهما أمُّ كلثوم بنتُ علي بن أبي طالبٍ من فاطمة ﵃، وعبد الرحمن، وفاطمة، وبنات أُخَر.

стр. 277

وكان له من الموالي: أسلم، وأبو أمية جدُّ المبارَكِ بن فضالةَ بن أبي أمية، ومهجع، استشهد يوم بدر، وذكوان وهو الذي سار من مكة إلى المدينة في يوم وليلة. ولعمر ﵁ أخبار كثيرة في أسفاره مع كثير من ملوك العرب والعجم، وما كان في أيامه من الكوائن والأحداث، وفضائلُه وأحوالُه غير محصورة رضي الله تعالى عنه. * * *

стр. 278

خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ - هو أبو عَمْروٍ، ويقال: أبو عبد الله، وأبو ليلى، عثمانُ بنُ عَفَّانَ بنِ أبي العاصِ بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قصيٍّ، الأمويُّ، القرشيُّ، المكيُّ، ثم المدني، أمير المؤمنين. وأمُّه أَرْوى بنتُ كُرَيز - بضم الكاف وفتح الراء - ابنِ ربيعةَ بنِ حبيبِ ابنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها أمُّ حكيمٍ البيضاءُ بنتُ عبد المطلب عمةُ رسولِ الله ﷺ . ويقال لعثمان: ذو النُّورَيْن؛ لأنه تزوَّج بنتَي رسولِ الله ﷺ ، إحداهما بعد الأخرى، ولا يُعرَف أحد تزوج بنتي نبي غيره، تزوج رقية قبل النبوة، وتوفيت عنده في أيام غزوة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة. ثم تزوج بأختها أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ ، وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة. وقد ولد ﵁ في السنة السادسة بعد الفيل، ولما مات عمر ﵁، اجتمع أهل الشورى، وهم: علي، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف،

стр. 279

وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر. ومضى عليٌّ إلى العباس، وتكلم معه، فقال له: هذا الرهط لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم له غيرنا، وايم الله لا ننالُه إلا بِشَرٍّ لا ينفع معه خير. ثم جمع عبد الرحمن بن عوف الناسَ بعد أن أخرج نفسَه عن الخلافة، فدعا عليًّا، فقال: عليك عهدُ الله وميثاقُه لتعملَنَّ بكتاب الله، وسنة رسوله، وسيرة الخليفتين من بعده؟ فقال: أرجو أن أفعل وأعمل مبلغ علمي وطاقتي، ودعا بعثمان، وقال له مثلَ ما قال لعلي، فرفع عبدُ الرحمن رأسَه إلى سقف المسجد، ويدُه في يد عثمان، وقال: (اللهمَّ اسمعْ واشهد أنِّي جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان)، وبايعه. فقال علي: ليس هذا بأول يوم تظاهرتم علينا فيه، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وَلَّيتَ عثمانَ إلا ليردَّ الأمر إليك، والله كل يوم هو في شأن، فقال عبد الرحمن: يا عليُّ! لا تجعل على نفسك حجة وسبيلًا. فخرج عليٌّ وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. بويع له بالخلافة ﵁ لثلاثٍ مضين من المحرم سنة أربع وعشرين، ولما بويع، رقا المنبر، وقام خطيبًا، وحمد الله، وأثنى عليه، ثم نزل، وأقرَّ ولاةَ عمر سنة؛ لأنه كان أوصى بذلك، ثم عزل وولَّى، وجهز الجيوش للغزو. ولما دخلت سنة ثلاثين: فيها بَلَغَ عثمانَ ﵁ ما وقع في أمر

стр. 280

القرآن؛ من أن أهل العراق يقولون: قرآننا أصحُّ من قرآن أهل الشام؛ لأننا قرأنا على أبي موسى الأشعري، وأهلُ الشام يقولون: قرآننا أصحُّ؛ لأننا قرأنا على المقداد ابن الأسود، وكذلك غيرهم من الأمصار، فأجمع رأيه ورأي الصحابة، على أن يحمل الناس على المصحف الذي كُتِب في خلافة أبي بكر ﵁، وكان مُودَعًا عند حفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، ويحرق ما سِواه من المصاحف التي بأيدي الناس، ففعل ذلك، ونسخ من ذلك، المصحف مصاحفَ، وحُمل كلٌّ منها إلى مصر من الأمصار، وكان الذي تولى نسخَ العثمانية بأمر عثمان: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. وقال عثمان: إذا اختلفتم في كلمة، فاكتبوها بلسان قريش؛ فإنما نزل القرآن بلسانهم. وفي هذه السنة: سقط من عثمان خاتمُ النبي ﷺ ، وكان من فضة، مكتوب فيه ثلاثة أسطر: محمد، رسول، الله، وكان النبي يتختم فيه، ويختم الكتب التي كان يرسلها إلى الملوك، ثم تختَّم بعدَه أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان إلى أن سقط في بئر أريس. وفي سنة اثنتين وثلاثين: توفي عبد الله بن مسعود، وكان جليلَ القدر في الصحابة، وهو أحدُ القُرَّاء - رحمه الله تعالى -. وفي سنة أربع وثلاثين: توفي المقداد بن الأسود، وهو المقداد ابن عمرو بن ثعلبة، ونسب إلى الأسودِ بنِ عبدِ يغوثَ؛ لأنه كان قد حالفَ الأسودَ المذكور في الجاهلية، فتبناه، فعُرف بالمقداد ابن الأسود، فلما

стр. 281

نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، قيل له: المقداد بن عمرو، ولم يكن في يوم بدر من المسلمين صاحب فرس غيرُ المقداد - في قول -، وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها، وكان عمره نحو سبعين سنة. ثم لما دخلت سنة خمس وثلاثين: فيها قدم من مصر جمع، قيل: ألف، وقيل: سبع مئة، وقيل: خمس مئة، وكذلك قدم من الكوفة جَمْعٌ، وكذلك من البصرة، وكان هوى المصريين مع عليٍّ، وهوى الكوفيين مع الزبير، وهوى البصريين مع طلحةَ، فدخلوا المدينة. ولما جاءت الجمعة التي تلي دخولهم المدينة، خرج عثمان ﵁، فصلى بالناس، ثم قام على المنبر، وقال للجموع المذكورة: يا هؤلاء! الله يعلم، وأهل المدينة يعلمون: أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ . فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال: أنا أشهد بذلك، وثار القوم بأجمعهم، فحَصَبوا الناسَ حتى أخرجوهم من المسجد، وحُصِب عثمانُ حتى خرّ على المنبر مغشيًا عليه، فأُدخل دارَه، وقاتل جماعةٌ من أهل المدينة عن عثمان، منهم: سعد بن أبي وقاص، والحسن بن علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة ﵃. فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم بالانصراف، فانصرفوا، وصلى عثمان بالناس بعد ما نزلت الجموع المذكورة في المسجد ثلاثين يومًا. ثم منعوه الصلاة، فصلى بالناس أميرُهم الغافقيُّ أميرُ جمعِ مصر،

стр. 282

ولزم أهلُ المدينة بيوتهم، وعثمانُ محصورٌ في داره، ودام ذلك أربعين يومًا، وقيل: خمسين يومًا، وآخر الحال أنهم تَسَوَّروا على عثمان ﵁ من دار لزقَ داره، ونزل عليه جماعة، فقتلوه ظلمًا، فضربه رجل بعمود على جبهته، وضربه الآخر بسيفٍ على عاتقه، وضربه رجل بسيف، فاتقاها بيده، فقطعها، فقال: أما إنها أولُ كفٍّ خَطَّت في المصحف. وقُتِل ﵁ وهو صائم، والمصحف بين يديه يتلو فيه. وكان مقتله ﵁ يوم الأربعاء، لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين، وكانت مدة خلافته اثنتي عشرة سنة، إلا اثني عشر يومًا. واختلف في عمره، فقيل: خمس وسبعون، وقيل: اثنان وثمانون، وقيل: تسعون، وقيل: غير ذلك، ومكث ثلاثة أيام لم يُدفن؛ لأن المحارِبين له منعوا من ذلك، ثم أمر عليٌّ بدفنه، ودُفِن ليلًا بالبقيع، وأُخفي قبره ذلك الوقت، ثم ظهر. وأما شمائله: فإنه كان في نهاية الجُود والكرم والسخاء، وهو الذي جهّز جيش العُسرة بجملةٍ من ماله. وروي: أنه دخل على رسول الله ﷺ ، فجعل رسول الله ﷺ ثوبَه عليه، وقال رسول الله ﷺ : "كيف لا أَسْتَحْي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي منهُ ملائِكةُ السَّماء" (١).

стр. 283

وانفتح بقتل عثمان بابُ الشرِّ والفتن. وحجَّ بالناس في خلافته عشر سنين متوالية، ويوم قُتِل كان له عند خازنه من المال مئة ألف وخمسون ألف دينار، وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه مئه ألف دينار، وخلَّف خيلًا وإبلًا كثيرة. وفي أيامه اقتنى جماعة من الصحابة الضياع والدور. وفي زمنه كانت غزاة الإسكندرية، ثم سابور، ثم إفريقية، ثم قبرص، وإصطخر الأخيرة، وفارس الأولى والأخيرة، ثم طبرستان، وسجستان، ثم الأساورة في البحر، ثم مرو. وكان عثمان ﵁ حسنَ الوجه، رقيقَ البشرة، أسمر اللون، كثير الشعر، بين الطويل والقصير، وبشَّره رسول الله ﷺ بالجنة على بَلْوى تصيبه، وهو أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحدُ الستة أصحابِ الشورى، الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأعتق عشرين مملوكًا وهو محصور. وكان له من الأولاد: عبد الله - الاكبر - أمُّه فاختةُ بنتُ غزوان، وعبد الله - الأصغر - أمّه رقيةُ بنتُ رسول الله ﷺ ، وعمر، وأبان، وخالد، وسعد، والوليد، والمغيرة، وعبد الملك، وأم سعيد، وأم أبان، وأم عمرو، وأم عائشة. ومَلَكَ أموالًا جَزِيلة انتُهبت يومَ الدار.

стр. 284

وكان قاضيه زيد بن ثابت، وحاجبه موران مولاهُ، وكاتبه مروان بن الحكم بن العاص ابنُ عمه ﵁. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. * * *

стр. 285

خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ - هو عليُّ بنُ أبي طالبِ بنِ عبد المطلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ منافٍ، واسمُ أبي طالب: عبد مناف، القرشيُّ الهاشميُّ، المكيُّ المدنيُّ الكوفيُّ، أميرُ المؤمنين، وابنُ عمِّ سيدِ المرسلين، وأمُّه فاطمةُ بنتُ أسدِ بن هاشمِ ابنِ عبدِ منافٍ، الهاشميةُ، وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا، أسلمت، وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ ، وصلَّى عليها، ونزل في قبرها. وكنيته ﵁: أبو الحسن، وكنّاه رسول الله ﷺ : أبا تراب (١)، وكانت أحبَّ إليه مِنْ كل مما يُنادى به. وأسلم ﵁ وهو ابن عشر سنين، وقيل: ابن ثمان سنين، وله في جميع المشاهد آثار مشهورة، وأحوال مذكورة، وأخباره في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة. وأما عِلْمه، فكان من العلوم بالمحل العالي. وأما الأحاديث الواردة في الصحيح في فضله، فغير محصورة.
следующие страницы →