نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، قيل له: المقداد بن عمرو، ولم يكن في يوم بدر من المسلمين صاحب فرس غيرُ المقداد - في قول -، وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها، وكان عمره نحو سبعين سنة.
ثم لما دخلت سنة خمس وثلاثين: فيها قدم من مصر جمع، قيل: ألف، وقيل: سبع مئة، وقيل: خمس مئة، وكذلك قدم من الكوفة جَمْعٌ، وكذلك من البصرة، وكان هوى المصريين مع عليٍّ، وهوى الكوفيين مع الزبير، وهوى البصريين مع طلحةَ، فدخلوا المدينة.
ولما جاءت الجمعة التي تلي دخولهم المدينة، خرج عثمان ﵁، فصلى بالناس، ثم قام على المنبر، وقال للجموع المذكورة: يا هؤلاء! الله يعلم، وأهل المدينة يعلمون: أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ .
فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال: أنا أشهد بذلك، وثار القوم بأجمعهم، فحَصَبوا الناسَ حتى أخرجوهم من المسجد، وحُصِب عثمانُ حتى خرّ على المنبر مغشيًا عليه، فأُدخل دارَه، وقاتل جماعةٌ من أهل المدينة عن عثمان، منهم: سعد بن أبي وقاص، والحسن بن علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة ﵃.
فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم بالانصراف، فانصرفوا، وصلى عثمان بالناس بعد ما نزلت الجموع المذكورة في المسجد ثلاثين يومًا.
ثم منعوه الصلاة، فصلى بالناس أميرُهم الغافقيُّ أميرُ جمعِ مصر،
стр. 282
ولزم أهلُ المدينة بيوتهم، وعثمانُ محصورٌ في داره، ودام ذلك أربعين يومًا، وقيل: خمسين يومًا، وآخر الحال أنهم تَسَوَّروا على عثمان ﵁ من دار لزقَ داره، ونزل عليه جماعة، فقتلوه ظلمًا، فضربه رجل بعمود على جبهته، وضربه الآخر بسيفٍ على عاتقه، وضربه رجل بسيف، فاتقاها بيده، فقطعها، فقال: أما إنها أولُ كفٍّ خَطَّت في المصحف.
وقُتِل ﵁ وهو صائم، والمصحف بين يديه يتلو فيه.
وكان مقتله ﵁ يوم الأربعاء، لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين، وكانت مدة خلافته اثنتي عشرة سنة، إلا اثني عشر يومًا.
واختلف في عمره، فقيل: خمس وسبعون، وقيل: اثنان وثمانون، وقيل: تسعون، وقيل: غير ذلك، ومكث ثلاثة أيام لم يُدفن؛ لأن المحارِبين له منعوا من ذلك، ثم أمر عليٌّ بدفنه، ودُفِن ليلًا بالبقيع، وأُخفي قبره ذلك الوقت، ثم ظهر.
وأما شمائله: فإنه كان في نهاية الجُود والكرم والسخاء، وهو الذي جهّز جيش العُسرة بجملةٍ من ماله.
وروي: أنه دخل على رسول الله ﷺ ، فجعل رسول الله ﷺ ثوبَه عليه، وقال رسول الله ﷺ : "كيف لا أَسْتَحْي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي منهُ ملائِكةُ السَّماء" (١).
стр. 283
وانفتح بقتل عثمان بابُ الشرِّ والفتن.
وحجَّ بالناس في خلافته عشر سنين متوالية، ويوم قُتِل كان له عند خازنه من المال مئة ألف وخمسون ألف دينار، وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه مئه ألف دينار، وخلَّف خيلًا وإبلًا كثيرة.
وفي أيامه اقتنى جماعة من الصحابة الضياع والدور.
وفي زمنه كانت غزاة الإسكندرية، ثم سابور، ثم إفريقية، ثم قبرص، وإصطخر الأخيرة، وفارس الأولى والأخيرة، ثم طبرستان، وسجستان، ثم الأساورة في البحر، ثم مرو.
وكان عثمان ﵁ حسنَ الوجه، رقيقَ البشرة، أسمر اللون، كثير الشعر، بين الطويل والقصير، وبشَّره رسول الله ﷺ بالجنة على بَلْوى تصيبه، وهو أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحدُ الستة أصحابِ الشورى، الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأعتق عشرين مملوكًا وهو محصور.
وكان له من الأولاد: عبد الله - الاكبر - أمُّه فاختةُ بنتُ غزوان، وعبد الله - الأصغر - أمّه رقيةُ بنتُ رسول الله ﷺ ، وعمر، وأبان، وخالد، وسعد، والوليد، والمغيرة، وعبد الملك، وأم سعيد، وأم أبان، وأم عمرو، وأم عائشة.
ومَلَكَ أموالًا جَزِيلة انتُهبت يومَ الدار.
стр. 284
وكان قاضيه زيد بن ثابت، وحاجبه موران مولاهُ، وكاتبه مروان بن الحكم بن العاص ابنُ عمه ﵁.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 285
خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ -
هو عليُّ بنُ أبي طالبِ بنِ عبد المطلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ منافٍ، واسمُ أبي طالب: عبد مناف، القرشيُّ الهاشميُّ، المكيُّ المدنيُّ الكوفيُّ، أميرُ المؤمنين، وابنُ عمِّ سيدِ المرسلين، وأمُّه فاطمةُ بنتُ أسدِ بن هاشمِ ابنِ عبدِ منافٍ، الهاشميةُ، وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا، أسلمت، وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ ، وصلَّى عليها، ونزل في قبرها.
وكنيته ﵁: أبو الحسن، وكنّاه رسول الله ﷺ : أبا تراب (١)، وكانت أحبَّ إليه مِنْ كل مما يُنادى به.
وأسلم ﵁ وهو ابن عشر سنين، وقيل: ابن ثمان سنين، وله في جميع المشاهد آثار مشهورة، وأحوال مذكورة، وأخباره في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة.
وأما عِلْمه، فكان من العلوم بالمحل العالي.
وأما الأحاديث الواردة في الصحيح في فضله، فغير محصورة.
стр. 286
وأما زهدُه: فهو من الأمور المشهورة، التي يشترك في معرفتها الخاص والعام.
ومناقبه ﵁ أكثر من أن تحصى.
بويم بالخلافة في مسجد رسول الله ﷺ بعد قتل عثمان، يوم الجمعة، لخمس بقين من ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين، جاءت الصحابة وغيرهم إلى دار علي، فقالوا: نبايعك، فأنت أحق بها، فقال: أكون وزيرًا خيرٌ من أن أكون أميرًا، فأبوا عليه، فأتى المسجد، فبايعوه، وقيل: بايعوه في بيته.
وأول من بايعه: طلحةُ بن عبد الله، وكانت يد طلحةَ مشلولةً من نوبة أحد، فقال حبيب بن ذؤيب: إنا لله، أولُ من بدأ بالبيعة يدٌ شلَّاء، لا يتمُّ هذا الأمر، وبايعه الزبير والباقون.
وامتنع من البيعة جماعة، وسُمُّوا: المعتزلة؛ لاعتزالهم بيعة علي.
ثم بعد مبايعة علي بأريعة أشهر هرب طلحة والزبير، إلى مكة، وقالا: إنما بايعنا خشيةً على نفوسنا.
* ذكر مسير عائشة ﵂ وطلحة والزبيرِ إلى البصرة: لما ولي عليُّ بن أبي طالب الخلافة، فارقه طلحة، والزبير، ولحقا بمكة - كما قدمنا -، واتفقا مع عائشة ﵃، وكانت قد مضت إلى الحج، وعثمانُ محصور، ولما بلغ عائشةَ قتلُ عثمان، اعتظمت ذلك، ودعت إلى الطلب بدمه، وساعدها على ذلك طلحةُ، والزبير، وعبدُ الله بن عامر،
стр. 287
وجماعة من بني أمية، وجمعوا جمعًا عظيمًا، واتفق رأيهم على المضي إلى البصرة للاستيلاء عليها، وقالوا: معاوية بالشام قد كفانا أمرها، وكان عبد الله بن عمر قد قدم من المدينة، فدعوه إلى المسير معهم، فامتنع، وساروا، وأعطى يَعْلَى بن مُنْية عائشةَ الجملَ المسمى بـ: عسكر، اشتراه بمئة دينار، فركبته، فضربوا في طريقهم مكانا يقال له: الحَوْأَب، فنبَحَهُم كلابُه، فقالت عائشة: أيُّ ماء هذا؟ فقيل: هذا ماء الحوأب، فصرخت عائشة بأعلى صوتها، وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول، وعنده نساؤه: "لَيْتَ شِعْرِي أيَّتُكُنَّ تَنْبَحُهَا كِلاَبُ الحَوْأَبِ؟ "، ثم ضربت عضدَ بعيرها، وقالت: ردوني، أنا - والله - صاحبة ماء الحوأب، فأناخوها يومًا وليلة، وقال لها عبد الله بن الزبير: إنه كذب - يعني: ليس هذا ماء الحوأب -، ولم يزل بها، وهي تمتنع، فقال لها: النجاء النجاء، فقد أدرككم علي بن أبي طالب، فارتحلوا نحو البصرة، واستولوا عليها بعد قتال مع عثمان بن حُنيف، وقُتِل من أصحابه أربعون رجُلًا، وأُمْسِكَ عثمان، فنُتِفَت لحيته وحواجبه، وسُجِن، ثم أُطلِق (١).
* ذكر مسير علي ﵁ إلى البصرة:
ولما بلغ عليًا مسيرُ عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة، سار نحوهم في أربعة آلاف من أهل المدينة، منهم أربع مئة ممن بايع تحت الشجرة، وثمان مئة من الأنصار، وكان مسيرُه في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين،
стр. 288
ولما وصل إلى ذي قار، أتاه عثمان بن حُنيف، وقال: يا أمير المؤمنين! بعثتَني ذا لحية، وجئتك أمردَ، فقال: أصبتَ أجرًا وخيرًا.
* وقعة الجمل:
واجتمع إلى (١) عليٍّ من أهل الكوفة جمعٌ، واجتمع إلى عائشة وطلحة والزبير جمعٌ، وسار بعضهم إلى بعض، بمكان يقال له: الخريبة، في النصف من جمادى الآخرة، ووقع القتال، وعائشة راكبةٌ الجمل المسمى: عسكر، في هودج، وقد صار مثل القنفذ من النشاب، وتمت الهزيمة على أصحاب عائشة وطلحة والزبير.
ورمى مروانُ بن الحكم طلحةَ بسهم، فقتله، وكلاهما كانا مع عائشة.
وقيل: إنه طلب بذلك أخذ ثأر عثمان منه؛ لأنه نسبه إلى أنه أعان على قتل عثمان.
وانهزم الزبير طالبًا المدينة، وقطعت على خطام الجمل أيدٍ كثيرة، وقتل - أيضًا - من الفريقين خلق كثير، ولما كثر القتل على خطام الجمل، قال علي: اعقروا الجمل، فضربه رجل، فسقط، فبقيت عائشة في هودجها إلى الليل، فأدخلها محمد بن أبي بكر أخوها إلى البصرة، أنزلها في دار عبد الله بن خلف.
وطاف عليٌّ على القتلى من أصحاب الجمل، وصلَّى عليهم،
стр. 289
ودفنهم، ولما رأى طلحةَ قتيلًا، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد كنتُ أكره أن أرى قريشًا صرعى.
ثم قُتل الزبير، وأتى قاتلُه برأسه إلى علي، فقال علي: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "بَشِّرُوا قاتِلَ الزُّبيرِ بِالنَّارِ" (١).
ثم أمر علي عائشةَ بالرجوع إلى المدينة، وأن تقرَّ في بيتها، فسارت في مستهل رجب، وشيَّعها الناس، وجهَّزها عليٌّ بما احتاجت إليه، وسَيَّر معها أولادَه مسيرة يوم، وتوجَّهت إلى مكة، وأقامت للحج تلك السنة، ثم رجحت إلى المدينة.
وقيل: كانت عدة القتلى يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف.
وسار علي إلى الكوفة، ونزلها، وانتظم له الأمرُ بالعراق، ومصر، واليمن، والحرمين، وخراسان، ولم يبق خارجًا عنه إلا الشام، وفيه معاوية، وأهلُ الشام مطيعون له، فأرسل إليهم جرير بن عبد الله البجلي؛ ليأخذ البيعة على معاوية، ويطلب منه الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار، وسار جرير إلى معاوية، فماطله، وكان عمرو بن العاص بفلسطين، فقدم عمرو على معاوية، واتفقا على قتال علي.
стр. 290
* وقعة صِفِّين:
ولما قدم عمرو على معاوية، واتفقا على حرب عليٍّ - كما ذكرناه -، قدم جريرُ بن عبد الله البجليُّ على عليٍّ، فأعلمه بذلك، فسار علي من الكوفة إلى جهة معاوية، وسار عمرو ومعاوية من دمشق بأهل الشام إلى جهة علي، وتأنى معاويةُ في مسيره، حتى اجتمعت الجموع بصفِّين، وخرجت سنة ست وثلاثين، والأمرُ على ذلك.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين: والجيشان بصفين، ومضى المحرَّم، ولم يكن بينهم قتال، بل مراسلات يطول ذكرُها، ولم ينتظم بها أمر، ولما دخل صفر، وقع بينهما القتال فيه، وكانت بينهم وقعات كثيرة، قيل: كانت تسعين وقعة، وكان مدة مقامهم بصفين مئةً وعشرة أيام.
وكان عدد القتلى بصفين من أهل الشام خمسة وأربعين ألفًا، ومن أهل العراق خمسة وعشرين ألفًا، منهم ستة وعشرون رجلًا من أهل بدر، وكان علي قد تقدم إلى أصحابه، أن لا تقاتلوهم حتى يبدؤوا هم بالقتال، وأن لا تقتلوا مُدْبِرًا، ولا تأخذوا شيئًا من أموالهم، وأن لا تكشفوا عورة.
وقاتل عمار بن ياسر ﵁ مع علي قتالًا عظيمًا، وكان قد نيف عمره على تسعين سنة، ولم يزل يقاتل حتى استُشهد ﵁، وفي الصحيح المتفق عليه: أن رسول الله ﷺ قال: "تقتلُ عَمَّارًا الفِئة الباغِيَةُ" (١).
وبعد قتل عمار ﵁ انتدب عليٌّ اثني عشر ألفًا، وحمل بهم على
стр. 291
عسكر معاوية، فلم يبق لأهل الشام صفٌّ إلا انتقض، ثم تقاتلوا، وكانت ليلة الجمعة، واستمر القتال إلى الصبح، وروي أن عليًّا كَبَّر تلك الليلة أربعَ مئة تكبيرة، وكانت عادته أنه كلما قتل قتيلًا، كبّر، ودام القتال إلى ضحى يوم الجمعة.
ولما رأى عمرو ذلك، قال لمعاوية: هَلُمَّ نرفع المصاحفَ على الرماح، ونقول: هذا كتاب الله بيننا وبينكم، ففعلوا ذلك، ولما رأى أهل العراق ذلك، قصدوا الإجابة، فقال علي: امضوا على حقكم وصدقكم في قتال عدوكم، ثم قال: ويحكم! والله! ما رفعوها إلا خديعة ومكيدة، ثم وقع بين علي وقومه اختلاف في القول.
ولما كَفُّوا عن القتال، سألوا معاوية: لأيِّ شيء رفعت المصاحف؟ فقال: تبعثوا حكمًا منكم، وحكمًا منَّا، ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله، ثم نتبع ما اتفقا عليه، فوقعت الإجابة من الفريقين إلى ذلك.
ووقع اختلاف في القول فيمن يكون حكمًا، فاستقر الحال على أن يكون أبو موسى الأشعري من جهة علي، وأخرج معاويةُ عمرَو بنَ العاص ابنِ وائل، واجتمع الحكمان عند عليّ.
وكتبوا بحضوره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما تقاضى أمير المؤمنين علي، فقال عمرو: هو أميرُكم، وأما أميرُنا، فلا، فقال الأحنف: لا تمسح اسمَ أمير المؤمنين، فقال الأشعث بن قيس: امحُ هذا الاسم، فأجاب عليٌّ، ومحاه، وقال علي: الله أكبر مشبه بنبيه، وإني - والله - لكاتبُ رسولِ الله يوم الحديبية، فكتب: محمد رسول الله، فقالوا: لستَ
стр. 292
برسول الله، ولكن اكتبِ اسمكَ واسم أبيك، فأمرني رسول الله ﷺ بمحوه، فقلت: لا أستطيع، فقال: "فأرني"، فأريته، فمحاه بيده، فقال لي: "إِنَّكَ ستُدْعَى إلى مثِلها، فتُجيب" (١)، فقال عمرو: سبحان الله! أشبَهَنا بالكفار ونحن مؤمنون.
وكتب الكتاب، فمنه: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضَى عليٌّ على أهل الكوفة ومَنْ معهم، وقاضَى معاويةُ على أهل الشام ومَنْ معهم: أننا ننزل عند حكم الله وكتابه، ونحيي ما أحيا، ونميت ما أمات، فما وجد الحَكَمان في كتاب الله، وهما أبو موسى الأشعري عبدُ الله بن قيس، وعمرو بن العاص، عَمِلا به، وما لم يجدا في كتاب الله، فبالسنَّة العادلة، وأخَذَ الحَكَمان من علي ومعاوية، ومن الجُنْدَين المواثيقَ: أنهما أمينان (٢) على أنفسهما وأهلهما والأمة، فهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وأجَّلا القضاء إلى رمضان من هذه السنة، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك، أخراه، وكتب في يوم الأربعاء، لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين، على أن يوافي علي ومعاوية، موضعَ الحكمين بِدُومة الجندل في رمضان، فإن لم يجتمعا لذلك، اجتمعا في العام المقبل بأَذْرُح (٣).
стр. 293
ثم سار علي إلى العراق، وقدم إلى الكوفة، ولم يدخل الخوارج معه، واعتزلوا عنه.
ثم في هذه السنة بعث عليٌّ للميعاد أربع مئة رجل، فيهم أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس؛ ليصلي بالناس، ولم يحضر علي.
وبعث معاوية عمرَو بن العاص في أربع مئة رجل، ثم جاء معاوية، واجتمعوا بِأَذْرُح، وشهد معهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة.
والتقى الحَكَمان، فدعا عمرٌو أبا موسى الأشعري أن يجعل الأمر إلى معاوية، فأبى، وقال: لم أكن لأُوَلِّيه، وأَدعَ المهاجرين الأولين.
ودعا أبو موسى عَمْرًا إلى أن يجعل الأمر إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، فأبى عمرو، ثم قال عمرو: ما ترى أنت؟ فقال: أرى أن نخلع عليًا ومعاوية، ونجعل الأمرَ شورى بين المسلمين، فأظهر له عمرٌو أن هذا هو الرأي، ووافقه عليه، ثم أقبلا إلى الناس، وقد اجتمعوا، فقال أبو موسى: إنَّ رأْيَنا قد اتفق على أمر، نرجو به صلاح هذه الأمة، فقال عمرو: صَدَق، تقدَّمْ فتكلم يا أبا موسى.
فلما تقدم، لحقه عبد الله بن عباس، وقال له: ويحك! والله! إني أظن أنه خدعك، إن كنتما قد اتفقتما على أمر، فقدِّمْه قبلَك، فأنا لا آمَنُ أن يخالفك، فقال أبو موسى: إنا قد اتفقنا، فحمِدَ الله، وأثنى عليه، وقال: يا أيها الناس! إنا لم نرَ أصلحَ لأمر هذه الأمة من أمرٍ قد اجتمع عليه رأيي ورأي عمرٍو، وهو أن نخلع عليًا ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة
стр. 294
الأمرَ، فيولوا منهم من أحبوا، وإني قد خلعتُ عليًا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم، وولُّوا عليكم مَنْ رأيتموه لهذا الأمر أهلًا، ثم تنحى.
وأقبل عمرٌو، فقام مقامه، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن هذا قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبه، وأنا أخلعُ صاحبه كما خلعه، وأُثبتُ صاحبي، فإنه وليُّ عثمانَ، والطالبُ بدَمِه، وأحقُّ الناس بمقامه.
فقال له أبو موسى: ما لَكَ لا وَفَّقك اللهُ غدرتَ وفجرت؟ !
وركب أبو موسى، ولحق بمكةَ حياءً من الناس، وانصرف عمرو وأهلُ الشام إلى معاوية، فسلَّموا عليه بالخلافة، ومن ذلك الوقت أخذ أمرُ عليٍّ في الضعف، وأمرُ معاوية في القوة.
ولما اعتزلت الخوارجُ عليًا، دعاهم إلى الحق، فامتنعوا، وقتلوا كلَّ من أرسله إليهم، وكانوا أربعة آلاف، ووعظهم، ونهاهم عن القتال، فتفرقت منهم جماعة، وبقي مع عبد الله بن وهب جماعة على ضلالتهم، وقاتلوا، فقُتلوا عن آخرهم، ولم يُقتل من أصحاب علي سوى سبعة أنفس، أَوَّلُهم: يزيد بن نُويرة، وهو ممن شهد مع رسول الله ﷺ غزوة أحد.
ولما رجع علي إلى الكوفة، حض الناس على المسير إلى قتال معاوية، فتقاعدوا، وقالوا: نستريح، ونصلح عدتنا، فاحتاج علي لذلك أن يدخل الكوفة.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين: فيها جهز معاويةُ عمرَو بن العاص
стр. 295
بعسكر إلى مصرَ لقتال محمد بن أبي بكر الصديق، فقاتله، فهزمهم عمرو، وقُتِل محمدُ بن أبي بكر، وأُحرِق بالنار، ودخل عمرٌو إلى مصرَ، وبايع أهلَها لمعاويةَ، ولما بلغ عائشةَ قتلُ أخيها، جزعت عليه، وبقيت في دبر كل صلاة تدعو على معاويةَ وعمرِو بن العاص، وضمَّت عيالَ أخيها إليها، ولما بُلِّغ علي مَقْتَلَهُ، جزع عليه، وقال: عند الله نحتسبه.
ثم بعث معاوية سراياه بالغارات على أعمال علي، فتنهب الأموال، وترجع بها إليه، وتهزم الناس، وتتابعت الغارات على بلاد عليّ ﵁، وهو مع ذلك يخطب الناس الخطبَ البليغة، ويجتهد على الخروج إلى قتال معاوية، فيتقاعد عنه عسكره.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين والأمر كذلك.
ثم دخلت سنة أربعين: وعليٌّ بالعراق، ومعاويةُ بالشام، وله معها مصرُ، وكان عليٌ يقنُت في الصلاة، ويدعو على معاوية، وعلى عمرو ابن العاص، وعلى الضحاك، وعلى الوليد بن عقبة، وعلى الأعور السلمي.
ومعاوية يقنت في الصلاة، ويدعو على علي، وعلى الحسن، وعلى الحسين، وعلى عبد الله بن جعفر.
وفي هذه السنة: سَيَّر معاويةُ بُسْرَ (١) بنَ أَرطاة في عسكر إلى الحجاز، فأتى المدينةَ، وبها أبو أيوبٍ الأنصاريُّ عاملًا لعلي، فهرب،
стр. 296
ولَحِقَ بعليٍّ، ودخل بُسْرٌ (١) المدينةَ، وسَفَكَ فيها الدماءَ، واستَكْرَهَ الناسَ على البيعة لمعاوية.
ثم سار إلى اليمن، فقَتَل أُلُوفًا من الناس، فهرب منه عُبَيد (٢) الله بن عباس عاملُ عليٍّ باليمن، فوجد لعُبيد الله ابنين صبيين، فذبحهما، وأتى في ذلك بعظيمة.
وقد وقع في هاتين الواقعتين - وهما: وقعة الجمل، ووقعة صفين - مشاجرات بين الصحابة، وأشياء لم نذكرها؛ مَسْكًا عن الخوض في ذلك؛ فإن المَسْك عن ذكر ذلك أولى.
وسئل عمر بن عبد العزيز ﵁ عن وقعة الجمل وصفين، وما كان فيهما، فقال: تلك دماء كَفَّ الله يديَّ عنها، وأنا أكره أن أغمسَ لساني فيها.
ولِعليٍّ في قتال الخوارج عجائبُ مشهورةٌ.
وفي سنة أربعين من الهجرة: اجتمع بمكة جماعة من الخوارج، فتذاكروا ما الناس فيه من الحرب والفتنة، فتعاهد ثلاثةٌ منهم على قتل: معاوية، وعلي بن أبي طالب، وعمرو بن العاص، واتفقوا على أن لا يرجع منهم أحد، إلى أن يقتل صاحبه، أو يُقتل، وهم: عبد الرحمن ابن ملجم المرادي - لعنه الله -، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن
стр. 297
بكير التميمي، فقال ابن ملجم: أنا أقتل عليًا، وقال البرك: أنا لمعاوية، وقال عمرو: أنا لعمرو.
وتواعدوا أن يكون ذلك ليلة سبع عشرة من رمضان، وقيل: إحدى وعشرين، فخرج ابن مُلْجم، فلما وصل الكوفة، أتى قَطام ابنةَ عمِّه، وكان علي ﵁ قتل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت أجمل أهل زمانها، فخطبها عبد الرحمن بن ملجم، فقالت: لا أتزوجك حتى تعطيني ما أسألك، قال: لا تسأليني شيئًا إلا أعطيتك، قالت: ثلاثةُ آلاف، وعبدٌ، وقينةٌ، وقتلُ علي بن أبي طالب، فقال: ما سألتِ لك مهرًا، إلا قتل علي، فلا تذكريه، فقالت: بلى، التمس غِرَّته، فإن أصبتَه، شفيت نفسي، ونفعك العيش معي، وإن هلكت، فما عند الله خيرٌ لك من الدنيا، فقال: قد أعطيتُك ما سألت، وخرج.
[وقال ابن جرير]:
فَلاَ مَهْرَ أَغْلَى مِنْ عَلِيٍّ وَإِنْ عَلاَ ... وَلاَ فَتْكَ دُونَ فَتْكِ ابْنِ مُلْجِمِ
ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وضرب علي بالحسام المخدم
ثم أخذ سيفًا مسمومًا، وجلس قبالة الباب الذي يخرج منه علي إلى المسجد، فلما خرج علي ﵁ لصلاة الصبح، فشد عليه ابن ملجم - لعنه الله -، وضربه على قَرْنه بالسيف، فأوصله دماغه.
стр. 298
فقال علي ﵁ لما ضرب: لا يفوتنّكم الرجل، فشدَّ الناس على ابن ملجم، ورموه بالحجر، فضرب ساقه رجل من همدان، وضرب المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وجهه، فصرعه، وأقبل به إلى الحسن.
ثم دعا عليٌّ ﵁ الحسن والحسين، فأوصاهما بتقوى الله، وقول الحق.
فقال رجل من القوم: ألا تعهد يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكن أتركهم كما تركهم رسولُ الله ﷺ .
وبقي ﵁ الجمعة والسبت، ومات ليلة الأحد تاسع عشر رمضان، سنة أربعين، وكُفن في ثلاثة أثواب.
واختلف في موضع قبره، فقيل: دفن مما يلي قبلة المسجد بالكوفة، وقيل: عند قصر الإمارة، وقيل: حوّله ابنه الحسن إلى المدينة، ودفنه بالبقيع عند قبر زوجته فاطمة ﵂.
والأصح، وهو الذي ارتضاه ابن الأثير وغيره: أن قبره هو المشهور بالنجف، وهو الذي يزار اليوم، وعمره ثلاث وستون سنة، ومدة خلافته أربع سنين، وتسعة أشهر.
ثم إن الحسن ﵁ صلى الفجر، وصعد المنبر، فأراد الكلام، فخنقته العَبْرة، ثم نطق، فحمد الله تعالى، واحتسب عند الله مصابه، ووعظ، ثم أطرق الحسن، فبكى الناس بكاء شديدًا، ثم نزل الحسن، فجرد سيفه، ودعا بابن ملجم، ثم قام إليه فضربه بالسيف، فاتقاه ابن
стр. 299
ملجم بيده، ثم أسرع فيه السيف، فقتله.
وقيل: لما أراد الحسنُ قتلَ ابن ملجم، قال عبد الله بن جعفر: دعوني حتى أَشفي نفسي منه، فقطع يديه ورجليه، وأحمى مسمارًا حتى صار كالجمرة، ثم أكحله به، ثم إن الناس أخذوه، فدرجوه في بواري، ثم طلوها بالنفط، وأشعلوها بالنار.
هذا ما كان من ابن ملجم.
وأما ما كان من البرك التميمي: فإنه ذهب إلى معاوية، فطعنه بخنجر في أليته، وهو قائم يصلي، فأُخذ، وأُوقف بين يديه، فقال له: ويلك! من أنت؟ وما خبرك؟ فقال له: لا تقتلني؛ فإنا ثلاثة تبايعنا على قتلك، وقتل علي، وعمرو بن العاص، فاحبسني عندك، فإن كانا قُتِلا، فخلِّ سبيلي، فأمر معاوية بقتله، فقُتِل في ذلك اليوم.
وأما عمرو بن بكير التميمي: فانطلق إلى عمرو بن العاص، فوجد خارجةَ بنَ حبيبةَ صاحبَ شرطته يصلي بالناس غداة ذلك اليوم، وتخلف عمرو عن الصلاة بالناس؛ لعارض عرض له، فظن أنه عمرو، فضربه بالسيف فقتله، فأُخذ، وأُوقف بين يدي عمرو، فسأله عن خبره، فقص عليه القصة، وأخبره أن عليا ومعاوية ﵄ قد قُتِلا في هذه الليلة، فأمر به، فقُتل في الحال، ولما قُدِّم للقتل، جزع، فقيل: أتجزع من الموت، وقد قدمت على هذا الفعل؟ ! فقال: لا ها والله، ولكن يفوز صاحباي بقتل علي ومعاوية، ولا أفوز بقتل عمرو! فأمر عمرو بضرب عنقه وصلبه.
ولما مات علي ﵁، صلى عليه ابنه الحسن، وقيل: كان عنده
стр. 300
فضل من حنوط رسول الله ﷺ أوصى أن يحنط به.
* ذكر صفاته ﵁ -: كان شديد الأدمة، عظيم العينين، بَطينًا، أصلعَ، عظيمَ اللحية، كثير شعر الصدر، مائلًا إلى القِصَر، حسنَ الوجه، لا يُغير شيبته، كثير التبسم، وكان حاجبه قنبر مولاه، وصاحب شرطته نعثل بن قيسٍ الرباحي، وقاضيه شريحًا.
وأبناؤه من فاطمةَ بنتِ رسول الله ﷺ : الحسن، والحسين، ومحسن، وزينب، وأم كلثوم.
ثم تزوج بعدها أُمَّ البنين بنتَ حزام الكلابية، فولِد له منها: العباس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، قُتِل هؤلاء الأربعة مع أخيهم الحسين.
وتزوج ليلى بنتَ مسعود بنِ خالد النهشلي التميمي، وولد له منها: عبيد الله، وأبو بكر، قتلا مع الحسين أيضًا.
وتزوج أسماءَ بنتَ عميس، وولد له منها: محمد الأصغر، ويحيى.
وولد له من الصهباء بنتِ ربيعة الثعلبية: عمر، ورقية.
وتزوج أمامةَ بنتَ أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمُّها زينبُ بنت رسول الله ﷺ ، وولد له منها: محمد الأوسط.
وولد له من خولةَ بنتِ جعفر الحنفية: محمدٌ الأكبرُ المعروف بابن الحنفية.
وكان له بنات من أمهاتٍ شتى، منهن: أم حسن، ورملة الكبرى من أم سعدٍ بنتِ عروة.
стр. 301
ومن بناته: أم هانئ، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم، وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، وجمانة، ونفيسة.
فجميعُ بنيه المذكورون أربعة عشر، لم يعقب منهم إلا خمسة: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، والعباس، وعمر.
* وأما فضائل علي ومناقبه كثيرة، منها: مشاهدُه المشهورة بين يدي رسول الله ﷺ ، وأُخُوَّةُ رسول الله ﷺ له، من سبق إسلامه، وقوله ﵇: "مَنْ كُنْتَ مَوْلاَهُ، فعليٌّ مَوْلاَهُ" (١)، وقوله: "أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ"، والقضاء يستدعي معرفة أبواب الفقه كلها، بخلاف قوله: "أَفْرَضُكُمْ زيدٌ، وَأَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ" (٢).
ودخل مرةً إلى بيت المال، فوجد الذهب والفضة، فقال: يا صفراء! اصْفَرِّي، ويا بيضاءُ! ابْيَضِّي، وغُرِّي غيري، لا حاجةَ لي فيكِ.
ومناقبه أكثرُ من أن تحصر، وأشهرُ من أن تذكر ﵁.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
стр. 302
خْلَافَةُ الحَسَن بن عَليّ بن أَبي طَلِبْ ﵄ -
هو أبو محمد الحسنُ بنُ عليِّ بنِ أبي طالبِ بنِ عبدِ المطلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ منافٍ، القرشى، الهاشميُّ، المدنيُّ، سبطُ رسول الله ﷺ وريحانتُه، وابن فاطمةَ الزهراء سيدةِ نساءِ العالمين.
وُلد ﵁ في نصف رمضان، سنة ثلاث من الهجرة، سماه النبي ﷺ : الحسن، وعَقَّ عنه يوم سابعه، وحلق شعره، وأمر أن يتصدق بِزِنته فضةً، وأرضعته أم الفضل امرأةُ العباس مع ابنها قُثَمَ.
بويع بالخلافة يوم مات أبوه، وكان أشبهَ الناس برسول الله ﷺ ، وكان حليمًا كريمًا ورِعًا، دعاه ورعُه وحلمه إلى أن ترك الدنيا والخلافةَ لله تعالى.
ولي الخلافةَ بعد قتل أبيه ﵁، وبايعه أكثرُ من أربعين ألفًا، كانوا بايعوا أباه، وبقي نحو ستة أشهر خليفةً بالحجاز واليمن والعراق وخراسان، وغير ذلك.
ثم سار إليه معاوية من الشام، وسار هو إلى معاوية، فلما تقاربا، علم أنه لن تُغلب إحدى الطائفتين، فأرسل إلى معاوية يبذل له تسليمَ الأمر إليه، على أن تكون له الخلافةُ بعده، وعلى أن لا يطالب أحدًا من
стр. 303
أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه، وغير ذلك من القواعد، فأجابه معاوية إلى ما طلب، واصطلحا على ذلك، وظهرت المعجزةُ النبوية في قوله ﷺ للحسن: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (١)، فسَلَّم الأمرَ إلى معاوية في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الهجرة.
وكانت مدة خلافته نحو ستة أشهر، ولما سَلَّم الأمرَ إلى معاوية، خطب، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال:
أما بعد:
فإن أَكْيَسَ الكَيْسِ التُّقى، وأحمقَ الحمقِ الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفتُ فيه أنا ومعاويةُ، إنما هو حقُّ امرئٍ كان أحقَّ به مني، وهو حقٌّ لي تركتُه لمعاوية، إرادةً لصلاح الأمة، وحَقْنا لدمائهم، وإن الله تعالى قد هداكم بأَوَّلِنا، وحقنَ دماءكم بآخرِنا، وإن هذا الأمر مدة، والدنيا دول.
وقد قال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١].
وبخلافة الحَسَن بيانُ قوله ﷺ : "الخِلافَةُ بعدي ثلاثونَ سنةً" (٢)،
стр. 304
لأن أبا بكر ﵁ تقلدها سنتين، وثلاثة أشهر، وعشرة أيام، وعمر ﵁ عشر سنين، وستة أشهر، وثمانية أيام، وعثمان ﵁ اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يومًا، وعلي ﵁ أربع سنين، وتسعة أشهر، والحسن ﵁ نحو ستة أشهر، فذلك ثلاثون سنة.
روى سفينةُ: أن النبي ﷺ قال: "الخلافةُ بعدي ثلاثونَ سنةً، ثم تعودُ مُلْكًا عَضوضًا" (١)، وكان آخر ولاية الحسن تمام ثلاثين سنة؛ لأن ابتداء خلافة أبي بكر ﵁ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وانتهاء خلافة الحسن في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الهجرة.
وعاش الحسن بالمدينة إلى أن مات بها مسمومًا، في شهر ربيع الأول، سنة تسع وأربعين، وله سبع وأربعون سنة.
وقيل: مات ليلة السبت لثمان خلون من المحرم سنة خمسين، وصلَّى عليه سعيدُ بن العاص، ودُفِن بالبقيع، وهو أكبر من الحسين بسنة.
وتزوج الحسن كثيرًا من النساء، وكان مِطْلاقًا، وكان له خمسة عشر ولدًا ذكرًا، وثمان بنات، وكان يشبه جده رسولَ الله ﷺ من رأسه إلى سُرَّته، وكان الحسين يشبه رسول الله ﷺ من سرته إلى قدميه.
стр. 305
ولما بلغ معاويةَ موتُ الحسن، خرَّ ساجدًا، فقال بعض الشعراء:
أَصْبَحَ اليَوْمَ ابْنُ هِنْدٍ شَامِتًا ... ظَاهِرَ النَّخْوَةِ إِذْ مَاتَ الحَسَنْ
يا بْنَ هِنْدٍ إِنْ تَذُقْ كَأْسَ الرَّدَى ... تَكُ في الدَّهْرِ كَشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ
لَسْتَ بِالبَاقِي فَلا تَشْمَتْ بِهِ ... كُلُّ حَيٍّ لِلمَنايا مُرْتَهَنْ
ومن فضائل الحسن: في الصحيح قول النبي ﷺ : "الحسنُ والحسينُ سَيِّدا شَبابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَأَبُوهُما خَيْرٌ مِنْهُمَا" (١).
وروي: أنه قال عن الحسن: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، سَيُصْلِحُ اللهُ بِهِ بَيْنَ فِئتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (٢).
وروي: أنه مرَّ بالحسن والحسين وهما يلعبان، فطأطأ لهما عنقَه، وحملهما، وقال: "نِعْمَ المَطِيَّةُ مَطِيَّتُهُمَا، وَنِعْمَ الرَّاكِبَانِ هُمَا" (٣).
стр. 306
[الدَّوْلَةُ الأَمَوِيَّة]
стр. 307
[الدَّوْلَةُ الأَمَوِيَّة]
(خلفاء بنى أمية)
وهم أربعة عشر خليفة: أولهم: معاوية بن أبي سفيان، وآخرهم: مروان الجعدي، وكان مدة ملكهم نيفًا وتسعين سنة، وهي ألف شهر تقريبًا.
قال القاضي جمال الدين بن واصل ﵀: إن ابن الأثير قال في "تاريخه": إنه لَمَّا سار الحسن من الكوفة، عرض له رجل، فقال: يا مسوِّدَ وجوهِ المؤمنين، فقال: لا تعذِلْني؛ فإن رسولَ الله ﷺ أُري في منامه: أن بني أمية يَنْزون على منبره رجلًا فرجلًا، فساءه ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١]، و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١ - ٣]، يملكها بعد [ك] بنو أمية (١).
стр. 308
ولم يكن على أحد من خلفاء بني أمية لقب معروف، إلا أن بعض الرواة ذكر أنهم كانت لهم ألقاب، ونحن نذكر لقب كلِّ واحد منهم، عند ابتداء ترجمته، كما نفعله في خلفاء بني العباس، وخلفاء الدولة العلوية الفاطمية؛ ليطلع على ذلك.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
(خلافة الناصر لدين الله معاوية بن أبي سفيان)
هو أبو عبد الرحمن، معاويةُ بن أبي سفيانَ صخرِ بنِ حربِ بنِ أميةَ ابنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ، يجتمع هو والنبي ﷺ في عبد منافِ بنِ قصيٍّ، القرشيُّ، وأمُّه: هندٌ بنتُ عتبةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمس، يجتمع أبوه وأمه في عبدِ شمس.
أسلم هو، وأبوه أبو سفيان، وأخوه يزيد بن أبي سفيان، وأمه هند في فتح مكة.
وكان معاوية يقول: إنه أسلم يومَ الحديبية، فكتم إسلامه من أبيه وأمه.
شهد مع رسول الله ﷺ حُنَينًا، وأعطاه من غنائم هوازن مئة بعير، وأربعين أوقية، وكان هو وأبوه من المؤلَّفة قلوبهم، ثم حَسُنَ إسلامُهما، وكان أحدَ الكُتَّاب لرسول الله ﷺ .
ولما بَعَث أبو بكر الجيوش إلى الشام، سار معاوية مع أخيه يزيد،
стр. 309
فلما مات يزيد، استخلفه على عمله بالشام، وهي دمشق، وأقره عمرُ ﵁ مكانَه، فأقام أميرًا على الشام مدة خلافة عمر، ثم أَمَّره عثمان، وولي الخلافةَ بعد ذلك عشرين سنة.
بويع له البيعة التامة لما خلع الحسنُ نفسَه، وسلَّم الأمرَ إليه.
قال محمد بن سعد: بقي معاويةُ أميرًا عشرين سنة، وخليفةً عشرين سنة - تقريبًا -.
وقال الوليد بن مسلم: كانت خلافته تسع عشرة سنة ونصفًا.
وهو من الموصوفين بالدهاء والحِلْم، وهو أولُ من قامت له الرجال من الخلفاء، وأول من قِيْدت بين يديه الجنائب، وأول من اتخذ المقاصر في الجوامع، وأول ما عمر مقصورة جامع دمشق، وهو أول من أقام على رأسه حرسًا، وأول من اتخذ الخصيان في الإسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة درجة، وأول من صنع المنبر في المسجد الحرام، وزاد في منبر سيدنا رسول الله ﷺ بعد أن أراد نقله، فأتاه أبو هريرة وجابر، وقالا: ننشدك الله أن لا تفعل، فأجابهما، وهو أول من علق الستور، واتخذ الحرس وأرباب الشرط، واستخدم الحجاب، وركب الهماليج، ولبس الخز والوشي الخفيف، وعمل الطراز بمصر واليمن والرها والإسكندرية، واقتنى الضياع، واستكتب النصارى، وجلس على السرير والناسُ تحته، وأمر بهدايا النيروز.
وحج بالناس سنة أربع وأربعين، وسنة إحدى وخمسين، واستخلف في بقية خلافته من يحج، وكان يقول: أنا أول الملوك.
стр. 310
وكان معاوية كثير الحلم والعفو والكرم، وكان يجيز الحسن والحسين في كل سنة، لكل واحد ألف ألف درهم، وكذلك عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس، لكل واحد ألف ألف درهم.
ودخل عليه الحسن يومًا، وهو مضطجع على سريره، فسلم عليه، وأقعده تحت رجليه، وقال له: ألا تعجب من قول أم المؤمنين عائشة تزعم أني لستُ أهلًا للخلافة؟ فقال الحسن: أوعجبٌ ما قالت؟ قال: كل العجب، قال: أعجبُ من هذا جلوسي عندَ رجليك، فاستحيا معاوية، واستوى جالسًا.
ثم قال: أقسمتُ عليك أبا محمد إلَّا أخبرتني كم عليك من الدَّين؟ قال: مئة ألف درهم، فقال: يا غلام! أعط أبا محمد ثلاث مئة ألف درهم: مئة ألف يقضي بها دينه، ومئة ألف يفرقها على مواليه، ومئة ألف يستعين بها على نوائبه، وأنجزها له الساعة، فأخذها الحسن، وانصرف.
فقال يزيد: يا أبت! ما رأيتُ كاليوم، استقبلَكَ بما تكره، وأعطيته هذا العطاء! فقال: يا بُني! وما نريد؟ إن الحق - واللهِ - لهم، وحقهم، فإذا أتوك، فأجزل لهم العطية.
وروي: أن معاوية حجَّ في سنة خمسين، وأمر بحمل منبر رسول الله ﷺ إلى الشام، فلما حُمل، كسفت الشمس، وظهرت النجوم بالنهار، فلما رأى ذلك، خاف، وجزع، وأمر بردِّه إلى موضعه، وزاد فيه ستَّ درجات.
وله أخبار كثيرة في السخاء والحلم.
стр. 311
وقدم عليه جماعة من الرجال والنساء في أيام خلافته، ممن استطال عليه قبل الخلافة، فيذكرهم بما وقع منهم، فيعتذرون إليه، فيعاملهم بالحلم، ويجزل لهم العطاء.
ولما أراد أن يبايع لابنه يزيد، أرسل إلى زياد يستشيره في ذلك، ويأمره بأخذ البيعة على أهل العراق، فكتب إليه زياد: كتبتَ إليَّ تأمرني أن أدعو أشراف الكوفة وأهل البصرة إلى بيعة يزيد بولاية العهد من بعدك، فما تقول الناس في يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبغات، ويتجاهر بشرب الخمر، واتخاذ المعازف، وفي الناس الحسينُ بن علي بن أبي طالب، وعبدُ الرحمن بن أبي بكر، وعبدُ الله ابن عمر، وعبدُ الله بن العباس، وعبدُ الله بن الزبير، العابدون الزاهدون المتواضعون لله، الفقهاءُ في دين الله، ولكن إن تخلَّق يزيدُ بأخلاق هؤلاء القوم، يوشك أن يُمَوَّهَ أمرُه على الناس.
فغضب معاوية [وقال]: ويلي على ابن سمية، والله! لأَرُدَّنَّه إلى أبيه وأمِّه البغيِّ.
فتوفي زياد بالكوفة سنة ثلاث وخمسين.
ثم إن معاوية بعث لعبد الله بن عمر بمئة ألف درهم، وذكر له بيعة يزيد، فقال: أراد معاويةُ أن أبيع ديني، فهو إذن عندي رخيص، فامتنع من ذلك.
ثم كتب معاوية إلى عماله أن يوفدوا له الوفود من الأمصار، فحضر
стр. 312
إليه خلقٌ، فمنهم من أطاع، ومنهم من امتنع، ولم يزل معاوية يداري الأمر، حتى بايعه أكثرُ الناس بالعراق والشام، ثم سار إلى الحجاز في ألف فارس، فلما دنا من المدينة، لقيه الحسين بن علي، وابنُ الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عمر ﵃، فلما نظروه، قالوا: لا مرحبًا، ولا سهلًا، وأقبلوا معه، لا يلتفت إليهم، وخرجوا إلى مكة، وأقاموا بها، وخطب معاوية بالمدينة، فذكر يزيد، ومدحه، ثم دخل على عائشة، فوعظته، لما بلغها عنه من ذكر الحمسين وأصحابه، وتهديدهم بالقتل.
ثم خرج إلى مكة، فلما قضى نسكه، وحمل أثقاله، وقرب مسيره، أحضرهم معاوية، وقال لهم: قد علمتم سيرتي فيكم، وصلتي لأرحامكم، ويزيدُ أخوكم، وابنُ عمكم، وقد أردتُ أن تقدموه باسم الخلافة، وتكونون أنتم تعزلون، وتولون، وتَجْبُون المال، وتقسمونه، لا يعارضكم في شيء من ذلك، فسكتوا، فقال: ألا تجيبون؟ - مرتين -، فأجابوه بجواب لم يرضَه، قال: إني قد أحببت أن أخبركم أنه قد أحذر من أعذر (١)، إني كنت أخطب، فيقوم إلى القائم منكم، فيكذبني على رؤوس الأشهاد، فأحمل ذلك، وأصفح، وإني قائم بمقالة، وأُقسم بالله! لئن ردَّ عليَّ أحد منكم كلمةً في مثل هذا، لا ترجع إليه كلمة غيرها، حتى يسبقها السيف إلى رأسه.
ثم دعا بصاحب حرسه بحضرتهم، فقال له: أقم على رأس كلِّ
стр. 313
رجل من هؤلاء رجلين، مع كل واحد منهما سيف، فإن ذهب أحد منهم يردُّ عليَّ كلمة بتصديق أو تكذيب، فليضرباه بسيفيهما.
وخرجوا معه حتى رقا المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة الناس وخيارهم، لا يُقضى أمرٌ دونهَم، وإنهم قد رجعوا وبايعوا ليزيد، فبايِعوا على اسم الله، فبايع الناس، ثم ركب معاوية، وانصرف إلى المدينة، فلقي الناسُ أولئك النفرَ، فقالوا لهم: زعمتم أنكم لا تبايعون، فلما أُرضيتم وأُعطيتم، بايعتم، قالوا: والله! ما فعلنا، قالوا: فما منعكم أن تردُّوا على الرجل؟ قالوا: كادَنا، وخِفْنا القتل.
وبايعه أهل المدينة، ثم انصرف إلى الشام، فأقام بها حتى حضره الموت.
وأنشد معاوية وقد تجلَّدَ للعائدين في مرضه:
وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ ... أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لاَ أتضَعْضَعُ
وَإِذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... ألْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لاَ تَنْفَعُ
وكان يزيدُ عند موت أبيه غائبًا بقرية حوارين من عمل حمص، وأحضر معاويةُ الضحَّاكَ، ومسلِمَ بنَ عقبة، وحَمَّلهما رسالةً لابنه يوصيه بالعدل والإحسان للرعية، خصوصًا الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وحذره من ابن الزبير.
стр. 314
ثم إنه أوصى أن يكفَّن في قميص كان رسولُ الله ﷺ كساه إياه، وأن يُجعل مما يلي جسدَه، وكان عنده قلامةُ أظفارِ رسول الله ﷺ ، فأوصى أن تُسحق، وتُجعل في عينيه وفمه، وقال: افعلوا ذلك، وخَلُّوا بيني وبينَ أرحم الراحمين، ثم قضى نَحْبَهُ.
وكانت وفاته في النصف من رجب، سنة ستين من الهجرة، وعمره ثمان وسبعون سنة، وقيل: ستة وثمانون سنة، وقيل: غير ذلك، وصلى عليه الضحاك، ودُفن بمقبرة دمشق، وكان ابنه غائبًا - كما تقدم -، فأرسلوا إليه البريد، فلم يدركه إلا وقد مات، فصلى على قبره.
وكان معاوية أبيضَ اللون، جميلًا، وروي: أنه قال: ما زلتُ أطمع بالخلافة منذ قال لي رسول الله ﷺ : "إِنْ وُلِّيتَ فَأَحْسِنْ" (١).
وروي عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال لمعاوية: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا" (٢).
وفي أيامه في سنة ثلاث وأربعين توفي عمرو بن العاص.
وفي سنة أربع وأربعين توفيت أم حبيبة بنتُ أبي سفيان زوجُ النبي ﷺ .
وفي سنة خمسين توفي دِحْية الكلبي المنسوبُ إلى كلب بن وبرة،
стр. 315
قال النبيَّ ﷺ : "أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِجِبْرِيلَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ" (١).
وفي أيامه - أيضًا - توفيت عائشة ﵂ في سنة ثمان وخمسين.
وتوفي أبو هريرة ﵁ في سنة تسع وخمسين.
أولاده: يزيد، وعبد الرحمن، وعبد الله، وهند، ورملة، وصفية، وعائشة.
كاتبه: عبدُ الله بن أوس.
قاضيه: فضَالةُ بن عبيد الأنصاري.
وطبيبه: زيدٌ مولاه، ثم صفوانُ مولاه.
نقشُ خاتمه: لكلِّ عملٍ ثواب، وقيل: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله وحده.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
(خلافة يزيدَ بنِ معاويةَ، ) ولقَّبَ نفسَه: المستنصر على أهل الزيغ
هو يزيدُ بنُ معاوية بن أبي سفيانَ بنِ حربٍ، مولده في سنة خمس
стр. 316
وعشرين، وأمه ميسونُ بنتُ بَحْدَلِ الكلبيةُ، أقام يزيدُ معها في البادية، وتعلم الفصاحة ونظم الشعر هناك في بادية بني كلب، وكان سبب إرساله مع أمه هناك: أن معاوية سمع ميسون تنشد هذه الأبيات، وهي:
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
وَبَيْتٌ تَخْفُقُ الأَرياحُ فِيه ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَصْرٍ مُنِيفِ
وَبَكْرٌ يَتْبَعُ الأَظْعَانَ صَعْبٌ ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَغْلٍ زَفُوفِ
وَكَلْبٌ يَنْبَحُ الأَضْيَافَ دُوني ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هِرٍّ ألُوفِ
وَخِرْقٌ مِنْ بَنِي عَمِّي نَحِيفٌ (١) ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عِلْجٍ عَلِيفِ
فقال معاوية: ما رضيتِ يا ابنةَ بحدل، حتى جعلْتِني علجًا عليفًا؟ ! الحقي بأهلك، فمضت إلى بادية كلب، ويزيدُ معها.
بويع له بعد وفاة والده بيعة الولاية، وقد كان عقد له ولاية العهد
стр. 317
- كما تقدم -، ولما أفضى الأمر إليه، دخل منزله، فلم يظهر للناس ثلاثة أيام، فاجتمع ببابه أشراف العرب، ووفود البلدان، ليعزوه بأبيه، ويهنوه بالخلافة، فلما كان اليوم الرابع، خرج وهو أشعثُ أغبرُ، وصَعِدَ المنبرَ، فحمِدَ الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن معاوية كان حبلًا من حبال الله، أمدَّه الله ما شاء أن يمدَّه، ثم قطعه حين شاء أن يقطعه، وكان دونَ مَنْ قبله، وخيرًا ممن بعده، إن يغفر الله له، فهو أهلُه، وإن يعذبه، فبذنبه، وقد وليت الأمرَ بعده، وإذا أراد الله شيئًا، كان، فاذكروا الله، واستغفروه، ثم نزل، ودخل منزله، وأذن للناس، فدخلوا عليه، وقاموا يعزونه ويهنئونه بالخلافة، وأمر لكلِّ واحد بمال على قدره.
ودخل عليه عبدُ الملك بن مروان يومًا، فقال: يا أمير المؤمنين! أُرَيضةٌ لك إلى جانب أرض لي، ولي فيها سَعَة، فأَقطعنيها، قال: يا عبد الملك! إنه لا يتعاظمني كبير، ولا أُخْدَع عن صغير، أخبرني عنها، وإلا سألتُ غيرك، قال: يا أمير المؤمنين! ما بالحجاز مالٌ (١) أعظمُ منه قدرًا، قال: قد أقطعتك ذلك، فشكره عبد الملك، ودعا له، فلما ولَّى، قال يزيد: الناس يزعمون أن هذا خليفة، فإن صدقوا، فقد صانعناه، وإن كذبوا، فقد وصلناه.
وكان يزيد صاحبَ طُرُد وجوارح، وكلاب وقرود، تنادمه على الشراب، وفي أيامه استُعملت الملاهي، وظهر شربُ الشراب والسماع.
стр. 318
وكان له قرد يسمَّى: أبا (١) القيس، وكان يُحضِرُه مجلسَ منادمته، ويطرح له مُتَّكأً، وكان إذا رآه، قال: شيخ من بني إسرائيل، مسخه الله قردًا، وربما وثب القرد، فقعد على عاتقه، وربما غبَّ معه في كأسه.
وربما اجتمع الناس لركوب يزيد، فيقول: قد بدا لي في الركوب، ولكن يركب أبو قيس، فيركب القرد، ويمر على أهل الشام، فيومئ لهم بالسلام، كما يفعل يزيد.
ويزيدٌ أولُ من جمع الشراب والغناء، وكان يُنْبَذُ له من عسل الطائف، وزبيبِها، ويفتق له بالمسك، وكان يلعب بالكلاب، ويلبس المصبَّغات، ويتجاهر بشرب الخمر.
وروي: أن أباه أنكر عليه شربَ الخمر، فأنشد:
أَمِنْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءِ كَرْمٍ شَرِبْتُهَا ... غَضِبْتَ عَلَيَّ الآن طَابَ لِيَ السُّكْرُ
سَأَشْرَبُ فَاغْضَبْ لاَ رَضِيتَ كِلاَهُمَا ... حَبِيبٌ إِلَى قَلْبِي عُقُوقُكَ وَالخَمْرُ
ولما مات القرد، كفَّنه ودفنه، وأمر أهل الشام، فدخلوا عليه وعزَّوه فيه.
وذُكِر في قُبح سيرة يزيد وذمِّها، ما اتفق في أيامه من قتل الحسين
стр. 319
ابن علي ﵄، وقَتْلِ من صَحِبَهُ مِنْ أهلِهِ، وسَبْيِ حَرِيمِهِ، وحَمْلِ رَأْسِهِ الكريمةِ على العُود، والطوافِ بها، ووضعِها بين يديه.
وسببُ قتل الحسين ﵁: أنه لما مات معاوية ﵁، أرسل أهلُ الكوفة إلى الحسين ﵁: إنّا قد حَبَسْنا أنفسَنا على بيعتك، ونحن نموتُ دونَك، ولسنا نحضُر جمعةً ولا جماعةً بسببك.
وطولب الحسين بالبيعة ليزيد بالمدينة، فسام التأخر، وخرج يتمادى بين مواليه، ولحق بمكة، وأرسل بابن عمه مسلمِ بنِ عقيل، وقال: سر إلى أهل الكوفة، فإن كان حقًا ما كتبوا به، فأرسل عَرِّفني حتى ألحقَ بك.
فخرج مسلم من مكة في النصف من شهر رمضان، حتى قدم المدينة، فودع القبر الشريف، وقدم الكوفة لخمس خلون من شوال، فلما شاع قدومه، بايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألفًا، وقيل: ثمانية عشر ألف رجل، فكتب مسلم بن عقيل بالخبر إلى الحسين، وسأله القدوم، فلما هم الحسين بالخروج إلى العراق، أتاه ابن عباس، ونصحه، وأمره بعدم الخروج، فلم يقبل.
واتصل الخبر بيزيد بن معاوية، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بولاية الكوفة، فخرج ابن زياد من البصرة مسرعًا، حتى قدم الكوفة، فدخلها في أهله وحشمه، وظفر بمسلم، فضرب عنقه، وأمر بجثته، فصُلبت؛ وحُملت رأسه إلى دمشق، وهو أول قتيل صُلبت جثته من بني هاشم، وأولُ رأس حُمل من رؤوسهم إلى دمشق.
стр. 320
ولما وصل الحسين ﵁ إلى القادسية، أُخبر بقتل مسلم بن عقيل، فهمّ بالرجوع، فلم يطعه إخوة مسلم، وقالوا والله! لا نرجع حتى نصيب بثأرنا، أو نُقتل كلُّنا، فقال الحسين ﵁: لا خير في الحياة بعدَكم، ثم سار حتى لقي خيل عبيد الله بن زياد، وقد غدا إلى كربلاء، ومعه خمس مئة فارس من أهل بيته، ونحو مئة رجل، فلما كثرت العساكر على الحسين، أيقن أنه لا (١) محيص له، فقال: اللهمَّ احكمْ بيننا وبين قومٍ دَعَونا لينصرونا، ثم هم يقتلونا، اللهمَّ اشهدْ، فلم يزل يقاتل حتى قُتل ﵁، وقاتل قاتِلَه، وكان متولي قتله رجل من مذحج، فاحتز رأسَه الكريمة، وانطلق بها إلى عبيد الله بن زياد، وهو يقول:
أَوْقِرْ رِكَابِي فِضَةً وَذَهَبَا ... أَنَا قَتَلْتُ الْمَلِكَ المُحَجَّبَا
قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ أُمًّا وَأَبًا ... وَخَيْرَهُمْ إِذْ يَنْسبُونَ النَّسَبَا
وأتى ذلك الرجلُ البائس بالرأس الكريمة إلى داره، فوضعها، وأكفأ عليها إناء، ونام في فراشه، فقالت له زوجته: ما الذي أتيتَ به؟ قال: أتيتك بعزِّ الأبد، وفخر الدهر، أتيتُك برأس الحسين بن علي، فقالت له: حسبُك الله! لقد خسرتَ الدنيا والآخرة، تأتي الناسُ بالذهب