← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وعشرين، وأمه ميسونُ بنتُ بَحْدَلِ الكلبيةُ، أقام يزيدُ معها في البادية، وتعلم الفصاحة ونظم الشعر هناك في بادية بني كلب، وكان سبب إرساله مع أمه هناك: أن معاوية سمع ميسون تنشد هذه الأبيات، وهي: لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ وَبَيْتٌ تَخْفُقُ الأَرياحُ فِيه ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَصْرٍ مُنِيفِ وَبَكْرٌ يَتْبَعُ الأَظْعَانَ صَعْبٌ ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَغْلٍ زَفُوفِ وَكَلْبٌ يَنْبَحُ الأَضْيَافَ دُوني ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هِرٍّ ألُوفِ وَخِرْقٌ مِنْ بَنِي عَمِّي نَحِيفٌ (١) ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عِلْجٍ عَلِيفِ فقال معاوية: ما رضيتِ يا ابنةَ بحدل، حتى جعلْتِني علجًا عليفًا؟ ! الحقي بأهلك، فمضت إلى بادية كلب، ويزيدُ معها. بويع له بعد وفاة والده بيعة الولاية، وقد كان عقد له ولاية العهد

стр. 317

- كما تقدم -، ولما أفضى الأمر إليه، دخل منزله، فلم يظهر للناس ثلاثة أيام، فاجتمع ببابه أشراف العرب، ووفود البلدان، ليعزوه بأبيه، ويهنوه بالخلافة، فلما كان اليوم الرابع، خرج وهو أشعثُ أغبرُ، وصَعِدَ المنبرَ، فحمِدَ الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن معاوية كان حبلًا من حبال الله، أمدَّه الله ما شاء أن يمدَّه، ثم قطعه حين شاء أن يقطعه، وكان دونَ مَنْ قبله، وخيرًا ممن بعده، إن يغفر الله له، فهو أهلُه، وإن يعذبه، فبذنبه، وقد وليت الأمرَ بعده، وإذا أراد الله شيئًا، كان، فاذكروا الله، واستغفروه، ثم نزل، ودخل منزله، وأذن للناس، فدخلوا عليه، وقاموا يعزونه ويهنئونه بالخلافة، وأمر لكلِّ واحد بمال على قدره. ودخل عليه عبدُ الملك بن مروان يومًا، فقال: يا أمير المؤمنين! أُرَيضةٌ لك إلى جانب أرض لي، ولي فيها سَعَة، فأَقطعنيها، قال: يا عبد الملك! إنه لا يتعاظمني كبير، ولا أُخْدَع عن صغير، أخبرني عنها، وإلا سألتُ غيرك، قال: يا أمير المؤمنين! ما بالحجاز مالٌ (١) أعظمُ منه قدرًا، قال: قد أقطعتك ذلك، فشكره عبد الملك، ودعا له، فلما ولَّى، قال يزيد: الناس يزعمون أن هذا خليفة، فإن صدقوا، فقد صانعناه، وإن كذبوا، فقد وصلناه. وكان يزيد صاحبَ طُرُد وجوارح، وكلاب وقرود، تنادمه على الشراب، وفي أيامه استُعملت الملاهي، وظهر شربُ الشراب والسماع.

стр. 318

وكان له قرد يسمَّى: أبا (١) القيس، وكان يُحضِرُه مجلسَ منادمته، ويطرح له مُتَّكأً، وكان إذا رآه، قال: شيخ من بني إسرائيل، مسخه الله قردًا، وربما وثب القرد، فقعد على عاتقه، وربما غبَّ معه في كأسه. وربما اجتمع الناس لركوب يزيد، فيقول: قد بدا لي في الركوب، ولكن يركب أبو قيس، فيركب القرد، ويمر على أهل الشام، فيومئ لهم بالسلام، كما يفعل يزيد. ويزيدٌ أولُ من جمع الشراب والغناء، وكان يُنْبَذُ له من عسل الطائف، وزبيبِها، ويفتق له بالمسك، وكان يلعب بالكلاب، ويلبس المصبَّغات، ويتجاهر بشرب الخمر. وروي: أن أباه أنكر عليه شربَ الخمر، فأنشد: أَمِنْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءِ كَرْمٍ شَرِبْتُهَا ... غَضِبْتَ عَلَيَّ الآن طَابَ لِيَ السُّكْرُ سَأَشْرَبُ فَاغْضَبْ لاَ رَضِيتَ كِلاَهُمَا ... حَبِيبٌ إِلَى قَلْبِي عُقُوقُكَ وَالخَمْرُ ولما مات القرد، كفَّنه ودفنه، وأمر أهل الشام، فدخلوا عليه وعزَّوه فيه. وذُكِر في قُبح سيرة يزيد وذمِّها، ما اتفق في أيامه من قتل الحسين

стр. 319

ابن علي ﵄، وقَتْلِ من صَحِبَهُ مِنْ أهلِهِ، وسَبْيِ حَرِيمِهِ، وحَمْلِ رَأْسِهِ الكريمةِ على العُود، والطوافِ بها، ووضعِها بين يديه. وسببُ قتل الحسين ﵁: أنه لما مات معاوية ﵁، أرسل أهلُ الكوفة إلى الحسين ﵁: إنّا قد حَبَسْنا أنفسَنا على بيعتك، ونحن نموتُ دونَك، ولسنا نحضُر جمعةً ولا جماعةً بسببك. وطولب الحسين بالبيعة ليزيد بالمدينة، فسام التأخر، وخرج يتمادى بين مواليه، ولحق بمكة، وأرسل بابن عمه مسلمِ بنِ عقيل، وقال: سر إلى أهل الكوفة، فإن كان حقًا ما كتبوا به، فأرسل عَرِّفني حتى ألحقَ بك. فخرج مسلم من مكة في النصف من شهر رمضان، حتى قدم المدينة، فودع القبر الشريف، وقدم الكوفة لخمس خلون من شوال، فلما شاع قدومه، بايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألفًا، وقيل: ثمانية عشر ألف رجل، فكتب مسلم بن عقيل بالخبر إلى الحسين، وسأله القدوم، فلما هم الحسين بالخروج إلى العراق، أتاه ابن عباس، ونصحه، وأمره بعدم الخروج، فلم يقبل. واتصل الخبر بيزيد بن معاوية، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بولاية الكوفة، فخرج ابن زياد من البصرة مسرعًا، حتى قدم الكوفة، فدخلها في أهله وحشمه، وظفر بمسلم، فضرب عنقه، وأمر بجثته، فصُلبت؛ وحُملت رأسه إلى دمشق، وهو أول قتيل صُلبت جثته من بني هاشم، وأولُ رأس حُمل من رؤوسهم إلى دمشق.

стр. 320

ولما وصل الحسين ﵁ إلى القادسية، أُخبر بقتل مسلم بن عقيل، فهمّ بالرجوع، فلم يطعه إخوة مسلم، وقالوا والله! لا نرجع حتى نصيب بثأرنا، أو نُقتل كلُّنا، فقال الحسين ﵁: لا خير في الحياة بعدَكم، ثم سار حتى لقي خيل عبيد الله بن زياد، وقد غدا إلى كربلاء، ومعه خمس مئة فارس من أهل بيته، ونحو مئة رجل، فلما كثرت العساكر على الحسين، أيقن أنه لا (١) محيص له، فقال: اللهمَّ احكمْ بيننا وبين قومٍ دَعَونا لينصرونا، ثم هم يقتلونا، اللهمَّ اشهدْ، فلم يزل يقاتل حتى قُتل ﵁، وقاتل قاتِلَه، وكان متولي قتله رجل من مذحج، فاحتز رأسَه الكريمة، وانطلق بها إلى عبيد الله بن زياد، وهو يقول: أَوْقِرْ رِكَابِي فِضَةً وَذَهَبَا ... أَنَا قَتَلْتُ الْمَلِكَ المُحَجَّبَا قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ أُمًّا وَأَبًا ... وَخَيْرَهُمْ إِذْ يَنْسبُونَ النَّسَبَا وأتى ذلك الرجلُ البائس بالرأس الكريمة إلى داره، فوضعها، وأكفأ عليها إناء، ونام في فراشه، فقالت له زوجته: ما الذي أتيتَ به؟ قال: أتيتك بعزِّ الأبد، وفخر الدهر، أتيتُك برأس الحسين بن علي، فقالت له: حسبُك الله! لقد خسرتَ الدنيا والآخرة، تأتي الناسُ بالذهب

стр. 321

والفضة، وتأتيني برأس ابنِ بنتِ رسول الله ﷺ ؟ ! لا جمعتْ رأسي ورأسَك مخدةٌ أبدًا. وبعث ابن زياد بالرأس الكريمة إلى يزيدَ بن معاوية، مع ذلك الرجل المذحجي، فدخل على يزيد، وعنده أبو بريرة الأسلميُّ، فوضع الرأسَ الشريفةَ بين يديه، فجعل يزيدُ ينكث ثنايا الحسين ﵁ بقضيب كان في يده، ويقول: نُفَلِّقُ هَامًا مِنْ رِجَالٍ أَعِزَّةٍ ... عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا فقال له أبو بريرة: ارفعْ قضيبك، فوالله! لربما رأيتُ فا رسولِ الله ﷺ على فيه وهو يقبِّله. وفي رواية: أنه قال له: ثكلتك أمُّك يا يزيدُ! أتنكثُ ثنايا طالما قَبَّلها رسولُ الله ﷺ ؟ ! وروي: أن الفاعل لذلك عبيد الله بن زياد لما جاء إليه رأس الحسين، جعل يقرع فم الحسين بقضيب في يده، فقال له زيدُ بنُ أرقم: ارفعْ هذا القضيبَ، فوالذي لا إله غيرُه! لقد رأيتُ شفتَي رسولِ الله ﷺ على هاتين الشفتين، ثم بكى. وبعث ابن زياد بالرأس، وبالنساء والأطفال إلى يزيد بن معاوية، فوضع يزيد رأس الحسين بين يديه، واستحضر النساء والأطفال، ثم أمر النعمان بن بشير أن يجهزهم بما يصلحهم، وأن يبعث أمينًا معهم يوصلهم

стр. 322

إلى المدينة، فجهزهم إلى المدينة. وقُتل الحسين ﵁ يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين بكربلاء، وقُتل معه جماعة من إخوته وأولاده، وأولاد أخيه الحسن، وأولاد أعمامه: عقيل، وجعفر. ومات الحسين وهو ابن خمس وخمسين سنة، ووُجد به حين قُتل ثلاثة وثلاثون طعنة، وقُتل معه من الأنصار أربعة. واختُلف في موضع رأس الحسين، فقيل: جهز إلى المدينة، ودفن عند أمه. وقيل: دفن عند باب الفراديس. وقيل: إن خلفاء مصر نقلوا من عسقلان رأسًا إلى القاهرة، ودفنوه بها، وبنوا له مشهدًا معروفًا بمشهد الحسين. ولما اشتُهر جورُ يزيدَ وظلمُه، وقتلُ آل الرسول، والتجاهرُ بشرب الخمور، اجتمع أهل المدينة على إخراج عامله عثمان بن محمد بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وسائر بني أمية، بإشارة ابن الزبير، فلما بلغ ذلك يزيد، سيَّر الجيوشَ إلى أهل المدينة من الشام، وعليهم مسلم بن عقبة المزني، فانتهبَ المدينةَ، وقتل أهلَها، فبايعوه أنهم عبيدٌ ليزيد، وسمى المدينة: تَلْبَة، وقد سماها رسول الله ﷺ : طَيْبة، فسُمِّي مسلمٌ هذا: مجرم، وكانت وقعة عظيمة في الموضع المعروف بالحرّة، قُتل فيها خلائقُ من بني هاشم والأنصار وغيرِهم، وبضع وسبعون رجلًا من

стр. 323

سائر قريش، ومثلهم من الأنصار، وأربعة آلاف من سائر الناس. ثم بايع مسلمٌ الناسَ على أنهم عبيدٌ ليزيد - كما تقدم -، فمن لم يبايعْ، أَمَر فيه بالسيف، غير علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعلي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. ثم خرج مسلم عن المدينة يريد مكة في جيوش أهل الشام، وانتهى الجيش إلى قديد، فمات مسلم بن عقبة هناك، فاستخلف على الجيش الحصين بن نمير، فسار الحصين بالجيش، فأتى مكة، لأربع بقين من المحرم سنة أربع وستين. * ذكر حصار عبد الله بن الزبير: ولما قدم الحصين مكة، حاصر عبد الله بن الزبير أربعين يومًا، وعاذ ابنُ الزبير بالبيت الحرام، وقد سمَّى نفسَه بالعائذ بالله، واشتُهر بهذا الاسم، ونصب الحصينُ المناجيق والعرادات على مكة والمسجد الحرام من الجبال والفجاج، وابنُ الزبير في المسجد، فتواترت أحجار المنجنيق والعرادات على البيت، ورُمي مع الأحجار بالنار والنفط، ومشاق الكتان، وغير ذلك، وانهدمت الكعبة، واحترقت، ووقعت صاعقة، فأحرقت من أصحاب المجانيق أحدَ عشر رجلًا، وذلك في يوم السبت، لثلاث خلون من ربيع الأول من هذه السنة، قبل وفاة يزيد بأحد عشر يومًا. وقد اشتد الأمر على أهل مكةَ وابنِ الزبير، ولما علم الحصينُ بموت يزيد، قال لعبد الله بن الزبير: من الرأي أن تدع دماء القتلى بيننا وبينكم، وأقبِلْ لأبايعك، واقدم إلى الشام، فامتنع عبد الله بن الزبير من

стр. 324

ذلك، فارتحل الحصين راجعًا إلى الشام، ثم ندم ابن الزبير على عدم الموافقة، وسار مع الحصين مَنْ كان بالمدينة من بني أمية، وقدموا الشام. وليزيد أخبار عجيبة، وسير ذميمة، وكانت وفاته بحوارين من عمل حمص، لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة أربع وستين، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وكانت مدة خلافته ثلاث سنين، وثمانية أشهر، وكان آدَمَ، جعدًا، أحور العين، بوجهه آثارُ جُدَري، حسنَ اللحية خفيفَها، طويلًا، وخلّف عدة بنين وبنات، والله أعلم. (خلافة الراجعِ إلى الله معاوية بنِ يزيدَ بنِ معاوية ﵁ -) هو أبو ليلى، معاويةُ بنُ يزيدَ بنِ معاويةَ بنِ أبي سفيان، وهذه الكنية للمستضعف من العرب، أمه أمُّ هاشم، وقيل: أم خالد بنت أبي هاشم. وكان ﵁ آدمَ اللون كما نقل [ .... ] (١)، ربعة، نحيفًا، استخلفه أبوه عند وفاته في رابع عشر ربيع الأول، سنة أربع وستين، وعمره إحدى وعشرون سنة، ولما ولي، أقام شهرين واليًا، وهو محجوب لا يُرى. ثم خرج بعد ذلك، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إنْ كانت الخلافة لمعاوية وعقبه وأهله، فلقد نالوا منها سَعَةً ودنيا فيما تقدم، وإن كانت لآل علي بن أبي طالب، فلقد كفى بآل معاوية تبارًا،

стр. 325

والله! لا تقلَّدْتُ أمرًا بين اثنين أبدًا، ثم لم يلبث أن مات بعد أيام ﵀، ورضي عنه -. ولما حضرته الوفاة، اجتمع إليه مواليه، فقيل: اعهدْ إلى من رأيت من أهل بيتك، فجمع الناس، وقال: قد ضعفتُ عن أمركم، ولم أجد مثلَ عمرَ بنِ الخطاب لأستخلفه، ولا مثل أهل الشورى، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا مَنْ أحببتم. وقال: والله! ما ذقت حلاوة خلافتكم، فكيف أتقلد وِزْرَها؟ اللهمَّ إني بريء منها، مُتخلٍّ عنها، ثم دخل منزله، وتغيَّب فيه حتى مات ﵀، ودُفِن بدمشق إلى جانب أبيه، وصلَّى عليه الوليدُ بن عتبةَ ابنِ أبي سفيان ليكون الأمر له من بعده، فلما كبر الثانيةَ، طُعِن، فسقط ميتًا قبل تمام الصلاة، وزال الأمر عن بني حرب، فلم يكن فيهم من يرومها، وصلَّى عليه مروان بن الحكم. ولم يكن لمعاوية هذا عَقِبٌ، وكانت خلافته ثلاثة أشهر، وقيل: أربعين يومًا، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. (خلافة عائذ بيت الله عبد الله بن الزبير) لما مات يزيد بن معاوية، بايع الناسُ بمكة عبدَ الله بن الزبير، وكان مروان بن الحكم بالمدينة، فقصد المسيرَ إلى عبد الله بن الزبير ومبايعتَه،

стр. 326

ثم توجه مع من توجَّه من بني أمية إلى الشام. وقيل: إن ابن الزبير كتب إلى عامله بالمدينة أن لا يترك بها من بني أمية أحدًا. ولو سار ابن الزبير مع الحصين إلى الشام، أو صانعَ بني أميةَ ومروانَ، لاستقرّ أمره، ولكن لا مردّ لما قدّره الله تعالى. ولما بويع عبدُ الله بن الزبير بمكة، وكان عبيد الله بن زياد بالبصرة، فهرب إلى الشام، وبايع أهلُ البصرة ابنَ الزبير، واجتمعت له العراقُ والحجاز واليمن، وبَعَث إلى مصر، فبايعه أهلُها، وبايع له في الشام سرًا الضحّاكُ بن قيس، وبايع له بحمص النعمانُ بن بشير الأنصاريُّ، وبايع له بقنسرين زُفَرُ بن الحارث الكلابي، وكاد يتمُّ له الأمر بالكلِّية. وكان عبد الله بن الزبير شجاعًا، كثير العبادة، وكان به البخل، وضعفُ الرأي. ثم أرسل ابن الزبير المختارَ بن عُبيد إلى الكوفة؛ ليستخرج له من أهلها جندًا، فنزل ناحية منها، وانضاف إليه جماعةٌ من أهلها، وابتنى لنفسه دارًا، واتخذ بستانا، أنفق عليه أموالًا عظيمة، أخرجها من بيت مال المسلمين، وفرّق الأموال على الناس تفرقة واسعة، وكتب إلى ابن الزبير أن يعتد له بما أنفق من بيت المال، فأبى ابن الزبير ذلك عليه، فخلع المختارُ طاعتَه، وجحد بيعتَه، وكتب إلى عليِّ بن الحسين يعرفه أنه يبايعه، ويبايع له الناس، ويظهر دعوته، فأبى عليُّ بن الحسين قبولَ ذلك.

стр. 327

فكتب المختار إلى محمد بن الحنفية في ذلك، فاستشار ابنَ عباس، فقال: لا تفعل، فأطاعه. واشتد أمرُ المختار بالكوفة، واتبع قتلَةَ الحسين، فقتلهم، وقتل شِمْرَ بنَ ذي جَوْشَن الذي تولى قتلَ الحسين، ثم قتل عمرَ بنَ سعدِ بنِ أبي وقاص صاحبَ الجيش الذين (١) قتلوا الحسين، وهو الذي أمر أن يُداس صدرُ الحسين وظهرُه بالخيل، ثم أرسل الجنود لقتال عبيد الله بن زياد، وكان قد استولى على الموصل، وقدم على الجيش إبراهيم بن الأشتر النخعي، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وهُزمت أصحاب ابن زياد، وقُتل عبيد الله بن زياد، قتله إبراهيم بن الأشتر في المعركة، وأخذ رأسه، وأحرق جثته، وانتقم الله للحسين بالمختار، وإنْ لم تكن نيةُ المختار جميلة، فمال أهل الكوفة إلى المختار، وأحبوه. وشرع ابن الزبير في بناء الكعبة - شرفها الله -، وكان ذلك في سنة أربع وستين، وكانت حيطانها قد مالت من ضرب المنجنيق، فهدمها، وحفر أساسها، وشهد عنده سبعون من شيوخ قريش: أن قريشًا حين بنت الكعبة، عجزت نفقتهم، فنقصوا من سعة البيت سبعةَ أذرع من أساس إبراهيم الخليل ﵇ الذي أسّسه هو وإسماعيل ﵉، فبناه عبد الله بن الزبير، وزاد فيه السبعة أذرع، وأدخل الحِجْر فيها، وأعادها على ما كانت عليه أولًا، وجعل لها بابين: بابًا يُدخل منه،

стр. 328

وبابًا يخرج منه. فلم يزل البيت على ذلك حتى قَتَلَ الحجاجُ ابنَ الزبير، وبعث إلى عبد الملك بن مروان يُعْلِمُه بما زاد ابن الزبير، فأمر عبدُ الملك بهدمه وردِّه إلى ما كان عليه في حياة رسول الله ﷺ ، ويجعل له بابًا واحدًا، ففعل الحجاج ذلك. ويأتي ذكرُ مقتل ابن الزبير، وما فعله الحجاج في البيت الحرام في ترجمة عبد الملك بن مروان - إن شاء الله تعالى -. وخلاصة الأمر: أن سيدنا إبراهيم الخليل ﵊ بنى الكعبة، - وهي بيت الله الحرام - كما تقدم ذكره، وذكرُ ولدِه سيدنا إسماعيل ﵇ بعدَ مضيِّ مئة سنة من عمر إبراهيم، واستمر بناؤه نحو ألفي سنة، وسبع مئة سنة، وخمسة وسبعين سنة، إلى أن هدمته قريش في سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله ﷺ ، وبنوه - كما تقدم في السيرة الشريفة -، وهو البناء الثاني، واستمر نحو اثنتين وثمانين سنة، ثم هدمه الحُصَين، وأحرقه في أيام يزيد بن معاوية - كما تقدم في ترجمة يزيد -، وذلك في سنة أربع وستين من الهجرة، ثم بناه عبد الله بن الزبير على قواعد إبراهيم، وهذا البناء الثالث، واستمر نحو تسع سنين، ثم هدمه الحجاج، وقتلَ ابنَ الزبير في سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، ثم بناه الحجاج على ما كان عليه في حياة رسول الله ﷺ ، وهو البناء الرابح، واستمر على ما هو عليه إلى هذا التاريخ، وهو أواخر سنة ست وتسعين وثمان مئة.

стр. 329

وكانت الكعبة تُكسى القَباطِيَّ، ثم كُسيت البُرودَ، وأولَ من كساها الديباجَ: الحجاجُ بن يوسف. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. (خلافة المؤتمن بالله مروان بن الحكم) هو أبو عبد الملك مروانُ بنُ الحكمِ بنِ أبي العاصِ بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ منافٍ، وأمُّه آمنةُ بنتُ علقمةَ بنِ صفوانَ الكنانيةُ، ومولده سنة اثنتين من الهجرة، وأسلم أبوه الحكم عام الفتح، ونفاه رسول الله ﷺ إلى الطائف، ولما توفي رسول الله ﷺ ، كلّم عثمانُ أبا بكر في ردِّه؛ لأنه عمه، فلم يفعل، وكذلك سأل عمرَ، فلم يفعل، فلما ولي عثمان، ردَّه، وقال: إن رسول الله ﷺ وعدني أن يردَّه. وتوفي الحكمُ في خلافة عثمان بن عفان. وكان مروان قصيرًا دميمًا، كثير السفه في اللفظ. بويع له في خلافة ابن الزبير بعد أن افترق الناس فرقتين: فريقًا يهوى بني أمية، وفريقًا يهوى ابن الزبير، ووقع بينهم خلاف، وجرى بينهم وقائع وحروب، ثم استقر أمر الشام إلى مروان، ودخلت مصر في طاعته في سنة خمس وستين. أمر مروانُ الناس بالبيعة لابنه عبد الملك، ومن بعده لأخيه

стр. 330

عبد العزيز، وفي هذه السنة مات مروان بدمشق بالطاعون، وكانت وفاته فجأة لثلاث خلون من رمضان، سنة خمس وستين، وقيل: إن زوجته خنقته، وقيل: إنها سمَّته. وكانت مدة ولايته تسعة أشهر، وثمانية عشر يومًا، وعمره ثلاث وستون سنة. أولاده: أبو الوليد عبدُ الملك، وعبد العزيز، ومحمد، ومعاوية، وعبيد الله، وعبد الله، وداود، وعبد الرحمن، وعمر، وبشر. كاتبه: سفيان الأحول. وقاضيه: أبو إدريس الخولاني. وحاجبه: أبو سهيل مولاه. نقش خاتمه: بالله ثقتي ورجائي. والحمد لله رب العالمين. (خلافة الموفق لأمر الله عبد الملك بن مروان) هو أبو الوليد، عبدُ الملك بنُ مروانَ بنِ الحكمِ بنِ أبي العاصِ بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّه عائشةُ بنت معاويةَ بنِ المغيرةِ بنِ أبي العاص. ولد سنة ست وعشرين من الهجرة في خلافة عثمان ﵁، وكان

стр. 331

رجلًا رَبْعًا، أبيض، ليس بالنحيف، وهو أول من سُمي عبد الملك في الإسلام، وكان أَفْوَهَ، مفتوحَ الفم، مشبك الأسنان بالذهب، وكان يكنى: رشح الحَجَر؛ لبخله، وأبو الذباب؛ لبَخره. بويع له في ثالث شهر رمضان، سنة خمس وستين، ووعد الناس يوم بويع خيرًا، ودعاهم إلى إحياء الكتاب والسنة، وإقامة العدل. وكان قبل ولايته مشهورًا بالعلم والصدق والدين، فلما تولى الخلافة، استهوته الدنيا، فتغير عن ذلك. وكان يحب الفخر والمدح، فكثرت في أيامه الشعراء، وكان من فحول شعرائه: جرير، والفرزدق، والأخطل. * ذكر شيء مما اتفق في أيامه: لما استقر في الخلافة، ودخلت سنة ست وستين، فيها ابتدأ عبد الملك ببناء القبة على الصخرة الشريفة، وعمارة المسجد الأقصى، فكملت العمارة سنة ثلاث وسبعين، وذلك لأن عبد الملك منع الناسَ من الحج؛ لئلا يميلوا مع ابن الزبير، فضجُّوا، فبعث رجاءَ بنَ حيوةَ، ويزيدَ بنَ سلام بأموال جزيلة إلى بيت المقدس، فبُنيت القبة، وفُرشت بالرخام الملون وغيرِه من البُسط الملونة، وعمل فيه صورة الصراط، وباب الجنة، وقَدَمَ الرسول، ووادي جهنم؛ ليشتغل الناس بذلك عن الحج، فكان ابن الزبير يشنِّع على عبد الملك بذلك، ويأتي ذكر ذلك في ترجمة أبي المقدام رجاء بن حيوة بن جرول الكندي في حرف الراء - إن شاء الله تعالى -.

стр. 332

* ذكر غير ذلك: قد تقدم - في خلافة ابن الزبير - تتبعُ المختار بن عبيد لقتلَةِ الحسين، وقتلهم، وقتل عُبيد الله بن زياد، ثم إن المختار أقام بالعراق إلى سنة سبع وستين فبعث إليه ابن الزبير أخاه مصعبًا فقتل المختار وملك العراق إلى سنة إحدى وسبعين، فجهز عبدُ الملك الجيوش لمحاربة مصعبِ ابن الزبير، فتلاقوا بدير الجاثليق، فقُتِل مصعب، وحُملت رأسه إلى عبد الملك، وقَتل عبدُ الملك عمرَو بنَ سعيدِ بنِ العاصِ الأشدقَ. وبعث عبدُ الملك الحجاجَ بنَ يوسفَ إلى حرب عبد الله بن الزبير بمكة، فأتى الحجاجُ الطائفَ، فأقام بها شهورًا، ثم زحف إلى مكة، فحاصر ابنَ الزبير في هلال ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، ودام الحصار حتى غلت الأسعار، وأصاب الناسَ مجاعةٌ. وزاد الحَجاجُ في الحصار والقتال، ورمى الكعبةَ بالمنجنيق، فلما رمى به، أرعدت السماء وأبرقَتْ، فخاف أهل الشام من ذلك، فصاح الحَجاج بالناس: إن هذه صواعقُ تهامة، وأنا ابنها، وقام فرمى بنفسه، فزاد ذلك، حتى إن قعقعة البرق تزيد على حس الحجارة، وجاءت صاعقة تتبعها أخرى، فقتلت من أصحاب الحجاج اثني عشر رجلًا، وزاد خوفُ أهل الشام، فقال الحَجاج لأصحابه: إنهم مصيبهُم ما أصابكم، فلما أصبحوا، صعقت السماء، فقُتل بعضُ أصحاب ابن الزبير، فقال الحجاج لأصحابه: ألم أقلْ لكم إنه مصيبهُم ما أصابكم؟ وخرج ابن الزبير، فقاتل قتالًا شديدًا، وتكاثر أهل الشام ألوفًا من

стр. 333

كل باب، فشدخوه بالحجارة، فانصرع، فانكبَّ عليه موليان له، فقتلوا جميعًا، وتفرق أصحابه، فأمر به الحجاجُ، فصُلب، وكان ذلك يوم الثلاثاء، لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين، بعد قتال سبعة أشهر. ولما قُتل ابن الزبير، كَبَّر أهلُ الشام؛ لفرحهم بقتله، وكان له من العمر حين قتل نحو ثلاث وسبعين سنة، وهو أول من ولِد من المهاجرين بعد الهجرة، وكان كثير العبادة، مكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره، وبعد قتله بثلاثة أشهر توفي عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وعمره سبع وثمانون سنة. وكانت خلافة ابن الزبير تسع سنين؛ لأنه بويع له سنة أربع وستين، وكان سلطانه بالحجاز والعراق وخراسان وأعمال الشرق، وكانت له ﵁ جُمَّة مفروقة طويلة، ولما صُلب، علَّق الحجاجُ إلى جانبه كلبًا ميتًا، ومنع والدتَه من دفنه، وكان لها من العمر مئة سنة، ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بصلبه، فكتب إليه يلومه، ويقول له: هلَّا خلَّيت بينه وبين أمه؟ فأذن لها الحجاج، فدفنته، وماتت بعده بقليل، وهي أسماء بنتُ أبي بكر الصديق ﵁، وكانت تُدعى: ذات النطاقين. وتقدم في ترجمة ابن الزبير ذكرُ هدم الحجاج الكعبة، وإعادتها. وفي سنة سبع وسبعين: أمر عبد الملك بضرب الدراهم والدنانير، وهو أول من أحدث ضربها في الإسلام، فانتفع الناس بذلك، وكان

стр. 334

النقش عليها على الجانب الواحد: الله أحد، وعلى الآخر: الله الصمد، وكانت الدنانير والدراهم قبل ذلك روميةً وكِسْرَوية. وكان عبد الملك يسرع إلى سفك الدماء، وكذلك كان عماله، ولو لم يكن غير الحجاج بن يوسف، لكفاه في الظلم والجَور، وسفك دماء الأخيار الصالحين، وخَتَم أيدي جماعة منهم بالرصاص استخفافًا بهم، كما يفعل بأهل الذمة، منهم: جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وسهل ابن سعد. ويكفي في قبح سيرته قتلُ سعيد بن جبير، ولم يعش الحجاج بعدَه إلا نحو شهر أو شهرين، وما مات الحجاج حتى وقعت في جوفه الآكلة، فمات. وعِدّة من قتله الحجاج صبرًا مئة ألف، وعشرون ألفًا. ومات وفي حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، وركب في يوم جمعة، فسمع ضجة المحبوسين، فالتفت إلى ناحيتهم، وقال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فلم يركب بعدها، ومات في تلك الجمعة. وتوفي عبد الملك في يوم الخميس، لخمس عشرة ليلة مضت من شوال، سنة ست وثمانين، وعمره ستون سنة، وكانت خلافته منذ قتل ابن الزبير، واجتمع له الناس ثلاث عشرة سنة، وأربعة أشهر تنقص سبع ليال، وكان بالشام وما والاها قبل قتل ابن الزبير سبع سنين، ونحو تسعة أشهر.

стр. 335

أولاده: الوليد، ويزيد، وهشام، وسليمان، ومروان الأكبر، ومروان الأصغر، ومعاوية، وعبد الله، ومسلمة، والمنذر، ومحمد، وسعيد، والحَجَّاج، وغيرهم. كاتبه: روح بن زنباع، وقبيصة بن ذؤيب. حاجبه: يوسف مولاه، وغيره. نقش خاتمه: أؤمن بالله مخلصًا. والحمد لله وحده. (خلافة المنتقم لله الوليد بن عبد الملك) هو أبو العباس، الوليدُ بنُ عبدِ الملك بنِ مروان، وأمُّه ولَّادة ابنةُ العباس بنِ مازنٍ العبسيةُ، وكان أسمر جميلًا، بوجهه آثارُ جُدَري، وكان جبارًا، ذا سطوة شديدة، كثير النكاح والطلاق، يقال: إنه تزوج ثلاثًا وستين مرة. بويع له في منتصف شوال، سنة ست وثمانين، يوم دفن أبوه بعهد منه. والوليد هو الذي بنى جامع دمشق، قيل: إنه أنفق عليه أربع مئة صندوق، في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار، وكان فيه عشرة آلاف رجل في كل يوم، وكان فيه ست مئة سلسلة من ذهب، فلم يستطع أحد الصلاة فيه، فرُفعت في أيام عمر بن عبد العزيز، وحطت في بيت

стр. 336

المال، وعوضت بالحديد. وكان في جنب الجامع كنيسة قد سلمت للنصارى، بسبب أنها في نصف البلد الذي أُخذ بالصلح، وكانت تعرف بكنيسة مار يوحنا (١)، فهدمها الوليد، وأدخلها في الجامع، وكان بناء الجامع في سنة ثمان وثمانين من الهجرة. والوليد أولُ من اتخذ البيمارستان للمرضى، ودار الضيافة، وبنى الأميال في الطرقات، ووضع المنابر، وولى ابنَ عمه عمرَ بنَ عبد العزيز المدينةَ، فقدمها، ونزل في دار جدِّه مروان، ودعا عشرة من فقهاء المدينة، وهم: عروة بن الزبير بن العوام، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن سلمان، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، وسالم بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب ﵁، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد، فقال لهم عمر بن عبد العزيز: أريد أن لا أقطع أمرًا إلا برأيكم، فما علمتم من تعدي عامل، أو من ظُلامة، فعرِّفوني به، فجزوه خيرًا. ثم في سنة سبع وثمانين: كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم مسجد رسول الله ﷺ ، وهدم بيوت أزواج النبي ﷺ ، وأن يُدخل البيوت في المسجد، بحيث تصير مساحة المسجد مئتي ذراع في مئتي

стр. 337

ذراع، وأن يضع أثمان البيوت في بيت المال، فأجاب (١) أهلُ المدينة إلى ذلك، وقدمت الفَعَلَة والصنَّاع من عند الوليد لعمارة المسجد، وتجرد لذلك عمر بن عبد العزيز، وشيد مسجد رسول الله ﷺ ، وأدخل فيه المنازل التي حوله، ومن الحوادث في أيامه أن الزلازل دامت أربعين يومًا، وشمل الهدم الأبنية، وفي أيامه مات عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ﵁. ومات أنس بن مالك الأنصاري سنة تسعين، وكان عمره ستًا وتسعين سنة، وقيل: مئة وست سنين. وتوفي علي بن الحسين بن زين العابدين سنة أربع وتسعين. وفي هذه السنة، وقيل: سنة خمس وتسعين قَتل الحجاج سعيدَ بن جيبر - رحمة الله عليه -، فضرب عنقه، وكان من أعلام التابعين، أخذ العلم عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعنه روى القرآنَ أبو عمرو. وقال أحمد بن حنبل ﵁: قتل الحجاجُ سعيدَ بنَ جُبير، وما على وجه الأرض أحدٌ إلا وهو مفتقرٌ إلى علمه. ومات الحجاج بنُ يوسف في شوال سنة خمس وتسعين، وله من العمر أربعة وخمسون سنة، وقيل غير ذلك، وكانت ولايته للعراق عشرين سنة.

стр. 338

وتوفي الوليد في يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين. وكانت مدة خلافته تسع سنين، وسبعة أشهر، ودُفِن خارج الباب الصغير، وقيل: في مقابر الفراديس، وصلَّى عليه عمرُ بن عبد العزيز ﵁، وكان عمر الوليد اثنتين وأربعين سنة، وستة أشهر. أولاده: يزيد، وإبراهيم، والعباس فارسُ بني أمية، وعمرو فحلُ بني مروان، وأولاد كثيرة غير هؤلاء، يقال: إنه ركب في ستين من صلبه. كاتبه: قرة بن شريك، ثم قبيصة بن ذؤيب، ثم يزيد بن أبي كبشة. حجَّابُه: خالد مولاه، ثم سعيد مولاه. نقش خاتمه: يا وليد إنك ميت ومحاسَب. والحمد لله. (خلافة المهدي بالله الداعي إلى الله سليمان بن عبد الملك) هو أبو أيوب، سليمانُ بنُ عبدِ الملك، أمُّه ولأَدة أمُّ أخيه الوليد، وكان أبيضَ طويلًا فصيحًا، لَسِنًا أديبًا حليمًا، متوقفًا عن الدماء، شديدًا في بدنه، أَكولًا، جميلًا، معجَبًا بنفسه، شديدَ الشَّرَه في النكاح. بويع له يومَ وفاة أخيه بدمشق، وهو غائبٌ بالرملة، فلما وصل إليه الخبر بعد سبعة أيام، سار إلى دمشق، ودخلها، ثم صعد المنبر، فحمد

стр. 339

الله، وأثنى عليه، وصلَّى على رسول الله ﷺ ، ووعظ الناس، ثم نزل، وأقرَّ عمال من كان قبله على عملهم، وأحسن السيرة، وردَّ المظالم، واتخذ ابنَ عمه عمرَ بن عبد العزيز وزيرًا. وكان شرهًا في الأكل، يأكل كل يوم مئة رطل من الطعام بالعراقي، وربما أتاه الطباخ بالسفافيد فيها الدجاج المشوية، فَلِنهْمَتِه يُدخل يدَه في كمه حتى يقبض على الدجاجة وهي حارة، فيفصلها، ويأكلها. وفي أيامه كثرت الزلازل، ودامت ستة أشهر. وفي أيامه أمر ببناء المقياس بمصر، وهو الذي يقاس به اليوم. وتوفي في أيامه عبدُ الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. ولما اشتد مرض سليمان، وثقل، عَهِدَ لعمرَ بن عبد العزيز، ثم مات - رحمه الله تعالى - بدابق من أرض قِنَّسرين. وقيل: كان سبب موته: أنه أتاه نصراني، وهو نازل على دابق بزنبيلين مملوءين تينًا وبيضًا، فأمر مَن يقشر له البيض، وجعل يأكل بيضة وتينة، حتى أتى على الزنبيلين، ثم أتوه بمخ وسكر، فأكله، فانتخم، ومرض ومات (١). وكانت وفاته يوم الجمعة، لعشر ليال بقين من صفر، سنة تسع

стр. 340

وتسعين، فكانت خلافته سنتين، وثمانية أشهر، وكان عمره خمسًا وأربعين سنة، وصلى عليه عمرُ بن عبد العزيز، وترحَّم الناس عليه لاستخلافه له. وخلف من الولد أربعة عشر ذكرًا. كاتبه: يزيد بن المهلَّب، ثم الفضل بن المهلب، ثم عبد العزيز بن الحارث. عامله: محمد بن حزم. حاجبه: أبو عبيدة مولاه. نقش خاتمه: آمنت بالله مخلصًا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. * * * - خلافة المعصوم بالله عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، والإمام العادل، هو: أبو حفص، عمرُ بنُ عبد العزيز بنِ مروانَ بنِ الحكمِ بنِ أبي العاصِ بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسٍ، القرشيّ الأمويّ، التابعي بإحسان. أجمع الناس على جلالته وفضله، ووفور علمه وصلاحه، وزهده وورعه، وعدله وشفقته على المسلمين، وحسن سيرته فيهم، وبذلِ وسعه في الاجتهاد في طاعة الله تعالى، وحرصه على اتباع آثار رسول الله ﷺ ،

стр. 341

والاقتداء بسنته، وسنة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون، ومناقبُه أكثر من أن تحصر. أمُّه أمُّ عاصم حفصةُ بنتُ عاصمِ بنِ عمرَ بنِ الخطاب، واسمها ليلى. بويع بالخلافة حين مات سليمان بن عبد الملك، في صفر سنة تسع وتسعين، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، نحو خلافة أبي بكر ﵁، فملأ الأرض قسطًا وعدلًا، وسَنَّ السننَ الحسنة، وأمات الطرق السيئة. ومن أعظم حسناته: إبطال سبِّ عليِّ بن أبي طالب ﵁ على المنابر؛ فإن خلفاء بني أمية كانوا يسبونه، من سنة إحدى وأربعين، وهي السنة التي خَلع الحسن فيها نفسه من الخلافة، إلى أول سنة تسع وتسعين، آخر أيام سليمان بن عبد الملك، فلما ولي عمر، أبطل ذلك، وكتب إلى نوابه بإبطاله، ولما خطب يوم الجمعة، أبطل السبَّ في آخر الخطبة بقراءة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فلم يُسَب عليٌّ بعد ذلك، واستمر الخطباء على قراءة هذه الآية. ومدحه كثير بنُ عبد الرحمن الخزاعيُّ، فقال: وَلِيتَ فَلَمْ تَشْتُمْ عَلِيًّا ولم تُخِفْ ... [بَرِيًّا] وَلَمْ تَتْبَعْ سَجِيَّةَ مُجْرِمِ

стр. 342

وَقُلْتَ فَصَدَّقْتَ الَّذِي قُلْتَ بِالَّذِي ... فَعَلْتَ فَأَضْحَى رَاضِيًا كُلُّ مُسْلِمِ قال سُفيان الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز. وقال أحمد بن حنبل ﵁: يُروى في الحديث: "أنَّ اللهَ تعالى يَبْعَثُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِئَةِ عَامٍ مَنْ يُصَحِّحُ لِهَذهِ الأُمَّةِ دِينَهَا" (١)، فنظرنا في المئة الأولى، فإذا هو عمر بن عبد العزيز. وكان ﵁ أسمر نحيفًا، حسن الوجه واللحية، في وجهه شَجَّة، يقال له: أَشَجُّ بني أمية، ضربَتْه دابةٌ في وجهه. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من ولدي رجلٌ بوجهِه شَجَّةٌ، يملأ الأرضَ عدلًا. ولما ولي ﵁، أُتِيَ بمركب الخلافة، فقال: دابتي أوفقُ، وركب دابته، وصرفَ تلك الدواب، ولبس ثياب الصوف والقطن، وصرفَ عمال مَنْ كان قبله من بني أمية، وولَّى أصلحَ مَنْ قَدَرَ عليه، فسلك عمالُه طريقته. وكان يردُّ المظالم إلى أهلها، وأمرَ بوضعِ المكسِ من كل أرض.

стр. 343

وكان يغسل ثيابه، فما يخرج حتى تنشف؛ لأنه لم يكن له غيرُها، وما أحدث بناءً منذ ولي. وكانت فاطمةُ بنتُ الحسن تثني على عمر بن عبد العزيز ﵁، وتقول: لو كان لنا عمرُ بنُ عبد العزيز، ما احتجنا بعده إلى أحد. وكان ﵁ محمودَ السيرة، ولم يكن بعد الخلفاء الأربعة إلى أيامه مثلُه. وكان ﵁ قد قسَّم عمره على ثلاثة أقسام: فيوم للقضاء، ويوم لأهله، ويوم لحوائج الناس، والليل للعبادة. وكان إذا جَنَّه الليل، لبس جبة صوف، ووضع الغُلَّ في عنقه، والقيدَ في رجله، ونادى: يا رب! هذا عذاب الدنيا، فكيف عذابُ الآخرة؟ ! وأحواله ﵁ وفضائلُه غير محصورة. ولما مرض ﵁ مرضَ موته، قالت زوجته: لما اشتد عليه المرض، سهرنا معه ليلة، فلما أصبحنا، أمرتُ وصيفًا لنا - يسمَّى فريدًا - أن يكون عنده، فإن كانت له حاجة، قضاها له، ونمنا، فلما كان الفجر، توجهت إليه، فرأيت فريدًا خارجا من عنده، فقلت: ما أخرجك؟ قال: هو أخرجني، وقال لي: إني أرى شيئًا، ما هو بإنس ولا جان، وسمعته يقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، فدخلت عليه، فوجدته قد مات، بعد أن وجَّه

стр. 344

نفسَه إلى القبلة ﵀. ودام مرضُه الذي توفِّي فيه عشرين يومًا. وقيل له: من توصي بأهلك؟ فقال: إن وَلِيِّيَ فيهم الذي نَزَّل الكتابَ، وهو يتولى الصالحين. وكانت وفاته بدير سمعان، من أعمال حمص، يوم الجمعة، لخمس بقين من رجب، سنة إحدى ومئة، وقبره هناك يزار ويُتبرَّك به، وهو قريب من معرة النعمان، ولم يعرض له كما عرض لقبور بني أمية. وكان موته بالسُّم عند أكثر أهل النقل؛ فإن بني أمية علموا أنه إن امتدت أيامه، أخرج الأمرَ من أيديهم، وأنه لا يعهَد بعده إلا لمن يُصلح الأمر، فعاجَلوه، وما أمهلوه. وكان مولدُه بمصر - على ما قيل - سنة إحدى وستين، وكان عمره أربعين سنة، وشهرًا. وكان متحريًا سيرة الخلفاء الراشدين، وأوصى أن يُدفن معه شيء كان عنده من شعر النبي ﷺ ، وأظفار من أظفاره، وقال: إذا متُّ، فاجعلوه في كفني، ففعلوا ذلك. وعن يوسفَ بن ماهك، قال: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز، إذ سقط علينا رَقٌّ من السماء فيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار. ﵁ وأرضاه، وجعل مثواه الجنة.

стр. 345

أولاده ﵁: كان له أربعة عشر ذكرًا، منهم: عبد الملك، الولد الصالح بن الصالح، كان من أعبد الناس وأزهدهم، توفي في خلافة أبيه، وهو ابن سبع عشرَة سنة وستة أشهر، وكان أحد المشيرين على أبيه بمصالح الرعية، المُعِينينَ على الاهتمام بمصالح الناس، وكان وزيرًا صالحًا، وبطانة خير ﵀، وكان أبرَّ أهل عصره بوالده، ودخل عليه أبوه في مرض موته، فقال: يا بني! كيف تجدك؟ قال: يا أبت! أجدني في الحق، قال: يا بني! لأن تكون في ميزاني أحبُّ إليَّ من أكون في ميزانك، فقال له: يا أبت! لَئِنْ يكون ما تحب، أحبُّ إلى من أن يكون ما أحب، فمات في مرضه ذلك - رحمه الله تعالى -. كاتبه: رجاء الكندي. قاضيه: عبد الله بن أسعد. حُجَّابُه: جيش، ومزاحم مولياه. نقش خاتمه: عمر مؤمن بالله مخلصًا. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. * * * * خلافة القادر بصنع الله يزيدَ بنِ عبد الملك * هو أبو خالد، يزيدُ بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمُّه عاتكةُ بنتُ يزيدَ بن معاويةَ بنِ أبي سفيان.

стр. 346

بويع بالخلافة لما مات عمر بن عبد العزيز، في رجب، سنة إحدى ومئة، بعَهدِ من سليمان بن عبد الملك إليه بعد عمر. وفي أيامه خرج يزيدُ بن المهلَّبِ بنِ أبي صفرة، [فأرسل إليه أخاه مسلمة، فقتله وقتَل جميع آل المهلب بن أبي صفرة]، (١) وكانوا مشهورين بالكرم والشجاعة، وفيهم يقول الشاعر: نَزَلْتُ عَلَى آلِ المُهَلَّبِ شَاتِيًا ... غَرِيبا عَنِ الأَوْطَانِ في زَمَنِ المَحْلِ فَمَا زَالَ بِي إِحْسَانهمْ وَافْتِقَادُهُمْ ... وَبِرُّهُمُ حَتَّى حَسِبْتُهُمُ أَهْلِي وفي أيامه في سنة اثنتين ومئة توفي عبيد الله بن عُتبة بن مسعود أحدُ الفقهاء السبعة بالمدينة. وعبيد الله المذكور هو ابنُ أخي عبد الله بن مسعود الصحابي. وهؤلاء الفقهاء السبعة هم الذين انتشر عنهم الفقه والفتوى. وقد نظم بعض الفضلاء أسماءهم فقال: أَلاَ كُلُّ مَنْ لا يَقْتَدِي بِأَئِمَّةٍ ... فَقِسْمَتُهُ ضِيزَى عَنِ الحَقِّ خَارِجَهْ

стр. 347

فَخُذْهُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ ... سَعِيدٌ سُلَيْمَانٌ أَبُو بَكْرِ خَارِجَهْ ونذكرهم على ترتيبهم في النظم: فأولهم: عبيد الله المذكور، وكان من أعلام التابعين، ولقي خَلْقًا كثيرًا من الصحابة. الثاني: عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي، وأبوه أحدُ العَشَرة المشهود لهم بالجنة، وأمُّ عروةَ أسماءُ بنت أبي بكر ﵁، وهي ذات النطاقين، وهو شقيق عبد الله بن الزبير، الذي تولى الخلافة، وتوفي عروةُ المذكور في سنة ثلاث وتسعين، وقيل: أربع وتسعين للهجرة، وكان مولده سنة اثنتين وعشرين. الثالث: قاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وكان من أفضل أهل زمانه، وأبوه محمد بن أبي بكر الذي قُتِل بمصر. الرابع: سعيد بن المسيب بن حَزْن بن أبي وهب القرشيُّ، جمع بين الحديث والفقه، والزهد والعبادة، وُلِد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁، وتوفي في سنة إحدى، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: خمس وتسعين. الخامس: سليمان بن سلمة، وتوفي سنة سبع ومئة، وقيل: غير ذلك، وعمره ثلاث وسبعون سنة. السادس: أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الحارث بن هشام بن

стр. 348

المغيرة، المخزميُ القرشيُّ، وكنيته اسمه، كان من سادات التابعين، وسمي: راهبَ قرشي، وأبوه الحارث، وهو أخو أبي جهل بن هشام، وتوفي أبو بكر المذكور في سنة أربع وتسعين للهجرة، وولد في خلافة عمر بن الخطاب. السابع: خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، وأبوه زيد بن ثابت، من أكابر الصحابة، الذي قال رسول الله ﷺ في حقه: "أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ" (١)، وتوفي خارجة المذكور في سنة تسع وتسعين للهجرة، وقيل: سنة مئة، بالمدينة، وأدرك زمن عثمان بن عفان ﵁. فهؤلاء السبعة المعروفون بفقهاء المدينة، وانتشرت عنهم الفتيا والفقه، وكان في زمانهم من هو في طبقتهم في الفضيلة، ولم يذكر معهم؛ مثل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وغيره، وتوفي سالم المذكور في سنة ست ومئة، وقيل غير ذلك، وكان من أعلام التابعين. وكان يزيد بن عبد الملك شديدَ الكِبْر والعُجب، صاحبَ لهو وشراب، ولم يشتهر أحد من الخلفاء باللهو كاشتهاره. وهو أول من استخفَّ بالمُلْك: يأذَنُ للندماء في الكلام والضحك واللهو في مجلسه، والردّ عليه، وهو أول من شُتم في وجهه من الخلفاء على سبيل الهزل. ومات يزيد بحوران، يوم الجمعة، لخمس بقين من شعبان، سنة

стр. 349

خمس ومئة، فكانت مدة خلافته أربع سنين، وشهرًا، وعمره أربعون سنة، وقيل غير ذلك. وكان أخوه هشام بالرصافة في دُويرةٍ له صغيرة، فأتاه البريد بالعصا والخاتم، وسُلِّم عليه بالخلافة، فسار حتى أتى دمشق، وولي الخلافة، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * خلافة المنصور هشامِ بنِ عبد الملك بنِ مروان هو أبو الوليد، هشامُ بن عبد الملك بن مروان، وأمُّه فاطمةُ بنت هشامٍ المخزوميّ، وكان أبيضَ مُشْرَبًا بصفرة، أحولَ، يخضب بالسواد، بويع له بعد أخيه يزيد بعهده له، لخمس بقين من شعبان، سنة خمس ومئة، وعمره أربعًا وثلاثين سنة، وأشهرًا. وكان أعظمَ ملكٍ في بني أمية، دانت له البلاد، وأدَّت إليه الجزيةَ الأُممُ، وكانت له سياسة حسنة، يباشر الأمور بنفسه، غير أنه كان فَظًّا غليظًا، كثيرَ البُخل كوالدِه، وكان له من الطراز والستور والكسوة ما لم يكن لأحد من قبله، ولما حجَّ، حمل ثيابَ بدنه على لست مئة جمل، وكان قليل المعروف جدًا، لم ير الناس زمانا أشدَّ من زمانه، وكان أحولَ - كما تقدم -، فقال يومًا لمن حضر مجلسه: من سبّني ولم يفحش،

стр. 350

فله هذه الحلة، فقال له أعرابي كان حاضرًا: يا أحول! قال: خذها، قاتلكَ الله. وعَرَض هشامُ الجندَ يومًا، فمر به رجل من أهل حمص، وهو على فرس نَفور، فقال له هشام: ما حَمَلَك على أن تربط فرسًا نفورًا؟ فقال الحمصي: لا والله يا أمير المؤمنين! ما هو نفور، ولكن نظرَ حولتك، فظن أنك عزُّون البيطار، فنفر، فقال هشام: تنحَّ، فعليك وعلى فرسك لعنةُ الله، وكان عزون نصرانيًا ببلاد حمص بيطارًا، كأنه هشامٌ في حولته. وفي أيامه بنى أخوه سعيد قبةَ بيت المقدس، وحجَّ بالناس سنة واحدة، وهي سنة ست ومئة. وخرج يوما وهو كئيب، فركب دابته، وسار ساعة، ومعه الأبرشُ الكلبي، فقال له الأبرش: يا أمير المؤمنين! مالي أراك مغمومًا؟ قال: وكيف لا أغتم؟ وقد زعم أهلُ العلم: أني ميتٌ بعد ثلاثة وثلاثين يومًا؟ قال: فما انقضت المدة حتى مات بالرصافة. وهو الذي بنى الرصافة، واختارها، وإليه تنسب، فيقال: رصافة هشام، وكانت مدينة رومية، ثم خربت، وهي صحيحة الهواء. وكانت وفاته لست مضين من ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين ومئة، وصلى عليه ابنه مسلم، فكانت خلافته تسع عشرة سنة، وتسعة أشهر، وعمره يوم توفي خمس وخمسون سنة.

стр. 351

ولما مات، لم يوجد ما يكفَّن فيه، ولا ما يسخَّن فيه الماء؛ لأن عياضًا كاتبَ الوليد ختم على جميع موجوده للوليد، فاستعاروا له من الجيران قُمْقُمًا لتسخين الماء، وكان له ألفُ تكَّة للسراويلات، وعشرة آلاف قميص، فكفنه خادمٌ له من ماله. وهذه موعظة عظيمة لمن تيقظ وتبصَّر. وكان له من الولد عشرة ذكور وبنات، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك * هو أبو العباس، الوليدُ بن يزيدَ بن عبد الملك، وأمُّه بنت محمدِ بنِ يوسفَ الثقفيِّ أخي الحجاجِ بن يوسف. كان مقيمًا في البرية بالأزرق؛ خوفًا من هشام، وكان في أسوأ حال في ذلك الموضع، ولما اشتد الضيق، أتاه الفرجُ بموت هشام. وكان أبيض اللون، ربعة، قد وَخَطَه الشيب. بويع بعد عمه هشام بعهد أبيه إليه بعد عمه، لِسِتٍّ مضين من ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين ومئة، بعد أن جاوز الأربعين، ولم يلِ الخلافة من ولد عبد الملك أكبرُ منه. وكان شاعرًا فصيحًا، مُجيدًا لركوب الخيل، وكان مصروفَ الهمة

стр. 352

إلى الشرب واللهو والطرب. وفي أيامه ظهر يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ بخراسان، منكِرًا للمظالم، وما عمَّ الناسَ من الجور، فبعث إليه الوليدُ نصرَ بن سَيَّارٍ المازنيَّ، فقَتَلَ يحيى بالمعركة بقريةٍ يقال لها: رعونة، ودفن هناك، وقبره مشهور ﵁. ومن سيرته القبيحة، واستخفافه بالدين: أن جاريته ليلى حَظِيَتْ عنده، وكانت أخذت الغناء عن مَعْبَدٍ، وابنِ عائشةَ، وغيرهما، فغنته يومًا، فشرب حتى سكر، ووافاها وهو سكران، فلما تنحى عنها، أذن المؤذن للصلاة، فحلف أن لا يصلِّي بالناس غيرُها، فلبست ثيابه، وتعممت، وتلثَّمت، وخرجت فصلَّت بالناس، فما شكُّوا أنه الوليد. وقرأ ذات يوم في المصحف: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] الآية، فنصب المصحف غرضًا للسهام، وأقبل يرميه ولقول: [الوافر] أتوعِدُ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ... فَهَا أَنَا ذَاكَ جَبَّار عَنِيد إِذَا مَا جِئْتَ رَبَّكَ يَوْمَ حَشْر ... فَقُلْ يَارَبِّ مَزَّقَنِي الوليدُ (١)

стр. 353

ولما ظهر منه الفساد، وسلوكه غيرَ الطرائق الحميدة، رماه بنو هاشم وبنو أمية بالكفر، وغِشيانِ أمهاتِ أولاد أبيه، وكان أشدَّهم عليه يزيدُ بن الوليد، ثم إن وجوه بني أمية اجتمعوا، وسعَوا في إفساد دولته، ثم وثب عليه أهلُ دمشق، فأخرجوه وحاصروه، فقال لهم الوليد: أطلعوني في قميصي هذا، ودعوني أتوجه إلى حال سبيلي، فقالوا: لا، إلا القتل، ثم دخلوا عليه، فقتلوه، واحتزُّوا رأسه، وخرجوا بها إلى يزيد ابن الوليد، فصلبه بيده على رمح، على درج مسجدِ دمشق. وكان قتله يومَ الخميس، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، سنة ست وعشرين ومئة، فكانت مدته سنة، وشهرين، واثنين وعشرين يوما، ثم حُمل ودفن بباب الفراديس، وصلى عليه إبراهيم بن الوليد. وكان له ثلاثة عشر ولدًا، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * خلافة الشاكر لأنعم الله يزيدَ بنِ الوليد بن عبد الملك بن مروان هو أبو خالد، يزيدُ بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، أمُّه شاه

стр. 354

فرند بنتُ فيروز بن كسرى، سباها قُتيبة بن مسلم بخراسان، وبعث بها إلى الحجاج بن يوسف، فبعث بها الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت له يزيد، ولم تلد غيره. وكان يزيد أسمر، نحيف البدن، مربوعًا، خفيف العارِضَين، كثيرَ العُجب، فصيحًا. بويع له لما قُتل الوليد لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، سنة ست وعشرين ومئة، وسمي: يزيد الناقص؛ لأنه نقص الناس العشرات التي زادها الوليد، وقررهم على ما كانوا عليه أيام هشام، ولما تولى، قام خطيبًا، فحمد الله، وأثنى عليه، واعترف بالعجز، ووعد الرعية بكل جميل فبايعه الناس وفرحوا به فأحسن السيرة وعدل في الناس حتى مات ﵀. وكانت وفاته بالطاعون، بدمشق بعيد الأضحى، سنة ست وعشرين ومئة، فكانت مدة ولايته خمسة أشهر، واثني عشر يومًا، وعمره ستًا وأربعين سنة، وقيل غير ذلك. وله عقب كثير لم تعرف أسماؤهم. وفي أيامه اضطرب أمر بني أمية، واختل نظامهم، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * *

стр. 355

* خلافة [. . . .] إبراهيم بن الوليد * هو أبو إسحاق، إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، أمُّه اسمها نعمة. مولده سنة ثمان وثمانين، وكان معتدل القامة، نحيفًا، خفيف العارضين، له ضفيرتان. بويع له بعد وفاة أخيه يزيد بعهد منه، فلم يتم له الأمر، وكان مرة يُدْعى بالخلافة، ومرة بالإمارة، وتارة لا يسلَّم عليه بواحدة منهما؛ لاختلاف الكلمة، وسقوط الهيبة. ثم إنه خلع نفسه، وسلَّم الأمر لمروان الجعدي بعد قتال وقع، وهرب إبراهيم، واختفى، ثم طلب الأمان، فآمنه، فقدم عليه، وبايعه في صفر، سنة سبع وعشرين ومئة، فكانت مدة ولايته سبعين يومًا، وقيل: أربعة أشهر، ولم يزل باقيًا إلى سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فقتله مروان، وصلبه، وقيل: غرق، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. * * * * خلافة [ .... ] مروان بن محمد * هو أبو عبد الملك، مروانُ بن محمد بن مروان بن الحكم، أمُّه لبانة جارية إبراهيم بن الأشتر، وكانت كُرديَّة، ويعرف بمروان الجعدي؛ لأن خاله الجعدُ بنُ درهم، فنسب إليه، وتعلم منه مذهبَه في القول
следующие страницы →