← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ولما مات، لم يوجد ما يكفَّن فيه، ولا ما يسخَّن فيه الماء؛ لأن عياضًا كاتبَ الوليد ختم على جميع موجوده للوليد، فاستعاروا له من الجيران قُمْقُمًا لتسخين الماء، وكان له ألفُ تكَّة للسراويلات، وعشرة آلاف قميص، فكفنه خادمٌ له من ماله. وهذه موعظة عظيمة لمن تيقظ وتبصَّر. وكان له من الولد عشرة ذكور وبنات، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك * هو أبو العباس، الوليدُ بن يزيدَ بن عبد الملك، وأمُّه بنت محمدِ بنِ يوسفَ الثقفيِّ أخي الحجاجِ بن يوسف. كان مقيمًا في البرية بالأزرق؛ خوفًا من هشام، وكان في أسوأ حال في ذلك الموضع، ولما اشتد الضيق، أتاه الفرجُ بموت هشام. وكان أبيض اللون، ربعة، قد وَخَطَه الشيب. بويع بعد عمه هشام بعهد أبيه إليه بعد عمه، لِسِتٍّ مضين من ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين ومئة، بعد أن جاوز الأربعين، ولم يلِ الخلافة من ولد عبد الملك أكبرُ منه. وكان شاعرًا فصيحًا، مُجيدًا لركوب الخيل، وكان مصروفَ الهمة

стр. 352

إلى الشرب واللهو والطرب. وفي أيامه ظهر يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ بخراسان، منكِرًا للمظالم، وما عمَّ الناسَ من الجور، فبعث إليه الوليدُ نصرَ بن سَيَّارٍ المازنيَّ، فقَتَلَ يحيى بالمعركة بقريةٍ يقال لها: رعونة، ودفن هناك، وقبره مشهور ﵁. ومن سيرته القبيحة، واستخفافه بالدين: أن جاريته ليلى حَظِيَتْ عنده، وكانت أخذت الغناء عن مَعْبَدٍ، وابنِ عائشةَ، وغيرهما، فغنته يومًا، فشرب حتى سكر، ووافاها وهو سكران، فلما تنحى عنها، أذن المؤذن للصلاة، فحلف أن لا يصلِّي بالناس غيرُها، فلبست ثيابه، وتعممت، وتلثَّمت، وخرجت فصلَّت بالناس، فما شكُّوا أنه الوليد. وقرأ ذات يوم في المصحف: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] الآية، فنصب المصحف غرضًا للسهام، وأقبل يرميه ولقول: [الوافر] أتوعِدُ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ... فَهَا أَنَا ذَاكَ جَبَّار عَنِيد إِذَا مَا جِئْتَ رَبَّكَ يَوْمَ حَشْر ... فَقُلْ يَارَبِّ مَزَّقَنِي الوليدُ (١)

стр. 353

ولما ظهر منه الفساد، وسلوكه غيرَ الطرائق الحميدة، رماه بنو هاشم وبنو أمية بالكفر، وغِشيانِ أمهاتِ أولاد أبيه، وكان أشدَّهم عليه يزيدُ بن الوليد، ثم إن وجوه بني أمية اجتمعوا، وسعَوا في إفساد دولته، ثم وثب عليه أهلُ دمشق، فأخرجوه وحاصروه، فقال لهم الوليد: أطلعوني في قميصي هذا، ودعوني أتوجه إلى حال سبيلي، فقالوا: لا، إلا القتل، ثم دخلوا عليه، فقتلوه، واحتزُّوا رأسه، وخرجوا بها إلى يزيد ابن الوليد، فصلبه بيده على رمح، على درج مسجدِ دمشق. وكان قتله يومَ الخميس، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، سنة ست وعشرين ومئة، فكانت مدته سنة، وشهرين، واثنين وعشرين يوما، ثم حُمل ودفن بباب الفراديس، وصلى عليه إبراهيم بن الوليد. وكان له ثلاثة عشر ولدًا، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * خلافة الشاكر لأنعم الله يزيدَ بنِ الوليد بن عبد الملك بن مروان هو أبو خالد، يزيدُ بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، أمُّه شاه

стр. 354

فرند بنتُ فيروز بن كسرى، سباها قُتيبة بن مسلم بخراسان، وبعث بها إلى الحجاج بن يوسف، فبعث بها الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت له يزيد، ولم تلد غيره. وكان يزيد أسمر، نحيف البدن، مربوعًا، خفيف العارِضَين، كثيرَ العُجب، فصيحًا. بويع له لما قُتل الوليد لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، سنة ست وعشرين ومئة، وسمي: يزيد الناقص؛ لأنه نقص الناس العشرات التي زادها الوليد، وقررهم على ما كانوا عليه أيام هشام، ولما تولى، قام خطيبًا، فحمد الله، وأثنى عليه، واعترف بالعجز، ووعد الرعية بكل جميل فبايعه الناس وفرحوا به فأحسن السيرة وعدل في الناس حتى مات ﵀. وكانت وفاته بالطاعون، بدمشق بعيد الأضحى، سنة ست وعشرين ومئة، فكانت مدة ولايته خمسة أشهر، واثني عشر يومًا، وعمره ستًا وأربعين سنة، وقيل غير ذلك. وله عقب كثير لم تعرف أسماؤهم. وفي أيامه اضطرب أمر بني أمية، واختل نظامهم، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * *

стр. 355

* خلافة [. . . .] إبراهيم بن الوليد * هو أبو إسحاق، إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، أمُّه اسمها نعمة. مولده سنة ثمان وثمانين، وكان معتدل القامة، نحيفًا، خفيف العارضين، له ضفيرتان. بويع له بعد وفاة أخيه يزيد بعهد منه، فلم يتم له الأمر، وكان مرة يُدْعى بالخلافة، ومرة بالإمارة، وتارة لا يسلَّم عليه بواحدة منهما؛ لاختلاف الكلمة، وسقوط الهيبة. ثم إنه خلع نفسه، وسلَّم الأمر لمروان الجعدي بعد قتال وقع، وهرب إبراهيم، واختفى، ثم طلب الأمان، فآمنه، فقدم عليه، وبايعه في صفر، سنة سبع وعشرين ومئة، فكانت مدة ولايته سبعين يومًا، وقيل: أربعة أشهر، ولم يزل باقيًا إلى سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فقتله مروان، وصلبه، وقيل: غرق، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. * * * * خلافة [ .... ] مروان بن محمد * هو أبو عبد الملك، مروانُ بن محمد بن مروان بن الحكم، أمُّه لبانة جارية إبراهيم بن الأشتر، وكانت كُرديَّة، ويعرف بمروان الجعدي؛ لأن خاله الجعدُ بنُ درهم، فنسب إليه، وتعلم منه مذهبَه في القول

стр. 356

بخلق القرآن، والقدر، لقب بالحمار؛ لأن العرب تسمِّي رأسَ كلِّ مئة سنة حمارًا، وملك بني أمية كان قد قارب مئة سنة في أيامه، فسمَّوه الحمار لذلك. ومولده سنة خمس وستين، وكان ضخم الهامة، رَبعة، أهدل الشفة، أبيض اللون، كثيف اللحية، شجاعًا، حازمًا، إلا أن مدته انقضت، فلم ينفعه حزمه. وهو آخر الخلفاء من بني أمية، قُتِل على يد صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان صالح قد هزمه، وأخرجه من الشام، فقتله ببوصير من حدود مصر في يوم الجمعة، لسبع بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وكان عمره يوم قُتِل سبعًا وستين سنة، فكانت مدة ولايته خمس سنين، وعشرة أشهر، وكان له وَلَدان: عبيد الله، وعبد الله، هربا بعد قتله، فأما عبيد الله، [فقد] صلبته الحبشة، وأما عبد الله، فإنه هرب إلى الأندلس، فمُسِك، وحُبِس، فلم يزل محبوسًا إلى أيام الرشيد، فأُخرج ضريرًا، ومات ببغداد، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * *

стр. 357

الدَّولةُ العَبَاسيَة

стр. 358

الدَّولةُ العَبَاسيَة روي في بعض الأخبار: أن النبيَّ ﷺ أعلم العباسَ باستيلاء ولدِه على الخلافة بعدَ بني أمية، فاستأذنه العباسُ في أن يَجُبَّ مذاكيره، فقال: "لا، فإنه أمر كائن" (١). وكان العباس أسنَّ من رسول الله ﷺ بثلاث سنين، وكان له من الأولاد: الفضل، وهو أكبر أولاده، وبه كان يُكنىّ، وعبد الله، وهو الحبر، وأبو الخلفاء من ولده، وعبيد الله، وكان جوادًا، وعبد الرحمن، وقثم، ومعبد، وغيرهم. وأسلم العباس قديمًا، وكان يكتم إسلامه، ثم أظهره يوم فتح مكة، وكان الناس إذا قحطوا على عهد عمر ﵁، خرج بالعباس، فاستسقى، وقال: اللهم إنا كنَّا نتوسَّل إليك بنبيك إذا قحطنا، فتسقينا، وإنا نتوسَّل إليك بعمِّ نبيك، فاسقِنا (٢).

стр. 359

وتوفي العباس يوم الجمعة، لأربع عشرة خلت من رجب، سنة اثنتين وثلاثين، وكان قد كُفَّ بصرُه، وله ثمان وثمانون سنة، وكان من أجود قريش. ولدُه عبدُ الله بن عباس ﵄: ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وحنّكه رسول الله ﷺ بريقه المقدَّس، ولا يُعلم أن أحدًا حُنِّك بريقِ النبوةِ غيره. وكان ﵁ حبر الأمة، ويسمى: البحر؛ لغزارة علمه ﵁، قال: رأيت جبريلَ مرتين، ودعا لي رسولُ الله ﷺ بالحكمة مرتين (١). ومن ولده علي ذو الثفنات أبو الخلفاء ﵁، وقيل له: السَّجاد؛ لأنه كان يصلِّي كلَّ يوم وليلة ألف ركعة، وكان أزهدَ أهل زمانه، وأعبدَهم. وتوفي عبد الله بن العباس بالطائف، سنة ثمان وستين، وهو ابن إحدى وسبعين سنة، ولما وضع ليُصلَّى عليه، جاء طائر أبيضُ حتى دخل في أكفانه، فالتُمس، فلم يوجد، فلما سُوِّي عليه التراب، سُمع صوت لا يُرى شخصه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]، وصلَّى عليه محمد بن الحنفية - رضوان الله عليهما -. وابتدأ أمر بني العباس يظهر، والدُّعاة لهم في البلاد تَكْثُر إلى سنة

стр. 360

ثمان وعشرين ومئة، إلى أن صفت المملكة لبني العباس. ثم إن عبد الله بن علي عمُّ أبي العباس، عبر الفرات، وحاصر دمشق حتى فتحها، ثم أخلاها من بني أمية، وقتلهم، وهدم سورها، ونبش قبور بني أمية، وأحرق عظامهم بالنار، فنبش قبر معاويةَ بن أبي سفيان، ونبش قبر يزيدَ ابنهِ، وقبرَ عبد الملك بن مروان، وقبر هشام بن عبد الملك، فوجِد صحيحًا، فأمر بصلبه، فصُلِب، ثم أحرقه بالنار، وذَرّاه. وتتبع، فقتل بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم، ولم يُفْلِت منهم غيرُ رضيع، أو مَنْ هرب، وكذلك قَتَل سليمانُ بن علي بن عبد الله بن عباس جماعةً من بني أمية بالبصرة، وألقاهم في الطريق، فأكلتهم الكلاب. ثم سار [صالح] بن علي في أثر مروان، فأدركه ببوصير من حدود مصر، فقتله، وبعث برأسه إلى أبي العباس، فبعثه إلى أبي مسلم، وأمره أن يطوف به في خراسان. وكان مروان لما أيقن بالهلَكَة، دفنَ قضيبَ رسولِ الله ﷺ ؛ كيلا يعثر عليه أحد، فدلَّهم على ذلك خَصِيٌّ من خدمه، والله أعلم. * * * * خلافة أبي العباس السفاح القائم بأمر الله * هو أبو العباس، عبدُ الله بنُ محمد بنِ علي بن عبد الله بنِ العباس

стр. 361

ابنِ عبد المطلب، وأمُّه ريطَة بنتُ عبد الله بن عبد المدان بن الديان بن زياد بن الحارث. وكان أبو العباس رجلًا طويلًا، أبيض اللون، حسن الوجه، ولد في أيام هشام بن عبد الملك. بويع بالكوفة يوم الجمعة، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين ومئة. ثم إنه بنى مدينة الأنبار، وسماها: الهاشمية. وكان كثير العقل، سامي الهمة، رفيع السؤدد، يحب المفاوضة والمذاكرة، وأخبار الأعراب، والقراءة بالألحان، والحُداء، وغناء الركبان. وكان أبرَّ خلق الله بأهله وأقاربه، وأحسنهم تعطُّفًا على بني عليِّ بن أبي طالب ﵁. وكان إذا تعادى رجلان من أصحابه، لم يسمع من أحدهما في الآخر شيئًا، ولم يقبله، وإن كان القائل عنده عدلًا في شهادته، ويقول: إن الضغينة القديمة تولِّد العداوة، وتحمل على إظهار المباينة. وكان سخيًا، وكان يُقعد العلويَّ عن يمينه، والأمويَّ عن شماله، ولم يكن أحدٌ من الخلفاء يحب مسامرة الرجال كأبي العباس، ووقع له لطائف ومسامرات مع الشعراء. ولما دنت وفاة أبي العباس، نظر يومًا في المرآة، فقال: اللهمَّ إني لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك: أنا الملكُ الشابُّ، ولكن أقول:

стр. 362

اللهمَّ عَمِّرني طويلًا في طاعتك، ممتَّعًا بالعافية، فما استتمّ كلامه حتى سمع غلامًا يقول لغلام آخر: الأجلُ بيني وبينك شهران، وخمسة أيام، فتطَيَّر، وقال: حسبي اللهُ، لا قوةَ إلا بالله، عليه توكلتُ، وبه أستعين، فما هي إلا أيام حتى أخذته الحمَّى، واتصل مرضه، فمات - رحمه الله تعالى - بعد شهرين وخمسة أيام، وكانت وفاته بالأنبار، في يوم الأحد، في ذي الحجة، سنة ست وثلاثين ومئة، وله اثنتان وثلاثون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون سنة، وكانت خلافته أربع سنين، وتسعة أشهر من حين بويع، ومن لدن قتل مروان أربع سنين، ولما مات، صلى عليه عمُّه عيسى بن علي. وخلّف تسع جباب، وأربعة أقمصة، وخمس سراويلات، وأربعة طيالسة، وثلاثة مطارف خز. وقد كان له ولد يدعى: محمدًا، مات صغيرًا، وابنة اسمها: ريطَة، تزوجها المهديُّ. وزيراه: أبو سلمةَ حفصُ بن سليمان الخلاَّل، وخالدُ بن بَرْمَك. وكان قاضيه يحيى بن سعيد الأنصاري، وحاجبه أبو غسان. * * * * خلافة أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي المنصور * هو أبو جعفر، عبدُ الله بنُ محمدِ بن علي بنِ عبدِ الله بنِ عباس، وأمُّه سلامة بنت بشير.

стр. 363

مولدُه سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، في خلافة الوليد بن عبد الملك. وكان أسمر، نحيف البدن، خفيف العارضين، يخضِب بالسواد، وقيل: إنه كان يغيّر شيبه بألف مثقال من المسك في كلِّ شهر. بويع له يوم مات أخوه، وكان يومئذ بمكة، وقام عمُّه عيسى بن علي ببيعته، وأتته الخلافة وهو بطريق مكة. وكان حازمَ الرأي، قد عركته الأيام والتجارب، وكان كثير اليقظة والتبصر في الأمور، قد جال في الأرض، وكتب الحديث، وتصرَّف في الأعمال، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ما لم يخرجْ إلى الناس، فإذا خرج، اربدَّ لونه، واحمرَّت عيناه، ولم يُر في داره لهو، ولا شيء يشبه اللهو. وكان المنصور يجلس صدرَ نهاره في إيوانه للأمر والنهي، والولايات والعزل، والخراج، وغير ذلك، ثم يتغدى، ويصلي الظهر، وَيقيل، فإذا صلى العصر، جلس لأهل بيته، ومن أحبَّ أن يسامره، فإذا صلى العشاء، نظر فيما ورد عليه من كتب الثغور والآفاق، وشاور سُمّاره في بعض ذلك، فإذا مضى ثلث الليل، قام إلى فراشه، وانصرف سمّارُه، فإذا مضى ثلثا الليل، قام من فراشه، وأسبغ الوضوء، وانتصب في محرابه حتى يطلع الفجر، فيخرج، فيصلي بالناس، ثم يدخل، فيجلس في إيوانه. وحج غيرَ مرة، وزار بيت المقدس، ووسّع المسجدَ الحرام ناحيةَ باب الندوة، سنة سبع وثلاثين ومئة، وبنى مسجد الخيف.

стр. 364

وفي أيامه فُتحت مدائنُ كثيرة، وبني له مجلسٌ على طاق باب خراسان من مدينته التي سماها: المنصورية، وهي مشرفة على الدجلة، وهي مدينة بغداد، وقيل: إن مقدار ما أنفق المنصور في بناء بغداد وسورها وخندقها وأسواقها ودورها أربعةُ آلاف ألف، وثمان مئة، وثلاثة وثلاثون ألف دينار. وكان الأستاذ من الصناع يعمل يومَه بقيراط فضة، وكان يعمل في بنائها في كل يوم خمسون ألف رجل. وكان المنصور قد استشار أصحابه، منهم: خالد بن برمك في نقض المدائن، وإيوان كسرى، ونقل نقض ذلك إلى بغداد، فقال خالد: لا أرى ذلك؛ لأنه علَم من أعلام الإسلام، وفيه مصلَّى علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -، فقال له المنصور: أبيتَ يا خالدُ إلا الميلَ لأصحابك العجم، وأمر بنقض القصر الأبيض، فنقضت ناحية، وحُمل نقضه، فنظروا، فإذا الذي لزمهم في ذلك أكثرُ من ثمن ما نقضوه، فدعا خالدَ بنَ برمك، فأعلمه بذلك، فقال: إني كنتُ قلتُ لمولانا أمير المؤمنين أن يتركه، والآن ما ينبغي الترك؛ لئلا يقال: عجز عنه، فأعرض عنه. ونَقَل أبوابَ واسط، فجعلها على بغداد، وباب جيء به من الشام، وباب آخر جيء به من الكوفة، كان عَمِلَه خالدُ بنُ عبد الله القَسْري. وجعل المدينةَ مدوَّرةَ الشكل؛ لئلا يكون بعض الناس أقربَ إلى السلطان من بعض، وعمل لها سورين، الداخلُ أعلى من الخارج، وبنى

стр. 365

قصره في وسطها، والمسجد الجامع بجانب القصر، وكان اللَّبِن الذي يُبنى به ذراعًا في ذراع. ولما فرغ من بنائها، وتم، حاسب المنصورُ القواد، فألزمَ كلَّ واحد بما بقي عنده، وأخذه، حتى خالدُ بنُ الصلت بقي عليه خمسةَ عشرَ درهمًا، فأخذها منه. ونُقل عن المنصور أمورٌ تدل على الشحِّ، ونقل عنه ضدُّ ذلك من السخاء والإعطاء. وكان الابتداء في عمارة بغداد سنة خمس وأربعين ومئة. وأراد المنصور أبا حنيفة على القضاء لما امتنع منه، وقال: لا أصلُح، فقال: أنت أبو حنيفة الفقيه، فكيف لا تصلح؟ ! فقال: إما أن أكون صادقًا، فيجب أن تقبل قولي، وإما أن أكون كاذبًا، فقاضٍ لا يكون كذابًا، فضربه، وحبسه، ومات في حبسه، وصلى عليه المنصور، سنة خمسين ومئة. وكان مولده سنة سبعين، وقيل: سنة ثمانين، وهو الصحيح. وفي أيامه ولد الإمام الشافعي ﵁ بعد موت أبي حنيفة ﵁، ولِد بغزة، وأقام بها سنتين، وسار إلى مكة، فنشأ بها. وفي أيامه تناثرت الكواكب في سنة سبع وأربعين ومئة. وتوفي جعفر الصادق ﵁، وتوفي معن بن زائدة، والأوزاعي، وأبو عمرو بن العلاء.

стр. 366

وتوفي المنصور يوم السبت، لسِت ليال من ذي الحجة، سنة ثمان وخمسين ومئة، وله خمس وستون سنة، عند بئر ميمونة، على أميال من مكة، وهو محرِم، وصلَّى عليه ابنُه صالح، ودُفِن بالحرم الشريف. وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة، وأحد عشر شهرًا. أولاده: محمد المهدي، وجعفر، وصالح، وسليمان، وعيسى، ويعقوب، والقاسم، وعبد العزيز، والعباس. قاضيه: عبد الله بن محمد بن صفوان، وشريك عبد الله. حاجبه: الربيع مولاه، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * خلافة المهدي * هو أبو عبد الله، محمدُ بنُ عبدِ الله المنصور، الملقبُ بالمهدي، وأمُّه أمُّ موسى بنتُ منصورِ بنِ عبدِ الله بنِ سهلِ بنِ زيدٍ الحميريِّ، وكان أسمر، طويلًا، بعينه اليمنى بياض، معتدل الخلق، جَعْدَ الشعر. بويع له يوم السبت، لسِتٍّ خلَون من ذي الحجة، سنة ثمان وخمسين ومئة، بين الركن والمقام، يوم مات أبوه، وقام ببيعته الربيعُ وزيرُ المنصور، والمهديُّ - آنذاك - ببغداد، وأنفذ الربيعُ الخبرَ مع مناده مولى أبي جعفر إلى بغداد، فبايع الناسُ المهديَّ البيعةَ العامة. ولما بويع، افتتح أمره برد المظالم، وكفِّ الأذى والقتل، وأمن

стр. 367

الخائف، وإنصاف المظلوم، وكان يقول: إذا جلستُ للمظالم، فأدخلوا عليَّ القضاةَ، فلو لم يكن رَدِّي للمظالم إلا للحياء منهم. وكان سخيًا، وبسطَ يدَه في العطاء، وبنى مسجد الرُّصافة، وخندقها، وكان كثير الولاية والعزل بغير سبب، وبنى العَلَمين اللذين يُسعى بينهما. وحجَّ بالناس سنة ستين ومئة، وجرَّد الكعبة، وكساها الديباج، وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أعلاها إلى أسفلها، وكانت الكعبة في جانب المسجد، لم تكن متوسطة، فهدم حيطانَ المسجد الحرام، وزاد فيه زيادات، واشترى الدور والمنازل، وأحضر المهندسين، وصَيَّر الكعبة في الوسط، ووسَّع مسجد رسول الله ﷺ ، وزاد فيه، وحمل العُمُد الرخام والذهب، ورفع سقفه، وألبسَ خارجَ القبر الشريف المقدس الرخامَ. وكانت عمارته للمسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ في سبع وستين ومئة، وكان قبل ذلك في سنة إحدى وستين أمر باتخاذ المصانع في طريق مكة، وتجديد الأميال والبُرد، وبتقصير المنابر في البلاد، وجعلها بمقدار منبر النبي ﷺ . ولما حج المهدي، دخل إلى مسجد النبي ﷺ ، فلم يبق أحدٌ إلا قام له، إلا ابن أبي ذؤيب، فقيل له: قم، هذا أمير المؤمنين، فقال: إنما يقوم الناس لربّ العالمين، فقال المهدي: دعوه، فلقد قامت كل شعرة في رأسي.

стр. 368

توفي المهدي في يوم الخميس، لثمان بقين من المحرم، سنة تسع وستين ومئة، وكان ابن ثمان وأربعين سنة، وولايته عشر سنين، وشهر ونصف، وصلَّى عليه ابنُه هارون الرشيد، ودُفِن تحت شجرة جوز كان يجلس تحتها. أولاده: هارون الرشيد، وموسى الهادي، وعلي، وعبد الله، ومنصور، ويعقوب، وإسحاق، والياقوتة، والغالية، والعباسية، وسليمة، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * خلافة موسى الهادي * هو أبو محمد، موسى بنُ المهدي، وأمّه أمُّ الرشيد الخيزران مُوَلَّدَة، وهي أُم الخلفاء، وكان طويلاَّ، جسيمًا، أفوه، بشفته العليا تقلص. بويع له يوم مات أبوه، وكان غائبًا بجرجان، فقدم الرشيد مدينةَ السلام، وأخذ البيعةَ للهادي. وكان الهادي شجاعًا بطلًا أديبًا، صَعْبَ المرام، جوادًا، أسخى أهل عصره، أنشده مُغَنٍ أبياتًا، فطرب لها، ثم نظر إلى بُخْتِيٍّ يمشي في الدار، فقال: أَوْقِروا هذا له ذهبًا، فاصطلحوا معه على ستين ألف دينار. وله أخبار مشهورة في الجود والسخاء. ولم يزل على جوده وسخائه حتى توفي ليلًا في يوم الجمعة، لأربع

стр. 369

عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، سنة سبعين ومئة. وولايته سنة وشهر، وصلى عليه هارون الرشيد، وله أربع وعشرون سنة، وفي ليلة وفاته مات وهو خليفة، وولي خليفة، وهو الرشيد، وولد خليفة، وهو عبد الله المأمون. ولم يحج الهادي في ولايته. ولده: علي، وإسحاق، وجعفر، وعبد الله، وله بنات، منهن: أم عيسى، تزوجها المأمون. قاضيه: أبو يوسف يعقوبُ بنُ إبراهيم. ووزيره: الفضل بن الربيع، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * خلافة هارون الرشيد * هو أبو محمد، وقيل: أبو جعفر، هارونُ بنُ محمدٍ المهديِّ، وأمُّه الخيزران أمُّ الهادي، وكان الرشيد طويلًا، أبيض، حسن الوجه، جميلًا، سمينًا، قد وَخَطه الشيب، كبيرَ العينين. بويع له يوم الجمعة، لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول، سنة سبعين ومئة، وهو ابن أربع وعشرين سنة، وكان متضلعًا من العلم والأدب والشعر.

стр. 370

وفي ليلةِ توفي الهادي وُلد لهارونَ ولدٌ سماه: عبدَ الله المأمون، ولم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة، وولي فيها خليفة، ووُلد فيها خليفة إلا هذه الليلة. ثم إن الرشيد استوزر البرامكةَ، وتقدَّموا عنده لأرفع درجات الإجلال، وقال ليحيى: قد وليتك أمورَ الناس، فاحكمْ في ذلك بما ترى من الصواب، واستعملْ من اخترتَ، ودفع إليه خاتمه. وكان الرشيد يحبُّ الشعر، ويهوى السماع، وكان يشرب في يومين من الجمعة: الأحد، والثلاثاء، وما رآه أحد يشرب نبيذًا ظاهرًا. وهو أول من جعل المغنين طبقات ومراتبَ على قدر إحسان المحسنِ منهم، وعلى قدر طبقاتهم ومراتبهم كانت تخرج جوائزهم وصِلاتهم. وكان الرشيد سخيًا كريمًا، جوادًا شجاعًا، كثير الحج والغزو، وكان يحج سنة، ويغزو سنة، حج في خلافته ثمان حِجَج، وقيل: تسعة، وغزا ثماني غزوات. وكان يصلي في كل يوم مئة ركعة، لا يتركها إلا لعارض شديد، حتى فارق الدنيا. وكان يتصدق من ماله كلَّ يوم بألف درهم. وعقد الرشيد البيعة لابنه محمد الأمين، وكان بنو هاشم تحب ولاية محمد الأمين تعصُّبًا من قبل أبيه وأمه.

стр. 371

وكان الرشيد والوزراء يعرفون لعبد الله المأمون مكانَه من العقل والذكاء والدهاء، والتفوق في العلم، فلم يزل أمره ينمو في نفس الرشيد، حتى عقد له البيعةَ بعد أخيه الأمين، ووافق في ذلك اليوم قدومُ الشافعي ﵁ إلى بغداد، فوجد الناس قد بَكَّروا ليهنئوا الرشيد، فجلسوا في دار العامة ينتظرون الإذن، وجعلوا يقولون: كيف يكون قولُنا؟ إن دعونا لهما، كان دعاءً على الخليفة، وإن لم ندع لهما، كان نقصًا في حقهما، فدخل الشافعي فجلس، وقال: لا قَصَّرَا عَنْهَا وَلاَ بَلَغَتْهُمَا ... حَتَّى يَطُولَ عَلَى يَدَيْكَ طِوَالُها (١) وحج الرشيد بالناس في سنة خمس وثمانين ومئة، وحج معه ابناه، وولِيَّا عهده: محمد الأمين، وعبد الله المأمون، وفرَّق في أهل مكة والمدينة ما مبلغه ألفُ ألفِ دينار، وخمسون ألف دينار، وعقد بين ولديه شرطًا، وعلقه في الكعبة، فلما رُفع الكتاب ليعلَّق بالكعبة، سقط قبل أن يعلق، فقال بعض الحاضرين (٢): هذا الأمر سريعٌ انتقاضُه قبل تمامه. واجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره من جدٍّ وهزل. قاضيه أبو يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه عم أبيه

стр. 372

العباسُ بن محمد، وحاجبه الفضلُ بن الربيع أنبهُ الناس، ومغنيه إبراهيمُ الموصليُّ أوحدُ عصره في صناعته، وزامرُه برصوما، وزوجتُه بنتُ جعفرٍ أرغبِ الناس في الخير، وأسرعِهم إلى كلِّ بِرّ، وأمُّه الخيزرانُ أمُّ الخلفاء، ووزراؤه البرامكة الذين لم يُرَ مثلُهم في الجود والسخاء، وكانت لهم عنده الرقية العلية، والمكانة المرضية، وكانوا عنده لهم الأمر والنهي، والعقد والحل، لا يقطع أمرًا دونهم، ولا يقدِّم أحدًا عليهم، فساسوا أمور الناس أحسنَ سياسة، وساعدَهم المقدور، وشهد بفضلهم الجمهور، ثم بعد ذلك قبض عليهم، وألبسهم بعد العز ثيابَ الذل، ونكَّل بهم، وقتلهم وصلبهم، وقتل جعفر بالأنبار آخر يوم من المحرم، سنة سبع وثمانين ومئة، وبعث بجثته إلى بغداد، ولم يزل يحيى وابنُه الفضل في الحبس حتى ماتا. والسبب في قتل جعفر: أن الرشيد زوَّجه أختَه عباسة؛ ليحل له النظر إليها، وشرط عليه أن لا يقربها، فوطئها، وحبلت منه، وجاءت بغلام، وقيل غير ذلك. وتوفي الرشيد بطوس، يوم السبت، لستٍّ خلون من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وتسعين ومئة، وصلى عليه ابنُه صالح. وكانت خلافته ثلائًا وعشرين سنة، وشهرين، وثمانية عشر يومًا، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن، ولا يؤخر جزاء، وكان يحب الشعراء والشعر، ويميل إلى أهل الأدب والفقه. أولاده: محمد الأمين، وعبد الله المأمون، ومحمد المعتصم، وصالح، ومحمد أبو عيسى، والقاسم، وإسحاق، وغيرهم، وبنات،

стр. 373

الواحدة منهن تعد عشرة خلفاء كلهم لها محرم: هارون أبوها، والهادي عمُّها، والمهدي جدُّها، والمنصورُ جدُّ أبيها، والسفاحُ عمُّ جدِّها، والأمينُ والمأمونُ والمعتصم إخوتها، والواثقُ والمتوكل ابنا أخيها. كاتبه: بشرٌ مولاه، ثم الفضل بن الربيع. وكان من [. . . .] الفضلُ بن فضالة. والحمدُ لله وحده، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * خلافة محمد الأمين بن هارون الرشيد * هو أبو عبد الله، وقيل: أبو العباس، محمدُ بنُ هارونَ الرشيد، أمُّه أَمَةُ العزيز بنتُ جعفرِ بن المنصور، ولقبُها زُبيدة، وكانت لها مآثرُ مشهورة، ولم يلِ الخلافةَ بعد علي بن أبي طالب مَنْ أمُّه هاشميةٌ غيرُ الأمين. وكان أبيض اللون، سمينًا، صغير العينين، جميلًا. بويع له لسبع خلون من جمادى الآخرة، سنة ثلاثٍ وتسعين ومئة، وله تسع وعشرون سنة، وثلاثة أشهر، وكان من أحسن الناس وجهًا، وأكملهم أدبًا، وأسخاهم على درهم ودينار، وأشرف الخلفاء أبًا وأمًا، وكان عالمًا بالشعر، كثير البلاغة، فصيح المقال، شديد القوة، إلا أنه كان كثير اللهو، يتبع هواه، ولم ينظر في شيء من عقباه، وكان - مع سخائه بالمال - أبخلَ الناس على طعام، وكان لا يبالي أين قعد، ولا مع من

стр. 374

شرب، ولو كان بينه وبين ندمائه حجاب من حديد، لخرقه إذا طرب، وخرج إليهم، وكان كواحد منهم. وكان كثير السفك للدماء، ضعيف الرأي، ليس عنده تبصرة في الأمور، ولا نظر في العواقب. وتوفي الأمين لخمس بقين من المحرم، سنة ثمان وتسعين ومئة، ومات قتلًا، قتله طاهر بن الحسين، لما جهَّزه لقتاله المأمونُ؛ لخلاف وقع بينهما، وأخذ رأسه، وجهزه للمأمون بخراسان، وكانت خلافته أربع سنين، وسبعة أشهر، والله أعلم. * * * * خلافة أمير المؤمنين المأمون بن هارون الرشيد * هو أبو العباس، وقيل: أبو جعفر، عبدُ الله المأمونُ بنُ هارونَ الرشيد، وأمه مراجلُ أُمُّ وَلَد، وكان أبيض اللون، تعلوه صفرة، أقنى الأنف، طويل اللحية، بخده خالٌ أسود. بويع له البيعة العامة يوم قتل أخيه، وقيل: بويع له يوم الاثنين، لخمس بقين من رجب، سنة ثمان وتسعين ومئة، وهو ابن ثمان وعشرين سنة. وكان كامل الفضل، كثير العفو، جوادًا، حسنَ التدبير. وهو أول من اتخذ الأتراك للخدمة، فكان يشتري الواحد منهم بمئة ألف، ومئتي ألف.

стр. 375

وكان يحب أهل العلم، ويجلس مع العلماء من أول النهار إلى آخره، يتناظرون بين يديه، فيرشدهم، ويمدهم بالأموال، ويفتقدهم إذا غابوا عنه، ويزورهم في منازلهم. وكان يحضر مع الناس على الطعام، ويخرج من الليل يطوف في عسكره، وكان يحب [أن] يسمع أخبار الناس، وكان في سخائه لا يوصف، حتى قال فيه بعضهم: إنه أجود من السحاب الحافل، والريح العاصف. وكان قاضيه: القاضي يحيى بن أكثم، وهو من ولد أكثمَ بنِ صَيْفي حكيمِ العرب، كان عالمًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام، ذكره الدارقطني في أصحاب الشافعي ﵁، وكان يحيى سليمًا من البدعة، ينتحل مذهب أهل السنة، وروى عنه الترمذي، والقاضي إسماعيل، وكان أحد الأئمة المجتهدين. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: ما عرفت فيه بدعة، وكان واسع العلم كثير الأدب. ونقل عنه حكايات في أمر المُرْد، وكان ميلُه إليهم في الشبيبة، فلما تكهل، أقبل على شأنه، ونفيت تلك الشناعة عنه. ولما أراد المأمون أن يوليه القضاء، دخل عليه، فاستحقره، فعلم يحيى بذلك، فقال: يا أمير المؤمنين! إن كان القصد علمي لا خَلقي، فسلني، فعرف المأمون فضله، فولاه. وكان يحيى من أدهى الناس، وأخبرهم بالأمور، وتوفي يحيى يوم

стр. 376

الجمعة، منتصف ذي الحجة، في السنة الثانية والأربعين بعد المئتين، وعمره ثلاث وثلاثون سنة ﵀، وعفا عنه -. وكان من وزراء المأمون: الحسن بن سهل السَّرخسي، وَزَر له بعد أخيه ذي الرياستين الفضل بن سهل، وحظي عند المأمون، وتزوج المأمون ابنتَه بوران، وولاه المأمون جميعَ البلاد التي افتتحها طاهرُ بن الحسين، وكان عالي الهمة، كثير العطايا للشعراء وغيرهم، وكان الحسن أحدَ الأجواد، وقيل: إنه أنفق في وليمة ابنته بوران - حين تزوج بها المأمون - أموالًا تجلُّ عن الوصف، وأوقد الحسن بن سهل للمأمون ليلة دخوله على ابنته بوران شمعة من عنبر، وزنها أربعون مَنًّا، في شمعدان من ذهب، وكان العرس في شهر رمضان، سنة عشر ومئتين. وعاشت بوران بعد المأمون إلى سنة إحدى وسبعين ومئتين، فتوفيت وعمرها ثمانون سنة، وكانت قيمة بعلم النجوم والحساب - رحمها الله تعالى -. وكان من ندماء المأمون: إسحاقُ بن إبراهيم الموصلي النديم، وكان نديمًا للرشيد قبل المأمون. غزا المأمون الروم، وفتح منها حصونًا وقلاعًا، وكان أمره نافذًا من إفريقية الغرب إلى أقصى خراسان ووراء النهر. وفي أيامه جاء سيل بمكة حتى بلغ الماءُ الحجر والباب، وهدم ألف دار، ومات نحو من ألف إنسان. ومات سفيان بن عُيينة، ومعروف الكرخي في أيامه، وتوفي

стр. 377

الشافعي ﵁ في سنة أربع ومئتين، وله أربع وخمسون سنة، ومات طاهر ابن الحسين، والواقدي، والأصمعي في سنة عشر ومئتين، وتوفي أبو العتاهية، وتوفيت زُبيدة زوجة الرشيد، وكانت معروفة بأفعال الخير والإفضال على العلماء والفقراء، ولها آثار كثيرة في طريق الحجاز، وحجَّت، فبلغت نفقتها أربعة وخمسين ألف ألف دينار. ولزبيدةَ جماعةُ محارمَ من الخلفاء: المنصورُ جدُّها، والمهدي عمُّها، والرشيد زوجُها، والأمينُ ابنها، والمأمون والمعتصم ولدا زوجِها، والواثق والمتوكل ابنا زوجها. وكان المأمون حسن الأخلاق، كثير العفو، يحب العفو ويؤثره، ولما غزا المأمون بلد الروم، وعاد، نزل بعين العشيرة، فأعجبه ماءَها من برد وصفاء، فطاب له الموضع؛ لكثرة خضرته، وحسن بهجته، فأقام هناك، ثم إنه احتُضر، ومات هناك، لثمان عشرة ليلة خلون من رجب، سنة ثماني عشرة ومئتين، وسنُّه ثمانِ وأربعون، ودُفن بطرسوس، فكانت خلافته عشرين سنة، وخمسة أشهر، وأيامًا. والحمد لله وحدَه، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * خلافة المعتصم بالله صاحب سُرَّ مَن رأى * هو أبو إسحاق، محمدُ بنُ هارونَ الرشيد، وأمُّه ماردةُ مولَّدَةٌ كوفية.

стр. 378

وكان أبيض اللون، حسن الوجه، مربوعًا، طويل اللحية، شديد البدن، يحمل ألف رطل، ويمشي بها خطوات. بويع له يوم مات المأمون أخوه، وكان بطرسوس، ثم قدم إلى بغداد، غُرَّة شهر رمضان، سنة ثماني عشرة ومئتين. وكان شجاعًا، مقدامًا، فارسًا، بطلًا، صنديدًا، وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب. وفتح عَمُّوريَّة في شهر رمضان، سنة ثلاث وعشرين ومئتين، لما بلغه أن الروم خرجت، فنزلت زِبَطْرَةَ، فتوجَّه المعتصم إليهم بنفسه، وفتحها، وقتل ثلاثين ألفًا، وأسر ثلاثين ألفًا. وكان بلغَه أن صاحب عمورية أسرَ امرأة من المسلمين هاشميةً، فنادت: وامعتصماه! فقال ملك عمورية: ما يأتيك المعتصم إلا على أبلق، فلما بلغ المعتصمَ ذلك، سار إليها في سبعين ألف أبلق، فلما فتحها، ودخل من بابها، نادى: لبيكِ أيتها المنادية، فقَتَلَ من قتَل، وأسَرَ من أَسَر. ومن كرمه: أنه أقطع شاعرًا مدينةَ الموصل، وهذا شيء لم يتقدمه فيه أحد من الأوائل، وبنى المعتصم مدينة سُرَّ مَنْ رأى، أنفق على جامعها خمس مئة ألف دينار، وانتقل إليها، وجعلها مقر خلافته، وسميت بهذا الاسم؛ لأنه لما انتقل إليها بأهله وعساكره، سُرَّ كلُّ واحد منهم برؤيتها. وكان السبب في بنائها: شكوى العامة إليه الجند من النزول عليهم

стр. 379

في مساكنهم، وتولعهم بحَرَم الناس وأولادهم، فبُنيت في أسرع وقت، وارتحل من بغداد إليها. واتسع ملك المعتصم جدًا، حتى صار له سبعون ألفَ مملوك سوى الأحرار، ومن الخيل ما لا يحصى. وهو الذي امتحنَ الإمامَ أحمدَ بن حنبل ﵁ في القول بخلق القرآن، فقال له الإمام أحمد: أنا رجل علمت علمًا، ولم أعلم فيه هذا، فأحضر له الفقهاء والقضاة، فناظروه، فامتنع من أن يقول بقولهم، فضربه المعتصم، وحبسه. وكان مدة حبسه ثمانية وعشرين شهرًا، وبقي إلى أن مات المعتصم، فلما ولي الواثق، أَمَرَهُ أن لا يخرج من بيته، إلى أن أخرجه المتوكل، وأحسن إليه. وكانت محنة الإمام أحمد ﵁ في سنة ثمان عشرة ومئتين. وكان من وزراء المعتصم: محمد بن عبد الملك الزيات، ثم كان وزيرَ الواثق بعده، ثم إن المتوكل غضب عليه، وقتله، وكان سبب وزارته: أنه ورد على المعتصم كتابٌ من بعض العمال، وفيه ذكر الكلأ، فقرأه الوزير أحمدُ بن عمار على المعتصم، فقال له: ما الكلأ؟ قال: لا أعلم، فقال المعتصم: لا حول ولا قوة إلا بالله، خليفةٌ أُميٌّ، ووزير عاميٌّ، انظروا مَنْ بالباب، فوجدوا ابنَ الزيات، فأدخلوه إليه، فقال له: ما الكلأ؟ قال: العشب على الإطلاق، فإن كان رطبًا، فهو كلأ، وإن كان يابسًا،

стр. 380

فهو حشيش، وشرعَ في تقسيم أنواع النبات، فعلم المعتصم فضلَه، فاستوزره، وحكم وبسط يده، وأمر أن لا يمرَّ بأحد إلا يقوم له، وكان القاضي أحمد بن أبي دُؤاد أرصدَ له غلامًا، إذا رآه مقبلًا، أعلمه، فيقوم يصلي حتى يجوزه ابنُ الزيات، فأنشد ابن الزيات: صَلَّى الضُّحَى لَمَّا اسْتَفَادَ عَدَاوَتِي ... وَأَرَاهُ يَنْسُكُ بَعْدَهَا وَيَصُومُ لاَ تَعْدَمَنَّ عَدَاوَةً مَسْمُومَةً ... تَرَكَتْكَ تَقْعُدُ تَارَةً وَتَقُومُ وكان ابنُ الزيات يقول بخلق القرآن. وكان يقال للمعتصم: الخليفة المثمّن، وذلك أن الله - جلَّ وعلا - وفَّق له كلَّ شيء في العدد، فأولها: أنه الخليفة الثامن من ولد العباس، وولي سنة ثمان عشرة، ومبلغُ ولايته ثمان سنين وثمانية أشهر، وثمانية أيام، ومولده سنة ثمان وسبعين، وغزا ثمان غزوات، وسنه ثمان وأربعون سنة، وخلف من المال ثمانية آلاف ألف درهم، ومثلها دنانير، وكانت أولاده يوم توفي ثمانية من الذكور، وثمانية من الإناث. وقالوا: كان الثامنَ من ولد الرشيد، وتوفي وله ثمان وأربعون سنة، وهو أولُ من أُضيف إلى لقبه اسمُ الله تعالى من الخلفاء. وفي أيامه زلزلت فرغانة، فمات بها أكثر من خمسةَ عشرَ ألفًا، ورجفت الأهوازُ رجفة عظيمةً تصدَّعت منها الجبال، وهرب أهل البلد

стр. 381

إلى البر والسفن، وسقطت فيها دور (١) كثيرة، وتهدم نصف الجامع، ومكثت ستة عشر يومًا، ومطر أهل تيماء مطرًا وبردًا كالبيض، فقُتِل بها ثلاثُ مئة وسبعون إنسانًا. وتوفي المعتصم بِسُرَّ من رأى يوم الخميس، لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، سنة سبع وعشرين ومئتين. أولاده: ثمانية ذكور، وثمان بنات - كما تقدم -. قاضيه: أحمد بن أبي دُؤاد. نقش خاتمه: الله ثقة أبي إسحاق بن الرشيد وبه يؤمن. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * خلافة الواثق بالله * هو أبو جعفر، هارونُ بنُ المعتصم، وأمُّه قراطيس أُمُّ وَلَد. وكان أبيضَ اللون، حسنَ الجسم، في عينه اليمنى نكتة بياض. بويع له يوم الخميس، لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، سنة سبع وعشرين ومئتين. وكان عالمًا بكل علم يُسأل عنه، وكان له جبة صوف، وكساء

стр. 382

وبرنس يلبسهم بالليل، ويقوم يصلي، ويقول: ألا يستحي بنو العباس أن لا يكون فيهم مثلُ عمر بن عبد العزيز؟ ! وكان جوادًا، حُكي أنه فرّق في أيامه من الأموال في الصدقة والصلة ووجوه البر ببغداد، وبسرّ من رأى، والبصرة، ومكة، والمدينة خمسةَ آلاف ألف دينار. وقيل: إن الواثق كان يقول بخلق القرآن، وأنه ضرب الإمام أحمدَ ابن حنبل ﵁ بسبب ذلك، وجعل دارَه حبسًا له. والأصحُّ: أنه لم يضرب الإمام أحمد، وإنما ضربه المعتصم، ولما ولي الواثق، بعث إليه يقول: لا تساكنني بأرض، فصار الإمام أحمد يختفي في الأماكن، ثم صار إلى منزله، فاختفى فيه إلى أن مات الواثق، وكلُّ ذلك كان بسعاية القاضي أحمد بن أبي دؤاد، ومحمد بن عبد الملك الزيات وزيرِه. وكان أحمدُ بن أبي دؤاد قاضيه، وولي للمعتصم قبله، وحَسَّنَ له القولَ بخلق القرآن، وأغراه على الإمام أحمد حتى فعل به ما فعل، ومات ابن دؤاد بمرضه الفالج في سنة أربعين ومئتين. وتوفي الواثق بِسُرَّ من رأى، يوم الأربعاء، لستٍّ بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وصلى عليه المتوكل أخوه. وكان عمره ستًّا وثلاثين سنة، وكانت مدة خلافته خمس سنين، وتسعة أشهر، وستة أيام.

стр. 383

وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * خلافة أمير المؤمنين جعفر بن المعتصم المتوكل على الله * هو أبو الفضل، جعفرُ بنُ المعتصم، وأمه تركية، اسمها: شجاع. وكان مربوعًا، أسمر اللون، خفيف العارِضَين. بويع له لستٍّ بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومئتين. ولما تولى، أظهر العدل، وأحيا السنة، وأمر بالقبض على محمد ابن عبد الملك الزيات، وعلى ابن أبي دُؤاد اللذين كانا يقولان بخلق القرآن، وحبس ابنَ عبد الملك الزيات في التنور إلى أن مات، وأخذ جميع ضياع ابن أبي دؤاد وأمواله، وأطلق جميع من كان اعتُقل بسبب القول بخلق القرآن، ونهى عن الجدل، وأظهر القولَ بالسنة، وطعن علي الواثق، ومَنْ كان قبله فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن، وولَّى القاضي يحيى بنَ أكثم قضاءَ القضاة، وكان القاضي يحيى بن أكثم من أئمة الدين، وعلماء السنة، ومن المعظِّمين للكتاب والسنَّة. وكان قد ولَّى من جهته حَيَّانَ بنَ بشرٍ قضاءَ الجانب الشرقي، وسوارَ ابنَ عبد الله قضاءَ الجانب الغربي، وكلاهما كان أعور، فقال في ذلك بعضُ أصحاب ابن أبي دؤاد:

стр. 384

رَأَيْتُ مِنَ العَجَائِبِ قَاضِيَيْنِ ... هُمَا أُحْدُوثَةٌ فِي الخَافِقَيْنِ هُمَا اقْتَسَمَا العَمَى نِصْفَيْنِ فَذًّا ... كَمَا اقْتَسَمَا قَضَاءَ الجانِبَيْنِ وَتَحْسَبُ مِنْهُمَا مَنْ هَزَّ رَأْسًا ... لِيَنْظُر في مَوَارِيثٍ وَدَيْن كَأَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ عَلَيْهِ دَنًا ... فَنَحْنُ نُرَى لَهُ مِنْ فَرْدِ عَيْنِ لَقَدْ قَالَ الزَّمَانُ بِهُلْكِ يَحْيَى ... إِذِ افْتَتَحَ القَضَاءَ بِأَعْوَرَيْنِ وفي السنة الرابعة والثلاثين بعد المئتين: في أيامه كانت الزلازل المهولة بدمشق، دامت ثلاث ساعات من ارتفاع الضحى، وسقطت الجدران، فقُتل خلق كثير، وانكفأت قرية من عمل الغوطة على أهلها، فلم ينجُ منهم أحد سوى رجل واحد. وهبت ريح شديدة لم يعهَد مثلُها، وتغير ماءُ دجلة إلى الصفرة، فبقي ثلاثة أيام، ففزع الناس لذلك، ثم صار في لون الورد، وسمع أهل أخلاط صيحةً من السماء، فمات خلق كثير، وهاجت النجوم في السماء، وجعلت تتطاير بشرر من قبل غروب الشفق إلى قرب الفجر.

стр. 385

ووقع طائر أبيضُ دونَ الرخمة، وفوقَ الغراب بحلبَ، فصاح: يا معشر الناس! اتقوا الله الله الله، حتى صاح أربعين صوتًا، ثم طار، وجاء من الغد، فصاح أربعين صوتًا. ومات إنسان في بعض كور الأهواز، فسقط طائر أبيض على نعشه، فصاح بالفارسية: إن الله قد غفر لهذا الميت، ولمن شهد جنازته. وزلزلت بلاد المغرب، حتى تهدمت الحصون والقناطر، فأمر المتوكل بتفرقة ثلاثة آلاف ألف في اللذين أُصيبت منازلهم، وكل ذلك بأمر الله وقضائه وقدره، ولا رادَّ لأمره، ولا مُعَقِّب لحكمه. وفي السنة الخامسة والثلاثين بعد المئتين: أمر المتوكل على الله أهلَ الذمة أن يتميزوا عن المسلمين، في لباسهم وعمائمهم، وفي دخولهم الحمام بالجلاجل، وأن لا يركبوا الخيل ولا يسرج، ونهى أن يُستعملوا في الدواوين، وأن لا تتعلم أولادهم في مكاتب المسلمين، وأن تسوَّى قبورُهم بالأرض. وفي أيامه حجَّت شجاع، وفعلت الخير الجزيل. وفي السنة الحادية والأربعين: في أيامه توفي الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وكان قد امتُحن بالقول بخلق القرآن، فلم يجب إلى ذلك، وذلك أن المأمون كان اجتمع عليه جماعة من المعتزلة، فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزينوا له القولَ بخلق القرآن، واتفق خروجُ المأمون إلى طرسوس لغزو بلاد الروم، فعنّ له أن كتبَ إلى نائب بغداد إسحاقَ ابن إبراهيم بن مصعب، أمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن،

стр. 386

واتفق ذلك في آخر عمره قبل موته بيسير، فاستدعى جماعةً من أئمة الحديث، فدعاهم إلى ذلك، فامتنعوا، فهددهم، فأجاب أكثرُهم مُكرَهين. واستمر الإمام أحمد على الامتناع، فحمله على بعير، وسيرّه إلى الخليفة، فلما قربوا من جيش المأمون، وأُنزلوا دونَه بمرحلة، فبلغ الإمامَ أحمدَ توعُّدُ الخليفة له بالقتل إن لم يُجبه إلى القول بخلق القرآن، فتوجَّه الإمام أحمدُ إلى الله بالدعاء، فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل، ففرح الإمام أحمد بذلك. ثم جاء الخبر بأن المعتصم ولي الخلافة، وقد انضم إليه أحمدُ بن أبي دؤاد، وأن الأمر شديد، فردُّوه إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، فوصل بغداد وهو مريض في رمضان، فأودع في السجن نحو ثمانية وعشرين شهرًا. ثم أُخرِج إلى الضرب بين يدي المعتصم، فدُعي إلى القول بخلق القرآن ثلاثةَ أيام، بحضور جماعة أحضرهم الخليفة، وكان المعتصب عليه أحمد بن أبي دؤاد، كل ذلك والإمام أحمد يقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله، وسنةِ رسول الله ﷺ حتى أقولَ به، فما زال ابن أبي دؤاد وغيرُه يُغرون الخليفة عليه، ويقولون: هذا كافرٌ مُضِلٌّ، حتى اشتدَّ غضبُه، فأمر بضربه، فضُرِب بالسياط، وكان جملة ما ضرب نيفًا وثمانين سوطًا. ووقع له في هذه المحنة أخبارٌ كثيرة، وكرامات ظاهرة؛ من ستر عورته لمّا انحل سراويله، وغير ذلك مما هو مشهور، فلما عوفي، فرح المعتصم والمسلمون بذلك، وجعل الإمام أحمد كلَّ من سعى في أمره

стр. 387

في حِلٍّ، إلا أهلَ البدعة، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. وقال أبو الوليد الطيالسي: لو كان هذا في بني إسرائيل، لكان أُحدوثة. وقال المزني: أحمدُ بن حنبل يومَ المحنة، وأبو بكر يوم الردَّة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صِفِّين. ومناقبه ﵁ أكثرُ من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر، ولم يزل الإمام أحمد على ذلك مدة خلافة المعتصم، وأيام الواثق، فلما ولي المتوكل، استبشر الناس بولايته؛ فإنه كان محبًا للسنة وأهلِها، ورفعَ المحنة عن الناس، وكتب إلى نائبه ببغداد - وهو إسحاق بن إبراهيم -: أن يبعث إليه بالإمام أحمد بن حنبل، فاستدعى إسحاقُ بن إبراهيم الإمام أحمد، فأكرمه، وعظَّمه، وجهزه إلى الخليفة المتوكل بِسُرَّ من رأى، فأكرمه المتوكل غايةَ الإكرام، وأمر له بخلعة سنية، فاستحى منه، ولبسها إلى الموضع الذي كان نازلًا فيه، ثم نزعها نزعًا عنيفًا، وهو يبكي ﵀، ثم أرسل إليه المتوكل مالًا جزيلًا، فأبى أن يقبله، فقيل له: إن رددتَه، وَجَدَ عليك في نفسِه، ففرَّقَه على مستحقِّيه، ولم يأخذ منه شيئًا، وجعل كلَّ يوم يرسل إليه من طعامه الخاص، ويظن أنه يأكل منه، وكان ﵁ لا يأكل منه لقمة. وارتفعت السنَّة في أيام المتوكل جدًا، وكان لا يولِّي أحدًا إَلا بمشورة الإمام أحمد بن حنبل، وكان مسيرُ أحمدَ إليه في سنة سبع وثلاثين

стр. 388

ومئتين، ثم مكث إلى حين وفاته، قَلَّ أن يأتي يوم إلا ورسالةُ المتوكل تنفذ إليه في أمور يشاوره فيها، ويستشيره. ثم إن الإمام أحمد ﵁ مرض مرضه الذي مات فيه، وكان مرضه في أول شهر ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين ومئتين، ثم كتب وصيته: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى أحمد بن محمد بن حنبل: أوصى أنه يشهد أنه لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، أرسلَه بالهدى ودين الحق، ليظهرَه على الدين كلِّه، ولو كره المشركون، وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته: أن يعبدوا الله تعالى في العابدين، وأن يحمَدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين). ثم استدعى بالصبيان من ذُرِّيته، فجعل يدعو لهم، ثم توفي يوم الجمعة، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين ومئتين. وأخبار جنازته مشهورة، ورئي له منامات صالحة - رحمه الله تعالى، ورضي عنه، وعن جميع أئمة المسلمين -. وفي السنة الثالثة والأربعين بعد المئتين: توجَّه المتوكل من العراق طالبًا مدينة دمشق؛ ليجعلَها دارَ إقامته، فتأسّف أهلُ العراق على ذلك، وكان للمتوكل أربعةُ آلاف سُرِّيَّة، يقال: إنه وطئ الجميع، والله أعلم. وقتله ولدُه المنتصر، وهو في خَلْوَة مع وزيره الفتحِ بنِ خاقَان، وذلك أن المتوكل قد كان بايع الخلافة لولده المنتصر، ثم أراد عزله،

стр. 389

وتولية أخيه المعتز؛ لمحبته في أمه، فوجد المنتصرُ على أبيه في نفسه، واتفق مع الترك على قتل أبيه، فدخلوا عليه وهو مع وزيره في خلوة في الليل، فقطعوهما بالسيوف. وكان من الاتفاق العجيب: أن المتوكل قد أُهدي له سيف من البحرين قاطع لم يَرَ أحدٌ مثلَه، فعرضه على جميع حاشيته، وكلٌّ يتمناه، فقال المتوكل: لا يصلح هذا السيف إلا لساعد ماعز التركي، فوهبه له دونَ غيره، فاتفق أنه كان أولَ من دخل عليه، فضربه به، فقطع حبلَ عاتقه، ثم تناولوه بالسيوف، فقطعوه هو والفتح قطعا، حتى اختلطت لحومُهما، ودُفنا معًا. وكانت وفاة المتوكل بِسُرَّ من رأى، ليلة الأربعاء، لثلاثٍ خلون من شوال، سنة سبع وأربعين ومئتين، وله إحدى وأربعون سنة، ودُفِن في القصر الجعفري، فكانت خلافته أربع عشرة سنة، وعشرة أشهر، وثلاثة أيام، والله أعلم. ورآه بعضُهم في النوم وهو بين يدي الله ، فقال له: ما تصنع ها هنا؟ فقال: انتظر محمدًا ابني، أخاصمُه بين يدي الله تعالى. وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * خلافة المنتصر محمدِ بنِ جعفر هو أبو جعفر، محمدُ بنُ جعفرٍ المتوكلِ، وأمّه رومية.

стр. 390

وكان مربوعًا، أسمر اللون، حسن الجسم، شهمًا. بويع لأربع خلون من شوال، سنة سبع وأربعين ومئتين، وخلع أخويه: المعتز، والمؤيد، وكان أبوهما المتوكلُ عقد لهما البيعةَ، وأخذَ خَطَّيهما بخلع أنفسهما، بعد أن أهانهما، وأخافهما. وهو أول من عدا على أبيه من بني العباس، وكان يسيء إلى العيال، ويبخل بالمال. ورأى والدَه في النوم وهو يقول له: ويلك يا محمَّد! قتلتني وظلمتني، والله, لا تمتعتَ بالخلافة بعدي إلا أياما يسيرة، ثم مصيرُك إلى النار، فانتبه وهو لا يملك عينيه، فكان يُسَلّى، وهو لا يسلو، ولما اعتلَّ، أتته أمّه تعوده، فلما رآها، بكى، وقال: يا أماه, عاجلتُ فعوجلتُ، ولم يزل منكسراً إلى أن مات، وكانت وفاته ليلة السبت، لثلاثٍ خلون من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين ومئتين، بِسُرَّ مَنْ رأى، وعمرُه خمس وعشرون سنة، وستة أشهر، وكانت ولايته ستة أشهر. ولما رتَّب المنتصر أسبابَ ملكه، ووضع كل شيء موضعه، فرش له مجلس بأنواع الفرش، وكان في جملة الفرش: بساط حرير، طوله عشرة أذرع، في عشرة أذرع منقوش بأنواع النقوش، وفي وسطه صورة الملك جالس على كرسي الملك، وعلى رأسه سطور مكتوبة بالفارسي، فقال: انظروا إلى من يقرأ هذه السطور التي على رأس الملك، فجاؤوا بمن قرأها، فإذا هي: أنا شيرويه بنُ كسرى، قتلت أبي، فلم أعشْ بعده إلا ستة أشهر، فتطَيَّر المنتصرُ من ذلك، وقام من ذلك المجلس، وأمر
следующие страницы →