والخاصكية والمماليك السلطانية، ونودي في المدينة للرعية بالأمان والطمأنينة، والله سبحانه يلطف بعباده.
* وفيها: في شهر رمضان في أواخره وقع حريق فاحش بدمشق المحروسة، فاحترق سوق جسر الزلابية، وجسر الحديد، وانتهى الحريق إلى المدرسة المؤيدية تحت القلعة، وعُدم للناس من الأموال والأمتعة ما لا يحصى، وهلك فيها خلق كثير.
* وفيها: وصل مرسوم السلطان إلى الأمير جان بلاط نائب القدس الشريف، بأن يرمي على أهل القدس الشريف من زيت الذخيرة الشريفة ثلاث مئة قنطار، كل قنطار بخمسة عشر ديناراً، على حُكْمِ ما تقدم في حوادث هذه السنة.
فطلب التجار والناس، وأُلزموا بأخذ الزيت، ثم كتب الأمير جان بلاط إلى كاشفه بالرملة بطلب التجار بها، وأن يرمي عليهم من زيت الذخيرة الشريفة، فطُلبوا، وأُلزموا بذلك.
وحصل لأهل القدس الشريف والرملة الضررُ من ذلك؛ لكونهم تقدم لهم أخذ الزيت، ثم رُمي عليهم مرة ثانية؛ فإنه لما رمي الزيت في سنة ست وتسعين، وفي سنة ثمان وتسعين رمي مرة واحدة، وفي هذه السنة تكرر عليهم مرة ثانية، فانزعج الناس لذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* وفيها: في العشر الثالث من شهر شوال ورد مرسوم السلطان إلى
стр. 702
شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف الشافعي، ومرسوم شريف مطلق لقضاة غزة والقدس الشريف بسبب الحادثة الواقعة بين الأمير جان بلاط ناظرِ الحرمين الشرفين ونائبِ السلطنة بالقدس الشريف، وبين الأمير قاني بك نائب غزة المحروسة - المتقدم ذكرها قريبًا في حوادث هذه السنة -، وقد تقدم الكلام: أن شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، وقضاة القدس الشريف والرملة كتبوا خطوطهم بما ظهر لهم من الكشف، وبما وقع في حق نائب القدس الشريف من قتل جماعته، ونهب خيولهم وما معهم، وكتب قضاةُ غزة محضراً يتضمن أن نائب القدس هو المتعدي على نائب غزة، وجُهز كلٌّ من المحضرين إلى الأبواب الشريفة.
فلما عُرضا على السلطان، أَنكر ذلك غاية الإنكار، وكتب لشيخ الإسلام الكمالي، ولقضاة غزة والقدس يُعلمهم أنه لما جهز الأمير قانصوه الساقي الخاصكي لكشف هذه الماجرية وتحريرها، وكتابة محضر بقضاة غزة والقدس بما يتضح به الحق، وأن كلًّا من النائبين كتب محضرًا بما يختاره، ولم يتضح للمسامع الشريفة الحقُّ في ذلك، وأن المرسوم الشريف الوارد على يد الخاصكي إنما برز بكتابة محضر واحد لا محضرين، وبرز أمر السلطان أن شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف يتوجه بنفسه، وصحبته قضاة القدس الشريف والرملة إلى مدينة غزة المحروسة، ويجتمعوا هم وقضاة غزة، وتُحرَّر هذه الواقعة من أولها إلى آخرها، وكتابة محضر واحد، وتجهيزه للأبواب الشريفة، بما يتضح من الحق، وإن لم يحرر ذلك، تبرز المراسيم الشريفة لقضاة غزة والقدس الشريف
стр. 703
بإلزامهم بالقيام للخزائن الشريفة بعشرة آلاف دينار، مؤرخ المرسوم في ثالث عشر شوال، فعند ذلك قابل شيخُ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، وقضاةُ القدس الشريف أمرَ السلطان بالسمع والطاعة، وتوجهوا إلى مدينة غزة المحروسة.
وهذه الواقعة من العجائب؛ لأن شيخ الإسلام رجل عظيم الشأن، وهو بركة الوجود، وعالم الممالك، وهو شيخ كبير سنه نحو الثمانين، وبنيته ضعيفة، والسفر يشق عليه، فكُلف إلى ما لا طاقة له، في زمن الحر الشديد؛ بسبب واقعة حدثت من العرب المفسدين المحاربين، الذين لا إسلام لهم ولا إيمان، ولما توجه من القدس الشريف، حُمل في محارة على جمل، وكان لا يركب الفرس إلا قليلاً؛ لضعف بدنه إلى مدينة غزة في عشية يوم الخميس، مستهل ذي القعدة، وأصبح في يوم الجمعة حضر بين يديه قضاةُ غزة وأكابرها للسلام عليه، ثم عقب صلاة الجمعة جلس بالجامع المنسوب لمولانا السلطان، وجلس معه قانصوه الخاصكي، وقضاةُ غزة والقدس الشريف، ومن تيسر من قضاة الرملة، ودار الكلام بينهم في تحرير هذه الحادثة، وكتبوا محضرًا واحداً، ملخصه: ما كتب في المحضر الأول من قتل جماعة نائب القدس الشريف، ونهب خيولهم، غير أنه زيد في هذا المحضر: أن الجمالي يوسف كاشفَ الرملة لما خرج من الرملة، ووصل إلى آخر معاملتها، وجد ثلاثة أنفار من العرب العواسة، فطردهم إلى أرض عموريا من عمل غزة المحروسة، وقُتل منهم فرسان، ثم طردوه إلى أن وصل إلى معاملة الرملة عند قرية
стр. 704
خلدا، وقرية تل الجزر، وحصل ما حصل من القتل والنهب - كما تقدم شرحه -.
وكتب شيخ الإسلام، وقضاةُ غزة والقدس والرملة خطوطَهم بالمحضر المذكور، وجُهز للأبواب الشريفة، وقرينه مكاتبةُ شيخ الإسلام، واستمر الخاصكي بغزة لانتظار الجواب، ثم عاد شيخ الإسلام وقضاة القدس إلى أوطانهم.
* وفيها: حج إلى بيت الله الحرام المقر الأشرف بدرُ الدين محمد ابن مُزْهِر صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالديار المصرية - عظم الله شأنه -.
* وفيها: توفي الشيخ الصالح الورع الزاهد وليُّ الله الشيخ نعمة بصفد، وكان صالحاً، له كرامات مشهورة، وكانت وفاته في [ذي] الحجة - نفعنا الله ببركته -.
* وفيها: وقعت بالقاهرة فتنة فاحشة، بسبب ما تقدم ذكره من أمر الأمير قانصوه خمس مئة أمير آخور كبير، وقد تقدم: أن السلطان كان طَلب منه إخراج الأمير قانصوه من القاهرة، وأنه استرضى العسكر على الأمير قانصوه، وتلطف بهم، وأنه خلع على الأمير قانصوه، ونزل إلى منزله في موكب عظيم، وكان هذا الحال والأمير أقبردي الدوادار الكبير في جهة الصعيد، ولم يحضر هذه الوقائع، فلما حضر إلى القاهرة في شهر ذي القعدة، واجتمع بالسلطان، سعى في إخراج الأمير قانصوه من القاهرة، وشرع في أسباب امتهانه، فبرز أمرُ السلطان للأمير قانصوه أنْ
стр. 705
يخرج من القاهرة، فإن شاء، يتوجه إلى القدس، أو مكة، أو أي مكان أراد من غير ترسيم، فبادر الأمير قانصوه، وتوجه إلى إخوانه المتعصبين له، منهم: الأمير قانصوه الألفي، والأمير قانصوه الشامي، والأمير مصرباي، وغيرهم، وتكلم معهم، فشدوا أزره، وقالوا له: لا سبيل إلى إخراجك، وكلنا عَضُدُك، وفي خدمتك، فتوجه الأمير قانصوه إلى المقر الأشرف أزبك أمير كبير أتابك العساكر المنصورة، وتكلم معه، فوافق الجماعة المتعصبين له، وشد عضده، وأخذ في أسباب نصرته، فاجتمع الأمراء بمنزل المقر الأتابكي، وتكلموا فيما هم فيه، وتشاوروا في تدبير الأمور، فبلغ السلطان ذلك، فاحتفل الأمير أقبردي الدوادار الكبير، وطلع إلى القلعة، واشتد الأمر، فانتهى الحال إلى أنّ السلطان أمر بالنداء: أن كل من هو في طاعة السلطان، فليطلع إلى القلعة، فبادر الأمير تمراز أمير سلاح، والأمير أزبك رأس نوبة النوب، وغيرهما من الأمراء المقدمين، وطلعوا إلى القلعة، ثم أرسل السلطان بعض الأمراء إلى المقر الأتابكي، وتكلم معه في طلوع القلعة، فأغلظ الأمير كبير في القول على القاصد، ولم يطلع إلى القلعة، لا هو، ولا الأمراء المجتمعون عنده، فأعيد الجواب على السلطان، فاشتد غضبه، وأمر بإحضار الوالي، فقيل له: إن الوالي بمنزل أمير كبير، فبادر وقلد الولاية لبعض مماليكه، وألبسه الخلعة، وجهزه، وصحبته جماعة كثيرة من المماليك، وأمره بالتوجه إلى منزل أمير كبير، وإعلامه بأن السلطان رسم لمن أطاعه بالتوجه إلى القلعة، وإشهار النداء بذلك، فحضر الوالي الجديد إلى منزل أمير
стр. 706
كبير، وأعلمه بذلك، فبادر الأمير كبير من حينه، وركب وتوجه إلى القلعة، ومعه الأمير يشبك الجمالي أحدُ مقدمي الألوف والزردكاش، وطلعا إلى القلعة، واجتمعا بالسلطان، فأما الأمراء الذين كانوا بمنزل أمير كبير، ففروا عن آخرهم، وتشتت شملهم، فلما طلع الأمير كبير، والأمير يشبك الجمالي إلى القلعة، حصل ما لا خير فيه من الكلام السئ، والترسيم عليها، ثم رسم السلطان بإخراج أمير كبير إلى مكة المشرفة، فتوجه إليها، ورسم بإخراج الأمير يشبك الجمالي إلى القدس، فحضر إليها في أواخر ذي الحجة، وشرع يتتبع بقية الأول الذين اختفوا، فأمسك قانصوه الألفي، ومصر باي، وقيت، وحبسوا بقلعة صفد، وكذلك جماعة من الأمراء نُفُوا في أماكن متفرقة، وأما الأمير قانصوه خمس مئة أمير آخور كبير، وقانصوه الشامي، فاختفى أمرهما، ولم يعلم أين توجها، فيقال: إن الأمير قانصوه خمس مئة توجه نحو الطور، واختلفت الأقوال فيه وفي قانصوه الشامي.
وانقضت سنة تسع مئة والأمر على ذلك، وكانت سنة شديدة، كثيرةَ الفتن والحروب بين الحكام وغيرهم، والله لطيف بعباده.
ثم دخلت سنة أحد وتسع مئة والخليفة المتوكل على الله أبو العز عبد العزيز بن يعقوب، والسلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي على عادتهما.
* وفيها: حصل الرضا على الأمير أينال الخسيف أحدِ الأمراء بالديار المصرية، وأُفرج عنه بعد الترسيم عليه، وأما الأمير قانصوه الشامي،
стр. 707
فوقعت فيه شفاعة من المقام الناصري محمد نجلِ المقام الشريف، وظهر من الاستتار، وولي نيابة حماة المحروسة، وخلع عليه بذلك في نهار الخميس، ثالث عشر المحرم، وعزل الأمير جان بلاط من نيابةِ القدس الشريف ونظرِ الحرمين، واستقر في أمره ميسرة بحلب المحروسة، وعزل الأمير قاني بك من نيابة غزة المحروسة، وطلب إلى القاهرة، واستقر ملك الأمراء المقر الأشرف السيفي أقباي نائب حماة في نيابة السلطنة الشريفة بغزة المحروسة والقدس الشريف، وبلدِ سيدنا الخليل ﵇، ونظر الحرمين الشريفين، وكشف الرملة، وكُتب له بذلك مرسوم شريف في ثالث عشري المحرم، وحضر من مدينة حماة المحروسة إلى محل ولايته، فوصل إلى مدينة الرملة في يوم الاثنين، رابع عشر صفر، ودخل إلى غزة المحروسة في يوم الخميس، سابع عشر صفر، وكان يومًا مشهوداً لدخوله، ثم حضر إلى بلد سيدنا الخليل ﵇ في يوم الأحد، خامس شهر ربيع الأول، ثم حضر إلى القدس في صبيحة يوم السبت، ثامن عشر ربيع الأول، وكان دخوله إليها وقت طلوع الشمس، فدخل إلى المسجد الأقصعى، وقرئ توقيعه بحضور المشايخ والقضاة، ثم زار الصخرة الشريفة، ومُدَّ له السماط عند باب الناظر، وكان يومًا حافلاً.
* وفيها: في عاشر شهر صفر استقر الأمير تمراز أمير سلاح في الإمرة الكبرى، عوضًا عن الأمير أزبك المتوجه إلى مكة المشرفة، واستقر الأمير قاني بك الجمالي أمير سلاح.
стр. 708
واستقر الأمير أزبك الخازندار أمير مجلس، واستقر الأمير قاني بك قراراس نوبة النُّوَب، واستقر الأمير أينال الخسيف حاجبَ الحجاب، واستقر الأمير ماماي مقدَّم ألف عوضاً عن قانصوه الشامي الذي ولي نيابة حماة، واستمر أمر الأمير قانصوه خمس مئة موقوفًا، ولم يعلم أين هو.
* وفيها: توفي الأمير يشبك الجمالي بالقدس الشريف بالمدرسة الخاتونية في ليلة الاثنين، سادس ربيع الأول، وصُلي عليه بالمسجد الأقصى، ودُفن بالقلندرية بتربة ماملا - عفا الله عنه -.
* وفيها: توفي الشيخ علي الجبرتي بالقاهرة المحروسة، وصلي عليه بالنية بالمسجد الأقصى في شهر صفر.
* وفيها: احتبس المطر حتى دخل في كانون الثاني أياماً، فصام الناس ثلاثة أيام، ثم استسقوا في صبيحة يوم السبت، ثالث عشري شهر ربيع الآخر الموافق لتاسع كانون الثاني، وخطب للاستسقاء الخطيبُ العلامة شرف الدين موسى بن جماعة بالصخرة الشريفة، وكانت خطبة بليغة، ودعا الناس وابتهلوا، وتضرعوا إلى الله، وانصرفوا ولم يُسْقَوا، وطلعت الشمس حارة، واشتد الحر حتى كأنه من أيام الصيف، واستسقى أهل الرملة في ذلك اليوم - أيضًا -، واستمر المطر محتبساً إلى ليلة الاثنين ثاني جمادى الأولى، ثم أغاث الله تعالى عباده في تلك الليلة، ووقع المطر في يوم الاثنين المذكور، أو، حصلت الرحمة بفضل الله وكرمه بعد أن جزع الناس، وساءت ظنونهم، فسبحان من لا يُسأل عما يفعل.
* وفيها: استقر الأمير شادبك أمير آخور كبير، عوضاً عن الأمير
стр. 709
قانصوه خمس مئة، وأُلبس الخلعة من الحضرة الشريفة في يوم الاثنين، ثامن عشر ربيع الآخر، وأنعم في ذلك اليوم على جماعة من الأمراء باستقرارهم في وظائف بالمملكة الشريفة، واستمر الأمير قانصوه خمس مئة في الاستتار، ولم يُعلم خبره.
* وفيها: توفي القاضي عبد الغني بن الجيعان كاتبُ الخزانة الشريفة، ووفاته في يوم السبتُ، ثاني شعبان، ودفن يوم الأحد ثالثه - رحمه الله تعالى -.
* وفيها: حصل للسلطان توعك، وانقطع أياماً، وكان قد انزعج خاطره من المماليك بسبب طغيانهم وعنادهم، ثم منّ الله بعافيته، وجلس على سرير الملك.
وفي نهار الثلاثاء، رابم شهر رمضان أنفق على الأمراء والمقدمين والمماليك مالًا؛ لحصول السرور بعافيته، والرضا على عسكره، وكان جملة المال المصروف في النفقة أربع مئة ألف دينار، وحصل الأمن للرعية، واطمأنت الخواطر، فنسأل الله أن يختم بخير.
[ ... ]: لما جرى ما تقدم شرحه في حوادث سنة تسع مئة، وهذه السنة، من الفتن والحروب بين العساكر بالديار المصرية، وغضب السلطان الملك الأشرف على مماليكه، وإخراجهم من الديار المصرية، وولاية بعضهم المناصب بالمملكة الشامية، والديار المصرية - كما تقدم ذكره مفصلاً -، واستمر الحال على ذلك إلى شهر شوال.
стр. 710
واشتغل الناس بالقاهرة بأمر الحج إلى بيت الله الحرام، وحصل في العرب تخبيط في عجرود ونخل بدرب الحجاز الشريف، فأرسل السلطان الدوادار الثاني بعمارة المكانين المذكورين قبل خروج الحجاج بعشرة أيام، وتأخر المحمل إلى عشرين شوال، وحصل على الحُحاج شدة من العطش، وخرج عليهم جماعة من العرب، وأخذوا منهم جمالاً، وبيعت القربة [من] الماء بدينارين، وشربة (١) الماء بخمسة أنصاف فضة، وهي عشرة دراهم شامية.
ورجع جماعة من الحجاج إلى القاهرة صحبة الدوادار الثاني، ثم مَنَّ الله تعالى على الحجاج المتوجهين إلى مكة المشرفة، فوصلوا سالمين، ولم يحصل لهم ضرر، وكانت الأسعار بأرض الحجاز مرخصة، والأقوات متيسرة.
ولمَّا كان يوم الأربعاء، ثاني شهر ذي القعدة، ركب العسكر بمصر، واستمر إلى آخر النهار، ثم في اليوم الثاني كان الأمر أعظم من اليوم الأول، وأُرمي على العسكر بالنشاب والبارود من مماليك السلطان، ومماليك الأمير أقبردي الدوادار الكبير.
ثم في ليلة الجمعة ويوم الجمعة: نُقب منزل الدوادار من الرميلة، واحترق سوق القماش، ونهُب ما كان فيه وفي سوق السلاح، حتى أصبح التجار بالسوقين فقراء، واشتد الأمر وتفاحش، ثم حصل التراضي
стр. 711
والاتفاق على إحضار جميع من أخرجهم السلطان من الديار المصرية من المقيمين بغزة، وصفد، والشام، وطرابلس، والأمير قانصوه الشامي من حماة، وكُتبت المراسيم بذلك في يوم الجمعة، رابع ذي القعدة، وسافر القصاد يوم السبت خامِسِه، وأما الأمير أزبك أمير كبير، فإنه لم يُذكَر، ولم يُرسَم بإحضاره.
[ ... ] بعد المغرب ركب الوالي بالقاهرة، ومعه جماعة من المماليك بالأسلحة، وأُجهر النداء: أن الأمير قانصوه خمس مئة يظهر، وله الأمان، وفي بكرة نهار السبت طلع الأمير أقبردي الدوادار الكبير إلى القلعة، وأُلبس خلعة الاستمرار على عادته، وكذلك الأمير شادبك أمير آخور كبير، ونزلا من السبع حدرات بالقلعة، وألبس الأمير كرتباي خلعة باستمرار في كشف البحيرة، والدوادار الثاني، ونزلا من الباب المدرج، وكان يومًا مشهوداً.
ولمَّا كان يوم الخميس، عاشر ذي القعدة ركب العسكر، وتفاحش الأمر، وتحدث الناس بظهور الأمير قانصوه خمس مئة، فأكمن جماعة من المماليك، منهم مئة بالسبع حدرات، ومئة في درب نُكَر، وثلاث مئة في الرميلة، وهم لابسون معتدون، فلم يظهر، فبلغ السلطان ذلك، فاحضر الأمير شادبك أمير آخور كبير، وعزله من الإمرة، واستمر مقدَّمَ ألفٍ على عادته الأولى، ثم حصل خلف وتخبيط بين الأمير أقبردي الدوادار، والأمير جان بلاط، والأمير ماماي، وكادت تقع فتنة فاحشة، ثم رسم السلطان، وأجهر النداء بأن المماليك السلطانية تطلع إلى طباقها
стр. 712
بالقلعة، وأن الأمراء المقدمين يتوجهون إلى منازلهم، وأن أحدًا لا يتكلم فيما لا يعنيه.
ولمَّا كان يوم السبت، ثاني عشر ذي القعدة ظهر الأمير قانصوه خمس مئة، وطلع إلى القلعة، وألبس خلعة، وهي كاملية، وكان يوماً مشهوداً لم ير مثله، ولم يحصل لأحد في أيام الملك الأشرف قايتباي نظيره، وتزايد توعُّكُ السلطان الملك الأشرف، واشتد ضعفه، وشرع الأمير أقبردي الدوادار الكبير في التأهُّب لعمل الأسلحة، وتحصين منزله، والأمور بينه وبين الأمير قانصوه خمس مئة في الباطن غير مسددة، والأحوال غير منتظمة.
وكان الأمير قانصوه الألفي المسجون بصفد قد تَسَحَّب من سجن قلعة صفد، وخرج هارباً مختفياً، فلما شاع ذكر ما رسم به الملك الأشرف من حضوره هو وغيره إلى القاهرة، وحصول الرضا عليهم، اجتمع الأمير قانصوه الألفي وبقية الأمراء المقيمين بالمملكة الشامية بنائب حماة الأمير قانصوه الشامي، وساروا متوجهين إلى جهة الديار المصرية، فوصلوا إلى مدينة الرملة في يوم الاثنين، ثامن عشرين ذي القعدة، وتوجهوا إلى غزة، وساروا منها ليلة الأربعاء مستهل ذي الحجة، ولم يعلموا بما وقع بالديار المصرية، وتوجه صحبتهم ملكُ الأمراء السيفي أقباي نائبُ غزة والقدس الشريف، وناظرُ الحرمين الشريفين وكاشفُ الرملة، وكان من أمرهم ما سنذكره - إن شاء الله تعالى -.
وفي نهار الاثنين، رابع عشر ذي القعدة رسم الملك الأشرف بطلب
стр. 713
الأمير أزبك أمير كبير من مكة المشرفة، وكتب المرسوم بذلك، فطلع الدوادار الكبير، وتسبب في إبطال ذلك، ثم إن الأمير تمراز أمير كبير ألبس الأمير قانصوه خمس مئة خلعة عظيمة، وأركبه فرساً ثمينة، وكان السلطان رسم للأمير قانصوه بالتوجه إلى الدوادار الكبير، فلما توجه إليه، ألبسه كاملية قيمتُها ألف دينار، وأركبه فرساً ثمينة، ثم اشتد مرض السلطان وأخذ في النزع، واستمر ثمانية أيام، ثم أفاق، وحصل الخلف بين الأمراء والعسكر، وصاروا فريقين، واختلفت الآراء والأقوال، وكثر القيل والقال، وكل أحد من الأمراء والأكابر بالقاهرة يتكلم بما يوافق هواه.
ولما كان نهار الأحد عشرين ذي القعدة، الموافق لسابع مسري، أوفى الله النيل المبارك، وكان السلطان في شدة مرضه، وله ثلاثة أيام لم يجتمع بأحد، فنزل الأمير تمراز أمير كبير، وكسر النيل، وصحبته الأمير يشبك قمر الوالي، وطلعا إلى القلعة، وأُلبسا الخلع بالحوش من غير أن يعلم بها السلطان.
ثم في نهار الاثنين، حادي عشرين ذي القعدة أرجف الناس بموت السلطان، فاجتمع بالأمير قانصوه خمس مئة جماعةٌ من الأمراء، منهم: جان بلاط، وماماي، وكرتباي الأحمر، وتاني بك الجمالي وغيرهم من الربعينات والخاصكية والمماليك، وصار العسكر فرقتين.
ففي نهار الجمعة خامس عشرين ذي القعدة وقع بين الفريقين وقعة لطيفة قبل الصلاة، وحصل الاتفاق بين الأمير تمراز أمير كبير، والأمير
стр. 714
أقبردي الدوادار الكبير: أن الأمير تمراز يطلع إلى القلعة للسلام على السلطان، ويأخذ ولد السلطان، وينزل به إلى الحراقة بباب السلسلة، وأن الدوادار الكبير يركب بعد الصلاة، ويفتح له باب السلسلة، فبلغ ذلك الأمير قانصوه خمس مئة ومَنْ معه، فركبوا جميعًا من الميدان الذي عند بركة الناصرية، وترتبوا طلبًا بعد طلب، ومعهم عامة مصر، وحملوا على باب السلسلة، فرمي عليهم من القلعة، فتوجه منهم فرقة من باب القرافة، وكسروا باب الميدان، ونزلوا من السبع حدرات، فوجدوا الأمير تمراز أمير كبير وهو جالس بالحراقة، فأمسكوه وضربوه، ووضعوه في الحديد، وفتح باب السلسلة، ودُقت الكُوس، وأشيع أن ولد السلطان قد تسلطن، واستمر القتال بينهم إلى المغرب من يوم الجمعة.
فلما كان يوم السبت، سادس عشرين ذي القعدة، أصبح الناس، فوجدوا الدوادار الكبير قد اختفى هو ومن معه، ولم يُعلم خبرهم، وكان قد بنى برجًا على الرميلة، فرُمي عليه وهُدم، ونُهب بيته في لحظة، حتى لم يبق فيه شيء من المال، ولا من الأسلحة، ولا من الخيول، فقيل: إن الذي أُخذ له يساوي ألف ألف دينار، غير الغنم والبقر والجمال.
ثم في اليوم المذكور، وهو يوم السبت جلس أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو العز عبد العزيز بن يعقوب العباسي - أعز الله به الدين -، وقضاة القضاة الأربعة بالديار المصرية، وهم: شيخ الإسلام زين الدين أبو محمد زكريا الأنصاري الشافعي، وشيخ الإسلام ناصر الدين أبو الخير محمد الأخميمي الحنفي، وشيخ الإسلام تقي الدين أبو الفضل
стр. 715
عبد الغني بن تقي المالكي، وشيخ الإسلام بدر الدين أبو المعالي محمد السعدي الحنبلي، وأركان الدولة من أهل العقد والحل، وتوقف أمير المؤمنين في الأمر، فتوجه ثلاثة من قضاة القضاة، والمقر البدري بن مزهر الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء إلى الملك الأشرف، فوجدوه في حكم الأموات، والروح في صدره، فرجعوا إلى أمير المؤمنين، وأعلموه بذلك، فبايع الملك الناصر بالسلطنة، وهو أبو السعادات محمد ابن الملك الأشرف أبي النصر قايتباي، ولبس شعار الملك والسلطنة، وجلس على تخت الملك الشريف، وانقاد لأمره الخاص والعام، وهو يومئذ شابٌّ في سن البلوغ، وكان يوماً مشهوداً، وكتب علامته على المراسيم الشريفة: محمد بن قايتباي.
واستقر الأمير قانصوه خمس مئة أتابك العساكر، والأمير تاني بك الجمالي على عادته أميرَ سلاح، ومشيرَ المملكة، والأمير جان بلاط دوادار كبير.
فلما كان يوم الأحد، سابع عشري ذي القعدة، أفاق الملك الأشرف بما وقع، فأرسل في الحال طلب النجارين، وعمل تابوتاً جديداً، ودكة للغسل، وبَيَّض الطاسات النحاس، وعمل مقعداً، وجهز لنفسه الكفن، ووضعت له زوجته الآدُر خوند الخاصبكية مئة مثقال مسك، وما يلائم ذلك، وجُهز ذلك جميعه، وفرغ منه بعد العصر من يوم الأحد، ثم دخلت له زوجته خوند، فوجدته قد أفاق من النزع، فذكرت له جميع ما وقع من سلطنة ولده، والقبض على الأتابك تمراز، واختفاء الأمير
стр. 716
أقبردي الدوادار، ونهب منزله، فكان آخر كلامه: لا إله إلا الله، أَخْرَبوا المملكة.
فلما كان آخر نهار الأحد، قبل المغرب بنحو ثلاث درج، توفي الملك الأشرف قايتباي - رحمه الله تعالى -، وفي بكرة يوم الاثنين، ثامن عشري ذي القعدة، غُسِّل، وصُلي عليه، ودفن بتربته التي أنشأها بالصحراء، وكان يوماً مشهوداً لجنازته، وامتد الخلق من باب المدرج إلى تربته، حتى قيل: إنه لم يُر لأحد جنازة مثل هذه من بعد جنازة الإمام أحمد بن حنبل ﵁.
ومات وله خمس وسبعون سنة؛ فإن مولده في سنة ست وعشرين وثمان مئة، ودخل إلى القاهرة في سنة ثمان وثلاثين وثمان مئة، فاشتراه الملك الأشرف برسباي، وكان من مماليكه، ثم انتقل إلى ملك الملك الظاهر جقمق، وأعتقه، فنسب إليه، وكانت سلطنته في يوم الاثنين، سادس شهر رجب الفرد سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة، فكانت مدة سلطنته من حين ولايته إلى حين ولاية ولده الملك الناصر محمد المشار إليه تسعاً وعشرين سنة، وأربعة أشهر، وعشرين يومًا، وكان جلوسه على سرير الملك في ضحى يوم الاثنين المذكور، ونزوله إلى قبره في ضحى يوم الاثنين.
وكان شيخاً طُوالاً، أبيض اللون، حسن الشكل، فصيح اللفظ، وكان من معتبري ملوك الديار المصرية، وله شهامة وحرمة وافرة عند ملوك الأرض، وتوفي وهو على ذلك، والمأمول من كرم الله وعفوه أن
стр. 717
يتجاوز عن سيئاتنا وسيئاته، ويتغمدنا وإياه والمسلمين برحمته الوافرة التي وسعت كل شيء.
وقد انتهى ما أوردناه في هذا الجامع من التاريخ، على حكم ما تقدم الوعد به، مما تيسّر ذكره من قصص الأنبياء ﵈، وأخبار الخلفاء الراشدين، والملوك والسلاطين إلى سنة إحدى وتسع مئة، إلى ثامن عشري ذي القعدة الحرام منها (١).
стр. 718
تَرَاجُمُ الأَعْيَّانِ
стр. 719
تَرَاجُمُ الأَعْيَّانِ
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
قال جامع هذا المختصر - غفر الله تعالى له وللمسلمين -:
لما فرغتُ من ذكر الأنبياء ﵈، وختمتهم بسيد الأنام محمدٍ - عليه أفضل الصلاة والسلام - وذكرت الخلفاء من بعده، وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والحسن ابنُه ﵃، ومَنْ بعدهم من الخلفاء الأموية، والعباسية بإقليم العراق، والدولة العلوية الفاطمية، والخلفاء من بني العباس بالديار المصرية، وأخبار الملوك والسلاطين بالمملكة الإسلامية، وما تيسر من ذى أخبارهم وأحوالهم إلى عصرنا هذا، وهو سنة إحدى وتسع مئة، فرأيت أن أذكر ما تيسر من أسماء ساداتنا أئمة الإسلام، وهم: الأئمة الأربعة، وغيرهم من التابعين، والعلماء الأعلام، والرؤساء والوزراء والشعراء والأعيان، وقضاة الشرع الشريف، وطلبة العلم، وحملة القرآن.
[ ... ] في ذكر تراجمهم على وجه الاختصار، وترتيبهم على حروف المعجم، من غير التزام لترتيب الأسماء ولا الوفيات، بل بحسب
стр. 720
ما تيسر لي من الاطلاع على أسمائهم، ويلهمه الله من الترتيب لتراجمهم.
فإن بعض المؤرخين التزم أن يذكر في أول كل حرف أسماء معينة، فيذكر في حرف الهمزة أولًا: كلَّ من اسمه إبراهيم، ثم كل من اسمه أحمد، وفي حرف الميم يبدأ بكل من اسمه محمد، ثم يذكر كل من اسمه موسى، وهلم جَرًّا في كل حرف، بجعل كل نوع من الأسماء على حدة.
ولم أر في هذا كبير فائدة، فلم ألتزمه، بل إذا ذكرت الحرف، ذكرت فيه من تيسر ممن أول اسمه ذلك الحرف، من غير مراعاة لترتيب الأسماء.
وليس الغرض في هذا المختصر ذكرُ الحوادث والأخبار، وإنما الغرض الإحاطةُ بمعرفة اسم من ذكر فيه، وتاريخ وفاته، والعصر الذي كان موجوداً فيه [ ... ]، وبالله التوفيق، وأسأله المعونة بفضله.
стр. 721
حَرْفُ الهَمْزَة
١ - ذكرُ ما تيسر من مناقب الإمام البارع، المجمَع على جلالته وأمانته، وورعه وزهادته، وحفظه ووفور عقله، وعلمه وسيادته، إمام المحدثين، والناصر للدين، والمناضل عن السنة، والصابر في المحنة، إمام الأئمة، رباني الأمة، أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال ابن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي ابن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد ابن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بن أُدّ بن أُدَدْ بن الهَمَيسع بن حمل بن النبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم - صلوات الله عليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين -.
وهذا النسب فيه منقبة عظيمة، ورتبة جليلة من وجهين:
أولهما: حيث يلاقي فيه نسب رسول الله ﷺ ؛ لأن نزاراً كان له أربعة أولاد، منهم: مضر، ونبينا محمد ﷺ من ولده، ومنهم: ربيعة، وإمامنا أبو عبد الله أحمد من ولده.
стр. 722
والوجه الثاني: أنه عربي صحيح النسب، وقد قال النبي ﷺ : "أَحِبَّ العَرَبَ لِثَلاَثٍ: لأِنِّي عَرَبِيٌّ، وَالقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَلِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ" (١)، ذكره ابن الأنباري في كتاب "الوقف والابتداء".
ولد الإمام أحمد ببغداد، بعد حمله بمرو، في شهر ربيع الأول، سنة أربع وستين ومئة.
وكان من أصحاب الشافعي وخواصِّه.
قال الشافعي ﵁: خرجت من بغداد، وما خلَّفت فيها أحداً أتقى ولا أورع ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل.
وقال الربيع بن سليمان: قال لنا الشافعي: أحمدُ إمامٌ في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة.
وصدق الإمام الشافعي في هذا الحصر.
أما قوله: إمام في الحديث، فهذا ما لا اختلاف فيه ولا نزاع، حصل به الوفاق والإجماع.
وأما قوله: إمام في الفقه، فالصدق فيه لائح، والحق فيه واضح.
وأما قوله: إمام في اللغة، فهو كما قاله. قال المرُّوذي: كان أبو
стр. 723
عبد الله لا يلحن في الكلام.
وأما قوله: إمام في القرآن، فهو واضح البيان، لائح البرهان؛ فإنه صنف في القرآن، وهو مئة ألف، وعشرون ألف حديث، والناسخ والمنسوخ، والمقدم والمؤخر في كتاب الله، وجوابات القرآن، وغير ذلك.
وأما قوله: إمام في الفقر، فيا لها حلّةً مقصودة، وحالة محمودة، منازل السادة الأنبياء، والصفوة الأتقياء.
وأما قوله: إمام في الزهد، فحاله في ذلك أشهر وأظهر، أتته الدنيا فأباها، والرياسة فنفاها.
وأما قوله: إمام في الورع، فصدق في قوله وبرع.
ومن بعض ورعه:
كانت لأم ولدِه عبد الله دار يأخذ منها أحمدُ درهمًا بحق ميراثه، فاحتاجت إلى نفقة تصلح بها، فأصلحها ابنه عبد الله، فترك أبو عبد الله أخذَ الدرهم الذي كان يأخذه، وقال: قد أفسده عليَّ، تورَّع عن أخذ حقه من الأجرة؛ خشية أن يكون ابنه أنفق على الدار مما يصل إليه من الخليفة.
وأما قوله: إمام في السنة: فلا تختلف الأوائل والأواخر أنه في السنة الإمامُ الفاخر، والبحر الزاخر.
أُوذي في الله تعالى، فصبر، ولكتابه نصر، ولسنة رسوله ﷺ انتصر، أبان حَقًّا، وقال صدقًا، وزان نطقًا
стр. 724
وسَبْقاً، ظهر على العلماء، وقهر العظماء، ففي الصادقين ما أوجهه! وبالسابقين ما أشبهه! وعن الدنيا وأسبابها ما كان أنزهه!
جزاه الله خيراً عن الإسلام والمسلمين، فهو للسنة كما قال الله تعالى في كتابه المبين: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣].
قال علي بن المديني: أيّد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة.
ومناقبه ﵁ أكثرُ من أن تحصر، وأشهرُ من أن تذكر.
توفي ﵀ في صدر النهار من يوم الجمعة، الثاني عشر من ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين ومئتين، وله سبع وسبعون سنة، ودفن بباب حرب.
وأسلم يوم مات عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس، ووقع النوح في الطوائف كلها من سائر الملل.
وكان - رحمه الله تعالى - يقول: بيننا وبينهم يوم الجنائز - يعني: أهل البدع -، فأظهر الله صدقَ مقالته، وأوضح ما منحه من كرامته.
وتقدم طرف من أخباره ومحنته في تراجم الخلفاء: المعتصم، والواثق، والمتوكل - عفا الله عنهم -.
* * *
٢ - إبراهيم النخعي أبو عمران، وأبو عمار، إبراهيم بن يزيد بن
стр. 725
الأسود بن عمرو بن ربيعة بن حارثة (١) بن سعد بن مالك، النَّخَعيُّ، الفقيهُ الكوفيُّ: أحد الأئمة المشاهير، تابعيٌّ رأى السيدة عائشة ﵂، ودخل عليها، ولم يثبت له منها سماع.
ونسبته إلى النَّخَع - بفتح النون والخاء المعجمة، وبعدها عين مهملة -، وهي قبيلة من مَذْحِج باليمن.
توفي سنة ست، وقيل: خمس وتسعين للهجرة، وله تسع وأربعون سنة - رحمه الله تعالى، ورضي عنه -.
* * *
٣ - أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، الفقيهُ البغداديُّ: صاحب الشافعي، وناقل الأقوال القديمة عنه، وكان أول اشتغاله بمذهب أهل الرأي حتى قدم الشافعي العراق، فاختلف إليه، ورفض مذهبه الأول.
توفي لثلاث بقين من صفر سنة [ست و] أربعين ومئتين ببغداد.
* * *
٤ - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي، الفقيهُ الشافعيُّ: إمام عصره في الفتوى والتدريس، وانتهت إليه الرياسة بالعراق، ثم ارتحل إلى مصر في آخر عمره، فأدركه أجله بها لسبع خلون
стр. 726
من رجب، سنة أربعين وثلاث مئة، ودفن بالقرب من مدفن الإمام الشافعي ﵁.
* * *
٥ - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفراييني، الملقب: ركن الدين، الفقيهُ الشافعيُّ الأصوليُّ: أقر له بالعلم أهلُ العراق وخراسان، وبنيت له المدرسة المشهورة بنيسابور، وتوفي بها يوم عاشوراء، سنة ثمان عشرة وأربع مئة.
* * *
٦ - أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروز [أ] بادي، الملقب: جمال الدين، الشافعيُّ، مؤلف "التنبيه": الورعُ الناسك.
ولد في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة بفيروز [أ] باد، وتوفي ببغداد، ليلة الأحد، الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ست (١) وسبعين وأربع مئة، ودفن من الغد بباب أبرز (٢).
стр. 727
٧ - أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي بن المنصور بن (١) جعفر بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، الهاشميُّ: أخو هارون الرشيد، كانت له اليد الطولى في الغناء والضرب بالملاهي.
وكان أسود اللون؛ لأن أمه جارية سوداء اسمها شكلة، وكان عظيم الجثة، [و] كان فصيحًا غزير [الأدب، وافر] الفضل، وبويع له بالخلافة ببغداد بعد المئتين، والمأمونُ يومئذٍ بخراسان، وأقام خليفة بها مقدار سنتين، وكانت مبايعته يوم الثلاثاء، لخمسٍ بقين من ذي الحجة، سنة إحدى ومئتين، بايعه العباسيون خفية، ثم بايعه أهل بغداد في أول يوم من المحرم سنة اثنتين ومئتين، وخلعوا المأمون، فلما كان يوم الجمعة، لخمسٍ خلون من المحرم، أظهروا ذلك، فلما توجّه المأمون من خراسان إلى بغداد، خاف إبراهيم على نفسه، واستخفى ليلة الأربعاء، لثلاثَ عشرةَ ليلة بقيت من ذي الحجة، سنة ثلاث ومئتين، وجرى أمور يطول شرحها، ثم إن المأمون عفا عنه.
وكانت ولادته في عشر ذي القعدة، سنة اثنتين وستين ومئة، وتوفي يوم الجمعة، لتسعٍ (٢) خلون من رمضان، سنة أربع وعشرين ومئتين، وصلى عليه ابن أخيه المعتصم بِسُرَّ مَنْ رأى.
стр. 728
٨ - أبو إسحاق إبراهيم بن ماهان، ويقال له - أيضاً -: ميمون بن بهمن (١)، التميميُّ الأرجانيُّ: المعروف بالنديم الموصِلي، ولم يكن منها، وهم من بيت كبير في العجم، ولم يكن في زمانه مثله في الغناء، واختراع الألحان، وكان إذا غنّى، وضرب أخو زوجته (٢) زُلزُلُ، اهتز لهما المجلس.
مولده بالكوفة، سنة خمس وعشرين ومئة، وتوفي ببغداد، سنة ثمان وثمانين ومئة بعلة القولنج.
* * *
٩ - أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة الأندلسيُّ الشاعرُ: ولد ببلاد الأندلس سنة خمسين وأربع مئة، وتوفي بها يوم الأحد، لأربعٍ بقين من شوال، سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة.
فمن شعره، وهو معنى حسن:
مَا لِلعِذَارِ وَكَانَ وَجْهُكَ قِبْلَةً ... قَدْ خَطَّ فِيهِ مِنَ الدُّجَى مِحْرَابَا
стр. 729
وَأَرَى الشَّبَابَ وَكَانَ لَيْسَ بِخَاشِعٍ ... قَدْ خَرَّ فِيهِ رَاكِعًا وَأَناَبَا
وَلَقَدْ عَلِمْتَ بِكَوْنِ (١) ثَغْرِكَ بَارِقاً ... أَنْ سَوْفَ يُزْجِي لِلعِذَارِ سَحَابَا
* * *
١٠ - أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن عثمان بن محمد الكلبي الغزيُّ، الشاعرُ المشهورُ، ومن جيد شعره المشهور:
قَالُوا: هَجَرْتَ الشِّعْرَ، قُلْتُ: ضَرْوَرةً ... بَابُ الدَّوَاعِي وَالبَوَاعِثِ مُغْلَقُ
خَلَتِ الدِّيَارُ فَلاَ كَرِيمٌ يُرْتَجَى ... مِنْهُ النَّوَالُ وَلاَ مَلِيحٌ يُعْشَقُ
وَمِنَ العَجَائِبِ أَنَّهُ لا يُشْتَرَى ... ويُخَانُ فِيهِ مَعَ الكَسَادِ ويُسْرَقُ
ولد بغزة، سنة إحدى وأربعين وأربع مئة، وتوفي سنة أربع وعشرين وخمس مئة ما بين مرو وبلخ (٢) من خراسان، ودفن ببلخ.
стр. 730
١١ - أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور: من كورة بلخ، كان من أبناء الملوك، فخرج يوما متصيِّداً، وأثار ثعلباً أو أرنباً، وهو في طلبه، فهتف به هاتف: ألهذا خُلِقتَ، أم بهذا أُمِرتَ؟ ثم هتف به من قربوس سرجه: والله! ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت، فنزل عن دابته، وصادف راعياً لأبيه، فأخذ جُبَّة الراعي من صوف، فلبسها، وأعطاه فرسه وما معه، ثم دخل البادية، ثم دخل مكة، وصحب بها سفيان الثوري، والفضيلَ بنَ عياض، ودخل الشام، ومات بها.
وقبره مشهور بمدينة جبلة من أعمال طرابلس، وله من الكرامات ما هو مشهور، وكان يأكل من عمل يده؛ مثل: الحصادة، وحفظ البساتين، وغير ذلك.
وكان يحفظ اسمَ الله الأعظم، وكان صدِّيق وقته، وحجَّة أهل زمانه، وكان مقبولاً عند جميع المشايخ والأكابر، وصحب الإمام الأعظم أبا حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ﵁، وكان في ابتداء حاله سلطانَ بلخ، وكانت تلك المملكة تحت حكمه وسلطانه، وكان يُحمل أربعون ترساً، وأربعون مقمعةً من ذهب أحمر بين يديه وخلفه، فتنزه عن ذلك كله، وانقطع إلى ربه، فكان من أمره ما اشتهر ﵁.
توفي سنة إحدى وستين ومئة - رضي الله تعالى عنه -.
* * *
١٢ - أبو العباس أحمد بن عمر بن سُريج الشافعي: من عظماء
стр. 731
الشافعية، وكان يقال له: الباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، وكان يفضَّل على جميع أصحاب الشافعي، حتى المزني، وكان له نظم حسن.
توفي ببغداد، لخمسٍ بقين من جمادى الأولى، سنة ست وثلاث مئة، ودفن بحجرته بسويقة غالب، بالجانب الغربي، بالقرب من محلة الكرخ، وعمره سبع وخمسون سنة، وستة أشهر، وكان جده سُريج مشهوراً بالصلاح، وهو بضم السين.
* * *
١٣ - أبو العباس أحمد بن أبي أحمد المعروف بابن القاص، الطبريُّ الفقيهُ الشافعيُّ: إمام وقته في طبرستان، وكان يعظ الناس، فانتهى في بعض أسفاره إلى طرسوس، وقيل: إنه تولى القضاء بها، فعقد له مجلس وعظ، فأدركته رِقَّةٌ وخشية من ذكر الله، فخر مغشيًّا عليه، ومات سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة، وعرف والده بالقاصِّ؛ لأنه كان يقصُّ الأخبار والآثار.
* * *
١٤ - أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد، المعروف بابن القطان، البغداديُّ الشافعيُّ: من كبار أئمة الأصحاب، وكانت الرحلة إليه بالعراق، مات سنة تسع وخمسين وثلاث مئة، وله مصنفات في أصول الفقه وفروعه - رحمه الله تعالى -.
стр. 732
١٥ - أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك، الأزديُّ الطَّحاويُّ الفقيهُ: انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة بمصر، وكان شافعيَّ المذهب، يقرأ على المزني، وصنف كتبًا مقيدة، وله تاريخ كبير.
مولده سنة تسع (١) وعشرين ومئتين، ونسبته إلى طَحَا - بفتح الطاء -: قرية بصعيد مصر، والأزد: قبيلة من قبائل اليمن.
* * *
١٦ - الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر محمد بن أحمد الإسفراييني، الفقيه الشافعيّ، انتهت إليه رئاسة الدنيا والدين ببغداد، وقال الناس: لو رآه الشافعي، لفرح به.
ولد سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، وقدم بغداد، وتوفي ليلة السبت، لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال، سنة ست وأربع مئة ببغداد، ودفن بباب حرب، وكان يوم موته يومًا مشهوداً بكثرة الناس، وإسفرايين: بلدة بخراسان بنواحي نيسابور.
* * *
١٧ - أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل ابن محمد بن إسماعيل، المحامليُّ الفقيهُ الشافعيُّ: برع في الفقه،
стр. 733
وصنف كتباً كثيرة، ولد سنة ثمان وستين وثلاث مئة، وتوفي يوم الأربعاء، لتسع بقين من ربيع الآخر، سنة خمس عشرة وأربع مئة.
والمحاملي: منسوب إلى المحامل التي يحمل عليها الناس في السفر.
* * *
١٨ - أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، الفقيهُ الشافعيُّ الحافظُ المشهور، ومن مشهور مصنفاته: "السنن الكبرى"، و"الصغرى"، و"دلائل النبوة"، و"شعب الإيمان"، و"مناقب الشافعي"، و"مناقب أحمد" ﵄، وكان على سيرة السلف.
وقال إمام الحرمين في حقه: ما من شافعي المذهب إلا وللشافعي عليه مِنَّةٌ، إلا أحمد البيهقي؛ فإن له على الشافعي مِنَّة؛ فإنه كان أكثر الناس نصرًا لمذهب الشافعي.
ولد في شعبان، سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، وتوفي في العاشر من جمادى الأولى، سنة ثمان وخمسين وأربع مئة بنيسابور.
* * *
١٩ - أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان النسائي: الحافظُ، إمامُ عصره في الحديث، له "السنن"، سكن بمصر، ولما امتُحن بدمشق، قال: احملوني إلى مكة، فحُمِل إليها، ودفن بين الصفا والمروة. وقيل: مات بالرملة، وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث
стр. 734
وثلاث مئة، ولما داسوه بدمشق، مات بسبب ذلك الدوس وهو منقول (١)، لمَّا سئل عن معاوية، وما روي من فضله.
ونسبته إلى نَسَا - بفتح النون -: مدينة بخراسان، خرج منها جماعة من الأعيان.
* * *
٢٠ - أبو الفتيان أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر، الفاسيُّ الأصل، الملثَّم: السيد الجليل المعروف بالبدوي.
ولد سنة ست وتسعين وخمس مئة، عُرف بالبدوي؛ لملازمته اللِّثام، فيلبس لِثامين لا يفارقهما، وعُرض عليه التزويج، فامتنع؛ لإقباله على العبادة، وكان يقرأ القرآن، وقرأ شيئاً من الفقه على مذهب الشافعي.
اشتهر بالعَطَّاب؛ لكثرة ما كان يقع لمن يؤذيه من الناس، ثم إنه لازم الصمت، حتى كان لا يتكلم إلا بالإشارة، ولازم الصيام، وأدمن عليه، كان يطوي أربعين يوماً.
حج أبوه في سنة سبع وست مئة وهو معه، فمات أبوه بمكة في سنة سبع وعشرين، ودخل العراق صحبة أخيه حسن، ثم سار إلى مصر في سنة أربع وثلاثين، فوصل إلى طندتا من الغربية، فأقام بها على سطح دار لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا، وإذا عرض له الجلل، يصيح، وكان يُكثر من الصياح.
стр. 735
وكان طويلًا، غليظ الساقين، كبير الوجه، ولونه بين البياض والسمرة، ووقع له كرامات كثيرة، وخوارق مشهورة.
توفي في ثاني عشر من شهر ربيع الأول، سنة خمس وسبعين وست مئة، وعُظِّم قبره، وبني عليه، وقام بأمر أتباعه صاحبُه عبد العال، فسمَّوه: خليفة الشيخ أحمد، واشتهر أتباعه بالسطوحية، وعُمِّر بعده مدة طويلة حتى مات في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وحدث لهم بعد مدة عملُ المولد النبوي، فصار يومًا مشهوراً، يُقصد من النواحي البعيدة، وله شهرة في الديار المصرية ﵀، ونفعنا به -.
* * *
٢١ - أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان الفقيهُ المعروفُ بالقُدُورِيِّ:
انتهت إليه رياسة الحنفية بالعراق، ولد سنة اثنتين وستين وثلاث مئة، وتوفي يوم الأحد، الخامس من رجب، سنة ثمان وعشرين وأربع مئة ببغداد، ودفن بداره، ثم نقل إلى تربة في شارع المنصور.
ونسبته إلى القُدُور التي هي جمع قِدْر.
* * *
٢٢ - أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم، الثعلبيُّ النيسابوريُّ: المفسِّر المشهور، صنف "التفسير الكبير" الذي فاق غيره من التفاسير،
стр. 736
ويقال له: الثعالبي، وهو لقب، وليس بنسب، توفي في سنة سبع وعشرين وأربع مئة، وقيل: سنة سبع وثلاثين.
* * *
٢٣ - أبو عبد الله أحمد بن أبي دُؤاد الأياديّ القاضي: كان معروفاً بالمروءة والعصبية، وكان شاعرًا فصيحًا، وكان يقول: ثلاثة ينبغي أن يُبجَّلوا، وتُعرف أقدارُهم: العلماء، وولاة العدل، والإخوان، فمن استخفَّ بالعلماء أهلكَ دينه، ومن استخف بالولاة، أهلك دنياه، ومن استخف بالإخوان، أهلك مروءته.
وكان ابن أبي دؤاد المذكور معتزلياً، ولما ولي المعتصم الخلافة، جعل ابنَ أبي دؤاد قاضي القضاة، وعزل يحيى بنَ أكثم.
وابن أبي دؤاد هو الذي كان سببًا لمحنة الإِمام أحمد، وألزمه بالقول بخلق القرآن، وذلك في رمضان، سنة عشرين ومئتين.
ثم حصل لابن أبي دؤاد محن كثيرة، وصودر في أيام المتوكل، وعُزل، وابتلي بالفالج، ومات به في المحرم، سنة أربعين ومئتين، وتوفي ولده محمَّد قبله بعشرين يومًا.
* * *
٢٤ - أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد المعروف بالخطيب: صاحب "تاريخ بغداد" وغيرِه، كان من الحفَّاظ والعلماء، صنف قريبًا من مئة مصنَّف.
стр. 737
ولد في جمادى الآخرة، سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة، وتوفي في يوم الاثنين، في السابع من ذي الحجة، سنة ثلاث وستين وأربع مئة ببغداد، والعجب أنه كان في وقته حافظَ الشرق، وأبو عمر يوسفُ ابنُ عبد البَرِّ حافظ الغرب، وماتا في سنة واحدة، ودفن إلى جانب قبر بِشْرٍ الحافي.
* * *
٢٥ - أبو الفتوح أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن أحمد الطوسيُّ الغزاليُّ الشافعيُّ: كان واعظاً صاحبَ كرامات وإشارات، واختصر كتاب أخيه "الإحياء" في مجلد واحد، وسماه: "لباب الإحياء".
توفي سنة عشرين وخمس مئة.
* * *
٢٦ - أبو الفضل أحمد ابن الشيخ كمال الدين موسى بن رضيِّ الدين يونس، الإربليُّ الأول، من بيت الرئاسة بإربل، الفقيهُ الشافعيُّ، كان إمامًا فاضلًاً، شرح "التنبيه"، واختصر "إحياء علوم الدين" مختصر بن: كبيراً، وصغيرًا.
ولد بالموصل سنة خمس وسبعين وخمس مئة، وتوفي يوم الاثنين، الرابع والعشرين من ربيع الآخر، سنة اثنتين وعشرين وست مئة.
* * *
стр. 738
٢٧ - أبو عمر أحمد بن محمَّد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير ابن سالم القرطبيُّ: مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي، وكان من العلماء، وله ديوان شعر، ومنه:
يَا ذَا الَّذِي خَطَّ العِذَارُ بِخَدِّهِ ... خَطَّيْنِ هَاجَا لَوْعَةً وَبَلا بلا
ما صَحَّ عِنْدِي أَنَّ لَحْظَكَ صَارِم (١) ... حَتَّى رَأَيْتُ مِنَ العِذَارِ حَمَائِلا
ولد في عاشر رمضان، سنة ست وأربعين ومئتين، وتوفي في ثامن عشر جمادى الأولى، سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، ودفن بقُرطبة في مقبرة بني العباس، من فالجٍ أصابه قبل ذلك بأعوام.
* * *
٢٨ - أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمَّد بن حبيب، الرازيُّ اللغويُّ: كان إمامًا في علوم كثيرة، خصوصًا اللغة، وله مصنّفات عديدة، ومنه اقتبس الحريريُّ صاحب "المقامات" ذلك الأسلوب، وله أشعار جيدة، منها:
إِذَا كُنْتَ في حَاجَةٍ مُرْسِلاً ... وَأَنْتَ بِهَا كَلِفٌ مُغْرَمُ
стр. 739
فَأَرْسِلْ حكيمًا وَلا تُوصِه ... وَذَاكَ الحَكِيمُ هُوَ الدِّرْهَمُ
توفي سنة تسعين وثلاث مئة بالرَّيِّ.
* * *
٢٩ - أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد، الجعفيُّ الكوفيُّ: المعروف بالمتنبي، الشاعرُ المشهور، قدم الشام في صباه، وجال في أقطاره، ومن شعره:
أَبِعَيْنِ مُفْتَقِرٍ إِلَيْكَ نَظَرْتَنِي ... فَأَهَنْتَنِي وَقَذَفْتَنِي مِنْ حَالِقِ
لَسْتَ المَلُومَ أَنَا المَلُومُ لأِنّنِي ... أَنْزَلْتُ آمَالِي بِغَيْرِ الخَالِقِ
وإنما قيل له: المتنبي؛ لأنه ادَّعى النبوة في بادية السَّماوة، وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم، فخرج إليه لؤلؤ أميرُ حمص، فأسره، وحبسه طويلاً، ثم استتابه، وأطلقه.
وكان قد قصد بلاد فارس، ومدح عضدَ الدولة، وأجزل جائزته، ولما رجع من عنده قاصداً بغداد، عرض له فاتكُ بنُ أبي الجهل الأسديُّ في عدّة من أصحابه، وكان مع المتنبي جماعة من أصحابه، فقاتلوهم، فقُتل المتنبي، وابنه محسَّد، وغلامه مفلِح، بالقرب من النعمانية، في
стр. 740
موضع يقال له: الشافعية، من الجانب الغربي من سواد بغداد، عند دير العاقول، فلما فرّ حين رأى الغلبة، قال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار، وأنت القائل:
فَالخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي ... وَالحَرْبُ وَالضَّرْبُ وَالقِرْطَاسُ وَالقَلَمُ
فكرَّ راجعاً حتى قُتل، وكان سبب قتله هذا البيت، والله أعلم.
وذلك يوم الأربعاء، لستٍّ بقين، وقيل: لثلاث، وقيل: لليلتين (١) من رمضان، سنة أربع وخمسين وثلاث مئة.
ومولده سنة ثلاث وثلاث مئة بالكوفة.
* * *
٣٠ - أبو العباس أحمد بن محمَّد، الدارميُّ المصيصيُّ، المعروف بالنامي، الشاعر المشهور: له مع المتنبي وقائع ومعارضات في الأناشيد، ومن شعره:
أتانِي في قَمِيصِ اللاَّذِ يَسْعَى ... عَدُوّ لِي يُلَقَّبُ بِالحَبِيبِ
وَقَدْ عَبَثَ الشَّرَابُ بِمُقْلَتَيْه ... فَصَيَّرَ خَدَّهُ كَسَنَا اللهِيبِ